← Акыда

Акыда · id 11723

الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة

حياة بن محمد بن جبريل

Полный текст (805 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قيل له: ألم يكن رسول الله ﷺ يقبل الهدية؟ قال: بلى، ولكنها لنا ولمن بعدنا رشوة١. وعن فرات بن مسلم قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحا فطلب له فلم يوجد فركب وركبنا معه، فتلقاه غلمان من الديارنة٢ بأطباق منها تفاح فوقف على طبق منها فتناول منه تفاحة فشمها ثم أعادها في الطبق، ثم قال: ادخلوا ديركم، لا أعلم أنكم بعثتم إلى أحد من أصحابي بشيء. قال: فحركت بغلتي فلحقته، فقلت: يا أمير المؤمنين: اشتهيت التفاح، وطلب لك فلم يوجد، ثم أهدي إليك فرددته، ألم يكن رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر ﵄ يقبلون الهدية؟ قال: إنها كانت لرسول الله ﷺ ولأبي بكر، وعمر ﵄ هدية، وللعمال بعدهم رشوة٣. ويبلغ بعمر الورع أنه لا يرى لنفسه أن تشم رائحة مسك أتته من أموال المسلمين، فروى ابن الجوزي قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن رياح بن عبيدة، وأبي سنان، عن عمر بن عبد العزيز أنه

стр. 142

وضعت بين يديه مِسْكة عظمية فأخذ بأنفه، فقيل يا أمير المؤمنين إنما هو ريح قال: وهل ينتفع منها إلا بريحها١. وكما تورع في طعامه وشهوته وحتى حواسه التي لا يقدر على دفع ما يدخل فيها إلا بشق الأنفس، تورع أن يرى لنفسه حقا في دواب المسلمين التابعة لبيت مالهم أن يستعملها وإن استعملها أهله بدون معرفة منه دفع الثمن إلى بيت المال، فروى ابن الجوزي، عن رياح بن عبيدة كان عمر بن عبد العزيز يعجبه أن يتأدم بالعسل، فطلب من أهله يوما عسلا، فلم يكن عندهم، فأتوه بعد ذلك بعسل فأكل منه فأعجبه فقال لأهله: من أين لكم هذا؟ قالت امرأته بعثت مولاي بدينارين على بغل البريد فاشتراه لي فقال: أقسمت عليك لما أتيتني به فأتته بعُكَّة٢ فيها عسل، فباعها بثمن يزيد ورد عليها رأس المال وألقى بقيته في بيت مال المسلمين، وقال: أنصبتِ دواب المسلمين في شهوة عمر؟ ٣. وللمسلم أن يأخذ بالرخص التي أباحها الشرع للحاجة والضرورة، ولكن عمر ﵀ لا يأخذ على نفسه إلا بالعزائم، ففي الشتاء البارد

стр. 143

والبرد القارس، احتاج عمر إلى من يسخن له الماء ليوم الجمعة قيل له ياأمير المؤمنين ما عندنا عود حطب. قال: فذهبوا بالقمقم١ إلى مطبخ المسلمين. قال: ثم جاءوا بالقمقم فقالوا هذا القمقم يا أمير المؤمنين وهو يفور فقال: ألم تخبروني أنه ليس عندكم حطب؟ لعلكم ذهبتم به إلى مطبخ المسلمين؟ قالوا: نعم. قال ادعوا لي صاحب المطبخ. فلما جاء قال له: قيل لك هذا قمقم أمير المؤمنين فأوقدت تحته؟ قال لا والله يا أمير المؤمنين ما أوقدت تحته عودا واحدا، وإن هو إلا جمر لو تركته لخمد حتى يصير رمادا. قال بكم أخذت الحطب: قال: بكذا. قال: أدوا إليه ثمنه٢. واحترز عن استعمال أموال المسلمين العامة فكان يسرج السراج من بيت المال إذا كان في حاجة المسلمين، فإذا فرغ من حوائجهم أطفأها ثم أسرج عليه سراجه الخاص به من ماله الخاص٣. ويحترز عمر ويتورع عن كل شيء مهما قل إذا كان من حق غيره، يتبين لنا ذلك في القصة التالية، فروى الفسوي عن فرات بن مسلم قال:

стр. 144

كنت أعرض على عمر بن عبد العزيز كتبي في كل جمعة، فعرضتها عليه فأخذ منها قرطاسا قدر شبر أو أربع أصابع بقي، فكتب فيه حاجة له. فقلت غفل أمير المؤمنين. فلما كان من الغد بعث إلي أن تعال وجئ بكتبك، فجئته بها، فبعثني في حاجة، فلما جئت قال: ما آن لنا أن ننظر كتبك بعد. قلت: لا، إنما نظرت فيها أمس. قال خذها حتى أبعث إليك. فلما فتحت كتبي وجدت قرطاسا قدر قرطاسي الذي أخذ١. واشتهى يوما اللحم فأرسل غلامه بقطعة يشويها ليأكل فيقيم بذلك أوده، فرجع الغلام بها سريعا، فقال له عمر: "أسرعت بها؟ قال شويتها في نار المطبخ وكان للمسلمين مطبخ يغديهم فيه ويعشيهم. فقال لغلامه: كلها يا بني فإنك زرقتها ولم أرزقها٢. فتورع عن أكلها لأنها شويت في مطبخ المسلمين، وتركها لغلامه ليأكلها، وهو واحد من الرعية، له حق في مطبخ العامة ﵀. وهناك أمثلة أخرى يذكرها المؤرخون لورع عمر بن عبد العزيز ﵀ كلها تدل على مدى اتصاف هذا الخليفة الراشد بصفة الورع، وحبه له، أملاً فيما عند الله حيث اعتبر أن البعد عن أموال المسلمين حتى

стр. 145

في الأشياء اليسيرة القليلة هو من باب الابتعاد عن الشبهة، فكان بعيدا عن الشبهات احتياطا لدينه. وذلك أن الأمور ثلاثة كما قال هو بنفسه: ١- أمر استبان رشده فاتبعه. ٢- وأمر تبين خطؤه فاجتنبه. ٣- وأمر أشكل عليك فتوقف عنه١. ومن المهم الإشارة إلى أن شيخ الإسلام قد بين أن الغلط يقع في الورع من ثلاث جهات: ١- أحدها: اعتقاد كثير من الناس أن الورع من باب الترك، فلا يرون الورع إلا في ترك الحرام، لا في أداء الواجب، وهذا يبتلي به كثير من المتدينة المتورعة، ترى أحدهم يتورع عن الدرهم فيه شبهة: لكونه من مال ظالم أو معاملة فاسدة، ويتورع عن الركون إلى الظلمة من أجل البدع في الدين، وذوي الفجور في الدنيا، ومع هذا يترك أمورا واجبة عليه إما عينا وإما كفاية وقد تعينت عليه من صلة رحم، وحق جار، ومسكين، وصاحب، ويتيم، وابن سبيل، وحق مسلم وذي سلطان، وذي علم، وعن أمر بمعروف ونهي عن منكر، وعن الجهاد في سبيل الله، إلى غير ذلك مما فيه نفع للخلق في دينهم ودنياهم مما وجب عليه، أو يفعل ذلك لا على وجه العبادة لله تعالى بل جهة التكليف ونحو ذلك.

стр. 146

وهذا الورع قد يوقع صاحبه في البدع الكبار، فإن ورع الخوارج، والروافض والمعتزلة ١، ونحوهم من هذا الجنس، تورعوا عن الظلم، وعن ما اعتقدوه ظلما من مخالطة الظلمة في زعمهم، حتى تركوا الواجبات الكبار من الجمعة والجماعة، والحج والجهاد، ونصيحة المسلمين، والرحمة لهم، وأهل هذا الورع ممن أنكر عليهم الأئمة، كالأئمة الأربعة، وصار حالهم يذكر في اعتقاد أهل السنة والجماعة. ٢- الجهة الثانية من الاعتقاد الفاسد أنه إذا فعل الواجب، والمشتبه، وترك المحرم، والمشتبه فينبغي أن يكون اعتقاد الوجوب والتحريم بأدلة الكتاب والسنة، وبالعلم، لا بالهوى، وإلا فكثير من الناس تنفر نفسه عن أشياء لعادة ونحوها، فيكون ذلك مما يقوى تحريمها واشتباهها عنده، ويكون بعضهم في أوهام وظنون كاذبة، فتكون تلك الظنون مبناها على الورع الفاسد، فيكون صاحبه ممن قال الله تعالى فيه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى﴾ ٢ وهذا حال أهل الوسوسة في النجاسات: فإنهم من أهل الورع الفاسد المركب من نوع دين، وضعف عقل وعلم، وكذلك ورع قوم يعدون غالب أموال الناس محرمة أو مشتبهة أو كلها، وآل الأمر

стр. 147

ببعضهم إلى إحلالها لذي سلطان، لأنه مستحق لها، وإلى أنه لا يقطع بها يد السارق ولا يحكم فيها بالأموال المغصوبة. وقد أنكر حال هؤلاء الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره، وذم المتنطعين في الورع١، روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ هلك المتنطعون قالها ثلاثا ٢. وورع أهل البدع كثير منه من هذا الباب: ... فيحتاج المتدين المتورع إلى علم كثير بالكتاب والسنة، والفقه في الدين، وإلا فقد يفسد تورعه الفاسد أكثر مما يصلحه، كما فعله أهل البدع من الخوارج والروافض، وغيرهم. ٣- الجهة الثالثة: جهة المعارض الراجح: هذا من الذي قبله، فإن الشيء قد يكون جهة فساده يقتضي تركه فيلحظه المتورع، ولا يلحظ ما يعارضه من الصلاح الراجح، وبالعكس. فهذا هذا وقد تبين أن من جعل الورع الترك فقط، وأدخل في هذا الورع أفعال قوم ذوي مقاصد صالحة بلا بصيرة من دينهم، وأعرض عما فوّتوه

стр. 148

بورعهم من الحسنات الراجحة، فإن الذي فاته من دين الإسلام أعظم مما أدركه فإنه قد يعيب أقواما هم إلى النجاة والسعادة أقرب١. وقد نقلنا بيان هذه الجهات الثلاث بطولها لأهميتها، ولكون أكثر المتورعين الذين عندهم قلة علم، وفقه بالكتاب والسنة، يقعون فيها كلها، أو في بعضها بدون قصد أحيانا، أو سوء فهم أو غير ذلك من المعوقات. ج - تواضعه من صفات أمير المؤمنين عمر ﵀ عند تولِّيه الخلافة خلق "التواضع"، ولا شك أن التواضع صفة حميدة، تحبب المرء الذي يتخلق بها إلى الناس، وتعظمه في نفوسهم، وتجعل منه ملء العيون والقلوب، والناس يعشقون قرب المتواضع ويتمنون لقاءه، ويستأنسون بحديثه، ويتفانون في خدمته، ولذا كان أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز محببا إلى النفوس، وقد حث القرآن الكريم والسنة على التواضع فقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً﴾ ٢

стр. 149

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "أي يمشون بسكينة ووقار متواضعين ... " ١. ومن السنة قوله ﷺ : "إن الله أوحى إليَّ: أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد"٢. وكان السلف الصالح متواضعين لله تعالى أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، وقد كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى متخلقا بخلق التواضع، ولين الجانب، حسب الروايات التي نقلت هذه الخصلة الحميدة عنه فمنها: ١- ما رواه ابن سعد بسنده: أن عمر بن عبد العزيز كان إذا سمر في أمر العامة أسرج من بيت مال المسلمين وإذا سمر في أمر نفسه أسرج من مال نفسه. قال فبينما هو ذات ليلة إذ نعس السراج فقام إليه ليصلحه فقيل له: يا أمير المؤمنين إنا نكفيك. فقال: "أنا عمر حين قمت وأنا عمر حين جلست" ٣.

стр. 150

ومنها ما رواه الفسوي: قال حدثني حرملة، أخبرني وهب، قال: حدثني الليث أن أبا النضر حدثه. قال: دسست إلى عمر بن عبد العزيز بعض أهله، أن قل له، إن فيك كبرًا، وأنه يتكبر. فقيل ذلك، فقال عمر: قل له لبئست ما ظننت إن كنت تراني أتوقى الدينار والدرهم مراقبة الله فأنطلق إلى أعظم الذنوب فأركبه، الكبرياء إنما هو رداء الرحمن، فأنازعه إياه ... ؟! "١. ومن تواضعه أنه يخدم نفسه، بل يخدم جميع المسلمين عبيدهم وإمائهم، بل يصل تواضعه إلى أن يخدم جاريته، روى ابن الجوزي قال: حدثنا النضر بن سهيل، عن أبيه، قال: قال عمر بن عبد العزيز لجارية له: ياجارية روِّحيني، فأقبلت تروِّحه، فغلبتها عيناها فنامت، فأخذ المروحة وأقبل يروِّحها، فانتبهت فصاحت، فقال لها عمر: إنما أنت بشر مثلي أصابك من الحرِّ ما أصابني، وأحببت أن أروحك مثل الذي روَّحتني٢. وكان عمر إذا دخل بيته يخدم أهله كما كان رسول الله ﷺ يفعل، جاءت امرأة من العراق فدخلت على زوجته فاطمة، فجاء عمر فأقبل حتى دخل الدار، فمال إلى بئر في ناحية الدار، فانتزع منها دلاء صبَّها على طين، كان بحضرة البيت، وكان يكثر النظر إلى فاطمة فقالت لها

стр. 151

المرأة استتري من هذا الطيان فإني أراه يديم النظر إليك فقالت: ليس هو بطيان هو أمير المؤمنين ... "١. ولم يكن -رحمه الله تعالى- يحب مظاهر التكبر والاحترام الزائد، والغلو في الأمور، وإنما كان أموره كلها متوسطة، لا إفراط فيها ولا تفريط. ولذلك كان ينهى حراسه أن يقوموا إجلالاً له وأن يبدأوه بالسلام، فروى ابن عبد الحكم قال: وكان عمر ابن عبد العزيز يتقدم إلى الحرس إذا خرج عليهم أن لا يقوموا إليه ويقول لهم: لا تبتدأوني بالسلام إنما السلام علينا لكم٢. كما أذن عمر في إباحة دخول المظلومين عليه بغير إذن٣، ولا طلب، وإنما يكفي المظلوم أن يقوم بالدخول متى وجد فرصة ليتظلم، وليأخذ حقه فالضَّعيف عنده قوي حتى يأخذ حقه، والقوي ضعيف حتى يؤخذ الحق منه. ولتواضعه لم يكن يستنكف أن يجلس إليه أحد من عبيده، ولا يريد من أحد منهم أن يتهيَّب في الجلوس إليه، يجلس على الأرض، ويأبى أن يتميز على الناس بمركب أو مأكل أو مشرب، أو ملبس، وكان ينكر

стр. 152

ذاته، دخل عليه رجل فقال له يا أمير المؤمنين إن من كان قبلك كانت الخلافة لهم زينا وأنت زين الخلافة وإنما مثلك كما قال الشاعر: وإذا الدر زان حسن وجوه ** كان للدر حسن وجهك زينا. فأعرض عنه عمر١. وقال له رجل: جزاك الله عن الإسلام خيراً فقال: لا بل جزى الله الإسلام عني خيرا. ودخل عليه رجل وهو في ملإ من الناس، فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال: عم بسلامك.٢

стр. 153

المبحث الخامس: فضائله رحمه الله تعالى الخليفة عمر بن عبد العزيز صاحب فضائل مأثورة ومناقب جمة، ولا شك أنه من فضلاء التابعين الذين نص الحديث الصحيح بأنهم خير القرون بعد الصحابة حيث قال ﵊: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم١ ... " الحديث، علاوة على هذا فقد انفرد بفضائل من أهمها ما يلي: ١- كونه من الخلفاء العدول، والعدل أساس الملك، وقد مدحه الله في عدة آيات منها ما يأتي: قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٢. وقال : ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ ٣. وقال ﵊: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل ... " ٤.

стр. 154

فهذه النصوص تبين لنا أهمية العدل، وبعضها نصت على فضيلة الإمام العادل وقد كان عمر بن عبد العزيز متصفا بالعدل في الرعية حتى مع أهل الملل الأخرى، كما حدث له مع نصارى دمشق بشأن الجامع الأموي١، ولم يقتصر عدله بين رعيته من الناس. فقد كان رحيما محبا للعدل حتى مع الدواب، فقد روى أبو نعيم أنه كان لعمر بن عبد العزيز غلام يعمل على بغلة له، وكان يأتيه كل يوم بدرهم، فجاءه يوما بدرهم ونصف، فقال: من أين لك هذا؟ قال الغلام: نفقت السوق قال لا، ولكنك أتعبت البغل أرحه ثلاثة أيام٢. ولحرصه على العدل وتطبيق نصوص الكتاب والسنة، والاقتداء بالصحابة رضوان الله عليهم بدأ بنفسه وبأهله فأخرج كل ما بيده من الأموال، وردها إلى بيت المال. وكذلك فعل مع قرابته من بني أمية، ثم رد

стр. 155

المظالم التي كانت قد أخذت، حتى إنه كان يرد المظلمة بدون شهود إذا تأكد من وجودها، كما تنازل عن فدك لأهل بيت النبي ﷺ ، وخرج عن كل الإقطاعات والصفايا وردها إلى بيت المال، وكان يتدرج في هذه الأمور كلها فقد سأله ابنه البار "عبد الملك": لماذا لا يمضى لما يريد من العدل؟ فأجابه عمر: يا بني إنما أُروِّض الناس رياضة الصعب، إني لأريد أن أحيي الأمور من العدل، فأوخر ذلك حتى أخرج معه طمعا من طمع الدنيا، فينفروا لهذه ويسكنوا لهذه. وكان يؤلف الناس بالعطايا حتى يقبلوا الحق الذي يريده منهم، فعن هشام بن عبد الملك قال: قال عمر بن عبد العزيز: ما طاوعني الناس على ما أردت من الحق حتى بسطت لهم من الدنيا شيئاً١. والتدرج في الأمور من سنن الله تعالى ثم إنه من سنن رسله عليهم الصلاة والسلام واستعماله هذا التدرج يُعَدُّ من عمق فقهه لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وحسن خلقه وإخلاصه ﵀. ٢- ومن فضائله رحمه الله تعالى ما ذكره بعض أهل العلم من أنه هو المجدد للقرن الأول، وهو المقصود بحديث رسول الله ﷺ : "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها" ٢.

стр. 156

ولا شك أن عمر بن عبد العزيز خليق بأن يحمل عليه هذا الحديث، فقد كان عالما عاملا، همه كله وعزمه، وهمته، آناء الليل والنهار إحياء السنن، ونصر صاحبها، وإماتة البدع، ومحدثات الأمور ومحوها، وكسر أهلها باللسان، والسنان، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ولم يسلم بتوفر جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أن يدعى ذلك في عمر بن عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير، وتقدمه فيها، ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه، وأما من جاء بعده فالشافعي، وإن كان متصفا بالصفات الجميلة إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد، والحكم بالعدل ... ١. ٣- ومن فضائله رحمه الله تعالى ما ذكره ابن عبد الحكم أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى رؤيا ثم استيقظ وقال: "إن من ولدي رجلا بوجهه أثر يملأ الأرض عدلا"٢. ولا شك عمر بن الخطاب قد خص بالذكر في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ قال: "لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر ... " ٣.

стр. 157

قال الحافظ ابن حجر: والسبب في تخصيص عمر بالذكر لكثرة ما وقع له في زمن النبي ﷺ من الموافقات التي نزل القرآن مطابقا لها ووقع له بعد النبي ﷺ عدة إصابات"١. ولعل هذه الرؤيا مما وقع له من إصابات بعد النبي ﷺ وقد وردت هذه الرؤيا عند ابن سعد في الطبقات، فروى بسنده قال: أخبرنا عبيد الله بن محمد بن عائشة التيمي ثم القرشي٢، حدثنا محمد بن عمر بن أبي شميلة٣ عن جويرية بن أسماء٤، عن نافع٥، قال: قال عمر بن الخطاب: ليت شعري من ذو الشين من ولدي الذي يملؤها عدلا كما ملئت جورا٦.

стр. 158

وقد جاء عن ابن عمر ﵁ أنه كان يحدث بهذا كثيرا، ولعله مما حفظه عن أبيه عمر فقال ابن سعد: أخبرنا سليمان بن حرب١، قال: حدثنا المبارك بن فضالة٢، عن عبيد الله بن عمر٣، عن نافع، عن ابن عمر: قال: كنت أسمع ابن عمر كثيرا يقول: ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر في وجهه علامة يملأ الأرض عدلا٤. وقال: أخبرنا يزيد بن هارون عن الماجشون عن عبد الله بن دينار٥، قال: قال ابن عمر: إنا كنا نتحدث أن هذا الأمر لا ينقضي حتى يلي هذه

стр. 159

الأمة رجل من ولد عمر يسير بسيرة عمر فيها بوجهه شامة قال: فكنا نقول هو بلال بن عبد الله بن عمر، وكانت بوجهه شامة. قال: حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب١. فيستأنس بما سبق من الآثار أنه رحمه الله تعالى كان مجددا لما توفر فيه من صفات تجعله خليقا بهذا الوصف. وتوجد نصوص وآثار عن عدة من فضلاء التابعين تجعل عمر بن عبد العزيز هو المهدي المنتظر، فروى ابن سعد قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي٢، قال: أخبرنا عبد الجبار بن أبي معن٣، قال: سمعت سعيد ابن المسيب٤، وسأله رجل فقال: يا أبا محمد من المهدي؟ فقال له سعيد: أدخلت دار مروان؟ قال: لا. قال: فادخل دار مروان تر المهدي! قال: فأذن عمر بن عبد العزيز للناس، فانطلق الرجل حتى دخل دار مروان

стр. 160

فرأى الأمير، والناس مجتمعين، ثم رجع إلى سعيد بن المسيب فقال: يا أبا محمد دخلت دار مروان فلم أر أحدا أقول هذا المهدي. فقال له سعيد بن المسيب - وأنا أسمع-: هل رأيت الأشج عمر بن عبد العزيز القاعد على السرير؟ قال: نعم. قال: فهو المهدي١. قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثني مسلمة أبو سعيد، قال: سمعت العزرمي يقول: سمعت محمد بن علي يقول: النبي منا، والمهدي من بني عبد شمس، ولا نعلمه إلا عمر بن عبد العزيز، قال: وهذا في خلافة عمر بن عبد العزيز٢. قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثني أبو بكر بن الفضل بن المؤتمر العتكي، قال: حدثني أبو يعفور، عن مولى لهند بنت أسماء قال: قلت لمحمد بن علي: إن الناس يزعمون أن فيكم مهديا فقال: إن ذاك كذاك، ولكنه من بنى عبد شمس. قال: كأنه عني عمر بن عبد العزيز٣.

стр. 161

فلو صحت هذه الآثار عن هؤلاء الفضلاء لأمكن حملها على أن مقصودهم بذلك أن عمر بن عبد العزيز من ضمن الأئمة المهديين الذين جاء الحديث الصحيح بذكرهم، وهو قوله ﷺ : "لا يزال هذا الأمر قائما حتى يلي أمر هذه الأمة اثنا عشر خليفة كلهم من قريش"١. أما أن يكون المقصود بها أن عمر بن عبد العزيز هو المهدي المنتظر الذي يأتي في آخر الزمان، فهذا مردود، لأن المهدي المنتظر يكون خروجه قريبا مع نزول عيسى ﵇، وهو من ذرية الرسول ﷺ ويكون اسمه موافقا لاسم الرسول ﷺ واسم أبيه، وكذلك أنه يأتي في

стр. 162

وقت، والمسلمون بدون حاكم إلى آخر صفاته التي لا تنطبق على عمر بن عبد العزيز اللهم إلا إذا أريد بالمهدي بمعنى المجدد، فهذا لا حرج فيه. والله أعلم. ٤- ومن فضائله رحمه الله تعالى أنه كان مستجاب الدعاء، فروى ابن عبد الحكم أن ابن الريان كان سيافا للوليد بن عبد الملك، فلما ولي عمر الخلافة قال: إني أذكر بأوه١، وتيهه، ثم قال: اللهم إني قد وضعته لك فلا ترفعه" فما رئي شريف قد خمد ذكره مثله حتى لا يذكر٢. وعمر رحمه الله تعالى لم يدع عليه هنا لأمر شخصي أو خلافي كان قد نشأ بينهما فيما سبق وإنما دعا عليه لتيهه، وتكبره على الخلق، وظلمه، وغشمه، واعتدائه على الناس، وعمر العادل تكره نفسه مثل هذه النفوس فأجاب الله دعاءه. وقد دعا عمر رحمه الله تعالى حين حج فأخبر قبل دخوله إلى مكة بقلة الماء فيها، فدعا عند ذلك فأجاب الله دعاءه. فسقوا وهذا حين كان أميرا على المدينة٣، كما دعا على غيلان القدري حين

стр. 163

ناظره فقال: اللهم إن كان عبدك غيلان صادقا، وإلا فاصلبه، فصلب بعد في خلافة هشام بن عبد الملك١. ٥- ومن فضائله ﵀ ما روي عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم في النبوة ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء، ثم يكون خلافة على منهاج النبوة تكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء، ثم تكون جبرية تكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة". قال: فقدم عمر يعني ابن عبد العزيز ومعه يزيد بن النعمان فكتبت إليه أذكره الحديث وكتبت إليه - الكاتب هو حبيب بن سالم أو داود الواسطي - إني أرجوا أن يكون أمير المؤمنين بعد الجبرية قال: فأخذ يزيد الكتاب فأدخله على عمر فسُرَّ به وأعجبه٢. وكذلك من فضائله كثرة الخيرات في خلافته فكانت مدة ولايته ثلاثين شهرا تقريبا وما مات حتى جعل الرجل يأتي بالمال العظيم فيقول:

стр. 164

اجعلوا هذا المال حيث ترون في الفقراء فما يبرح حتى يرجع بماله يتذكر من يضعه فيهم فلا يجده، فيرجع بماله وقد أغنى عمر الناس١. وهناك فضائل ذكرها العلماء لعمر بن عبد العزيز وهي مبالغ فيها جدا فلا فائدة في ذكرها لظهور ضعفها وكون أكثرها من الإسرائيليات والمنامات. وعمر بن عبد العزيز ﵀ كما ظهر مما سبق من المشهود لهم بالفضل والخير وقد ورد في الحديث "إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض.."٢. وقد روى الإمام مسلم بسنده عن سهيل بن أبي صالح أنه كان في عرفة مع أبيه فمر عمر بن عبد العزيز وهو على الموسم، فقام الناس ينظرون إليه. قال: فقلت لأبي: يا أبت إني أرى الله يحب عمر بن عبد العزيز قال: وما ذاك؟ قلت: لما له من الحب في قلوب الناس، فقال: بأبيك أنت سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ ثم ذكر الحديث المتقدم٣.

стр. 165

وقوله ﵊: " ... أنتم شهداء الله في الأرض ... " ١، فمن هذين النصين وغيرهما من النصوص نرجو إن شاء الله أن يكون عمر ابن عبد العزيز ممن سبقت لهم الحسنى والله أعلم. المبحث السادس: وفاته رحمه الله تعالى

стр. 166

يذكر غالب المؤرخين وغيرهم في سبب وفاة عمر بن عبد العزيز بأنه مات مسموما١، بينما ذهب آخرون إلى أن ذلك كان بسبب عزوفه عن مأكل طيب، ومشرب هني، يعوض بنيته ما تفقده من طاقة هائلة في العمل الذي لا يهدأ ليلا ونهارا، فلما أمسكت به علة -لم يحدد المؤرخون ٢ طبيعتها ولا فصلوا القول فيها - تشبثت بجسمه المنهك الضعيف عشرين يوما حتى كانت الوفاة٣. وتوجد رواية عند أبي حفص الملاء مفادها أن أهل عمرلم يزالوا يراودونه على أخذ بوله ليعتبره الطبيب فيأبى ذلك، حتى أخذوه يوما في طست، وقلبوه في قارورة ونفذوه إلى الطبيب من حيث لا يشعر لمن هو. فأخذ الناس يعرضون عليه قواريرهم ويصف لهم ما يصف، حتى جيء

стр. 167

بقارورة عمر، فلما نظر فيها قال: إني لأرى في هذا الماء عجبا. قال: وما هو العجب؟ قال: إن هذا بول رجل فتت الحزن كبده١. وتوجد رواية عند ابن سعد وغيره تبين سلامة بوله، فعن عبد المجيد بن سهل قال: لقيت الطبيب وقد خرج من عند عمر بن عبد العزيز فقلت له: رأيت اليوم بوله؟ فقال: ما ببوله بأس إلا الهم بأمر الناس٢، ولما سئلت زوجته عن بدء مرضه قالت: أرى كل ذلك أو جله الخوف٣. ويبدو أنه لا معارضة بين هذه الأسباب المذكورة فلعلها كلها قد اجتمعت عليه فقد ألزم نفسه حسب الروايات التي وصلت إلينا بأعمال شاقة عليه، وعزف عن المأكل الطيب الذي كان قد تعوده قبل خلافته، ثم شدد على أقربائه من أمراء البيت الأموي، ولم يكن يتحرز كثيرا في مأكله ومشربه، فأصبحت الفرصة سانحة لسقيه السم، وقد فصل بعض المؤرخين كيفية سقيه السم، حيث ذكروا بأن خادمه وضع السم في ظفر إبهامه فلما استقى عمر غمس إبهامه في الماء، ثم سقاه، فمرض عمر مرضه الذي مات فيه٤.

стр. 168

ولعله حين علم بسقيه السم وتيقن بذلك دعا على نفسه بالموت كما سيأتي فروى أبو زرعة الدمشقي أن عمر قال: اللهم إني قد مللتهم، وملوني، فأرحني منهم وأرحهم مني١. كما روى ابن عبد الحكم أن عمر دعا ابن أبي زكريا، وطلب منه أن يدعو له بالموت فدعا له٢. وهكذا مات في أخريات رجب لسنة إحدى ومائة ولخمس، أو ست، أو عشر بقين من الشهر، وكان موته يوم الجمعة عن أربعين سنة في أصح الأقوال٣. وكانت مدة خلافته سنتين وخمسة أشهر أو ستة أشهر وعليهن أيام كما كانت خلافة الصديق ﵁ ٤. ولا شك أن موته كانت خسارة فادحة في حق المسلمين، يظهر ذلك من مواقف الناس حين سمعوا بموته، ومن الرثاء له، واتفاقهم على الحزن عليه والتأسف لفقده. فقد روى أن مسلمة بن عبد الملك نظر إلى عمر بن

стр. 169

عبد العزيز وهو مسجى فقال له: يرحمك الله يا عمر لقد لينت لنا قلوبا قاسية، وأبقيت لنا في الصالحين ذكرا. ولما بلغ الحسن البصري موت عمر قال: إنا لله وإنا إليه راجعون يا صاحب كل خير١. وقال عبد الملك بن عمير: رحمك الله يا عمر، إن كنت لغضيض الطرف، أمين الفرج، جواداً بالحق، بخيلا بالباطل، تغضب في حين الغضب، وترضى في حين الرضى، وما كنت مزاحا، ولا عَيابًا، ولا مرتابا، ولا بهاتا٢. وروي أن جماعة من الفقهاء جاءوا إلى فاطمة زوجته فقالوا لها: اعلمي أن الرزية بأمير المؤمنين عمر عامة، والمصيبة به شاملة٣. وكان رسول عمر بن عبد العزيز إذا وصل إلى البصرة تلقاه الناس بالرحب والسعة، فإنه كان لا يأتي إلا بزيادة عطاء، أو بإنفاذ مال يتفقد أحوال الفقراء، فلما وصل الرسول بموته هرع الناس إليه جريا على

стр. 170

عادتهم، فلما أخبر بموته ضج الناس بالبكاء والعويل، وغم ذلك أهل البصرة بأسرهم، وعمت مصيبته١. وقد رثاه عدة من الشعراء - مع كونه قد أقصاهم وأدّب بعضهم - بقصائد نختار اثنتين منها وهي كما يلي: فقال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز: تنعى النعاة أمير المؤمنين لنا ... ياخير من حج بيت الله واعتمرا. حملت أمرا عظيما فاصطبرت له ... وقمت فيه بأمر الله يا عمرا. فالشمس كاسفة ليست بطالعة ... تبكي عليك، نجوم الليل والقمرا٢ وقال كثير عزة يرثي عمر: لقد كنت للمظلوم عزا وناصرا ... إذا ما تعيا في الأمور حصونها. كما كان حصنا لا يرام ممنعا ... بأشبال أسْد لا يرام عرينها وليت فما شانتك فينا ولاية ... ولا أنت فيها كنت ممن يشينها إلى أن يقول: سقى ربنا من دير سمعان حفرة ... بها عمر الخيرات رهنا دفينها صوابح من مزن ثقال غواديا ... دوالح دهما ماخضات دجونها٣

стр. 171

قال ابن كثير: وكانت وفاته بدير سمعان من أرض حمص، وصلى عليه ابن عمه مسلمة بن عبد الملك، وقيل صلى عليه يزيد بن عبد الملك. وقد ذكر المؤرخون أخباراً مبالغا فيها في كراماته عند وفاته، وقد قال ابن كثير في بعض هذه الأخبار: وفيها غرابة شديدة كما سبق ذكره والله أعلم١.

стр. 172

الباب الأول: الآثار الواردة عن عمر في التوحيد الفصل الأول: الأثار الواردة عن عمر في توحيد الألوهية المبحث الأول: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الدعاء ... الباب الأول: الآثار الواردة عن عمر في التوحيد. الفصل الأول: الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في توحيد الألوهية تمهيد: توحيد الألوهية أساس دين الإسلام، بل هو أساس كل دين سماوي، به أرسل جميع الرسل وأنزلت عليهم جميع الكتب، وهو الذي دعا إليه كل رسول من آدم ﵇ إلى نبينا محمد ﷺ بل هو الغاية من خلق الجن والإنس. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١، وكان سلف هذه الأمة ﵏ يهتمون بهذا النوع من التوحيد كما سيتضح لنا ذلك فيما يأتي، وممن كان له إسهام في هذه المسألة عمر بن عبد العزيز الذي كان له أقوال مأثورة ومواقف مشهورة سوف تتضح خلال هذا المبحث الذي يمهد له الآن، وسوف يتضح أنه كان يحرص دائما في كلامه وفي خطبه على بيان هذا الجانب وبيان ما يضاده. وقبل بيان ما أثر عنه أرى أنه من الأهمية بمكان بيان المقصود من توحيد الألوهية عند إطلاقه: فعرف بأنه: "استحقاق الله أن يعبد وحده لا شريك له"٢. وعرفه بعض الباحثين بأنه: "توحيد الله بأفعال العباد وهو المعبر عنه بتوحيد الطلب والقصد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له ومحبته، وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه والرهبة، والرغبة منه وإليه

стр. 173

وحده، والتقرب إليه بسائر العبادات البدنية، والمالية دون إشراك أحد أو شيء من خلقه١. وأما بالنسبة للآثار التي وردت عن هذا الخليفة العادل في توحيد الألوهية بخصوصها فقد كانت مفرقة في بعض أنواع هذا التوحيد فمما ورد عنه آثار في الدعاء والتبرك، والخوف، والرجاء، والتوكل،

стр. 174

كتابه أن أمر بالصلاة على النبي ﷺ وعلى المؤمنين والمؤمنات، وأن رجالا من القصاص قد أحدثوا صلاة على خلفائهم، وأمرائهم عدل ما يصلون على النبي وعلى المؤمنين فإذا أتاك كتابي هذا فمر قصاصكم فليصلوا على النبي ﷺ وليكن فيه إطناب دعائهم وصلاتهم ثم ليصلوا على المؤمنين والمؤمنات، ولينتصروا الله ولتكن مسألتهم عامة للمسلمين وليدعوا ما سوى ذلك ... ١. ١٠- ابن أبي شيبة قال: حدثنا حسين بن علي٢، عن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز، أما بعد: فإن أناسا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن أناسا من القصاص قد أحدثوا من الصلاة على خلفائهم، وأمرائهم عدل صلاتهم على النبي ﷺ فإذا أتاك

стр. 175

أبي١،وأبي خازم٢، على عمر بن عبد العزيز فقال عمر لأبي، يا أبا بكر! ما لي أراك مهموماً؟، قال: فقال له أبو خازم: لديْن عليه، فقال عمر: أَفُتِح عليك٣ الدعاء؟ فقال: نعم. فقال له عمر: بارك الله لك فيه٤. ٣- ابن أبي الدنيا قال حدثني أبو محمد البزار حدثنا المسيب بن واضح، عن محمد بن الوليد، قال: مر عمر بن عبد العزيز برجل في يده حصاة يلعب بها، وهو يقول: اللهم زوجني من الحور العين، فقام إليه فقال: بئس الخاطب أنت! ألا ألقيت الحصاة، وأخلصت إلى الله الدعاء٥.

стр. 176

٤- ابن عبد الحكم١ قال: حدثني أبي عبد الله بن عبد الحكم٢، قال: حدثني مالك ابن أنس٣، والليث بن سعد٤، وسفيان بن عيينة٥،

стр. 177

وعبد الله بن لهيعة١، وبكر بن مضر٢، وسليمان بن يزيد الكعبي٣، وعبد الله بن وهب٤، وعبد الرحمن بن القاسم٥، وموسى

стр. 178

ابن صالح١ وغيرهم ممن لم أسم بجميع ما في هذا الكتاب من أمر عمر ابن عبد العزيز على ما سميت ورسمت، وفسرت، وكل واحد منهم قد أخبرني بطائفة فجمعت ذلك كله٢.

стр. 179

ومن ذلك: أن عمر بن عبد العزيز كان يدعو بهذا الدعاء. "اللهم رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت، وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما برح بي هذا الدعاء حتى لقد أصبحت ومالي في شيء من الأمور هوى إلا في مواضع القضاء١. ٥- ابن الجوزي قال: حدثني الزبير بن بكار، قال: قال عمر بن عبد العزيز: "اللهم إني أطعتك في أحب الأشياء إليك وهو التوحيد، ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك وهو الكفر فاغفر لي ما بينهما"٢.

стр. 180

٦- ابن أبي الدنيا قال: قال داود بن رشيد: نا الوليد بن مسلم عن ابن جابر قال: حدثني عبد الله بن عمر بن عبد العزيز قال: ما قلب عمر بن عبد العزيز نظره إلى نعمة أنعم الله بها عليه إلا قال: "اللهم إني أعوذ بك أن أبدل نعمة الله كفرا أو أكفرها بعد معرفتها أو أنساها فلا أثني عليك بها"١. ٧- ابن عبد الحكم قال: وكان عمر يقول: "يا رب خلقتني وأمرتني ونهيتني، ورغبتني في ثواب ما أمرتني به، ورهبتني عقاب ما نهيتني عنه، وسلطت علي عدوا فأسكنته صدري وأسكنته مجرى دمي، إن أهم بفاحشة شجعني، وإن أهم بطاعة ثبطني لا يغفل إن غفلت ولا ينسى إن نسيت ينصب لي الشهوات، ويتعرض لي في الشبهات، وإلا تصرف عني
следующие страницы →