← Акыда

Акыда · id 11723

الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة

حياة بن محمد بن جبريل

Полный текст (805 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٤- ابن عبد الحكم١ قال: حدثني أبي عبد الله بن عبد الحكم٢، قال: حدثني مالك ابن أنس٣، والليث بن سعد٤، وسفيان بن عيينة٥،

стр. 177

وعبد الله بن لهيعة١، وبكر بن مضر٢، وسليمان بن يزيد الكعبي٣، وعبد الله بن وهب٤، وعبد الرحمن بن القاسم٥، وموسى

стр. 178

ابن صالح١ وغيرهم ممن لم أسم بجميع ما في هذا الكتاب من أمر عمر ابن عبد العزيز على ما سميت ورسمت، وفسرت، وكل واحد منهم قد أخبرني بطائفة فجمعت ذلك كله٢.

стр. 179

ومن ذلك: أن عمر بن عبد العزيز كان يدعو بهذا الدعاء. "اللهم رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت، وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما برح بي هذا الدعاء حتى لقد أصبحت ومالي في شيء من الأمور هوى إلا في مواضع القضاء١. ٥- ابن الجوزي قال: حدثني الزبير بن بكار، قال: قال عمر بن عبد العزيز: "اللهم إني أطعتك في أحب الأشياء إليك وهو التوحيد، ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك وهو الكفر فاغفر لي ما بينهما"٢.

стр. 180

٦- ابن أبي الدنيا قال: قال داود بن رشيد: نا الوليد بن مسلم عن ابن جابر قال: حدثني عبد الله بن عمر بن عبد العزيز قال: ما قلب عمر بن عبد العزيز نظره إلى نعمة أنعم الله بها عليه إلا قال: "اللهم إني أعوذ بك أن أبدل نعمة الله كفرا أو أكفرها بعد معرفتها أو أنساها فلا أثني عليك بها"١. ٧- ابن عبد الحكم قال: وكان عمر يقول: "يا رب خلقتني وأمرتني ونهيتني، ورغبتني في ثواب ما أمرتني به، ورهبتني عقاب ما نهيتني عنه، وسلطت علي عدوا فأسكنته صدري وأسكنته مجرى دمي، إن أهم بفاحشة شجعني، وإن أهم بطاعة ثبطني لا يغفل إن غفلت ولا ينسى إن نسيت ينصب لي الشهوات، ويتعرض لي في الشبهات، وإلا تصرف عني

стр. 181

كيده يستزلني، اللهم فاقهر سلطانه علي بسلطانك عليه حتى تخسئه بكثرة ذكري لك فأفوز مع المعصومين بك ولا حول ولا قوة إلا بك"١. ٨- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز في الزلزلة: أما بعد: فإن هذا الرجف شيء يعاتب الله به العباد، وقد كتبت إلى أهل الأمصار أن يخرجوا يوم كذا من شهر كذا، فمن كان عنده شيء فليصدق٢. قال الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ٣، وقولوا كما قال أبوكم آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٤، وقولوا كما قال نوح ﵇: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي

стр. 182

وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١، وقولوا كما قال يونس ﵇: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢"٣. ٩- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أمراء الأجناد أما بعد: فإن الناس ما اتبعوا كتاب الله نفعهم في دينهم ومعايشهم في الدنيا ومرجعهم إلى الله فيما بعد الموت، وإن الله أمر في كتابه بالصلاة على النبي ﷺ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٤، صلوات الله على محمد رسول الله والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. ثم قال لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ ٥، فقد جمع الله ﵎ في

стр. 183

كتابه أن أمر بالصلاة على النبي ﷺ وعلى المؤمنين والمؤمنات، وأن رجالا من القصاص قد أحدثوا صلاة على خلفائهم، وأمرائهم عدل ما يصلون على النبي وعلى المؤمنين فإذا أتاك كتابي هذا فمر قصاصكم فليصلوا على النبي ﷺ وليكن فيه إطناب دعائهم وصلاتهم ثم ليصلوا على المؤمنين والمؤمنات، ولينتصروا الله ولتكن مسألتهم عامة للمسلمين وليدعوا ما سوى ذلك ... ١. ١٠- ابن أبي شيبة قال: حدثنا حسين بن علي٢، عن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز، أما بعد: فإن أناسا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن أناسا من القصاص قد أحدثوا من الصلاة على خلفائهم، وأمرائهم عدل صلاتهم على النبي ﷺ فإذا أتاك

стр. 184

كتابي هذا فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين، ودعاؤهم للمسلمين عامة ويدعون ما سوى ذلك١. ١١- ابن عبد الحكم قال: ولما مرض عمر بن عبد العزيز مرضه الذي مات منه، وقد مات أعوانه، سهل أخوه، وعبد الملك ابنه ومزاحم مولاه، قام حبْوا٢ إلى شن٣ معلق فتوضأ منه فأحسن الوضوء ثم أتى مسجده فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم إنك قد قبضت سهلا، وعبد الملك، ومزاحما، - وكانوا أعواني على ما قد علمت - فلم أزدد لك إلا حباً، ولا فيما عندك إلا رغبة فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط. فما قام من مرضه ذلك حتى قبضه الله تعالى فرحمه الله٤.

стр. 185

١٢- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز:" ... اللهم إني قد مللتهم وملوني فأرحني منهم، وأرحهم مني، قال: فما عاد إلى المنبر ثانية حتى قبضه الله عز وجل١. ١٣- ابن عبد الحكم قال: بعث عمر بن عبد العزيز إلى عبد الله بن أبي زكريا، وكان من صلحاء أهل الشام ... فقال له ادع الله أن يميتني ... " فدعا له٢. ١٤- الفسوي قال: حدثنا "عبد الله بن عثمان" قال: قال عبد الله ٣ قال عمر بن عبد العزيز: إني فكّرت في أمري وأمر الناس فلم أر شيئا خيرا من الموت، قال عبد الله - يعني لفساد الناس وما دخلهم - فقال لقاصه "محمد بن قيس": ادع لي بالموت فأبيت وأبي علي قال: فدعوت له وعمر رافع يديه يؤمن على دعائي وهو يبكي ... "٤.

стр. 186

١٥- أبو زرعة قال: أخبرني الحارث بن مسكين عن ابن وهب قال: سمعت مالك بن أنس يحدث أن عمر بن عبد العزيز قال لبعض من يخلو معه: ادع الله لي بالموت١. ١٦- ابن عبد ربه قال: قال ميمون بن مهران: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فكثر بكاؤه ومسألته ربه الموت، فقلت: لم تسأل الموت! وقد صنع الله على يديك خيرا كثيرا، أحيا بك سننا، وأمات بك بدعا، قال: أفلا أكون مثل العبد الصالح حين أقر الله عينه وجمع له أمره قال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ٢،٣.

стр. 187

التعليق: يتبين من الآثار التي تقدم ذكرها عدة مسائل تتعلق بالدعاء وقبل بيان هذه المسائل وإيضاح ما تدل عليه يحسن تعريف الدعاء أولا: فالدعاء لغة: الطلب والابتهال: يقال: دعوت الله أدعوه دعاء: ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما عنده من الخير، ودعا الله: طلب منه الخير ورجاه منه، ودعا لفلان: طلب الخير له، ودعا على فلان: طلب الشر له١. والدعاء في الاصطلاح هو: "استدعاء العبد ربه العناية واستمداده إياه المعونة"٢. وقد صح في النصوص أن الدعاء هو العبادة٣، وقد اتفق جميع العقلاء على أن الدعاء نفعه محسوس، وكل إنسان محتاج إليه، لكن أورد بعض الضلال الجهلة سؤالا مفاده: "أن المدعو به إن كان قد قدر لم يكن بد من وقوعه دعا به العبد أو لم يدع. وإن لم يكن قد قدر لم يقع سواء سأله

стр. 188

العبد أو لم يسأله. فوهموا واعتقدوا صحة هذا السؤال فتركوا الدعاء، وقالوا لا فائدة فيه. وهؤلاء مع فرط جهلهم وضلالهم متناقضون، فلو اطرد مذهبهم لوجب تعطيل جميع الأسباب، فيقال لأحدهم: إن كان الشبع، والري قد قدرا لك فلا بد من وقوعهما أكلت أو لم تأكل، وإن كان الولد قد قدر لك فلا بد منه وطئت الزوجة أو الأمة أو لم تطأهما، وإن لم يقدر لم يكن، فلا حاجة إلى التزوج والتسرى، وهلم جرا، فهل يقول هذا عاقل أو آدمي؟! بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها قوامه وحياته فالحيوانات أعقل، وأفهم من هؤلاء الذين هم كالأنعام يل هم أضل سبيلا١ وعلى هذا فالمسألة الأولى التي تدل عليها الآثار السابقة هي: أن كون الدعاء سبب من أسباب وقوع المقدور به والمدعو به هو المأثور عن عمر بن عبد العزيز فقد قال للرجل الذي دعا له بقوله أبقاك الله بأن هذا قد فرغ منه وقضى قضاء مبرما، لكنه طلب من الرجل أن يدعو له بالصلاح، وهذا دليل على أنه يرى أن الدعاء سبب من أسباب وقوع المدعو به كما يتأكد ذلك بقوله لمحمد بن

стр. 189

المنكدر: "أفتح لك فيه الدعاء؟ " قال ذلك حين رآه مهموما لديْن كان عليه فقال محمد نعم. فقال عمر فقد بارك الله لك فيه. وهذا المأثور عن عمر بن عبد العزيز هو الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة والذي دل عليه الكتاب والسنة وأقوال السلف. قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ١، فإذا لم يكن الدعاء سببا من أسباب وقوع المدعو به لم يكن للأمر بالدعاء في الآية فائدة وهو بلا شك منتف. وقال ﷺ : "من لم يسأل الله يغضب عليه"٢، وهذا يدل على أن رضاه في سؤاله وطاعته فلولم يكن للدعاء فائدة لاستوى الداعي وغيره وهذا خلاف ما دل عليه نص الحديث الشريف. ومن أقوال السلف الصالح المؤيدة لما أثر عن عمر ما قاله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "إني لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه"٣،

стр. 190

وقول الطحاوي: "والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات"، قال شارحه: "والذي عليه أكثر الخلق من المسلمين وسائر أهل الملل وغيرهم أن الدعاء من أقوى الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار"١. وقال ابن القيم: "والدعاء من أنفع الأدوية وهو عدو البلاء يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل وهو سلاح المؤمن". وقال: "وله مع البلاء ثلاث مقامات: أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه. الثاني: أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء، فيصاب العبد ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفا. الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه"٢. والمسألة الثانية هي: أن من شروط الدعاء الإخلاص وحضور القلب. وهذا ما بينه عمر حين نبه الرجل الذي يدعو وهو يلعب بحصاة ويقول: اللهم زوجني من الحور العين فقام إليه وقال بئس الخاطب أنت ألا ألقيت الحصاة، وأخلصت إلى الله في الدعاء.

стр. 191

وهذا الذي أثر عن عمر هو الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين ... ﴾ ١، وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٢. وقال ﷺ : "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه"٣. وقد أمر الله تعالى بحضور القلب والخشوع في الذكر، والدعاء فقال سبحانه ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٤. وأما المسألة الثالثة فهي: أن المشروع في التوسل هو التوسل بالأعمال الصالحة، كما فعل عمر بن عبد العزيز حيث توسل بالتوحيد والطاعة، وطلب الغفران من الله تعالى حين قال: اللهم إني أطعتك في أحب الأشياء

стр. 192

إليك وهو التوحيد، ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك وهو الكفر، فاغفر لي ما بينهما. ولا شك أن التوسل بالأعمال الصالحة مشروع، كحديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار١، فإنهم توسلوا بأعمالهم الصالحة ليجيب الله دعاءهم ويفرج كربتهم وقد توسل المؤمنون بأعمالهم الصالحة من الإيمان وقدموه قبل الدعاء. قال تعالى: ﴿ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار﴾ ٢، فإنهم قدموا الإيمان قبل الدعاء وأمثال ذلك كثير٣. ومما يقدم قبل الدعاء الثناء على الله تعالى بتعداد النعم التي أنعمها عليه، والتعوذ، وطلب العصمة من الله تعالى من شر الشيطان الرجيم، فبين عمر أن التوفيق والهداية من الله تعالى. ثم طلب من الله ﵎ أن يعصمه من شر الشيطان. وهذا له أمثلة كثيرة في القرآن الكريم، وفي الأدعية الصحيحة عن النبي ﷺ فلا نطيل بذكرها.

стр. 193

والمسألة الرابعة: أمره ﵀ الرعية بالالتجاء إلى الله تعالى، والتصدق والاستغفار، والخروج إلى المصلى عند ما حصلت الزلزلة بالشام. وذلك تأسيا بالرسول الله ﷺ فقد روى البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ صلى في الكسوف وبعد الصلاة خطب الناس وقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فادعوا لله وكبروا وصلوا وتصدقوا ... "١. والمقصود أن مما يشرع له الصلاة والدعاء والتضرع (عند عمر بن عبد العزيز) حدوث بعض الآيات وقد بين ﷺ في أحاديث أخرى أن الزلازل من أمارات الساعة٢ ولا شك أن حدوث الزلزلة مما يوجب التخوف المفضي إلى الخشوع والإنابة، وقد بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال رحمه الله تعالى: والزلازل من الآيات التي يخوف الله بها عباده كما يخوفهم بالكسوف وغيره من الآيات، والحوادث لها أسباب وحكم، فكونها آية يخوف الله بها عباده هي من حكمة ذلك ... "٣.

стр. 194

ولعل عمر لاحظ في هذا عموم الأدلة الدالة على التضرع والإنابة، وما يشرع في حالة الخسوف والكسوف. والمسألة الخامسة: نهيه رحمه الله تعالى عن الابتداع في الدعاء، ويتضح ذلك بنهيه عن الصلاة على غير الأنبياء ﵈، وقد بيّن أن الصلاة خاص بالنبي ﷺ وغيره من الأنبياء، أما من عداهم فيدعى لهم فقط، لأنهم من ضمن المؤمنين والله تعالى يقول: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ ١. قال ابن القيم روي عن عبد الله ابن عباس ﵄ أنه قال: "لا تصلح الصلاة على أحد إلا على النبي ﷺ ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالاستغفار ... "٢. وقال النووي: أجمعوا على الصلاة على نبينا محمد ﷺ ، وكذلك أجمع من يعتد به على جوازها واستحبابها على سائر الأنبياء والملائكة استقلالا. وأما غير الأنبياء فالجمهور على أنه لا يصلى عليهم ابتداء فلا يقال أبو

стр. 195

بكر ﷺ واختلفوا في هذا المنع. فقال بعض أصحابنا: هو حرام، وقال أكثرهم: مكروه كراهة تنزيه، وذهب كثير منهم إلى أنه خلاف الأولى، وليس مكروها. والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم، والمكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود. قال أصحابنا والمعتمد في ذلك أن الصلاة صارت مخصوصة في لسان السلف بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كما أن قولنا مخصوص بالله . فكما لا يقال محمد وإن كان عزيزا جليلاً لا يقال: أبو بكر وعمر ﷺ وإن كان معناه صحيحا ... "١. والصواب في الصلاة على غير النبي ﷺ التفصيل في ذلك. فإذا لم يكن على وجه الغلو، ولم يجعل ذلك شعارا لغير الرسول ﷺ ، فهذا نوع من الدعاء، وليس في الكتاب والسنة ما يمنع منه وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ ٢، وقال النبي ﷺ : "إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث" ٣، وفي

стр. 196

حديث قبض الروح: "صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه"١، وهذا هو المنصوص عن أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وأما إن جعل الصلاة على غير النبي ﷺ على وجه الغلو كما كانت تفعله الشيعة وصارت تظهر الصلاة على علي دون غيره فهذا مكروه منهي عنه وهذا هو السبب في قول ابن عباس لا أعلم الصلاة تنبغي من أحد على أحد إلا على الرسول صلى الله عليه وسلم٢. المسألة السادسة: ما أثر عن عمر من الدعاء على نفسه بالموت, فإن حمل ذلك على الدعاء بحسن الخاتمة فلا إشكال, وأما إن حمل على الدعاء بالموت ففيه إشكال لأنه قد ورد في الصحيحين عن الرسول ﷺ أنه نهى عن تمني الموت لضر نزل بالإنسان ونهى عن الدعاء به كما في صحيح البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه فإن كان لابد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما

стр. 197

كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي" ١، وحديث أنس أيضا: "لولا أني سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تمنوا الموت" لتمنيت" ٢، وحديث خباب: "لولا أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به"٣ وإذا تبين هذا فما أثر عن عمر يمكن حمله على إحدى الحالات الآتية: الحال الأولى: أن يكون عمر بن عبد العزيز طلب الدعاء له بالموت على الإيمان ودعا به اقتداء بالصالحين قال تعالى مبينا دعاء المؤمنين: ﴿ ... وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ ٤ وقال عن نبيه يوسف ﵇: ﴿ ... تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ٥ فهذا الدعاء من سنن المرسلين وهو من شعار الصالحين, وأيضا د عي به ﵀ خوفا من الفتنة في الدين لاسيما عند وفاة أعوانه ابنه عبد الملك ومولاه مزاحم، وأخيه سهل، كما صرح به في دعائه.

стр. 198

الحال الثانية: أن تكون الأحاديث المشعرة بالنهي عن الدعاء بالموت لم تبلغه، وقد كان ﵀ راضيا بقضاء الله وقدره وهو القائل لقد أصبحت ومالي في الأمور هوى إلا في مواضع القضاء. الحال الثالثة: أن يكون لما علم بسقيه السم، وتيقن ذلك، دعا لنفسه بالموت على الإيمان حتى لا يكون ممن كره لقاء الله تعالى. وخوفا من سوء الخاتمة. ولا شك أن الدعاء بالموت مطلقا ليست فيه مصلحة ظاهرة ... لأنها طلب إزالة نعمة الحياة وما يترتب عليها من الفوائد لاسيما لمن يكون مؤمنا فإن استمرار الإيمان من أفضل الأعمال١، لكن إذا نزل هذا وحضر وتيقن المرء بدنو أجله فيستحب له أن لا يكره الموت إذا حضر لئلا يدخل فيمن كره لقاء الله تعالى والله تعالى أعلم.

стр. 199

المبحث الثاني: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الشكر ١٧/١- ابن عبد الحكم قال: وكتب إلى عمر عدي بن أرطأة١ أنه قد أصاب الناس من الخير خير حتى لقد خشيت أن يبطروا. قال فكتب إليه عمر: إن الله ﵎ حين أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النارِ النار رضي من أهل الجنة بأن ﴿َقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ ٢، فمر من قبلك أن يحمدوا الله٣. ١٨/٢- ابن أبي شيبة قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد قال: بلغني أن عمر بن عبد العزيز قال: ذكر النعم شكرها٤.

стр. 200

١٩/٣- ابن أبي الدنيا قال: حدثكم أحمد بن سلمان نا عبد الله، نا محمد بن صدران الأزدي، نا عبد الله بن خراش، نا يزيد بن يزيد، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: قيدوا نعم الله بالشكر لله تعالى١. ٢٠/٤- ابن أبى الدنيا أيضا قال: قال داود ابن رشيد، نا الوليد بن مسلم عن ابن جابر قال: حدثني عبد الله بن عمر بن عبد العزيز قال: ما قلب عمر بن عبد العزيز بصره إلى نعمة أنعم الله بها عليه إلا قال: "اللهم إني أعوذ بك أن أبدل نعمتك كفرا، أو أكفرها بعد معرفتها أو أنساها فلا أثني بها"٢.

стр. 201

٢١/٥- ابن أبي الدنيا أيضا قال: حدثني الحسن بن محبوب أخبرنا أبو توبة الربيع ابن نافع، حدثنا أبو ربيعة عن أبيه عن جده قال: كتب عمر ابن عبد العزيز إلى بعض عماله أما بعد: ... أوصيك بتقوى الله وأحثك على الشكر فيما عندك من نعمته وآتاك من كرامته فإن نعمه يمدها شكره ويقطعها كفره ... "١. ٢٢/٦- هناد السرى في الزهد قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ذكر النعمة شكرها٢. ٢٣/٧- ابن الجوزي قال: حدثنا مرثد بن يزيد، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: قيدوا نعمة الله بالشكر لله عز وجل٣.

стр. 202

٢٤/٨- ابن الجوزي قال: وعن عبد الله بن مروان الشامي أن عمر ابن عبد العزيز أتى بعض أهله فقرب إليه طعاما كثيرا فقال عمر: ويحك يا فلان دون هذا ما يسد الجوعة ويذهب سورة النفس، وتقدم فضل ذلك ليوم فقرك وفاقتك. فقال يا أمير المؤمنين إن الله أوسع وأحسن. فقال عمر بن عبد العزيز: فعند ذلك فقد وجب عليك الشكر ثم نهض١. التعليق: إن الآثار الواردة عن عمر في هذا المبحث تبين أنَّ شكر الخالق ﵎ على نعمه الكثيرة وآلائه الجسيمة مأمور به، وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٢، وقال : ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ ٣.

стр. 203

والشكر يستلزم المزيد قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ١. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قام حتى تورمت قدماه، فقيل له تفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "أفلا أكون عبدا شكورا؟ "٢، وأمر ﷺ معاذا بأن يقول دبر كل صلاة: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" ٣. وما أثر عن عمر - رحمه الله تعالى- في هذا الجانب يبين منهج السلف في التعامل مع النعم التي ينعمها الخالق على عباده، ولا ريب أن شكر النعم رباط لبقائها والاستزادة منها، فكانوا دائما يلهجون بالشكر إلى الله في كل حين لأنهم يعلمون أن شكر النعمة يؤدي إلى رضى الله ، وأن عدم الشكر يؤدي إلى سخطه. كما بينت الآية التي ذكرناها آنفا، فمن وفقه الله إلى شكر النعم، فقد اعترف لله بفضله وبنعمته وقدرته

стр. 204

فاستحق بذلك المدح والثناء، ومن غفل عن ذلك فقد استحق اللوم والعقاب. والشكر مبني على خمس قواعد: قال ابن القيم - مبينا هذه الخمس - وهي: خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له، واعترافه بنعمته وثناؤه عليه بها، وأن لا يستعملها فيما يكره١. ويظهر من الآثار السابقة وغيرها أن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى- قد استوفي هذه الشروط وهذه القواعد، فخضوعه لخالقه واضح في أمره لعماله بشكر الخالق ﵎، وأما حبه لخالقه فواضح من قوله في مرض موته اللهم إنك قبضت سهلا، وعبد الملك، ومزاحما، وكانوا أعواني على الحق فلم ازدد لك إلا حبا ... "٢. وأما اعترافه بنعم ربه فقد أثر عنه في ذلك عدة أثار منها قوله: "ذكر النعم شكرها" وأما ثناؤه لربه فواضح من دعائه حين قال: "أو أنساها فلا أثني عليك بها" وأما عدم استعمال النعم فيما يغضب الله تعالى من المعاصي والآثام فسيرته العطرة مكتظة بالأمثلة الدالة على ذلك، وقد سبق ذكر بعضها.

стр. 205

وتوجد فروق بين الحمد والشكر، فالحمد يتضمن المدح والثناء على المحمود بذكر محاسنه سواء كان الإحسان إلى الحامد أولم يكن، وأما الشكر فلا يكون إلا على إحسان المشكور إلى الشاكر، فمن هذا الوجه فالحمد أعم من الشكر فإنه يكون على المحاسن والإحسان ... وأما الشكر فإنه لا يكون إلا على الإنعام، فهو أخص من الحمد من هذا الوجه لكنه يكون بالقلب واليد، واللسان، كما قيل: أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا. ولهذا قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ ١. والحمد إنما يكون بالقلب واللسان فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة أنواعه والحمد أعم من جهة أسبابه٢. هذا وإذا كان الحمد لا يقع إلا على نعمة فقد ثبت أنه رأس الشكر فهو أول الشكر. والحمد وإن كان على نعمته وعلى حكمته فالشكر بالأعمال هو على نعمته. وهو عبادة له لإلهتيه التي تتضمن حكمته فقد صار مجموع الأمور داخلا في الشكر.

стр. 206

ولهذا عظم القرآن أمر الشكر ولم يعظم أمر الحمد مجردا إذ كان نوعا من الشكر، وشرع الحمد الذي هو الشكر المقول أمام كل خطاب مع التوحيد ففي الفاتحة: الشكر، والتوحيد، والخطب الشرعية لابد من الشكر والتوحيد١

стр. 207

المبحث الثالث: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في التوكل ٢٥/١- الذهبي قال: قال معاوية بن يحيى: حدثنا أرطأة، قال: قيل لعمر بن عبد العزيز لو جعلت على طعامك أمينا لا تغتال، وحرسيا إذا صليت، وتنح عن الطاعون، قال: اللهم إن كنت تعلم أني أخاف يوما دون القيامة فلا تؤمن خوفي١. ٢٦/٢- الذهبي أيضا قال: خالد بن مرداس حدثنا الحكم بن عمر، قال: كان لعمر بن عبد العزيز ثلاثمائة حرسيّ وثلاثمائة شرطي فشهدته يقول لحرسه: إن لي عنكم بالقدر حاجزا، وبالأجل حارسا من أقام منكم فله عشرة دنانير ومن شاء فليلحق بأهله٢.

стр. 208

٢٧/٣- ابن عبد الحكم في قصة مناظره عمر الخوارج وفيه قال عمر لأصحابه: "ابحثوهما أن لا يكون معهما حديدة"١. ٢٨/٤- ابن عبد الحكم قال: ولما خرج عمر بن عبد العزيز من المدينة نظر مولاه مزاحم إلى القمر فإذا القمر في الدبران٢ قال: فكرهت أن أقول ذلك له فقلت: ألا تنظر إلى القمر ما أحسن استواءه في هذه الليلة! فنظر عمر فإذا هو بالدبران فقال كأنك أردت أن تعلمني أن القمر بالدبران يامزاحم، إنا لا نخرج بشمس ولا بقمر ولكنا نخرج بالله الواحد القهار٣. ٢٩/٥- الفسوي قال: حدثنا عبد الله بن عثمان أخبرنا عبد الله٤، قال: عمر بن عبد العزيز لمزاحم مولاه - وكان فاضلا - قال: إن هؤلاء القوم - يعني أهله- أقطعوني ما لم يكن لي أن آخُذه، ولا لهم أن يعطوني، وإني هممت بردها على أربابها، قال: فقال: مزاحم فكيف تصنع بولدك؟

стр. 209

قال: فخرت دموعه على وجنتيه، قال: فجعل يمسحها بإصبعه الوسطى ويقول: "أكلهم إلى الله ... "١. ٣٠/٦- ابن عبد الحكم قال: وعهد عمر برسالة مع منصور بن غالب حين بعثه على قتال أهل الحرب وفيها: ... "وأمره أن يكون عيونه من العرب، وممن يطمئن إلى نصيحته وصدقه من أهل الأرض، فإن الكذوب لا ينفع خبره، وإن صدق في بعضه، وإن الغاش عين عليك وليس بعين لك والسلام٢. التعليق: تتضح من الآثار المنقولة عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث حرصه على التوكل مع الأخذ بالأسباب المشروعة. والتوكل هو الاعتماد على الله، مع الأخذ بالأسباب٣، وهو أصل من أصول التوحيد. قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ٤، وقال : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ ٥.

стр. 210

وفي سنن الترمذي عن أنس ﵁ قال: قال رجل يارسول الله - في أمر ناقته- أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ فقال ﷺ : "إعقلها وتوكل"١. كما تتضمن المنع من التعلق بالأوهام التي لا حقيقة لها كالتطير، كما نجد في بعض هذه الآثار عدم التفاته إلى الأسباب الظاهرة، ومعلوم أنه قد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ مدح المتوكلين على الله تعالى، وبين مزاياهم ودرجاتهم عند الله وأنهم يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب٢ وقد بيّن ذلك ﷺ عمليا فكان - وهو سيد المتوكلين - يلبس لأمة الحرب،٣ ويمشي في الأسواق للاكتساب حتى قال الكافرون: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاق﴾ ٤.

стр. 211

ومما يجدر توضيحه هنا أن الأسباب تنقسم إلى قسمين: أ- أسباب مأمور بها كالأكل والشرب، والنكاح، وركوب السفينة لمن احتاج إلى عبور البحر وغير ذلك. ب- أسباب مباحة مثل كسب ما يتصدق به. فترك الأسباب المأمور بها قادح في التوكل، وقد تولى الحق إيصال العبد بها وأما ترك الأسباب المباحة فإن تركها لما هو أرجح منها مصلحةً فممدوح، وإلا فهو مذموم١. والتوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب، ويدفع بها المكروه، فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها وحال بدنه قيامه بها٢. وقد كان عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى - متوكلا على الله كما أنه أحيانا لا يركن إلى الأسباب لتمام توكله فمع كونه يبين لحراسه: "أن لي عنكم بالقدر حاجزا، وبالأجل حارسا"، نجده لا يطردهم ولا يترك

стр. 212

الأسباب كليا، فيوجه إليهم الخطاب موضحا تعامله مع الأسباب "من أقام منكم فله عشرة دنانير ومن شاء فليحلق بأهله". هذه هي طريقة السلف الصالح، أهل السنة والجماعة، توكل على الله حق توكله واعتماد على الأسباب المباحة، والمأمور بها في كل حين ووقت. بخلاف غيرهم ممن يدّعى التوكل وهو متواكل يترك الأسباب ويستجدي الناس ظانا بجهله أن هذا هو التوكل. ولفشو الجهل وسيطرة هؤلاء المغفلين على كثير من المجتمعات المسلمة ظن بعض من لا علم له بأصول العقيدة الإسلامية أن الإسلام هو السبب في كثرة هؤلاء المتطفلين، والإسلام منهم براء، ولا شك أنه لو قدم إلى هؤلاء العقيدة الصحيحة لتقبلوها بقبول حسن.

стр. 213

المبحث الرابع: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الخوف والرجاء ٣١/١- ابن سعد قال: أخبرنا عمر بن سعيد قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز أن عمر بن عبد العزيز استؤمر في البسط على العمال فقال: يلقون الله بخيانتهم أحب إلي من أن ألقاه بدمائهم١. ٣٢/٢- ابن سعد أيضا قال: أخبرنا علي بن محمد عن يزيد بن عياض ابن جعدبة، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى سليمان بن أبي كريمة: إن أحق العباد بإجلال الله والخشية منه من ابتلاه بمثل ما ابتلاني به، ولا أحد أشد حسابا ولا أهون على الله إن عصاه مني فقد ضاق بما أنا فيه ذرعي وخفت أن تكون منزلتي التي أنا بها هلاكا إلا أن يتداركني الله منه برحمة، وقد بلغني أنك تريد الخروج في سبيل الله فأحب يا أخي إذا أخذت موقفك أن تدعو الله أن يرزقني الشهادة فإن حالي شديدة وخطري عظيم، فأسأل الله الذي ابتلاني بما ابتلاني به أن يرحمني ويعفو عني٢.

стр. 214

٣٣/٣- الفسوي قال: حدثنا الربيع بن روح حدثنا حنظلة بن عبد العزيز بن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني، قال: حدثني أبي عن أبيه، قال: قلت لعمر بن عبد العزيز - وقد هلك ابنه وأخوه ومولاه مزاحم في أيام -: يا أمير المؤمنين ما رأيت رجلا أصيب في أيام متوالية بأعظم من مصيبتك، ما رأيت مثل ابنك ابنا ولا مثل أخيك أخا ولا مثل مولاك مولى، قال فنكس ساعة ثم قال لي: كيف قلت يا ربيع؟ فأعدتها عليه. فقال: لا والذي قضى عليهم الموت ما أحب أن شيئا من ذلك كان لم يكن من الذي أرجو من الله فيهم١. ٣٤/٤- ابن عبد الحكم قال: وكتب عمر بن عبد العزيز: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العمال أما بعد:

стр. 215

فإن هذا الأمر الذي ولاني الله لو كنت إنما أصبحت ورغبتي فيه مطعم أو ملبس أو مركب أو اتخاذ أزواج أو اعتقاد أموال لكنت قد بلغ بي من ذلك قبل ما ولاني من أفضل ما بلغ بعباده، ولكن أصبحت له خائفا أعلم أن فيه أمرا عظيماً، وحسابا شديدا، ومسألة لطيفة، عند مجاهدة الخصوم بين يدي الله إلا ما عافي الله ورحم ودفع، وإني آمرك فيما وليتك من عملي وأفضيت إليك من أمري بتقوى الله وأداء الأمانة، واتباع ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه، وقلة الالتفات إلى شيء خالف ذلك، ليكون الذي آمرك به في سيرتك، والنظر في نفسك وفي عملك وما تفضي به إلى ربك وما تعمل به فيما بينك وبين الرعية قبلك، وأنت تعلم علما يقينا أنه ليست نجاة ولا حرز إلا أن تنزل بذلك المنزل من طاعة الله، ودع أن ترصد شيئا ليوم ترجوه غدا من الله، وتخاف منه فإنك رأيت عبرا في نفسك وعبرا ما مثلها وعظ مثلنا وكفي ... ١. ٣٥/٥- ابن الجوزي قال: حدثنا أبو زيد الدمشقي قال: لما ثقل عمر ابن عبد العزيز دعي له طبيب فلما نظر إليه قال الرجل: قد سقي السم، ولا آمن عليه الموت فرفع عمر بصره فقال: ولا تأمن الموت أيضا على من لم يسق السم. قال الطبيب: هل أحسست بذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم قد عرفت حين وقع في بطني. قال: فتعالج يا أمير المؤمنين؟ فإني
следующие страницы →