← Акыда

Акыда · id 11723

الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة

حياة بن محمد بن جبريل

Полный текст (805 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ومما يجدر توضيحه هنا أن الأسباب تنقسم إلى قسمين: أ- أسباب مأمور بها كالأكل والشرب، والنكاح، وركوب السفينة لمن احتاج إلى عبور البحر وغير ذلك. ب- أسباب مباحة مثل كسب ما يتصدق به. فترك الأسباب المأمور بها قادح في التوكل، وقد تولى الحق إيصال العبد بها وأما ترك الأسباب المباحة فإن تركها لما هو أرجح منها مصلحةً فممدوح، وإلا فهو مذموم١. والتوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب، ويدفع بها المكروه، فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها وحال بدنه قيامه بها٢. وقد كان عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى - متوكلا على الله كما أنه أحيانا لا يركن إلى الأسباب لتمام توكله فمع كونه يبين لحراسه: "أن لي عنكم بالقدر حاجزا، وبالأجل حارسا"، نجده لا يطردهم ولا يترك

стр. 212

الأسباب كليا، فيوجه إليهم الخطاب موضحا تعامله مع الأسباب "من أقام منكم فله عشرة دنانير ومن شاء فليحلق بأهله". هذه هي طريقة السلف الصالح، أهل السنة والجماعة، توكل على الله حق توكله واعتماد على الأسباب المباحة، والمأمور بها في كل حين ووقت. بخلاف غيرهم ممن يدّعى التوكل وهو متواكل يترك الأسباب ويستجدي الناس ظانا بجهله أن هذا هو التوكل. ولفشو الجهل وسيطرة هؤلاء المغفلين على كثير من المجتمعات المسلمة ظن بعض من لا علم له بأصول العقيدة الإسلامية أن الإسلام هو السبب في كثرة هؤلاء المتطفلين، والإسلام منهم براء، ولا شك أنه لو قدم إلى هؤلاء العقيدة الصحيحة لتقبلوها بقبول حسن.

стр. 213

المبحث الرابع: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الخوف والرجاء ٣١/١- ابن سعد قال: أخبرنا عمر بن سعيد قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز أن عمر بن عبد العزيز استؤمر في البسط على العمال فقال: يلقون الله بخيانتهم أحب إلي من أن ألقاه بدمائهم١. ٣٢/٢- ابن سعد أيضا قال: أخبرنا علي بن محمد عن يزيد بن عياض ابن جعدبة، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى سليمان بن أبي كريمة: إن أحق العباد بإجلال الله والخشية منه من ابتلاه بمثل ما ابتلاني به، ولا أحد أشد حسابا ولا أهون على الله إن عصاه مني فقد ضاق بما أنا فيه ذرعي وخفت أن تكون منزلتي التي أنا بها هلاكا إلا أن يتداركني الله منه برحمة، وقد بلغني أنك تريد الخروج في سبيل الله فأحب يا أخي إذا أخذت موقفك أن تدعو الله أن يرزقني الشهادة فإن حالي شديدة وخطري عظيم، فأسأل الله الذي ابتلاني بما ابتلاني به أن يرحمني ويعفو عني٢.

стр. 214

٣٣/٣- الفسوي قال: حدثنا الربيع بن روح حدثنا حنظلة بن عبد العزيز بن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني، قال: حدثني أبي عن أبيه، قال: قلت لعمر بن عبد العزيز - وقد هلك ابنه وأخوه ومولاه مزاحم في أيام -: يا أمير المؤمنين ما رأيت رجلا أصيب في أيام متوالية بأعظم من مصيبتك، ما رأيت مثل ابنك ابنا ولا مثل أخيك أخا ولا مثل مولاك مولى، قال فنكس ساعة ثم قال لي: كيف قلت يا ربيع؟ فأعدتها عليه. فقال: لا والذي قضى عليهم الموت ما أحب أن شيئا من ذلك كان لم يكن من الذي أرجو من الله فيهم١. ٣٤/٤- ابن عبد الحكم قال: وكتب عمر بن عبد العزيز: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العمال أما بعد:

стр. 215

فإن هذا الأمر الذي ولاني الله لو كنت إنما أصبحت ورغبتي فيه مطعم أو ملبس أو مركب أو اتخاذ أزواج أو اعتقاد أموال لكنت قد بلغ بي من ذلك قبل ما ولاني من أفضل ما بلغ بعباده، ولكن أصبحت له خائفا أعلم أن فيه أمرا عظيماً، وحسابا شديدا، ومسألة لطيفة، عند مجاهدة الخصوم بين يدي الله إلا ما عافي الله ورحم ودفع، وإني آمرك فيما وليتك من عملي وأفضيت إليك من أمري بتقوى الله وأداء الأمانة، واتباع ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه، وقلة الالتفات إلى شيء خالف ذلك، ليكون الذي آمرك به في سيرتك، والنظر في نفسك وفي عملك وما تفضي به إلى ربك وما تعمل به فيما بينك وبين الرعية قبلك، وأنت تعلم علما يقينا أنه ليست نجاة ولا حرز إلا أن تنزل بذلك المنزل من طاعة الله، ودع أن ترصد شيئا ليوم ترجوه غدا من الله، وتخاف منه فإنك رأيت عبرا في نفسك وعبرا ما مثلها وعظ مثلنا وكفي ... ١. ٣٥/٥- ابن الجوزي قال: حدثنا أبو زيد الدمشقي قال: لما ثقل عمر ابن عبد العزيز دعي له طبيب فلما نظر إليه قال الرجل: قد سقي السم، ولا آمن عليه الموت فرفع عمر بصره فقال: ولا تأمن الموت أيضا على من لم يسق السم. قال الطبيب: هل أحسست بذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم قد عرفت حين وقع في بطني. قال: فتعالج يا أمير المؤمنين؟ فإني

стр. 216

أخاف أن تذهب نفسك. فقال ربي خير مذهوب إليه، والله لو علمت أن شفاي عند شحمة أذني، ما رفعت يدي إلى أذني فتناولته١، اللهم خرْ لعمر في لقائك. قال فلم يلبث أياما حتى مات٢. ٣٦/٦- ابن الجوزي أيضا: وعن قتادة أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ولي العهد من بعده: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى يزيد بن عبد الملك. السلام عليك: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإني كتبت إليك وأنا دنف ٣ من وجعي وقد علمت أني مسؤول عما وليت يحاسبني عليه مليك الدنيا والآخرة. ولست أستطيع أن أخفي عليه من عملي شيئا يقول تعالى فيما يقول: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ ٤. فإن يرضى عني الرحيم فقد أفلحت ونجوت

стр. 217

من الهوان الطويل، وإن سخط علي فياويح نفسي إلى ما أصير، أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجيرني من النار برحمته وأن يمن علي برضوانه والجنة ... ١. ٣٧/٧- ابن القاسم عن مالك قال: إن عمر بن عبد العزيز كان رجلا عيشه هذه القطاني، وأنه أكل يوما عدسا، وشرب عليه ماء، ثم استلقى فضرب على بطنه فقال: "بطين بطيئ عن أمر الله يتمنى على الله منازل الأبرار" - شك ابن القاسم في ضرب بطنه عن مالك٢.

стр. 218

التعليق: يظهر مما أثر عن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- جمعه بين الخوف والرجاء ولا شك أن الجمع بين الخوف والرجاء هو من عقيدة السلف الصالح، وهو توسط المؤمن بين الأمن من مكر الله واليأس من روح الله، فالسلف كانوا يخافون ربهم ويرجون رحمته، وهم سائرون على ما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ١. قال أحد السلف: الخوف والرجاء، كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في الموت٢. وقد مدح الله أهل الخوف والرجاء بقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّه﴾ ٣ وبقوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ ٤.

стр. 219

قال شارح الطحاوية: الرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمنا، والخوف يستلزم الرجاء ولولا ذلك لكان قنوطا ويأسا، وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله تعالى فإنك إذا خفته هربت إليه فالخائف هارب من ربه إلى ربه١. ويجب أن يكون العبد خائفا راجيا، فإن الخوف المحمود الصادق ما حال بين صاحبه وبين محارم الله ... والرجاء المحمود رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله فهو راجٍ لثوابه أو رجل أذنب ذنبا ثم تاب منه إلى الله، فهو راجٍ لمغفرته. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. أما إذا كان الرجل متماديا في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل فهذا هو الغرور والتمني، والرجاء الكاذب٣. ومما يجدر ذكره هنا أن بعض السلف غلَّبوا جانب الخوف وبعضهم غلَّب جانب الرجاء ولعل الصواب في ذلك أن المسلم يغلب جانب الخوف إذا كان في صحة وعافية ويغلب جانب الرجاء إذا كان في مرض

стр. 220

مخوف لقوله ﷺ : "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه"١، فأمر ﵊ المسلم بأن يغلب جانب الرجاء عند الموت٢. ويتضح أن بعض الآثار الواردة عن عمر ولا سيما التي قالها في مرض موته فيها تغليبه جانب الرجاء، وكل ما أثر عنه - رحمه الله تعالى - يدل على طريقة السلف الصالح في عبادتهم لربهم وخوفهم منه ورجائهم فيما عنده وهي الطريقة التي أشار إليها القرآن الكريم حين قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ ٣، فإن الجمع بين الخوف والرجاء هو من أحسن الطرق التي ينبغي أن يسير عليها المسلم، لأن عبادة الله بالخوف فقط كما يفعله الخوارج تؤدي إلى القنوط واليأس، وعبادته بالرجاء فقط يؤدي إلى التكاسل عن العمل كما هو الحال عند المرجئة، وطريقة السلف بخلاف ذلك حيث جمعوا بين الخوف والرجاء٤. ويتبين من الأثر الأخير ما كان عليه عمر بن عبد العزيز من الخوف لله ، ومخافة التقصير في أمره مع الرجاء فيما عنده من أن يحله محل

стр. 221

الأبرار وهذا هو الواجب أن يكون الرجاء والخوف في قلب الرجل سيين فلا يأمن من عذابه ولا يقنط من رحمته١.

стр. 222

المبحث الخامس: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في التبرك . تمهيد: أصل البركة في اللغة العربية: "الثبوت واللزوم" فكل شيء ثبت وأقام فقد برك١ وتطلق البركة على النماء والزيادة، والتبريك هو الدعاء للإنسان بالبركة، والتبرك بالشيء طلب البركة بواسطته، والبركة في القرآن والسنة هو ثبوت الخير ودوامه أو كثرة الخير وزيادته أو اجتماعهما معا٢. والبركة في الاصطلاح هو "ثبوت الخير الإلهي في الشيء"٣، والتبرك هو: طلب حصول الخير بمقاربة ذلك الشيء وملابسته٤. ولا شك أن التبرك بالشيء له تعلق بالشرع فينقسم إلى قسمين: أ- تبرك مشروع وهو الذي أذن به الشرع أو أمر به. ب- وتبرك ممنوع وهو عكس الأول. وفيما يلي الآثار المروية عن عمر بن عبد العزيز ﵀ في التبرك:

стр. 223

٣٨/١- روى البخاري عن أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁ قال: أقبل النبي ﷺ ... حتى جلس في سقيفة بني ساعدة وأصحابه ثم قال: "اسقنا ياسهل". فأخرجت لهم هذا القدح فأسقيتهم فيه. قال: فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه، قال: ثم استوهبه عمر بن عبد العزيز فوهبه له"١. ٣٩/٢- الذهبي قال: قال مروان بن محمد، حدثنا محمد بن مهاجر، حدثني أخي عمرو أن عمر بن عبد العزيز كان يلبس برد رسول الله ﷺ ويأخذ قضيبه في يده يوم العيد٢. ٤٠/٣- ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن مسلم بن جماز عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله قال: أوصى عمر بن عبد العزيز عند الموت فدعا بشعر من شعر النبي ﷺ وأظفار من أظفاره وقال: إذا مت فخذوا الشعر والأظفار ثم اجعلوه في كفني ففعلوا ذلك٣. ٤١/٤- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثني أبي، حدثنا هشام بن سعيد، حدثنا محمد بن مهاجر، حدثني أخي عمرو بن مهاجر، قال: كان لعمر بن عبد العزيز بيت يخلو فيه، في ذلك البيت ما ترك رسول الله ﷺ

стр. 224

فإذا سرير مرمول١ بشريط وقعب٢ يشرب فيه الماء، وجرة٣ مكسورة الرأس يجعل فيها الشيء، ووسادة من أدم محشوة ليف وقطيفة غبراء كأنها من هذه القطف الجرمقانية فيها من وسخ شعر رسول الله ﷺ ثم يقول: "يا قريش هذا تراث من أكرمكم الله به وأعزكم يخرج من الدنيا على ما ترون"٤.

стр. 225

التعليق: إن الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى- في هذا المبحث أثار تبين تبركه ﵀ بآثار الرسول ﷺ الباقية في عهده. والتبرك بآثاره ﷺ مما اتفق عليه أهل العلم قاطبة لأنه ﷺ مبارك الأعيان والصفات، وبعد التحاقه بالرفيق الأعلى بقيت بعض الأشياء التي كان يستعملها، كبعض لباسه، ومقتنياته الشخصية، وبقية أظفاره وشعره، والقدح الذي شرب منه، وغير ذلك، فحرص عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- على اقتناء بعض هذه الأشياء تبركا بها، وهذا تبرك مشروع، مع العلم بأننا الآن لا يمكن أن نثبت على وجه الجزم واليقين وجود هذه المقتنيات الخاصة به ﷺ ، وقد تبرك عمر بن عبد العزيز بالقدح الذي شرب منه النبي ﷺ وهو تبرك مشروع، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يشربون من القدح الذي شرب منه النبي ﷺ ، فأخرج البخاري في صحيحه عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس بن مالك ﵁ وكان قد انصدع فسلسله بفضة قال أنس: "لقد سقيت في هذا القدح أكثر من كذا وكذا"١.

стр. 226

والمقصود أن الصحابة كانوا يتبركون بالشرب في القدح الذي شرب منه النبي ﷺ . وكذلك اقتناء عمر - رحمه الله تعالى- البردة والقضيب وتبركه بهما من التبرك المشروع لما ورد في الصحيح عن أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة ﵂ كساء ملبدا١ وقالت "في هذا نزع روح النبي ﷺ ٢". وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ أنها أخرجت جبة طيالسة وقالت: هذه كانت عند عائشة حتى قبضت، فلما قبضت قبضتها، وكان النبي ﷺ يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفي بها٣. فهذه الأحاديث الصحيحة وغيرها كثير تدل على أن رسول الله ﷺ ذاته وما انفصل من جسده من شعر وعرق، ولباس، وما استعمله من

стр. 227

الأواني وغيرها قد جعل الله فيه من البركة ما يستشفي به ويرجى بسببه الفائدة في الدنيا والآخرة١. ووصية عمر - رحمه الله تعالى - بأن يجعل في كفنه بعض أشعار رسول الله ﷺ له في ذلك سلف صدق من الصحابة، ففي صحيح البخاري أنه لما حضر بأنس بن مالك الوفاة أوصى بأن يجعل في حنوطة سك٢ كان فيه شعر رسول الله ﷺ وكانت أم سليم قد جمعته وفيه عرقه وشعره صلى الله عليه وسلم٣. ومن المهم الإشارة إلى أنه قد ذهب بعض الخلف٤ إلى جواز قياس غير النبي ﷺ على النبي ﷺ فيستحب التبرك بآثار الصالحين مثل التمسح بهم أو بثيابهم، وحمل المولود إلى أحد منهم ليحنكه بتمرة حتى يكون أول ما يدخل جوفه ريق الصالحين، والتبرك بعرقهم ونحو ذلك، وهذا خطأ صريح لأن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره ﷺ لا في حياته ولا

стр. 228

بعد وفاته ولو كان خيرا لسبقوا إليه ... فدل على أن ذلك مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم١. ومما يؤكد اختصاص النبي ﷺ بهذا التبرك أن التابعين رحمهم الله تعالى ومنهم كما سبق عمر بن عبد العزيز قد ساروا على نهج الصحابة رضوان الله عليهم في هذا الباب فلم ينقل عنهم وقوع التبرك بالصحابة وغيرهم ولا فعله التابعون مع فضلائهم وقادتهم في العلم والدين٢ بل إنهم منعوا ذلك سدا للذريعة كما يرى الشاطبي ﵀ فقد قال في بيان هذه العلة "إن العامة لا تقتصر في ذلك على حد بل تتجاوز فيه الحدود وتبالغ بجهلها في التماس البركة، حتى يداخلها للمتبرك به تعظيم يخرج به عن الحد فربما اعتقد في المتبرك به ما ليس فيه ... "٣. فالاقتصار على ما جاء به النص هو سبيل المؤمنين الذين أنعم الله عليهم من الصديقين والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

стр. 229

المبحث السادس: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في النهي عن الشرك ووسائله المطلب الأول: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في النهي عن التطير ... المبحث السادس الآثار عن عمر بن عبد العزيز في النهي عن الشرك ووسائله. المطلب الأول: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز من النهي عن التطير. ٤٢/١- ابن عبد الحكم قال١: ولما خرج عمر بن عبد العزيز من المدينة نظرت فإذا القمر في الدبران فكرهت أن أقول ذلك له فقلت: ألا تنظر إلى القمر ما أحسن استواءه في هذه الليلة! فنظر عمر فإذا هو بالدبران فقال: كأنك أردت أن تعلمني أن القمر بالدبران، يا مزاحم إنا لا نخرج بشمس ولا بقمر ولكنا نخرج بالله الواحد القهار٢. التعليق: يتبين من هذا الأثر عن عمر نهيه - رحمه الله تعالى- عن التطير، ولا شك أن من حقَّق التوكل على الله ﵎ لا يلتفت إلى الأوهام التي

стр. 230

نسجها الجهال المنجمون حول مقارنة المخلوقات العلوية بعضها مع بعض على إحداث شيء أو منع شيء، أو إعطاء سعادة أو إصابة بنحس، بل لله الأمر جميعا، وكان العرب في الجاهلية يرون أن القمر إذا كان في الدبران فإن السفر في تلك الليلة مشئوم١ وهذا وهم وتطير، والتطير من الشرك لما فيه من تعلق القلب بغير الله تعالى، ولاعتقادهم أن التطير يجلب لهم نفعا أو يدفع عنهم ضرا إذا عملوا بموجبه، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى٢. ومن المعلوم أن الشمس والقمر، والنجوم مخلوقات مربوبة لا تتصرف بنفسها وإنما يصرفها الله كيف يشاء فمن الخطأ البين والوهم التعلق بالخيالات التي لا حقيقة لها، واعتقاد أن هذه المخلوقات لها تصرف في الكون، وأن اتصال بعضها مع بعض يوجب سعادة أو شقاوة. وهذا ما كان عليه العرب في الجاهلية، ولما جاء الإسلام أبطله ﷺ في غير ما حديث، كما أبطله السلف الصالح رحمهم الله تعالى كما مر في الأثر السابق عن عمر بن عبد العزيز حين قال لمزاحم- لما تطير -: إنا لا نخرج بشمس ولا بقمر، ولكنا نخرج بالله الواحد القهار.

стр. 231

فتوكله ﵀ وكمال توحيده بالتوكل جعله لا يعبأ بهذه الأوهام التي تطرأ على نفوس بعض بني آدم أحيانا. وأصل التطير - وهو التشاؤم بما يراه أو يتعرض له في أثناء الخروج للسفر- أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر فإن رأى الطير طارت يمنة تيمن بها واستمر، وإن رآها طارت يسرة تشاءم بها ورجع، وربما كان أحدهم يهيج الطير لتطير فيعتمد على طيرانها، فإذا طارت يمنة تيامن، وإن طارت يسرة تشاءم، فجاء الشرع بالنهي عن ذلك ... وليس من تيامن الطير، وتياسرها ما يقتضي ما اعتقدوه، وإنما هو تكلف بتعاطي ما لا أصل له إذ لا نطق للطير ولا للدبران ولا للقمر، ولا تمييز فيستدل بفعلهم على مضمون معنى فيه، وطلب العلم من غير مظانه جهل من فاعله ... وكان أكثر أهل الجاهلية يتطيرون ويعتمدون على ذلك ويصح معهم غالبا لتزيين الشيطان ذلك وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين١، ولعل ما مر من محاورة عمر لمولاه مزاحم من هذه البقايا الموروثة عن عرب الجاهلية أو الصائبة، وقد صرحت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن التطير فروى البخاري عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى ولا

стр. 232

طيرة ... " ١، فالمؤمن المتوكل لا يتطير وكلما قوي توكل العبد على ربه وصفت عقيدته ابتعد عن الأوهام، وعن وساوس الشيطان وحبائله فنسأله تعالى حسن التوكل وصفاء العقيدة. هذا وقد وفي العلامة ابن القيم موضوع التطير والفأل، ووجه الأحاديث الورادة في ذلك في كتابه مفتاح دار السعادة فأجاد وأفاد٢.

стр. 233

المطلب الثاني: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز من النهي عن اتخاذ القبور مساجد . ٤٣/١- عبد الرزاق قال: أخبرنا مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أن قال: "قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقى - أو قال: لا يجتمع - دينان بأرض العرب"١. ٤٤/٢- ابن الجوزي قال: حدثنا حصين، أن عمر بن عبد العزيز نهى أن يبنى القبر بآجر وأوصى بذلك٢

стр. 234

التعليق: تبين مما سبق ذكره محبة عمر بن عبد العزيز للعقيدة الصحيحة، وبغضه لكل ما يضادها، ولا شك أن اتخاذ القبور مساجد والبناء عليها وتجصيصها من وسائل الشرك الممنوعة، وقد كان ﷺ حريصا على أمته يَعِزُّ عليه ما يشق عليها ويضرها، كما كان حريصا على سد منافذ الشرك ووسائله عن أمته. وقد كان السلف الصالح مهتمين بهذا الجانب حرصا منهم على اتباع أوامر الله وأوامر رسوله ﷺ ، يتبين ذلك من خلال ما أثر عن عمر بن عبد العزيز وهو نص حديث متفق عليه أرسله عمر ﵀، وقد ورد هذا الحديث بلفظين "قاتل" و"لعن". ومضمون الحديث أنه ﵊ حذر أمته من اتخاذ القبور مساجد وبين أن ذلك من فعل اليهود والنصارى، والمسلم منهي عن الاقتداء بهؤلاء الضلال المغضوب عليهم بنص القرآن، ولا شك أن اتخاذ القبور مساجد والبناء عليها وتجصيصها مما أجمع على منعه سلف الأمة كما مر عن عمر بن عبد العزيز حيث نهى أن يبنى القبر بآجر وأوصى أن لا يفعل ذلك بقبره. ولما أمر الوليد بن عبد الملك ببناء المسجد النبوي حين كان عمر عاملا له على المدينة وإدخال حجرات الرسول ﷺ ومنها حجرة عائشة ﵂ التي فيها قبر الرسول ﷺ وصاحبيه كان عمر بن عبد العزيز هو الذي جعل مؤخر القبر محددا بركن، لئلا يستقبل قبر النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 235

فيصلى إليه جعل ذلك حين انهدم جدار البيت فبناه على هذا فصار للبيت خمسة أركان١. قال النووي ﵀: ... ولما احتاجت الصحابة والتابعون٢ إلى الزيادة في مسجد رسول الله ﷺ حين كثر المسلمون وامتد الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه ومنها حجرة عائشة ﵂ مدفن رسول الله ﷺ وصاحبيه أبي بكر، وعمر ﵄ بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام، ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر ... ٣.

стр. 236

وقال الحافظ ابن حجر: ... لما وسع المسجد جعلت حجرتها "يعني عائشة" مثلثة الشكل محددة حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة٤. وقال ابن رشد الجد قال: مالك: وإنما بنى عمر بن عبد العزيز هذا البناء "يعني الحجرة الشريفة" حين كان الناس يصلون إليه، وجعلوه مصلى". ثم علق ابن رشد على قول مالك بقوله: أما الصلاة إلى قبر النبي ﷺ فهو محظور لما جاء عن النبي ﷺ من قوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١ فبناه عمر ابن عبد العزيز محددا على هيئة لا يمكن من صلى إلى القبلة استقباله٢. والمقصود أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قد سد منافذ الشرك بعلمه وحكمته كما تبين من نَقْل من شاهدوا بناء المسجد النبوي في عهد ولايته على المدينة النبوية، ولا شك أن نهي النبي ﷺ عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا كان خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، بل ربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية ... ٣.

стр. 237

وقد منع عمر من اتخاذ البناء لقبره وأوصى بذلك مع أنه كان في الزمن الذي فيه العقيدة صافية نقية إذا قورن ذلك الزمان بما بعده، ولكن لفهمه الصحيح لمقاصد السنة ولاتباعه المنهج الصحيح منهج النبي ﷺ وأصحابه وفقه الله تعالى للوصية بأن لا يبنى على قبره خشية أن يتخذ مسجدا فحسم الموقف قبل أن يستفحل، ولا شك أن ما ذهب إليه عمر هو ما يدل عليه الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى النبي ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه١.

стр. 238

المطلب الثالث: الآثار عن عمر في حكم السحر . ٤٥/١- ابن قتيبة قال: حدثني زيد بن أخزم الطائي قال نا عبد الصمد، قال همام عن يحيى بن أبي كثير أن عامل عمان كتب لعمر بن عبد العزيز ﵁ إنا أتينا بساحرة فألقيناها في الماء فطفت فكتب إليه عمر بن عبد العزيز لسنا من الماء في شيء إن قامت البينة وإلا فخل سبيلها١. ٤٦/٢- ابن حزم الظاهري قال: عن يحيى بن أبي كثير قال: أن غلاما لعمر بن عبد العزيز أخذ ساحرة فألقاها في الماء فطفت، فكتب إليه

стр. 239

عمر ابن عبد العزيز أن الله لم يأمرك أن تلقيها في الماء فإن اعترفت فاقتلها١. ٤٧/٣- ابن حزم أيضا قال: وعن ربيعة بن عطاء أن رجلا عبدا سحر جارية عربية، وكانت تتبعه، فرفع إلى عروة بن محمد، وكان عامل عمر بن عبد العزيز فكتب إليه عمر بن عبد العزيز أن يبيعه بغير أرضها وأرضه، ثم ادفع ثمنه إليها٢. التعليق: السحر لغة: هو كل أمر لطف مأخذه ودق٣واصطلاحا: عزائم ورقى وعقد تؤثر في القلوب والأبدان فتمرض وتقتل وتفرق بين المرء وزوجه٤ومن المعلوم أن السحر من الشرك لأنه لا يحصل إلا بالاستعانة بالشياطين، ولا شك في خطورة انتشاره بين الناس، ويتبين من الأثرين الأوليين عن عمر حكم الساحر حيث إنه ﵀ أمر بالتحقق ممن

стр. 240

يتعاطى السحر فإذا تبين أنه ساحر فحكمه القتل لأنه كافر، قال تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ... ﴾ ١، وهذا هو مذهب الأئمة الثلاثة مالك، وأحمد، وأبو حنيفة، وفصل الشافعي رحمه الله تعالى في حكم الساحر حيث بين أننا نسأله ونختبره فإذا كان سحره يستوجب القتل قتل، وإلا نزلناه منزلته التي يستحقها. والصواب ما عليه الجمهور لدلالة الآية، قال الحافظ ابن حجر: "وقد استدل بهذه الآية على أن السحر كفر ومتعلمه كافر"٢. والآية التي يشير إليها الحافظ هي قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ٣، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله والسحر"٤. فدل الحديث على أن السحر من الذنوب المهلكات التي تهلك صاحبها إذا لم يتب قبل موته، وهذا الذي

стр. 241

أثر عن عمر هو مدلول الآية كما سبق، وقد أثر كذلك عن حفصة، وعمر بن الخطاب، وجندب الخير١. والمقصود أن السحر من الشرك الذي يضاد التوحيد. وأما ما روي عن عمر في الأثر الثالث من عدم قتل الساحر الذي سحر جارية عربية وأمره بأن يباع من غير أرضه وأرضها ثم يدفع ثمنه إليها ففي ثبوته عن عمر نظر، لأن ابن حزم الظاهري لم يذكر سنده إلى ربيعة حتى تتبين صحته من عدمها، ثم إن صح الأثر عنه فلا تعارض بينه وبين الأثرين المتقدمين إذ يُحتمل أنه لم يتأكد من سحر هذا العبد ولم يجزم به لعدم وجود الأدلة الكافية على ذلك، فاكتفي ببيعه في غير أرضه وأرضها ودفع ثمنه إليها لأنه هو الخليفة أو لعله اعتقد أن قتله خسارة على أهله لأنه عبد مملوك. وعلى فرض ثبوته أيضا فقد يكون عمر قد استند إلى ما جاء عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها دبرت جارية، فاشتكت عائشة ﵂ فطال شكواها، فقدم إنسان المدينة يتطبب، فذهب بنو أخيها يسألونه عن وجعها فقال: والله إنكم تنعتون نعت امرأة مطبوبة،

стр. 242

قال هذه امرأة مسحورة سحرتها جارية لها قالت: نعم١ أردت أن تموتي فأعتق قال: وكانت مدبرة قالت: فبيعوها في أشد العرب ملكة، واجعلوا ثمنها في مثلها٢.

стр. 243

الفصل الثاني: الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في أسماء الله الحسنى المبحث الأول: ما أثر عنه في أسمه تعالى "الله " ... تمهيد: تعريف الاسم لغة واصطلاحا وبيان مذهب أهل السنة في أسماء الله تعالى الاسم لغة: مشتق من السمو، وقيل: أنه مشتق من السمة وهي العلامة١. والصحيح أنه مشتق من السمو، وهو العلو. قال الأزهري: ومن قال إن اسما مأخوذ من وَسِمْتُ فهو غلط، لأنه لو كان اسم من سِمْتُه لكان تصغيره، وُسَيْما مثل تصغير عدة وصلة وما أشبههما٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الاسم مشتق من السمو وهو العلو كما قال النحاة البصريون، لأن الاسم يظهر به المسمى ويعلو، فيقال للمسمِّي: سَمِّه أي أظهره وأعله أي أعل ذكره بالاسم الذي يذكر به٣.

стр. 244

أما تعريفه اصطلاحا: فأسماء الله الحسنى هي كلما ته الدالة على ذاته المتضمنة إثبات صفات الكمال له بلا مماثلة وتنزيهه عن صفات النقص والعيب١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الأسماء الحسنى المعروفة هي التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها"٢. وقال أيضا: "أهل الإسلام وأهل السنة يذكرون أسماء الله ويعرفونه ويعبدونه ويحبونه، ويذكرونه، ويظهرون ذكره، فله الأسماء الحسنى كما أخبر بذلك في كتابه وأخبر بذلك في سنة نبيه ﷺ وما ليس له اسم فإنه لا يذكر، ولا يظهر، ولا يعلو ذكره، بل هو كالشيء الخفي الذي لا يعرف، ولذا يقال الاسم دليل على المسمى، وعلم على المسمى، ونحو ذلك. والملاحدة الذين ينكرون أسماءه وتعرض قلوبهم عن معرفته وعبادته، ومحبته، وذكره، حتى ينسوا ذكره ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ ٣، وقال: ﴿وَلا

стр. 245

تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ ١، ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٢٣. والله تعالى قد أمر بتسبيح اسمه، وأمر بالتسبيح باسمه، كما أمر بدعائه بأسمائه الحسنى فيدعى بأسمائه الحسنى، ويسبح اسمه، وتسبيح اسمه هو تسبيح له، إذ المقصود بالاسم المسمى، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٤، فالله هو المدعو الواحد الذي له الأسماء الحسنى"٥. ولا شك أن كل قارئ للقرآن الكريم، وللأحاديث النبوية يجد أن الله ﵎ في كتابه قد سمى نفسه بأسماء، وأن رسوله ﷺ قد سمى ربه بأسماء، ومن المعلوم أن السلف الصالح يثبتون لله تعالى من الأسماء ما أثبته

стр. 246

الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ لأنه لا أحد أعلم بالله من الله، ولا أحد أعلم بالله بعد الله من رسوله ﷺ . وأسماء الله تعالى كلها حسنى، وهي أعلام، وأوصاف، وهي أسماؤه حقيقة دالة على ذاته وصفاته، وهي توقيفية، وغير محصورة بعدد معين، وغير مخلوقة، ولا يجوز الإلحاد فيها. ولأهل السنة تفاصيل في أسماء الله الحسنى يحسن الرجوع إلى كتبهم في هذا الجانب، لأن الغرض من هذا التمهيد بيان مذهب أهل السنة في الجملة لربط ذلك بما أثر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى في بيان أسماء الله الحسنى. وهذا ما سيتضح بالآثار المنقولة فيما يأتي:

стр. 247

المبحث الأول: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسمه تعالى "الله". ٤٨/١- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز رسالة فقال: "أما بعد: إني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ... "١. ٤٩/٢- ابن عبد الحكم قال: وكان عمر بن عبد العزيز يدعو بهذا الدعاء: "اللهم رضني بقضائك وبارك لي في قدرك ... "٢. ٥٠/٣- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر إلى أهل الأمصار: "إن هذه الرجفة شيء يعاتب الله به العباد ... "٣. ٥١/٤- ابن عبد الحكم أن عمر خطب وفي آخر خطبته قال: "أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم"٤.

стр. 248

التعليق: اسم الله العلم "الله" من الأسماء الحسنى، بل هو أعظم الأسماء الحسنى، لأنه دال على الذات الجامعة لصفات الإلهية كلها حتى لا يشذ منها شيء، ولأنه أخص الأسماء إذ لا يطلقه أحد على غيره تعالى. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ١. "وقد اختلف في اشتقاقه وتصريفه، قال الزجاج: واختلفوا هل هو مشتق أم غير مشتق؟ فذهبت طائفة: إلى أنه مشتق، وذهب جماعة ممن يوثق بعلمه إلى أنه غير مشتق". والصحيح أنه مشتق لأنه دال على صفة له تعالى وهي الإلهية كسائر أسمائه ... ". ومعنى قولنا: "إله" إنما هو الذي يستحق العبادة بحق وهو تعالى المستحق لها دون من سواه. ومن فروع هذا الاسم العظيم "اللهم" قال سيبويه: زادوا الميم في آخره مثقلة عوضا عن حرف النداء في أوله، فلا يجمع بينهما لا يقال: "يا اللهم" لأن العوض والمعوض منه لا يجتمعان، وجرى مجرى الأصوات فبنى لذلك، ولذلك لا يوصف فلا يقال: "اللهم العزيز ... "٢.

стр. 249

المبحث الثاني: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في اسمه تعالى "الرب ". ٥٢/٥- ابن عبد الحكم قال: وكان عمر يقول: "يارب خلقتني وأمرتني ونهيتني، ورغبتني في ثواب ما أمرتني به ... " وكان يقول: " يارب انفعني بعقلي ... "١. التعليق: الرب من أسماء الله الحسنى، قال تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ٢. ومعنى الرب: المصلح للشيء، يقال: رببت الشيء أربه ربا وربابة: إذا أصلحته وقمت عليه، ورب الشيء: مالكه، فالله مالك العباد، ومصلحهم ومصلح شئونهم. ومصدر الرب الربوبية، وكل من ملك شيئا فهو ربه، يقال: هذا رب الدار، ورب الضيعة، ولا يقال: "الرب" معرفا بالألف واللام مطلقا إلا لله لأنه مالك كل شيء٣.

стр. 250

المبحث الثالث: في ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في أسمائه تعالى "الرحمن الرحيم، المليك، اللطيف، الخبير ". ٥٣/٦- أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق الثقفي، ثنا محمد بن الصباح، ثنا عمر بن حفص، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ولي العهد من بعده: "بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى يزيد بن عبد الملك سلام عليك فإني أحمد الله إليك الله الذي لا إله إلا هو ... وقد علمت أني مسئول عما وليت، يحاسبني عليه مليك الدنيا والآخرة ... فإن يرضى عني الرحيم فقد أفلحت ... فعليك بتقوى الله والرعية الرعية فإنك لن تبقى بعدي إلا قليلا حتى تلحق باللطيف الخبير"١.
следующие страницы →