← Акыда

Акыда · id 11723

الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة

حياة بن محمد بن جبريل

Полный текст (805 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

المبحث الثاني: ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في صفة الوجه لله تعالى ... المبحث الثاني: ما أثر عن عمر في صفة الوجه لله تعالى. ٦٦/٢- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر إلى الخوارج رسالة وفيها: " ... وإني أقسم لكم بالله لو كنتم أبكاري من ولدي ... لدفقت دماءكم ألتمس بذلك وجه الله والدار الآخرة ... "١. التعليق: صفة الوجه لله ﵎ من الصفات الخبرية الذاتية التي جاء بها الكتاب والسنة، وقال بها سلف الأمة كما تبين آنفا من النقل عن عمر بن عبد العزيز. فمن الآيات التي ورد فيها إثبات الوجه لله قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ ٢، وقوله : ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ ٣، وغيرهما من الآيات. ومن السنة حديث ابن مسعود ﵁: لما قسم النبي ﷺ

стр. 282

الغنائم يوم حنين١ وقال رجل: والله إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله ... "٢. وحديث ابن عمر ﵄ في الثلاثة الذين حبسوا في الغار فقال كل واحدمنهم: "اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنَّا ما نحن فيه ... "٣. فما على المسلم إلا التسليم لقول الله ﵎ وقول رسوله ﷺ وفهم سلف هذه الأمة لنصوص الصفات، وقد كان سيد الرسل محمد ﷺ يدعو ربه ويلح في الدعاء طالبا النظر إلى وجهه تعالى، فلا يعقل أن يسأل الرسول ربه ما لا يجوز، ففي سؤاله ربه لذة النظر إلى وجهه بقوله:

стр. 283

"وأسألك لذة النظر إلى وجهك"١ أبين البيان وأوضح الحجج أن لله وجها يتلذذ بالنظر إليه من منَّ الله عليه وتفضل بالنظر إلى وجهه، ولا يتوهم أننا بإثباتنا لله وجها يليق به تشبيه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، كما يدعي من نفي صفات الرب جل وعلا وذلك بتفسير قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ ٢، بزعمه أن الوصف بقوله: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ إنما هو للرب فالمنعوت بـ"ذو الجلال والإكرام" عنده الرب لا الوجه، وقد رد هذا الدعوى الإمام ابن خزيمة فقال: "هذه دعوى يدعيها جاهل بلغة العرب لأن الله قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ فذكر الوجه مضموما في هذا الموضع مرفوعا وذكر الرب بخفض الباء بإضافة الوجه ولو كان قوله ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ مردود إلى ذكر الرب في هذا الموضع لكانت القراءة "ذي

стр. 284

الجلال والإكرام" مخفوضا، فذو الجلال والإكرام من نعت الوجه فلذلك رفع ذو١. ولا شك أن ما وصف به خالق السموات والأرض من الصفات أنه حق لائق بكماله وجلاله لا يجوز أن ينفي خوفا من التشبيه بالخلق وأن ما وصف به الخلق من الصفات حق مناسب لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم"٢.

стр. 285

المبحث الثالث: ماأثر عن عمر بن عبد العزيز في إثبات صفة العلم لله تعالى ... المبحث الثالث: ما أثر عن عمر في إثبات صفة العلم لله تعالى ٦٧/٣- الآجري قال: أخبرنا الفريابي قال: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا الهيثم بن عمران قال سمعت عمرو بن مهاجر قال: أقبل غيلان - وهو مولى لآل عثمان وصالح بن سويد إلى عمر بن عبد العزيز فبلغه أنهما ينطقان بالقدر، فدعاهما فقال: أعلم الله نافذ في عباده أم منتقض؟ قالا: نافذ يا أمير المؤمنين. قال: ففيم الكلام؟ فخرجا فلما كان عند مرضه بلغه أنهما قد أسرفا فأرسل إليهما وهو مغضب فقال: ألم يك في سابق علمه حين أمر إبليس بالسجود أنه لا يسجد؟ قال عمرو فأومأت إليهما برأسي أن قولا نعم فقالا نعم، فأمر بإخراجهما١.

стр. 286

٦٨/٤- وروى أبو داود أن عمر كتب إلى عامله رسالة وفيها: ... وتضعيفا لأنفسهم أن يكون شيء من الأشياء لم يحط به علمه ولم يحصه كتابه ولم ينفذ فيه قدره ... "١. ٦٩/٥- أبو نعيم الحافظ بسنده إلى كتاب عمر بن عبد العزيز إلى النفر الذين كتبوا إليه، قال فيها: ... ولقد حرص إبليس على ضلالتهم جميعا فما ضل منهم إلا من كان في علم الله ضالا ... ٢. التعليق: العلم صفة ذاتية لله ﵎ والسلف الصالح ومن سار على نهجهم رحمهم الله تعالى يثبتون أن لله تعالى علما وأن علمه أزلي بأزليته وأنه علم في الأزل ما سيكون من دقيق وجليل. وهو عالم بكل شيء. وهذا ما قرره عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بقوله: أعلم الله

стр. 287

نافذ في عباده، وقوله: أن يكون شيء لم يحط به علمه ... " وقد كفر عمر من جحد العلم من القدرية كما سيأتي في مناظرته لغيلان القدري، وثبوت العلم لله ﵎ هو ما نطق به الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ ... ﴾ ١، وقال : ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣، ومن السنة أدلة كثيرة منها حديث الاستخارة: "اللهم إني استخيرك بعلمك.."٤. ولا شك أن علمه تعالى من لوازم نفسه المقدسة، وبراهين علمه تعالى ظاهرة مشاهدة في خلقه وفي شرعه، ومعلوم عند كل عاقل أن الخلق يستلزم الإرادة، ولا بد للإرادة من علم بالمراد كما قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٥.

стр. 288

وإثبات صفة العلم لله تعالى هو مذهب السلف والخلف من الأشاعرة والكلابية١ وغيرهم، ومع وضوح أدلة هذه الصفة وكونها من الصفات التي أثبتها العقل والسمع حاول أن ينفيها غيلان القدري وغيره من القدرية الأولى ثم ورث هذا المعتقد الفاسد الجهمية، والمعتزلة فقالت المعتزلة إن علمه تعالى هي ذاته٢، وهذا معلوم بطلانه بضرورة العقل الذي يقد مه المعتزلة. ويفضلونه على النقل فوجود المخلوقات، وظهور تناسبها دليل على علم خالقها فالمعتزلة خالفوا بدائه العقول فالعقول لا تعقل وجود ذات عالمة بغير علم. قال الحافظ ابن خزيمة ﵀: ... أنكرت الجهمية أن يكون لخالقنا علم مضاف إليه من صفات الذات تعالى الله عما يقول الطاعنون في علم الله علوا كبيراً، فيقال لهم: خبرونا عمن هو عالم بالأشياء كلها أله علم أم لا؟ فإن قال: الله يعلم السر والنجوى، وهو بكل شيء عليم، قيل له فمن هو عالم بالسر والنجوى وهو بكل شيء عليم أله علم أم لا علم له؟ فلا جواب لهم لهذا السؤال إلا الهرب. ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣.

стр. 289

المبحث الرابع: ما أثر عن عمر في إثبات صفة الكبرياء لله تعالى . ٧٠/٤- الفسوى قال: حدثنا حرملة أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني الليث أن أبا النضر حدثه، قال: دسست إلى عمر بن عبد العزيز بعض أهله أن قل له إن فيك كبرا وأنه يتكبر: فقيل ذلك فقال عمر: "قل له: لبئس ما ظننت أن كنت تراني أتوقى الدينار والدرهم مراقبة لله فأنطلق إلى أعظم الذنوب فأركبه الكبرياء إنما هو رداء الرحمن فأنازعه إياه"١. التعليق: الكبرياء لله تعالى صفة ثابتة بالكتاب والسنة يثبتها السلف على ما يليق بالله تعالى كما اتضح لنا آنفا من كلام عمر بن عبد العزيز، ومن المعلوم أن الكبرياء من صفات الله التي لا يجوز للعباد أن يتصفوا بها فقد

стр. 290

توعد الله المتكبرين بجهنم. قال : ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ١، ولذا فقد حرص عمر رحمه الله تعالى أن يبين للسائل أنه لا يجوز له الاتصاف بالتكبر لأن هذه الصفة خاصة بالخالق ، ومن أدلة ثبوت هذه الصفة لله تعالى قوله: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢، وحديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ﵄: "العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته" ٣. فوصف الله تعالى بأن العظمة إزاره والكبرياء رداؤه تثبت كسائر صفاته على ما يليق به ويجب أن يؤمن بها على ما أفاده النص دون تحريف ولا تعطيل٤.

стр. 291

المبحث الخامس: ما أثر عن عمر في صفة القدرة لله تعالى ٧١/٥- ابن الجوزي قال: حدثنا عيسى بن سليمان عن ضمرة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله "أما بعد: فإذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم، فاذكر قدرة الله عليك في نفاذ ما يأتي إليهم وبقاء ما يأتي إليك"١. ٧٢/٦- أبو نعيم في رسالة عمر في الرد على القدرية وفيها: ... فالله أعز في قدرته وأمنع من أن يملك أحدا إبطال علمه ... "٢. التعليق: يتبين من خلال الأثرين السابقين إثبات عمر بن عبد العزيز صفة القدرة لله ﵎ وهي من الصفات التي دل عليها السمع والعقل

стр. 292

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، وقال : ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً﴾ ٢، ومن السنة حديث أبي مسعود البدري ﵁ لما ضرب غلامه قال له النبي ﷺ : "اعلم يا أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام"٣.

стр. 293

المبحث السادس: ما أثر عن عمر في إثبات صفة العلو لله تعالى ٧٣/٦- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر إلى أمراء الأجناد وفي آخر الرسالة قال: ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم١ ٧٤/٧- أبو زرعة الدمشقي قال: حدثني عبد الله بن أحمد بن ذكوان حدثنا عبد العزيز بن أبي السائب عن أبيه قال: قلت لعمر بن عبد العزيز: والذي أكرمك بما أكرمك به من الخلافة قال: فاستتر بيده من السماء وقال: ويحك تدري ما تقول؟ ٢.

стр. 294

٧٥/٨- ابن عبد الحكم قال: كان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز أن حمد الله وأثنى عليه ثم قال فيها: ... وإن لكم معادا ينزل الله ﵎ للحكم فيه والفصل بينكم ... "١. ٧٦/٩- ابن أبي الدنيا قال: حدثني الحسن بن الصباح قال: ثنا ميسرة ابن إسماعيل، عن أبي عبد الله الأنطاكي: قال عمر بن عبد العزيز: كانت المساجد على ثلاثة أصناف: فصنف ساكت سالم، وصنف في ذكر الله ، والذكر معروج به وصنف في صلاة والصلاة لها من الله نور ... ٢. التعليق: تتضمن هذه الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز إثبات علو الله ﵎ تصريحا وتلميحا، وإثبات علو الله على خلقه مركوز في الفطر السليمة، وثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح.

стр. 295

قال شارح الطحاوية: والنصوص الواردة المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه وكونه فوق عباده تقرب من عشرين نوعاً: أحدها: التصريح بالفوقية مقرونا بأداة "من" المعينة للفوقية بالذات كقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ١. الثاني: ذكرها مجردة عن الأداة كقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ٢. الثالث: التصريح بالعروج إليه نحو ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٣. وقوله ﷺ : "فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم"٤. الرابع: التصريح بالصعود إليه كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب﴾ ٥. الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه كقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ٦، وقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَي﴾ ٧.

стр. 296

السادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتاً وقدراً وشرفاً كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ١. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٢، ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٣. السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله تعالى ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ٤، وغيرها من الآيات. الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّك﴾ ٥، وقوله ﷺ في الكتاب الذي كتبه تعالى على نفسه: "أنه عنده فوق العرش"٦. التاسع: التصريح بأنه تعالى في السماء كقوله للجارية "أين الله" فقالت: في السماء٧ والسماء يراد به العلو، و"في" بمعنى "على".

стр. 297

العاشر: التصريح بالاستواء مقرونا بأداة "على" مختصا بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات مصاحبا في الأكثر لأداة "ثم" الدالة على الترتيب والمهلة. الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى كقوله ﷺ : "إن الله يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا "١، والقول بأن العلو قبلة الدعاء فقط باطل بالضرورة، والفطرة، وهذا يجده من نفسه كل داع. الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى سفل. الثالث عشر: الإشارة إليه حسًّا إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم به ولما يجب له ويمتنع عليه من جميع البشر، لما كان بالمجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد مثله في اليوم الأعظم، في المكان الأعظم. قال لهم أنتم مسؤولون عني فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فرفع أصبعه الكريمة إلى السماء رافعا لها إلى من هو فوقها وفوق

стр. 298

كل شيء قائلا: "اللهم اشهد"١، فكأنا نشاهد تلك الإصبع الكريمة وهي مرفوعة إلى الله وذلك اللسان الكريم وهو يقول لمن رفع اصبعه إليه: "اللهم اشهد" ونشهد أنه بلغ البلاغ المبين، وأدى رسالة ربه كما أمر، ونصح أمته غاية النصيحة، فلا يحتاج مع بيانه وتبليغه وكشفه وإيضاحه إلى تنطع المتنطعين، وحذلقة المتحذلقين والحمد لله رب العالمين. الرابع عشر: التصريح بلفظ "الأين" كقول أعلم الخلق به وأنصحهم لأمته وأفصحهم بيانا عن المعنى الصحيح بلفظ لا يوهم باطلا بوجه: "أين الله"٢ في غير موضع. الخامس عشر: شهادته ﷺ لمن قال: إن ربه في السماء بالإيمان. السادس عشر: إخباره تعالى عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطّلع إلى إله موسى، فيكذبه فيما أخبره من أنه فوق السموات فقال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى

стр. 299

وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ ١، فمن نفي العلو من الجهمية فهو فرعوني ومن أثبته فهو موسوي محمدي. السابع عشر: إخباره ﷺ أنه تردد بين موسى ﵇ وبين ربه ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة فيصعد إلى ربه، ثم يعود إلى موسى عدة مرات. الثامن عشر: النصوص الدالة على رؤية أهل الجنة له تعالى من الكتاب والسنة وإخبار النبي ﷺ أنهم يرونه كرؤية الشمس والقمر ليلة البدر ليس دونه سحاب، ولا يرونه إلا من فوقهم ... "٢. ومع وضوح هذه الأدلة وثبوتها حيث لا مجال للمسلم تجاهها إلا التسليم والإيمان حرفها من خرج عن منهج السلف من المتكلمين ومن تأثر بهم وسلكوا في ردها مسلكين معوجين هما: ١- تأويل هذه الأدلة والزعم بأن ظاهرها غير مراد، وأن إثباتها يؤدي إلى محذور ويكفي في الرد عليهم أن نقول لهم أأنتم أعلم أم الله ورسوله؟ ٢- التفويض وهو عندهم أن هذه الصفة ثابتة لكن ثبوتها يقتصر على القول بها لفظا أما المعنى المراد منها فموكول علمه إلى الله .

стр. 300

وهؤلاء المفوضة أساءوا إلى السلف الصالح حيث زعموا أنهم يفوضون١ معاني نصوص الصفات بلا دليل صحيح ويرد عليهم بما ثبت ما نقلناه عن عمر بن عبد العزيز من استتاره بيده من السماء حياءً من الله تعال، ى وإثباته النزول يوم القيامة، ولا شك أن النزول يستلزم العلو عند جميع العقلاء، ولا يمكن حمل ما أثر عن عمر بن عبد العزيز وغيره على أنه وغيره من السلف كانوا يفوضون معاني نصوص الصفات، بأي وجه من الوجوه لأن كلامه رحمه الله تعالى هنا لا يقبل التأويل ولا التفويض. فعلوه تعالى مطلق من كل وجه فله علو القهر وعلو القدر، وعلو الذات، ومن أثبت البعض ونفي البعض فقد تناقض ٢. وعلوه ثابت بالعقل من عدة وجوه: أحدها: العلم البديهي القاطع بأن كل موجودين إما أن يكون أحدهما ساريا في الآخر قائما به كالصفات، وإما أن يكون قائما بنفسه بائنا من الآخر.

стр. 301

الثاني: أنه لما خلق العالم فإما أن يكون خلقه في ذاته أو خارجا عن ذاته والأول باطل، أما أوّلاً فبالاتفاق، وأما ثانيا فلأنه يلزم أن يكون محلا للخسائس والقاذورات، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. والثاني: يقتضي كون العالم واقعا خارج ذاته، فيكون منفصلا، فتعينت المباينة لأن القول بأنه غير متصل بالعالم وغير منفصل عنه غير معقول. الثالث: أن كونه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي نفي وجوده بالكلية لأنه غير معقول فيكون موجوداً إما داخله وإما خارجه والأول باطل فتعين الثاني فلزمت المباينة. وعلوه ثابت أيضا بالفطرة فإن الخلق جميعا بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله تعالى وذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين وهويتكلم في نفي صفة العلو ويقول: كان الله ولا عرش وهو الآن على ما كان! فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؟ فإنه ما قال عارف قط: ياالله إلا وجد في قلبه ضرورة تطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟ قال فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل! وأظنه قال وبكى وقال: حيّرني الهمداني حيّرني

стр. 302

الهمداني أراد الشيخ: أن هذا أمر فطر الله عليه عباده من غير أن يتلقوه من المعلمين يجدون في قلوبهم طلبا ضروريا يتوجه إلى الله ويطلبه في العلو١.

стр. 303

المبحث السابع: ما أثر عن عمر في إثبات صفة المعية والقرب لله تعالى . ٧٧/١٠- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الضحاك ابن عبد الرحمن، أما بعد: فإن الله جعل الإسلام الذي رضي به لنفسه ... وفيها: " ... وأذكرهم تذكيراً بعد تذكير وأشهد عليهم الذي هو آخذ بناصية كل دابة والذي هو أقرب إلى كل عبد من حبل الوريد ... "١. ٧٨/١١- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أيوب ابن شرحبيل وأهل مصر رسالة وفيها: " ... ومن يخالف ما نهى عنه نعاقبه في العلانية ويكفينا الله ما أسر، إنه على كل شيء رقيب والله على كل شيء شهيد ... "٢. التعليق: تتضمن الأثران السابقان عن عمر بن عبد العزيز إثبات صفة المعية لله ﵎ وصفة القرب. ولا شك أن المعية تنقسم إلى قسمين: معية عامة ومعية خاصة.

стр. 304

وهذا المأثور عن عمر هو الحق الذي دل عليه الكتاب فمن أدلة المعية العامة في الكتاب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم﴾ ١، والمعنى أن الله مع جميع ما خلق يعلم ما هم عليه فلا تخفي عليه منهم خافية في الأرض ولا في السماء بل أحاط كل شيء علما وأحصى كل شيء عددا، ومن أدلة المعية الخاصة قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ٢، ومما يجدر التنبيه عليه أن معية الله لا توجب المخالطة والممازجة الذاتية لا شرعا ولا لغة بل تمنع ذلك باعتبار إضافتها إلى الله تعالى فإذا كانت معية عامة فمعناها العلم والإطلاع والإحاطة، وإن كانت خاصة فمعناها الحفظ والنصر والتأييد. ولا ينبغي أن نفهم منها أي معنى من المعاني التي لا تليق بالله تعالى٣. وأما صفة القرب فهي صفة ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ٤ ومن السنة حديث: "من تقرب

стр. 305

إلي شبرا تقربت منه ذراعا ... "١ وأهل السنة والجماعة من السلف وأهل الحديث يعتقدون أن الله قريب من عباده حقيقة كما يليق بجلاله وعظمته وهو مستو على عرشه بائن من خلقه ,وأنه يتقرب إليهم حقيقة ويدنو منهم حقيقة ولكنهم لا يفسرون كل قرب ورد لفظه في القرآن أو السنة بالقرب الحقيقي, فقد يكون القرب قرب الملائكة, وذلك حسب سياق اللفظ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وأما دنوه وتقربه من بعض عباده, فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه, ومجيئه يوم القيامة, ونزوله, واستواؤه على العرش, وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة الإسلام المشهورين وأهل الحديث والنقل عنهم متواتر٢.

стр. 306

المبحث الثامن: ما أثر عن عمر في إثبات صفة النزول لله تعالى يوم القيامة لفصل القضاء . ٧٩/١٢- الفسوى قال: حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أبي الغمر، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: خطب عمر بن عبد العزيز هذه الخطبة - وكانت آخر خطبة خطبها - فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنكم لم تخلقوا عبثا ولن تتركوا سدى وأن لكم معادا ينزل الله ليحكم فيكم ويفصل بينكم ... "١.

стр. 307

٨٠/١٣- اللالكائي قال: أخبرنا الحسين قال أخبرنا أحمد قال ثنا بشر قال ثنا عبد الله بن يزيد المقري قال: ثنا حرملة بن عمران قال: حدثني سليمان بن حميد أنه سمع محمد بن كعب القرظي يحدث عن عمر بن عبد العزيز، قال: إذا فرغ الله من أهل الجنة وأهل النار أقبل ﵎ في ظلل من الغمام ومعه الملائكة فيقف على أهل أول درجة من الجنة فيسلم عليهم فيردون عليه وهو قوله: سلام قولا من رب رحيم١. التعليق: إن صفة النزول التي قررها عمر بن عبد العزيز في الأثر الأول صفة ثابتة بالكتاب قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ ٢، وقال : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ ٣، وقال

стр. 308

تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّك﴾ ١، وثابتة بالسنة قال ﷺ كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الرؤية: " ... قال فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم ... " ٢، وغيرها من الأحاديث والسلف الصالح ومن سار على نهجهم يثبتون هذه الصفة كما يليق بجلال الله وعظمته وأنه تعالى ينزل يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والآخرين فيجزي كل عامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وإذا ثبت نزوله يوم القيامة كما يليق بجلاله فمن باب أولى أن يؤمن بنزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير من الليل، لا سيما مع ثبوت الخبر الصادق وقد استدل الإمام إسحاق بن راهويه بنزوله يوم القيامة على نزوله في الدنيا. فروى الذهبي في العلو أن إسحاق بن راهويه حضر مجلس ابن طاهر أمير خراسان فسئل عن حديث النزول أصحيح هو؟ قال نعم. فقال له بعض القواد كيف ينزل؟ فقال: أثبته فوق حتى أصف لك النزول، فقال الرجل:

стр. 309

أثبته فوق. فقال: إسحاق قال الله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ ١ فقال ابن طاهر: هذا ياأبا يعقوب يوم القيامة. قال: ومن يجئ يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ ٢ أما كيف ينزل وهل يخلو منه العرش؟ هذا فيه خلاف بين السلف قال شيخ الإسلام مبينا الصواب من قول أهل السنة في النزول مع كونه على العرش: "المأثور عن سلف الأمة وأئمتها أنه - لا يزال فوق العرش ولا يخلو العرش منه مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه. وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة، وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض بحيث يبقى السقف فوقهم، بل الله منزه عن ذلك ... "٣، هذا مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ .

стр. 310

أما غيرهم من أهل الكلام والتجهم فلم يقدروا كلام الله وكلام رسوله ﷺ في إثبات هذه الصفة فتأولوها بنزول أمره أو نزول رحمته أو نزول الملك١، وهذه كلها تأويلات باطلة مخالفة لنصوص الوحيين. قال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني: ويثبت أهل الحديث نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل، ولا تكييف، بل يثبتون ما أثبته رسول الله ﷺ وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله وكذلك يثبتون ما أنزله الله عز اسمه في كتابه من ذكر المجيء والإتيان ... "٢.

стр. 311

المبحث التاسع: ما أثر عن عمر في إثبات صفة المشيئة والإرادة لله تعالى ٨١/١٤- الآجري قال: وأخبرنا الفريابي، نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا عبد الله بن إدريس، عن عمر بن ذر، قال: قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله تعالى أن لا يعصَى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة١. ٨٢/١٥- الآجري قال: وحدثني أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: نا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: نا مؤمل بن إسماعيل، قال: نا سفيان الثوري، قال: حدثني شيخ، قال مؤمل: زعموا أنه أبو رجاء الخراساني أن عدي بن أرطأة كتب إلى عمر بن عبد العزيز: إن قبلنا قوما يقولون: لا قدر فاكتب إلي برأيك، واكتب إلي بالحكم

стр. 312

فيهم، فكتب إليه: أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره ... وفيها: ... وما يقدر يكن، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن....١. التعليق: إن مما أثر عن عمر بن عبد العزيز هنا يدل دلالة واضحة على إثبات صفة الإرادة لله تعالى كما يليق بجلاله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى واصفا قول أهل السنة في الإرادة وهو أن الله تعالى لم يزل مريدا بإرادات متعاقبة، فنوع الإرادة قديم، وأما إرادة الشيء المعين فإنما يريده في وقته٢. وكونه تعالى متصفا بصفة الإرادة هو صريح ما دل عليه الكتاب. قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٣، وقال : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا

стр. 313

مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ ١، وقال : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢، وغيرها من الآيات وقد ضل كثير من الطوائف في هذه الصفة وخالفهم التوفيق فالأشاعرة ذهبوا إلى أنه تعالى مريد بإرادة قديمة٣ أزلية واحدة وإنما يتجدد تعلقها بالمراد ونسبتها إلى الجميع واحدة، ولكن من خواص الإرادة أنها تخصص بلا مخصص٤. وكثير من العقلاء يقول: إن هذا فساده معلوم بالاضطرار حتى قال أبو البركات: ليس في العقلاء من قال بهذا. وما علم أنه قول طائفة كبيرة من أهل النظر والكلام، وبطلانه من جهات: من جهة جعل إرادة هذا غير إرادة ذاك، ومن جهة أنه جعل الإرادة تخصص لذاتها، ومن جهة أنه لم يجعل عند وجود الحوادث شيئا حدث حتى تخصص أولا تخصص. بل تجددت نسبة عدمية ليست وجودا

стр. 314

وهذا ليس بشيء، فلم يتجدد شيء فصارت الحوادث تحدث وتتخصص بلا سبب حادث ولا مخصص، والكرامية وغيرهم يقولون بإرادة واحدة قديمة مثل الأشاعرة لكنهم يقولون تحدث عند تجدد الأفعال إرادات في ذاته بتلك المشيئة القديمة، وهؤلاء أقرب من حيث أثبتوا إرادات الأفعال ولكن يلزمهم ما لزم أولئك من حيث أثبتوا حوادث بلا سبب حادث، وتخصيصات بلا مخصص، وجعلوا تلك الإرادة واحدة تتعلق بجميع الإرادات الحادثة، وجعلوها أيضا تخصص لذاتها ولم يجعلوا عند وجود الإرادات الحادثة شيئا حدث حتى تخصص تلك الإرادات الحدوث، وأما المعتزلة والجهمية فإنهم ينفون قيام الإرادة بالله تعالى، ثم إما أن يقولوا بنفي الإرادة أو يفسرونها بنفس الأمر والفعل، أو يقولوا بحدوث إرادة لا في محل كقول البصريين١. والسبب في هذا هو إنكارهم للأفعال الاختيارية لله ﵎ فلذا قالوا بإرادة قديمة واحدة والله أعلم.

стр. 315

المبحث العاشر: ما أثر عن عمر في إثبات صفة الغضب كما يليق لله تعالى ٨٣/١٦- ابن عبد الحكم قال: وخرج سليمان بن عبد الملك ومعه عمر بن عبد العزيز إلى الحج فأصابهم مطر شديد ورعد برق فقال سليمان: هل رأيت مثل هذا يا أبا حفص؟ فقال: يا أمير المؤمنين هذا في حين رحمته فكيف به في حين غضبه١. ٨٤/١٧- ابن كثير قال: روى ابن أبي الدنيا قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا جرير، عن عطاء بن السائب قال: كان عمر بن عبد العزيز في سفر مع سليمان بن عبد لملك فأصابهم السماء برعد وبرق، وظلمة، وريح شديدة، حتى فزعوا لذلك وجعل عمر بن عبد العزيز يضحك، فقال له سليمان: ما يضحكك يا عمر؟ أما ترى ما نحن فيه؟ فقال له يا أمير المؤمنين هذا آثار رحمته فيها شدائد ما ترى فكيف بآثار سخطه وغضبه٢.

стр. 316

٨٥/١٨- أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا أبو حامد ثنا محمد بن إسحاق ثنا إبراهيم بن هانئ، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض عماله: "أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله ولزوم طاعته فإن بتقوى الله نجا أولياء الله من سخطه ... "١. ٨٦/١٩- الدارمي قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري ابنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض أمراء الأجناد: "أما بعد: إني أوصيك بتقوى الله وطاعته والتمسك بأمره، والمعاهدة على ما حملك الله من دينه واستحفظك من كتابه فإن بتقوى الله نجا أولياؤه من سخطه ... "٢.

стр. 317

التعليق: يتبين من الآثار المتقدمة المأثورة عن عمر بن عبد العزيز إثبات صفة الغضب كما يليق بجلال الله وعظمته وهذه الصفة يثبتها السلف الصالح لدلالة الكتاب والسنة على ذلك قال تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ١، وقوله : ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ ٢. وهناك عدد من آيات الكتاب المبين في إثبات هذه الصفة، ومذهب سائر الأئمة إثباتها كما أن هناك أحاديث تؤكد ما جاء في هؤلاء الآي من وصف الله بالغضب، كما يليق به وإن هذا الغضب يحدث في وقت دون وقت، ومن ذلك ما جاء في حديث الشفاعة الطويل وهو سبحانه يخبر عما يقوله الأنبياء اعتذارا للناس عند ما يتقدمون إليهم لطلب الشفاعة، فكل واحد منهم يقول: "إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله اذهبوا إلى غيري ... "٣، إلى آخر الحديث، والحديث يدل دلالة واضحة على إثبات صفة الغضب ومحل

стр. 318

الشاهد من الحديث: "إن ربي قد غضب اليوم" واللفظ صريح في أن الله يغضب في ذلك اليوم غضبالم يغضب مثله قبل ذلك كما لا يغضب بعده مثله١. وكذلك حديث كلام الرب لأهل الجنة وهو قوله ﷺ : "إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يارب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يارب وأي شيء أفضل من ذلك: فيقول أُحِلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا"٢. وقد حاول المتكلمون إنكار هذه الصفة فركبوا مطيتهم المعروفة بالتأويل، فصرفوا هذه النصوص، وفسروا الغضب بأنه انتقام الله تعالى ممن عصاه، أو إرادته العقوبة لأهل المعاصي ٣. ويرد عليهم بأن الأصل حمل الكلام على الحقيقة، وبإجماع السلف الصالح ومنهم كما تقدم عمر بن عبد العزيز على إثبات هذه الصفة،

стр. 319

وبالقاعدة المطردة، وهي أن الكلام في بعض الصفات كالقول في بعض، فإنهم يقولون بأن الله تعالى حي بحياة عليم بعلم مريد بإرادة، ويجعلون ذلك كله حقيقة، فيقال لهم لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قلت: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام فيقال لك ,والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، فإن قلت هذه إرادة المخلوق قيل لك وهذا غضب المخلوق١. فالتسليم لنصوص الوحي واتباع منهج السلف الصالح هو سبيل المؤمنين الذي من اتبعه وصل إلى الحق واليقين، ومن حاد عنه وركب هواه فمسلكه خطير، وطريقه معوج، والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل.

стр. 320

المبحث الحادي عشر: ما أثر عن عمر في إثبات صفة الرضى لله تعالى . ٨٧/٢٠- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الضحاك بن عبد الرحمن أما بعد: فإن الله جعل الإسلام الذي رضي به لنفسه ومن كرم عليه من خلقه ... ١. ٨٨/٢١- أبو نعيم بسنده أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ولي عهده رسالة وفيها ... فإن يرضى عني الرحيم فقد أفلحت٢. التعليق: يتبين من الأثرين الواردين عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إثباته صفة الرضى لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته، وهذا ما دل عليه القرآن والسنة المطهرة قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
следующие страницы →