٨٥/١٨- أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا أبو حامد ثنا محمد بن إسحاق ثنا إبراهيم بن هانئ، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض عماله: "أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله ولزوم طاعته فإن بتقوى الله نجا أولياء الله من سخطه ... "١.
٨٦/١٩- الدارمي قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري ابنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض أمراء الأجناد: "أما بعد: إني أوصيك بتقوى الله وطاعته والتمسك بأمره، والمعاهدة على ما حملك الله من دينه واستحفظك من كتابه فإن بتقوى الله نجا أولياؤه من سخطه ... "٢.
стр. 317
التعليق:
يتبين من الآثار المتقدمة المأثورة عن عمر بن عبد العزيز إثبات صفة الغضب كما يليق بجلال الله وعظمته وهذه الصفة يثبتها السلف الصالح لدلالة الكتاب والسنة على ذلك قال تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ١، وقوله : ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ ٢.
وهناك عدد من آيات الكتاب المبين في إثبات هذه الصفة، ومذهب سائر الأئمة إثباتها كما أن هناك أحاديث تؤكد ما جاء في هؤلاء الآي من وصف الله بالغضب، كما يليق به وإن هذا الغضب يحدث في وقت دون وقت، ومن ذلك ما جاء في حديث الشفاعة الطويل وهو سبحانه يخبر عما يقوله الأنبياء اعتذارا للناس عند ما يتقدمون إليهم لطلب الشفاعة، فكل واحد منهم يقول: "إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله اذهبوا إلى غيري ... "٣، إلى آخر الحديث، والحديث يدل دلالة واضحة على إثبات صفة الغضب ومحل
стр. 318
الشاهد من الحديث: "إن ربي قد غضب اليوم" واللفظ صريح في أن الله يغضب في ذلك اليوم غضبالم يغضب مثله قبل ذلك كما لا يغضب بعده مثله١.
وكذلك حديث كلام الرب لأهل الجنة وهو قوله ﷺ : "إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يارب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يارب وأي شيء أفضل من ذلك: فيقول أُحِلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا"٢.
وقد حاول المتكلمون إنكار هذه الصفة فركبوا مطيتهم المعروفة بالتأويل، فصرفوا هذه النصوص، وفسروا الغضب بأنه انتقام الله تعالى ممن عصاه، أو إرادته العقوبة لأهل المعاصي ٣.
ويرد عليهم بأن الأصل حمل الكلام على الحقيقة، وبإجماع السلف الصالح ومنهم كما تقدم عمر بن عبد العزيز على إثبات هذه الصفة،
стр. 319
وبالقاعدة المطردة، وهي أن الكلام في بعض الصفات كالقول في بعض، فإنهم يقولون بأن الله تعالى حي بحياة عليم بعلم مريد بإرادة، ويجعلون ذلك كله حقيقة، فيقال لهم لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قلت: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام فيقال لك ,والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، فإن قلت هذه إرادة المخلوق قيل لك وهذا غضب المخلوق١.
فالتسليم لنصوص الوحي واتباع منهج السلف الصالح هو سبيل المؤمنين الذي من اتبعه وصل إلى الحق واليقين، ومن حاد عنه وركب هواه فمسلكه خطير، وطريقه معوج، والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل.
стр. 320
المبحث الحادي عشر: ما أثر عن عمر في إثبات صفة الرضى لله تعالى .
٨٧/٢٠- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الضحاك بن عبد الرحمن أما بعد: فإن الله جعل الإسلام الذي رضي به لنفسه ومن كرم عليه من خلقه ... ١.
٨٨/٢١- أبو نعيم بسنده أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ولي عهده رسالة وفيها ... فإن يرضى عني الرحيم فقد أفلحت٢.
التعليق:
يتبين من الأثرين الواردين عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إثباته صفة الرضى لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته، وهذا ما دل عليه القرآن والسنة المطهرة قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
стр. 321
الشَّجَرَةِ﴾ ١، وقال : ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ ٢، ومن السنة حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة ياأهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك فيقول هل رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك. قالوا يارب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً "٣. فالرضا من الله تعالى مطلب كل عابد وغاية كل سالك، فرضى الله عن المؤمنين في دار الكرامة وعدم السخط عليهم بعد الرضى مطلب ليس بعده مطلب، فلا تؤول بدعوى أن الرضى انفعال نفسي، وتغير من حال إلى حال، لأن هذا من لوازم صفات المخلوق المعروفة لنا حقيقة ذاته، وأما بالنسبة لصفات الله تعالى فهذه اللوازم غير لازمة لصفاته، وقياس صفات الخالق على صفات المخلوق قياس فاسد، وقد أجمع السلف الصالح على إثبات هذه الصفة لله ﵎
стр. 322
المبحث الثاني عشر: ما أثر عن عمر في إثبات صفة الرحمة لله تعالى .
٨٩/٢٢- ابن عبد الحكم قال: كان عمر بن عبد العزيز يدعو ويقول: اللهم لا تعطني عطاء يبعدني من رحمتك في الآخرة ... ١.
٩٠/٢٣- ابن عبد الحكم قال: كان عمر يدعو بهذا الدعاء ويقول: ... واكفني كل هول دون الجنة حتى تبلغنيها برحمتك يا أرحم الراحمين٢.
التعليق:
إثبات صفة الرحمة لله تعالى هو مذهب أهل السنة والجماعة وهذا ما ثبت عن عمر بن عبد العزيز ﵀ كما تقدم سطره في الأثرين اللذين ذكرناهما آنفا، وهو أيضا ما دل عليه الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣، وقوله : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٤،
стр. 323
ومن السنة ما رواه البخاري عن أسامة قال: كان ابن لبعض بنات النبي ﷺ يقضي فأرسلت إليه أن يأتيها فأرسل: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل إلى أجل مسمى فلتصبر، ولتحتسب، فأرسلت إليه فأقسمت عليه فقام رسول الله ﷺ وقمت معه، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وعبادة بن الصامت، فلما دخلنا ناولوا رسول الله ﷺ الصبي ونفسه تقلقل في صدره حسبته قال كأنها شَنّة فبكى رسول الله ﷺ فقال سعد بن عبادة أتبكي فقال: "إنما يرحم الله من عباده الرحماء"١.
وحديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ليصيبن أقواما سفع٢ من النار بذنوب أصابوها عقوبة ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته تعالى يقال لهم الجهنميون" ٣.
وفي هذه النصوص ونحوها كثير أبلغ دليل على ثبوت صفة الرحمة لله تعالى ... وبذلك يتبين بطلان قول أهل التأويل في هذه الصفة الكريمة من صفات ربنا ﵎ وقولهم أن الرحمة رقة في القلب وهي تدل
стр. 324
على الضعف والخور في طبيعة الراحم وتألمه على المرحوم ١ هذا قول باطل بالنسبة إلى صفة الله تعالى وبيان ذلك من وجوه:
الأول: أن هذا وصف رحمة بعض المخلوقين من النساء ونحوهن، وقد علم التفاوت العظيم بين الخالق تعالى والمخلوقين بالشرع، والعقل، والإجماع، وقد تقرر أن الصفة تتبع الموصوف في الكمال وضده.
الثاني: أن الضعف والخور مذموم وهو نقص وأما الرحمة فممدوحة كما قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ ٢، مع نهيه - تعالى عباده عن الوهن والحزن، قال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ ٣، وحثهم على الرحمة كما في بعض الأحاديث كقوله ﷺ : "من لا يرحم لا يرحم"٤، وقوله: "لا تنزع الرحمة إلا من شقي" ٥، وقوله: "الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"٦
стр. 325
ومستحيل أن يقول: "لا ينزع الضعف والخور إلا من شقي ولما كانت الرحمة في حق كثير من الناس تقارن الضعف والخور ظن من غلط في ذلك أنها كذلك مطلقا.
الثالث: أن أسماء الله تعالى حسنى لا يلحقها نقص بوجه من الوجوه، وصفاته عليا عن النقص أيضا والله تعالى قد تمدح بهذه الأسماء والصفات لأنها تدل على الكمال، فمن المحال أن يلحقها ما يلحق رحمة المخلوق١.
وفي ختام هذا المبحث في موقف عمر بن عبد العزيز من إثبات الصفات أود التنبيه إلى أن التوسع في دراسة تلك الصفات له أماكنه الخاصة به وقد كتبت فيها مؤلفات عديدة ورسائل علمية كثيرة ولم يكن غرضي استقصاء دراسة كل صفة لعدم تعلق موضوعي به. فإن مجال بحثي هو في متابعة ما يقوله عمر فيها وكان موقف عمر منها هو الإثبات، ولم أر له مجادلات ومناظرات مع المخالفين فاكتفيت بإثبات معتقده في الصفة وإثبات الصفة أيضا من كتاب الله وسنة نبيه وفهم السلف.
стр. 326
الباب الثاني: الآثار عن عمر في الإيمان بالملائكة والكتب، والرل، واليوم الآخر، والقدر
الفصل الأول: الآثار عن عمر في الإيمان بالملائكة
...
الفصل الأول: الآثار عن عمر في الإيمان بالملائكة.
تمهيد:
إن الإيمان بالملائكة والكتب من لوازم الإيمان بالرسل المعبر عنه بالنبوات، فلا يؤمن أحد برسل الله ﵎ إلا ويلزمه الإيمان بالملائكة الذين هم الواسطة بين الله وبين رسله، كما يلزمه الإيمان بالكتب التي يأتي بها هؤلاء الرسل لهداية الناس وتبشيرهم وإنذارهم وتهذيب نفوسهم وإرشادهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
ولا شك أن الإيمان بالرسل ركن عظيم ودعامة يبنى عليه أساس كل العبادات التي جاء بها الرسل عليهم الصلاة والسلام.
هذا وقد أثر عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى آثار تتعلق بالإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، كما ورد عنه آثار في الإيمان بنبينا محمد ﷺ وذكر بعض خصائصه وفضائل أصحابه وأهل بيته يتبين ذلك بما يأتي من الآثار:
стр. 327
٩١/١- ابن الجوزي قال: وعن قادم بن مسور قال: قال عمر بن عبد العزيز لما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم أول من سجد له إسرافيل فأنابه أن كتب القرآن في جبهته١.
٩٢/٢ - ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى منصور ابن غالب حين بعثه على قتال أهل الحرب رسالة وفيها: "واعلموا أن معكم من الله حفظة عليكم يعلمون ما تفعلون في مسيركم ومنزلكم فاستحيوا منهم وأحسنوا صحابتهم ولا تؤذوهم بمعاصي الله ... "٢.
٩٣/٣ - ابن الجوزي قال: حدثنا حازم قال: بلغنا أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن في شأن ابنه عبد الملك حين توفي:
стр. 328
أما بعد: فإن الله تبارك اسمه وتعالى جده كتب على خلقه حين خلقهم الموت، وجعل مصيرهم إليه، فقال فيما أنزل من كتابه الصادق الذي حفظه بعلمه وأشهد الملائكة على حقه ... "١.
٩٤/٤- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز لمولاه مزاحم حين سأله عن شأن غشيته حين سمع بوفاة ابنه عبد الملك ... ولكني علمت أن ملك الموت قد دخل منزلي فأخذ بضعة مني فراعني ذلك فأصابني ما قد رأيت٢.
٩٥/٥- أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا أبي، ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، ثنا سفيان بن وكيع، ثنا ابن عيينة، عن عمر بن ذر، قال: قال عمر بن عبد العزيز: لولا أن تكون بدعة لحلفت أن لا أفرح من الدنيا بشيء أبدا حتى أعلم ما في وجوه رسل ربي إلي عند الموت، وما أحب أن يهون علي الموت لأنه آخر ما يؤجر عليه المؤمن٣.
стр. 329
٩٦/٦- البلاذري قال روى المدائني عن العباس بن محمد عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض عماله: أما بعد ... فانظر من ادعى الإسلام فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنه يؤمن بالله وملائكته ... ١.
التعليق:
هذه الآثار الواردة عن عمر تدل على الإيمان بالملائكة مع ذكر بعض وظائفهم كحفظ أعمال العباد، وقبض أرواحهم عند انقضاء آجالهم بإذن الله تعالى، وتبشير المؤمنين بالجنة، وكونهم هم الواسطة بين الخلق والخالق عن طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولهم وظائف كثيرة جدا، نقتصر على ما ورد عن عمر في ذلك.
والإيمان بالملائكة هو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى خلق عالما سماه الملائكة، "وهم أرواح قائمة في أجسام نورانية قادرة على التمثيل بأنواع مختلفة الشكل بإذنه تعالى مناسبة للحالة التي يأتون فيها"ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم٢"٣.
стр. 330
وقد كلف الله العباد الإيمان بهم والتصديق بوجودهم، لأن ذلك من جملة العقائد الإيمانية المذكورة في القرآن والسنة. قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ... ﴾ ١، ومن السنة حديث جبريل المشهور وفيه: " ... أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر"٢.
وأما ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في ذكر بعض وظائف الملائكة فمنها:
أن الملائكة تحفظ أعمال العباد. وهذا ما ورد في الكتاب العزيز وقال به أهل السنة. قال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيد مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ٣، وقال : ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِين يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ٤، وقوله : ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ
стр. 331
سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ١، فهؤلاء الملائكة مكلفون بمراقبة الإنسان في كل حركاته وسكناته، فإذا تيقن أن جميع أعماله الصادرة عنه مكتوبة عليه علم ماذا ينبغي أن يقوم تجاه مواقف الملائكة معه ووظائفهم المتعلقة به. وهذا ما عناه عمر بقوله فأحسنوا صحابتهم ولا تؤذوهم بمعاصي الله.
ومن وظائف الملائكة المأثورة عن عمر كذلك قبض أرواح بني آدم عند انقضاء آجالهم. وهذا ما جاء في الكتاب العزيز وقال به أهل السنة والجماعة. قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُم﴾ ٢.
قال الطحاوي: "ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين"٣. كما أثر عن عمر أن لملك الموت أعوانا، وهذا ما جاء في الكتاب العزيز أيضا قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ٤، والملائكة مخلوقات مربوبة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وليس لهم من علم الغيب من شيء ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا
стр. 332
يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ١، وهم منقطعون دائما لعبادة الله وطاعة أمره. قال تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ ٢، ولا يحصي عدد الملائكة إلا ربهم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ ٣، ويجب علينا أن نؤمن بمن سُمي لنا منهم كجبريل وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، ومالك. وأما من لم يرد ذكرهم في الكتاب والسنة الصحيحة فنؤمن بهم بصورة إجمالية، ونؤمن بما ذكر من أصنافهم وأفعالهم في القرآن والسنة، وهذا كله ما تدل عليه الآثار السابقة الواردة عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى. وكل هذه الأمور مما كان لعمر فيها أثر معتقد أهل السنة والجماعة وسائر من ينتسب إلى الإسلام ولم يخالف في وجودهم إلا الملاحدة الذين يزعمون
стр. 333
أنهم لا يؤمنون إلا بمحسوسات ولا يؤمنون بما وراء ذلك من المغيبات وهؤلاء خارجون عما قررته الشرائع السماوية، ولا عبرة بما يقولونه١.
стр. 334
الفصل الثاني: الآثار عن عمر في الإيمان بالكتب .
٩٧/١- روى البلاذري قال: قال أبو الحسن المدائني: كتب عمر إلى الخوارج رسالة قال فيها: إلى العصابة الذين خرجوا بزعمهم التماس الحق أما بعد: فإن الله تعالى لم يلبس على العباد أمورهم، ولم يتركهم سدى، ولم يجعلهم في عمياء، فبعث إليهم النذر، وأرسل إليهم الكتب، وبعث محمدا ﷺ بشيراً ونذيراً، وأنزل عليه كتابا حفيظا١.
٩٨/٢ ابن عبد الحكم قال: ... واعملوا بمحكمه واصبروا أنفسكم عليه، وآمنوا بمتشابهه ... " ٢.
٩٩/٣- ابن عبد الحكم أن عمر قال: " ... فإن الله قد بين لكم ما تأتون وما تتقون، وأعذر إليكم في الوصية، وأخذ عليكم الحجة حين أنزل كتابه الحفيظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ... " ٣.
стр. 335
١٠٠/٤- ابن عبد الحكم قال: قال عمر في شأن القرآن: " وأحكم الله في كتابه ما رضي من الأمور، فما جعل من ذلك حلالا فهو حلال إلى يوم القيامة، وما جعل من ذلك حراما فهو حرام إلى يوم القيامة"١.
١٠١/٥ - ابن عبد الحكم قال: قال عمر: "وإن دين الله الذي بعث به محمد كتابه الذي أنزل عليه أن يطاع الله فيه ويتبع أمره، ويجتنب ما نهى عنه، وتقام حدوده، ويعمل بفرائضه، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويعترف بحقه، ويحكم بما أنزل فيه، فمن تبع هدى الله فقد اهتدى، ومن صد عنه فقد ضل سواء السبيل ... "٢.
١٠٢/٦ - عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثنا الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمرو بن عثمان بن عبد الله بن موهب، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز قال: انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ٣.
стр. 336
التعليق:
إن مما ورد عن عمر في هذه الآثار السابقة ليدل على وجوب الإيمان بالكتب جملة وبالقرآن تفصيلا.
والإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء ركن من أركان الإيمان، ولا يتم إيمان المسلم إلا بالإيمان بها وبالكتاب المنزل على نبينا محمد ﷺ وهو القرآن الكريم، وقد بين ذلك عمر رحمه الله تعالى كما في الأثر الأول حيث قال: "وأرسل إليهم الكتب"، والكتب المنزلة على الأنبياء كثيرة ويجب علينا الإيمان بما ذكر منها في القرآن الكريم كالتوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والزبور المنزل على داود، وصحف إبراهيم، وإيماننا إنما هو على أصولها المنزلة على هؤلاء الأنبياء. أما ما يوجد عند أهل الكتاب الآن فإنه محرف مبدل بنص القرآن الكريم، وتدل الآثار كما سبق على أنه يجب علينا الإيمان بالقرآن الكريم على التفصيل. وقد أولى عمر بن عبد العزيز فيما أثر عنه القرآن عناية بالغة حيث أمر بالعمل بمحكم القرآن والإيمان بمتشابهه.
стр. 337
وقبل بيان هذا النص الموجز لا بد من التوقف قليلا عند معنى المحكم والمتشابه في اللغة والاصطلاح، لما لهذين اللفظين من صلة بموضوع الإيمان بالقرآن.
فالمحكم في اللغة يطلق إطلاقات متعددة، منها ما ذكره ابن منظور حين قال: " ... والعرب تقول: حكمت وأحكمت وحكّمت بمعنى منعت ورددت، ومن هذا قيل للحاكم بين الناس حاكما، لأنه يمنع الظالم. قال الأصمعي: أصل الحكومة رد الرجل عن الظلم. قال: ومنه سميت حكمة اللجام، لأنها ترد الدابة، وقال الأزهري: وحكم الشيء وأحكمه كلاهما منعه من الفساد١، إلى غير ذلك من المعاني التي تتفق جميعها في معنى عام - هو المنع.
أما المتشابه: فيطلق في اللغة على المماثلة بين شيئين، والعبارات الواردة في معنى المتشابه لا تعنى أكثر من ذلك.
يقول ابن منظور: "الشبْه والشبه والشبيه المثل والجمع أشباه، وأشبه الشيء ماثله" ٢.
أما في اصطلاح العلماء: فقد وقع بينهم اختلاف كبير، ذكر إمام المفسرين ابن جرير ما لا يقل عن سبعة أقوال، منها:
стр. 338
-١المحكم: المعمول بهن وهن الناسخات أو المثبتات الأحكام، والمتشابهات من الآيات المتروك العمل بهن المنسوخات١.
-٢المحكمات من آي الكتاب: ما أحكم الله فيه بيان حلاله وحرامه، والمتشابه منها ما أشبه بعضه بعضا في المعاني وإن اختلف ألفاظه.
-٣المحكمات من آي الكتاب ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد، والمتشابه منها ما احتمل من التأويل أوجها.
-٤المحكم ما أحكم الله فيه من آي القرآن وقصص الأمم ورسلهم الذين أرسلوا إليهم ففصله ببيان ذلك لمحمد وأمته، والمتشابه هو ما اشتبهت الألفاظ واتفق المعاني٢.
-٥المحكم: ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وذلك نحو الخبر عن وقت خروج عيسى بن مريم والدجال، وحقيقة نعيم الجنة وغير ذلك٣.
إلى غير هذه الأقوال التي ذكرها ابن جرير رحمه الله تعالى.
стр. 339
والمقصود: أن المحكم عند عمر بن عبد العزيز في القرآن هو الناسخ لغيره، بدليل قوله: فما جعل من ذلك حلالا فهو حلال إلى يوم القيامة، وما جعل من ذلك حراما فهو حرام إلى يوم القيامة، وهو الذي أمرنا بالعمل به. ولا شك أن العمل بالمأمورات يستلزم الصبر عليها، فلذا قال عمر: واصبروا أنفسكم عليه. ثم قال: وآمنوا بمتشابهه، فما هو المتشابه؟
المتشابه الذي أمرنا بالإيمان به هو المتشابه الحقيقي الذي استأثر الله بعلمه والذي يستوي فيه الراسخون في العلم وغير الراسخين في عدم معرفته، وذلك كحقيقة نعيم الجنة التي تخالف حقيقة نعيم الدنيا، فلا نعلمها نحن في الدنيا كما لا نعلم وقت الساعة، وحقيقة ما سيقع فيها من الحساب والصراط والميزان والحوض والثواب والعقاب، وحقيقة ذات الرب وصفاته سبحانه كاستوائه على عرشه وسمعه وبصره وكلامه، وغير ذلك من الحقائق الغيبية التي أثبتناها له تعالى حقيقة وآمنا بها دون معرفة حقائقها وكيفياتها، ولسنا مكلفين بمعرفة ذلك شرعا. وهذه المعاني هي المقصودة لعمر بقوله: وآمنوا بمتشابهه١.
تبقى الإشارة إلى أنه قد ورد عن عمر تفصيلات عن الإيمان بالقرآن، منها أن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، والقرآن فيه تفصيل كل شيء وهو كتاب حفيظ لا يتبدل ولا يتغير
стр. 340
ولا يحرف كما حرفت غيره من الكتب السابقة، وأن من الإيمان به أن يطاع الله فيه، ويتبع أمره، ويجتنب ما نهى عنه، وتقام حدوده، ويعمل بفرائضه، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويعترف بحقه، ويحكم بما أنزل فيه.
وبهذا يتبين أن عمر بن عبد العزيز ﵀ قد أتى على جل ما يتعلق بالإيمان بالكتب، ومن ضمن ذلك الإيمان بالقرآن الكريم الذي هو ناسخ الكتب المتقدمة، وأنه أنزل للأمة المحمدية التي هي آخر الأمم، كما أن نبيها آخر الأنبياء، فلم يترك صغيرة ولا كبيرة من النواحي العقدية والشرعية إلا وبينها وأوضحها، وفصلها. قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١. ولهذا حث عمر الأمة بأن يطاع الله في القرآن ويتبع أمره، ويجتنب نهيه، وتقام حدوده، ويعمل بفرائضه، فمن عمل بذلك فقد اهتدى بهدي الله.
وعلى ضوء ما ذكره عمر في الإيمان بكتاب الله فإننا نجد فئاما كثيرة ضلت في الإيمان بكتاب الله، كالرافضة الذين يدعون أن القرآن ناقص ومحرف، وأن القرآن الكامل مع الغائب الذي سيخرج في آخر الزمان من سرداب سامراء ... "٢. وكغلاة الصوفية عموما ومنهم
стр. 341
التيجانية، وذلك بتفضيلهم أورادهم وأذكارهم - كصلاة الفاتح على القرآن الكريم - حيث قالوا: إن قراءة صلاة الفاتح أفضل من قراءة القرآن ستة آلاف مرة١. وكذلك الفرق الباطنية كلها، وذلك بانحرافهم في تأويل القرآن وإغراقهم في التأويل الباطني وإخراج القرآن عن معانيه وحقائق الصحيحة٢.
стр. 342
الفصل الثالث: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الإيمان بالرسل.
١٠٣/١- ابن أبي الدنيا قال: أخبرنا إسحاق بن إسماعيل "الطالقاني" قال أخبرنا سفيان١، قال: أخبرنا جعفر بن برقان، قال: كتب إلينا عمر ابن عبد العزيز أما بعد:
فإن هذا الرجف شيء يعاقب الله تعالى به العباد، وقد كتبت إلى الأمصار أن يخرجوا من يوم كذا من شهر كذا فمن كان عنده شيء فليصدق فإن الله قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ٢، وقولوا كما قال أبوكم آدم: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣، وقولوا كما قال نوح ﵇: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي
стр. 343
أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١، وقولوا كما قال يونس ﵇: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢،٣.
١٠٤/٢- ابن أبي الدنيا قال: حدثني أبو بكر محمد بن هانئ قال: حدثني أحمد بن شبور، قال: حدثني سليمان بن صالح، قال: حدثني عبد الله بن المبارك، عن رجل، عن ابن أبي عبلة، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول في خطبته: إن كان النبي ﷺ ليخطئ الخطيئة فيقذف في بطن الحوت ولا ينجيه منها إلا التوبة٤.
стр. 344
١٠٥/٣- قال البلاذري: روى المدائني عن العباس بن محمد عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض عماله: أما بعد ... فانظر من ادعى الإسلام فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنه يؤمن بالله وملائكته ورسله وأن عيسى عبد الله وكلمته ورسوله إذا كان نصرانيا وأن عزيرا عبد الله إذا كان يهوديا ... فضع عنه الجزية ... "١.
١٠٦/٤- أبو نعيم في الحلية في رسالة عمر في الرد على القدرية وفيها ... ولقد حرصت الرسل على هدي الناس جميعا فما اهتدى منهم إلا من هداه الله ... "٢، ... ولقد سمى الله رجالا من الرسل بأسمائهم وأعمالهم في سابق علمه فما استطاع آباؤهم لتلك الأسماء تغييرا، وما استطاع إبليس بما سبق لهم في علمه من الفضل تبديلا، فقال: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا
стр. 345
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ ١"٢.
١٠٧/٥- أبو نعيم في رسالة عمر أيضا قال: ... وابتلى آدم فعصى فرحم، وهم آدم بالخطيئة فنسي، وهم يوسف بالخطيئة فعصم ... "٣.
التعليق:
يظهر من الآثار السابقة إيمان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بالرسل الكرام، وقد تناولت الآثار الواردة عنه مسائل في الإيمان بهم كحرصهم على هدي الناس جميعا، وكونهم رجالا. ومشروعية الاقتداء بهم فيما لم يخالف شرعهم شرعنا، كما تتضمن بيان موقفه من عصمتهم من الذنوب.
وأما حرصهم على هدي الناس جميعا فالرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم هداة مهمتهم إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. فأول
стр. 346
الرسل ﵈ نوح، دعا قومه جهارا ثم أسر إليهم الدعوة إسرارا ومكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى التوحيد ولم يتوان ولم ييئس إلا بعد أن أوحي إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن. وهكذا تتابع الرسل في مهمة الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك إلى نبينا ﷺ فقد دعى إلى ربه حتى أتاه اليقين، والقرآن مملوء بذكر مواقف الأنبياء من الدعوة إلى الله والحرص على هدي الناس ودعوتهم إلى العقيدة السليمة بدون مجاملة ولا تردد، وقد بين عمر بن عبد العزيز ﵀ في الآثار السابقة الفرق بين هديين هما:
هدي دلالة وبيان: وهو الذي يملكه الرسل وأتباعهم.
وهدي توفيق وإلهام: وهو الذي لا يقدر عليه إلا الله ﵎. فقال: ولقد حرص الرسل على هدى الناس جميعا فما اهتدى منهم إلا من هداه الله، وهذا الفرق هو الذي تدل عليه الآيات. قال تعالى في هدي الدلالة والبيان الذي يملكه الرسل وأتباعهم ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١، وقال في هدي التوفيق والإلهام الذي لا يملكه إلا
стр. 347
الله : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ ١،٢. وقد بين عمر في تلك الآثار أننا نقتدي بالرسل والأنبياء في الأمور التي لم يخالف فيه شرعهم شرعنا. فأمر رعيته بالدعاء حين ضربت الزلزلة بعض مدنهم اقتداء بالرسل والأنبياء السابقين كآدم ونوح ويونس ﵈، فإن هؤلاء كانوا قد فزعوا إلى ربهم عند نزول الكرب عليهم، وتضرعوا إليه بالدعاء فكشف عنهم ما نزل بهم بدعائهم وتضرعهم وإظهارهم الفاقة والمسكنة لخالقهم العظيم. ولا شك أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يخالف شرعنا،٣ ويظهر كذلك من الآثار أن الرسل والأنبياء ﵈ كلهم كانوا رجالا ولا يوجد نبي ولا رسول أنثى. وهذا ما قاله جمهور أهل العلم استدلالا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِم ... ﴾ ٤، وهذه الآية نص في المسألة وقد ذهب ابن
стр. 348
حزم١ وغيره إلى أن الله تعالى قد أوحى إلى مريم وإلى أم موسى، وذكر أن كل من أوحي إليه فهو نبي، ورد عليهم الجمهور بالآية السابقة، والمقصود أن عمر يرى أن الرسل والأنبياء كلهم رجالا يتبين ذلك من قوله رحمه الله تعالى: "ولقد سمى الله رجالا من الرسل".
وهناك مسألة مهمة تتعلق بالإيمان بالرسل ذكرها عمر في آثاره السابقة وهي عصمتهم من الذنوب. فهل الرسل والأنبياء معصومون عن الكبائر والصغائر قبل نبوتهم وبعدها؟ الذي يظهر من الآثار أنهم ليسوا بمعصومين من الصغائر ولكنهم لا يقرُّون عليها، بل ينبهون بالوحي أو بغيره، فيتوبون فور وقوع المعصية، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هذه المسألة في الفتاوى فقال: "العصمة ثابتة للأنبياء والرسل فيما يبلغونه عن الله فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين٢، ثم قال: "وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة فللناس فيه نزاع هل هو ثابت بالعقل أو بالسمع؟ ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر أو من بعضها أم هل العصمة إنما هي في الإقرار عليها لا في فعلها؟ أم لا يجب القول بالعصمة إلا في التبليغ فقط ... ".
стр. 349
الأشياء إليه لما ابتلي بالذنب أكرم الخلق عليه، وقد ثبت في الصحاح حديث التوبة: "لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلا ... الخ "١.
وأما نسيان آدم ﵇ وهَمُّ يوسف بالخطيئة فإنهما ليسا بقادحين في الرسالة والنبوة. فالإنسان لا يؤخذ بما نسيه، ثم إن آدم ﵇ قد تاب من تلك الحوبة فغفر له بنص القرآن. وأما عزم يوسف فلم يكن عزما مصمما وإنما هم همًا تركه لله فأُثيب عليه حسنة وهو لم يفعل ذنبا ذكره الله عنه، وهو سبحانه لا يذكر عن أحد من الأنبياء ذنبا إلا ذكر استغفاره منه، ولم يذكر عن يوسف استغفارا من هذا الهم فعلم أنه لم يفعل ذنبًا"٢.
стр. 350
الفصل الثالث: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الإيمان بالرسل
...
والقول الذي عليه جمهور الناس وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقا، وهذا ما أثر عن عمر رحمه الله تعالى كما سبق. ثم قال ﵀: والرد على من يقول إنه يجوز إقرارهم عليها وحجج القائلين بالعصمة إذا حررت إنما تدل على هذا القول.
وحجج النفاة لا تدل على وقوع ذنب أقر عليها الأنبياء، فإن القائلين احتجوا بأن التأسي بهم مشروع، وذلك لا يجوز إلا مع تجويز كون الأفعال ذنوبا، ومعلوم أن التأسي بهم إنما هو مشروع فيما أقروا عليه دون ما نهوا عنه ورجعوا عنه، كما أن الأمر والنهي إنما تجب طاعتهم فيما لم ينسخ منه، فأما ما نسخ من الأمر والنهي فلا يجوز جعله مأمورا به ولا منهيا عنه فضلا عن وجوب اتباعه والطاعة فيه، وكذلك ما احتجوا به من أن الذنوب تنافي الكمال أو أنها ممن عظمت عليه النعمة أقبح أو أنها توجب التنفير أو نحو ذلك من الحجج العقلية، فهذا إنما يكون مع البقاء على ذلك وعدم الرجوع، وإلا فالتوبة النصوح التي يقبلها الله يرفع بها صاحبها إلى أعظم مما كان عليه. كما قال بعض السلف. كان داود ﵇ بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة. وقال آخر: لو لم تكن التوبة أحب
стр. 351
الفصل الرابع: الآثار عن عمر في الإيمان بنبينا محمد ﷺ ، وفضائل أصحابه وحقوق أهل بيته
المبحث الأول: الآثار عن عمر في الإيمان بنبينا محد ﷺ وذكر بعض خصائصه
...
المبحث الأول: الآثار عن عمر في الإيمان بنبينا محمد ﷺ وذكر بعض خصائصه.
١٠٨/١- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى العمال رسالة وفيها ... وأما الإسلام فإن الله بعث محمدًا ﷺ إلى الناس كافة فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ ١، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ٢،٣.
١٠٩/٢- ابن عبد الحكم أيضا أن عمر بن عبد العزيز خطب فقال: أيها الناس إنه ليس بعد نبيكم نبي وليس بعد الكتاب الذي أنزل عليكم كتاب فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة ... "٤.
стр. 352
١١٠/٣- ابن عبد الحكم أن عمر كتب رسالة في شأن المسلمين وفيها ... حتى أراد الله إكرامهم بكتابه ونبيه بعث إليهم محمدا عبد الله ورسوله بالحق بشيرا بالخير الذي لا خير مثله، وينذر الشر الذي لا شر مثله. وأخره الله لذلك في القرون وسماه على لسان من شاء من أنبيائه الذين سبقوا وأخذ عليهم ميثاق جماعتهم قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ١، فأخر الله ذلك لمحمد ﷺ حين بعثه رحمة للعالمين ... "٢.
التعليق:
إن مما دلت عليه الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى من الإيمان بنبينا محمد ﷺ وبيان بعض خصائصه ﷺ من كونه بعث إلى الناس كافة وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين وأن الرسل كانوا مؤمنين به قبل
стр. 353
خروجه لهو الحق الذي لا مرية فيه. وقد استدل عمر رحمه الله تعالى على ذلك بآيات الكتاب التي تنص على هذه المسائل. ونضيف إلى بيانه واستدلاله بعض الأدلة من الأحاديث الدالة على ما أثر عنه.
فمن الأحاديث الدالة على أنه ﷺ مبعوث إلى الناس كافة ما رواه البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمساً مما لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة"١.
وروى مسلم أن النبي ﷺ قال: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة"٢.
قال الحافظ ابن حجر في الجمع بين الحديثين السابقين: وطريق الجمع أن يقال: لعله اطلع أولا على بعض ما اختص به ثم اطلع على الباقي. ومن لا يرى مفهوم العدد حجة يرفع هذا الإشكال من أوله، وظاهر الحديث يقتضي أن كل واحدة من الخمس المذكورات لم تكن لأحد قبله،
стр. 354
وهو كذلك ولا يعترض بأن نوحا ﵇ كان مبعوثا إلى أهل الأرض بعد الطوفان لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنا معه وقد كان مرسلا إليهم، ولأن هذا العموم لم يكن في أصل بعثته، وإنما اتفق بالحادث الذي وقع وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأما نبينا ﷺ فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك، وأما قول أهل الموقف لنوح كما صح في حديث الشفاعة: أنت أول رسول إلى أهل الأرض، فليس المراد به عموم بعثته بل إثبات أولية رسالته، وعلى تقدير أن يكون مرادا فهو مخصوص بتفصيله في عدة آيات على إرسال نوح إلى قومه ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم. واستدل بعضهم بعموم بعثته بكونه دعا على جميع من في الأرض فأهلكوا بالغرق إلا أهل السفينة ولو لم يكن مبعوثا إليهم لما أهلكوا لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ١، وقد ثبت أنه أول الرسل وأجيب بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدة نوح وعلم نوح بأنهم لم يؤمنوا فدعا على من لم يؤمن من قومه ومن غيرهم فأجيب، وهذا جواب حسن لكن لم ينقل أنه نُبِّئَ في زمن نوح غيره. ويحتمل أن يكون الخصوصية لنبينا ﷺ في ذلك بقاء شيء من شريعته إلى يوم القيامة ونوح وغيره بصدد أن يبعث نبي في
стр. 355
زمانه أو بعده فينسخ بعض شريعته. ويحتمل أن يكون دعاؤه قومه إلى التوحيد بلغ بقية الناس فتمادوا على الشرك فاستحقوا العقاب، وإلى هذا نحا ابن عطية في تفسير سورة هود١ قال: وغير ممكن أن تكون نبوته لم تبلغ القريب والبعيد لطول مدته. ووجهه ابن دقيق العيد بأن توحيد الله تعالى يجوز أن يكون عاما في حق بعض الأنبياء، وإن كان التزام فروع شريعته ليس عاما. لأن منهم من قاتل غير قومه على الشرك، ولو لم يكن التوحيد لازما لهم لم يقاتلهم، ويحتمل أنه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قوم نوح فبعثته خاصة لكونها إلى قومه فقط وهي عامة في الصورة لعدم وجود غيرهم لكن لو اتفق وجود غيرهم لم يكن مبعوثا إليهم٢، لكن نبينا ﷺ بعث إلى الناس كافة. قال ﷺ : "لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار"٣.
قال الطحاوي: وكونه ﷺ مبعوثا إلى الناس كافة معلوم من دين الإسلام بالضرورة٤، ورسالته ﷺ رحمة للعالمين. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ