الفصل الرابع: الآثار عن عمر في الإيمان بنبينا محمد ﷺ ، وفضائل أصحابه وحقوق أهل بيته
المبحث الأول: الآثار عن عمر في الإيمان بنبينا محد ﷺ وذكر بعض خصائصه
...
المبحث الأول: الآثار عن عمر في الإيمان بنبينا محمد ﷺ وذكر بعض خصائصه.
١٠٨/١- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى العمال رسالة وفيها ... وأما الإسلام فإن الله بعث محمدًا ﷺ إلى الناس كافة فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ ١، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ٢،٣.
١٠٩/٢- ابن عبد الحكم أيضا أن عمر بن عبد العزيز خطب فقال: أيها الناس إنه ليس بعد نبيكم نبي وليس بعد الكتاب الذي أنزل عليكم كتاب فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة ... "٤.
стр. 352
١١٠/٣- ابن عبد الحكم أن عمر كتب رسالة في شأن المسلمين وفيها ... حتى أراد الله إكرامهم بكتابه ونبيه بعث إليهم محمدا عبد الله ورسوله بالحق بشيرا بالخير الذي لا خير مثله، وينذر الشر الذي لا شر مثله. وأخره الله لذلك في القرون وسماه على لسان من شاء من أنبيائه الذين سبقوا وأخذ عليهم ميثاق جماعتهم قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ١، فأخر الله ذلك لمحمد ﷺ حين بعثه رحمة للعالمين ... "٢.
التعليق:
إن مما دلت عليه الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى من الإيمان بنبينا محمد ﷺ وبيان بعض خصائصه ﷺ من كونه بعث إلى الناس كافة وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين وأن الرسل كانوا مؤمنين به قبل
стр. 353
خروجه لهو الحق الذي لا مرية فيه. وقد استدل عمر رحمه الله تعالى على ذلك بآيات الكتاب التي تنص على هذه المسائل. ونضيف إلى بيانه واستدلاله بعض الأدلة من الأحاديث الدالة على ما أثر عنه.
فمن الأحاديث الدالة على أنه ﷺ مبعوث إلى الناس كافة ما رواه البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمساً مما لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة"١.
وروى مسلم أن النبي ﷺ قال: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة"٢.
قال الحافظ ابن حجر في الجمع بين الحديثين السابقين: وطريق الجمع أن يقال: لعله اطلع أولا على بعض ما اختص به ثم اطلع على الباقي. ومن لا يرى مفهوم العدد حجة يرفع هذا الإشكال من أوله، وظاهر الحديث يقتضي أن كل واحدة من الخمس المذكورات لم تكن لأحد قبله،
стр. 354
وهو كذلك ولا يعترض بأن نوحا ﵇ كان مبعوثا إلى أهل الأرض بعد الطوفان لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنا معه وقد كان مرسلا إليهم، ولأن هذا العموم لم يكن في أصل بعثته، وإنما اتفق بالحادث الذي وقع وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأما نبينا ﷺ فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك، وأما قول أهل الموقف لنوح كما صح في حديث الشفاعة: أنت أول رسول إلى أهل الأرض، فليس المراد به عموم بعثته بل إثبات أولية رسالته، وعلى تقدير أن يكون مرادا فهو مخصوص بتفصيله في عدة آيات على إرسال نوح إلى قومه ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم. واستدل بعضهم بعموم بعثته بكونه دعا على جميع من في الأرض فأهلكوا بالغرق إلا أهل السفينة ولو لم يكن مبعوثا إليهم لما أهلكوا لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ١، وقد ثبت أنه أول الرسل وأجيب بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدة نوح وعلم نوح بأنهم لم يؤمنوا فدعا على من لم يؤمن من قومه ومن غيرهم فأجيب، وهذا جواب حسن لكن لم ينقل أنه نُبِّئَ في زمن نوح غيره. ويحتمل أن يكون الخصوصية لنبينا ﷺ في ذلك بقاء شيء من شريعته إلى يوم القيامة ونوح وغيره بصدد أن يبعث نبي في
стр. 355
زمانه أو بعده فينسخ بعض شريعته. ويحتمل أن يكون دعاؤه قومه إلى التوحيد بلغ بقية الناس فتمادوا على الشرك فاستحقوا العقاب، وإلى هذا نحا ابن عطية في تفسير سورة هود١ قال: وغير ممكن أن تكون نبوته لم تبلغ القريب والبعيد لطول مدته. ووجهه ابن دقيق العيد بأن توحيد الله تعالى يجوز أن يكون عاما في حق بعض الأنبياء، وإن كان التزام فروع شريعته ليس عاما. لأن منهم من قاتل غير قومه على الشرك، ولو لم يكن التوحيد لازما لهم لم يقاتلهم، ويحتمل أنه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قوم نوح فبعثته خاصة لكونها إلى قومه فقط وهي عامة في الصورة لعدم وجود غيرهم لكن لو اتفق وجود غيرهم لم يكن مبعوثا إليهم٢، لكن نبينا ﷺ بعث إلى الناس كافة. قال ﷺ : "لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار"٣.
قال الطحاوي: وكونه ﷺ مبعوثا إلى الناس كافة معلوم من دين الإسلام بالضرورة٤، ورسالته ﷺ رحمة للعالمين. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
стр. 356
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ١، من خصائصه ﷺ كذلك أنه خاتم الأنبياء والمرسلين. وهذا هو المأثور عن عمر كما سبق بيانه في الأثر الثاني وهو الذي يدل عليه نصوص الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّين ... ﴾ ٢، وقال ﷺ : "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة. قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين"٣.
وقد أكد ﷺ هذه الخصيصة وبينها ووضحها لأهميتها.
فعن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : " ... وإنه سيكون من أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي"٤.
стр. 357
وحديث فضلت على النبيين بست وفيه: " ... وختم بي النبيون"١.
وقال ﷺ : "إن لي أسماء: أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي"٢.
فصرح ﷺ بأنه خاتم الأنبياء في غير ما حديث كما سبق سطره وضرب لذلك الأمثال وحذر من المتنبئين بعده وقد وقع ذلك فأطفأ الله باطلهم وبقي نور الحق ساطعا وبشر أمته ببقاء طائفة منها إلى قيام الساعة وأسماؤه ﷺ دالة على خاتميته فمنها العاقب، والحاشر، والمقفى، كما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم تأكيد ختم النبوة به ﷺ مثل إجماعهم على قتال المتنبئين وروايتهم لأحاديث الختم وتصريحهم بختم نبوته في أقوالهم وتهكمهم بالمتنبئين وأجمعت الأمة كلها ولله الحمد على التمسك بكونه ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين٣. ونبينا ﷺ وإن كان آخر الأنبياء والمرسلين لكنه اختص بأن جميع الرسل والأنبياء السابقين مقرون بنبوته ورسالته وكلهم قد أخذ عليهم الميثاق على ذلك. قال عمر: "وسماه على
стр. 358
لسان من شاء من أنبيائه الذين سبقوا وأخذ عليهم ميثاق جماعتهم" قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ١.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره هذه الآية "يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم ﵇ إلى عيسي ﵇ لمهما آتي الله أحدهم من كتاب وحكمة وبلغ أي مبلغ ثم جاء رسول من بعده ليؤمنن به ولينصرنه ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته ... قال ابن عباس وابن عمه علي بن أبي طالب ﵄: ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمدًا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه ... فالرسول ﷺ خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين وهو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر لكان هو الواجب الطاعة
стр. 359
المقدم على الأنبياء كلهم١. وله ﷺ خصائص كثيرة اقتصرنا على الوارد منها عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى تاركين من يريد الاستزادة الرجوع إلى كتب الخصائص والشمائل كما توجد رسائل علمية تحدثت عن خصائصه عليه الصلاة والسلام٢.
стр. 360
المبحث الثاني: الآثار عن عمر في فضائل الصحابة وموقفه من أهل البيت
تمهيد:
الصحابي هو كل من لقي النبي ﷺ مؤمنا به ومات على ذلك١، وأصحاب محمد ﷺ خير القرون وقد تشرفوا بصحبة خير الخلق ﷺ ونطق الكتاب العزيز بفضلهم. قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٢.
وقال : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ ٣.
стр. 361
وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ١.
ونهى ﷺ عن سبهم وشتمهم وحرم ذلك على أمته، ففي صحيح مسلم أنه ﷺ قال: "لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"٢.
وفضائل أصحاب محمد ﷺ كثيرة ويكفينا أنهم خير القرون، ففي صحيح البخاري عن عمران بن حصين ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا٣.
فالصحابة كلهم عدول ويجب علينا الترضي عنهم والثناء عليهم وعدم الخوض فيما جرى بينهم بل يذكر محاسنهم ويتحدث بها ويسكت عن بعض ما صدر من بعضهم وهو لا يعد شيئا بجانب ما لهم من المحاسن الكثيرة، فهم على كل حال لم يخرجوا عن نطاق البشرية وليسوا
стр. 362
بمعصومين فيما اجتهدوا فيه فإن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا فلهم أجر واحد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ فهم كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١، وطاعة النبي ﷺ في قوله: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"٢.
ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم٣.
ولا قيمة لمخالفة الروافض والخوارج والنواصب لأهل السنة في هذا الباب، لأن هؤلاء لم يحفظوا وصية رسول الله ﷺ في حق صحابته، وقد تولى كبر مخالفة وصية النبي ﷺ في حق صحابته الروافض. حيث زعموا أن النبي ﷺ نص على علي بن أبي طالب ﵁ في الخلافة نصا قاطعا للعذر
стр. 363
وأن علياً معصوم، ومن خالفه كفر ورتبوا على ذلك تكفير كل الصحابة إلا نفرا قليلا منهم لزعمهم أنهم كتموا النص وبدلوا الدين وأصبحوا يتقربون إلى الله -في زعمهم- بسب الصحابة رضوان الله عليهم ولعنهم ونال أبابكر وعمر وعثمان ﵃ النصيب الأوفر، من ظلمهم وبهتانهم١.
ويلي الروافض في الطعن على الصحابة الخوارج حيث كفروا عثمان وعليا ومن تبعهما وكفروا أهل صفين من الطائفتين٢.
وطعن النواصب على علي بن أبي طالب ﵁ وتنقصوه، وبالغوا في ذلك حتى رموه بالفسق، والظلم، وإرادة الدنيا ثم تعدى بهم الحال والمعتقد الفاسد إلى تنقص بقية أهل البيت وبغضهم وعداوتهم فعليهم من الله ما يستحقون٣، هذا وقد كان لعمر بن عبد العزيز مواقف مشرقة تجاه أصحاب رسول الله ﷺ أبرز فيها فضائلهم وما يجب علينا نحوهم من حبهم واحترامهم والنهي عن الخروج عن إجماعهم، والنهي عن الخوض
стр. 364
فيما شجر بينهم، كما أشاد بأهل البيت ورد عليهم حقوقهم المادية والمعنوية.
يتبين ذلك بالآثار المنقولة عنه في المسائل التالية:
стр. 365
المسألة الأولى: الآثار عن عمر في فضائل الصحابة.
١١١ /١ - أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا حبيب بن الحسن ثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عرعرة بن البرنْد، عن حاجب بن خليف البرجمي، قال: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو خليفة. فقال في خطبته: ألا إن ما سن رسول الله وصاحباه فهو دين نأخذ به وننتهي إليه، وما سن سواهما فإنا نرجئه١.
стр. 366
١١٢/٢ - ابن عبد الحكم قال: وذُكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: من عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله أما بعد: فقد ابتليت بما ابتليت به من أمر هذه الأمة من غير مشاورة مني ولا إرادة يعلم الله ذلك، فإذا أتاك كتابي هذا فاكتب إلي بسيرة عمر بن الخطاب في أهل القبلة وأهل العهد، فإني سائر بسيرته إن أعانني الله على ذلك والسلام١.
١١٣/٣ - أبو زرعة الدمشقي٢ قال: حدثني آدم حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، قال: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: طلقت امرأتي وأنا سكران. قال الزهري: فكان رأي٣ عمر بن عبد العزيز أن يجلده ويفرق بينه وبين امرأته حتى حدثه أبان بن عثمان بن عفان: ليس على
стр. 367
المجنون ولا السكران طلاق فقال عمر تأمروني وهذا يحدثني عن عثمان بن عفان؟ فجلده ورد إليه امرأته١.
١١٤/٤ - ابن عبد البر قال: وذكر ابن وهب عن نافع بن أبي نعيم عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه أنه قال: لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز ﵁: ما أحب أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا لأنه لو كان قولا واحدا كان الناس في ضيق وإنهم أئمة يقتدى بهم ولو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة٢.قال: أبو عمر ﵀ هذا فيما كان طريقه الاجتهاد.
١١٥/٥ - ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر في أمر خالفها من اهتدى بها فهو
стр. 368
مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا١.
١١٦/٦ - عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عون بن عبد الله قال: قال لي عمر بن عبد العزيز أعدلان عندك عمر وابن عمر؟ قال: قلت نعم. قال: إنهما لم يكونا يكبران هذا التكبير٢.
١١٧/٧ - ابن عبد البر قال: أخبرنا عبد الوارث ثنا قاسم، ثنا أحمد بن زهير، ثنا هارون بن معروف، قال: نا ضمرة، عن رجاء بن جميل قال:
стр. 369
اجتمع عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد ﵄ فجعلا يتذاكران الحديث. قال: فجعل عمر يجيء بالشيء يخالف فيه القاسم. قال: وجعل ذلك يشق على القاسم حتى تبين فيه، فقال له عمر: لا تفعل فما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم١.
١١٨/٨ - ابن سعد قال: أخبرنا علي بن محمد، عن خالد بن يزيد ابن بشر عن أبيه قال: سئل عمر بن عبد العزيز عن علي وعثمان، وصفين، وما كان بينهم فقال: تلك دماء كف الله يدي عنها وأنا أكره أن أغمس لساني فيها٢.
١١٩/٩ - ابن عبد البر قال: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، ثنا قاسم، ثنا أحمد بن زهير، ثنا الحوطي، ثنا أشعث بن شعبة، قال: سمعت الفزاري قال: سئل عمر بن عبد العزيز، عن قتال أهل صفين فقال: تلك دماء كف الله عنها يدي لا أريد أن ألطخ بها لساني٣.
١٢٠/١٠ - ابن سعد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: حدثنا أبو شهاب، عن محمد بن النضر، قال: ذكروا اختلاف أصحاب
стр. 370
محمد ﷺ عند عمر بن عبد العزيز فقال: أمر أخرج الله أيديكم منه ما تعملون ألسنتكم فيه١.
١٢١/١١ - أبو بكر الخلال: قال: أخبرنا هلال بن العلاء أبو عمر الرقي قال: حدثني أبو يوسف محمد بن أحمد الرقي، قال: حدثني أبو سلمة الخزاعي، عن جحشفة بن العلاء، قال: كان عمر بن عبد العزيز إذا سئل عن صفين والجمل قال: أمر أخرج الله يدي منه لا أدخل لساني فيه٢.
١٢٢/١٢ – ابن سعد قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال حدثنا سفيان عن إسماعيل بن عبد الملك عن عون عن عمر بن عبد العزيز قال: ما يسرني باختلاف أصحاب النبي ﷺ حمر النعم.٣.
стр. 371
التعليق:
تدل الآثار المذكورة في هذا المبحث على أن عمر بن عبد العزيز كغيره من السلف الصالح حريص على إبراز فضائل أصحاب رسول الله ﷺ ، ولِمَ لا يكون ذلك! وقد أمر الله ﵎ بالاقتداء بهم والإقرار بفضائلهم. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١.
وقال : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ ٢.
فالصحابة الذين نصروا الدين، وآمنوا بالقرآن، وعزروا نبينا محمد ﷺ بأموالهم وأنفسهم، وقام الدين على أكتافهم، وجاهدوا لإقامة دعائم
стр. 372
الدين، وحرصوا على إتباع ما جاء به محمد ﷺ هم الفائزون برضوان الله تعالى المفلحون، وقد بشرهم رسول الهدى ﷺ بالنجاح والفلاح في الآخرة قال ﷺ : "لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة" ١، فحبهم إيمان وبغضهم نفاق، وعصيان. وفضائلهم لا تحصى كثرة، وقد بوَّب البخاري ﵀ في جامعه الصحيح بابا بعنوان " فضائل الصحابة "٢، وبوب مسلم٣ لفضائلهم باباً ذكر عدة أحاديث تدل على فضلهم وعدالتهم، كما ذكر مآثرهم أصحاب السنن والمسانيد وغيرهم، ففضائلهم متواترة. حرص أهل السنة والجماعة على إبرازها وبيانها، ومن هؤلاء عمر بن عبد العزيز الذي يقتدي بهم، ويحرم الخروج عما أجمعوا عليه من الأقوال والأفعال والاعتقادات، بل يعد الأخذ بما سنوا اعتصاما بالكتاب العزيز فمن اقتدى بهم فهو مهتد، ومن استنصر بما سنوا فهو منصور، ومن تبع غير سبيلهم فقد خرج عن سبيل الله ودخل في السبل وعاقبة أمره أن يصلى في جهنم وساءت مصيرا، فمن أخذ بقول أحدهم
стр. 373
فهو في سعة إذا كان قول هذا الصحابي في الأمور الاجتهادية. ومما يجدر ذكره أن موقف أهل السنة والجماعة عدم الخوض فيما شجر بين الصحابة، وهذا هو الذي أُثر عن عمر. وتكاد أقواله ومواقفه مع من سأله عن هذه المسألة - أن تكون بمثابة قاعدة يسير عليها أهل السنة والجماعة فقوله: "تلك دماء طهر الله يدي منها فلا أريد أن أغمس لساني فيها" وقوله: "تلك دماء طهر الله يدي منها أفلا أطهر منها لساني" تُعَدَّان من أوجز الكلام وأوفاه تجاه ما شجر بين الصحابة.
قال البيهقي معلقا على قول عمر: "هذا حسن جميل لأن سكوت الرجل عما لا يعنيه هو الصواب١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة"٢.
فنقول فيما شجر بين الصحابة: إنه إما أن يكون عمل أحدهم سعيا مشكورا، أو ذنبا مغفورا، أو اجتهادا قد عفي لصاحبه عن الخطأ فيه. فلهذا كان من أصول أهل العلم: أنه لا يمكن أحد من الكلام في هؤلاء بكلام يقدح في عدالتهم وديانتهم بل يعلم أنهم عدول مرضيون وأن هؤلاء ﵃ لاسيما والمنقول عنهم من العظائم كذب مفترى،
стр. 374
مثلما كان طائفة من شيعة عثمان يتهمون عليا بأنه أمر بقتل عثمان أو أعان عليه، وكان بعض من تقاتله يظن ذلك به، وكان ذلك من شبههم التي قاتلوا علياًّ بها. وهي شبهة باطلة وكان علي يحلف - وهو الصادق البار- أني ما قتلت عثمان ولا أعنت على قتله، ويقول: اللهم شتت قتلة عثمان في البر والبحر والسهل والجبل١، وكانوا يجعلون امتناعه من تسليم قتلة عثمان من شبههم ذلك، ولم يكن ممكنا من أن يعمل كل ما يريده من إقامة الحدود ونحو ذلك لكون الناس مختلفين عليه وعسكره وأمراء عسكره غير مطيعين له في كل ما كان يأمرهم به. فإن التفرق والاختلاف يقوم من أسباب الشر والفساد وتعطيل الأحكام ما يعلمه من يكون من أهل العلم والعارفين بما جاء من النصوص في فضل الجماعة والإسلام٢.
وقال ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله تعالى في الرسالة فيما يجب على المسلم اعتقاده تجاه الصحابة. قال: وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول ﷺ إلا بأحسن ذكر والإمساك عما شجر بينهم، وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب٣.
стр. 375
وقال النووي عند قوله ﷺ إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار١: واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة ﵃ ليست بداخلة في هذا الوعيد. ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وتأويل قتالهم وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا، بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله، وكان بعضهم مصيبا وبعضهم مخطئا معذورا في الخطأ، لأنه الاجتهاد والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه. وكان علي ﵁ هو المحق المصيب في تلك الحروب. هذا مذهب أهل السنة، وكانت القضايا مشتبهة حتى إن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا، ولم يتيقنوا الصواب، ثم تأخروا عن مساعدته منهم٢.
وقال الحافظ ابن حجر: واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ولو عرف المحق منهم، لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، بل ثبت أنه يؤجر أجرا واحدا وأن المصيب يؤجر أجرين٣.
стр. 376
هذا وقد كان علي ﵁ رابع الخلفاء الراشدين وترتيب هؤلاء الخلفاء في الفضل كترتيبهم في الخلافة عند أهل السنة، بينما ذهب الرافضة إلى تفضيل علي على أبي بكر وعمر وعثمان والغلو فيه. وقد أثر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى ما يؤيد ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، وهذا هو مضمون الآثار المروية عنه في المسألة التالية.
стр. 377
المسألة الثانية: الآثار عن عمر في ترتيب الخلفاء الراشدين والمفاضلة بينهم.
١٢٣/١ - الذهبي قال: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر سمع عمير ابن هانئ يقول: دخلت على عمر بن عبد العزيز فقال لي: كيف تقول في رجل رأى سلسلة دليت من السماء فجاء رسول الله فتعلق بها فصعد، ثم جاء أبو بكر فتعلق بها فصعد، ثم جاء عمر فتعلق بها فصعد، ثم جاء عثمان فتعلق بها فانقطعت فلم يزل حتى وصل ثم صعد، ثم جاء الذي رأى هذه الرؤيا فتعلق بها فصعد، فكان خامسهم. قال عمير: فقلت في نفسي هو هو ولكنه كنى عن نفسه.
وعلق الذهبي على هذه الرؤيا بقوله: يحتمل أن يكون الرجل عليا وما أمكن الرأي يفصح به لظهور النصب إذ ذاك١.
١٢٤/٢ - ابن قتيبة قال: أخبرنا محمد بن الزبير الحنظلي قال: أرسلني عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري رحمهما الله تعالى أسأله إن كان رسول الله ﷺ استخلف أبا بكر ﵁ فأتيته فاستوى جالسا وقال: إي
стр. 378
والذي لا إله إلا هو استخلفه وهو أعلم بالله وأتقى لله من أن يتوثب عليهم لو لم يأمره١.
١٢٥/٣ - أبو زرعة الدمشقي قال: حدثني أحمد بن أبي الحوارى، قال: حدثنا مروان بن محمد، قال: حدثني صدقة بن خالد، عن سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد الله قال: قال ميمون ابن مهران: كنت أفضل عليّا على عثمان رحمة الله عليهما، فقال لي عمر بن عبد العزيز أيهما أحب إليك رجل أسرع في كذا أو رجل أسرع في المال؟ قال: فرجعت وقلت لا أعود٢.
١٢٦/٤ - الذهبي قال: وروى إسماعيل بن عبيد الله، عن ميمون ابن مهران، قال: كنت أفضل عليّا على عثمان، فقال لي عمر بن عبد العزيز: أيهما أحب إليك، رجل أسرع في الدماء، أو رجل أسرع في المال؟ فرجعت وقلت: لا أعود٣.
стр. 379
التعليق:
اتضح مما سبق نقله عن عمر بن عبد العزيز موقفه من الخلافة، وترتيب الخلفاء الراشدين.
والخلافة هي: "نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا" ١، والخلفاء الراشدون هم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، رضوان الله عليهم أجمعين، وكلهم من العشرة المبشرين بالجنة. وكانت خلافتهم على منهاج النبوة. روى الترمذي وأبو داود عن سفينة أنه ﷺ قال: خلافة النبوة ثلاثون سنة"٢.
والآثار التي رويت عن عمر بن عبد العزيز يؤخذ منها أنه كان يرى أن خلافة الصديق ثبتت بالنص والإجماع. كما يرى أن ترتيب الخلفاء
стр. 380
الراشدين في الفضل كترتيبهم في الخلافة، بل قد صرح بذلك في الأثر الأخير حيث قدم عثمان على علي ﵄، وهذا هو موقف أهل السنة والجماعة. قال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني: "ويشهدون ويعتقدون أن أفضل أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وأنهم هم الخلفاء الراشدون الذين ذكر النبي ﷺ خلافتهم بقوله فيما رواه سعيد بن جهمان عن سفينة-: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة" ثم قال: أمسِكْ خلافة أبي بكر سنتين وعمر عشرا وعثمان ثنتي عشرة وعلي ستا، وبعد انقضاء أيامهم عاد الأمر إلى الملك العضوض على ما أخبر عنه الرسول ﷺ ١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية مبينا انعقاد خلافة أبي بكر وشرعيتها: خلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها، ورضا الله ورسول الله ﷺ له بها ... وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختيارا استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله بها وأنها حق. وأن الله أمر بها وقدرها، وأن المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها، لأنه حينئذ يكون طريق ثبوتها العهد. وأما إذا كان المسلمون قد اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه ورضي الله ورسوله بذلك كان ذلك دليلا على أن الصديق
стр. 381
كان فيه من الفضائل التي بان بها عن غيره ما علم المسلمون به أنه أحقهم بالخلافة. فإن ذلك لا يحتاج إلى عهد خاص١.
وقد هم ﷺ أن يكتب لأبي بكر كتابا ثم قال: "يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر "٢. ولعل وجود الشيعة الذين يرون أن الخلافة لعلي وأهل بيته في زمن عمر بن عبد العزيز جعله يكتب إلى الحسن البصري سيد التابعين ليؤكد لهؤلاء الشيعة أن موقفه هو موقف أهل السنة والجماعة، وليس في سؤاله للحسن إن صح ذلك عنه - ولا أظنه يصح - ما يدل أنه كان شاكا في ثبوت خلافة الصديق ﵁. ويحتمل أنه يريد أن يبين لهم أن موقفه هو موقف العلماء في وقته.
وفيما يخص التفضيل بين هؤلاء الخلفاء الراشدين على العموم وبين علي وعثمان على الخصوص فإن أهل السنة والجماعة يرون تقديم عثمان على علي، كما هو المأثور عن عمر بن عبد العزيز، روى البخاري عن
стр. 382
ابن عمر ﵄ أنه قال: كنا نعد ورسول الله ﷺ حي فنقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت١.
قال الحافظ ابن حجر: في الحديث تقديم عثمان بعد أبي بكر وعمر كما هو المشهور عند جمهور أهل السنة، وذهب بعض السلف إلى تقديم علي على عثمان، وممن قال به سفيان الثوري، ويقال إنه رجع عنه، وقاله ابن خزيمة وطائفة قبله وبعده. وقيل: لا يفضل أحدهما على الآخر قاله مالك في المدونة وتبعه جماعة، منهم يحيى القطان، ومن المتأخرين ابن حزم، وحديث الباب حجة الجمهور٢.
وأما ما ذكر في الأثر الأخير من أن عثمان أسرع في المال وأن عليا أسرع في الدماء فعلى فرض صحته وصدوره عن عمر فإن أهل السنة والجماعة وفي مقدمتهم عمر يرون الكف عن الكلام فيما شجر بين الصحابة كما تقدم ذلك مستوفى في المبحث السابق، ولعل مقصد عمر في ذلك أن يزجر ميمون بن مهران فيما كان يذهب إليه من تفضيل علي على عثمان ﵄، ولا يمكن أن يطعن أحد من الصحابة برأي أحد، ولم يأخذ عثمان المال بغير حق، كما لم يسفك علي دم أحد بغير
стр. 383
حق، وإنما قاتل البغاة الذين خرجوا عليه، وهو محق في قتالهم، وتوفي شهيدا حميداً ﵁ وأرضاه.
ومما هو جدير ذكره هنا أن عليّا من أهل بيت النبي ﷺ ولأهل البيت حقوق ثبتت بالنصوص الصحيحة، وقد علم عمر بن عبد العزيز هذه الحقوق فأداها لأهل بيت النبي ﷺ حين كان أميرا بالمدينة وحين تولى الخلافة بعد ذلك. وهي حقوق مادية ومعنوية، وسيتضح موقفه وما أثر عنه تجاه أهل بيت النبي ﷺ في المبحث الذي يلي هذا التعليق بإذن الله تعالى
стр. 384
المسألة الثالثة: موقفه من أهل البيت.
تمهيد:
المراد بأهل البيت عند أهل السنة والجماعة أزواجه ﷺ ﵅ جميعا وأقربائه. قال الراغب الأصفهاني: أهل الرجل من يجمعه وإياهم نسب أودين أو ما يجرى مجراهما ... "١، وتعورف في أسرة النبي ﷺ مطلقا ... ".
وقال ابن منظور ... وأهل بيت النبي ﷺ أزواجه وبناته وصهره أعني عليا وقيل: نساء النبي ﷺ ٢.
وقد ذكر ابن القيم أن العلماء اختلفوا في تحديد المراد بأهل البيت على أقوال، قال ﵀: واختلف في آل النبي ﷺ على أربعة أقوال: فقيل هم الذين حرمت عليهم الصدقة وفيهم ثلاثة أقوال:
أ- أنهم بنو هاشم وبنوا المطلب.
ب - أنهم بنو هاشم خاصة.
ج- أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب.
стр. 385
والقول الثاني: أن آل النبي ﷺ هم ذريته وأزواجه خاصة١.
القول الثالث: أن آله أتباعه إلى يوم القيامة.
القول الرابع: أن آله هم الأتقياء من أمته٢.
ثم رجح ﵀ القول الأول وهو أن آله ﷺ هم الذين حرمت عليهم الصدقة٣.
هذا ويرى الشيعة أن آل النبي ﷺ هم أربعة فقط: علي وفاطمة والحسن والحسين، وقولهم هذا مخالف للنصوص الصحيحة ولا تؤيده اللغة ولا العرف، لأن لفظة أهل البيت وردت في القرآن الكريم في سياق الخطاب لأزواج النبي ﷺ قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ ٤.
فنفهم من الآية أن المراد بأهل البيت هن أزواجه ﵊.
стр. 386
هذا ولما لم توجد في زمن عمر واحدة من زوجاته ﷺ وإنما وجد ذريته ﵊ وأكثرهم من أولاد علي وأولاد أولاده فقد عرف لهم عمر رحمه الله تعالى حقوقهم المادية والمعنوية وأداها إليهم مستوفاة كاملة بدون بخس ولا شطط، وسيتبين ما قام به من خلال الآثار الآتية بإذن الله تعالى.
١٢٧/١- أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن الجراح حدثنا جرير عن المغيرة قال: جمع عمر بن عبد العزيز بني مروان حين استخلف فقال: إن رسول الله ﷺ كانت له فدك١ ينفق منها، ويعود منها على صغير بني هاشم، ويزوج منها أيِّمهم، وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى، فكانت كذلك حياة أبي بكر وعمر عملا فيها عمله، ثم أقطعها مروان، ثم صارت لي، فرأيت أمرا منعه رسول الله بنته ليس لي بحق، وإني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت في عهد رسول الله ﷺ ٢.
стр. 387
١٢٨/٢- ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا محمد بن بشر بن حميد المزني عن أبيه قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال لي: خذ هذا المال الأربعة آلاف دينار فاقدم بها على أبي بكر بن حزم فقل له فليضم إليه خمسة آلاف أو ستة آلاف حتى يكون عشرة آلاف دينار وأن تأخذ تلك الآلاف من الكتيبة ثم تقسم ذلك على بني هاشم وتسوي بينهم الذكر والأنثى والصغير والكبير سواء، قال: ففعل أبو بكر ... ١.
١٢٩/٣- ابن سعد قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل قال: حدثنا جويرية بن أسماء قال: سمعت فاطمة بنت علي بن أبي طالب ذكرت عمر ابن عبد العزيز فأكثرت الترحم عليه، وقالت: دخلت عليه وهو أمير المدينة يومئذ فأخرج عني كل خصي وحرسي، حتى لم يبق في البيت غيري وغيره ثم قال: يا بنت علي والله ما على ظهر الأرض أهل بيت أحب إلي منكم ولأنتم أحب إلي من أهل بيتي٢.
١٣٠/٤- ابن سعد قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا أبو المليح عن ابن عقيل يعني عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب قال:
стр. 388
أول مال قسمه عمر بن عبد العزيز لمال بعث به إلينا أهل البيت فأعطى المرأة منا مثل ما يعطي الرجل وأعطى الصبي مثل ما تعطي المرأة، قال: فأصابنا أهل البيت ثلاثة آلاف دينار وكتب لنا: إني إن بقيت لكم أعطيتكم جميع حقوقكم١.
١٣١/٥- أخبرنا علي بن محمد عن لوط بن يحيى الغامدي قال: كان الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون عليا رحمه الله تعالى فلما ولى عمر أمسك عن ذلك فقال كثير عزة الخزاعي:
وليت فلم تشتم عليا، ولم تخف
ريا، ولم تتبع مقالة مجرم٢.
١٣٢/٦- الفسوى قال: حدثنا سعيد بن عفير حدثني يعقوب عن أبيه أن عبد العزيز بن مروان بعث ابنه عمر بن عبد العزيز إلى المدينة يتأدب بها فكتب إلى صالح بن كيسان يتعاهده فكان عمر يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمع منه العلم، فبلغ عبيد الله أن عمر ينتقص علي بن أبي طالب
стр. 389
فأتاه عمر فقام يصلي وأزر عمر فلم يبرح حتى سلم من ركعتين ثم أقبل على عمر بن عبد العزيز فقال: متى بلغك أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم؟ قال: فعرف عمر ما أراد فقال: معذرة إليك والله لا أعود. قال: فما سمع عمر بن عبد العزيز بعد ذلك ذاكرا عليا إلا بخير١.
١٣٣/٧- ابن الجوزي قال: وعن حسين بن صالح قال: تذاكروا الزهاد عند عمر ابن عبد العزيز فقال قائلون فلان، وقال قائلون فلان، فقال عمر بن عبد العزيز: أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب رضي الله عنه٢.
التعليق:
إن عمر بن عبد العزيز كغيره من السلف الصالح كان قائما بأداء حقوق أهل بيت النبي ﷺ امتثالا لما أمر به ﷺ ... "أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي"٣.
стр. 390
وروى الإمام أحمد والترمذي، وغيرهما عن أم سلمة أن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ ١، لما نزلت أدار النبي ﷺ كساءه على علي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ فقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا"٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم يحبون أهل بيت النبي ﷺ ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم٣، وآل بيته ﷺ لهم من الحقوق ما يجب رعايتها فإن الله جعل لهم حقا في الخمس والفيء وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله ﷺ ٤.
والحقوق التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هي التي حرص عمر بن عبد العزيز ﵀ على أدائها على الوجه المطلوب شرعا فرد على آل رسول الله ﷺ فدك كما قام برد خمس الخمس عليهم كما أطعمهم في الفيء ونهى عن الطعن على أحد منهم حيث أن بعض عمال بني أمية كانوا يستفزون بعض أهل البيت بالطعن عليهم وجعل عمر