← Акыда

Акыда · id 11723

الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة

حياة بن محمد بن جبريل

Полный текст (805 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

هذا ولما لم توجد في زمن عمر واحدة من زوجاته ﷺ وإنما وجد ذريته ﵊ وأكثرهم من أولاد علي وأولاد أولاده فقد عرف لهم عمر رحمه الله تعالى حقوقهم المادية والمعنوية وأداها إليهم مستوفاة كاملة بدون بخس ولا شطط، وسيتبين ما قام به من خلال الآثار الآتية بإذن الله تعالى. ١٢٧/١- أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن الجراح حدثنا جرير عن المغيرة قال: جمع عمر بن عبد العزيز بني مروان حين استخلف فقال: إن رسول الله ﷺ كانت له فدك١ ينفق منها، ويعود منها على صغير بني هاشم، ويزوج منها أيِّمهم، وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى، فكانت كذلك حياة أبي بكر وعمر عملا فيها عمله، ثم أقطعها مروان، ثم صارت لي، فرأيت أمرا منعه رسول الله بنته ليس لي بحق، وإني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت في عهد رسول الله ﷺ ٢.

стр. 387

١٢٨/٢- ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا محمد بن بشر بن حميد المزني عن أبيه قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال لي: خذ هذا المال الأربعة آلاف دينار فاقدم بها على أبي بكر بن حزم فقل له فليضم إليه خمسة آلاف أو ستة آلاف حتى يكون عشرة آلاف دينار وأن تأخذ تلك الآلاف من الكتيبة ثم تقسم ذلك على بني هاشم وتسوي بينهم الذكر والأنثى والصغير والكبير سواء، قال: ففعل أبو بكر ... ١. ١٢٩/٣- ابن سعد قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل قال: حدثنا جويرية بن أسماء قال: سمعت فاطمة بنت علي بن أبي طالب ذكرت عمر ابن عبد العزيز فأكثرت الترحم عليه، وقالت: دخلت عليه وهو أمير المدينة يومئذ فأخرج عني كل خصي وحرسي، حتى لم يبق في البيت غيري وغيره ثم قال: يا بنت علي والله ما على ظهر الأرض أهل بيت أحب إلي منكم ولأنتم أحب إلي من أهل بيتي٢. ١٣٠/٤- ابن سعد قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا أبو المليح عن ابن عقيل يعني عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب قال:

стр. 388

أول مال قسمه عمر بن عبد العزيز لمال بعث به إلينا أهل البيت فأعطى المرأة منا مثل ما يعطي الرجل وأعطى الصبي مثل ما تعطي المرأة، قال: فأصابنا أهل البيت ثلاثة آلاف دينار وكتب لنا: إني إن بقيت لكم أعطيتكم جميع حقوقكم١. ١٣١/٥- أخبرنا علي بن محمد عن لوط بن يحيى الغامدي قال: كان الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون عليا رحمه الله تعالى فلما ولى عمر أمسك عن ذلك فقال كثير عزة الخزاعي: وليت فلم تشتم عليا، ولم تخف ريا، ولم تتبع مقالة مجرم٢. ١٣٢/٦- الفسوى قال: حدثنا سعيد بن عفير حدثني يعقوب عن أبيه أن عبد العزيز بن مروان بعث ابنه عمر بن عبد العزيز إلى المدينة يتأدب بها فكتب إلى صالح بن كيسان يتعاهده فكان عمر يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمع منه العلم، فبلغ عبيد الله أن عمر ينتقص علي بن أبي طالب

стр. 389

فأتاه عمر فقام يصلي وأزر عمر فلم يبرح حتى سلم من ركعتين ثم أقبل على عمر بن عبد العزيز فقال: متى بلغك أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم؟ قال: فعرف عمر ما أراد فقال: معذرة إليك والله لا أعود. قال: فما سمع عمر بن عبد العزيز بعد ذلك ذاكرا عليا إلا بخير١. ١٣٣/٧- ابن الجوزي قال: وعن حسين بن صالح قال: تذاكروا الزهاد عند عمر ابن عبد العزيز فقال قائلون فلان، وقال قائلون فلان، فقال عمر بن عبد العزيز: أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب رضي الله عنه٢. التعليق: إن عمر بن عبد العزيز كغيره من السلف الصالح كان قائما بأداء حقوق أهل بيت النبي ﷺ امتثالا لما أمر به ﷺ ... "أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي"٣.

стр. 390

وروى الإمام أحمد والترمذي، وغيرهما عن أم سلمة أن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ ١، لما نزلت أدار النبي ﷺ كساءه على علي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ فقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا"٢. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم يحبون أهل بيت النبي ﷺ ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم٣، وآل بيته ﷺ لهم من الحقوق ما يجب رعايتها فإن الله جعل لهم حقا في الخمس والفيء وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله ﷺ ٤. والحقوق التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هي التي حرص عمر بن عبد العزيز ﵀ على أدائها على الوجه المطلوب شرعا فرد على آل رسول الله ﷺ فدك كما قام برد خمس الخمس عليهم كما أطعمهم في الفيء ونهى عن الطعن على أحد منهم حيث أن بعض عمال بني أمية كانوا يستفزون بعض أهل البيت بالطعن عليهم وجعل عمر

стр. 391

مكان الطعن الآية الكريمة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ..﴾ ١. وقيل غيرها. وقد بين الإمام الذهبي وشيخ الإسلام ابن تيمية السبب في طعن بعض ولاة بني أمية على بعض أهل البيت وعلى علي ﵁ بالذات فقال الذهبي: "وخلف معاوية خلق كثير يحبونه ويتغالون فيه ويفضلونه، إما قد ملكهم بالكرم والحلم والعطاء وإما قد ولدوا في الشام على حبه وتربي أولادهم على ذلك. وفيهم جماعة يسيرة من الصحابة وعدد كثير من التابعين والفضلاء، وحاربوا معه أهل العراق، ونشؤوا على النصب نعوذ بالله من الهوى كما قد نشأ جيش علي ﵁ ورعيته إلا الخوارج منهم على حبه والقيام معه وبغض من بغى عليه والتبري منهم وغلا خلق منهم في التشيع. فبالله كيف يكون حال من نشأ في إقليم لا يكاد يشاهد فيه إلا غاليا في الحب، مفرطا في البغض، ومن أين يقع له الإنصاف والاعتدال؟ فنحمد الله على العافية الذي أوجدنا في زمان قد انمحص فيه الحق واتضح من الطرفين وعرفنا مآخذ كل واحد من الطائفتين"٢.

стр. 392

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"سب علي ﵁ كان شائعا في أتباع معاوية ... وهو من البغي الذي استحقت به الطائفة أن يقال لها الطائفة الباغية ويدل على صحة إمامة علي ووجوب طاعته وأن الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة ... "١. وقد قام عمر رحمه الله تعالى بالاهتمام بحقوق أهل بيت النبي ﷺ وسلّم إليهم حقوقهم المادية والمعنوية، حرصا منه على إتباع ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه وحبا منه لاتباع السلف الصالح الذين أحب أن يقتدى بهم في كل لحظة من لحظات حياته لتكمل له بذلك ما كان يمن به نفسه، وما كان يحرص عليه ويتمناه من العمل بالعدل واتباع السنة والسير على نهج أهل الحق ليصل إلى الثمن الغالي الذي تَتُوق نفسه إلى الوصول إليه، فرحمه الله رحمة واسعة.

стр. 393

الفصل الخامس: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الإيمان باليوم الآخر وما يقع فيه من أمور المبحث الأول: الآثار عن عمر في عذاب القبر ونعيمه ... تمهيد: إن الإيمان باليوم الآخر وما يقع فيه من أمور قد كثر ذكره والتذكير به في الكتاب. قال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ١. وقال في وصف الكفار: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ ٢. وقد بين النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور أهمية الإيمان باليوم الآخر حيث جعله ﷺ أحد أركان الإيمان، فقال في تعريفه للإيمان: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ... "٣. والحديث عن الإيمان باليوم الآخر يشتمل على أمور كثيرة. فكل ما أخبر به الله ورسوله مما يكون بعد الموت، من عذاب القبر ونعيمه، وما يكون من البعث والنشور، وما يكون في يوم القيامة من ثواب وعقاب وجنة ونار. ويلحق العلماء ما يكون قبل ذلك من علامات وأشراط، كل ذلك داخل في الإيمان باليوم الآخر. هذا ولما كان الموت والقبر وعذابه أو نعيمه أول منازل الآخرة فيجدر تقديم ما أثر عن عمر ﵀ في هذه

стр. 394

المسألة على المسائل الأخرى لتكتمل الصورة ولتعم الفائدة ثم يعقب بعدها بالمسائل التي أثرت عنه في الإيمان بهذا اليوم العظيم.

стр. 395

المبحث الأول: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الإيمان بعذاب القبر ونعيمه. ١٣٤/١- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز لرجل: يا فلان قرأت البارحة سورة فيها زيارة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ ١، فكم عسى الزائر يلبث عند المزور حتى ينكفئ إما إلى جنة وإما إلى نار٢. ١٣٥/٢ - ابن عبد الحكم قال: خطب عمر بن عبد العزيز الناس فقال: " ... أيها الناس ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وفي بيوت الميتين وفي دور الظاعنين جيرانا كانوا معكم بالأمس أصبحوا في دور خامدين، بين آمن روحه إلى يوم القيامة وبين معذب روحه إلى يوم القيامة ... "٣.

стр. 396

١٣٦/٣ - ابن عبد الحكم قال: خطب عمر بن عبد العزيز بخناصرة فقال: " ... في كل يوم تشيعون غاديا إلى الله ورائحا قد قضى نحبه وانقضى أجله ثم تغيبونه في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد فارق الأحباب وخلع الأسلاب وواجه الحساب وسكن التراب مرتهنا بعمله غنيا عما ترك فقيرا إلى ما قدم ... "١. التعليق: إن ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في الآثار السابقة يدل على إثبات عذاب القبر ونعيمه وإثبات عذاب القبر ونعيمه هو معتقد أهل السنة والجماعة، ولا شك أن الإيمان بذلك واجب، والتصديق به لازم، حسب ما أخبر به الصادق وهو أن الله تعالى يُحْيي العبد المكلف في قبره برد الحياة إليه، ويجعله من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه ليعقل ما يسأل عنه وما يجيب به ويفهم ما أتاه من ربه وما أعد له في قبره من كرامة أو هوان٢. وبهذا دلت النصوص من الكتاب والسنة، قال تعالى:

стр. 397

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة﴾ ١، فقد ثبت في الصحيح أنها نزلت في عذاب القبر٢. وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ ٣. وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ﷺ ، فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله تعالى به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا. وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين"٤. وهذا الذي دل عليه الحديث هو ما فهمه الصحابة والتابعون الذين نزل القرآن بلغتهم كما سبق بيان ما نقل عن عمر بن عبد العزيز، وهو أن

стр. 398

الإيمان بعذاب القبر ونعيمه من الغيب الذي أمرنا بالإيمان به، وأن العبد يرد إليه روحه ويسأله الملائكة وينعم ويعذب في قبره حسب أعماله التي قدمها في الدنيا، ومما يجدر تنبيهه هنا أن ما أثر عن عمر في ذكر أمن الروح وتعذيبه لا يحمل على أنه يرى أن العذاب في القبر إنما هو على الروح فقط دون الجسد لأنه يحتمل أنه أراد بهذا تفسير الحديث "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة"١، ومن المعلوم أن أحكام البرزخ تقع على الأرواح، والأبدان تبع لها، بخلاف ما في الدنيا فإن الأحكام على الأبدان والأرواح تبع لها، ولهذا فقد صح عن السلف الصالح أن العذاب في القبر على الروح والجسد تبع له. وقد تنعم الروح وتعذب وهي منفردة عن البدن أحيانا, قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "العذاب والنعيم في القبر" على النفس والبدن جميعا باتفاق أهل السنة والجماعة تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن وتنعم وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين كما يكون على الروح منفردة عن البدن.

стр. 399

أما قول من يقول إن النعيم والعذاب على الروح فقط، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب فهو قول شاذ ليس من أقوال أهل السنة والجماعة، وإنما تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين١. وقال الحافظ ابن حجر: قال الجمهور: تعاد الروح إلى الجسد أو بعضه كما ثبت في الحديث، ولو كان على الروح فقط لم يكن للبدن بذلك اختصاص، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تتفرق أجزاؤه، لأن الله قادر أن يعيد الحياة إلى جزء من الجسد ويقع عليه السؤال كما هو قادر على أن يجمع أجزاءه. والحامل للقائلين بأن السؤال يقع على الروح فقط أن الميت قد يشاهد في قبره حال المسألة لا أثر فيه من إقعاد وغيره، ولا ضيق في قبره ولا سعة، وكذلك غير المقبور كالمصلوب، وجوابهم أن ذلك غير ممتنع في القدرة، بل له نظير في العادة وهو النائم فإنه يجد لذة وألما لا يدركه جليسه، بل اليقظان قد يدرك ألما أو لذة لما يسمعه أو يفكر فيه ولا يدرك ذلك جليسه، وإنما أتى الغلط من قياس الغائب على الشاهد وأحوال ما بعد الموت على ما قبله، والظاهر أن الله صرف أبصار العباد وأسماعهم عن مشاهدة ذلك وستره عنهم إبقاء عليهم ليتدافنوا، وليست للجوارح الدنيوية قدرة على إدراك أمور الملكوت إلا من شاء الله. وقد

стр. 400

ثبتت الأحاديث بما ذهب إليه الجمهور كقوله: "إنه ليسمع خفق نعالهم" وقوله: "يضرب بين أذنيه" وقوله: "تختلف أضلاعه" وقوله: "يسمع صوته إذا ضربه بالمطراق" وقوله: "فيقعدانه" وكل ذلك من صفات الأجساد ... "١. فظهر مما تقدم نقله أن العذاب في القبر على الروح والجسد معا، وقد بين عمر في الأثر الثالث أن الميت إنما ينفعه في قبره أو يضره فيه عمله وهو الحق، فيضره معاصي القلب والعين والأذن والفم واللسان والبطن والفرج واليد والرجل والبدن كله، كما ينفعه اجتناب الأسباب الموجبة لعذاب القبر٢.

стр. 401

المبحث الثاني: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الإيمان بالمعاد، ونزول الرب لفصل القضاء . ١٣٧/١- ابن عبد الحكم قال: خطب عمر بن عبد العزيز بخناصرة فقال: أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثا، ولم تتركوا سدى، وإن لكم معادا ينزل الله ﵎ للحكم فيه والفصل بينكم ... "١. ١٣٨/٢- ابن أبي الدنيا قال: حدثني الحسن بن محبوب أخبرنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا أبو ربيعة عن جده قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله، أما بعد: فكأن العباد قد عادوا إلى الله فينبئهم بما عملوا ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.."٢.

стр. 402

١٣٩/٣- هناد السرى قال: حدثني أبو أسامة عن جرير بن حَازم، قال قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدي " ... اعلم أن أحدا لا يستطيع إنفاذ قضايا ما بين الناس حتى لا يبقى منها شيء، لابد أن تستأخر قضايا ليوم الحساب"١. ١٤٠/٤- ابن أبي الدنيا قال: حدثني أبو حاتم الرازي قال: حدثنا موسى بن أيوب، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة، أما بعد: فإني أذكرك ليلة تمخض

стр. 403

بالساعة وصباحها القيامة فيالها من ليلة وياله من صباح كان على الكافرين عسيرا١. ١٤١/٥- ابن الجوزي قال: أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري أن عمر بن عبد العزيز كتب إلي بعض الأجناد أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله ولزوم طاعته ... فمن كان راغبا في الجنة أو هاربا من النار فالآن في هذه الأيام الخالية، والتوبة مقبولة، والذنب مغفور قبل نفاد الأجل وانقضاء المدة، وفراغ الله للثقلين ليدينهم بأعمالهم في موطن لا تقبل فيه الفدية، ولا تنفع فيه الحيلة، تبرز فيه الخفيات، وتبطل فيه الشفاعات، يرده الناس جميعا بأعمالهم، وينصرفون منه أشتاتا إلى منازلهم، فطوبى يومئذ لمن أطاع الله ، وويل يومئذ لمن عصى الله عز وجل٢.

стр. 404

١٤٢/٦- ابن أبي الدنيا قال: وحدثني محمد قال: حدثني خالد بن عمرو الأموي قال: حدثنا عبد الأعلى بن أبي عبد الله العنزي، قال: رأيت عمر بن عبد العزيز خرج يوم الجمعة في ثياب دسمة ووراءه حبشي يمشي فلما انتهى إلى الناس رجع الحبشي، فكان عمر إذا انتهى إلى الرجلين قال: هكذا رحمكما الله حتى صعد المنبر فخطب فقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ١، فقال: وما شأن الشمس؟ ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَت﴾ ٢، حتى انتهى إلى ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَت﴾ ٣، فبكى ... "٤. التعليق: إن الإيمان بالمعاد والبعث والنشور وأن الله ﵎ يجمع كل الخلائق وبيان الحكمة من ذلك وبيان شدة هذا اليوم على الكفار هو

стр. 405

مدلول الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى هنا، ولا شك أن الإيمان بالمعاد من أهم العقائد التي تتميز بها الإسلام ١، وقد حاز قصب السبق في هذا المضمار، فجل سور القرآن الكريم تتضمن الإيمان بالمعاد، إما تصريحا وتأكيدا أو تلميحا وإشارة، وقد بين الله ﵎ في كثير من آيات الكتاب وجوب الإيمان بالبعث، وبين في بعضها الرد على من ينكر حشر الأجساد بحجج عقلية لا يمكن للمنكرين إلا الإذعان لها أو المكابرة قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٢ وقال : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ٣. وقال في منكري البعث: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ

стр. 406

أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ١. كما ثبت السنة في المطهرة الإيمان بالبعث فعن أبي هريرة ﵁ قال: "ما بين النفختين أربعون، قالوا: أربعون يوما؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة قال: أبيت، ثم ينزل الله من السماء ماءا فينبتون كما ينبت البقل، قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة"٢. وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "قال الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة ولا ولدا"٣. ومضمون هذه النصوص هو المأثور عن عمر كما سبق بيانه حيث قال: وإن لكم معادا" كما بين في تلك الآثار الحكمة من المعاد فقال: أما

стр. 407

بعد: فكأن العباد قد عادوا إلى الله فينبئهم بما عملوا ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. وهذا ما بينه القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ ١، وقال : ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ٢. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض وأنه الغني عما سواه، الحاكم في خلقه بالعدل وخلق الخلق بالحق ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ أي يجازي كُلاًّ بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر"٣. وقال في بيان الحكمة من البعث: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ٤. قال شارح الطحاوية معلقا على هذه الآية الكريمة: ... كيف تقتضي حكمة الخالق المبدع من العدم والمصور في الأرحام من نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم شق السمع والبصر وركب فيه الحواس والقوى والعظام والمنافع، ... كيف تقتضي حكمته وعنايته به أن

стр. 408

يتركه سدى؟ فلا يليق ذلك بحكمته ولا تعجز عنه قدرته. ثم قال ﵀: فانظر إلى هذا الاحتجاج العجيب بالقول الوجيز الذي لا يكون أوجز منه والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه ومأخذه القريب الذي لا تقع الظنون على أقرب منه١. وبعد قيام الناس من قبورهم ووقوفهم في ساحة القيامة، يشتد الأمر ويعظم الخطب، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ويفر المرء من أخيه، وأمه، وأبيه، وصاحبته، وبنيه، لأن كُلاً منهم يومئذ شأن يغنيه، وهذا الموقف الرهيب مما يستدعي الخوف والبكاء، فلذا لما تصوره عمر ابن عبد العزيز وذلك بقراءته سورة التكوير، بكى، وأبكى، فالسورة تصور مشهدا من مشاهد القيامة العصيبة، كما أن لهذا اليوم مشاهد أخرى، منها ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرةرضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم" ٢، فإذا اشتد الأمر بالناس في الموقف فزعوا إلى الأنبياء ليزيحوا عنهم الكرب ويدفعوا عنهم الغم، فكل نبي من

стр. 409

آدم إلى عيسى يشير إلى غيره من الأنبياء حتى تصل النوبة إلى نبينا محمد ﷺ فيقول: "أنا لها أنا لها"، وهذا هو المقام المحمود الذي ذكره الله تعالى لنبينا في القرآن. قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ ١. فإذا شفع النبي ﷺ لأهل الموقف واستجيب دعاؤه ينزل الرب ﵎، كما يليق بجلاله للقضاء بين الخلائق فتنشر الدواوين وينصب الميزان كما سيأتي.

стр. 410

المبحث الثالث: الآثار عن عمر في الإيمان بالميزان . ١٤٣/١- ابن أبي الدنيا قال: حدثنا أبو عبد الله الأزدي عن الحسن ابن محمد الخزاعي عن رجل من ولد عثمان بن عفان ﵁ أن عمر بن عبد العزيز قال في بعض خطبه: إن لكل سفر زادا لا محالة، ... أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي وتظهر عولتي وتبدو مسكنتي في يوم يبدو فيه الغنى والفقر، والموازين فيه منصوبة١. ١٤٤/٢- ابن الجوزي قال: حدثنا شعيب بن صفوان عن الفيض بن عبد الحميد قال: قال عمر بن عبد العزيز: ... "أوما رأيتم حالات الميت؟ وجهه مفقود، وذكره منسي، وبابه مهجور، كأن لم يخالط إخوان الحفاظ ولم يعمر الديار" واتقوا يوما لا يخفى فيه مثقال ذرة في الموازين٢.

стр. 411

١٤٥/٣- ابن الجوزي قال: حدثني بحدل الشامي عن أبيه وكان صاحبا لعمر بن عبد العزيز قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يتلو على المنبر هذه الآية ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ١. حتى ختمها فمال على أحد شقيه يريد أن يقع٢. التعليق: إن هذه الآثار الواردة عن عمر ﵀ تدل على أن بعد القيام من الأجداث والذهاب إلى المحشر، ونزول الرب ﵎ لفصل القضاء، ينصب الميزان، وهو ميزان حقيقي، توزن به أعمال العباد، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة. قال ابن حجر: قال أبو إسحاق الزجاج: أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان وأن أعمال العباد توزن به يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكِفَّتان ويميل بالأعمال. وأنكرت المعتزلة الميزان وغيرهم. وقالوا: هو عبارة عن العدل، فخالفوا الكتاب والسنة، لأن الله أخبر أنه

стр. 412

يضع الموازين لوزن الأعمال ليري العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين١. وهذا الميزان دقيق لا يزيد ولا ينقص قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ٢. والميزان غير العدل، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُه﴾ ٤. وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم"٥. وقد اختلف العلماء في الميزان هل هو واحد أم أن الموازين متعددة؟ فذهب بعضهم إلى أنه ميزان واحد، وذهب آخرون إلى أنها موازين متعددة، ولكلا الفريقين ما يستدل به على ما يذهب إليه، وقد أشار إلى

стр. 413

هذا العلامة السفاريني فقال: اختلف في الميزان هل هو واحد أو أكثر؟ فالأشهر أنه ميزان واحد لجميع الأمم ولجميع الأعمال، كفتاه كأطباق السموات والأرض. وقيل: إنه لكل أمة ميزان، وقال الحسن البصري: لكل واحد من المكلفين ميزان١، لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ ٢. وأجيب بأن جمع الموازين في الآية والأحاديث لكثرة من توزن أعمالهم، أو أن ذلك للتفخيم، أو تعدد الأعمال. ويدل على تعدد الأعمال قوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُه﴾ ٣، فالميزان واحد وإنما جمع باعتبار الموزون. ولكن بماذا نجيب عن ما ورد عن عمر في جمع الموازين؟ يجاب بأن الميزان واحد في تلك الآثار وإنما جمعها عمر رحمه الله تعالى في تلك الآثار لتفخيمها٤،لأنه كان شديد التأثر بالآيات التي فيها ذكر أمور الآخرة.

стр. 414

وأما الذين ذهبوا إلى أنها موازين متعددة فيظهر أنهم أخذوا بظواهر النصوص التي تدل على تعدد الموازين، وأياً كان فإن هذه قضية غيبية الأهم فيها الإيمان بوقوع وزن الأعمال والعامل وصحف الأعمال فكل ذلك ممكن في قدرة الله. هذا وقد اختلف في الموزون ما هو؟ ولم يرد عن عمر رحمه الله تعالى شيء في ذكر الخلاف في الموزون، وإنما ورد عنه مطلق الإيمان بالميزان وكونه يعلق فيوزن فيه الأعمال دقيقها وجليلها وقد وفّى الموضوع حقه العلامة السفاريني في لوامع الأنوار البهية١، وكذلك القرطبي في التذكرة٢، والعلامة مرعي الحنبلي المقدسي٣، رحمهم الله تعالى. وبعد وزن الأعمال وظهور بعض الفرج للمؤمنين يمر الناس ويشربون من حوض النبي ﷺ ، وقد ثبت أن لكل نبي حوضاً، واختلف في مكان الحوض، فالقرطبي يرى أنه في عرصات القيامة٤، بينما استظهر ابن حجر

стр. 415

من صنيع البخاري أن الحوض بعد الميزان١، ويمكن الجمع بين القولين بأن ذلك يحمل على تعدد الشرب، كما يحتمل الجمع بأن الشرب من الحوض لقوم قبل الصراط وآخرين بعده بحسب ما عليهم من الذنوب والأوزار حتى يهذبوا منها على الصراط٢. والإيمان بالحوض هو معتقد أهل السنة والجماعة، لصحة النصوص الواردة في الإيمان به، والإيمان به كذلك هو المأثور عن عمر كما سيأتي.

стр. 416

المبحث الرابع: الآثار عن عمر في الإيمان بالحوض . ١٤٦/١- أبو زرعة قال: حدثني عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا الوليد ابن مسلم عن يحيى بن الحارث عن أبي سلام، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى صاحب دمشق أن سل أبا سلام عما سمع من ثوبان مولى رسول الله ﷺ في الحوض فإن كان يثبته فاحمله على مركبة من البريد١.١٤٧/١- ابن الجوزي قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن العباس بن سالم اللخمي قال: بعث عمر بن عبد العزيز إلى أبي سلام الحبشي يحمل على البريد. فلما قدم عليه قال: لقد شق علي، قال: عمر: ما أردنا ذلك ولكنه بلغني عنك حديث ثوبان في الحوض فأحببت أن أشافهك به، فقال: سمعت ثوبان: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن حوضي من عدن٢

стр. 417

إلى عمان البلقاء١ ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، وأكوابه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، أول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين ... "٢. ١٤٧/٢- أبو زرعة قال: أخبرني يحيى بن صالح الوحاظي، قال: حدثنا محمد بن مهاجر، عن العباس بن سالم، عن أبي سلام: أنه دخل على عمر بن عبد العزيز فقال: لقد شققت علي يا أمير المؤمنين، قال: ما أردت ذاك ولكن أحببت أن تشافهني بحديث ثوبان في الحوض٣.

стр. 418

التعليق: يتبين من الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث الإيمان بالحوض على حقيقته كما جاء في الكتاب والسنة، ولا شك أن الإيمان بالحوض كما جاء في النصوص الصحيحة هو عقيدة أهل السنة والجماعة، استنادا إلى النصوص الصريحة بذلك، فمنها ما ورد في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "أنا فرطكم على الحوض وليرفعن رجال منكم ثم ليختلجن دوني فأقول يارب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"١. وأدلة إثبات الحوض في السنة بلغت حد التواتر، وأما بالنسبة للقرآن فإنه لم يرد التصريح به، إلا أن من العلماء من جعل الحوض بمعنى الكوثر، ثم استدل لإثبات الحوض بسورة الكوثر تغليبا لاسم الكوثر على اسم الحوض. والذي يظهر من النصوص ومن كلام العلماء أن الحوض في الموقف والكوثر في الجنة، وبينهما اتصال قوي، حيث يصب من الكوثر إلى الحوض الذي هو في عرصات القيامة٢.

стр. 419

وقد أولت المعتزلة الأدلة الصحيحة السابقة وأنكروا وجود الحوض، وكذلك الخوارج. قال ابن حجر وأنكرت طائفة من المبتدعة الحوض، وأحالوه على ظاهره، وغلوا في تأويله من غير استحالة عقلية ولا عادية تلزم من حمله على ظاهره وحقيقته، ولا حاجة تدعو إلى تأويله فخرقوا إجماع السلف وفارقوا مذهب الخلف١. وقد كان السلف يقولون عن منكري الحوض عبارتهم المشهورة: "من كذب به فلا سقاه الله منه"، ولا شك أن حرص عمر رحمه الله تعالى في سماع الحديث من أبي سلام دليل على شدة حبه للعقيدة الصحيحة والتأكد من رواتها، ومشافهتهم حتى يطمئن قلبه ﵀، كما أنه يمكن أن يستدل بعمل عمر هذا على الرد على من ينكر الحوض، حيث شافه من سمع الحديث من ثوبان ﵁ مع شهرة أحاديث الحوض بين الصحابة. وقد تقدم أن أحاديث الحوض بلغت حد التواتر، وقد وقع الخلاف بين العلماء في تحديد مسافة الحوض، وهو ناشئ عن اختلاف الروايات في تحديده، فقد ورد أن طوله وعرضه مسيرة شهر، وأنه كما بين عدن وعمان، وما بين صنعاء والمدينة، وما بين المدينة وعمان، وما بين أيلة ومكة، وما بين المدينة وبيت المقدس، وغير ذلك. قال بعض العلماء وهذا الاختلاف والاضطراب لا يوجب الضعف، لأنه من اختلاف التقدير

стр. 420

والتحديد، لا من الاختلاف في الرواية، لأن ذلك لم يقع في حديث واحد فيعد اضطرابا، وإنما جاء في أحاديث مختلفة عن غير واحد من الصحابة وقد سمعوه في مواطن متعددة، وكان النبي ﷺ يمثل لكل قوم الحوض بحسب ما يعلم المتكلم ويفهم السائل وبحسب ما يسنح له ﷺ من العبارة ويحدد الحوض بحسب ما يفهم الحاضرون من الإشارة١.

стр. 421

المبحث الخامس: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الإيمان بالصراط . ١٤٨/١- ابن أبي الدنيا قال: حدثني أبو سعيد المديني عبد الله بن المسيب، حدثني محمد بن عمر بن سعيد العطار، حدثني زكريا بن منظور، عن عمه، عن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أخ له: يا أخي إنك قد قطعت عظيم السفر وبقي أقله، فاذكر يا أخي المصادر والموارد، فقد أوحي إلى نبيك ﷺ في القرآن أنك من أهل الورود ولم يخبر أنك من أهل الصدور والخروج، وإياك أن تغرك الدنيا فإن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ... "١. لتعليق: إن هذا الأثر الوارد عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يدل على الإيمان بالصراط، وذلك أنه بعد الخروج من عرصات القيامة في اليوم

стр. 422

العصيب يمر الناس على الصراط، وهو جسر ممدود على متن جهنم، أدق من الشعرة وأحد من السيف، يرده الأولون والآخرون من أتباع الرسل الموحدون وفيهم أهل الذنوب والمعاصي، وفيهم أهل النفاق، فتلقى عليهم الظلمة قبل الصراط. وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين ويتخلفون عنهم ويسبقهم المؤمنون ويُحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم، ويعطي كل مؤمن نوره بقدر عمله يضيء له الطريق فيمرون على الصراط، فمنهم من يمر كالبرق الخاطف، وكالريح، ومنهم من يرمل رملا حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه تَخِرّ يدٌ وتعلق يد، وتخر رجل وتصيب جوانبه النار١. وقد دل الكتاب والسنة على المرور على الصراط. قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً ... ﴾ ٢. قال شارح الطحاوية: واختلف المفسرون في المراد بالورود في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط. قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ ٣، وفي الصحيح أنه

стр. 423

صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة"، قالت حفصة: فقلت: يارسول الله أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ، فقال: ألم تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ " ١ أشار إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله. فالمؤمنون يمرون فوق النار على الصراط ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا، فبين ﷺ أن الورود هو الورود على الصراط٢. والحق أن الورود على النار ورودان: ورود الكفار أهل النار، فهذا ورود دخول لا شك في ذلك، كما قال تعالى في شأن فرعون ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ ٣، أي بئس المدخل المدخول. والورود الثاني: ورود الموحدين وهو مرورهم٤ على الصراط كما سبق وهو ما عناه عمر بن عبد العزيز ﵀ بقوله: "يا أخي إنك قد قطعت عظيم السفر وبقي أقله فاذكر يا أخي المصادر والموارد، فقد أوحي

стр. 424

إلى نبيك ﷺ في القرآن أنك من أهل الورود ولم يخبر أنك من أهل الصدور والخروج ... " ١. فعمر في هذا الأثر يذكر أخاه بالمرور على الصراط وهو خاص بالمؤمنين والموحدين من أتباع الرسل وفيهم بعض المنافقين الذين يحبسون ويسقطون في النار، فالورود هنا كما بينه عمر هو المرور على الصراط، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين في النار جثيا، أعاذنا الله ونجانا من هذا المكان برحمته ولطفه.

стр. 425

المبحث السادس: الآثار عن عمر في الإيمان بالجنة والنار . ١٤٩/١- أبي الدنيا قال: حدثني محمد قال: حدثني يوسف بن الحكم قال: حدثني عبد السلام مولى مسلمة بن عبد الملك قال: بكى عمر بن عبد العزيز، فبكت فاطمة، فبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء. فلما تجلى عنهم العبر قالت فاطمة بأبي أنت يا أمير المؤمنين مم بكيت؟ قال: ذكرت يا فاطمة منصرف القوم من بين يدي الله: فريق في الجنة وفريق في السعير، ثم صرخ وغشي عليه١. ١٥٠/٢- أبي الدنيا حدثني محمد قال: حدثني الحميدي عن سفيان قال: كان عمر بن عبد العزيز يوما ساكتا وأصحابه يتحدثون فقالوا له:
следующие страницы →