المبحث الخامس: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الإيمان بالصراط .
١٤٨/١- ابن أبي الدنيا قال: حدثني أبو سعيد المديني عبد الله بن المسيب، حدثني محمد بن عمر بن سعيد العطار، حدثني زكريا بن منظور، عن عمه، عن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أخ له: يا أخي إنك قد قطعت عظيم السفر وبقي أقله، فاذكر يا أخي المصادر والموارد، فقد أوحي إلى نبيك ﷺ في القرآن أنك من أهل الورود ولم يخبر أنك من أهل الصدور والخروج، وإياك أن تغرك الدنيا فإن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ... "١.
لتعليق:
إن هذا الأثر الوارد عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يدل على الإيمان بالصراط، وذلك أنه بعد الخروج من عرصات القيامة في اليوم
стр. 422
العصيب يمر الناس على الصراط، وهو جسر ممدود على متن جهنم، أدق من الشعرة وأحد من السيف، يرده الأولون والآخرون من أتباع الرسل الموحدون وفيهم أهل الذنوب والمعاصي، وفيهم أهل النفاق، فتلقى عليهم الظلمة قبل الصراط. وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين ويتخلفون عنهم ويسبقهم المؤمنون ويُحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم، ويعطي كل مؤمن نوره بقدر عمله يضيء له الطريق فيمرون على الصراط، فمنهم من يمر كالبرق الخاطف، وكالريح، ومنهم من يرمل رملا حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه تَخِرّ يدٌ وتعلق يد، وتخر رجل وتصيب جوانبه النار١.
وقد دل الكتاب والسنة على المرور على الصراط. قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً ... ﴾ ٢. قال شارح الطحاوية: واختلف المفسرون في المراد بالورود في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط. قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ ٣، وفي الصحيح أنه
стр. 423
صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة"، قالت حفصة: فقلت: يارسول الله أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ، فقال: ألم تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ " ١ أشار إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله. فالمؤمنون يمرون فوق النار على الصراط ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا، فبين ﷺ أن الورود هو الورود على الصراط٢.
والحق أن الورود على النار ورودان: ورود الكفار أهل النار، فهذا ورود دخول لا شك في ذلك، كما قال تعالى في شأن فرعون ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ ٣، أي بئس المدخل المدخول.
والورود الثاني: ورود الموحدين وهو مرورهم٤ على الصراط كما سبق وهو ما عناه عمر بن عبد العزيز ﵀ بقوله: "يا أخي إنك قد قطعت عظيم السفر وبقي أقله فاذكر يا أخي المصادر والموارد، فقد أوحي
стр. 424
إلى نبيك ﷺ في القرآن أنك من أهل الورود ولم يخبر أنك من أهل الصدور والخروج ... " ١.
فعمر في هذا الأثر يذكر أخاه بالمرور على الصراط وهو خاص بالمؤمنين والموحدين من أتباع الرسل وفيهم بعض المنافقين الذين يحبسون ويسقطون في النار، فالورود هنا كما بينه عمر هو المرور على الصراط، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين في النار جثيا، أعاذنا الله ونجانا من هذا المكان برحمته ولطفه.
стр. 425
المبحث السادس: الآثار عن عمر في الإيمان بالجنة والنار .
١٤٩/١- أبي الدنيا قال: حدثني محمد قال: حدثني يوسف بن الحكم قال: حدثني عبد السلام مولى مسلمة بن عبد الملك قال: بكى عمر بن عبد العزيز، فبكت فاطمة، فبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء. فلما تجلى عنهم العبر قالت فاطمة بأبي أنت يا أمير المؤمنين مم بكيت؟ قال: ذكرت يا فاطمة منصرف القوم من بين يدي الله: فريق في الجنة وفريق في السعير، ثم صرخ وغشي عليه١.
١٥٠/٢- أبي الدنيا حدثني محمد قال: حدثني الحميدي عن سفيان قال: كان عمر بن عبد العزيز يوما ساكتا وأصحابه يتحدثون فقالوا له:
стр. 426
مالك لا تتكلم يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت مفكرا في أهل الجنة كيف يتزاورون فيها وفي أهل النار كيف يصطرخون فيها ثم بكى١.
١٥١/٣- وقال أيضا حدثني محمد، قال: حدثنا يونس بن يحيى أبو نباتة، قال: حدثنا ابن أبي ذيب قال: حدثني من شهد عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة وقرأ عنده رجل: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ ٢، فبكى حتى غلبه البكاء وعلا نشيجه فقام من مجلسه فدخل بيته وتفرق الناس٣.
стр. 427
١٥٢/٤- ابن أبي الدنيا قال: حدثنا أبو عبد الله الأزدي عن الحسن ابن محمد الخزاعي عن رجل من ولد عثمان بن عفان ﵄: أن عمر بن عبد العزيز قال في بعض خطبه ... أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة وأنتم صائرون إلى أحدهما١.
١٥٣/٥- ابن الجوزي قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض الأجناد ... واعلم أنه ليس يضر عبدا صار إلى رضوان الله وإلى الجنة ما أصابه في الدنيا من فقر وبلاء، وأنه لن ينفع عبدا صار إلى سخط الله وإلى النار ما أصاب في الدنيا من نعمة أو رخاء. وما يجد أهل الجنة من مكروه أصابهم في دنياهم، وما يجد أهل النار طعم لذة نعموا بها في دنياهم كل شيء من ذلك كأن لم يكن٢.
١٥٤/٦- ابن عبد الحكم قال: وقرأ عمر بن عبد العزيز بالعشاء ذات ليلة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ٣، فلما بلغ ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾ ٤، خنقته
стр. 428
العبرة فلم يستطع أن ينفذها فرجع حتى إذا بلغها خنقته العبرة فلم يستطع أن ينفذها فتركها وقرأ سورة غيرها١.
١٥٥/٧- ابن الجوزي قال: حدثنا الفضل بن الربيع قال: سمعت فضيل بن عياض يقول: بلغني أن عاملا لعمربن عبد العزيز شكا إليه فكتب إليه عمر: ياأخي اذكر طول سهر أهل النار مع خلود الأبد وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء، فلما قرأ الكتاب، طوى البلاد حتى قدم على عمر فقال له ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك. لا أعود إلى ولاية أبدا حتى ألقى الله تعالى٢.
стр. 429
التعليق:
يتضح مما سبق من الآثار تقرير عمر بن عبد العزيز بالجنة والنار وإيمانه بوجودهما الآن، ودوامهما، وإثباته نعيم الجنة وعذاب النار. وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة، وقال به السلف الصالح، ولا شك أن الإيمان باليوم الآخر، بل المقصد من الطاعات كلها هو الوصول إلى رضى الله تعالى ودخول الجنة والنجاة من سخطه ومن النار.
"والنار هي الدار التي أعدها الله للكافرين به، المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله، وهي عذابه الذي يعذب فيه أعداءه، وسجنه الذي يسجن فيه المجرمين"١.
وأما الجنة فهي الجزاء العظيم، والثواب الجزيل، الذي أعده الله لأوليائه وأهل طاعته، وهي نعيم كامل لا يشوبه نقص ولا يعكر صفوه كدر، وما حدثنا الله به عنها، وما أخبرنا به الرسول ﷺ يحير العقل ويذهله، لأن تصور عظمة ذلك النعيم يعجز العقل عن إدراكه واستيعابه٢.
وقد خلق الله الجنة والنار وجعل الجنة دار الأبرار والنار دار الفجار قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ... ﴾ ٣.
стр. 430
والإيمان بهما من أصول الإيمان التي اتفق المسلمون على الإيمان بها، لدلالة القرآن والسنة المطهرة على ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٢
ومذهب أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ومستندهم النصوص الصحيحة الدالة على ذلك. قال تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٣، ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ ٤. وقال عن النار ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٥،وقال: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً لِلطَّاغِينَ مَآباً﴾ ٦.
وفي الصحيح من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن
стр. 431
كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة"١.
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "وأيم الذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا وبكيتم كثيرا، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار"٢.
وقد اتفق أهل الملة الإسلامية على أن لا فناء للنار لا لعذابها ولا للجنة ولا لنعيمها إلا الجهم بن صفوان٣، فإنه قال بفنائهما، لأنهما حادثان، وقد استدل أهل السنة والجماعة على خلود النار بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ ٤، وغيرها من الآيات التي فيها تأكيد الخلود بالأبدية، وكذلك الأحاديث، ومنها الحديث الذي في صحيح مسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت. قال: ويقال: ياأهل
стр. 432
النار هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح قال: ثم قال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت". قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١"٢.
ويكون هذا بعد خروج الموحدين من النار.
وذهب المعتزلة والخوارج إلى أن من دخل في النار لا يخرج منها، لكونهم يرون أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، وهم محجوجون بأحاديث الشفاعة الصحيحة وغيرها.
ويتضح مما سبق أن عمر بن عبد العزيز ﵀ قد بين ما يتعلق بوجود الجنة والنار ودوامهما وهو ما بينه السلف، كما دلت عليه النصوص الثابتة في كتاب الله وفي سنة نبيه ﷺ وأن من خالف هذا المفهوم فإنما هو متبع لهواه وآراءه الفاسدة التي لا تنبني على الأسس الصحيحة، كما أن الذين نفوا وجودهما الآن ودوامهما لا يستطيعون الإتيان بأي حجة صحيحة مقبولة غير ما يستندون إليه من شبهات تأويل الفلاسفة وعلماء الكلام المذموم.
стр. 433
المبحث السابع: الآثار عن عمر في الإيمان برؤية المؤمنين ربهم في الجنة .
١٥٦/١- الدارمي قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري أنبأ إبراهيم ابن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض أمراء الأجناد: أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله وطاعته والتمسك بأمره والمعاهدة على ما حملك الله من دينه، واستحفظك من كتابه، فإن بتقوى الله نجا أولياؤه من سخطه، وبها تحقق لهم ولايته، وبها وافقوا١ أنبياءه، وبها نضرت وجوههم ونظروا إلى خالقهم٢.
١٥٧/٢- الدارمي أيضا قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد -يعني ابن سلمة- عن علي بن زيد بن جدعان، عن عمارة القرشي أنه كان عند عمر بن عبد العزيز فأتاه أبو بردة بن أبي موسى الأشعري ﵁
стр. 434
فقضى له حوائجه فلما خرج رجع فقال عمر أذكر الشيخ؟ فقال له عمر: ما ردك؟ ألم تقض حوائجك؟ قال: بلى، ولكن ذكرت حديثا حدثناه أبو موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: "يجمع الله الأمم يوم القيامة في صعيد واحد، فإذا بدا له أن يصدع بين خلقه، مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون فيدرجونهم حتى يقحموهم النار ثم يأتي ربنا ونحن في مكان رفيع فيقول: من أنتم؟ فنقول نحن المؤمنون فيقول: ما تنتظرون؟ فنقول: ننتظر ربنا فيقول من أين تعلمون أنه ربكم؟ فيقولون: حدثتنا الرسل أو ما أشبه معناه فيقول: هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: نعم، إنه لا عدل له فيتجلى١ لنا ضاحكا، ثم يقول ﵎: أبشروا معشر المسلمين فإنه ليس منكم أحد إلا قد جعلت مكانه في النار يهوديا أو نصرانيا" فقال عمر لأبي بردة: والله لقد سمعت أبا موسى يحدث بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ قال: نعم٢ زاد في ابن الجوزي فقال عمر: ما سمعت في أهل التوحيد حديثا هو أحب إلي من هذا الحديث٣.
стр. 435
التعليق:
يظهر مما سبق في هذا المبحث إيمان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى برؤية المؤمنين ربهم في الجنة، وهذه القضية من القضايا التي بحثت من قبل السلف ومن قبل المخالفين لهم من الخلف، وألفت في ذلك المؤلفات الكثيرة، ولا شك أن رؤية الله تعالى في الجنة نعمة من أعظم النعم بعد نعمة التوفيق والهداية. قال تعالى في وصف المؤمنين في ذلك اليوم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١، وقال جل شأنه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى
стр. 436
ةٌ﴾ ١، وعن صهيب قال: قيل لرسول الله ﷺ هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النارِ النارَ ينادي مناد ياأهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فقالوا: ألم تبيض وجوهنا وتثقل موازيننا وتجرنا من النار. قال: فيكشف الحجاب فينظروا إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم "٢.
وقال مبينا عن مصير الكفرة في ذلك اليوم العسير عليهم: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٣، روي عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أن الله لما حجب الكفرة عن رؤيته دل على أن المؤمنين يرونه٤، وقد ثبت في السنة الصحيحة رؤية الله تعالى في يوم القيامة، فعن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ... " فهذا بيان بليغ وتأكيد عجيب أكده بأن وبالفعل
стр. 437
وَزِيَادَ المضارع المسبوق بالسين وبقوله: "كما ترون هذا القمر" مع إشارته إليه فليس بعد هذا البيان بيان، ولا مزيد على هذه التأكيدات، فمن حاول تأويل رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة بعد ما سمع هذا البيان من رسول الله ﷺ فهو يجادل بالباطل ليدحض به الحق١.
وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: "أما إنكم ستعرضون على ربكم فترونه ... " ٢،. ولهذه الأدلة القوية أجمع الأمة على الإيمان برؤية الله تعالى في الجنة، واختلفوا في رؤية النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء. وأنكرت بعض الفرق الضالة رؤية المؤمنين ربهم في الجنة. وفي مقدمتها الجهمية والمعتزلة، والخوارج، والإمامية، وأولت النصوص الدالة على الرؤية وتكلفت في التأويل.
قال الزمخشري في تفسيره قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ : أي أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم، كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلا إياه٣.
стр. 438
ففسر الرؤية بالانتظار والتوقع، وهذا لا يسلم له، لأن النظر إذا تعدى بنفسه فمعناه التوقع، والانتظار، كقوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ ١، وإن عدِّي بفي فمعناه: التفكر والاعتبار قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٢، وإن عدي بإلى فمعناه: المعاينة بالأبصار كقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ ... ﴾ ٣، فلا دليل له فيما ذهب إليه ٤.
هذا وقد أثبت الأشاعرة رؤية الله تعالى في الجنة لكنهم أنكروا لازمها حيث قالوا: إنه يُرى لا في جهة، وزعموا أن الرؤية قوة يجعلها الله في خلقه لا يشترط فيها مقابلة المرئي ولا كونه في جهة وحَيز ولا غير ذلك٥.
стр. 439
إذا ثمت خلاف بين السلف والأشاعرة فالسلف الصالح حين أثبتوا الرؤية أثبتوا جهة العلو لله تعالى أيضا لأنها لازمة لها، والأشاعرة نفوها وذلك نفي للرؤية نفسها، لأن نفي اللازم نفي للملزوم. لذلك كانت المعتزلة أكثر منطقية مع أنفسهم حين ذهبوا إلى نفي الأمرين فرارا من الوقوع في التناقض الذي وقع فيه الأشاعرة كما سبق١.
стр. 440
الفصل السادس: الآثار الواردة عن عمر في الإيمان بالقدر
المبحث الأول: الآثار الواردة عن عمر في تقرير الإيمان بالقدر
...
الفصل السادس: الآثار الواردة عن عمر في الإيمان بالقدر.
إن الإيمان بالقدر ودراسته من الأمور الهامة في حياة المسلم، وذلك لكثرة ما فيها من الأمور التي تحتاج إلى تفحص وتبصر، ولوقوع الاختلاف الكثير بين الفرق المخالفة لمنهج السلف الصالح في العقيدة فيما بين تلك الفرق من جهة وفيما بينها وبين المتبعين لمنهج الحق منهج السلف من جهة أخرى. ولا شك أن السلف الصالح رحمهم الله تعالى كانوا على الجادة فهم كما وصفهم عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: " إنهم هم السابقون فقد تكلموا فيه" ويعني في مسألة الإيمان بالقدر:" بما يكفي ووصفوا منه ما يشفي فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر، وقد قصر قوم دونهم فجفوا وطمح عنهم أقوام فغلوا وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم" وقد بين عمر رحمه الله تعالى من خلال رسائله وخطبه وما كان يكتبه إلى عماله الطريق الحق في الإيمان بالقدر ورد على المنكرين لهذا الركن كله أو لبعض أجزائه مستندا في ذلك كله على الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح ﵏. وهذا الفصل الذي نحن بصدد دراسته يعالج الأمور التي أثرت عنه في هذا الباب. وقبل الدخول في تفاصيل هذا الموضوع من المستحسن تعريف القدر لغة واصطلاحا وإيضاح العلاقة بينه وبين القضاء.
стр. 441
تعريف القدر لغة واصطلاحا
تعريف القدر لغة:
القدر: محركة: القضاء والحكم، ومبلغ الشيء ... والجمع أقدار. ويطلق ويراد به الغنى واليسار والقوة.
وإذا وافق الشيء الشيءَ قلت: جاءت قدره، وقدره مماثله.
ويقال: ما له عنده قدْر ولا قدر أي حرمة ووقار١.
والقدر بالفتح لا غير القضاء الذي يقدره الله، وإذا وافق الشيء الشيء قيل جاء على قدر بالفتح٢.
وقال الراغب: القدر بوضعه يدل على القدرة وعلى المقدور الكائن بالعلم، ويتضمن الإرادة عقلا والقول نقلا وحاصله وجود شيء في وقت وعلى حال بوفق العلم والإرادة والقول، وقدر الله الشيء بالتشديد قضاه٣.
стр. 442
هذه هي أهم معاني القدر في اللغة وهناك معان أخرى جانبية تعرضت لها كتب اللغة١، يرجع إليها من يريد الاستزادة.
وإذا كان ما سبق ذكره هو أهم معاني القدر ومنها القضاء، فهل القضاء والقدر في اللغة مترادفان؟
الصحيح أنهما مترابطان فكل منهما قد يأتي بمعنى الآخر في الجملة.
فالقضاء يرجع معناه إلى إحكام الأمر، وإتقانه، وإنفاذه، ومن معانيه الأمر، والحكم، والإعلام، والقدر ترجع معانيه إلى التقدير - والله قد ر مقادير الخلق، فعلمها وكتبها، وشاءها، وخلقها، وهي مقضية ومقدرة فتقع حسب أقدارها وهذا هو الترابط بين هاتين الكلمتين في اللغة. يبقى أن نشير إلى أننا كثيرا ما نقرأ ونسمع الإيمان بالقضاء والقدر، مع أننا لا نجد أثراً لورود اللفظين في الكتاب والسنة مجتمعين، ولا في كلام الصحابة ويبدو أنهما ظهرتا عند ظهور الفرق التي تنكر القدر، ولعل الترابط بينهما الذي ذكرناه آنفا هو السبب في تلازمهما
стр. 443
وصدورهما من كلامهم، وكل ما ذكر في اللغة فهو وثيق الصلة بتعريفهما في الاصطلاح.
تعريف القدر في الاصطلاح:
عرف العلماء القدر بعدة تعريفات كلها تدور حول مراتب القدر الأربعة التي سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى فعرفها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم بأنها:
١- "تقدير الله تعالى الأشياء في القدم وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة وكتابته - سبحانه - لذلك ومشيئته له ووقوعها على حسب ما قدرها وخلقها لها"١.
٢- وعرفها الشيخ ابن عثيمين بأنها: "تقدير الله للكائنات حسبما سبق به علمه واقتضته حكمته"٢.
٣- وعرفها العلامة السفاريني بقوله: هو:"ما سبق به العلم وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد وإنه قدر مقادير الخلائق وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في
стр. 444
الأزل وعلم أنها ستقع في أوقات معلومة عنده - تعالى - وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدرها١.
٤- وعرفها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بأن قال: "القدر هو أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته٢.
وإذا جمعت هذه التعريفات كلها يمكن دمج بعضها في بعض لتصبح دالة على تعريف القدر شرعا:
٥- فالقدر شرعا: "تقدير الله للكائنات بأعيانها وأزمانها وخصائصها حسبما سبق به علمه وجرى به قلمه واقتضتها إرادته وحكمته ثم إيجادها حسبما جرى به القلم.
فهذا التعريف الأخير مختصر شامل لمراتب القدر بينما التعريفات السابقة بعضها دقيق ولكنه طويل وبعضها لا يشمل مراتب القدر الأربعة إما بنقص مرتبة الكتابة أو الخلق.
стр. 445
الفرق بين القضاء والقدر في الاصطلاح:
قيل "المراد بالقدر: التقدير، وبالقضاء الخلق كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات﴾ ١، أي خلقهن فالقضاء والقدر أمران متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس، وهو القدر والآخر بمنزلة البناء، وهو القضاء. فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه٢.
وقيل: إن القضاء هو العلم السابق الذي حكم الله به في الأزل، والقدر هو وقوع الخلق على وزن الأمر المقضي السابق.
قال الحافظ ابن حجر: "وقالوا - أي العلماء -: القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله٣.
وقيل: إذا اجتمعا افترقا بحيث يصبح لكل واحد منهما مدلول بحسب ما مر في القولين السابقين. وإذا افترقا اجتمعا، بحيث إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر٤. قياسا على ما جاء في التفريق بين الإيمان والإسلام والفقير والمسكين، ونحو ذلك ولعل هذا التعريف توفيق بين من يرى
стр. 446
التفرقة بين القضاء والقدر وبين من لا يرى ذلك. والذي يظهر أنه ليس هناك فرق واضح بين القضاء والقدر خصوصا إذا لاحظنا أن لفظتا القضاء والقدر لم ترد مجتمعة في الكتاب والسنة فيحتمل أنها من المترادفات عند من يطلقها جميعا١.
стр. 447
المبحث الأول: الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيزفي تقرير الإيمان بالقدر
١٥٨/١- قال أبو داود١ رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن كثير قال ثنا سفيان، قال: كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر. ح.
стр. 448
وثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا حماد ابن دليل، قال: سمعت سفيان الثوري يحدث عن النضر. ح.
وحدثنا هناد بن السري، عن قبيصة، قال: ثنا أبو رجاء، عن أبي الصلت، وهذا لفظ حديث ابن كثير ومعناهم، قال كتب رجل إلى عمر ابن عبد العزيز يسأله عن القدر. فكتب أما بعد: ... كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر فعلى الخبير بإذن الله وقعت، ما أعلم ما أحدث الناس من محدثة، ولا ابتدعوا من بدعة هي أبين أثرا، ولا أثبت أمرا من الإقرار بالقدر، لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم، وفي شعرهم، يعزون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يزده الإسلام بعد إلا شدة، ولقد ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين، وقد سمعه منه المسلمون فتكلموا به في حياته وبعد وفاته يقينا وتسليما لربهم، وتضعيفا لأنفسهم أن يكون شيء، لم يحط به علمه، ولم يحصه كتابه، ولم يمض فيه قدره، وإنه مع ذلك لفي محكم كتابه: منه اقتبسوه ومنه تعلموه، ولئن قلتم لم أنزل الله آية كذا ولم قال كذا؟ لقد قرأوا منه ما قرأتم وعلموا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك كله بكتاب وقدر وكتب
стр. 449
الشقاوة وما يقدر يكن، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا نملك لأنفسنا ضرا ولا نفعا ثم رغبوا بعد ذلك ورهبوا١.
١٥٩/٢- ابن الجوزي قال: وهذه رسالة مروية عن عمر بن عبد العزيز في الأول، وجدت أكثر كلماتها لم تضبطها النقلة على الصحة، فانتقيت منها كلمات صالحة: أخبرنا سليمان بن نفيع القرشي٢، عن خلف أبي الفضل٣،القرشي عن كتاَّب٤ عمر بن عبد العزيز إلى نفر كتبوا بالتكذيب بالقدر:
أما بعد: فقد علمتم أن أهل السنة كانوا يقولون: "الاعتصام بالسنة نجاة، وسينقص العلم نقصا سريعا٥، ومنه قول عمر بن الخطاب وهو
стр. 450
يعظ: "إنه لا عذر لأحد عَبَدَ الله بعد البينة، بضلالة ركبها حسبها هدى، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة. فقد تبينت الأمور، وثبتت الحجة، وانقطع العذر١، فمن رغب عن أنباء النبوة وما جاء به الكتاب، تقطعت من يده أسباب الهدى، ولم يجد له عصمة ينجو بها من الردى، وبلغكم أني أقول: إن الله قد علم ما العباد عاملون، فأنكرتم ذلك، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ ٢، وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ ٣، وزعمتم في قول الله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ٤، أن المشيئة في أي ذلك أحببتم فعلتم من ضلال أو هدى؟ والله يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٥، فبمشيئته شاءوا.
стр. 451
وقد حرصت الرسل على هدي الناس جميعا، فما اهتدى منهم إلا من هداه الله، وحرص إبليس على ضلالتهم جميعا، فما ضل منهم إلا من كان في علم الله ضالا.
وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من الله ضلالة أو هدى، وأنكم الذين هديتم أنفسكم من دون الله، وحجزتموها عن المعصية بغير قوة من الله. ومن زعم ذلك منكم، فقد غلا في القول، لأنه لو كان شيء لم يسبق في علم الله وقدره، لكان لله في ملكه شريك تنفذ مشيئته في الخلق دون الله، والله يقول: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ ١. وسميتم نفاذ الله٢ في الخلق حيفا، وقد جاء الخبر أن الله ، خلق آدم، فنثر ذريته بين يديه، فكتب أهل الجنة وما هم عاملون، وكتب أهل النار وما هم عاملون"٣،٤.
стр. 452
التعليق:
إن المأثور عن عمر بن عبد العزيز ﵀ في رسالتيه السابقتين يبين اهتمامه وتقريره كل ما يبين الإيمان بالقدر الذي هو الركن السادس من أركان الإيمان. كما جاء ذلك في حديث جبريل ففي صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن أبيه عمر ﵄ قال: بينما نحن عند رسول الله ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ ... وقال يا محمد أخبرني عن الإيمان، قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ... " ١، قال الحافظ ابن حجر: وإنما أعاد اللفظ وتؤمن عند ذكره القدر ولم يعده في الأركان الخمسة التي سبقته إشارة إلى ما سيقع فيه من الاختلاف فحصل الاهتمام بشأنه بإعادة "تؤمن" ثم قرره بالإبدال بقوله: خيره وشره، حلوه ومره، ثم زاده تأكيدا بقوله في الرواية الأخيرة "من الله"٢.
وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء مشركوا قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر فنزلت ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى
стр. 453
وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَر إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ١، قال: النووي رحمه الله تعالى: وفي هذه الآية الكريمة والحديث تصريح بإثبات القدر، وأنه عام في كل شيء فكل ذلك مقدر في الأزل معلوم لله مراد له٢.
والأدلة من الكتاب والسنة وأقوال السلف على وجوب الإيمان بالقدر كثيرة جدا. منها: قوله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٣، قال ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية: "يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه وهو علمه الأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل برئها"٤.
وقال : ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ ٥، أي كل شيء بقضاء وقدر٦.
стр. 454
وقال جل شأنه: ﴿ ... فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ ١، أي جعلنا الماء في مقر يتمكن فيه وهو الرحم، مؤجلا إلى قدر معلوم قد علمه الله وحكم به فقدرنا على ذلك فنعم القادرون نحن، أو فقدرنا ذلك تقديرا فنعم المقدرون له نحن على قراءتين، والقراءة الثانية قدَّرنا بالتشديد، توافق قوله تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ ٢.
فهذه الآيات تفيد الإخبار عن قدر الله الشامل لكل شيء، وأخبار القرآن مقطوع بها٣.
ومن النصوص في السنة على وجوب الإيمان بالقدر ما تقدم من حديث جبريل وحديث أبي هريرة وكذلك قوله ﷺ في حديث جابر بن
стр. 455
عبد الله ﵄: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه"١. وحديث علي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع ... ويؤمن بالقدر"٢.
وحديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر ولا مكذب بقدر"٣.
فدلت هذه الأحاديث على وجوب الإيمان بالقدر في الجملة وحذرت من لم يؤمن به بالدخول في النار ويمثل ما أثر عن عمر بن عبد العزيز ﵀ في الرسالتين السابقتين منهج السلف الصالح في الإيمان بالقدر، فالرسالة الأولى التي كتبها إلى عامله تبين أن الإيمان بالقدر ثابت نقلا وعقلا وفطرة. فهو ثابت بكتاب الله تعالى فالصحابة استنبطوا الإيمان به
стр. 456
وفهموا أركانه وتعلموها من القرآن. وقد ذكره الرسول ﷺ في غير حديث ولا حديثين كما بينا ذلك آنفا. قال عمر: "وإنه مع ذلك لفي محكم كتابه: منه اقتبسوه ومنه تعلموه ... " والإقرار بالقدر ثابت بالسنة والفطر السليمة، وإجماع الصحابة بل إنكار القدر من أبين البدع الحادثة. وفي إيضاح ذلك يقول عمر: "ما أعلم ما أحدث الناس من محدثة ولا ابتدعوا من بدعة هي أبين أثرا ولا أثبت أمرا من الإقرار بالقدر. لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم وفي شعرهم يعزون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يزده الإسلام بعد إلا شدة ولقد ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين، وقد سمعه منه المسلمون فتكلموا به في حياته وبعد وفاته يقينا وتسليما ... " فهذا الأثر يصلح أن يكون قاعدة وأساسا في باب القدر لاشتماله على جل مباحث القدر مع وجازته وبلاغته وهو دليل على ما أعطاه الله تعالى لعمر بن عبد العزيز من الحكمة والبيان والفهم في الدين، وكما دل هذا الأثر على الإيمان بالقدر في الجملة فقد دل أيضا على الإيمان بأركان القدر الأربعة التي لا يتم الإيمان بالقدر إلا بالإيمان بها كلها.
стр. 457
أما رسالته الثانية التي رواها ابن الجوزي بسنده عن كتاب عمر بن عبد العزيز ورواها بكاملها أبو نعيم في الحلية١، فهي واضحة جلية تدل على الإيمان بالقدر وموقف عمر ﵀ من القدرية وجهوده في تقرير الإيمان بالقدر ومنهجه في الرد على القدرية حيث ذكر أقوالهم قولا قولا ثم عقب على كل قول بالرد مع الاعتماد في الرد على النصوص من الكتاب والسنة وأقوال السلف. وقد بين رحمه الله تعالى خطورة قول القدرية وضمن ردوده عليهم أعنف العبارات، وكشف مقصد القدرية في مقالاتهم السيئة، وبين لهم ضلالهم في فهم النصوص من الكتاب والسنة، وفي مسائل الهداية والضلالة، وعلم الله السابق لخلقه والمشيئة والإرادة، وأفعال العباد. كما بين مسألة الآجال والأرزاق مبينا قول أهل السنة في ذلك. وسيأتي مزيد بيان لهذه الرسالة في ردوده على القدرية.
وتبين مما أثر عن عمر أن الإيمان بالقدر مما اتفقت الفطر السليمة على الإقرار به، فالعرب في الجاهلية قبل الإسلام مع كونهم يعبدون الأصنام وجد منهم من كان مؤمنا بالقدر، واستفاض ذلك فكانوا يتكلمون به نظما ونثرا. ولما جاء الإسلام أقره فإقرار الإسلام له، دليل على أنه من بعض العقائد السليمة التي بقيت في الجاهلية مثل الاعتراف بتوحيد
стр. 458
الربوبية، وفي معرض هذا يقول عمر: لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم وفي شعرهم يعزون به أنفسهم على ما فاتهم ... ١.
стр. 459
والإيمان بالقدر مبني على أركان أربعة، دل عليها الكتاب والسنة والمأثور من أقوال السلف الصالح. وقد بينها عمر بن عبد العزيز فيما أثر عنه في المبحث التالي
стр. 460
المبحث الثاني: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في بيان مراتب القدر
١٦٠/١- قال أبو داود١: حدثنا محمد بن كثير، قال: حدثنا سفيان، قال كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر. ح.
وثنا الربيع بن سليمان المؤذن قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا حماد ابن دليل، قال: سمعت سفيان الثوري يحدث عن النضر. ح.
وثنا هناد بن السري عن قبيصة، قال: ثنا أبو رجاء، عن أبي الصلت - وهذا لفظ ابن كثير ومعناهم، قال كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر فكتب أما بعد: ...
كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر فعلى الخبير بإذن الله وقعت، ما أعلم ما أحدث الناس من محدثة ولا ابتدعوا من بدعة هي أبين أثرا ولا أثبت أمرا من الإقرار بالقدر. لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم وفي شعرهم يعزون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يزده الإسلام بعد إلا شدة. ولقد ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين. وقد سمعه منه المسلمون فتكلموا به في حياته، وبعد وفاته يقينا، وتسليما، لربهم وتضعيفا لأنفسهم أن يكون شيء لم يحط به علمه ولم