وفهموا أركانه وتعلموها من القرآن. وقد ذكره الرسول ﷺ في غير حديث ولا حديثين كما بينا ذلك آنفا. قال عمر: "وإنه مع ذلك لفي محكم كتابه: منه اقتبسوه ومنه تعلموه ... " والإقرار بالقدر ثابت بالسنة والفطر السليمة، وإجماع الصحابة بل إنكار القدر من أبين البدع الحادثة. وفي إيضاح ذلك يقول عمر: "ما أعلم ما أحدث الناس من محدثة ولا ابتدعوا من بدعة هي أبين أثرا ولا أثبت أمرا من الإقرار بالقدر. لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم وفي شعرهم يعزون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يزده الإسلام بعد إلا شدة ولقد ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين، وقد سمعه منه المسلمون فتكلموا به في حياته وبعد وفاته يقينا وتسليما ... " فهذا الأثر يصلح أن يكون قاعدة وأساسا في باب القدر لاشتماله على جل مباحث القدر مع وجازته وبلاغته وهو دليل على ما أعطاه الله تعالى لعمر بن عبد العزيز من الحكمة والبيان والفهم في الدين، وكما دل هذا الأثر على الإيمان بالقدر في الجملة فقد دل أيضا على الإيمان بأركان القدر الأربعة التي لا يتم الإيمان بالقدر إلا بالإيمان بها كلها.
стр. 457
أما رسالته الثانية التي رواها ابن الجوزي بسنده عن كتاب عمر بن عبد العزيز ورواها بكاملها أبو نعيم في الحلية١، فهي واضحة جلية تدل على الإيمان بالقدر وموقف عمر ﵀ من القدرية وجهوده في تقرير الإيمان بالقدر ومنهجه في الرد على القدرية حيث ذكر أقوالهم قولا قولا ثم عقب على كل قول بالرد مع الاعتماد في الرد على النصوص من الكتاب والسنة وأقوال السلف. وقد بين رحمه الله تعالى خطورة قول القدرية وضمن ردوده عليهم أعنف العبارات، وكشف مقصد القدرية في مقالاتهم السيئة، وبين لهم ضلالهم في فهم النصوص من الكتاب والسنة، وفي مسائل الهداية والضلالة، وعلم الله السابق لخلقه والمشيئة والإرادة، وأفعال العباد. كما بين مسألة الآجال والأرزاق مبينا قول أهل السنة في ذلك. وسيأتي مزيد بيان لهذه الرسالة في ردوده على القدرية.
وتبين مما أثر عن عمر أن الإيمان بالقدر مما اتفقت الفطر السليمة على الإقرار به، فالعرب في الجاهلية قبل الإسلام مع كونهم يعبدون الأصنام وجد منهم من كان مؤمنا بالقدر، واستفاض ذلك فكانوا يتكلمون به نظما ونثرا. ولما جاء الإسلام أقره فإقرار الإسلام له، دليل على أنه من بعض العقائد السليمة التي بقيت في الجاهلية مثل الاعتراف بتوحيد
стр. 458
الربوبية، وفي معرض هذا يقول عمر: لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم وفي شعرهم يعزون به أنفسهم على ما فاتهم ... ١.
стр. 459
والإيمان بالقدر مبني على أركان أربعة، دل عليها الكتاب والسنة والمأثور من أقوال السلف الصالح. وقد بينها عمر بن عبد العزيز فيما أثر عنه في المبحث التالي
стр. 460
المبحث الثاني: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في بيان مراتب القدر
١٦٠/١- قال أبو داود١: حدثنا محمد بن كثير، قال: حدثنا سفيان، قال كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر. ح.
وثنا الربيع بن سليمان المؤذن قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا حماد ابن دليل، قال: سمعت سفيان الثوري يحدث عن النضر. ح.
وثنا هناد بن السري عن قبيصة، قال: ثنا أبو رجاء، عن أبي الصلت - وهذا لفظ ابن كثير ومعناهم، قال كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر فكتب أما بعد: ...
كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر فعلى الخبير بإذن الله وقعت، ما أعلم ما أحدث الناس من محدثة ولا ابتدعوا من بدعة هي أبين أثرا ولا أثبت أمرا من الإقرار بالقدر. لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم وفي شعرهم يعزون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يزده الإسلام بعد إلا شدة. ولقد ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين. وقد سمعه منه المسلمون فتكلموا به في حياته، وبعد وفاته يقينا، وتسليما، لربهم وتضعيفا لأنفسهم أن يكون شيء لم يحط به علمه ولم
стр. 461
يحصه كتابه ولم يمض فيه قدره وإنه مع ذلك لفي محكم كتابه: منه اقتبسوه ومنه تعلموه ولئن قلتم لم أنزل الله آية كذا ولم قال كذا، لقد قرأوا منه ما قرأتم وعلموا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك كله بكتاب وقدر وكتب الشقاوة وما يقدر يكن وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ولا نملك لأنفسنا ضرا ولا نفعا ثم رغبوا بعد ذلك ورهبوا١.
١٦١/٢- وذكر الآجرى قال: أخبرنا الفريابي قال: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا الهيثم بن عمران، قال سمعت عمرو بن مهاجر قال: أقبل غيلان وهو مولى لآل عثمان، وصالح بن سويد إلى عمر بن عبد العزيز فبلغه أنهما ينطقان بالقدر فدعاهما، فقال: أعلم الله نافذ في عباده أم منتقض؟ قالا: بل نافذ ياأمير المؤمنين. قال: ففيم الكلام، فخرجا فلما كان عند مرضه بلغه أنهما قد أسرفا فأرسل إليهما وهو مغضب فقال: ألم يك في سابق علمه حين أمر إبليس بالسجود: أنه لا يسجد؟ قال عمرو فأشرت إليهما برأسي قولا: نعم. فقالا: نعم. فأمر بإخراجهما
стр. 462
وبالكتاب إلى الأجناد بخلاف ما قالا فمات عمر ﵁ قبل أن ينفذ تلك الكتب١.
١٦٢/٣- الآجري أيضا قال: حدثنا أبو شعيب عبد الله بن حسن الحراني: حدثنا إبراهيم بن عبد الله الهروي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي الوليد قال: خرج عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة فخطب كما كان يخطب ثم قال: أيها الناس من عمل منكم خيرا فليحمد الله تعالى، ومن أساء فليستغفر الله ثم إن عاد فليستغفر الله، فإنه لا بد لأقوام أن يعملوا أعمالا وضعها الله في رقابهم وكتبها عليهم٢.
١٦٣/٤- الآجري قال: أخبرنا الفريابي، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عمرو بن ذر، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: "لو أراد الله أن لا يعصى ما
стр. 463
خلق إبليس، وقد فسر ذلك في آية من كتاب الله عقلها من عقلها، وجهلها من جهلها: ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ١،٢. وزاد في الإبانة لابن بطة: بمضلين إلا من قدر عليه أن يصلى الجحيم"٣.
١٦٤/٦-الفريابي قال: حدثنا جعفر، ثنا عبد الله عمر القواريري، ثنا بشر بن المفضل، عن سليمان التيمي، قال: سئل عمر بن عبد العزيز عن القدر فقال: ما طار ذباب بين السماء والأرض إلا بقدر، قال: ثم قال للرجل لا تعد تسأل عن القدر٤.
стр. 464
١٦٥/٧- الفريابي أيضا: قال حدثنا جعفر، نا هشام بن عمار، ثنا معاوية بن يحيى، ثنا عمرو بن مهاجر، قال استأذن غيلان على عمر بن عبد العزيز فأذن له فقال ويحك يا غيلان ما الذي بلغني عنك أنك تقول، قال: إنما أقول بقول الله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ... ﴾ إلى قوله: ﴿ ... إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ ١، فقال عمر: أتم السورة ويحك أما تسمع الله يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٢، أما تعلم أن الله قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٣، فقال غيلان: ياأمير المؤمنين لقد جئتك جاهلا فعلمتني وأعمى فبصرتني، وضالا فهديتني، فقال: اخرج فلا يبلغني أنك تتكلم في شيء من هذا٤.
стр. 465
١٦٦/٨- عبد الرزاق قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة أما بعد: فإن استعمالك سعد بن مسعود على عمان كان من الخطايا التي قدر الله عليك وقدر أن تبتلى بها١.
١٦٧/٩- اللالكائي قال: أخبرنا الحسن بن عثمان قال: أخبرنا أحمد ابن حمدان، قال: ثنا بشر بن موسى، قال: ثنا معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، عن الأوزاعي، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن له كتابا فكان فيما كتب فيه: إني أسأل الله الذي بيده القلوب يصنع ما شاء من هدى أو ضلالة٢.
стр. 466
١٦٨/١٠- الدارمي قال: حدثنا نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن زيد بن رفيع الجزري، عن عمر بن عبد العزيز قال: من أقر بالعلم فقد خصم١.
التعليق:
الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى تدل بمجموعها على الإيمان بالقدر، كما تدل على الإيمان بمراتب القدر الأربعة التي اتفق السلف الصالح رحمهم الله تعالى ومن سار على نهجهم على أنه لا يتم الإيمان بالقدر، إلا بالإيمان بها كلها. وهي: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. وكانت القدرية الموجودون في زمن عمر بن عبد العزيز ينكرون العلم والكتابة، وهؤلاء هم الذين تبرأ منهم ابن عمر بقوله: " إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني" وكانوا يقولون: إن الله أمر العباد ونهاهم وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولا من يدخل الجنة ممن يدخل النار، حتى فعلوا ذلك. فعلمه بعدما فعلوه، ولهذا قالوا: الأمر أنف أي مستأنف٢، وكلام عمر في هذه الآثار التي في هذا المبحث
стр. 467
واضح كل الوضوح في الرد على هؤلاء القدرية وجلي في إثبات المراتب التي يبنى عليها الإيمان بالقدر.
فأول المراتب هو:
١- مرتبة العلم: والمقصود أن الله ﵎ قد علم ما العباد عاملون وإلى ما هم صائرون قبل أن يخلقهم، بعلمه القديم الذي هو صفة من صفات ذاته، وأنه يعلم أهل الجنة، وأهل النار١. وهذا هو القول الذي دل عليه الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿ ... لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ٢.
وقال : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ٤.
стр. 468
قال مجيبا الملائكة بعد إخبارهم أنه جاعل في الأرض خليفة واستفهامهم قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ١، ومن السنة قوله ﷺ لرجل سأله بقوله يارسول الله أعلِمَ أهل الجنة من أهل النار؟ قال ﷺ : "نعم"، قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: "كل ميسر لما خلق له"٢.
ن ابن عباس ﵄ قال: سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"٣.
فنصوص الكتاب العزيز والسنة الصحيحة متضافرة على إثبات علم الله تعالى المحيط بكل شيء ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٤، وقد كانت القدرية الأولى الذين ظهروا في أواخر عهد الصحابة وامتد بقاؤهم إلى زمن خلافة عمر بن عبد العزيز ينكرون هذه المرتبة كما مر في محاورة عمر لغيلان عن العلم. وكان السلف يكفرون من ينكر هذه المرتبة إذا
стр. 469
أقيمت عليه الحجة. وقد انقرضت هذه الجماعة التي تنكر علم الله السابق كما ذكر ذلك النووي رحمه الله تعالى ١ ثم تبنت المعتزلة آراء القدرية ولكنهم لم ينكروا ما كان ينكره متقدموهم في رد علم الله السابق بأفعال خلقه حتى تكون منهم. ومع ذلك وافقوهم واعتقدوا أن العباد خالقون لأفعالهم، والآثار المروية عن عمر هنا ترد على القدرية الأولى وعلى المعتزلة. وذلك بإثبات ما جاء في القرآن والسنة من أن العباد لهم مشيئة وإرادة وأن الله خالقهم وخالق أفعالهم وعالم بهم لا تخفى عليه منهم خافية.
والمرتبة الثانية هي:
٢- مرتبة الكتابة: وهي الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء وقد بين عمر ذلك في رسائله وخطبه ففي رسالته إلى عامله يقول: وقد سمعه منه المسلمون فتكلموا به في حياته وبعد وفاته يقينا وتسليما لربهم وتضعيفا لأنفسهم أن يكون شيء لم يحط به علمه. ولم يحصه كتابه ... ٢.
стр. 470
وخطب في يوم جمعة فقال: أيها الناس من عمل منكم خيرا فليحمد الله تعالى ومن أساء فليستغفر الله. ثم إن عاد فليستغفر الله فإنه لا بد لأقوام أن يعملوا أعمالا وضعها الله في رقابهم وكتبها عليهم١. وخطب يوما فقال في خطبته: إن الدنيا ليست بدار قرار، دار كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها منها الظعن٢. وهذا المأثور عن عمر من كتابة الله مقادير الخلائق قبل خلقهم وإحصائه كل ذلك وعلمه جزئيات كل شيء هو ما دل عليه الكتاب والسنة. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ٣، وقال : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ ٤، وقال رب العزة والجلال: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾ ٥.
стр. 471
وقد أجمع أهل السنة من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم أن كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أم الكتاب كما دلت على ذلك هذه الآيات فأفعاله تعالى وأقواله مكتوبة في اللوح المحفوظ. والآيات فيها رد على القدرية النفاة فإن الله قد علم الأشياء قبل كونها وكتبها في اللوح المحفوظ قبل إيجادها ثم أوجدها على طبق ما كتب.
ومن السنة: قوله ﷺ : "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء"١.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قلت يارسول الله: إني رجل شاب وأنا أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به النساء فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فقال النبي ﷺ : "يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق فاختص على ذلك أو ذر"٢.
وقوله ﷺ : "ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار وقد كتبت شقية أو سعيدة ... "٣.
هذه الكتابة في الجملة وإذا خلق الجنين في بطن أمه ونفخ الروح فيه بعث إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات فيقال له: اكتب رزقه، وأجله،
стр. 472
وعمله، وشقي أم سعيد. وقد أشار عمر ﵀ إلى هذا التفصيل في رسالته إلى عامله حيث قال فيها: ... وكتب الشقاوة ومايقدر يكن وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ... ١. وهذا الذي أشار إليه عمر هو مضمون حديث رسول الله ﷺ فقد روى البخاري عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق- قال: "إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع: برزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح. فوالله إن أحدكم أو الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها"٢.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: وحكى ابن التين أن عمر بن عبد العزيز لما سمع هذا الحديث أنكره وقال: كيف يصح أن يعمل العبد عمره الطاعة ثم لا يدخل الجنة انتهى. ثم قال: وتوقف شيخنا ابن الملقن في صحة ذلك عن عمر. وظهر لي أنه إن ثبت عنه حمل على أن راويه حذف منه
стр. 473
قوله في آخره"فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها "١. أو أكمل الراوي ولكن استبعد عمر وقوعه وإن كان جائزا ويكون إيراده على سبيل التخويف من سوء الخاتمة٢.
وابن التين والحافظ ابن حجر لم يبينا السند عن عمر حتى نحكم عليه بصحة أو ضعف ولم أجد في كلام عمر ﵀ ما يدل على ذلك بعد البحث الطويل، بل المروي عنه رحمه الله تعالى يخالف ذلك، فقد ثبت عنه رحمه الله تعالى قوله: وكتب الشقاوة وما يقدر يكن وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن ولا نملك لأنفسنا ضرا ولا نفعا"٣. فالقائل بأن الشقاوة مكتوبة على العبد لا يعقل أن ينكر أن الشقي قد يعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب بشقاوته فيعمل بعمل أهل النار كما أن عمر رحمه الله تعالى كان ينهى نهيا شديدا عن معارضة السنن برأي أو تأويل باطل فقد قال في رسالته ... ولئن قلتم لم أنزل الله آية كذا ولم قال كذا؟ ثم أجاب: لقد قرأوا منه ما قرأتم وعلموا من تأويله ما جهلتم ... " وأجاب من سأله عن الأهواء عليك بدين الصبي الذي في الكتاب والأعرابي واله عما سوى ذلك" وبين في رسالته التي
стр. 474
كتبها إلى الذين كتبوا إليه بالتكذيب بالقدر أن الهداية والضلالة والخير الشر، بيد الله يهدي من يشاء ويذر من يشاء، فقال: ... هل أمضى لقوم يونس مشيئتهم حين أبوا أن يؤمنوا حتى أظلهم العذاب فآمنوا وقبل منهم، ورد على غيرهم الإيمان فلم يقبل منهم. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ - أي علم الله الذي قد خلا في خلقه - وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ ١،وذلك كان موقعه عندهم أن يهلكوا بغير قبول، بل الهدى والضلالة والكفر والإيمان، والخير، والشر، بيد الله يهدي من يشاء ويذر من يشاء في طغيانهم يعمهون"٢.
المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر.
٣- المشيئة: والمقصود بها: أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا حركة ولا سكون في السموات ولا في الأرض إلا بمشيئته فلا يكون في ملكه إلا ما يريد، وقد حرص عمر رحمه الله تعالى
стр. 475
على توضيح هذه المرتبة والرد على من أنكرها كما سيأتي إن شاء الله تعالى - ففي رسالته إلى عامله يقول: وما يقدر يكن وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ... " وكان يقول: لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس" وناظر غيلان وأفحمه حين بين له خطأه في الاحتجاج بأوائل الآيات من سورة الإنسان فطلب منه أن يقرأ آخر السورة وقال له: ويحك أما تسمع الله يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ .
وكتب إلى ابنه كتابا فكان مما كتب فيه: إني أسأل الله الذي بيده القلوب يصنع ما شاء من هدي أو ضلالة" وهذا الذي أثر عن عمر رحمه الله تعالى هو الحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١.
وقال : ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢، وقال : ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ
стр. 476
كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ١، فهذه الآيات تدل على مشيئة الله النافذة فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن كما تدل على قدرته التامة، الشاملة بكل شيء.
ومن السنة قوله ﷺ : "قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف يشاء" ثم قال ﷺ : "يامصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك"٢.
وقال في شأن الجنين: "فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك"٣.
وفي قصة نومهم في الوادي قال ﷺ : "إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها حين شاء"٤.
المرتبة الرابعة من مراتب الإيمان بالقدر:
٤- الخلق: والمقصود بها: أن الله تعالى هو خالق الخلق وخالق كل شيء فهو الذي خلق الكون وأوجده فهو الخالق وما سواه مربوب مخلوق، ولعمر بن عبد العزيز في تقرير هذه المرتبة أبلغ البيان فقد كتب
стр. 477
في قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّك﴾ ١، قال: الذين لا يختلفون خلقهم الله للرحمة٢. فهذه الآية تتضمن خلق العباد وأعمالهم.
وكتب إلى عدى بن أرطأة أما بعد: فإن استعمالك سعد بن مسعود على عمان من الخطايا التي قدر الله عليك وقدر أن تبتلى بها٣ وهذا الذي قرره عمر رحمه الله تعالى هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة وإجماع العقلاء كلهم. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٤، وقال : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٥.
وقال ﷺ مجيبا من سأله: أرأيت ما يعمل الناس فيه ويكدحون أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر سابق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به
стр. 478
نبيهم؟ قال: بل شيء قضي عليهم ومضى. قال ففيم العمل؟ قال: "من خلقه الله لإحدى المنزلتين استعمله بعمل أهلها"١.
قال ابن القيم ﵀ في تقرير هذه المرتبة: وهذا أمر متفق عليه بين الرسل ﵈، وعليه اتفقت الكتب الإلهية والفطر والعقول والاعتبار، وخالف في ذلك مجوس الأمة فأخرجت طاعات ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين - وهي أشرف ما في العالم - عن ربوبيته وتكوينه ومشيئته بل جعلوهم الخالقين لها ولا تعلق لها بمشيئته ولا تدخل تحت قدرته. وكذلك قالوا في جميع أفعال الحيوانات الاختيارية فعندهم أنه سبحانه لا يقدر أن يهدي ضالا ولا يضل مهتديا ولا يقدر أن يجعل المسلم مسلما والكافر كافرا، والمصلي مصليا وإنما ذلك بجعلهم أنفسهم كذلك لا يجعله تعالى٢.
стр. 479
المبحث الثالث: الآثار عن عمر في النهي عن الخوض في القدر
١٦٩/١- الآجري قال: أخبرنا الفريابي قال: حدثنا أبو كامل الجحدري، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا التيمي قال: سئل عمر بن عبد العزيز عن القدر؟ فقال: ما جرى ذباب بين اثنين إلا بقدر ثم قال للسائل: لا تعودن تسألني عن مثل هذا١.
١٧٠/٢- وروى أبو داود وغيره بسنده عن عمر أنه كتب إلى عامله ... كتبت تسألني عن القدر فعلى الخبير بإذن الله سقطت، ما أحدث المسلمون محدثة ولا ابتدعوا بدعة هي أبين أثرا ولا أثبت أمرا من أمر القدر، ولقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم ويقولون به في أشعارهم يعزون به أنفسهم عن مصائبهم، ثم جاء الإسلام فلم يزده إلا شدة وقوة. ثم ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين ولا ثلاثة فسمعه المسلمون من رسول الله ﷺ فتكلموا فيه حياة
стр. 480
رسول الله ﷺ وبعد وفاته يقينا وتصديقا وتسليما لربهم، وتضعيفا لأنفسهم: إن يكون شيء لم يحط به علمه ولم يحصه كتابه ولم ينفذ فيه قدره. فلئن قلتم: قد قال الله في كتابه كذا وكذا ولم أنزل الله آية كذا وكذا؟ لقد قرأوا منه ما قرأتم وعلموا من تأويله ما جهلتم ثم قالوا بعد ذلك كله كتاب وقدر، وكتب الشقوة، وما يقدر يكن وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولا نملك لأنفسنا نفعا ولا ضرا. ثم رغبوا بعد ذلك ورهبوا١.
١٧١/٣- الفريابي: حدثنا جعفر نا هشام بن عمار، ثنا معاوية بن يحيى، ثنا عمرو بن مهاجر، قال: استأذن غيلان على عمر بن عبد العزيز فأذن له فقال ويحك ياغيلان ما الذي بلغني عنك أنك تقول. قال إنما أقول بقول الله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ إلى قوله: ﴿ ... إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ ٢، فقال عمر: أتم السورة ويحك أما تسمع الله يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٣،أما تعلم أن الله قال: ﴿إِنِّي
стр. 481
جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ إلى ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ١، فقال غيلان ياأمير المؤمنين لقد جئتك جاهلا فعلمتني، وأعمى فبصرتني، وضالا فهديتني، فقال اخرج فلا يبلغني أنك تتكلم في شيء من هذا ٢.
١٧٢/٣- عبد الله بن الإمام أحمد قال: قال عمر بن عبد العزيز: ويلهم - يعني القدرية- أما يقرأون هذه الآيات ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ٣، ويلهم أما يقرأون وقرأ حتى بلغ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٤٥.
стр. 482
١٧٣/٥- ابن سعد قال: حدثنا قبيصة حدثنا سفيان، عن جعفر بن برقان، قال: سأل رجل عمر بن عبد العزيز عن شيء من الأهواء فقال: الزم دين الصبي الذي في الكتاب والأعرابي واله عما سوى ذلك١.
١٧٤/٦- الفريابي قال: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: نا بشر بن المفضل، قال: نا التيمي، قال: سئل عمر بن عبد العزيز ﵀ عن القدر؟ فقال: ما طار ذباب بين السماء والأرض إلا بقدر. ثم قال: للرجل لا تعد تسأل عن القدر"٢.
١٧٥/٧- الآجري قال: وأخبرنا الفريابي، قال: نا عبيد الله بن معاذ، قال: نا أبي قال نا محمد بن عمرو الليثي أن الزهري حدثه، قال: دعا عمر ابن عبد العزيز رحمه الله تعالى غيلان فقال: ياغيلان بلغني أنك تتكلم في القدر. فقال ياأمير المؤمنين إنهم يكذبون علي؟ فقال: يا غيلان اقرأ أول يس فقرأ ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ حتى أتى ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ ... لا يُؤْمِنُونَ﴾ فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين لكأني لم أقرأها قط قبل اليوم
стр. 483
أشهدك ياأمير المؤمنين أني تائب مما كنت أقول. فقال عمر: اللهم إن كان صادقا فثبته وإن كان كاذبا فاجعله آية للمؤمنين"١.
التعليق:
إن الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث الذي نحن بصدد التعليق عليه تنهي عن الخوض في القدر. وقد وجه العلماء رحمهم الله تعالى الأحاديث الواردة في النهي عن الخوض في القدر مثل حديث: "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا وإذا ذكر القدر فأمسكوا"٢. وحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال للصحابة لما تنازعوا في القدر: "عزمت عليكم أن لا تنازعوا فيه" ٣. بأن المنهي عنه إنما هو الخوض فيها بالباطل وعلى وجه التنازع والاعتراض على الله تعالى لأن التنازع مظنة الاختلاف وهو سبب من أسباب القول فيه بغير الحق. ولا
стр. 484
شك أن ذلك منهي عنه، أما معرفة تفاصيل هذا الركن كما جاء في الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح حتى يتحقق الإيمان ويثمر ثماره المرجوة فلا يدخل في هذا النهي وقد بحث علماء السلف مسألة القدر وبينوا للناس الحق والصواب فيه حتى لا يضلوا، وحتى يكونوا على بصيرة من أمر دينهم.
ويظهر لنا جليا من الآثار السابقة عن عمر أنه إنما منع الخوض في القدر إذا كان ذلك بالباطل كما يفعل غيلان ومن شايعه من القدرية، والمعتزلة. أو كان ذلك في الجانب الخفي من القدر وهو كونه أضل وهدى وأمات وأحيا ومنع وأعطى، فمحاولة معرفة سر الله في ذلك لا تجوز لأن الله حجب علمها حتى عن أقرب المقربين فمحاولة معرفته عن طريق العقل القاصر منهي عنه لأنه من القول على الله بغير علم. قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ ١،٢.
قال النووي: قال أبو المظفر السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس ومجرد العقول. فمن عدل عن
стр. 485
التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة ولم يبلغ شفاء النفس، ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب لأن القدر سر من أسرار الله تعالى التي ضربت من دونه الأستار اختص الله به، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة وواجبنا أن نقف حيث حد لنا ولا نتجاوزه. وقد طوى الله تعالى علم القدر على العالم فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب١.
стр. 486
المبحث الرابع: الآثار عن عمر في الرضا بالقضاء
١٧٦/١- ابن سعد قال: حدثنا عارم بن الفضل قال: حدثنا حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد، أن عمر بن عبد العزيز قال: ما أصبح لي اليوم في الأمور هوى إلا في مواقع قضاء الله فيها١.
١٧٧/٢- ابن عبد الحكم قال: وكان عمر بن عبد العزيز يدعو بهذا الدعاء: اللهم رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت. وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما برح
стр. 487
بي هذا الدعاء حتى لقد أصبحت ومالي في شيء من الأمور هوى إلا في موضع القضاء١.
١٧٨/٣- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثني أبي، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن زياد بن أبي حسان، أنه شهد عمر بن عبد العزيز حين دفن ابنه عبد الملك فقال: ... رضينا بقضاء الله وسلمنا لأمره والحمد لله رب العالمين٢.
١٧٩/٤- ابن أبي الدنيا قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم العبدي، قال: حدثنا يعلى بن الحارث المحاربي، قال: حدثني أبي، عن سليمان بن حبيب، قال: لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل عليه هشام الغاز
стр. 488
فعزاه فقال: عمر: وأنا أعوذ بالله أن يكون لي محبة في شيء من الأمور تخالف محبة الله فإن ذلك لا يصلح لي في بلائه عندي وإحسانه إلي١.
التعليق:
تحث الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث على الرضا بالقضاء والمقصود بالرضا بالقضاء القضاء الذي قدره الله على عبده من المصائب التي ليست ذنوبا فإن الصبر على المصائب واجب، وأما الرضا بها فهو مشروع لكن هل هو واجب أو مستحب؟ على قولين لأصحاب أحمد وغيرهم أصحها أنه مستحب ليس بواجب٢. ولا شك أن الرضا بالقضاء من تمام الإيمان بالقضاء والقدر.
وقد غلط فيه طائفتان أقبح غلط. فقالت القدرية النفاة الرضا بالقضاء، طاعة وقربة، والرضا بالمعاصي لا يجوز، فليست بقضائه وقدره، وقالت
стр. 489
غلاة الجبرية الذين طووا بساط الأمر والنهي: المعاصي بقضاء الله وقدره والرضا بالقضاء قربة وطاعة فنحن نرضى بها ولا نسخطها ...
ويجاب عن غلط هؤلاء بأن الحكم والقضاء نوعان: ديني وكوني. فالديني يجب الرضا به، وهو من لوازم الإسلام، والكوني منه ما يجب الرضا به كالنعم التي يجب شكرها ومن تمام شكرها الرضا بها، ومنه ما لا يجوز الرضا به. كالمصائب والذنوب التي يسخطها الله وإن كانت بقضائه وقدره ومنه ما يستحب الرضا به كالمصائب وفي وجوبه قولان: هذا كله في الرضا بالقضاء الذي هو المقضي. وأما القضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله كعلمه وكتابه، وتقديره، ومشيئته، فالرضا به من تمام الرضاء بالله ربا وإلها وملكا، ومدبرا ... ١.
وتبين الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى رضاه وتسليمه بقضاء الله وقدره، وقد وثق بما عند الله تعالى وسلم لله الأمر، فلا يندم على ما فات، ولا يفرح بما هو آت مما قدره الله تعالى له، فهو يرضى به على وفق قضاء الله له
стр. 490
الفصل السابع: الآثار الواردة عن عمر في تعريف الإيمان وما يتعلق به من مسائل
المبحث الأول: الآثار الواردة عنه في تعريف الإيمان
...
تمهيد:
تعريف الإيمان لغة: الإيمان مصدر آمن يؤمن إيمانا فهو مؤمن١، وأصل آمن أأمن بهمزتين لينت الثانية٢، وهو من الأمن ضد الخوف٣. قال الأزهري: "واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه: التصديق٤.
والصحيح أنه قد عرف بعدة تعريفات فقيل: هو التصديق٤، وقيل هو الثقة٥، وقيل هو الطمأنينة٦، وقيل هو الإقرار٧.
وقد اختار شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريف الإيمان اللغوي أنه بمعنى الإقرار ٨، لأنه رأى لفظة أقرّ أصدق في الدلالة على معنى الإيمان من
غيرها من الألفاظ التي فسر بها الإيمان٩.
تعريف الإيمان اصطلاحا: الإيمان في الاصطلاح: هو قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح يزيد وينقص، وهذا هو الحق الذي يدل عليه نصوص الكتاب والسنة وهو المأثور عن عمر بن عبد العزيز كما يأتي:
стр. 491
المبحث الأول: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في تعريف الإيمان.
١٨٠/١- ابن أبي شيبة قال: حدثنا أبو أسامة عن جرير بن حازم حدثني عيسى بن عاصم حدثني عدي بن عدي، قال: كتب إلي عمر بن عبد العزيز أما بعد: فإن الإيمان فرائض، وشرائع، وحدودا، وسننا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص١.
стр. 492
١٨١/٢- ابن أبي شيبة أيضا قال: حدثنا عمر بن أيوب عن جعفر بن برقان، قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز أما بعد: فإن عرى الدين وقوائم الإسلام الإيمان بالله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فصلوا الصلاة لوقتها١.
التعليق:
يدل ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث على تعريف الإيمان، حيث بين رحمه الله تعالى أن الإيمان فرائض أي: أعمالا مفروضة كالصلاة والحج والصوم، وشرائع أي: عقائد دينية كالإيمان بالله وملائكته، وحدودا أي: منهيات ممنوعة كشرب الخمر والزنا، وسننا أي: مندوبات كإماطة الأذى عن الطريق٢، وغيرها من المندوبات فهذه الأمور كلها من الإيمان.
стр. 493
وهذا المأثور عن عمر هو الحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح. فالإيمان عند أهل الحق: قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان.
فمن الأدلة الدالة على أن الإيمان قول باللسان قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ١. وقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله"٢.
ومن الأدلة على أن أعمال القلوب من الإيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... ﴾ ٣، والوجل من أعمال القلوب. وقد سمى في الآية إيمانا.
ومن الأدلة على أن أعمال الجوارح من الإيمان قوله تعالى: ﴿ ... وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم ... ﴾ ٤، يبين ذلك سبب نزول الآية حين سئل
стр. 494
عليه السلام: أرأيت الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله : ﴿ ... وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم﴾ وفي هذا دلالة على أنه تعالى سمى صلاتهم إلى بيت المقدس إيمانا فإذا ثبت ذلك في الصلاة ثبت ذلك في سائر الطاعات١.
ومن أقوال سلف الأمة في تعريف الإيمان وأنه يشمل الأعمال، والأقوال، والعقائد، ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث قال: ... جمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث وهو المنسوب إلى أهل السنة أن الإيمان قول وعمل ... وربما قال بعضهم قول وعمل ونية، وربما قال آخر: قول وعمل ونية واتباع السنة، وربما قال: قول باللسان واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان أي بالجوارح ... ".
وقال الآجري: اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح.
ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا، ولا تجزئ معرفة القلب ونطق اللسان حتى يكون
стр. 495
عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمنا دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين١.
ثم روى بأسانيده عن عدد من السلف أن الإيمان قول وعمل٢.
هذا هو القول الصحيح في تعريف الإيمان وقد ضل في هذه المسألة طوائف ويمكن تقسيم قولهم في الإيمان إلى قسمين:
قسم يدخلون العمل في الإيمان ويجعلونه شرطا في صحته، وقسم يخرجون العمل من الإيمان وهم أقسام ويجمعهم وصف الإرجاء٣.
أما أهل القسم الأول فهم الخوارج والمعتزلة، يقولون: إن الإيمان قول واعتقاد وعمل، لكن الإيمان عندهم كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله فمن أخل بالأعمال ذهب إيمانه باتفاق الطائفتين، وهو كافر عند الخوارج وفي منزلة بين المنزلتين عند المعتزلة٤.
وفساد هذا القول ظاهر فإن نصوص الكتاب والسنة وما أثر عن عمر هنا في تعريف الإيمان وزيادته ونقصانه وما نقل عن غيره من السلف كل