المبحث الأول: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في تعريف الإيمان.
١٨٠/١- ابن أبي شيبة قال: حدثنا أبو أسامة عن جرير بن حازم حدثني عيسى بن عاصم حدثني عدي بن عدي، قال: كتب إلي عمر بن عبد العزيز أما بعد: فإن الإيمان فرائض، وشرائع، وحدودا، وسننا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص١.
стр. 492
١٨١/٢- ابن أبي شيبة أيضا قال: حدثنا عمر بن أيوب عن جعفر بن برقان، قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز أما بعد: فإن عرى الدين وقوائم الإسلام الإيمان بالله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فصلوا الصلاة لوقتها١.
التعليق:
يدل ما أثر عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث على تعريف الإيمان، حيث بين رحمه الله تعالى أن الإيمان فرائض أي: أعمالا مفروضة كالصلاة والحج والصوم، وشرائع أي: عقائد دينية كالإيمان بالله وملائكته، وحدودا أي: منهيات ممنوعة كشرب الخمر والزنا، وسننا أي: مندوبات كإماطة الأذى عن الطريق٢، وغيرها من المندوبات فهذه الأمور كلها من الإيمان.
стр. 493
وهذا المأثور عن عمر هو الحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح. فالإيمان عند أهل الحق: قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان.
فمن الأدلة الدالة على أن الإيمان قول باللسان قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ١. وقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله"٢.
ومن الأدلة على أن أعمال القلوب من الإيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... ﴾ ٣، والوجل من أعمال القلوب. وقد سمى في الآية إيمانا.
ومن الأدلة على أن أعمال الجوارح من الإيمان قوله تعالى: ﴿ ... وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم ... ﴾ ٤، يبين ذلك سبب نزول الآية حين سئل
стр. 494
عليه السلام: أرأيت الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله : ﴿ ... وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم﴾ وفي هذا دلالة على أنه تعالى سمى صلاتهم إلى بيت المقدس إيمانا فإذا ثبت ذلك في الصلاة ثبت ذلك في سائر الطاعات١.
ومن أقوال سلف الأمة في تعريف الإيمان وأنه يشمل الأعمال، والأقوال، والعقائد، ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث قال: ... جمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث وهو المنسوب إلى أهل السنة أن الإيمان قول وعمل ... وربما قال بعضهم قول وعمل ونية، وربما قال آخر: قول وعمل ونية واتباع السنة، وربما قال: قول باللسان واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان أي بالجوارح ... ".
وقال الآجري: اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح.
ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا، ولا تجزئ معرفة القلب ونطق اللسان حتى يكون
стр. 495
عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمنا دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين١.
ثم روى بأسانيده عن عدد من السلف أن الإيمان قول وعمل٢.
هذا هو القول الصحيح في تعريف الإيمان وقد ضل في هذه المسألة طوائف ويمكن تقسيم قولهم في الإيمان إلى قسمين:
قسم يدخلون العمل في الإيمان ويجعلونه شرطا في صحته، وقسم يخرجون العمل من الإيمان وهم أقسام ويجمعهم وصف الإرجاء٣.
أما أهل القسم الأول فهم الخوارج والمعتزلة، يقولون: إن الإيمان قول واعتقاد وعمل، لكن الإيمان عندهم كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله فمن أخل بالأعمال ذهب إيمانه باتفاق الطائفتين، وهو كافر عند الخوارج وفي منزلة بين المنزلتين عند المعتزلة٤.
وفساد هذا القول ظاهر فإن نصوص الكتاب والسنة وما أثر عن عمر هنا في تعريف الإيمان وزيادته ونقصانه وما نقل عن غيره من السلف كل
стр. 496
ذلك يدل على تبعض الإيمان وتفاضله وزيادته ونقصانه، وستأتي المسألة في المبحث التالي إن شاء الله تعالى.
وأما أهل القسم الثاني وهم المرجئة فهؤلاء ثلاثة أصناف:
١- صنف يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر المرجئة ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم ومن اتبعه.
٢- وصنف يقولون: هو مجرد قول اللسان وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية.
٣- وصنف يقولون: هو تصديق القلب وقول اللسان. وهذا المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم١.
وهذه الأقوال فاسدة وأشدها فسادا وخبثا قول الجهمية الغلاة فإن لازم قولهم أن فرعون وإبليس -واليهود وأمثالهم مؤمنون كاملي الإيمان.
ثم يلي قول جهم في الفساد قول الكرامية أن الإيمان هو قول اللسان فقط، ثم يلي هذا القول: قول المرجئة الفقهاء: أن الإيمان اعتقاد في القلب وقول باللسان.
стр. 497
وجميع هذه الأقوال بعيدة عن الحق مجانبة للصواب الوارد في الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة. ومنهم عمر بن عبد العزيز ﵀ كما سبق في الآثار.
تبقى الإشارة إلى أن الأثر الوارد عن عمر في تعريف الإيمان قد جاء بروايتين "أن الإيمان" "وأن الإسلام" كما عند ابن عبد الحكم، وابن عساكر، فهل الإسلام والإيمان لفظتان مترادفتان؟
اختلف أهل العلم في ذلك فذهب بعضهم إلى أنهما لفظتان مترادفتان، بينما ذهب الآخرون إلى أنهما متغايرتان، والصحيح أنهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
وهذا هو المشهور عند العلماء المحققين حين يذكرون حقيقتهما يقررون أنه في الشرع لهما حالتان:
أ- أن يطلق الإسلام على الافراد غير مقترن بذكر الإيمان فهو حينئذ يراد به الدين كله أصوله وفروعه، من اعتقاداته وأقواله وأفعاله كقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٢.
стр. 498
ب- أن يطلق الإسلام مقترنا بالإيمان فهو حينئذ يراد به الأعمال والأقوال الظاهرة وذلك كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ... ﴾ ١.
ووجه الجمع والتفريق بين الإسلام والإيمان حال الاجتماع والافتراق يتضح بتقرير أصل عظيم وهو "أن من الأسماء ما يكون شاملا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالا على بعض تلك المسميات والاسم المقرون دال على باقيها.
فإذا يقال: إذا أُفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق، وعليه فهما إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا. فاجتماعهما في الذكر يقتضي افتراقهما في المعنى، وافتراقهما في الذكر يقتضي اجتماعهما في المعنى٢.
стр. 499
المبحث الثاني: الآثار عن عمر في زيادة الإيمان ونقصانه .
١٨٢/١- ابن عبد الحكم قال: وقال عمر بن عبد العزيز: إن للإسلام حدودا، وشرائع، وسننا، فمن عمل بها استكمل الإيمان، ومن لم يعمل بها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش أعلمكموها وأحملكم عليها، وإن مت، فما أنا على صحبتكم بحريص١.
١٨٣/٢- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز رسالة وفيها: ... "أسأل الله برحمته وسعة فضله أن يزيد المهتدي هدى، وأن يرجع بالمسيء التوبة في عافية منه ... "٢.
١٨٤/٣- ابن سعد قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة رحل إليه عون بن عبد الله٣، وأبو الصباح موسى بن أبي كثير٤، وعمر بن
стр. 500
حمزة١، فكلموه في الإرجاء٢، وناظروه فزعموا أنه وافقهم ولم يخالفهم في شيء منه٣.
١٨٥/٤- ابن سعد أيضا قال: ممن وفد إلى عمر بن عبد العزيز وكلمه في الإرجاء موسى بن أبي كثير٤.
التعليق:
تبين من الآثار السابقة الواردة عن عمر أن الإيمان يزيد وينقص. وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة والآثار عن السلف الصالح. وهذه الأدلة كثيرة يصعب استقصاؤها في هذا المقام وإنما يذكر أمثلة تدل على المقصود. فمنها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ ٥، وقوله :
стр. 501
﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ ٢، وغير ذلك من الآيات.
ومن السنة حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"٣، وحديث أبي هريرة أيضا أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نُهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن" ٤.
ووجه الدلالة من هذا الحديث نفي كمال الإيمان الواجب عمن اقترف هذه المعاصي، وأنه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان. وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله، على أحد الأقوال٥.
стр. 502
ومنها حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا إيمان لمن لا أمانة له" ١. ووجه الدلالة أن من لا أمانة له يعتبر مؤمنا ناقص الإيمان.
ومن أقوال سلف الأمة قول الإمام البخاري - رحمه الله تعالى -: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص٢.
وقول معاذ بن جبل ﵁ اجلسوا بنا نؤمن ساعة"٣، وقول عمر بن الخطاب ﵁ لأصحابه هلموا نزداد إيمانا وفي لفظ تعالوا نزداد إيمانا٤.
فالقول بزيادة الإيمان ونقصانه مما أجمع عليه سلف الأمة لكن أهل البدع زاغوا عن هذا الإجماع. فذهب طوائف من المتكلمين والمرجئة والخوارج، والمعتزلة إلى أن الإيمان لا يزيد وينقص. واستندوا إلى شبه، ولعل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كان يقصد الرد على بعض هؤلاء الذين يرون عدم زيادة الإيمان ونقصانه بقوله: "فمن استكملهن فقد استكمل الإيمان ... " ومن لم يستكملهن لم يستكمل الإيمان، فالإيمان عنده رحمه الله تعالى ذو شعب وأجزاء وهو شامل للعبادات البدنية
стр. 503
والقلبية. كما أنه يحتوي على المندوبات والمنهيات. وهذه كلها قابلة للزيادة والنقصان فعمل القلب يزيد وينقص بكثرة النظر في الأدلة ووضوحها. ولهذا كان إيمان الصديق أقوى من إيمان غيره بحيث لا يعتريه الشبهة وكل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى إنه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينا وإخلاصا وتوكلا منه في بعضها١. ويؤيد الأثر الثاني المروي عن عمر ما سبق تقريره في الأثر الأول حيث عد الإيمان بالله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة من الإسلام والإسلام إذا أطلق مفردًا فإنه يدخل فيه ويراد به الإيمان كما سبق بيانه. وهذه الشعب في هذا الأثر هي شعب الإيمان الواردة في حديث وفد عبد القيس كما في الصحيحين أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله ﷺ أمرهم بالإيمان بالله قال: "أتدرون ما الإيمان بالله؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم ... "٢.
стр. 504
أما الأثر الثالث فيدل على زيادة الهدى والهدى من الإيمان قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً﴾ ١.
وقال : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ٢، وقوله في أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ٣، فالهدى من الإيمان وزيادته دليل على زيادة الإيمان.
وبعد ثبوت هذه الآثار عن عمر رحمه الله تعالى يتحتم الإشارة إلى أن ما رواه ابن سعد في الطبقات أن عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة جاءه راحلا إليه عون بن عبد الله، وموسى بن أبي كثير، وعمر بن حمزة، فكلموه في الإرجاء وناظروه فزعموا أنه وافقهم ولم يخالفهم في شيء منه غير صحيح، للأدلة الصحيحة من الآثار المتقدمة التي نقلت عنه ولأن ابن سعد روى هذا الخبر بدون سند، ولأنه استعمل فيه صيغة التمريض "زعموا" وأيضا إن مثل هذا الزعم والادعاء لا يعول عليه لأن رواته
стр. 505
متهمون بالإرجاء، ولو سلمنا جدلا بثبوت تلك الرواية فيحتمل أنه وافقهم قبل أن يطلع على خبث هذا المذهب فحين اطلع عليه بدأ يكتب رسائله إلى عماله مبينا لهم حقيقة الإيمان عند السلف، ومضمنا في نفس هذه الرسائل الرد على المبتدعة. وقد ثبت في كتب التراجم أن من بين الذين وفدوا على عمر من تاب١ عن الإرجاء فلعل اللقاء حصل بينهم قبل ذلك. وهذا هو الصحيح لصحة ما نقل عنه من الآثار ولشدته رحمه الله تعالى على جميع المبتدعة كما مر فيما سبق. وسيأتي مزيد بيان لهذه الرواية في مبحث الرد على المرجئة.
هذا ولما كان الإيمان عند أهل السنة والجماعة يقبل الزيادة والنقصان كان موقفهم مخالفا لموقف الفرق الضالة في مسألة مرتكب الكبيرة المسلم يتبين لنا ذلك فيما يأتي من الآثار عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.
стр. 506
المبحث الثالث: الآثار عن عمر في حكم مرتكب الكبيرة .
١٨٦/١- ابن حزم الظاهري قال: عن يحيى بن أبي كثير أن غلاما لعمر بن عبد العزيز أخذ ساحرة فألقاها في الماء فطفت فكتب إليه عمر ابن عبد العزيز أن الله لم يأمرك أن تلقيها في الماء فإن اعترفت فاقتلها١.
١٨٧/٢- ابن قتيبة قال: حدثني زيد بن أخزم الطائي قال: نا عبد الصمد، قال: نا همام، عن يحيى بن أبي كثير، أن عامل عمان كتب لعمر ابن عبد العزيز ﵁، أنا أتينا بساحرة فألقيناها في الماء فطفت فكتب إليه عمر بن عبد العزيز لسنا من الماء في شيء إن قامت البينة، وإلا فخل سبيلها٢.
١٨٨/٣- وعن ربيعة بن عطاء أن رجلا عبدا سحر جارية عربية. وكانت تتبعه فرفع إلى عروة بن محمد، وكان عامل عمر بن عبد العزيز فكتب إليه عمر بن عبد العزيز أن يبيعه بغير أرضها وأرضه ثم ادفع ثمنه إليها٣.
١٨٩/٤- ابن الجوزي قال: حدثنا الصعق بن حزن قال: شهدت قراءة كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة وأهل البصرة.
стр. 507
أما بعد: فإنه قد كان في الناس من هذا الشراب أمر ساءت فيه رعيتهم وغشوا فيه أمورا انتهكوها عند ذهاب عقولهم، وسفه أحلامهم بلغت بهم الدم الحرام والفرج الحرام والمال الحرام. وقد أصبح جل من يصيب من ذلك الشراب يقول: شربنا شرابا لا بأس به. ولعمري أن ما حمل على هذه الأمور وضاع الحرام لبأس شديد وقد جعل الله عنه مندوحة وسعة من أشربة كثيرة طيبة ليس في الأنفس منها جائحة: الماء العذب الفرات، واللبن، والعسل، والسويق، فمن انتبذ نبيذا فلا ينبذه إلا في أسقية الأدم التي لا زفت فيها. وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ نهى عن نبيذ الجر والدباء والظروف المزفتة. وكان يقال: كل مسكر حرام فاستغنوا بما أحل الله عما حرم فإنا من وجدناه يشرب شيئا من هذه بعد ما تقدمنا إليه أوجعناه عقوبة شديدة، ومن استخفى فالله أشد عقوبة وأشد تنكيلا.
وقد أردت بكتابي هذا اتخاذ الحجة عليكم اليوم وفيما بعد اليوم أسأل الله أن يزيد المهتدي منا ومنكم هدى، وأن يراجع بالمسيء منا ومنكم التوبة في يسر وعافية. والسلام١.
стр. 508
١٩٠/٥- أبو زرعة الدمشقي قال: حدثني آدم حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري قال: قال رجل لعمر بن عبد العزيز طلقت امرأتي وأنا سكران. قال الزهري فكان رأي عمر بن عبد العزيز أن يجلده ويفرق بينه وبين امرأته حتى حدثه أبان بن عثمان بن عفان: ليس على المجنون والسكران طلاق. فقال عمر: تأمروني وهذا يحدثني عن عثمان بن عفان؟ فجلده ورد إليه امرأته١.
١٩١/٦- الذهبي قال: قال أبو زرعة عبد الأحد بن أبي زرارة القتباني سمعت مالكا يقول: أتى فتيان إلى عمر بن عبد العزيز وقالوا: إن أبانا توفي وترك مالا عند عمنا حميد الأمجي فأحضره عمر فلما دخل قال أنت القائل:
حميد الذي أمج داره
أتاه المشيب على شربها ... أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع.
وكان كريما فلم ينزع.
...
قال نعم ما أراني إلا سوف أحدك إنك أقررت بشرب الخمر وأنك لم تنزع عنها ... "٢.
стр. 509
التعليق:
يتبين من الآثار السابقة عن عمر أن منهج أهل الحق في مرتكب الكبيرة وسط لا إفراط فيه ولا تفريط فلا يسلبون الفاسق الملي أصل الإيمان ولا يطلقون عليه أنه مؤمن كامل الإيمان، وإنما سيماهم التوسط وهو اتباع الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح فيطلقون عليه اسم المؤمن بإيمانه الفاسق بكبيرته وقد اختلف السلف في حد الكبيرة.
ومن أجمع التعاريف لها "أنها كل معصية فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو ورد فيها وعيد بنفي إيمان أو لعن ونحوهما"١.
وموقف عمر بن عبد العزيز ﵀ من مرتكب الكبيرة خلال هذه الآثار المتقدمة هو موقف أهل السنة والجماعة حيث اتسم ﵀ بالحرص على تطبيق النصوص الشرعية فحين كتب إليه عامله في شأن الساحرة والسحر كبيرة من الكبائر لم يأمر بقتلها لأنها ارتكبت هذه الموبقة وإنما أمر عامله أن يتأكد من سحرها، فإذا ثبت أنها ساحرة فما عليه إلا أن يقتلها.
وأما إذا كان سحرها مما لا يوجب القتل فعليه أن يتركها وأن يستعمل معها الوسائل المشروعة لا أن يلقيها في الماء لأن هذا لم يأمر الله
стр. 510
تبارك وتعالى به. كما أمر عامله أن يبيع العبد الساحر للجارية بغير أرضه وأرضها لأنه رحمه الله تعالى ربما رأى أن ما قام به هذا العبد لا يتجاوز التأديب، والتعزير وهو التفريق بين هذا العبد والجارية. وهذا الموقف يبرز موقفه من مرتكب الكبائر حيث لم يكفر هذا العبد ولم يأمر بقتله مع العلم بأن السحر كبيرة وكما أن السحر من الكبائر فكذلك شرب الخمر. والنبيذ المسكر فمنع شرب النبيذ وعلل ذلك بأنه يسكر وكل ما يسكر فهو خمر وكل خمر حرام. ثم بين أن من شرب المسكر يعاقب بالحد الذي أمر الله به، إذا اطلع عليه ولا يكفر بشربه وإنما يعاقب في العلانية. ومن استخفى فالله أشد عقوبة إن شاء وأشد تنكيلا. ولم يفرق بين الرجل الذي طلق زوجته وبين زوجته. وقد كان عازما على ذلك وإنما اكتفى بحده كما عزم على أن يحد الشاعر الذي ذكر في شعره أنه لم ينزع عن شرب الخمر وقد كان يمنع الخلفاء الذين كانوا قبله من قتل الحرورية وكان يقول: ضمنهم الحبس حتى يحدثوا توبة١. ونهى عن تكفير أهل القبلة فروى أبو نعيم بسنده عن عمر في رسالته في الرد على القدرية وفيها ... أهل التوحيد لا تكفروهم ولا تشهدوا عليهم بشرك ... "٢.
стр. 511
قال شيخ الإسلام ابن تيمية واصفا موقف أهل السنة من هذه المسألة: "وهم ... لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي كما قال في آية القصاص ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوف﴾ ١، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ٢.
ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان في مثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ٣، وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ
стр. 512
زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ ١. وقوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن"٢.
ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم٣.
وأدلة الكتاب والسنة دالة على ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من ثبوت مطلق الإيمان مع المعصية قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ٤، فناداهم باسم الإيمان مع وجود المعصية وهي موالاة الكفار٥.
стр. 513
وقوله ﷺ : "يخرج من النار من كان في قلبه ذرة من إيمان" ١، ولم يخص أمته بذلك بل ذكر الإيمان مطلقا٢.
ومذهب أهل السنة والجماعة وسط بين نفاة الوعيد من المرجئة وموجبيه من القدرية. فمن مات على كبيرة عندهم فأمره مفوض إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣، وإذا عاقبه بذنبه فإنه لا يخلد خلود الكفار بل يخرج من النار ويدخل الجنة٤.
وأما المرجئة فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان ولا يستحق الوعيد. وأما الخوارج والمعتزلة فمرتكب الكبيرة كافر حلال الدم والمال عند الخوارج في الدنيا خالد مخلد في النار في الآخرة. وأما عند المعتزلة فحكمه في الدنيا في منزلة بين المنزلتين وأما في الآخرة فهو خالد في النار ولا شك٥ أن ما ذهب إليه المرجئة والمعتزلة والخوارج باطل للأدلة
стр. 514
الصحيحة التي تقدمت فيما سبق، هذا وأهل البدع من الخوارج ومن يرى رأيهم يوجبون لعن أهل الذنوب، وتكفيرهم. وقد كان لعمر بن عبد العزيز مناظرات ومجادلات مع الخوارج في هذه المسألة سيتبين ذلك من خلال الآثار المنقولة عنه فيما يأتي.
стр. 515
المبحث الرابع: الآثار عن عمر في حكم لعن المعين وتكفيره .
١٩٢/١- ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الحميد بن عمران، عن عون بن عبد الله بن عتبة، قال: بعثني عمر بن عبد العزيز في خلافته إلى الخوارج الذين خرجوا عليه فكلمتهم فقلت: ما الذي تنقمون عليه؟ قالوا: ما ننقم عليه إلا أنه لا يلعن من كان قبله من أهل بيته فهذه مداهنة منه ... "١.
١٩٣/٢- ابن عبد البر قال: أخبرنا أحمد بن محمد، ثنا محمد بن عيسى، ثنا بكر بن سهل، ثنا نعيم بن حماد، ثنا عثمان بن سعيد بن كثير ابن دينار، قال: نا هشام بن يحيى بن يحيى الغساني، عن أبيه، قال: خرجت علي الحرورية بالموصل٢ فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز بمخرجهم فكتب إلي عمر يأمرني بالكف عنهم وأن أدعو رجالا منهم فأجعلهم على
стр. 516
مراكب البريد حتى يقدموا على عمر فيجادلهم ... فلما قدموا على عمر أمر بنزولهم ثم أدخلهم عليه فجادلهم حتى إذا لم يجد لهم حجة رجعت طائفة منهم ونزعوا عن رأيهم، وأجابوا عمر. وقالت طائفة منهم لسنا نجيبك حتى تكفر أهل بيتك وتلعنهم وتبرأ منهم. فقال عمر: إنه لا يسعكم فيما خرجتم له إلا الصدق، أعلموني هل تبرأتم من فرعون أو لعنتموه أو ذكرتموه في شيء من أموركم؟ قالوا: لا. قال: فكيف وسعكم تركه ولم يصف الله عبدا بأخبث من صفته إياه ولا يسعني ترك أهل بيتي ومنهم المحسن والمسيء والمصيب والمخطئ ... "١.
١٩٤/٣- وروى أيضا وقال: أخبرنا أحمد قال: نا محمد بن عيسى، ثنا بكر بن سهل، ثنا نعيم، ثنا عبد الله بن المبارك، قال: ثنا جرير بن حازم، عن محمد بن سليم أحد بني ربيعة بن حنظلة بن عدي، قال: "بعثني وعون بن عبد الله عمر بن عبد العزيز إلى خوارج خرجت بالجزيرة وفيه قالوا: خالفت أهل بيتك وسميتهم الظلمة فإما أن يكونوا على الباطل، فإن زعمت أنك على الحق وهم على الباطل فالعنهم وتبرأ منهم، فإن فعلت فنحن منك وأنت منا وإن لم تفعل فلست منا ولسنا منك ... فقال عمر أخبروني عن اللعن أفرض هو على العباد. قالوا: نعم. قال عمر لأحدهما:
стр. 517
متى عهدك بلعن فرعون؟ قال: ما لي بذلك منذ زمان، فقال عمر: هذا رأس من رؤوس الكفر ليس له عهد بلعنه منذ زمان، وأنا لا يسعني أن لا ألعن من خالفتهم من أهل بيتي ... "١.
١٩٥/٤- ابن الجوزي قال: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: دخل الخوارج على عمر فلم يدع لهم حجة إلا كسرها، فقالوا: لسنا نجيبك حتى تكفر أهل بيتك وتلعنهم وتبرأ منهم. فقال عمر: إن الله لم يجعلني لعانا ولكن إن أبقى أنا وأنتم فسوف أحملكم وإياهم على المحجة البيضاء. فأبوا أن يقبلوا ذلك منه. فقال لهم عمر: إنه لا يسعكم في دينكم إلا الصدق. منذ كم دنتم الله بهذا الدين؟ قالوا: منذ كذا وكذا سنة. قال: فهل لعنتم فرعون وتبرأتم منه؟ قالوا: لا. قال: فكيف وسعكم تركه؟ ألا يسعني ترك أهل بيتي وقد كان فيهم المحسن والمسيء، والمصيب والمخطئ؟ ٢.
стр. 518
١٩٦/٥- ابن أبي الدنيا قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم، نا روح بن عبادة، نا ابن جريج، قال: قال عمر بن عبد العزيز، قال رسول الله ﷺ : "من لم يستحي فهو كافر" ١.
١٩٧/٦- الملطى قال: وقال حسان بن فروخ: سألني عمر بن عبد العزيز عما تقول الأزارقة فأخبرته فقال ما يقولون في الرجم؟ فقلت يكفرون به فقال: الله أكبر كفروا بالله وبرسوله٢.
١٩٨/٧- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثني أبي، نا مؤمل، نا حماد يعني ابن سلمة، حدثنا أبو جعفر الخطمي، قال شهدت عمر بن عبد العزيز وقد دعا غيلان لشيء بلغه في القدر فقال له ... ما تقول في العلم؟ قال: قد نفد العلم. قال: فأنت مخصوم، اذهب الآن فقل ما شئت ويحك يا غيلان إنك إن أقررت بالعلم خصمت، وإن جحدته كفرت. وإنك إن تقر به فتخصم خير لك من أن تجحده فتكفر ... ٣.
стр. 519
التعليق:
الآثار الواردة عن عمر في هذا المبحث تدور حول تكفير المعين ولعنه أو تكفير المعينين ولعنهم.
واللعن: الطرد والإبعاد، ولعنه كمنعه: طرده وأبعده فهو لعين وملعون١.
واللعن شرعا هو: الطرد، والإبعاد عن رحمة الله.
والتكفير والكفر ضد الإيمان. وكفر نعمة الله وبها كفورا وكفرانا. جحدها وسترها٢.
وأما الكفر شرعا فهو: جحود الإيمان وتغطيته وستره.
وأهل السنة والجماعة لا يخصون أحدا من المسلمين باللعن كما رأينا ذلك عن عمر بن عبد العزيز من خلال الآثار المتقدمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن الفاسق المعين لا يلعن بخصوصه إما تحريما وإما تنزيها. فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمر في قصة "حمار" الذي تكرر منه شرب الخمر وجلده لما لعنه بعض الصحابة قال النبي ﷺ : "لا تلعنوه
стр. 520
فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله" ١، وقال: "لعن المؤمن كقتله"٢، هذا مع أنه قد ثبت عنه ﷺ أنه لعن الخمر وشاربها، فقد لعن عموما شارب الخمر ونهى في الحديث الصحيح عن لعن هذا المعين٣.
ومثل هذا نصوص الوعيد عامة في أكل أموال اليتامى، والزاني، والسارق، فلا نشهد بها عامة على معين بأنه من أصحاب النار، لجواز تخلف المقتضى عن المقتضي لمعارض راجح، إما توبة وإما حسنات ماحية، وإما مصائب مكفرة، وإما شفاعة مقبولة، وإما غير ذلك كما قررناه في غير هذا الموضع٤.
هذا ويجوز لعن أهل الذنوب على العموم فروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده"٥، قال: الحافظ: قال ابن بطال: معناه لا ينبغي
стр. 521
تعيين أهل المعاصي ومواجهتهم باللعن، وإنما ينبغي أن يلعن في الجملة من فعل ذلك ليكون ردعا لهم وزجرا عن انتهاك شيء منها ولا يكون لمعين لئلا يقنط١.
وقال النووي في قوله ﷺ : "لعن الله السارق" هذا دليل لجواز لعن غير المعين من العصاة لأنه لعن للجنس لا لمعين، ولعن الجنس جائز كما قال تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٢، وأما المعين فلا يجوز لعنه. قال القاضي: وأجاز البعض لعن المعين ما لم يحد فإذا حد لم يجز لعنه، فإن الحدود كفارات لأهلها. قال القاضي: وهذا التأويل باطل للأحاديث الصحيحة في النهي عن اللعن، فيجب حمل النهي على المعين ليجمع بين الأحاديث ... ٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية مقررا أن اللعن المطلق لا يستلزم لعن المعين ... لعن المطلق من العصاة لا يستلزم لعن المعين الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة له، وكذلك التكفير المطلق والوعيد المطلق. ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطا بثبوت شروط وانتفاء موانع، فلا يلحق
стр. 522
التائب من الذنب باتفاق المسلمين، ولا يلحق من له حسنات تمحو سيئاته، ولا يلحق المشفوع له والمغفور له فإن الذنوب تزول عقوبتها التي هي جهنم بأسباب التوبة والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة١.
هذا وأهل السنة والجماعة يفرقون بين التكفير المطلق والتكفير المعين فالذي أنكر شيئا معلوما من الدين بالضرورة فيقال: من قال كذا أو فعل كذا فهو كافر ولكن الشخص المعين الذي قاله أو فعله لا يحكم بكفره إطلاقا حتى تجتمع فيه الشروط وتنتفي عنه الموانع فعندئذ تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها٢ وهذا ما فعله عمر بن عبد العزيز ﵀ مع غيلان المنكر للقدر كما تقدم بيانه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة. ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة٣.
ثم يقول ﵀: إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط
стр. 523
وانتفت الموانع. يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات، لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه١.
فمنهج أهل السنة والجماعة وسط بين فرق الضلال في تكفير المعين ولعنه فلا يلعنون إلا من لعنه الله ورسوله كما رأينا رأي عمر بن عبد العزيز في لعن فرعون وفي لعن اليهود، والنصارى حين أرسل عن رسول الله ﷺ حديث لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد كما تقدم ذلك بينما يرى الخوارج وجوب لعن أصحاب الكبائر لأنهم عندهم كفار خالدون في النار.
فمذهب أهل السنة والجماعة واضح في مسألة لعن المعين وتكفيره فيلعن من لعنه الله ورسوله ويكفر من كفره الله ورسوله. وهناك فرق بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي. فالكفر العملي كفر دون كفر يدل على ذلك قصة حاطب بن أبي بلتعة المشهورة فقد ارتكب محظوراً ولكنها كانت في العمل ولم يكن يعتقدها. فلم يكفره الله ولا رسوله ﷺ . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ٢. فنادى حاطبا باسم الإيمان كما أن الرسول ﷺ منع عمر بن الخطاب ﵁ من
стр. 524
ضرب عنق حاطب ﵁. أما الكفر الاعتقادي المعبر عنه بالنفاق أحيانا فهو كفر مخرج عن الملة ولكننا لم نلزم بمعرفة البواطن فحكمنا ينصب على الظاهر والله تعالى يتولى السرائر.
стр. 525
المبحث الخامس: الآثار عن عمر في الحكم على المعين بالجنة أو النار.
١٩٩/١- اللالكائي قال: وذكر عبد الرحمن قال: ثنا محمد بن أحمد بن عمرو بن عيسى قال: ثنا علي بن موسى البصري قال ثنا سليمان بن عيسى الشجري قال ثنا سهل الحنفي عن مقاتل بن حيان قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز فقال لي: من أين أنت؟ فقلت من أهل بلخ فقال: كم بينك وبين النهر؟ قلت كذا وكذا فرسخا. فقال: هل ظهر من وراء النهر رجل يقال له جهم؟ قلت لا. قال سيظهر من وراء النهر رجل يقال له جهم يهلك خلقا من هذه الأمة يدخلهم الله وإياه النار مع الداخلين ١.
٢٠٠/٢- ابن الجوزي قال: قال عباد بن إسحاق، عن الزهري، قال: قال عمر بن عبد العزيز: لو أن الأمم تخابثت فجاءوا بأخبثها رجلا، وجئنا بالحجاج، لظننا أنا سنغلبهم، وفى رواية: "إذا أتت قوم فارس بأكاسرتها والروم بقياصرتها أتينا بالحجاج فكان عدلا بهم" وإني لأظن كلمة تنجيه
стр. 526
عندي قوله عند الموت: رب اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تغفر لي١.
٢٠١/٣- قال: حدثنا ... عن إبراهيم بن هشام، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: - يعني عمر بن عبد العزيز- ما حسدت الحجاج عدو الله على شيء حسدي إياه على حبه القرآن وإعطائه أهله، وقوله حين حضرته الوفاة: اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل وفى رواية عند ابن عساكر عن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه قال: قال لي عمر بن عبد العزيز لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بأبي محمد لفتناهم فقال رجل من آل أبي معيط لا تقل ذلك فوالله إن وطأ لكم هذا الأمر الذي أصبحتم فيه غرة فقال عمر: أتحب أن يدخلك الله مدخل الحجاج؟ قال إي والله إني لأحب أن يدخلني الله مد خلا ولا يدخلني مدخلك فقال عمر: أمنوا اللهم أدخله مدخل الحجاج٢.
стр. 527
٢٠٢/٤- قال: حدثنا عبد العزيز عن محمد بن المنكدر، قال: كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج، وكان ينفس عليه بكلمة تكلم بها عند موته: اللهم اغفر لي فإنهم زعموا أنك لا تفعل١.
التعليق:
نلمح من الآثار السابقة موقف عمر بن عبد العزيز في الحكم على المعين من أهل القبلة بالجنة أو النار. ولا شك أن أهل السنة والجماعة
لا يشهدون لمعين بالجنة أو بالنار إلا بدليل خاص، ولا يشهدون لهم بمجرد الظن من اندراجهم في العموم، لأنه قد يندرج في العمومين فيستحق الثواب والعقاب لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ ٢، والعبد إذا اجتمع له سيئات وحسنات فإنه وإن استحق العقاب على سيئاته فإن الله يثيبه على حسناته، ولا يحبط حسنات المؤمن لأجل ما صدر منه، وإنما يقول بحبوط الحسنات كلها بالكبيرة الخوارج والمعتزلة الذين يقولون بتخليد أهل الكبائر في النار،
стр. 528
وأنهم لا يخرجون منها بشفاعة ولا غيرها وإن صاحب الكبيرة لا يبقى معه من الإيمان شيء. وهذه أقوال فاسدة مخالفة للكتاب والسنة المتواترة وإجماع الصحابة"١.
قال شارح الطحاوية: ... لا نقول عن أحد معين من أهل القبلة: إنه من أهل الجنة، أو إنه من أهل النار إلا من أخبر الصادق ﷺ أنه من أهل الجنة كالعشرة ﵃، وإن كنا نقول: إنه لا بد أن يدخل النار من أهل الكبائر من يشاء الله إدخاله النار، ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين. ولكنا نقف في الشخص المعين، فلا نشهد له بجنة ولا نار إلا عن علم. لأن حقيقة باطنه وما مات عليه لا نحيط به لكن نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء.
وللسلف في الشهادة بالجنة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن لا يشهد لأحد إلا للأنبياء. وهذا ينقل عن محمد بن الحنفية والأوزاعي.
والثاني: أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص. وهذا قول كثير من العلماء، وأهل الحديث.
стр. 529
والثالث: أنه يشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون كما في الصحيحين أنه مر بجنازة فأثنوا عليها بخير فقال النبي ﷺ وجبت. ومر بأخرى فأثنوا عليها بشرّ فقال: وجبت، وفي رواية كرر: وجبت ثلاث مرات. فقال عمر: يا رسول الله ما وجبت؟ فقال رسول الله ﷺ : هذا أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا وجبت له النار. أنتم شهداء الله في الأرض١.
وقال ﷺ : "توشكون أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار"، قالوا: بم يارسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن والثناء السيئ"٢. فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار٣.
والذي يترجح هو القول الثاني، الذي ينص على أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء النص فيه ,. وأما كون الثناء الحسن الصادر حكمها من النبي ﷺ فيحتمل أن ذلك مما اطلع عليه بالوحي ولا يقاس غيره عليه.
وأما الحديث الثاني توشكون، ... ففيه أن الثناء الحسن والسيئ من أمارات من يدخل الجنة ومن يدخل النار، ومعروف أن الثناء لوحده أو
стр. 530
الذم فقط لا يوجبان جنة ولا نارا. وإنما يستأنس بهما بعد وجود الأصل الذي هو الإيمان.
فالقول الصحيح هو القول الثاني الذي تؤيده الأدلة فالمؤمنون الذين جاء النص بدخولهم الجنة يقطع لهم بذلك ويتوقف عن غيرهم إلا بدليل خاص