عندي قوله عند الموت: رب اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تغفر لي١.
٢٠١/٣- قال: حدثنا ... عن إبراهيم بن هشام، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: - يعني عمر بن عبد العزيز- ما حسدت الحجاج عدو الله على شيء حسدي إياه على حبه القرآن وإعطائه أهله، وقوله حين حضرته الوفاة: اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل وفى رواية عند ابن عساكر عن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه قال: قال لي عمر بن عبد العزيز لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بأبي محمد لفتناهم فقال رجل من آل أبي معيط لا تقل ذلك فوالله إن وطأ لكم هذا الأمر الذي أصبحتم فيه غرة فقال عمر: أتحب أن يدخلك الله مدخل الحجاج؟ قال إي والله إني لأحب أن يدخلني الله مد خلا ولا يدخلني مدخلك فقال عمر: أمنوا اللهم أدخله مدخل الحجاج٢.
стр. 527
٢٠٢/٤- قال: حدثنا عبد العزيز عن محمد بن المنكدر، قال: كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج، وكان ينفس عليه بكلمة تكلم بها عند موته: اللهم اغفر لي فإنهم زعموا أنك لا تفعل١.
التعليق:
نلمح من الآثار السابقة موقف عمر بن عبد العزيز في الحكم على المعين من أهل القبلة بالجنة أو النار. ولا شك أن أهل السنة والجماعة
لا يشهدون لمعين بالجنة أو بالنار إلا بدليل خاص، ولا يشهدون لهم بمجرد الظن من اندراجهم في العموم، لأنه قد يندرج في العمومين فيستحق الثواب والعقاب لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ ٢، والعبد إذا اجتمع له سيئات وحسنات فإنه وإن استحق العقاب على سيئاته فإن الله يثيبه على حسناته، ولا يحبط حسنات المؤمن لأجل ما صدر منه، وإنما يقول بحبوط الحسنات كلها بالكبيرة الخوارج والمعتزلة الذين يقولون بتخليد أهل الكبائر في النار،
стр. 528
وأنهم لا يخرجون منها بشفاعة ولا غيرها وإن صاحب الكبيرة لا يبقى معه من الإيمان شيء. وهذه أقوال فاسدة مخالفة للكتاب والسنة المتواترة وإجماع الصحابة"١.
قال شارح الطحاوية: ... لا نقول عن أحد معين من أهل القبلة: إنه من أهل الجنة، أو إنه من أهل النار إلا من أخبر الصادق ﷺ أنه من أهل الجنة كالعشرة ﵃، وإن كنا نقول: إنه لا بد أن يدخل النار من أهل الكبائر من يشاء الله إدخاله النار، ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين. ولكنا نقف في الشخص المعين، فلا نشهد له بجنة ولا نار إلا عن علم. لأن حقيقة باطنه وما مات عليه لا نحيط به لكن نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء.
وللسلف في الشهادة بالجنة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن لا يشهد لأحد إلا للأنبياء. وهذا ينقل عن محمد بن الحنفية والأوزاعي.
والثاني: أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص. وهذا قول كثير من العلماء، وأهل الحديث.
стр. 529
والثالث: أنه يشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون كما في الصحيحين أنه مر بجنازة فأثنوا عليها بخير فقال النبي ﷺ وجبت. ومر بأخرى فأثنوا عليها بشرّ فقال: وجبت، وفي رواية كرر: وجبت ثلاث مرات. فقال عمر: يا رسول الله ما وجبت؟ فقال رسول الله ﷺ : هذا أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا وجبت له النار. أنتم شهداء الله في الأرض١.
وقال ﷺ : "توشكون أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار"، قالوا: بم يارسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن والثناء السيئ"٢. فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار٣.
والذي يترجح هو القول الثاني، الذي ينص على أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء النص فيه ,. وأما كون الثناء الحسن الصادر حكمها من النبي ﷺ فيحتمل أن ذلك مما اطلع عليه بالوحي ولا يقاس غيره عليه.
وأما الحديث الثاني توشكون، ... ففيه أن الثناء الحسن والسيئ من أمارات من يدخل الجنة ومن يدخل النار، ومعروف أن الثناء لوحده أو
стр. 530
الذم فقط لا يوجبان جنة ولا نارا. وإنما يستأنس بهما بعد وجود الأصل الذي هو الإيمان.
فالقول الصحيح هو القول الثاني الذي تؤيده الأدلة فالمؤمنون الذين جاء النص بدخولهم الجنة يقطع لهم بذلك ويتوقف عن غيرهم إلا بدليل خاص
стр. 531
المبحث السادس: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في نواقض الإيمان .
٢٠٣/١- ابن سعد قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس، قال: حدثني أبي، عن سهيل بن أبي صالح، أن عمر بن عبد العزيز قال: لا يقتل أحد في سب أحد إلا في سب نبي١.
٢٠٤/٢- ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الله ابن أبى عبيدة عن ربيعة بن عطاء عن عمر بن عبد العزيز قال: يستتاب المرتد ثلاثة أيام فإ ن تاب وإلا ضربت عنقه٢.
٢٠٥/٣- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثني أبي، نا مؤمل، نا حماد يعني ابن سلمة حدثنا أبو جعفر الخطمي قال: شهدت عمر بن عبد العزيز وقد دعا غيلان لشيء بلغه في القدر فقال له: ويحك يا غيلان ما هذا
стр. 532
الذي بلغني عنك؟ قال يكذب علي يا أمير المؤمنين ويقال علي ما لم أقل. قال: ما تقول في العلم؟ قال: قد نفد العلم. قال: فأنت مخصوم، اذهب الآن فقل ما شئت ويحك يا غيلان إنك إن أقررت بالعلم خصمت، وإن جحدته كفرت، وإنك إن تقربه فتخصم خير لك من أن تجحده فتكفر ... "١.
٢٠٦/٤-الملطى قال: وقال حسان بن فروخ سألني عمر بن عبد العزيز عما تقول الأزارقة٢، فأخبرته فقال: ما يقولون في الرجم؟ فقلت يكفرون به. فقال: الله أكبر كفروا بالله وبرسوله٣.
التعليق:
تدل الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث على أربعة نواقض من نواقض الإيمان، وهي: إنكار صفة من صفات الله ﵎ المعلومة من الدين بالضرورة كصفة العلم، أو سب نبي من أنبيائه، أو إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة، أو الردة.
وقبل بيان وجه
стр. 533
الاستدلال بهذه الآثار على هذه النواقض ينبغي تعريف النقض لغة واصطلاحا:
فالنقض: هو إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء فهو بمعنى نكث الشيء أو انتشار العقد. والنقض ضد الإبرام، ونقيضك الذي يخالفك.١.
واصطلاحا: أنها اعتقادات، أو أقوال أو أفعال تزيل الإيمان وتقطعه. فهي تقطع الإيمان وتنقضه بينما سائر المعاصي تنقص الإيمان" ٢.
ووجه كون إنكار صفة العلم لله تعالى ناقضا من نواقض الإيمان فلأن ذلك يعد تكذيبا بالوحيين. قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: يجب إكفار القدرية في نفيهم كون الشر من خلق الله. وفي دعواهم أن كل فاعل خالق فعل نفسه٤، ولا شك أن نفي العلم عن الله ﵎ والادعاء بأن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد صدورها عنهم وقاحة وجرأة وكيف يعجز عن العلم من علم بالقلم،
стр. 534
وعلم الإنسان ما لم يعلم، كلا ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١ وعلى زعمهم هذا فما فضل ﴿عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ ٢، الذي ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ ٣، على المخلوق الذي لا يعلم شيئا إلا ما علمه الله٤.
ومن نواقض الإيمان المأثورة عن عمر بن عبد العزيز سب النبي ﷺ أو سب الأنبياء ﵇ ولا يخفى أن من آذى رسول الله ﷺ فقد آذى الله تعالى. ولا يصدر السب لنبي من أنبياء الله تعالى من مؤمن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرا سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلا له أو كان ذاهلا عن اعتقاده هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل٥.
والدليل على أن من سب رسول الله ﷺ أو غيره من الأنبياء يعد كفرا أو ناقضا من نواقض الإيمان اعتبارات منها:
стр. 535
أ- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ ١.
ووجه الدلالة من الآية أن الله تعالى قرن أذاه بأذى رسوله ﷺ فمن آذاه فقد آذى الله تعالى، ومن آذى الله قد احتمل بهتانا وإثما عظيما. وجعل على ذلك اللعنة في الدنيا والآخرة، وأعد له العذاب المهين.
ب - قوله ﵊ من آذى أصحا بي فقد آذاني٢.
ج - أمره ﷺ يوم فتح مكة بقتل ابن خطل فحين أخبر بتعلقه بأستار الكعبة قال: "اقتلوه "٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الحديث: "وهذا مما استفاض نقله بين أهل العلم واتفقوا عليه أن رسول الله ﷺ أهدر دم ابن خطل يوم الفتح فيمن أهدر دمه وأنه قتل٤.
стр. 536
فإذا كان حكم من سب نبينا ﷺ القتل فكذلك حكم من سب غيره من الأنبياء لأن الإيمان به إيمان بجميع الأنبياء والرسل، والكفر به كفر بجميعهم. قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِه﴾ ١، وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ ٢، فقد دلت الآيات على أن الكفر بنبي من الأنبياء كفر بجميعهم. وكذلك غيره مما ينزل منزلته كالاستهزاء والسب، والشتم يعتبر ناقضا من نواقض الإيمان، ويعطى حكم أصله الذي هو الكفر. وهذا ما بينه عمر بن عبد العزيز بقوله:" إنه لا يقتل أحد بسب أحد إلا في سب نبي".
ولا شك أن إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة ناقض من نواقض الإيمان. وهذا ما أثر عن عمر رحمه الله تعالى في الخوارج الذين أنكروا الرجم كما سبق. وقد خاف عمر بن الخطاب ﵁ من إنكار الرجم من
стр. 537
قبل وبين أنه ضلال، وأن الرجم فريضة أنزلها الله فرجم رسول الله ﷺ ورجم أصحابه فروى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة، أو كان الحمل أو الاعتراف. قال سفيان: كذا حفظت، ألا وقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده١. قال الحافظ ابن حجر: وقد وقع ما خشيه عمر ... فأنكر الرجم طائفة من الخوارج أو معظمهم وبعض المعتزلة. ويحتمل أن يكون عمر قد استند في خوفه من هذا الإنكار إلى توقيف فروى عبد الرزاق عن ابن عباس أن عمر قال: سيجيء قوم يكذبون بالرجم٢، وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد، عن سعيد ابن المسيب، عن عمر: "إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم إن يقول قائل لا أجد حدين في كتاب الله فقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا ... " ٣، وفي الحديث إشارة إلى أن عمر استحضر أن أناسا قالوا ذلك فرد عليهم٤.
стр. 538
والمقصود أن الرجم ثابت في كتاب الله تعالى بالآية المنسوخة قراءة الثابتة حكما١، وإنكار الرجم مع العلم بثبوته ناقض من نواقض الإيمان لأنه إنكار ما علم من الدين بالضرورة. ومن المعلوم أن الإيمان قائم على تصديق حكم الله تعالى وحكم رسوله ﷺ ومن أهم هذه الأحكام أحكام الحدود، كالرجم، وغيره. فقد رجم رسول الله ﷺ ماعزا والغامدية وغيرهما. ورجم الصحابة رضوان الله عليهم فإنكار الخوارج هذا الحكم القطعي دليل على مروقهم من الدين واعتمادهم على عقولهم في التعامل مع نصوصه الصحيحة الصريحة أعاذنا الله من الحور بعد الكور وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
ومن نواقض الإيمان الردة وقد بين عمر أن من ثبت عنه هذا الناقض فإنه يستتاب ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ... ﴾ ٢.
стр. 539
ومن السنة قوله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" وفيه: "والتارك لدينه المفارق للجماعة"١
قال النووي: فأما قوله: "والتارك لدينه المفارق للجماعة" فهو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت, فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام ٢.
هذا وكون المرتد يستتاب ثلاثة أيام هو قول أكثر أهل العلم٣.
стр. 540
المجلد الثاني
الباب الثالث: الآثار عن عمر في الاعتصام بالكتاب والسنة وموقفه من أهل الأهواء والبدع وأهل الذمة
الفصل الأول: الآثار عن عمر في الاعتصام بالكتاب والسنة
المبحث الأول: الأثار عن عمر في وجوب لزوم الجماعة
...
الباب الثالث: الآثار عن عمر في الاعتصام بالكتاب والسنة وموقفه من أهل الأهواء والبدع وأهل الذمة.
وفيه تسعة فصول: الفصل الأول: الآثار عن عمر في الاعتصام بالكتاب والسنة.
وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول: الآثار عن عمر في وجوب لزوم الجماعة.
٢٠٧/١- ابن الجوزي قال: قال ابن مهدي: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن الأوزاعي، قال: قال عمر بن عبد العزيز: "إذا رأيت قوما يتناجون في دينهم بشيء دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة"١.
٢٠٨/٢- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: سنّ رسول الله صلىالله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر في أمر خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاّه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً٢.
стр. 541
٢٠٩/٣- ابن عبد الحكم أن عمر كتب رسالة إلى الخوارج وفيها: ... أقسم بالله لو كنتم أبكاري من أولادي ورغبتم عما فرشنا للعامة فيما ولينا لدفقت دماءكم أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة ... "١.
التعليق:
تدل الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث على لزوم الجماعة وترك التفرق. ولاشك أن ميزة أهل السنة والجماعة كونهم متفقين غير متفرقين ولذا تجد التوافق العجيب بينهم وإن باعدت بينهم الديار والأزمان، لأن مصدر تلقي العقيدة عندهم كتاب الله وسنة نبيه صلىالله عليه وسلم ولأن الاجتماع على الحق هو مطلبهم وغايتهم، فمن اهتدى بمنهجهم هُدي ومن استبصر بها بصر، وقد أمرنا الله ﵎ بالاجتماع وترك التفرق قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٢، وبرأ الله نبيه صلىالله عليه وسلم ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ٣.
стр. 542
وقال ﷺ : "إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا"١.
ولزوم جماعة المسلمين والحرص على الحق هو ديدن أهل السنة والجماعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - في بيان أهمية هذا الأصل-: "وهذا الأصل العظيم وهو الاعتصام بحبل الله جميعا، وأن لا يتفرق هو من أعظم أصول الإسلام، ومما عظمت وصية الله تعالى به في كتابه، ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب وغيرهم، ومما عظمت به وصية النبي صلىالله عليه وسلم في مواطن عامة وخاصة٢.
وإذا كان الاجتماع على الحق وأهله بهذه المنزلة فمن هم الجماعة المعنية بهذه المنزلة الرفيعة والنجاح الموفور في الدنيا والآخرة؟
قال الشاطبي رحمه الله تعالى- في بيان هذه الجماعة-: "اختلف الناس في معنى الجماعة على خمسة أقوال:
أحدها: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام.
الثاني: جماعة أئمة العلماء المجتهدين.
الثالث: جماعة أهل الإسلام إذا أجمعوا على أمر.
الرابع: جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير.
стр. 543
الخامس: الجماعة هي الصحابة على الخصوص١.
وهذا ما كان يراه عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كما تبين من الآثار وكما ذكر ذلك عنه الشاطبي٢،ويدل على هذا أن إجماعهم حجة، والتمسك بسنتهم والسير على نهجهم من أسمَى المطالب، فالمتمسك بما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم ومن تبعهم بإحسان هم الجماعة في أي زمان وفي أي مكان، ومن خالف ما عليه أصحاب محمد صلىالله عليه وسلم فهو خارج عن الجماعة، لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ٣.
وقد حذر الرسول صلىالله عليه وسلم أصحابه من مخالفة سبيل المؤمنين والخروج عن جماعتهم، فعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية" ٤. وروى الترمذي من حديث الحارث بن الحارث الأشعري فذكر حديثا طويلا وفيه: " ... وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن: السمع والطاعة، والجهاد،
стр. 544
والهجرة، والجماعة، فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"١
ويتبين مما أثر عن عمر أنه كان يقصد بالعامة في تلك الآثار: "الجماعة" بدليل وصفه من خرج عنها بالضلال، ووصفه من تركها بأنه قد اتبع غير سبيل المؤمنين وهو من الهالكين، كما بين للخوارج أنهم لو كانوا أولاده من صلبه ثم خرجوا عن جماعة المسلمين وإمامهم لدق رقابهم قربة لله تعالى.
وهذا منه رحمه الله تعالى تطبيق لنص الحديث الشريف كما في صحيح مسلم أنه صلىالله عليه وسلم قال: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه"٢.
وكان السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم يحثون على لزوم الجماعة ويحذرون من الخروج عليها حرصا منهم على اتباع الكتاب والسنة، وتقديرا للعواقب، وتجنبا للفتنة ودرءا للمفسدة وحقنا لدماء المسلمين، وهذه كلها يجب على المسلم مراعاتها.
قال الآجري رحمه الله تعالى: "إن المؤمن العاقل يحتاط لدينه فالفتن على وجوه كثيرة، قد مضى منها فتن عظيمة نجا منها أقوام، وهلك فيها
стр. 545
أقوام باتباعهم الهوى، وإيثارهم للدنيا فمن أراد الله تعالى به خيراً فتح له باب الدعاء والتجأ إلى مولاه الكريم، وخاف على دينه وحفظ لسانه وعرف زمانه، ولزم الحجة الواضحة والسواد الأعظم ... "١.
ويبدو مما تقدم أن الراجح في الجماعة التي يراها عمر أنهم هم الصحابة رضوان الله عليهم، ومن سار على نهجهم، واقتفى آثارهم، وهذا هو الحق، لأن تلك الأقوال كلها تصدق على الصحابة، وتصدق على من سار على نهجهم.
ومن المهم ذكره هنا أن هذه الجماعة التي يقصدها عمر باقية إن شاء الله تعالى إلى قيام الساعة روى البخاري عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يزال من أمتي قوم ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله "٢.قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - مبينا أمر هذه الجماعة وهذه الطائفة-: "ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، وأن يكونوا في بعض منه دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أوّلاً فأوّلاً، إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد فإذا انقرضوا جاء أمر الله"٣.
стр. 546
المبحث الثاني: الآثار الواردة عنه في اتباع الكتاب والسنة
٢١٠/١- ابن عبد الحكم قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز كتب: أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله ولزوم كتابه والاقتداء بسنة نبيه وهديه١، ... وليس لأحد في كتاب الله ولا في سنة نبيه صلىالله عليه وسلم أمر ولا رأي إلا إنفاذه والمجاهدة عليه٢ ... فإن الذي في نفسي وبغيتي في أمر أمة محمد صلىالله عليه وسلم أن تتبعوا كتاب الله وسنة نبيه صلىالله عليه وسلم وأن تجتنبوا ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيد، من عمل بغيرهما فلا كرامة ولا رفعة له في الدنيا والأخرى، وليعلم من عسى أن يذكر له ذلك، ولعمري لأن تموت نفسي في أول نفس أحب إلى من أن أحملهم على غير اتباع كتاب ربهم وسنة نبيهم التي عاش عليها من عاش وتوفاه الله عليها حين توفاه - إلا أن يأتي علي وأنا حريص على اتباعه - وإن أهون الناس علي تلفاً وحزَنًا لمن عسى أن يريد خلاف شيء من تلك السنة ... "٣.
стр. 547
٢١١/٢- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز إن الله فرض فرائض وسن سننا من أخذ بها لحق ومن تركها١ محق٢.
٢١٢/٣- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: يا ليتني عملت فيكم بكتاب الله وعملتم به، فكلما عملت فيكم بسنة وقع مني عضو، حتى يكون آخر شيء منها خروج نفسي٣.
٢١٣/٤- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الخوارج من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى هؤلاء العصابة الذين خرجوا، أما بعد: فإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ... "٤.
٢١٤/٥- ابن سعد قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عبد الله ابن يونس الثقفي عن سيار أبي الحكم قال: لما وُلي عمر بن عبد العزيز خرج إلى المسجد فصعد المنبر وحمد الله فأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فإنه ليس بعد نبيكم نبي ولا بعد الكتاب الذي أنزل عليه كتاب، ألا إن ما
стр. 548
أحل الله حلال إلى يوم القيامة، وما حرم الله حرام إلى يوم القيامة، ألا إني لست بقاض ولكني منفذ ألا إني لست بمبتدع ولكني متبع١.
٢١٥/٦- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز سن رسول الله صلىالله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام٢ بكتاب الله وقوة على دين الله ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر في أمر خالفها....٣، قال عبد الله بن عبد الحكم فسمعت مالكا يقول: وأعجبني عزم عمر في ذلك.
التعليق:
إن الآثار التي وردت عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى في هذا المبحث تحث على اتباع الكتاب والسنة ولزومهما، وبذل الجهد والطاقة في تطبيقهما، وإن أدى ذلك إلى قطع الأعضاء وإزهاق النفس، كما تبين
стр. 549
المنهج الذي يسير عليه عمر في دعوة أهل البدع إلى الالتزام بالكتاب والسنة.
ولا شك أن ما ذهب إليه هنا من اتباع الكتاب والسنة والتحاكم إليهما في موارد النزاع وتحكيمهما في كل صغير وكبير، والرضا بذلك، والانقياد إليه، هو أصل الدين وأساسه، ومن الواجبات عند كل مسلم أن يقر بأن أصول الدين الإسلامي وفروعه لا تعلم إلا من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وبهذا كله جاءت النصوص والأدلة وعليه قامت البراهين والشواهد. قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ١، وقال : ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
стр. 550
وقال : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ ١.
وقد خطب رسول الله صلىالله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: "ياأيها الناس: إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي"٢.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلىالله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى"٣.
ومن آثار السلف الصالح في ذلك ما روي عن ابن مسعود ﵁ قال: "إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد صلىالله عليه وسلم ... "٤.
فاتباع الكتاب والسنة من الأمور التي اتفق عليها سلف هذه الأمة وهي أعظم نعمة أنعم الله بها عليهم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم اعتصامهم بالكتاب والسنة فكان من
стр. 551
الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قطُّ أن يعارض القرآن، لا برأيه، ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه، ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات أن الرسول صلىالله عليه وسلم جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم ... من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعى إليه هدي إلى صراط مستقيم، فكان القرآن هو الإمام الذي يقتدي به ... وسنة رسول الله صلىالله عليه وسلم تبين القرآن وتدل عليه وتعبر عنه ... "١.
وعندما ضعف اتباع الكتاب والسنة عند أهل الأهواء والبدع، وقعوا في حيرة من أمرهم، واستبدلوا باتباع الكتاب والسنة اتباع الفلاسفة الوثنيين، والهنود وغيرهم من أهل الضلال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية "وإنما اختلف أهل الكلام لما أعرضوا عن الكتاب والسنة، فلما دخلوا في البدع وقع الاختلاف، وهكذا طريق العبادة عامة ما يقع فيه من الاختلاف إنما هو بسبب الاعراض عن الطريق المشروع فيقعون في البدع فيقع فيهم الخلاف٢.
وقال الحافظ ابن حجر - مبينا حيرة المتكلمين، وتعنتهم، ونبذهم الكتاب والسنة، وراء ظهورهم فقال -: واشتد إنكار السلف لذلك
стр. 552
"يعني علم الكلام" ... وسببه أنهم تكلموا فيما سكت عنه الكتاب والسنة وتوسعوا فيه، ومعلوم أنه لم يكن في عهد النبي صلىالله عليه وسلم وأبي بكر وعمر شيء من الأهواء، وقد توسع من تأخر عن القرون الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل، ولو كان مستكرها، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف، وإن لم يكن منه بد فليكتف بقدر الحاجة ويجعل الأول المقصود بالأصالة. والله الموفق١.
стр. 553
المبحث الثالث: الآثار عن عمر في تجريد المتابعة للنبي ﷺ .
٢١٦/١- ابن أبي شيبة قال: محمد بن بشر قال: حدثنا عبيد الله بن الوليد عن عبيد بن الحسن، قال: قالت الخوارج لعمر بن عبد العزيز: تريد أن تسير فينا بسيرة عمر بن الخطاب؟ فقال: ما لهم قاتلهم الله؟! والله ما زدت أن أتخذ رسول الله إماما١.
٢١٧/٢- البلاذري: قال: كتب عمر بن عبد العزيز: " مروا أهل الصلاح يتذاكروا السنن في مجالسهم ومساجدهم وأسواقهم"٢.
٢١٨/٣- محمد بن نصر المروزي قال: قال الأوزاعي قال عمر بن عبد العزيز: لا عذر لأحد بعد السنة في ضلالة ركبها يحسب أنها هدى٣.
стр. 554
٢١٩/٤- ابن عبد البر قال: حدثنا عبد الوارث، نا قاسم نا أحمد بن زهير، نا الحوطي، نا إسماعيل بن عياش، عن سوادة بن زياد، وعمرو بن مهاجر، عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الناس أنه: لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
التعليق:
الآثار الواردة عن عمر في هذا المبحث تدل على تجريد المتابعة للنبي صلىالله عليه وسلم وتجريد المتابعة له صلىالله عليه وسلم هي الشرط الثاني من شروط قبول الأعمال عند الله تعالى، وهي حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "فلا يكون العبد متحققا بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُد﴾ إلا بأصلين عظيمين: أحدهما متابعة الرسول ﷺ ، والثاني: الإخلاص للمعبود"٢.
وهذا الذي أثر عن عمر رحمه الله تعالى تدل عليه الآيات الكثيرة والأحاديث الصحيحة وأقوال السلف الصالح. فمن الآيات الدالة على
стр. 555
تجريد المتابعة للنبي ﷺ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ... ﴾ ١، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٢. ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ ٣.
ومن الأحاديث الصحيحة الدالة على تجريد المتابعة للنبي ﷺ حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد" ٤، وفي رواية: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ٥، وحديث أنس بن مالك ﵁ في قصة الثلاثة الذين جاءوا إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما ذكر لهم
стр. 556
ذلك فكأنهم تقالُّوها فلما سمع النبي ﷺ بما أزمعوا عليه قال لهم: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" ١.
ومما أثر عن السلف الصالح في تجريد المتابعة للنبي صلىالله عليه وسلم ما تقدم ذكره من الآثار عن عمر بن عبد العزيز، وقول أبي الدرداء ﵁: "الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة"٢، وعن الأوزاعي٣ ﵀ قال: كان يقال: خمس كان عليها أصحاب محمد ﷺ والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المساجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله٤.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في حقيقة المتابعة للنبي ﷺ : "فمحمد ﷺ أرسل إلى كل أحد، من الإنس والجن كتابيهم وغير كتابيهم في كل ما يتعلق بدينه من الأمور الباطنة والظاهرة في عقائده وحقائقه، وطرائقه، وشرائعه، فلا عقيدة إلا عقيدته، ولا شريعة إلا
стр. 557
شريعته، ولا طريقة إلا طريقته، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا يصل أحد من الخلق إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته، وولايته إلا بمتابعته ظاهراً وباطنا في الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، في أقوال القلب، وعقائده، وأحوال القلب وحقائقه، وأقوال اللسان، وأعمال الجوارح"١.
فمتابعته ﷺ واتباعه في أمره ونهيه والاقتصار على ذلك هو سبيل المؤمنين وطريق الموحدين الذين أنعم الله عليهم من الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.
стр. 558
المبحث الرابع: الآثار عن عمر في الحرص على لزوم السنة والذب عنها .
٢٢٠/١- ابن عبد الحكم قال: قال: سليمان بن داود الخولاني١، أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: يا ليتني قد عملت فيكم بكتاب الله، وعملتم به، فكلما عملت فيكم بسنة وقع مني عضو حتى يكون آخر شيء منها خروج روحي٢.
٢٢١/٢- الفسوي قال: حدثنا ابن بكير قال: حدثني الليث، قال: حدثني عبد العزيز، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن عبيد الله بن عاصم خال عمر بن عبد العزيز أنه قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز حين استخلف قال: وجاءه الناس من كل مكان قال: فجلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ... وقال: والله لولا أن أنعش سنة أو أسير بحق ما أحببت أن أعيش فواقا٣.
стр. 559
٢٢٢/٣- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: ... ألا لا سلامة لامرئ في خلاف السنة ... ١.
٢٢٣/٤- ابن سعد قال: أخبرنا سعيد بن عامر، عن حزم بن أبي حزم قال: قال عمر بن عبد العزيز في كلام له: فلو كان كل بدعة يميتها الله على يدي وكل سنة ينعشها الله على يدي ببضعة من لحمي حتى يأتي آخر ذلك على نفسي كان في الله يسيرًا٢.
стр. 560
٢٢٤/٥- الآجري قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: نا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: نا مؤمل بن إسماعيل، قال: نا سفيان الثوري، قال: حدثني شيخ - قال مؤمل: زعموا أنه أبو رجاء الخراساني - أن عدي بن أرطأة كتب إلى عمر بن عبد العزيز: إن قبلنا قوما يقولون: لا قدر، فاكتب إلي برأيك، واكتب إلي بالحكم فيهم فكتب إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عدي بن أرطأة. أما بعد: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه وترك ما أحدث المحدثون مما قد جرت سنته وكفوا مؤنته. فعليكم بلزوم السنة فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق ... "١.
стр. 561
التعليق:
يظهر مما سبق نقله عن عمر بن عبد العزيز أنه كان من أحرص الناس على لزوم السنة والتمسك بها والذب عنها، بل إنه قد وظَّف الخلافة لخدمة السنة. وهذا المنقول عنه هو ما عليه السلف الصالح، والآثار المروية عنهم كثيرة جداً في هذه المسألة فمنها:
قول أبي بكر الصديق ﵁: "لست تاركا شيئا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، وإني لأخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ"١.
стр. 562
وقول ابن عباس ﵄: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر"١.
وقول الأوزاعي لمخلد بن الحسين: "يا أبا محمد إذا بلغك عن رسول الله ﷺ حديث فلا تظنن غيره ولا تقولن غيره، فإن محمدا إنما كان مبلغا عن ربه"٢.
ومنها رسالة أسد بن موسى، قال ابن وضاح وكتب أسد بن موسى إلى أسد بن الفرات رسالة وفيها: ... وادع إلى السنة حتى يكون لك في ذلك ألفة وجماعة يقومون مقامك، إن حدث بك حدث فيكونوا أئمة بعدك فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة كما جاء في الأثر، فاعمل على بصيرة ونية وحسبة، فيرد الله بك المبتدع المفتون الزائغ الحائر، فتكون خلفا من نبيك ﷺ فأحْيِ كتاب الله وسنة رسوله فإنك لن تلقى الله بعمل يشبهه ... "٣.
ويكفي في بيان حرص عمر على العمل بالسنة قوله: "لولا أن أنعش سنة أو أسير بحق ما أحببت أن أعيش فواقا".
стр. 563
ومن تتبع سيرة السلف الصالح رحمهم الله تعالى في حرصهم على لزوم السنة والذب عنها والدفاع عنها لوجد بغيته المقصودة وما أثر عن عمر في هذا المبحث يشفي الغليل وينير السبيل والله الموفق.
стр. 564
المبحث الخامس: الآثار عن عمر في الأمر بالتمسك بما عليه الفطرة
...
المبحث الخامس: الآثار عن عمر في الأمر بالتمسك بما تدل عليه الفطرة.
٢٢٥/١- ابن سعد: قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة، قال: أخبرنا سفيان، عن جعفر بن برقان، قال: جاء رجل إلى عمر بن عبد العزيز فسأله عن شيء من الأهواء فقال: الزم دين الصبي في الكُتّاب والأعرابي، والْهَ عما سوى ذلك١.
التعليق:
إن هذا الأثر الوارد عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يُلْمَحُ منه أنه يرى أن العباد مخلوقون على الدين القويم، وأن الانحراف عنه طارئ وحادث، وهذا ما دل عليه القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم﴾ ٢.
стр. 565
ودلت عليه السنة الصحيحة، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء١ هل تحسون فيها من جدعاء"٢ ثم يقول أبو هريرة ﵁: فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم٣.
فالفطرة السليمة تقر بخالقها وتحبه وتتذلل له وتخلص له الدين وفيها قوة موجبة لذلك، وكذلك تقر بشرعه وتؤثر هذا الشرع على غيره. فهي تعرف هذا الشرع وتشعر به مجملا ومفصلا بعض التفصيل، فجاءت