← Акыда

Акыда · id 11723

الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة

حياة بن محمد بن جبريل

Полный текст (805 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

التعليق: يظهر مما سبق نقله عن عمر بن عبد العزيز أنه كان من أحرص الناس على لزوم السنة والتمسك بها والذب عنها، بل إنه قد وظَّف الخلافة لخدمة السنة. وهذا المنقول عنه هو ما عليه السلف الصالح، والآثار المروية عنهم كثيرة جداً في هذه المسألة فمنها: قول أبي بكر الصديق ﵁: "لست تاركا شيئا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، وإني لأخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ"١.

стр. 562

وقول ابن عباس ﵄: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر"١. وقول الأوزاعي لمخلد بن الحسين: "يا أبا محمد إذا بلغك عن رسول الله ﷺ حديث فلا تظنن غيره ولا تقولن غيره، فإن محمدا إنما كان مبلغا عن ربه"٢. ومنها رسالة أسد بن موسى، قال ابن وضاح وكتب أسد بن موسى إلى أسد بن الفرات رسالة وفيها: ... وادع إلى السنة حتى يكون لك في ذلك ألفة وجماعة يقومون مقامك، إن حدث بك حدث فيكونوا أئمة بعدك فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة كما جاء في الأثر، فاعمل على بصيرة ونية وحسبة، فيرد الله بك المبتدع المفتون الزائغ الحائر، فتكون خلفا من نبيك ﷺ فأحْيِ كتاب الله وسنة رسوله فإنك لن تلقى الله بعمل يشبهه ... "٣. ويكفي في بيان حرص عمر على العمل بالسنة قوله: "لولا أن أنعش سنة أو أسير بحق ما أحببت أن أعيش فواقا".

стр. 563

ومن تتبع سيرة السلف الصالح رحمهم الله تعالى في حرصهم على لزوم السنة والذب عنها والدفاع عنها لوجد بغيته المقصودة وما أثر عن عمر في هذا المبحث يشفي الغليل وينير السبيل والله الموفق.

стр. 564

المبحث الخامس: الآثار عن عمر في الأمر بالتمسك بما عليه الفطرة ... المبحث الخامس: الآثار عن عمر في الأمر بالتمسك بما تدل عليه الفطرة. ٢٢٥/١- ابن سعد: قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة، قال: أخبرنا سفيان، عن جعفر بن برقان، قال: جاء رجل إلى عمر بن عبد العزيز فسأله عن شيء من الأهواء فقال: الزم دين الصبي في الكُتّاب والأعرابي، والْهَ عما سوى ذلك١. التعليق: إن هذا الأثر الوارد عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يُلْمَحُ منه أنه يرى أن العباد مخلوقون على الدين القويم، وأن الانحراف عنه طارئ وحادث، وهذا ما دل عليه القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم﴾ ٢.

стр. 565

ودلت عليه السنة الصحيحة، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء١ هل تحسون فيها من جدعاء"٢ ثم يقول أبو هريرة ﵁: فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم٣. فالفطرة السليمة تقر بخالقها وتحبه وتتذلل له وتخلص له الدين وفيها قوة موجبة لذلك، وكذلك تقر بشرعه وتؤثر هذا الشرع على غيره. فهي تعرف هذا الشرع وتشعر به مجملا ومفصلا بعض التفصيل، فجاءت

стр. 566

الرسل تذكرها بذلك وتنبهها عليه وتفصله لها وتبينه، وتعرفها الأسباب المعارضة لموجب الفطرة المانعة من اقتضائها أثرها١. ولا شك أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يُلَمِّح بقوله: الزم دين الصبي الذي في الكُتّاب والأعرابي والْهَ عمّا سوى ذلك تلك الفطرة السليمة التي لم تدنسها الأهواء ويؤيد ذلك ما مثل به رحمه الله تعالى من دين الصبي الذي بدأ يتعلم في الكتاب وهو بلا شك على فطرته السليمة, فلو سئل مثلا عن علو الله ﵎ لأجاب بالإثبات, وكذلك الأعرابي السليم الفطرة, فلو سئل عن ربه لأجاب بأنه تعالى عال على خلقه, فأمر رحمه الله تعالى من سأله عن الأهواء بأن يلتزم الفطرة، وأن لا يتدخل في متاهات أهل الأهواء الذين استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير. والذي نَلْمَحُهُ عن أثر عمر هنا هو أرجح الأقوال في معنى الفطرة المقصودة في قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ فقد اختلف العلماء في المراد بالفطرة في هذه الآية إلى عدة أقوال٢، ذكرها الإمام ابن

стр. 567

عبد البر في التمهيد١، كما ناقشها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وتلميذه ابن القيم٢، ثم رجح شيخ الإسلام وابن القيم القول بأن الفطرة هي الدين الذي ولد عليه الإنسان وهو دين الإسلام الحنيف، ولا يعني هذا أن الطفل يولد وهو عارف بالدين وإنما المقصود أن الطفل يولد على نوع من الجبلة ويكون متهيئا لقبول الحق طبعا وطوعا لو خلته شياطين الإنس والجن وما يختار لم يختر غير الإسلام، وهذا ما يلمح عن أثر عمر رحمه الله تعالى بقوله" الزم دين الصبي الذي في الكُّتاب والأعرابي". لأن الصبي والأعرابي بعيدان عن تنطع أهل الأهواء متمسكان بما ولدا عليه من الفطرة السليمة. وقد بدأ الصبي يتعلم، وهو أمر ينمي فطرته ويرشدها. ولا شك أن الأدلة السابقة من الكتاب والسنة وهذا الأثر الوارد عن عمر ﵀ كل ذلك يعتبر ردًا على المتكلمين ومن انتحل مذهبهم في معرفة الله وأن أول واجب على المسلم هو النظر، قال الإيجي: " النظر في معرفة الله تعالى واجب إجماعا"٣، أو أن أول ما أوجب الله على المسلم

стр. 568

هو: النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى"١، أو القصد إلى النظر الصحيح٢، أو أن أول الواجبات هو الشك لأن النظر بعده"٣، إلى ما هنالك من سفسطة أهل الكلام، ولا يعني هذا أن السلف الصالح يحرمون النظر مطلقًا وإنما يجيزون النظر في الشيء الذي لا يحصل العلم به إلا بالنظر. فيجب النظر في مسائل النزاع التي لا يعلم الحق فيها إلا بالنظر فإذا أراد معرفة الحق فيها وجب عليه النظر. فالنظر يجب في حال دون حال وفي شخص دون شخص. فوجوبه من العوارض التي تجب على بعض الناس في بعض الأحوال لا من اللوازم العامة٤. فالعلم بمعرفة الله ضروري، ولو كان نظريا لكان على الرسل أول ما يدعون إلى النظر،

стр. 569

وهذا مما علم فساده من دين الإسلام فإن كل كافر إذا أراد الدخول في دين الإسلام أول ما يؤمن بالشهادة فلو قال: أنا أقر بالخالق لم يكن بذلك مسلما، ولو قال: أنا أعرف الله أنه رب العالمين ورازقهم ومدبرهم لم يصر بذلك مسلما، فمعرفة الله فطرية حاصلة لجمهور الخلق١. والمقصود أن معرفة الله تعالى فطرية بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ حيث فسرت الفطرة بالدين في الآية وكذلك في الحديث حيث قال ﵊: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه" ولم يقل عليه الصلاة يمسلمانه لأن الطفل مولود على الإسلام، والمتكلمون أو جبوا النظر والاستدلال بطريق خاص وضعوه ومنعوا حصول المعرفة للخالق قبل النظر في الآيات الكونية والنفسية، ومن باب أولى لا يكون فيها ميل إلى عبادة الله أو محبته أو تعظيمه. فالقلوب ليست مفطورة على المعرفة وإنما المعرفة تنشأ بالاستدلال، وهذا الخلط والبعد عن الصواب ناتج عن عدم إدراكهم أن المعرفة ثابتة في القلوب، وأنها مما فطر عليها الخلق وأن البحث عنها إنما هو من باب تحصيل الحاصل وأن الأنبياء إنماجاءوا بدعوة الناس إلى العبادة، ولم يدعوهم إلى المعرفة ولا إلى وسائلها

стр. 570

أو مقدماتها، وأن ما كان من ذلك فإنما لزيادة المعرفة، وتوضيحها لا إلى تحصيلها وتأسيسها. والسلف الصالح مجمعون على أن العباد مفطورون على معرفة خالقهم وأن إتمام معرفتهم أو تصحيحها لا يحتاج إلى غير طرق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وهو ما جاءوا بتقريره وتأكيده١.

стр. 571

المبحث السادس: الآثار عن عمر في التمسك بأخبار الآحاد في العقيدة . ٢٢٦/١- أبو زرعة قال: وحدثني عبد الرحمن بن إبراهيم، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن يحيى بن الحارث، عن أبي سلام، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى صاحب دمشق، أن سل أبا سلام عما سمع من ثوبان - مولى رسول الله ﷺ في الحوض، فإن كان يثبته فاحمله على مركبة من البريد١. ٢٢٧/٢- وقال: أخبرني يحيى بن صالح الوحاظي قال: حدثنا محمد بن مهاجر، عن العباس بن سالم، عن أبي سلاَّم أنه دخل على عمر بن عبد العزيز فقال: لقد شققت عليَّ يا أمير المؤمنين، قال: ما أردت ذاك، ولكن أحببت أن تشافهني بحديث ثوبان في الحوض٢. ٢٢٨/٣- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر في أمر خالفها، من

стр. 572

اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا١. قال عبد الله بن عبد الحكم فسمعت مالكا يقول وأعجبني عزم عمر في ذلك. التعليق: يتبين مما أثر عن عمر رحمه الله تعالى فيما تقدم من الآثار أخذه بأخبار الآحاد في العقيدة، حيث اكتفى بخبر أبي سلام فقط، مع أنه وحده. كما تبين آنفاً، وكما تبين أيضا في تلك الآثار منهج أهل السنة والجماعة في التثبت في الأحاديث. ويتضح في الأثر الثالث منها تمسكه ﵀ بأخبار الآحاد في العقيدة وذلك في قوله: "سن رسول الله وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله" فلم يفرق رحمه الله تعالى بين السنة الآحادية، وغيرها من السنن كما لم يفرق بين هذه السنن سواء كانت في باب الاعتقاد أو العبادات أو المعاملات وإنما بين أن الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله ليس لأحد تبديلها ولا النظر في أمر خالفها، وبين أن الأخذ بها هو سبيل المؤمنين من حاد عنه تولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا، ولا شك أن الأخذ بأخبار الآحاد

стр. 573

في العقيدة هو مذهب السلف الصالح حيث تلقوا أحاديث الصفات والعقائد ودوّنوها في مؤلفاتهم موقنين بصحتها، عالمين يقينا بأن رسول الله ﷺ جاء بها كما جاء بالصلاة والزكاة، والتوحيد كصنيع الإمام البخاري ﵀ في صحيحه١، وغيره من أئمة السلف، وذلك لأن الذين نقلوا هذه الأحاديث الآحادية في العقيدة هم الذين نقلوا لنا جميع علوم الشريعة فيلزم من رد بعض أخبارهم وقبول البعض التفريق بين متماثلين، وإلحاق الطعن بالصحابة والسلف وعدم الثقة بأخبارهم مع ما عرف من ورعهم وتثبتهم، وتحريهم للصدق، إلى غير ذلك مما ينافي سوء الظن بهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقا له أو عملا به أنه يوجب العلم وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة ومالك، والشافعي، وأحمد، إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك، ولكن كثيرا من أهل الكلام أو

стр. 574

أكثرهم يوافقون الفقهاء وأهل الحديث والسلف على ذلك وهو قول الأشعرية ... "١. وخبر الواحد الذي نقصده ضمن كلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى السابق هو خبر الواحد الصحيح المحفوف بالقرائن وهو يفيد العلم بلا شك عند عامة السلف. قال أبو المظفر السمعاني رحمه الله تعالى:" إن الخبر إذا صح عن رسول الله صلىالله عليه وسلم ورواه الثقات والأئمة وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله صلىالله عليه وسلم وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم. هذا قول عامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة، وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال ولا بد من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به شيء اخترعته القدرية، والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار، وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول"٢. وقد استدل المثبتون لأخبار الآحاد في العقيدة بأدلة كثيرة جدا منها: ١- أننا نعلم يقينا أن النبي صلىالله عليه وسلم كان يبعث أفرادا من الصحابة إلى مختلف البلاد ليعلموا الناس دينهم كما أرسل عليا، ومعاذا، وأبا موسى إلى اليمن في نوبات مختلفة. ونعلم يقينا أيضا أن أهم شيء في الدين إنما

стр. 575

هو العقيدة فهي أول شيء كان أولئك الرسل يدعون الناس إليه، وقد كان كل منهم أرسل منفردا فلو كانت أخبار الآحاد لا تثبت بها العقائد لكان عمل رسول الله ﷺ في غير موضعه وحاشاه، فظهر بطلان هذا القول وثبت وجوب الأخذ بخبر الآحاد في العقائد١. ٢- أن القول بعدم الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة مخالف لجميع أدلة الكتاب والسنة التي نحتج بها نحن، والقائلون بعدم كون السنة الآحادية ليست حجة في العقيدة، وذلك لعمومها وشمولها لما جاء به رسول الله ﷺ عن ربه سواء كان عقيدة أو حكما فتخصيص هذه الأدلة بالأحكام دون العقائد تخصيص بدون مخصص وذلك باطل، وما لزم منه باطل فهو باطل٢. ٣- قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٣، أي لا تتبعه ولا تعمل به، ومن المعلوم أن المسلمين لم يزالوا من عهد الصحابة يقْفون أخبار الآحاد ويعملون بها ويثبتون بها الأمور الغيبية والحقائق الاعتقادية مثل بدء الخلق وأشراط الساعة، بل يثبتون بها لله تعالى الصفات فلو

стр. 576

كانت لا تفيد علما ولا تثبت عقيدة لكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كلهم قد قَفَوْا ما ليس لهم به علم، وهذا مما لا يقوله مسلم١. وقد ذكر العلماء قديما وحديثا حججا كثيرة في الأخذ والاحتجاج بأخبار الآحاد في العقيدة منهم فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، وفضيلة الشيخ الدكتور عمر سليمان الأشقر وغيرهم كثير.

стр. 577

المبحث السابع: الآثار عن عمر في الاعتصام بسنة الخلفاء الراشدين . ٢٢٩/١- أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا حبيب بن الحسن، ثنا جعفر ابن محمد الفريابي، حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عرعرة بن البرنْد، عن حاجب بن خليف البرجمي، قال: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو خليفة فقال في خطبته: ألا إن ما سن رسول الله ﷺ وصاحباه فهو دين نأخذ به وننتهي إليه، وما سن سواهما فإنا نرجئه١. ٢٣٠/٢- ابن عبد الحكم قال: وذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: من عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله أما بعد: فقد ابتليت بما ابتليت به من أمر هذه الأمة من غير مشاورة مني، ولا إرادة يعلم الله ذلك، فإذا أتاك كتابي هذا، فاكتب إلي بسيرة عمر بن الخطاب في أهل القبلة وأهل العهد، فإني سائر بسيرته، إن أعانني الله على ذلك والسلام٢.

стр. 578

٢٣١/٣- عبد الرزاق قال: عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن عون بن عبد الله، قال: قال لي عمر بن عبد العزيز أعدلان عندك عمر وابن عمر؟ قال: قلت نعم. قال: إنهما لم يكونا يكبران هذا التكبير١. ٢٣٢/٤- أبو زرعة الدمشقي قال: حدثني آدم حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، قال: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: طلقت امرأتي وأنا سكران، قال الزهري، فكان رأي عمر بن عبد العزيز أن يجلده ويفرق بينه وبين امرأته حتى حدثه أبان بن عثمان (عن أبيه) : ليس على المجنون ولا السكران طلاق، فقال عمر: تأمروني وهذا يحدثني عن عثمان بن عفان؟ فجلده وردَّ إليه امرأته٢. ٢٣٣/٥- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله، وقوة

стр. 579

على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر في أمر خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها، واتبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله ما تولىّ وأصلاه جهنم وساءت مصيرا١. التعليق: إن الآثار الواردة عن عمر في هذا المبحث تبين اعتصامه ﵀ بسنة الخلفاء الراشدين وقد أمرنا رسول الله ﷺ بالتمسك بسنته وبسنتهم عند حدوث الاختلاف فقال: "اتقوا الله وعليكم بالسمع والطاعة، وإن عبدا حبشيا، وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" ٢.

стр. 580

وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي، عن حذيفة ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ جلوسا فقال: "إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر ... "١. هذا وقد اختلف العلماء في اجتماع الخلفاء الأربعة هل هو إجماع أو حجة مع مخالفة غيرهم من الصحابة أم لا؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد٢، وهذا فيما يتعلق بالأحكام. أما العقائد فيتضح من الآثار السابقة عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه يرى وجوب الأخذ بسنة الخلفاء الراشدين ويحرم الخروج عما أجمعوا عليه، ولا ريب أنه يقصد بسنتهم ما يتعلق بالاعتقاد لأنه أصل الدين، "ولأن الصحابة قد تنازعوا في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا، ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة كلمة واحدة، من أولهم إلى آخرهم، لم يسوموا

стр. 581

أدلتها تأويلا، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلا، ولم يبدوا لشيء منها إبطالا، ولا ضربوا لها أمثالا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلها أمرا واحدا، وأجروها على سنن واحد، لم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع حيث جعلوها عضين، وأقروا ببعضها وأنكروا بعضها من غير فرقان مبين، مع أن اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم فيما أقروا به وأثبتوه"١. ولذا يرى عمر إجماعهم حجة وهو الحق، فهم الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة. أما ما يتعلق بالأحكام فيظهر مما أثر عن عمر أنه كان يعتصم بسنتهم كذلك، ويرجع إلى أقوالهم عند النزاع، وهذا ما دل عليه الحديث الشريف: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ... " فعض عمر على سننهم بالنواجذ، وأخذ بها في الحكم على أهل القبلة وأهل العهد، كما أخذ بها في العبادات، والمعاملات، وقد أولى الخليفة الأول والثاني أبابكر وعمر جل اهتمامه، وعدَّ الأخذ بسنتهم أخذًا بسنة الرسول ﷺ كما أخذ بسنة الخليفة الثالث فور سماعه وطبَّق تلك السنة، واعتصم بسنة الخليفة الرابع في معاملة الخوارج حيث ناظرهم وكتب إليهم فلما

стр. 582

تمادوا حاربهم، وقضى على أموالهم وذراريهم وأسراهم بقضاء الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه١، بل يرى عمر أن من خرج عن سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين ﵃ فهو خارج عن سبيل المؤمنين، وهو من الفرقة الهالكة، وكل ما سنه الخلفاء الراشدون فإنه من سنته ﷺ لأنهم إنما سنوه بأمره ولا يكون في الدين واجبا إلا ما أوجبه ولا حراما إلا ما حرمه ولا مستحبا إلا ما استحبه ولا مكروها إلا ما كرهه ولا مباحا إلا ما أباحه٢. واتباع سنة الخلفاء الراشدين في العقائد والأحكام هو ما عليه السلف الصالح وهو الذي دل عليه الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ٣.

стр. 583

الفصل الثاني: الآثار عن عمر في التحذير من الأهواء والبدع . تمهيد: البدعة لغة: بدع الشي يبدعه بدعا، وابتدأه: أنشأه وبدأه، وبدع الركية: استنبطها وأحدثها. وركي بديع: حديثه الحفر. والبدع: الشيء الذي يكون أوّلاً، وفي التنزيل: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ ١ أي ما كنت أول من أرسل قد أرسل قبلي رسل. والبدعة: الحدث وما ابتدع من الدين بعد الإكمال٢. إذا: فالبدعة لغة تطلق على الأمر المخترع على غير مثال سابق، وأما تعريف البدعة اصطلاحا: فهي: "طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه٣. والبدع على قسمين:

стр. 584

القسم الأول: بدعة حقيقية وهي ما استحدث في الدين أصلا ووصفا وذلك كالطواف حول القبور، وإسراجها ونحو ذلك. القسم الثاني: بدعة إضافية وهي ما استحدث في الدين بوصفه دون أصله وذلك كالذكر الجماعي بصوت واحد فإن أصل مشروعية الذكر جاء الشرع بها ولكنه على هذه الصفة لم يرد شرعا١. والبدع بنوعيها مذمومة شرعا قال ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ٢ وقوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" ٣ وقد حذر ﷺ من البدع لخطرها على الدين فقال: "وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ٤. وأوضح أن المبتدع مغير للدين محروم من الشرب من حوضه فقال ﷺ : "أنا فرطكم على الحوض وليختلجن رجال دوني فأقول: ربي أصحابي فقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"٥.

стр. 585

والبدعة ناقضة لركنية المتابعة في العمل لكونها مخالفة للسنة النبوية المطهرة، فيكون العمل الذي فقد هذا الشرط مردودا على صاحبه كما تكمن خطورة الابتداع في كونه استدراكا على الشريعة وافتياتا عليها ومخالفة صريحة لأوامر رسول الله ﷺ الذي حث أمته على التمسك بسنته وحذرهم من الإحداث والابتداع في الدين. ومن خطورة الابتداع في الدين أيضا كونه اتباعا للهوى ومعاندة للشرع فلذا نرى السلف الصالح ﵏ يحذرون من اتباع الهوى لأنه يجر إلى البدع١ هذا وقد أثرت عن عمر بن عبد العزيز آثار في النهي عن اتباع الهوى والابتداع في الدين. والتحذير من اتباع أهل الأهواء، فمن ذلك ما رواه: ٢٣٤/١- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثنا داود بن عمرو، حدثنا ابن المبارك، أخبرني الأوزاعي قال: قال عمر بن عبد العزيز: إذا رأيت القوم يتناجون في دينهم دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة٢.

стр. 586

٢٣٥/٢- ابن سعد قال: حدثنا قبيصة بن عقبة عن سفيان الثوري عن جعفر بن برقان قال: إن عمر بن عبد العزيز قال لرجل، وسأله عن الأهواء فقال: عليك بدين الصبي الذي في الكتاب، والأعرابي واله عما سوى ذلك١. ٢٣٦/٣- البلاذري قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامل له: أمت كل بدعة وأحي كل سنة من سنن الإسلام وشريعة من شرائعه ولا تأخذنك في الله لومة لائم٢. ٢٣٧/٤- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: ... فمن كان سائلا عن الذي في نفسي، وعن بغيتي في أمر أمة محمد ﷺ ، فإن الذي في نفسي وبغيتي منه والحمد لله رب العالمين أن تتبعوا كتاب الله، وسنة نبيه، وأن تجتنبوا ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيد ... "٣. ٢٣٨/٥- الآجري قال: وحدثني أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: نا أبو موسى محمد بن المثنى قال: نا مؤمل بن إسماعيل، قال: نا سفيان الثوري، قال: حدثني شيخ، قال مؤمل: زعموا

стр. 587

أنه أبو رجاء الخراساني أن عدي بن أرطأة كتب إلى عمر بن عبد العزيز: أن قبلنا قوما يقولون: لا قدر فاكتب إلى برأيك ... فكتب عمر: أما بعد: " ... فإني أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة نبيه ﷺ وترك ما أحدث المحدثون بعده مما قد جرت سنته، وكفوا مؤنته، ... "١. ٢٣٩/٦- ابن عبد الحكم أن عمر بن عبد العزيز قال: " ... والله لولا أن أنعش سنة، أو أسير بحق، ما أحببت أن أعيش فواقا"٢. ٢٤٠/٧- عبد الرزاق الصنعاني قال: أخبرنا معمر بن راشد أن عمر ابن عبد العزيز قال: قد أفلح من عصم من الهوى، والغضب، والطمع٣. ٢٤١/٨- الإمام الشافعي قال: سمعت عبد الله بن مؤمل المخزومي يحدث عن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن عن عمر بن عبد العزيز قال: لم

стр. 588

يزل أمر بني إسرائيل مستقيما حتى حدث فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم فقالوا فيهم بالرأي فضلوا وأضلوا١. ٢٤٢/٩- الخطيب البغدادي قال: أخبرنا التنوخي، قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب ابن إسحاق بن البهلول التنوخي حدثني أبي حدثنا أبو الحسن المثنى بن جامع، حدثنا سريج بن يونس، حدثنا فرج بن فضالة، عن كليب بن ميمون، عن ميمون بن مهران، قال: أوصاني عمر بن عبد العزيز فقال: يا ميمون لا تخل بامرأة لا تحل لك وإن أقرأتها القرآن، ولا تتبع السلطان وإن رأيت أنك تأمره بمعروف وتنهاه عن منكر، ولا تجالس ذا هوى فيلقي في نفسك شيئا يسخط الله به عليك٢.

стр. 589

التعليق: يظهر من الآثار السابقة المأثورة عن عمر النهي عن اتباع الهوى والابتداع في الدين وهو ما جاءت النصوص الصحيحة وأقوال السلف بالنهي عنه قال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ١. وقال مبينا أن اتباع الهوى ضد اتباع النص فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ٢. ومن السنة قوله ﷺ : "أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة"٣. ومن أقوال السلف ما روى عن ابن عمر ﵄: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة٤. وعن الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ قال: سيأتي أناس يجادلونكم بشبهات القرآن فجادلوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله٥.

стр. 590

فهذه النصوص من الكتاب والسنة وأئمة السلف تحذرنا من اتباع الهوى والابتداع في الدين، ويظهر فيما سبق من الآثار المنقولة عن عمر ابن عبد العزيز ﵀ الحرص الشديد في رد البدع والأهواء المضلة، فالتناجي في أمور الدين خارج جماعة المسلمين سمة من سمات أهل البدع ولله در عمر فقد وُفِّق في هذه الجملة المأثورة التي تعد كأنها من الإلهام. "إذا رأيت القوم يتناجون في دينهم بشيء دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة" وهذه السمة سمة بارزة لأهل الأهواء والبدع في كل الأزمان والأوقات، وكما علم أن الأهواء المضلة مردودة بالكتاب والسنة فقد بين عمر رحمه الله تعالى أنها مردودة بالفطر السليمة التي لم تدنس بأفكار المنحرفين فقد أجاب من سأله عن شيء من الأهواء بقوله "عليك بدين الصبي الذي في الكتاب والأعرابي واله عما سوى ذلك". هذا ولأصحاب الديانات الأخرى كاليهود، والنصارى، وغيرهم، ممن بدلوا دينهم، وحرفوا كتبهم أراء فاسدة متأصلة في نفوسهم، ولهؤلاء يد في ترويج البدع والأهواء، والآراء الباطلة التي ورثوها عن آبائهم فوُجِد في كثير منهم بعد دخولهم في الإسلام واندماجهم في المسلمين، آراء ضارة على الإسلام والمسلمين فكان عمر ﵀ يحذر من ذلك بقوله:

стр. 591

لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيما حتى حدث فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم فقالوا فيهم بالرأي فضلوا وأضلوا" وهذا صحيح فإن ابن سبأ يهودي وهو رأس الروافض وهو السبب في خروج الخوارج كما أن كثيرا من زعماء الفرق الضالة كالجهمية، والمعتزلة، والمرجئة من أبناء الديانات الأخرى المندمجين في المجتمع الإسلامي بعد الفتوحات الإسلامية. وهذه الآثار المروية عن عمر يظهر منها أن عمر قد أدى ما عليه من النصيحة لدين الله بهذه العبارات الرائعة التي يحذر فيها من اتباع الهوى وإحداث البدع التي أساس كل الشرور، والخروج عن الدين الصحيح ولقد أكثر العلماء فيما كتبوه محذرين عن البدع ومضارها الكثيرة على الفرد والمجتمع، مثل ما كتبه الملطي في كتابه التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، وابن وضاح القرطبي في كتابه كتاب فيه ما جاء في البدع، وكتاب الحوادث والبدع للطرطوشي وكتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامه، والاعتصام للشاطبي، والأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع للسيوطي وفي عصرنا وجدت مؤلفات عدة ورسائل جامعية عالجت موضوع البدعة وأحكامها١.

стр. 592

الفصل الثالث: الآثار عن عمر في بيان سمات أهل الأهواء والبدع . تمهيد: كان عمر على جانب من الذكاء والفطنة، وكان له فراسة قلما تخطئ وقد أثر عنه مواقف كثيرة في هذا المجال وقد ورد "اتقوا فراسة المؤمن"١، وقد شابه في هذا جده الأعلى عمر بن الخطاب رضي اله عنه وفيما يتعلق بأهل الأهواء والبدع وردت له بعض المواقف التي سنذكر أهمها فيما يلي: ٢٤٦/١- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثنا عبد الله حدثنا بيان، حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا بشر بن الحارث، قال: سمعت عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عمن حدثه قال: قال عمر بن عبد العزيز: ما انتجى قوم في دينهم دون جماعتهم إلا كانوا على تأسيس ضلالة٢.

стр. 593

٢٤٧/٢- وحدثنا عبد الله، حدثنا داود بن عمر، وحدثنا ابن المبارك، أخبرني الأوزاعي، قال: قال عمر بن عبد العزيز: "إذا رأيت القوم يتناجون في دينهم دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة١. ٢٤٨/٣- وحدثنا عبد الله حدثني حسين بن الجنيد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمرو بن عثمان، قال سمعت عمر بن عبد العزيز قال: " انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ٢٣. ٢٤٩/٤- ابن عبد الحكم في رسالة عمر إلى الخوارج وفيها ... وأذكركم بالله أن تشبهوا علينا كتاب الله وسنة نبيه ونحن ندعوكم إليهما ... "٤. ٢٥٠/٥- ابن عبد الحكم قال: قال عمر: " ... فمن كان سائلا عن الذي في نفسي. وعن بغيتي في أمر محمد ﷺ فإن الذي في نفسي وبغيتي

стр. 594

منه والحمد لله رب العالمين أن تتبعوا كتاب الله وسنة نبيه، وأن تجتنبوا ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيد١. ٢٥١/٦- ابن عبد الحكم أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد رسالة وفيها ... وما من قوم يسمعون بقضاء إمام إلا سيختلفون فيه على أهوائهم إلا من رحم الله فإن من رحم الله لا يختلفون في قضائه فإنه قال: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ٢،٣. ٢٥٢/٧- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز:" سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر في أمر خالفها من اهتدى بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا٤.

стр. 595

٢٥٣/٨- ابن سعد قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد قال: قال عمر بن عبد العزيز من جعله دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل١. ٢٥٤/٩- ابن عبد الحكم قال: وقال عثمان بن كثير بن دينار٢، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض عماله وفيها ... وقد ذلت ألسنة كثير من الناس بآية وضعوها غير موضعها، وتأولوا فيها قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ٣،٤. التعليق: يتبين من الآثار السابقة المأثورة عن عمر رحمه الله تعالى أن لأهل البدع والأهواء علامات عدة وسمات بينة ذكرها الله في كتابه وبينها ﷺ في سنته، وحذر منها السلف الصالح ﵏، وقد

стр. 596

حظي عمر بن عبد العزيز ﵀ ببيان جملة من هذه العلامات، وهو من توفيق الله له فمن علامات أهل البدع التي أثرت عن عمر ﵀ أنهم يحبون السرية بتعاليمهم والتخفي بها عن العامة، خوفا أن تنكشف تلك الأسرار، ولا يريدون إظهارها إلا في الوقت الذي يشاءون، إذ إنهم لو كانوا يعتقدون أنهم على صواب، لما تستروا عليها، وهذا طريق إلى التفريق بين كلمة المسلمين الذي هو إحدى سمات أهل البدع -وقد حذر عمر من هذا المسلك فقال: "إذا رأيت القوم يتناجون في دينهم بشيء دون العامة، فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة، قال أحد العلماء المعاصرين: وكل أمر في الدين يسر به أصحابه من دون بقية المؤمنين، وبمعزل عن أهل العلم، والفقه في الدين فإنه ينتهي بأصحابه إلى الأهواء، من حيث لا يشعرون، والتاريخ شاهد بذلك. فإن البدع إنما ابتدأت همسا، وأحيانا بقصد الغيرة على الدين والنصح للإسلام ثم يؤول إلى العزلة عن الجماعة وتنافر القلوب، وغرس الغل على المخالفين، وهكذا يحدث الافتراق. كما يحصل في عصرنا هذا لدى بعض المنتسبين إلى الحركات الإسلامية المعاصرة هداهم الله وبصرنا وإياهم الحق١. ومن المعلوم أن الخروج عن الجماعة واستحداث الفرقة سمة من سمات أهل البدع. وقد حذرنا الله

стр. 597

تبارك وتعالى من الفرقة، وأمرنا بلزوم الجماعة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ... ﴾ ١،وقال : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ... ﴾ ٢. وأمر ﷺ بلزوم الجماعة، وحذر من الفرقة فقال: " ... إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا فعليكم بسنتي ... "٣، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في صفات الفرقة الناجية وهي التي خلا أصحابها من الافتراق، والاختلاف، وأن غيرها من الفرق الباقية، من فرق الاختلاف والتفرق، فقال: "وصفت الفرقة الناجية بأنها أهل السنة والجماعة، وهم الجمهور الأكبر، والسواد الأعظم". "وأما الفرق الأخرى، فإنهم أهل الشذوذ، والتفرق، والبدع، والأهواء، ولا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريبا من مبلغ الفرقة الناجية، فضلا عن أن تكون بقدرها، بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلة، وشعار هذه الفرق

стр. 598

مفارقة الكتاب والسنة، والإجماع. فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة"١. ومن علامات أهل البدع المأثورة عن عمر بن عبد العزيز اتباع المتشابه وهو مطية يركبها أهل البدع وذلك بتقليب الأدلة وتفسيرها بما يوافق هواهم مدعين أن تلك النصوص تؤيدهم فيما يذهبون إليه في باطلهم. وهو مسلك يخالف ما عليه أهل الحق في موقفهم من النصوص المتشابهة والمحكمة. قال عمر: انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ وقد أخبرنا الله ﵎ بأن أهل البدع يتصفون باتباع المتشابه في قوله: ﴿ ... فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه﴾ ٢. وروى البخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ

стр. 599

الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١، قالت: فقال رسول الله ﷺ : "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم"٢. ومما أثر عن عمر بن عبد العزيز من سمات أهل البدع اتباع الهوى حيث قال: وما من قوم يسمعون بقضاء إمام إلا سيختلفون فيه على أهوائهم إلا من رحم الله فإن من رحم الله لا يختلفون في قضائه فإنه قال: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ . واتباع الهوى من أبرز سمات أهل البدع. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ٣. وقال ﷺ : "إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة. وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك

стр. 600

الأهواء كما تجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله"١. فالهوى لازم لأهل البدع ولا ينفك عنهم بحال من الأحوال كما هو المشاهد والملموس عن كثب نسأل الله تعالى السلامة والثبات على الحق. ومن علامات أهل البدع الواردة عن عمر سمة معارضة السنة بالقرآن وهذه صفة من صفات الخوارج وغيرهم من أهل البدع، والأهواء فيبين عمر رحمه الله تعالى معرضا بهؤلاء بأن ما سن رسول الله ﷺ وخلفاؤه من بعده يعتبر الأخذ به اعتصاما بكتاب الله وأنه لا يسوغ لأحد تبديل تلك السنن أو تغييرها أو النظر في أمر خالفها. ولا شك أن ما حرمه الرسول ﷺ في سنته فهو مثل ما حرمه الله في كتابه قال ﵇: "ليوشك الرجل متكئا على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله ما وجدنا
следующие страницы →