Полный текст (997 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
المبحث الخامس: مصادر الكتاب وشواهده .
أولا- مصادره:
نقل أبو سهل في هذا الكتاب عن علماء بصريين وكوفيين وغيرهم. وقد تفاوت نقله عن هذه المصادر، فهناك مصادر نقل عنها عشرات المرات، وأخرى لم ينقل عنها إلا مرة واحدة.
واختلفت طريقته في النقل عن هذه المصادر، فتارة يذكر اسم الكتاب واسم مؤلفه، وتارة يكتفي بذكر اسم المؤلف من غير ذكر كتابه، وهذه الطريقة هي الغالبة عليه في ذكر مصادره، وتارة لا يذكر اسم المصدر ولا اسم مؤلفه، وإنما يكتفي بعبارات تفيد نقله عن مصدر ما، كقوله: "وقيل، وقال بعض أهل اللغة، وقال بعض أهل النحو، وقال بعض النحويين"ونحو ذلك.
وقد بلغت مصادره التي صرح بالنقل عنها تسعة وعشرين مصدرا، ولا أدعي أن جميع مصادره التي صرح بها قد وقف عليها بنفسه ونقل عنها مباشرة، بل منها ما نقل عنه بواسطة مصادر أخرى.
وفيما يلي عرض لمصادره مرتبة بحسب تاريخ الوفاة:
١ - أبو عمرو زبان بن العلاء البصري (ت- ١٥٤ هـ) نقل عنه في موضع واحد.
стр. 212
٢ - الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت- ١٧٠ هـ) نقل عنه في تسعة مواضع من كتابه "العين"، ولم يصرح به، وعزا أحد هذه النقول إلى تلميذه الليث بن المظفر.
٣ - سيبويه عمرو بن عثمان بن قنبر (ت- ١٨٠ هـ)، نقل عنه في موضعين.
٤ - خلف بن حيان بن محرز الأحمر (ت- ١٨٠ هـ)، نقل عنه في موضع واحد.
٥ - أبو عبد الرحمن يونس بن حبيب البصري (ت- ١٨٢ هـ)، نقل عنه في موضع واحد.
٦ - النضر بن شميل بن خرشة المازني (ت- ٢٠٤ هـ)، نقل عنه في سبعة مواضع.
٧ - أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني (ت- ٢٠٦ هـ)، نقل عنه في موضع واحد.
٨ - أبو زكريا يحي بن زياد الفراء (ت- ٢٠٧ هـ)، نقل عنه في ثمانية مواضع، رجع في أحدها إلى كتابه "معاني القرآن"، ولم يصرح به.
٩ - أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت- ٢١٠ هـ)، نقل عنه في خمسة مواضع، رجع في بعضها إلى كتابه "مجاز القرآن"، ولم يصرح به.
стр. 213
٩ - أبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي الباهلي (ت- ٢١٣ هـ)، نقل عنه في سبعة مواضع، رجع في بعضها إلى كتابيه "الإبل، وفعل وأفعل"، ولم يصرح بهما.
١٠ - أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري (ت- ٢١٥ هـ)، نقل عنه في ثمانية مواضع، رجع في بعضها إلى كتابيه "الهمز والنوادر"ولم يصرح بهما.
١١ - أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي (ت- ٢٢٤ هـ)، نقل عنه في أربعة مواضع من كتابه "الغريب المصنف"، ولم يصرح به.
١٢ - أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي (ت- ٢٣١ هـ)، نقل عنه في سبعة مواضع.
١٣ - ابن السكيت يعقوب بن إسحاق، أبو يوسف (ت- ٢٤٤ هـ)، نقل عنه في ستة مواضع من كتابه "إصلاح المنطق"، ولم يصرح به.
١٤ - أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني (ت- ٢٥٥ هـ)، نقل عنه في ثلاثة مواضع، رجع في أحدهما إلى كتابه "خلق الإنسان"، ولم يصرح به.
١٥ - شمر بن حمدويه الهروي (ت- ٢٥٥ هـ)، نقل عنه في موضع واحد.
١٦ - أبو الفضل العباس بن الفرج الرياشي البصري (ت- ٢٥٧ هـ)،
стр. 214
نقل عنه في موضع واحد.
١٧ - أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري (ت- ٢٨٢ هـ)، نقل عنه في موضع واحد من كتابه "النبات".
١٨ - أبو العباس محمد بن يزيد المبرد (ت- ٢٨٥ هـ)، نقل عنه في موضع واحد.
١٩ - ثعلب أحمد بن يحيى بن زياد بن سيار الشيباني (ت- ٢٩١ هـ)، صرح باسمه في ثلاثة وأربعين موضعا.
٢٠ - أبو إسحاق إبراهيم بن سري الزجاج (ت- ٣١١ هـ)، نقل عنه في موضعين، أحدهما من المناقشة التي دارت بينه وبين ثعلب حول أوهام الفصيح، والآخر من كتابه "خلق الإنسان "، ولم يصرح بهما.
٢١ - مبرمان محمد بن علي النحوي (ت- ٣٢٦ هـ)، نقل عنه في ثمانية مواضع.
٢٢ - الحسين بن إبراهيم الآمدي (كان حيا سنة ٣٤٦ هـ)، نقل عنه في موضع واحد.
٢٣ - أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي (ت- ٣٤٧ هـ)، نقل عنه في اثنين وثلاثين موضعا من كتابه "تصحيح الفصيح"ولم يصرح به، وهو يحتل المرتبة الأولى في قائمة مصادره.
стр. 215
٢٤ - أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه (ت ٣٧٠ هـ).
نقل عنه في ثلاثة مواضع، صرح في أحدها بكتابه ط النخلة"، ولم يذكر هذا المصدر أحد غير أبي سهل فيما أعلم.
٢٥ - أبو أسامة جنادة بن محمد بن الحسين الأزدي (ت ٣٩٩ هـ). نقل عنه مباشرة بالتلقي في موضعين.
٢٦ - أبو عبد الله محمد بن جعفر بن أحمد التميمي، المعروف بالقزاز (ت ٤١٢ هـ). نقل عنه في موضع واحد.
٢٧ - والد المصنف علي بن محمد الهروي (ت ٤١٥ هـ). نقل عنه مباشرة بالتلقي في أربعة مواضع.
٢٨ - أبو منصور محمد بن علي الجبان (كان حيا سنة ٤١٦). نقل عنه في أربعة وعشرين موضعا من كتابه "شرح الفصيح". وهذا المصدر يحتل المرتبة الثانية في قائمة مصادره بعد التصحيح الفصيح لابن درستويه.
وقبل أن أختم حديثي عن مصادره أنبه على الأمور التالية:
١ - أن نقوله عن هذه المصادر هي مما يتصل بمسائل اللغة والنحو والتصريف، وروايات الفصيح.
стр. 216
٢ - أن نقوله عن هذه المصادر لا تزيد في الغالب عن سطر أو سطرين ونادرا ما تجاوز ثلاثة أسطر.
٣ - يتصرف فيما ينقله - في الغالب - بالحذف أو الزيادة أو الصياغة.
ثانيا: شواهده:
اعتنى أبو سهل ﵀ بالشواهد لتوضيح مادة كتابه وتوثيقها، وقد تعددت الشواهد في كتابه لتشمل الاستشهاد بالقرآن الكريم وقراءاته، وأحاديث الرسول ﷺ وما أثر عن العرب من أمثال وأقوال وأشعار، وفيما يلي تفصيل ذلك:
أ- الاستشهاد بالقرآن الكريم:
لما كان القرآن الكريم هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقد أجمع علماء العربية على أنه يمثل أعلى درجات الفصاحة، وأن نصوصه أوثق الشواهد التي يرجعون إليها، لأنه منزه عن اللحن والخطأ.
وقد اهتم أبو سهل بالشواهد القرآنية، فبلغ عدد المواضع التي استشهد فيها بالقرآن الكريم (١٥٣) موضعا، توزعت على الأغراض التالية:
١ - الاستشهاد على معاني الألفاظ المشروحة وتوثيقها، وهذا هو
стр. 217
الغالب على شواهده القرآنية، وطرقه في ذلك متنوعة، فتارة يشرح اللفظ ثم يستدل عليه بما ورد في القرآن الكريم، كقوله: "وأنشر الله الموتى ينشرهم إنشارا: إذا أحياهم بعد موتهم. ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾.
وتارة يأتي بآية ثم يفسر معنى اللفظ العائد إلى المادة المشروحة، كقوله: "ولا تقل: يتصدق، لأن المتصدق المعطي. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ أي المعطين. وقد سبقت الإشارة إلى مثل هذا في منهجه.
١ - الاستشهاد على التطور الدلالي للألفاظ، كقوله: "وألحمتك عرض فلان .... أي أمكنتك من شتمه، كأنك جعلت نفسه لك كاللحم الذي تأكله، أي أقدرتك على تناول عرضه، وأبحته اغتيابه وعيبه، كما تبيحه أكل اللحم، وهذا على الاستعارة والتشبيه، لأن عرضه بمنزلة لحمه. ومنه وقوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ أراد الغيبة وذكر العرض بالقبيح".
وقوله: والذوق: أصله تطعم الشيء باللسان، ليعرف الحلو من غيره. وقد يكون بغير اللسان. ومنه قوله تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ
стр. 218
الْحَرِيقِ﴾، وقال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (١).
٣ - الاستشهاد على اللغات، وذلك كقوله: "وهديت القوم الطريق .... أي عرفتهم إياه ودللتهم عليه، وهذه لغة أهل الحجاز، ومنه قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وغيرهم يقول: هديتهم إلى الطريق فيعديه بحرف الجر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢). وقوله أيضا: "وأمليت الكتاب أمليه إملاء بالمد، وأمللت أمل إملالا لغتان جيدتان جاء بهما القرآن وهما بمعنى واحد .... وقال الله تعالى: ﴿اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ فهذا من أمليت، وقال : ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْل﴾ فهذا من أمللت" (٣).
٤ - الاستشهاد على مسائل نحوية وصرفية ولغوية، كقوله: "وثلاث: وهو لعدد مؤنث: فلأجل ذلك حذف منه الهاء، وعدد المؤنث تحذف منه الهاء، من ثلاث إلى عشر، وعدد المذكر تثبت فيه للفرق بينهما، كقوله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوما﴾ (٤).
وقوله: "فمن حرف من حروف الجر، وهو هاهنا لبيان الجنس ....
_________
(١) ص ٥٩١.
(٢) ص ٤٣١ - ٤٣٢.
(٣) ص ٨٦٩ - ٨٧٠.
(٤) ص ٣١٩.
стр. 219
وهذا مثل قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾، لأن الجنس أعم من الأوثان، لأنه يكون وثنا وغير وثن، فبين بمن الرجس المراد الذي هو الوثن" (١).
وقوله: "وأما من شدد الطاء فإنه يجعل وزنه متفعلة، وكان الأصل متطوعة، فأدغمت التاء في الطاء لتقارب مخرجيهما فصار مطوعة بتشديد الطاء والواو. ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ وأصله المتطوعين" (٢).
وقوله: "وتقول: هو خصم، وهي خصم، وهم خصم، وهن خصم، للواحد والاثنين والجمع والمؤنث، وعلى حال واحدة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ فجاء بالخصم، وهو على لفظ الواحد، ومعناه الجمع" (٣).
ولم يقصر شواهده القرآنية على قراءة حفص، بل استشهد ببعض القراءات السبعية وغير السبعية والشاذة، وبلغ عدد المواضع التي استشهد فيها بالقراءات تسعة مواضع (٤)، ولكنه لم يشر إلى من قرأ بها.
وأهم الأغراض التي استشهد عليها بالقراءات:
الاستشهاد على المعنى، كقوله: "وقرئ قوله تعالى: ﴿وَمَا
_________
(١) ص ٣١٣.
(٢) ص ٨٧٩.
(٣) ص ٥٥٩.
(٤) ص ٣٣٧، ٣٤٤، ٤١٠، ٦٢٥، ٨٥١، ٩١٦.
стр. 220
هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ الضاد، على معنى بخيل، ومن قرأ ﴿بِظَنِين﴾ بالظاء، فمعناه: بمتهم" (١).
٢ - الاستشهاد على مسائل صرفية أو نحوية، كقوله: "والمصدر يكون بمعنى المفعول، كقولهم: درهم ضرب، وماء سكب، أي مضروب ومسكوب، والكتاب هو الكتوب. ومنه وقوله تعالى: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ﴾ " (٢).
واستشهد على جواز إدخال لام الأمر على المضارع المبدوء بتاء الخطاب بقراءة شاذة وذلك في قوله: "وأما إذا أمرت المخاطب فإن الأكثر أن يكون بغير لام، كقولك: قم يا زيد … ويجوز أن تأتي باللام في المخاطبة على الأصل، فتقول: لتقم يا زيد. وقرئ قوله تعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا﴾ بالتاء معجمة بنقطتين من فوقها، على أمر المخاطب" (٣).
وقد يستشهد بأكثر من آية أو قراءة لتأكيد المادة المشروحة، كقوله: "ولا يقال: وذرته ولا ودعته، ولكن تركته، ولا واذر ولا وادع، ولكن تارك، استغنوا عن الماضي واسم الفاعل من هذا بترك وتارك. وقال الله تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ
_________
(١) ص ٣٥٧.
(٢) ص ٣١١.
(٣) ص ٤١٠
стр. 221
وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً﴾ " (١).
وقوله: "وقرأ بعض القراء: ﴿إِنَّ هَذِي أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَة﴾، ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِي الشَّجَرَةَ﴾ بالياء فيهما" (٢).
وقد يضيف إلى ذلك شاهدا شعريا مبالغة في التأكيد، كقوله: "وخطف الشيء يخطفه .... إذا اختلسه وأسرع أخذه. ومنه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾، وقال : ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، ثم قال عدي بن زيد:
خطفته منية فتردى … ولقد كان يأمل التعميرا
أي أخذته بسرعة" (٣).
ب- الاستشهاد بالأحاديث والآثار:
أجمع علماء العربية على أن محمدا ﷺ أفصح العرب قاطبة، وأن كلامه يأتي بعد كلام الله تعالى فصاحة وبلاغة وبيانا (٤). ولكنهم اختلفوا في الاستشهاد بالأحاديث المروية عنه في الدراسات النحوية واللغوية، ويمكن تقسيمهم على ثلاث فئات:
_________
(١) ص ٥٦٩ - ٥٧٠.
(٢) ص ٨٥١.
(٣) ص ٣٦٠.
(٤) ينظر البيان والتبيين ٢/ ١٧، والاقتراح ٥٣، والخزانة ١/ ١١، وإعجاز القرآن والبلاغة النبوية ٢٨١ - ٢٨٧.
стр. 222
١ - فئة أجازت الاستشهاد بالحديث النبوي مطلقا، ومن هذه الفئة ابن مالك، وابن هشام النحوي، والجوهري، والحريري، وابن سيده، وابن فارس، وابن خروف، وابن جني، وابن بري، والسهيلي وغيرهم (١).
٢ - فئة رفضت الاستشهاد بالحديث الشريف في الدراسات اللغوية والنحوية، ومن هذه الفئة ابن الضائع، وأبو حيان، وحجتهما في ذلك أن الرواة أجازوا رواية الحديث بالمعنى، وأنه وقع اللحن كثيرا فيما روي من الحديث، لأن كثيرا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع، وأن أئمة النحو المتقدمين لم يحتجوا بشيء منه كأبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر، والخليل وسيبويه من أئمة البصريين، والكسائي والفراء وعلي بن المبارك الأحمر وهشام الضرير من الكوفيين (٢).
٣ - فئة توسطت بين الفئتين، وهذه الفئة أجازت الاستشهاد بالحديث بشرط أن يكون موافقا للفظ المروي عن النبي ﷺ ، ومن هذه الفئة السيوطي (٣). والشاطبي الذي عبر عن موقفه من ذلك بقوله: "وأما الحديث على قسمين:
قسم يعتني ناقله بمعناه دون لفظه، فهذا لم يقع به استشهاد أهل اللسان.
_________
(١) تحرير الرواية في تقرير الكفاية ٩٦.
(٢) الاقتراح ٥٢ - ٥٤، الخزانة ١/ ١٠، ١١.
(٣) الاقتراح ٥٢.
стр. 223
وقسم عرف اعتناء ناقله بلفظه لمقصود خاص، كالأحاديث التي قصد بها بيان فصاحته ﷺ ، ككتابه ولهمدان، وكتابه لوائل بن حجر، والأمثال النبوية، فهذا يصح الاستشهاد به في العربية" (١).
أما أبو سهل فقد استشهد بنحو خمسة عشر حديثا وأثرا، وهي نسبة قليلة إذا ما قيست بشواهده القرآنية والشعرية، ولكنها تدل - مع قلتها - على أن أبا سهل كان يعد حديث النبي ﷺ ، وآثار صحابته مصدرا من مصادر الاحتجاج في اللغة.
وكانت طريقته في إيراد الحديث تتسم بالنص على كون الكلام حديثا بنحو قوله: "وفي الحديث … "، "وجاء في الحديث … "، "وروي لنا في الحديث عن النبي ﷺ .... "، " .... ويروى أن رسول الله ﷺ قال … " (٢). وقد يذكر ألفاظ الحديث دون أن ينص على أنه حديث (٣)، أو يشير إلى الحديث دون أن يذكر ألفاظه (٤).
وأهم الأغراض التي استشهد عليها بالأحاديث والآثار هي ما يلي:
١ - الاستشهاد على توضيح المعنى وتوكيده، كقوله: "يقال: لغا الرجل يلغو لغوا .... إذا تكلم وصوت. وجاء في الحديث: "من قال في يوم الجمعة والإمام يخطب: صه، فقد لغا"، أي تكلم" (٥).
_________
(١) الخزانة ١/ ١٢، ١٣. وينظر: موقف النحاة من الاحتجاج بالحديث ٢٥ - ٢٩.
(٢) ص ٣١٦ ن ٤٩٥، ٦٥٩، ٦٦٣.
(٣) ص ٣٨٧، ٨٢٥، ٨٣٥.
(٤) ص ٧١٨.
(٥) ص ٣١٦
стр. 224
وقوله: "وتقول: ومالأت القوم أمالئهم ممالاة وملاء .... أي عاونتهم … وفي الحديث عن علي - رضوان الله عليه - أنه قال لما اتهم بقتل عثمان ﵁: "والله ما قتلت عثمان، ولا مالأت في قتله"أي ما عاونت" (١).
٢ - الاستشهاد على اللغات، كقوله: "وهو البطيخ والطبيخ بكسر أولهما وتشديد ثانيهما: وهما بمعنى واحد، وهما فاكهة معروفة. وروي لنا في الحديث عن النبي ﷺ : "أنه كان يأكل الطبيخ بالرطب" (٢).
٣ - الاستشهاد على تعميم الدلالة، كقوله: "والجند: هم الأنصار والأعوان. وقيل: هم جمع معد للحرب .... وقيل: كل صنف من الخلق جند. وفي الحديث: "الأرواح جنود مجندة" (٣).
٤ - الاستشهاد على بعض ألفاظ المذكر والمؤنث، كقوله: "والإصبع مؤنثه، ويروى أن رسول الله ﷺ قال يوم حفر الخندق: "هل أنت إلا إصبع دميت" (٤).
وقوله: "وتقول: امرأة بكر .... ورجل بكر أيضا. . . . . . . . . . . وجاء في الحديث عن النبي ﷺ : "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" (٥).
_________
(١) ص ٤٩٥.
(٢) ص ٦٥٩.
(٣) ص ٥٣٧.
(٤) ص ٦٤٠ - ٦٤١.
(٥) ص ٦٦٣.
стр. 225
وقوله: "قالوا: رجل ربعة وامرأة ربعة … وجاء في صفة النبي "أنه كان فوق الربعة" (١).
٥ - الاستشهاد على الألفاظ المترادفة، كقوله: "وأعْسَرُ يَسَرٌ .... وهو الذي يعمل بيديه جميعا، يعمل بيده اليسرى، كما يعمل باليمنى، ويقال له أيضا إذا كان كذلك: أضبط، وروي أن عمر بن الخطاب ﵁: "كان أعْسَرَ يَسَرَا"وفي رواية أخرى: "كان أضبَطَ" (٢).
ج- الاستشهاد بالأمثال والأقوال:
أمثال العرب وأقوالهم من مصادر الاستشهاد عند أبي سهل، وقد بلغ مجموع شواهده منها نحو (٧٧) شاهدا ما بين قول ومثل، وتحتل بهذا المجموع المرتبة الثالثة بعد شواهده الشعرية والقرآنية.
ويمكن تقسيم ما أورده أبو سهل من هذه الشواهد على قسمين:
قسم منها ورد في أصل الفصيح، فشرح ألفاظها، وبين دلالاتها، وقد يشير في أثناء ذلك إلى بعض الأوجه الإعرابية المتصلة برواياتها، أو يسترسل في ذكر قصة المثل، أو ذكر مناسبته إن وجدت، مع الإشارة إلى الظروف أو الأحوال التي تستدعي ضرب ما هو بصدد شرحه منها، وقد يذكر أحيانا قائل المثل، أو يشير إلى الخلاف في روايته (٣).
_________
(١) ص ٧٩٨.
(٢) ص ٩٠٨.
(٣) ينظر مثلا: ص ٤٨٤ ن ٥٨٦، ٧٥٢، ٨١١، ٨٣٢، ٨٦٣، ٩٢٠.
стр. 226
وقسم آخر استشهد به أبو سهل نفسه على شروحه لألفاظ الفصيح، إما لتوثيقها أو لتوضيح معانيها ودلالاتها، أو استطرادالمناسبة في الشرح تستدعي إيرادها.
ومن أمثلة هذا التقسيم قوله: "وعقدت الحبل أعقده بالكسر عقدا: أي شددته وأوثقته، فأنا عاقد، وهو معقود. ومن أمثالهم: "يا عاقد اذكر حلا" (١).
وقوله: "وأما الخنق: فهو مصدر خنقه يخنقه، على مثال ضربه يضربه، إذا عصر حلقه، ومن أمثالهم: "الخنق يخرج الورق"أي إذا خنق الإنسان افتدى بماله" (٢).
وقوله: "والثُّوَباء: انفتاح الفم عند النعاس والكسل، وهي شبيه بالتمطي الذي يلحق البدن، والعرب تضرب بها المثل في العدوى، فتقول: أعدى من الثُّوَباء" (٣).
وقد يستطرد في ذكر المثل، ويشير إلى أن له قصة ولكن لا يشرحها، فمن ذلك قوله: "والسموأل مهموز: اسم رجل، وهو ابن حيا بن عادياء الغساني .... وكان من أوفى أهل زمانه حتى ضربت به العرب المثل في الوفاء، فقالت: "هو أوفى من المسوأل"، وله حديث" (٤).
_________
(١) ص ٤٤٦.
(٢) ص ٦١٨.
(٣) ص ٤٩٣.
(٤) ص ٧٧٥ - ٧٧٦.
стр. 227
أو يشير إلى المثل دون أن يذكر ألفاظه، كقوله: "فالجورب: معروف، لما يعمل من قطن أو صوف بالإبرة … والعرب تضرب به المثل في النتن" (١). ونص المثل هو: "أنتن من ريح الجورب".
وألحقت المأثور من فصيح الأقوال بشواهده من الأمثال، لأن منها ما اشتهر فأصبح لشهرته بمنزلة الأمثال. ومن أمثلة ما استشهد به منها لتوضيح بعض المعاني أو تأكيدها، قوله: "يقال: رقأ الدم يرقأ رقأ … ورقوءا … إذا انقطع ولم يسل … ويقال: "لا تسبوا الإبل، فإن فيها رقوء الدم"بفتح الراء على فعول، أي تعطى في الديات، فتحقن بها الدماء من القود، فلا تهراق بعد أخذهم إياها في الديات" (٢).
وقوله: "والخلة … ما كان حلوا من المرعى، وهي ضد الحمض، والحمض من ذلك ما كانت فيه ملوحة، والعرب تقول: الخلة خبز الإبل والحمض فاكهتها" (٣).
وجعل ثعلب البرثن من السباع بمنزلة الظفر من الإنسان، فغلطه أبو سهل وذكر أن البرثن"من السباع بمنزلة الإصبع من يد الإنسان، والمخلب يكون في البرثن بمنزلة الظفر من الإصبع"وأكد كلامه هذا بقول أبي زبيد الطائي في وصف الأسد: "وكف شثنة البراثن إلى مخالب كالمحاجن"قال: "فأراد غلظ أصابعه، وقوله: "إلى
_________
(١) ص ٥٩٢.
(٢) ص ٤٨٥.
(٣) ص ٧٢٤.
стр. 228
مخالب"أراد مع مخالب، وهي أضافير الأسد، وشبهها - لانعطافها - بالمحاجن، وهي جمع محجن، وهي عصا معوجة الطرف" (١).
وقد يرد القول عنده عرضا، أي في أثناء كلام لا علاقة له به، وذلك كقوله: "والثفال بالفتح: البعير البطيء … وأنشد الفراء حجة على قول من قال: "كلا جاريتيك قامت":
كلا عقبيه قد تشعث رأسها … من الضرب في جنبي ثفال مباشر (٢)
_________
(١) ص ٩٣٧.
(٢) ص ٦٨٩.
стр. 229
د- الاستشهاد بالشعر:
لا شك أن الشعر من أهم مصادر الاستشهاد عند العلماء، ولم يكن الاستشهاد بالشعر هم علماء العربية وحدهم، بل شاركهم في الاهتمام به الفقهاء والأصوليون والمحدثون والمفسرون (١)، وكان ابن العباس يقول: "إذا أشكل عليكم الشيء من القرآن فارجعوا فيه إلى الشعر فإنه ديوان العرب" (٢).
وقد عني علماء العربية بالشعر إلى جانب عنايتهم بالقرآن الكريم، فاعتمدوا عليه في بناء الكثير من القواعد وإصدار العديد من الأحكام، ولجأوا إليه في شرح غوامض اللغة وتوضيح معانيها، وإحكام أصولها (٣).
وقد اختلف موقف علماء العربية من الشعراء الذين يحتج بشعرهم، فقسموهم على أربع طبقات، ذكرها البغدادي في الخزانة (٤):
الأولى: الشعراء الجاهليون، وهم قبل الإسلام، كامرئ القيس، والأعشى.
الثانية: المخضرمون، وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، كلبيد وحسان ﵄.
_________
(١) الشاهد والاستشهاد في النحو ٣٤، ومصادر الشعر الجاهلي ١٥٢.
(٢) الفاضل ١٠. وينظر: تفسير القرطبي ١/ ٢٠.
(٣) ينظر: الزينة في الكلمات الإسلامية ١/ ٨٣.
(٤) ص ١/ ٥، ٦.
стр. 230
الثالثة: المتقمون، يقال لهم: الإسلاميون، وهم الذين كانوا في صدر الإسلام، كجرير والفرزدق.
الرابعة: المولدون، ويقال لهم المحدثون، وهم من بعدهم إلى زماننا، كبشار بن برد وأبي نواس.
وأجمع علماء العربية على صحة الاستشهاد بشعر الطبقة الأولى والثانية (١)، ولا يضير ذلك طعن بعض اللغويين المتشددين بطائفة من شعراء هاتين الطبقتين، كعدي بن زيد، وأبي دؤاد الإيادي (٢).
واختلفوا في الثالثة، فذكر البغدادي "أن الصحيح صحة الاستشهاد بكلامها" (٣)، على الرغم مما أخذه بعض العلماء على بعض شعراء هذه الطبقة، فقد "كان أبو عمرو بن العلاء، وعبد الله بن أبي إسحاق، والحسن البصري يلحنون الفرزدق والكميت وذا الرمة … وكانوا يعدونهم ممن المولدين" (٤). وكان الأصمعي - كذلك - لا يحتج بشعر الكميت والطرماح، ويعدهما مولدين ليسا بحجة (٥).
أما الطبقة الرابعة فقد أجمع أكثر علماء العربية على منع الاستشهاد
_________
(١) الخزانة ١/ ٦.
(٢) الشعر والشعراء ١/ ١٥٠، ١٦٢، والموشح ٩٢، ٩٣.
(٣) الخزانة ١/ ٦.
(٤) المصدر السابق ١/ ٦.
(٥) فحولة الشعراء ٢٠، وفعل وأفعل ٥٠٧. وينظر: ص ٣٧٣ من التحقيق.
стр. 231
بكلامها (١)، وذكر البغدادي أن ذلك هو الصحيح (٢).
ولكن فريقا من العلماء يرى صحة الاستشهاد بشعر من يوثق به من شعراء هذه الطبقة، وممن يرى ذلك الواحدي (ت (٤٦٨) هـ)، والبطليوسي (ت (٥٢١) هـ)، والزمخشري (ت (٥٣٨) هـ)، وابن الشجري (ت (٥٤٢) هـ)، وابن الخشاب (ت (٥٦٧) هـ)، وابن يعيش (ت (٦٤٣) هـ)، وابن مالك (ت (٦٧٢) هـ)، وابن هشام (ت (٧٦١) هـ).
واستشهد هؤلاء بأبيات من شعر أبي تمام والبحتري، والمتنبي، وأبي نواس، وبشار، وأبي فراس، وغيرهم (٣).
أما أبو سهل فكانت شواهده لشعراء جاهليين، ومنهم تسعة من شعراء المعلقات، وهم امرؤ القيس، وزهير، وطرفة، والنابغة الذبياني، والأعشى، ولبيد، والحارث بن حلزة، وعمرو بن كلثوم، وعنترة، ويأتي الأعشى في مقدمتهم جميعا، إذ استشهد بشعره في تسعة عشر موضعا. كما استشهد بشعر جاهليين آخرين كعدي بن زيد، والأفوه الأودي، وأبو دؤاد الإيادي، والأسود بن يعفر، وحاتم الطائي، وعلقمة الفحل وغيرهم.
واستشهد أيضا بشعر المخضرمين كلبيد وحسان، والنابغة الجعدي ﵃، والحطيئة والعجاج، والإسلاميين كجرير والفرزدق،
_________
(١) الاقتراح ٧٠، وموطئة الفصيح ١٢٩.
(٢) الخزانة ١/ ٦.
(٣) الاحتجاج بالشعر في اللغة ٢٠٨ - ٢١٠.
стр. 232
والكميت، وذي الرمة، وعمر بن أبي ربيعة، وجميل، وكثير، ورؤبة، وعبيد الله بن قيس الرقيات وغيرهم.
أما المولدون أو المحدثون فلم يستشهد بشيء من شعرهم إلا في موضعين، استشهد في أحدهما ببيت واحد من الرجز لبشار بن برد ولم ينسبه (١)، وأنشد في الوضع الآخر بيتين لخلف الأحمر في هجاء أبي عبيدة، ولم ينشدهما للتدليل على صحة المادة اللغوية كبيت بشار، بل استطرادا في شرح المثل "إنه لألج من الخنفساء" (٢).
وبالجملة فقد كثرت شواهد أبي سهل الشعرية حتى فاقت شواهده من القرآن والحديث والأمثال والأقوال مجتمعة، وبلغ مجموعها من غير المكرر (٣٤٤) بيتا.
وقد نسب أبو سهل من ذلك العدد (١٦١) بيتا، وترك الباقي عائرا من غير نسبة، واستطعت أن أنسب وأصحح نسبة (١٠٦) أبيات، وبقي (٧٧) بيتا لم أهتد إلى نسبتها إلى شاعر بعينه، وكني خرجتها جميعا من المصادر التي ذكرتها من غير نسبة، عدا بيتين لم أهتد إليهما، مع طول بحث وتنقيب (٣).
وأتممت الأبيات التي أنشد أحد شطريها فقط، وبلغ مجموع ما
_________
(١) ص ٤٦٤.
(٢) ص ٨٦٠.
(٣) ص ٦٠٧، ٨٠٢.
стр. 233
أنشده من ذلك سبعة أشطار، اثنان منها صدور، وخمسة أعجاز.
وقد تعددت الأغراض التي استشهد عليها أبو سهل بالشعر، وأهمها:
١ - الاستشهاد على معاني الألفاظ وتوثيقها، نحو قوله: "ونطح الكبش وغيره ينطح … إذا صدم شيئا وضربه بقرنه أو برأسه، فهو ناطح، والمفعول منطوح، قال الأعشى:
كناطح صخرة يوما ليفلقها … فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل (١)
وقوله: "وشحب لونه يشحب … إذا تغير من مرض أو غم أو سفر أو سوء حال أو شمس. ومنه قول لبيد:
رأتني قد شحبت وسل جسمي … طلاب النازحات من الهموم
٢ - الاستشهاد على اللغات، كقوله: "ووعزت إليك في الأمر .... وأوعزت أيضا، على أفعلت أوعز إيعازا لغتان بمعنى واحد: أي تقدمت إليك فيه، وأمرتك بفعله، وأنشد الخليل في التشديد:
قد كنت وعزت إلى علاء (٢)
وقوله: "وهي الطس بغير هاء. . . . . . . . . . . والطست بالتاء لغة للعرب أيضا .... وقال الراجز على هذه اللغة:
_________
(١) ص ٣٣٦.
(٢) ص ٧٥٩.
стр. 234
لما رأت شيب قذالي عيسا … وهامة كالطست علطميسا
وقال رؤبة - في اللغة الأخرى-:
حتى رأتني هامتي كالطس … توقدها الشمس ائتلاق الترس (١)
٣ - الاستشهاد على مسائل لغوية، كقوله في الفرق بين الظل والفيء: "والظل للشجرة وغيرها بالغداة. والفيء بالعشي، لأنه ظل يفيء من جانب إلى جانب، كما قال الشاعر:
فلا الظل من برد الضحى نستطيعه … ولا الفيء من برد العشي نذوق (٢)
٤ - الاستشهاد على مسائل صرفية، كقوله: "وجمع شاة، وهي الواحدة من الغنم شياه بإظهار الهاء في الجمع أيضا، لأن أصل الشاة "شوهة"بفتح الشين والواو على "فعلة"، فحذفت منها الهاء الأصيلة، وقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت شاة، فإذا صغروها أو جمعوها عادت الهاء فقيل: شويهة وشياه. ومنه قول المنخل اليشكري:
وإذا صحوت فإنني … رب الشويهة والبعير
_________
(١) ص ٨٦١ - ٨٦٢.
(٢) ص ٨٩٩.
стр. 235
وقال زهير:
فقال شياه راتعات بقفرة … بمستأسد القريان حُوٍّ مسائله (١)
٥ - الاستشهاد على مسائل نحوية، كقوله: "وأما من قال: شتان ما هما، وشتان ما زيد وعمرو، فإنه رفع زيدا وعمرا بشتان أيضا، وجعل ما زائدة للتوكيد، ويحتج بقول الأعشى:
شتان ما يومي على كورها … ويوم حيان أخي جابر
وأما من قال: شتان ما بينهما، وشتان ما بين زيد وعمرو، فإنه جعل ما هاهنا بمعنى الذي وجعلها في رفع بشتان، وبين من صلتها، والمعنى: شتان الذي بينهما، أي افترق الذي بينهما، ويحتج بقول أبي الأسود الدؤلي:
لشتان ما بيني وبينك إنني … على كل حال أستقيم وتظلع (٢)
٦ - الاستشهاد على بعض المسائل العروضية، والاستعمالات المجازية، وقد سبقت أمثلة لذلك في منهجه (٣).
_________
(١) ص ٨٠٢، ٨٠٣.
(٢) ص ٨٢٢، ٨٢٣.
(٣) ص ١٥٢، ١٥٣.
стр. 236
المبحث السادس: الموازنة بين شرح أبي سهل لكتاب الفصيح وبعض شروحه الأخرى .
أشرت في تمهيد هذه الدراسة إلى أهمية كتاب الفصيح، وانعكاس هذه الأهمية على جهود العلماء الذي تناولوه بالشرح والتهذيب والنقد والاستدرك والتذييل. وأحصيت من شروحه (٤٨) شرحا ما بين مطبوع ومخطوط ومفقود.
وقد تفاوتت هذه الشروح فيما بينها من حيث الأهمية والمنهج، وسأكتفي في هذا المبحث بالموازنة بين أ ربعة من شروح الفصيح تمثل على وجه التقريب مناهج وبيئات وأزمنة مختلفة، وهي شرح أبي سهل هذا، وتصحيح الفصيح لابن درستويه، وشرح ابن هشام اللخمي، وموطئة الفصيح لابن الطيب، أو شرح نظم الفصيح.
أولا: تصحيح الفصيح .
مؤلف هذا الشرح أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه، من علماء اللغة والنحو والأدب، أخذ عن ابن قتيبة والمبرد وثعلب وغيرهم، وكان شديد الانتصار للمذهب البصري، له مصنفات كثيرة في فنون مختلفة من أهمها كتابه هذا موضوع الموازنة، توفي ﵀ في بغداد سنة (٣٤٧) هـ (١).
_________
(١) ترجمته في: تاريخ بغداد ٩/ ٤٢٨، وأنباه الرواة ٢/ ١١٣، وبغية الوعاة ٢/ ٣٦، وابن درستويه (دراسة شاملة عن حياته وآثاره، للدكتور: عبد الله الجبوري).
стр. 237
منهجه في تصحيح الفصيح:
استهل ابن درستويه شرحه بمقدمة أشار فيها إلى أن سبب تأليف الكتاب، وهو تصحيح ما في الفصيح من أوهام، وإكمال ما فيه من نقص مع شرح ألفاظه وتفسيرها، وذلك لإقبال الناس عليه وحاجة كتاب الدواوين إليه.
ثم أبان فيها عن منهجه الذي سلكه في تأليفه، فقال: "فشرحنا لمن عني بحفظه معاني أبنيته وتصريف أمثلته ومقاييس نظائره، وتفسير ما يجب تفسيره من غريبه، واختلاف اللغات منه، دون ما لا يتعلق به، وبينا الصواب والخطأ منه، ونبهنا منه على مواضع السهو والإغفال من مؤلفه، لتتم فائدة قارئه، وتكثر المنفعة له فيه، ويعرف كثير من علل النحو، وضروبا من أبنية وتصاريف صحيح اللغة معتلها ووجوها من المجازات والحقائق والتشبيهات والاستعارات المؤدية إلى علم كثير من كتاب الله ، وكلام رسول الله ﷺ ، وسائر مخاطبات بلغاء العرب وشعرائها" (١).
وقد التزم بهذا المنهج في الكتاب كله تقريبا، ويمكن توضيح طريقته في ذلك بما يلي:
ابتدأ بشرح الباب الأول مضيفا إلى عنوان الباب كلمة "تصحيح"وهكذا في سائر الأبواب، لينبئ منذ البدء أنه معني بتصحيح
_________
(١) تصحيح الفصيح ١٠٣، ١٠٤.
стр. 238
ما في تلك الأبواب من أخطاء، وذلك كقوله: "تصحيح الباب الأول، وهو باب فعلت بفتح العين "، وقوله في الباب الأخير: "تصحيح الباب الثاني والثلاثين، وهو المترجم باب الفرق".
٢ - قسم باب المصادر على ثلاثة أبواب، فبلغت أبواب كتابه، اثنين وثلاثين بابا، وهي في الفصيح ثلاثون بابا فقط.
٣ - يبدأ في شرح الباب بعرض بعض مسائل العربية ذات العلاقة بالألفاظ الواردة في الباب، وينبه في أثناء ذلك إلى أخطاء ثعلب وأوهامه، كإدراج بعض الألفاظ في غير أبوابها، أو التنبيه على أن بعض الأبواب مما بمكن الاستغناء عنه بباب سابق أو لاحق، أو بتفريق ألفاظه على سائر أبواب الكتاب. وقد يناقش في أثناء ذلك بعض أقوال العلماء فيقبل ما يراه صوابا ويرد ما يراه خاطئا.
فإذا انتهى من ذلك عمد إلى تفسير الغريب من ألفاظ الباب، فيبسط معنى اللفظ، ويذكر اشتقاقه وتصريفه. وكان يبدأ التفسير في الغالب بعبارة "فأما تفسير غريب هذا الباب"أو نحو ذلك.
٤ - يستشهد على ما يقول بالقرآن الكريم والحديث الشريف، وكلام العرب شعرا ونثرا، وتوزعت شواهده الشعرية عصور مختلفة، فاستشهد بشعر الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين، كما استشهد بشعر بعض المولدين.
стр. 239
٥ - يعد الكتاب من الشروح المطولة التي تنزع إلى التوسع في شرح ألفاظ الفصيح، واستقصاء القول في المسائل والتعليل لها، ولكن ابن درستويه قد يخالف هذا المنهج فيوجز في شرح بعض الألفاظ إيجازا شديدا، بل قد يدع بعضها من غير شرح.
٦ - يعنى عناية فائقة بلحن العامة، فلا يكاد يدع لفظا ذكره ثعلب إلا نبه على مقابله العامي، مصدرا ذلك بعبارة: "وإنما ذكره، لأن العامة تقول … "، ثم يحكم على قولها بالخطأ، أو يصوبه حملا على لغة من لغات العرب، أو على قول أحد العلماء (١).
٧ - ينتصر للمذهب البصري، بل يتعصب له أحيانا فيحمل كلام ثعلب على الخطأ "في أمور هي في الحقيقة من مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين" (٢).
٨ - اعتمد القياس في أكثر ردوده على ثعلب، وعبر عن موقفه من القياس بمثل قوله: " .... إنما المصدر الصحيح في الأم على الفعولة منها: الأموهة، لأن الكلام لا ضرورة فيه، ولأن القياس أولى من الشذوذ. وكان يجب عليه إذا حكى المسموع الشاذ أن يعين المقيس ولا يختار إلا الأجود" (٣).
_________
(١) تصحيح الفصيح- ينظر مثلا -: ص ١٥١، ١٥٩، ١٧٧، ١٨٢، ١٩٢، ٢١٦، ٣٥٠.
(٢) الفصيح (مقدمة المحقق) ١٥٦. وينظر: تصحيح الفصيح ٣٣٠، ٣٣١، (١٩٧/أ)، (١٩٨/أ)، (٢٠٣/ب)، (٢١٣/أ)، وابن درستويه ١٢٣.
(٣) تصحيح الفصيح ٣٨٥.
стр. 240
ثانيا- شرح ابن هشام اللخمي .
مؤلفه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن هشام اللخمي الأندلسي السبتي، أخذ عن أبي بكر بن العربي، وأبي طاهر السلفي، وغيرهما. له مصنفات عدة منها: شرح مقصورة ابن دريد، والمدخل إلى تقويم اللسان، وشرح الفصيح موضوع الموازنة. توفي ﵀ بإشبيلية سنة (٥٧٧) هـ (١).
منهجه في شرح الفصيح:
افتتح ابن هشام شرحه بمقدمة ذكر فيها سبب تأليف هذا الكتاب ووضح منهجه فيهن فقال: "سألتني - وفقني الله وإياك لمنهجه القويم وصراطه المستقيم - أن أشرح لك ما وقع في كتاب الفصيح من الألفاظ المشكلة والمعاني المقفلة، وأنبهك على ما فيه من الهفوات والسقطات على ما اتصل بي في أصح الروايات، وذكرت أن أكثر ما تقدم إلى شرحه لم يشفوا عليلا، ولا بردوا غليلا، ولا استوفوا غرضا، ولا ميزوا من جوهره عرضا، وإنما فسروا من كل بعضا، وذكروا من فيض غيضا، وتركوا ما كان إيضاحه واجبا عليهم وفرضا، ولا سيما للمبتدئ الذي يخبط في الجهالة خبط عشواء، وتنبهم عليه أكثر الأشياء، وليس عنده من الأداة إلا القلم والدواة، فأجبتك إلى ذلك، رجاء ثواب الله وغفرانه، وابتغاء فضله وريحانه ولم أترك فيه حرفا إلا شرحته، ولا معنى مستغلقا إلا أبنته
_________
(١) ترجمته في: الذيل والتكملة ٦/ ٧٠، وإشارة التعيين ٢٩٨، والبلغة ١٨٩، وبغية الوعاة ١/ ٤٨.
стр. 241
وأوضحته … وها أنا أبدأ بشرح أبوابه، وذكر المهم من معانيه وإعرابه، على طريق الإيجاز والاختصار، ومجانبة الإكثار" (١)
ثم شرع مباشرة بعد هذه الخطبة في شرح ألفاظ الباب الأول من كتاب الفصيح، ثم ألفاظ الباب الثاني .... وهكذا إلى الباب الأخير. ويمكن توضيح المنهج الذي سار عليه في هذا الشرح بما يلي:
١ - يذكر عبارة الفصيح كاملة مسبوقة بعبارة: "وقوله"أو "وقول أبي العباس"ويعني بالتعبيرين أبا العباس ثعلب مؤلف الفصيح، ثم يعقب ذلك وقوله: "قال الفسر"أو "قال الشارح". وقد يبدأ في شرح عبارة الفصيح دون إشارة.
٢ - يوضح معاني الألفاظ، ويذكر صيغها ومشتقاتها، بأسلوب أدبي واضح بين بعيد عن الغموض والإكثار والتكرار.
٣ - يشير إلى الألفاظ التي تلحن فيها العامة، ويوضح سبب الخطأ، ويذكر صوابه، وقد يحمل بعض ما تقوله العامة على لغة من لغات العرب، وإن كانت رديئة أو أقل فصاحة (٢).
٤ - عرض لعدد من المسائل اللغوية والصرفية والنحوية (٣)، وقد يشير في أثناء ذلك إلى بعض مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين (٤).
_________
(١) شرح ابن هشام ٤٥.
(٢) ينظر مثلا: ص ١٣٧، ١٤١، ١٦١، ١٨١ ن ٢١٨ ن ٢٣١، ٢٤٥ ن ٢٤٧، ٢٧٠.
(٣) ينظر: ص ٢٧ - ٣٢ من مقدمة محقق الكتاب الدكتور مهدي عبيد جاسم.
(٤) ص ١٣٠، ٢٠٠، ٢٠٣، ٢٢١.
стр. 242
٥ - يستشهد على كثير مما يقول بالقرآن الكريم وبعض قراءاته، وبالحديث الشريف، وبكلام العرب شعرا ونثرا. وكانت شواهده الشعرية موزعة على شعراء جاهليين، ومخضرمين وإسلاميين، ومحدثين.
٦ - يورد أقوال العلماء كالخليل، والأصمعي، وأبي زيد، ويونس، وسيبويه، والكسائي، والفراء، وابن السكيت، وأبي عبيد، وابن قتيبة، وغيرهم، وكان يصرح بأسمائهم في الغالب، وقد يشير إلى كتبهم.
٧ - اطلع على بعض ما كتب حول الفصيح من شروح واستدراكات ومآخذ، فنقل عن شرح الفصيح لابن درستويه، وشرح ابن خالويه، وشرح أبي عمر الزاهد، وشرح ابن جني، كما نقل بعض مآخذ الزجاج على ثعلب في المحاورة التي جرت بينهما، ومآخذ علي ابن حمزة أيضا على ثعلب في التنبيه على ما في الفصيح من الغلط (١).
وقد تباين موقفه من مآخذ العلماء على ثعلب فأحيانا يوافقهم، وأحيانا يرد عليهم، وأحيانا يورد أقوالهم دون أن يبدئ في ذلك رأيا (٢).
٨ - نبه على بعض أوهام ثعلب كما شرط على نفسه في المقدمة، ولكن من غير تحامل أو تعسف في إصدار الأحكام (٣).
_________
(١) ينظر مثلا: ص ٤٧، ٥٦، ٩٢، ١٠٦، ١٠٧، ١١٧، ١٨٥، ٢١٥، ٢١٦، ٢٥٣، ٢٦٣، ٢٨٤.
(٢) ينظر مثلا: ص ٤٧، ٥٦، ٩٢، ١٠٦، ١٠٧، ١١٧، ١٨٥، ٢١٥، ٢١٦، ٢٥٣، ٢٦٣، ٢٨٤.
(٣) ينظر مثلا: ص ٤٧، ٧٢، ٩٥، ١٨٥، ٢٧٧، ٢٨١.
стр. 243
٩ - السمة الغالبة على شرحه الإيجاز والاختصار، ولكنه قد ينزع إلى الاستطراد فيشرح بعض الألفاظ العارضة، ويفسر بعض الشواهد الشعرية، وينسبها إلى رواياتها وأقوال العلماء فيها، وقد يورد بعض القطوعات الشعرية، ويجري بعض الموازنات النقدية (١).
١٠ - ترجم لبعض الأعلام (٢)، وعرف ببعض الأماكن والبلدان (٣)، وشرح قصص بعض الأمثال، فعرف بقائليها، والمناسبات التي قيلت فيها (٤).
ثالثا: موطئة الفصيح لموطأة الفصيح (أو شرح نظم الفصيح) .
مؤلف هذا الشرح أبو عبد الله شمس الدين محمد بن الطيب بن محمد الفاسي، المغربي، المدني، ولد في مدينة فاس سنة (١١١٠) هـ، وبها نشأ وتلقى تحصيله العلمي، ثم ارتحل إلى أرض الحجاز، واستوطن المدينة ومنها أخذ يتنقل ويرتحل ويعود إلى أن توفي بها سنة (١١٧٣) هـ.
أخذ عنه عدد كبير من طلاب العلم، من أشهرهم السيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي المتوفى سنة (١٢٠٥) هـ، صاحب تاج العروس، وترك عددا من الآثار في فنون مختلفة، من أهمها: إضاءة الراموس،
_________
(١) ينظر مثلا: ص ٤٨، ٤٩، ٥٦، ٥٩، ١٠٨، ١٠٩، ١١٢، ١١٣، ١٩١، ٢١٧، ٢٢٤، ٢٢٥، ٢٥٣، ٢٥٤، ٢٥٩، ٢٧٨، ٣٠١.
(٢) ينظر مثلا: ص ١٩٦، ٢١٧، ٢٧٧.
(٣) ينظر مثلا: ص ١٢٣، ١٩٧، ٢٦٩، ٢٧٢، ٢٧٣، ٢٨٣.
(٤) ينظر مثلا: ص ٢١٧، ٢١٨، ٢١٩، ٢٢٢، ٢٢٣ - ٢٢٥.
стр. 244
وهو حاشية على القاموس المحيط، وتحرير الرواية في تقرير الكفاية، وهو شرح كفاية المتحفط لابن الإجدابي، وموطئة الفصيح لموطأة الفصيح، وهو شرح نظم الفصيح لمالك بن المرحل المتوفى سنة (٦٩٩) هـ، وهو موضوع الموازنة في هذا المبحث (١).
واخترت هذا الكتاب للموازنة، لأنه يمثل منهجا مختلفا من شروح الفصيح، وهو كونه شرحا غير مباشر للفصيح من خلال شرح إحدى منظوماته، فضلا عن تأخر زمن مؤلفه واختلاف بيئته.
منهجه في الكتاب:
استهل ابن الطيب شرحه بمقدمة ضافية وضح فيها تفاصيل المنهج الذي سلكه في تأليف هذا الشرح، فقال: "فهذه تحريرات. . . . . . . . . . . حليت بها جيد نظم الفصيح، وأودعتها كل لفظ وائق ومعنى فصيح، وأوضحت فيها مشكلات حارت فيها العقول، وفتحت مقفلات ترددت فيها النقول، ولم أكن ممن ديدنه التقليد لأحد من البشر .... ولكن أدور مع الحق حيثما دار، وأتصف بالإنصاف - بتوفيق الله تعالى - لأنه منار الفهم الذي عليه المدار … وقد حققت القول في كل مسألة من المسائل .... ووشحت عطفه بوشاح الإعراب، فاستغنت ألفاظه عن الإيضاح والإعراب، ولم أدع تركيبا إلا أوضحت معناه، وبينت مبناه، ولم أخله من النصوص
_________
(١) ينظر في ترجمة ابن الطيب: سلك الدرر ٤/ ٩١ - ٩٤، وفهرس الفهارس ٢/ ١٠٦٧ - ١٠٧١، والتاج ١/ ٣، ٣٦٠، وموطئة الفصيح (مقدمة المحقق)
стр. 245
والشواهد وربما قلدته من جواهر الآداب أسنى القلائد، لأنه قد يشير لحكم أدبية، ويستدعي أمثالا عربية، فنلم ببعض ما قيل في ذلك، ونقتصد في سلوك تلك المسالك، وإذا أنشدنا شاهدا بينا غريبه، وأوضحنا بعيده وقريبه، وإذا ألم بأحد عينا كنيته واسمه، وبينا في التعريف به حالته ولقبه ووسمه، وأوردنا ماله من الأخبار العجيبة، وقصدنا من مستحسنها بديعه وعجيبه، إحماضا لسائمة العقول والأبصار، وتنشيطا لها بالانتقال من مضمار إلى مضمار، وإذا أعاد لفظا عدنا لتفسيره، ولم نكتف بما مر من تقريره" (١).
وبعد هذه المقدمة أخذ في شرح ألفاظ البسملة في نحو ست صفحات، ثم شرع بعد ذلك "في شرح أبيات الموطأة بيتا بيتا، وكلمة كلمة، ويفسر ألفاظ كل بيت على حدة، وأحيانا شطر بيت أو أقل، ويعلق عليه بما يوضح معناه العام، وينصب اهتمامه على اللفظ الفصيح الذي أورده ثعلب، ونظمه ابن المرحل، فيبين اللغات فيه، وينبه على أفصحيتها أو رداءتها، ويورد أقوال العلماء المؤيدة لأحدهما، وإن كان ثمة خلاف يوضحه، ويناقشه ثم يرد عليه أحيانا مدعوما بالدليل السماعي أو القياسي، وإن كانت اللغة عامية أو خاطئة أشار إلى ذلك .... ثم يختم ذلك بإعراب بيت الموطأة المشروح … مع إشارة سريعة إلى ما فيه من نكات بلاغية وعروضية.
بعد ذلك ينتقل إلى البيت أو الشطر الذي يليه، فيفعل فيه كما فعل
_________
(١) موطئة الفصيح (مقدمة الحقق الدكتور عبد الرحمن الحجيلي) ١٢٤.
стр. 246
بسابقه، وهكذا .... حتى ينتهي من أبيات الباب الأول، ثم الباب الثاني، فالثالث فالرابع … وهكذا. مع ملاحظة ما يقوم به من شرح لترجمة كل باب ذكره ثعلب قبل البدء في الكلام عليه" (١).
وسأذكر فيما يلي نموذجا من شرح أبي سهل الهروي، وما يقابله من الشروح الثلاثة على الترتيب، ثم أوازن بين هذه الشروح في طريقة تناول المادة اللغوية، مبينا أوجه الاتفاق والافتراق فيما بينها.
١ - قال أبو سهل:
"وأجن الماء يأجن ويأجن أجنا وأجونا، فهو آجن: إذا تغير لونه وريحه وطعمه، لتقادم عهده في الموضع الذي يكون فيه، إلا أنه يمكن شربه.
ومنه قول الراجز:
منهل الغراب فيه ميت … كأنه من الأجون زيت
سقيت منه القوم واستقيت
شبه لون الماء لتغيره بلون الزيت. وقال علقمة بن عبدة:
إذا وردت ماء كأن جمامه
من الأجن حناء معا وصبيب
_________
(١) ص ٣٤٢ - ٣٤٣.
стр. 247
جمام الماء: معظمه وكثرته. فشبهه في صفرته بالحناء، وهو معروف، وبالصبيب، وهو شجر يكون بالحجاز يختضب به مثل الحناء، يصفر ويصبغ به، وتخضب أيضا به الرؤوس. وفيه أقوال أخر غير هذا، تركت ذكرها هنا خوف الإطالة، وقد ذكرتها في الكتاب "المنمق"وبالله التوفيق" (١).
٢ - وقال ابن درستويه:
"وأما قوله: أجن الماء يأجن، فمعناه: تغير لونه وطعمه لطول وكوده وتقادم عهده. ولذلك قال الشاعر:
ومنهل فيه الغراب ميت … كأنه من الأجون زيت
سقيت منه القوم واستقيت
والأجون مصدره، واسم فاعله آجن، على بناء الفاعل، وإنما ذكره لأن العامة تقول فيه: أجن بكسر الجيم من الماضي، وهو خطأ، إلا بالفتح، فأما مستقبله فيكسر ويضم على قياس الباب" (٢).
٣ - وقال ابن هشام اللخمي:
"أجن الماء: تغير لونه وطعمه لتقادم عهده، وقالوا: أجن وأسن
_________
(١) تصحيح الفصيح ١٣٨.
(٢) شرح ابن هشام ٥٧.
стр. 248
كذلك، والأجنة في الماء أقل في الفساد من الأسنة، وقالوا: أسن".
٤ - وقال ابن الطيب الفاسي:
"قوله (١):
وأجن الماء وماء آجن … وأسن الماء وماء آسن
معناهما تغير في الطعم … واللون والريح فقل بعلم
وقل من الفعلين في استقبال … يفعل أو يفعل لا تبالي
يقال: أجن الماء يأجن بالضم، كينصر، ويأجن بالكسر، كيضرب، أجنا بالفتح، وأجونا بالضم، فهو آجن على فاعل، وفيه لغة: أجن بالكسر، يأجن بالفتح، كيفرح، أجنا بالتحريك فهو أجن ككتف، وهذه مقابلة الفصيح، والله أعلم: إذا تغير طعمه ولونه وريحه.
وأسن كأجن في لغاته وتصريفه ومعناه وفصيحه ومقابله، كما قال في القاموس والصحاح وغيرها. وفرق بينهما في المعنى صاحب المصباح، فقال: أجن: تغير إلا أنه يشرب، وأسن تغير فلم يشرب، وذكر هذه التفرقة ابن القطاع أيضا" (٢).
وعند الموازنة بين هذه النصوص تتضح لنا أوجه الاتفاق والافتراق
_________
(١) أي قول ناظم الفصيح مالك بن المرحل.
(٢) موطئة الفصيح ٢٢٩.
стр. 249
التالية:
١ - اتفق الجميع على بيان المدلول اللغوي لمادة "أجن"إلا أن أبا سهل كان أكثر توضيحا لها من الباقين.
٢ - اتفق الجميع على ذكر تصاريف المادة عدا ابن هشام.
٣ - اتفق الجميع على ذكر اللغة الأخرى في الفعل المضارع عدا ابن هشام أيضا.
٤ - استشهد أبو سهل وابن درستويه لتوضيح شرحهما بشاهد من الرجز، ولم ينسباهن وزاد عليه أبو سهل شاهدا آخر من الشعر ونسبه لقائله، أما ابن هشام وابن الطيب فلم يستشهدا على شرح هذه المادة.
٥ - انفرد أبو سهل بذكر بعض الظواهر البلاغية، كما استطرد في شرح وتوضيح بعض ألفاظ الشاهد الشعري، ولكن بإيجاز، معللا ذلك بخشية الإطالة، مع الإحالة على أحد كتبه لاستيفاء القول فيما أوجز، وكأنه أدرك أن من مقومات المنهج العلمي السليم ألا يستطرد أو يتوسع في شرح ألفاظ خارجة عن مادة كتاب الفصيح.
٦ - عد ابن درستويه "أجن"بكسر الجيم في الماضي من خطأ العامة، وعدها ابن هشام وابن الطيب لغة أخرى تقابل الفصيح، ولم يرد شيء من ذلك عند أبي سهل.
стр. 250
٧ - م يذكر أبوسهل وابن درستويه مادة "أسن"، وقد ذكرت في الفصيح والتلويح تالية لمادة "أجن"وفسرتا بمعنى واحد، وكذلك ذكهما معا ابن هشام وابن الطيب، لكنهما اختلفا في تفسيرهما، ففرق بينهما الأول، وفسرهما الثاني بمعنى واحد، ثم أ شار إلى تفريق بعض العلماء بينهما.
٨ - صرح ابن الطيب ببعض المصادر التي اعتمد عليها، ولم يرد شيء من ذلك عند الباقين.
وبعد فهذه النصوص المذكورة لا تمثل مناهج الشراح الأربعة بكامل تفاصيلها، ففي شروحهم أمثلة أخرى كثيرة تتفق وتفترق، وغاية الأمر مما ذكرناه التمثيل لا الحصر.
следующие страницы →