حواشي التحقيق الزيادات أو الفروق المهمة التي انفرد بها عن الأصل.
٧ - عزوت الآيات القرآنية، وذلك بإشارة إلى اسم السورة ورقم الآية، وإكمالها إن كان ثمة ضرورة، وضبطها ضبطا تاما مطابقا للقراءة التي يريدها المؤلف، وميزتها عن سائر نصوص الكتاب بحصرها بين قوسين مزهرين ﴿﴾.
٨ - خرجت القراءات القرآنية من كتب القراءات، وكتب التفسير، ووجهت بعضها، ونسبتها إلى أصحابها.
٩ - خرجت الأحاديث النبوية والمأثور من كلام الصحابة من كتب الأحاديث المعروفة بدءا بالكتب الستة، ثم الكتب التي تعنى بالبحث في الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة، أو كتب غريب الحديث، وأشير في الغالب إلى لفظ الحديث كما ورد في هذه المصنفات.
١٠ - خرجت المأثورة من أمثال العرب وأقوالهم من كتب الأمثال، واللغة والأدب، وغيرها.
١١ - خرجت شواهده الشعرية، واكتفيت عند التخريج بذكر الديوان أو الشعر المجموع للشاعر إن كان له ديوان أو شعر مجموع، فإن لم يكن كذلك فمن كتب اللغة والنحو والأدب وغيرها من غير استقصاء، ونسبت أكثر الأبيات التي لم ينسبها المصنف إلى قائليها، وبينت الخلافة في الأبيات التي تنسب لغير شاعر، وإذا لم أستطع نسبة البيت أشرت إلى المظان التي ورد فيها غير منسوب، وإذا لم أجد تخريجا للبيت في المظان
стр. 282
نبهت على ذلك في الحاشية بقولي: "لم أهتد إليه". وقد أذكر بعض الروايات إن كان ذكرها يخدم غرضا في النص، وأكملت البيت في الحاشية إن ورد في النص صدره أو عجزه أو قطعة منه، وقد أذكر بيتا قبل الشاهد أو بعده إن دعت الحاجة إلى ذلك.
١٢ - خرجت أقوال العلماء وغيرهم من كتبهم إن كان لهم كتب ذكرت فيها تلك الأقوال، وإلا من الكتب الأخرى التي نقلت أقوالهم، وما لم يكن من الأقوال منسوبا فقد اجتهدت في معرفة أصحابها ذاكرا المصدر الذي ورد فيه القول منسوبا، ونبهت على ما لم أقف عليه.
١٣ - حصرت الأحاديث، والآثار والأمثال، والأقوال، وروايات الشواهد الشعرية، وبعض روايات الفصيح، وأصول الألفاظ المعربة، وأسماء الكتب بين علامتي تنصيص "".
١٤ - ميزت قول ثعلب بتسويده ووضعه بين قوسين، وأشرت في الحاشية إلى ما أهمله الشارح أو أسقطه من ألفاظ الفصيح، أو أورده برواية تخالف ما في الفصيح أو التلويح.
١٥ - علقت على كثير من المسائل اللغوية والنحوية، والصرفية وغيرها، وناقشت الشارح في بعض آرائه إن اقتضى المقام ذلك، وأحلت في أثناء ذلك على المصادر ذات العلاقة، ورتبتها - بقدر الاستطاعة - على زمن وفاة مصنفيها، وكنت أحيل على المعاجم بعد أن أحيل أولا على المصادر الأخرى.
стр. 283
١٦ - أشرت إلى نطق العامة للألفاظ التي ذكرها ثعلب في الفصيح، مما لم يشر إليه الشارح، وبينت في حالات كثيرة أن نطق العامة ليس بخطأ وإنما هو يوافق لغة من لغات قبائل العرب، وأحلت في أثناء ذلك على كتب لحن العامة ومعاجم اللغة وغيرها.
١٧ - حاولت أن أشير إلى الألفاظ التي يتكلم بها العامة اليوم في بعض نواحي الجزيرة العربية مما له صلة بالألفاظ الواردة في الشرح، ولعل في عملي هذا ما يخدم البحث في التطور اللغوي، أو يسهم بتقديم مادة ولو يسيرة لمن يعنى بوضع الأطالس اللغوية.
١٨ - فسرت الألفاظ الغريبة التي وردت في ثنايا الشرح تفسيرا موجزا مستعينا بكتب اللغة، كم استعنت بكتب المعربات في تخريج الألفاظ الدخيلة والمعربة وتفسيرها وبيان أصولها.
١٩ - مثلت لما أغفل المؤلف التمثيل له، وذلك في المواضع التي رأيتها بحاجة إلى ذلك.
٢٠ - ربطت أجزاء الكتاب بعضها ببعض وذلك بتعيين أرقام الصفحات التي أحال عليها الشارح، كما نبهت على كثير من القضايا المكررة أوالإشارات ذات العلاقة بالإحالة إليها في الصفحات السابقة أواللاحقة.
٢١ - ترجمت للأعلام الذين ورد ذكرهم في الشرح، ما عدا
стр. 284
الملائكة، والرسل والأنبياء، والأعلام المعروفين بين الناس كالخلفاء الراشدين مثلا، أو بعض علماء النحو المشهورين كالخليل وسيبويه. وتناولت الترجمة أسماء الأ علام وأنسابهم وشيوخهم وتلاميذهم وأهم مؤلفاتهم إن كانوا من العلماء، أو ما اشتهروا به إن كانوا غير ذلك، وذكرت - في الغالب - مكان وتاريخ وفياتهم، وأشرت إلى بعض مصادر تراجمهم، وإذا تكرر ورود العلم اكتفيت بالترجمة له عند وروده لأول مرة.
٢٢ - عرفت بالأماكن والبلدان والمواقع الواردة في الشرح، معتمدا في ذلك على كتب المواقع والبلدان.
٢٣ - اكتفيت بذكر اسم المؤلف عند الإحالة على شروح الفصيح، فإذا قلت: ينظر ابن درستويه فإني أعني "تصحيح الفصيح"، وكذلك إذا قلت: ينظر ابن خالويه، أو الجبان، أو المرزوقي، أو ابن ناقيا، أو الزمخشري، أو التدميري، أو ابن هشام، فإني اعني شروحهم على كتاب الفصيح.
٢٤ - عبرت عن نسخة المؤلف بـ "الأصل"، ورمزت لنسخة مكتبة شهيد علي بالحرف (ش)، وألحقت بمقدمة الكتاب نماذج للصفحات الأولى والأخيرة منهما.
٢٥ - وضعت للكتاب الفهارس الشاملة التي تسهل على الباحثين العثور على أي مطلب منه.
стр. 285
كتاب إسفار الفصيح
صنعة
أبي سهل محمد بن علي بن محمد الهروي النحوي
سمع مني هذا الكتاب من أوله إلى آخره بقراءتي عليه السيد الرئيس أبو الأزهر شهاب بن علي بن أبي الرجال الشيباني أيده الله، وهذا الأصل في يده يعارضني به وقت القراءة وسمع معه من سمع له فى آخره.
وكتب محمد أبو سهل بن علي بن محمد الهروي النحوي في ذى الحجة سنة سبع وعشرين وأربع مائة.
الحمد لله كثيرا، وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما.
стр. 286
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الملك الحق وصوائه على من جاء بالصدق محمد النبي وآله وسلم تسليما.
قال أبو سهل محمد بن علي بن محمد الهروي النحوي:
أما بعد:
فإني لما هذبت لك (١) كتاب "الفصيح، المنسوب إلى أبي العباس أحمد بن يحيى بن يزيد الشيباني، المعروف بتعلب (٢) ﵀ لما أنكرت عليه إثباته ولا عدة في غير أبوابها المترجمة بها، ثم استكثرت
أيضا ما أهمله من تفسير قوله؛ سألتني أن أبينها (٣) لك وأوضحها، وأن أزيد أيضا في إبانة ما فسره منها، وأورد مصادر الأفعال التي أهمل ذكرها؛ لإشكالها واختلافها، وأسماء الفاعلين والمفعولين؛ لأنه قد ذكر بعضها؛ فعملت لك هذا الكتاب ووسمته ب "إسفار كتاب الفصيح"،
стр. 287
وقد كنت قبل ذلك ابتدأت بشرح الأصل (١) ثم لما سألتني تفسيره واستعجلتني فيه، عملت لك هذا وقصدت الإيجاز والاقتصار في التفسير؛ ليقرب عليك حفظه، وإن امتدت بي الحياة تممت - إن شاء الله - شرحه لك، ولنظرائك المتأدبين. والله جل وعز الموفق لقول الصواب وفعله، وهو حسبي ونعم الوكيل.
فأما قوله: (هذا كتاب اختيار فصيح الكلام).
فإن هذا: اسم مبهم يشار به للمخاطب إلى كل مذكر موجود بحضرته غير بعيد عنه، وأصله عند التحوين البصريين ذا، وأصل ذا: ذيا (٢). وقال الكوفيون: أصل هذا: الذال وحدها، والألف بعدها
стр. 288
عماد وتكثير، لأن الاسم لا ينفصل على حرف واحد، وقالوا جميعا: إن العرب زادت "ها" قبل ذا للتنبيه، لأن المخاطب إذا قيل له: "ها" تنبه من غفلته فأقبل بوجهه (١) ونظره إلى ما أشير إليه بذا، فقوله: "هذا" أشار به إلى ما جمعه من جيد كلام العرب الذي تكثر العامة استعماله لسهولته وفصاحته. ويقال للمؤنث: هذه وهذي، وقد بينت اللغات في هذا وهذه في حال الإفراد والتثنية والجمع للمذكر والمؤنث في "شرح الكتاب" (٢)، وأنت تقف على ذلك منه - إن شاء الله -.
والكتاب: اسم للشيء المكتوب، واسم للمكتوب فيه الشيء أيضا، وهو في الأصل مصدر، لأنهم يقولون: كتبت أكتب كتبا وكتابا وكتابة (٣)، والمصدر يكون بمعنى المفعول، كقولهم: درهم ضرب، وماء سكب، أي مضروب ومسكوب (٤)، فالكتاب هو المكتوب. ومنه قوله تعالى: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ﴾ (٥) أي كطي السجل من أجل
стр. 289
الكتاب الذي فيه (١) والكتاب مشتق من الكتب، وهو الجمع والضم، فإذا قيل: كتبت، فمعناه: ضممت الحروف والكلم وجمعت بعضها إلى بعض (٢).
واختيار: مصدر قولك: اخترت الشيء أختاره، إذا أخذت خيره، أي أجوده وأفضله، [٢/ب] ومنه قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ (٣).
وفصيح الكلام: هو البين منه، مع صحة وسلامة من الخطأ.
والكلام: فعل الإنسان المتكلم، كالقيام والركوب فعل القائم والراكب، وهو أصوات مسموعة مقطعة ضربا من التقطيع، بحروف مؤلفة، دالة بتأليفها على معنى مفهوم، فإن لم يكن كذلك، فليس بكلام، كالتأوه والنحنحة وحديث النفس وأصوات الطير وأشباه ذلك، وهو عام في الجنس كله لقليله وكثيره، من كلام العرب والعجم، فلذلك لم يثن ولم يجمع (٤).
стр. 290
وأما وقوله: "مما يجري في كلام الناس وكتبهم".
فيجري: معناه: يطرد ويكثر استعماله، ومنه جري النهر، وهو تتابع سيلان مائه.
ومما: أصله من ما، فمن حرف من حروف الجر، وهو (١) هاهنا لبيان الجنس، لأن الكلام لما كان عاما للعربي والعجمي، وأن [٣/أ] العربي منه قد يكون سهلا مستعملا، ويكون غريبا مرفوض الاستعمال، بين بـ"من" أن المختار من الكلام في هذا الكتاب (٢) هو العربي السهل المستعمل السالم من الخطأ، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ (٣)، لأن الرجس أعم ممن الأوثان، لأنه يكون وثنا وغير وثن، فبين بمن الرجس المراد الذي هو الوثن (٤).
وما هاهنا: اسم ناقص بمعنى الذي، أي من الذي يجري في كلام الناس، ووصلت من بما في الخط، لأجل إدغام النون في الميم
стр. 291
لقرب مخرجيهما (١).
وفي: حرف جار، وهو ظرف، ومعناه الوعاء.
وكلام الناس: معناه: تكلمهم، والناس: اسم وضع للجمع من ولد آدم ﵇ واستعمل بمعناه، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (٢)، وقد استعمل أيضا للواحد، فجعلوه اسم جنس يدل على القليل والكثير بلفظ واحد، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُم﴾ (٣)، فالناس الأول واحد من جماعة، هكذا [٣/ب] جاء في تفسير هذه الآية (٤)، وقيل: اشتقاق الناس من الأنسة (٥)، وهي الاستئناس، لأن بعضهم يأنس ببعض، ولا يأنس بغيرهم من الحيوان.
وأما قوله: "وكتبهم"، فإنه أراد الصحائف، وهي جمع كتاب،
стр. 292
وفيها لغتان: ضم التاء وإسكانها (١)، ولا تسمى الصحيفة كتابا إلا إذا كتب فيها الكلم، أي جمع بعضها إلى بعض (٢).
وأراد بالناس هاهنا: العامة وأهل الحضر والأمصار ممن يتكلم بالعربية دون غيرهم من الأعاجم.
وأما قوله: (فمنه ما فيه لغة واحدة).
فمن: حرف جار أيضا، وهو هاهنا للتبعيض، والهاء عائدة على الكلام.
وما: بمعنى الذي، أي بعض الكلام الذي في هذا الكتاب فيه لغة واحدة. ويجوز أن تكون ما بمعنى شيء، أي فمن كلام هذا الكتاب شيء فيه لغة واحدة، أي طريقة واحدة من التكلم به.
وقيل: لغة معناها: كلام (٣)، تقول: هذا الحرف بلغة بني فلان، أي بكلامهم ومنطقهم. وهي مشتقة من اللغو أو اللغى مقصور، وهما الكلام [٤/أ] والصوت، يقال: لغا الرجل يلغو لغوا، ولغي أيضا - بالكسر، على مثال رضي (٤)، [فهو] (٥) يلغى لغى، إذا تكلم
стр. 293
وصوت (١). وجاء في الحديث: "من قال في الجمعة والإمام يخطب: صه، فقد لغا" (٢)، أي تكلم. وأصل لغة: لغوة، مثل عروة، ولذلك قالوا في النسب إليها لغوي.
وواحدة: معناها: منفردة، وهي تأنيث واحد، وإنما أنثت لأنها صفة للغة، ولا تكون إلا صفة لمؤنث، وأما واحد فيكون تارة صفة وتارة اسما غير صفة، فإذا قلت: مررت برجل واحد، كان صفة لرجل، وإذا قلت: واحد واثنان، أو واحد وعشرون، كان اسما غير صفة.
وأما قوله: "والناس على خلافها".
فالناس: هاهنا هم العامة وأهل الحضر والأمصار أيضا.
وعلى هاهنا: حرف من حروف الجر، ومعناه الاستعلاء (٣). وأراد أن العامة قد استعملت وركبت فيها الخطأ ومخالفة العرب.
وقوله: "خلافها"، معناه: مخالفة اللغة، والخلاف نقيض الوفاق، والمخالفة نقيض الموافقة، والخلاف والمخالفة بمعنى واحد،
стр. 294
وهما مصدران لقولهم: خالف الشيء [٤/ب] الشيء، إذا باينه، ولم يوافقه، ولم يقم مقامه.
وأما وقوله: "فأخبرنا بصواب ذلك".
فمعنى أخبرنا: ذكرنا وأعلمنا بقصد منا لذلك، ولا يكون الإخبار إخبارا إلا بالقصد، ألا ترى أنك لو حكيت كلام المخبر لم تكن مخبرا، وإنما كنت حاكيا، وكذلك الصبي الصغير إذا لقن ما هو في الظاهر خبر لم يكن مخبرا، لعدمه معنى القصد. والخبر: هو ما يصح فيه الصدق والكذب.
والصواب: ضد الخطأ، وهما اسمان لا مصدران، والمصدر منهما الإصابة والإخطاء، لأنه يقال في الفعل منهما: أصاب الشيء يصيبه، وأخطأه يخطئه، على أفعل يفعل فيهما. وأصاب الشيء معناه: قصده فوافقه، وأخطأه ضده.
وذلك: اسم مبهم، وهو نقيض هذا في الإشارة (١)، لأن هذا يشار به إلى القريب، وذلك يشار به إلى البعيد، والاسم منه ذا، واللام زائة للتكثير، وقيل: زيدت للدلالة على البعد (٢). والكاف للخطاب، ولا موضع لها من الإعراب (٣). وأشار
стр. 295
بـ"ذلك" إلى الكلام الذي يتكلم به الناس.
وأما قوله: "ومنه ما فيه لغتان وثلاث وأكثر من [٥/أ] ذلك، فاحترنا أفصحهن".
فمن هاهنا: للتبعيض أيضا، وأراد أن بعض الكلام أيضا، تنطبق به العرب على وجهين، وثلاثة أوجه، أو أكثر من ذلك، مختلفة في اللفظ متفقة في المعنى، وذلك نحو اختلافهم في الحركات والسكون (١) في حرف أو حرفين من كلمة واحدة، نحو ما جاء عنهم في نهر وشعر وفخذ وكبد (٢) وغيرها من اللغات المختلفة في الحركات والسكون، والمعنى فيها واحد. ونحو اختلافهم في زيادة حرف أو أكثر في كلمة واحدة، ونقصان ذلك منها، أو اختلاف حركة منها أيضا، والمعنى في ذلك كله واحد، كما جاء عنهم في قولهم: فعلت ذلك من أجلك (٣)، وفي عنوان الكتاب (٤)، وأشباههما (٥) من اللغات المختلفة في الحركات والحروف، والمعنى فيها واحد. ونحو ما جاء عنهم أيضا في اختلافهم
стр. 296
في الباء والدال وتغييرهما إلى حروف أخر، من بغداد (١) وأشباهه في تغيير الحروف وإبدال بعضها من بعض، والمعنى في جميع ذلك واحد (٢). إلا أن الذي عليه أكثرهم في استعمال حركة أو سكون أو حرف دون حرف هو أفصح من غيره وأبين، وهو الذي اخترناه وأثبتناه في هذا الكتاب، والذي ألغيناه ولم نذكره، هو ما يتكلم قليل من العرب، ولم يتفق جمهورهم عليه.
وقوله: "وثلاث"، هو لعدد [٥/ب] مؤنث، فلأجل ذلك حذف منه الهاء، وعدد المؤنث تحذف منه الهاء، من ثلاث إلى عشر، وعدد المذكر تثبت فيه للفرق بينهما، كقوله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ (٣).
وقوله: "وأكثر من ذلك"، أراد به الكثرة، وهو أفعل منها، وهي ضد القلة.
وقوله: "أفصحهن" أضاف أفصح، وهو أفعل من الفصيح إلى هن، وهي ضمير اللغات، لأنه أراد وجها واحدا مما تنطق به العرب على وجوه مختلفة الحركات أو الحروف، متفقة في المعنى، ولم يرد
стр. 297
به اللغة الفصيحة، ولو أراد ذلك لقال: فصحاهن، لأن تأنيث أفعل الذي يكون للتفضيل يكون على فعلى مثل أحسن وحسنى، وأول وأولى، وآخر وأخرى، وما أشبه ذلك (١).
وأما قوله: "ومنه ما فيه لغتان كثرتا واستعملتا، فلم تكن إحداهما أكثر من الأخرى، فأخبرنا".
فإنما أراد: أن من الكلام أيضا ما نطق به كثير من العرب على وجه واحد من حركة أو سكون، أو حرف من الحروف، ونطق بخلاف ذلك كثير منهم أيضا، فإنا ذكرنا اللغتين جميعا في هذا الكتاب.
وقوله: "واستعملتا"، معناه: نطق بهما على الوجهين جميعا (٢)، لسهولتهما على ألسنتهم، ولم يرفض أحدهما. والاستعمال: [٦/أ] استفعال من العمل.
ولم: حرف يجزم الفعل المستقبل، وينفى به الفعل فيما مضى من الزمان، ولا ضده في النفي، لأنه ينفى به الفعل فيما يستقبل من الزمان (٣)، وذلك أنك إذا قلت: لم أخرج، فقد نفيت خروجك فيما مضى من الزمان، وإذا قلت: لا أخرج، فإنما تنفي الخروج فيما
стр. 298
تستقبل (١) من الزمان (٢).
وقوله: "تكن"، هو فعل مستقبل، وأصله تكون، إلا أنه لما جزم بلم، سكنت النون، فالتقى ساكنان، وهما الواو والنون، فحذفوا الواو لالتقاء الساكنين، فبقي "تكن"، وهو يطلب في هذا الموضع اسما وخبرا، فاسمه مرفوع، وخبره منصوب لما كان هو الاسم في المعنى، واسمه قوله: "إحدى"، إلا أنها لا يتبين فيها رفع، لأنها مقصورة، وهي مضافة إلى هما، وهو ضمير عن اللغتين، و"أكثر" منصوب، لأنه خبر تكن.
وإحدى: بمعنى واحدة، وليس تأنيثها على القياس، كواحد وواحدة (٣).
والأخرى: تأنيث الآخر - بفتح الخاء - كالصغرى تأنيث الأصغر. وأخر وزنه أفعل، وهو اسم لأحد الشيئين، إلا أن فيه معنى الصفة، تقول: مررت برجل آخر، وبامرأة أخرى.
وقوله: "وألفناه"، معناه: جمعناه، والهاء ترجع إلى [٦/ب] الكتاب، أي جمعنا ما في الكتاب (٤) من الفصول، وجعلناه أصنافا
стр. 299
وضروبا.
و"الأبواب" (١): جمع باب، ويقولون: أبواب مبوبة، كما يقال أصناف مصنفة، ويجوز أن يكون معناها طرقا لمعرفة الفصول المثبتة فيه.
ويقولون: هذا باب من العلم، أي طريق إليه، وهو مأخوذ من الباب المعروف للبيت والدار (٢).
وقوله: "من ذلك: باب فعلت".
من هاهنا: للتبعيض، وذلك: إشارة إلى الكتاب، ومخاطبة لمن يقرؤه، أي بعض أبواب هذا الكتاب باب فعلت.
ومعنى "باب فعلت": أي طريق معرفة الفصول التي جاءت من كلام العرب في هذا الكتاب باب فعلت.
ومعنى "باب فعلت": أي طريق معرفة الفصول التي جاءت من كلام العرب في هذا الكتاب على وزن فعلت.
وقوله: "بفتح العين"، أراد أن جميع الأفعال الماضية التي في هذا الباب تكون مفتوحة الحرف الثاني منها.
وأما الباب الذي بعده، وهو "باب فعلت بكسر العين"، فإن الحرف الثاني من جميع الأفعال الماضية التي فيه يكون مكسورا، إلا ثلاثة
стр. 300
فصول (١)، فإن أبا العباس ﵀ خالف بها (٢) ترجمة الباب، وإنما ذكرها فيه، لتعلقها، بما قبلها في الحروف ومشابهتها لها في ذك، وسأبينها إذا انتهيت إلى مواضعها- إن شاء الله.
стр. 301
باب فعلت بفتح العين .
[٧/أ] يقال: "نمى المال وغيره ينمي" (١) نماء ونميا، إذا كثر وزاد لتناسله، فهو نام، على مثال مضى يمضي مضاء ومضيا، فهو ماض. والمال عند العرب هو: الإبل والغنم، وغير ذلك مما يتناسل، ويسمون النخل والذهب والفضة، وغير ذلك مما يقتنى ويكتسب مالا أيضا (٢). ونماء الشيء بالمد: زيادته وكثرته على ما عرف من حاله ومقدراه. ومنه قول الراجز (٣):
"يا حب ليلى لا تغير وازدد … وانم كما ينمي الخضاب في اليد"
стр. 302
(وذوى العود) الرطب (يذوي) (١) بالكسر، ذيا وذويا أيضا، مثل مضيا، فهو ذاو، وفي كثير من نسخ الكتاب: "أي خف"، وهو غلط (٢) وإنما هو مثل ذبل، سواء في الوزن والمعنى، وذلك إذا ابتدأ في الجفاف فلان استرخى لقلة رطوبته، ولم يتناه في اليبس. والمستقبل من ذبل يذبل بالضم، ومصدره ذبل وذبول، واسم الفاعل ذابل. وقال الشاعر في ذوى (٣):
رأيت الفتى كالغصن يهتز ناعما … تراه عميما ثم يصبح قد ذوى
стр. 303
[٧/ب] (وغوى الرجل يغوي) (١) غيا وغية وغواية، فهو غاو: إذا عدل عن طريق الصواب، وترك الرشاد، وفعل فعل الجهال. وقال الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (٢)، وقال : ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٣). وينشد هذا البيت، وهو للمرقش الأصغر (٤):
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره
ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
الخير هاهنا: الرشد، ومعناه: من يتبع الرشد ويقصده يحمد الناس حاله، أي يثنون عليه ثناء ثناء جميلا، ويصفون محاسن أفعاله. ومن يفعل الشر يجد من يعتبه (٥) عليه ويذمه.
"وفسد الشيء يفسد" (٦) ويفسد بالضم والكسر، فسادا وفسودا:
стр. 304
إذا تغير وانتقل عن الحال المحمودة التي يجب أن يكون عليها، حتى لا ينتفع به (١)، وهو خلاف صلح يصلح صلاحا وصلوحا، وأصل الصلاح: استقامة الحال، فهو فاسد وصالح.
(وعسيت أن أفعل ذاك) (٢)، أي قاربت أن أفعله ورجوت ذلك وطمعت فيه، فيجوز [٨/أ] أن أفعله، ويجوز ألا أفعله، فجعل عبارة عن الترجي والإشفاق، كما عبروا بالحروف عن التمني والطمع، نحو: ليت، ولعل. ومنعوا عسى التصرف (فلا يقال منه: يفعل، ولا فاعل)، لا يقال: يعسى، ولا عاس، ولا مصدر له (٣) أيضا (٤)، لأنه وقع بلفظ
стр. 305
الماضي، ونقل معناه عن المضي، ووضع موضع (١) الإخبار عن حال صاحبه التي هو مقيم عليها، كما فعل مثل ذلك بليس، لأن لفظها لفظ الماضي، وهي للحال الثابتة، وأجريت في منع التصرف مجرى حروف المعاني الجامدة، إذ كانت الحروف لا تصرف لها (٢).
"ودمعت عيني تدمع" (٣) بالفتح، دمعا، ودمعانا ودموعا: إذا خرج دمعها، وهو ماؤها عند البكاء، وسواء سال أو لم يسل، والعين دامعة.
(ورعفت أرعف) (٤) بالضم، رعفا، فأنا راعف: أي جرى الدم من أنفي وسال، وذلك الدم هو الرعاف.
(وعثرت أعثر) (٥) بالضم، عثرا وعثارا وعثورا، فأنا عاثر: إذا علقت أصابع رجلي وثوبي، أو أصابت رجلي حجرا أو غيره،
стр. 306
فسقطت، أو كدت أسقط، وكذلك يقال: عثر الفرس وغيره، [٨/ب] إذا أصاب حافره حجرا أو غيره، أو زلت قائمة من قوائمه، أو وقعت في وهدة (١) فسقط لذلك، أو كاد يسقط، وإذا كثر ذلك منه، فهو عثور. وعثرت أيضا على فلان، أي صادفته ووجدته واطلعت عليه، أعثر وأعثر بالكسر والضم، عثرا وعثورا، فأنا عاثر، وهو معثور عليه.
(ونفر) (٢) الرجل والدابة من الشيء (ينفر) وينفر بالضم والكسر، نفورا ونفارا: إذا هرب وذهب خوفا منه، فهو نافر. ونفر الحاج من منى إلى مكة نفرا ونفورا ونفيرا (٣)، إذا رجع منه إليها.
(وشتم يشتم) ويشتم (٤) شتما، فهو شاتم، والمفعول مشتوم: إذا سب إنسانا، أي (٥) إذا قال فيه مكروها، وذكره بقبيح. ومنه قول الشاعر (٦):
стр. 307
إن من بلغ حرا شتمه … فهو الشاتم لا من شتمه
(ونعست أنعس) (١) بالضم، نعسا ونعاسا: إذا ابتدأ النوم بي وغشيني، وأنا جالس أو قائم، ولم أستثقل فيه (فأنا ناعس، ولا يقال نعسان) (٢).
(ولغب الرجل يلغب) (٣)، بالضم، لغبا ولغوبا، فهولاغب: [٩/أ] (إذا أعيى) وتعب من مشي أوعمل. وفي التنزيل: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (٤).
(وذهلت عن الشيء أذهل) (٥) بالفتح، ذهلا وذهولا، فأنا ذاهل:
стр. 308
أي أغفلت عنه، وسلوت، ونسيته، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَت﴾ (١) معناه - والله أعلم -: تسلو عن ولدها، وتتركه، وتشغل عنه. والشيء مذهول عنه.
(وغبطت الرجل فأنا أغبطه) بالكسر (٢)، غبطة: أي سررته، فأنا غابط، وهو مغبوط، أي مسرور. وغبطته أغبطه غبطا بفتح الغين، وغبطة بكسرها، ومغبطة ومغبطة بفتح الباء وكسرها، وأنا (٣) غابط، وهو مغبوط أيضا: أي تمنيت أن يكون لي مثل الذي له من الخير والحال والمال من غير أن أتمنى زوال شيء من ذلك عنه، فإن تمنيت أن يكون لي مثل خيره وحاله وماله، مع زوال ذلك عنه، فأنا حاسد، وهو محسود (٤). وقد حسدته أحسده بضم السين، حسدا بفتحها. والحسد مذموم، والغبط غير مذموم (٥).
(وخمدت النار وغيرها تخمد) (٦) بالضم، خمودا، فهي خامدة:
стр. 309
إذا سكن لهبها وذهب ضوؤها، ولم [٩/ب] يطفأ جمرها، فإذا طفئ جمرها، وذهب حرها، فهي هامدة بالهاء (١). وقد همدت تهمد همودا بالضم أيضا (٢).
(وعجزت عن الشيء أعجز) (٣) بالكسر، عجزا ومعحزة ومعجزا بكسر الجيم، ومعجزة ومعجزا بفتحها، فأنا عاجز، والشيء معجوز عنه: إذا لم أقدر على ما أريده، وقصرت عنه، وضعفت في الجسم والعقل والرأي. وفي التنزيل: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ (٤).
(وحرصت على الشيء أحرص) (٥) بالكسر، حرصا: أي أجتهدت، وطلبت بنصب وشدة وحيلة، فأنا حريص،
стр. 310
فإن لم تكن (١) كذلك لم تكن (٢) حريصا. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (٣). وجاء اسم الفاعل من هذا حريص، لأنه بمعنى المبالغة، كما جاء عليم ورحيم (٤)، والقياس حارص، والشيء محروص عليه.
(ونقمت على الرجل أنقم) (٥) بكسر القاف، نقما بسكونها وفتح النون، ونقمة أيضا بكسر النون، فأنا ناقم عليه: إذا عتبت عليه، ووجدت، وأنكرت فعله. وفي التنزيل: [١٠/أ] ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٦)، وفيه أيضا: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ (٧).
(وغدرت به أغدر) (٨) بالكسر، غدرا، فأنا غادر: أي تركت
стр. 311
الوفاء لمن أخذ مني ذماما، ونقضت ذلك، وأنشدني أبي ﵀:
لقد آليت أغدر في جداع … ولو منيت أمات الرباع
لإن الغدر للأقوام عار … وأن المرء يجزأ بالكراع (١)
وقال: أراد لا أغدر، فحذف "لا" لعلم السامع (٢). وجداع بفتح أوله وكسر آخره بلا تنوين: سنة جدبة تجدع كل شيء، أي تقطعه، وهي مبنية على الكسر.
(وعمدت للشيء) وإلى الشيء والشيء، فأنا (أعمد) (٣) بالكسر، عمدا: أي (قصدت إليه) بجد، وهو ضد أخطأت، فأنا عامد، والشيء معمود وعميد أيضا، ولذلك سموا الرئيس الذي
стр. 312
يقصد في الحوائج عميدا (١).
(وهلك الرجل وغيره يهلك) (٢) بالكسر، هلاكا وهلكا وهلكا بفتح الهاء وضمها وسكون اللام منهما، وهلكة بفتحهما، ومهلكا ومهلكا ومهلكا بفتح اللام وكسرها [١٠/ب] وضمها، وفتح الميم منها: إذا مات، أو وقع في شيء شبيه بالموت، أو تلف، أو ضاع. وقال الله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة﴾ (٣). وقال أبو منصور محمد بن علي الجبان الرازي (٤): هلك الرجل، إذا انتقل من حالة سارة إلى حالة خلافها من أحوال السوء (٥).
(وعطس يعطس) ويعطس بالكسر والضم، عطسا (٦)، فهو
стр. 313
عاطس: إذا تحدر (١) من رأسه بخار مستكن، فخرج (٢) من منخريه بصوت، واسمه العطاس بالضم، على فعال، أجروه مجروى أبنية الأدواء، كالزكام والصداع والخنان (٣)، وأشباهها.
(ونطح الكبش) (٤) وغيره (ينطح) وينطح بالكسر والفتح، نطحا: إذا صدم شيئا وضربه بقرنه أو برأسه، فهو ناطح، والمفعول منطوح. قال الأعشى (٥):
كناطح صخرة يوما ليفلقها
فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
(ونبح الكلب ينبح) وينبح بالكسر والفتح، نبحا ونبيحا ونبوحا
стр. 314
ونباحا ونباحا: إذا صاح، فهو نابح.
(ونحت) العود وغيره (ينحته) وينحته بالكسر والفتح، [١١/أ] نحتا: إذا براه وقشر وجهه قشرا، على وجه مخصوص، بآلة مخصوصة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ﴾ (١). والفاعل ناحت، والعود منحوت. وقال الكميت (٢)
حتام حتى عيدان أثلتنا … لعاضد عندكم أو ناحت باري
(وجف الثوب) المبلول (وكل شيء رطب يجف) (٣) بالكسر، جفوفا وجفافا: إذا يبس، فهو جاف.
стр. 315
(ونكل) (١) الرجل (عن الشيء ينكل) بالضم، نكولا: إذا تأخر عنه، وامتنع منه هيبة له، وجبنا منه، مثل نكوله عن ا ليمين، إذا لم يقدم عليها، وامتنع منها. وقال ا لشاعر (٢):
لقد علمت أولى المغيرة أنني … لحقت فلم أنكل عن الضرب مسمعا (٣)
ويروى: "كررت" (٤).
(وكللت من الإعياء أكل) (٥) بالكسر، (كلالا) وكلالة (وكلولا): أي ضعفت وانقطعت عن الحركة. قال ا لأعشى (٦):
стр. 316
وآليت لا أرثي لها من كلالة … ولا من حفى حتى تلاقي محمدا (١)
(وكل بصري) يكل، بالكسر أيضا (كلولا، وكلة) [١١/ب] بالكسر: إ ذا ضعف وأعيا، وانقطع (٢) من طول النظر إلى الشيء.
(وكذلك) كل (السيف) يكل بالكسر أيضا، كلا بالفتح، وكلولا وكلة بالكسر أيضا: إذا لم يقطع، فكأنه ضعف عن القطع لكثرة ما ضرب به، وأزيلت حدته. واسم الفاعل من جميعها (كال) وكليل أيضا.
(وسبحت أسبح) (٣) بالفتح، سبحا وسباحة: أي عمت في الماء، والفاعل سابح، وذلك إذا حرك يديه ورجليه فثبت لذلك فوق الماء (٤)، أو جرى فوقه طافيا، كفعل الضفدع والسمكة، ولم يرسب فيه إلى أسفل.
(وشحب لونه يشحب) (٥) بالضم، شحبا وشحوبا وشحوبة،
стр. 317
فهو شاحب: إذا تغير من مرض أو غم أو سفر أو سوء حال أو شمس. ومنه قول لبيد (١):
وأتني قد شحبت وسل جسمي … طلاب النازحات من الهموم
(وسهم وجهه يسهم) (٢) بالضم، سهوما وسهومة، فهو ساهم: إذا ضمر وتغير من جوع أو مرض. قال الشاعر (٣):
إن أكن موثقا لكسرى أسيرا … في هموم وكربة وسهوم
رهن قيد فما وجدت بلاء … كإسار الكريم عند اللئيم
(وولغ الكلب في الإناء) (٤): إذا كان فيه شيء مائع [١٢/أ]،
стр. 318
فأدخل لسانه فيه فشرب منه به (١)، أو لحسه به، والمستقبل (يلغ) بفتح اللام، ويلغ بكسرها أقيس، لأن الأصل فيه يولغ فحذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، والمصدر ولغ، على مثال ضرب، وولوغ أيضا، على مثال دخول، والكلب والغ. والكلب أيضا (يولغ) بضم الياء وفتح اللام: (إذا أولغه صاحبه)، أي حمله على أن يلغ. (وينشد هذا البيت)، وهو لابن هرمة (٢):
(ما مر يوم إلا وعندهما … لحم رجال أو يولغان دما)
وصف شبلي أسد، وقبله:
ترضع شبلين في مغارهما … قد ناهزا للفطام أو فطما
يقول: لا يخلوان كل يوم من لحم غاب (٣) أو طري يأكلانه
стр. 319
و يسقيان دمه، لأن أبويهما يكثران افتراس الرجال وغيرهم.
(وأجن الماء يأجن ويأجن) (١) أجنا وأجونا، فهو آجن: إذا تغير لونه وريحه وطعمه، لتقادم عهده في الموضع الذي يكون فيه، إلا أنه يمكن شربه (٢). ومنه قول الراجز (٣):
ومنهل فيه الغراب ميت … كأنه من الأجون زيت
سقيت منه القوم واستقيت
стр. 320
شبه لون الماء لتغيره [١٢/ب] بلون الزيت. وقال علقمة بن عبدة (١):
إذا وردت ماء كأن جمامه
من الأجن حناء معا وصبيب
جمام الماء: معظمه وكثرته، فشبهه في صفرته بالحناء، وهو معروف، وبالصبيب، وهو شجر يكون بالحجاز (٢) يختضب به مثل الحناء، يصفر ويصبغ به، وتخضب أيضا به الرؤوس. وفيه أقوال أخر غير هذا (٣)، وتركت ذكرها هاهنا خوف الإطالة، وقد ذكرتها في الكتاب "المنمق"، وبالله التوفيق.
(وغلت القدر تغلي) (٤) غليا وغليانا: إذا جاشت، أي تقلب