(وقد نفست المرأة غلاما) (١) بضم النون وكسر الفاء، تنفس نفاسا: أي ولدته، وهي منفوسة ونفساء أيضا، بالمد وضم النون وفتح الفاء، (والمولود منفوس).
(وقد نفست عليك بالشيء) بفتح النون وكسرالفاء: أي بخلت عليك به، ولم أرك تستأهله (٢)، (أنفس نفسا) بفتح الفاء، ونفاسة، فأنا نافس عليك به، وأنت منفوس عليك به. وليس هذا الفصل من ذا الباب أيضا، إلا أنه لما شارك الفصل الذي قبله في الحروف ذكره معه (٣) وإن اختلفت حركاته، ليعرف الفرقان بينهما.
(إذا أمرت من هذا الباب كله كان باللام، كقولك: لتعن (٤) بحاجتي، ولتوضع (٥) في تجارتك، ولتزه علينا يا رجل، ونحو ذلك فقس عليه - إن شاء الله).
فإنما أراد أن الأمر في كل فعل لم يسم فاعله لا غير يكون باللام،
стр. 387
لأنه أمر الغائب [٢٩/أ]، فلا يكون إلا باللام، كقولك: ليقم زيد، فإذا أمرت من لم يسم فاعله، فإنما تأمر غائبا أن يوقع به فعلا، فإذا قلت: لتعن بحاجتي، فإنما أمرت غائبا بالعناية، ولست تأمر مخاطبا فتستغني بخطابه ومواجهته عن حرف المضارعة وحرف الأمر، وإنما تأمر الفاعل الذي لم تسمه، فهو غائب (١).
وأما إذا أمرت المخاطب، فإن الأكثر أن يكون بغير لام، كقولك: قم يا زيد، فحذفوا لام الأمر، وحرف المضارعة تخفيفا، لكثرة استعمالهم ذلك، واستغنائهم عنهما بخطابه ومواجهته، ويجوز أن تأتي باللام في المخاطبة على الأصل، فتقول: لتقم يا زيد. وقرئ قوله تعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا﴾ (٢) بالتاء معجمة بنقطتين من فوقها، على أمر المخاطب.
فقوله: "لتعن بحاجتي"، معناه: كن راغبا في قضائها، مهتما بذلك.
стр. 388
وقوله: "ولتوضع في تجارتك"، معناه: كن ناقصا فيها من رأس مالك غير زائد فيه.
وقوله: "ولتزه علينا"، معناه: كن متكبرا مفتخرا علينا.
وهذه اللام التي للأمر إذا ابتدأت بها كانت مكسورة لا غير، كقولك: لتعن بحاجتي، فإذا جاءت الواو قبلها فلك فيها وجهان: السكون [٢٩/ب] والكسر، فتقول: ولتعن بحاجتي بسكون اللام، وإن شئت: ولتعن بحاجتي بكسرها، وكذلك ما أشبهه (١).
стр. 389
باب فعِلت وفعَلت باختلاف المعنى (١)
(تقول: نقهت الحديث) (٢) بكسر القاف أنقهه بفتحها، نقها ونقها، بسكونها وفتحها، فأنا نقه بكسرها (٣)، (مثل فهمت) أفهم فهما وفهما، فأنا فهم، في الوزن والمعنى.
(ونقهت من المرض أنقه) بفتح القاف منهما: أي بدأ في البرء في عقب العلة، والمصدر النقوه بوزن الدخول، والفاعل ناقه.
стр. 390
(وقررت به عينا) (١) بكسر الراء (أقر) بفتح القاف، قرة (٢) وقرورا بضمها فيهما، ومعناه: بردت به عيني، أي سررت به، وهو من القر (٣)، ومعناه البرد، وهو نقيض سخنت، وعيني به قريرة، أي باردة. وإذا أمرت من هذا قلت: قر به عينا بفتح القاف، وأما الراء فتفتح وتكسر، وإذا أمرت المؤنث قلت: قري، ومنه قوله تعالى لمريم ﵍: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾ (٤).
(وقررت في المكان) بفتح الراء، (أقر) بكسر القاف، قرارا وقرورا: أي سكنت فيه وثبت، فأنا قار فيه، والمكان مقرورو فيه، وإذا (٥) أمرت من هذا قلت: قر في مكانك [٣٠/أ] بكسر القاف، وأما الراء
стр. 391
فتفتح وتكسر أيضا، كما تقدم. وتقول للمرأة: قري في مكانك، بكسر القاف.
(وقد قنع الرجل) (١) الفقير بكسر النون: إذا رضي باليسير الذي قسمه الله له، فهو يقنع، (قناعة)، وهو قانع.
(وقنع) الرجل يقنع بفتح النون في الماضي والمستقبل، (قنوعا): إذا سأل من فقر وتذلل للمسألة، وهو قانع (٢). ومنه قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ﴾ (٣)، وقال الشماخ (٤):
لمال المرء يصلحه فيغني … مفاقره أعف من القنوع
المفاقر: الفقر، يقول: قيامه على ماله، وحسن تعاهده له،
стр. 392
وافتقاده إياه أكف له من السؤال.
(ولبست الثوب) (١) بكسر الراء، (ألبسه) بفتحها، (لبسا) بضم اللام، ولباسا، فأنا لابس، والثوب ملبوس: إذا جعلته لباسا لبدنك، أي عطيته به وسترته، كما قال تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَق﴾ (٢).
(ولبست عليهم الأمر) بفتح الباء، (ألبسه) بكسرها، (لبسا) بفتح اللام، فأنا لابس: إذا عميته وخلطته عليهم، والقوم ملبوس عليهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِل﴾ (٤)، أي لا تخلطوه به.
(ولسبت العسل) (٥) والسمن ونحوهما بكسر السين، وألسب بفتحها، لسبا بسكونها (٦): (إذا لعقته)، والفاعل لاسب، والعسل
стр. 393
وغيره ملسوب، والإصبع والجفنة ملسوبة.
(ولسبته العقرب) بفتح السين، (تلسبه) وتلسبه بكسرها وضمها، (لسبا) بسكونها: إذا لسعته، أي ضربته بإبرتها، وهي الشوكة التي في ذنبها، وهي لاسبة، والمفعول ملسوب.
(وأسيت على الشيء) (١) بالكسر: أي حزنت عليه آسى أسى بالفتح والقصر. وفي التنزيل: ﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (٣). وأنا أس بالقصر على فعل، وآس أيضا بالمد على فاعل، وأسوان وأسيان بالواو والياء، على وزن سكران، أي حزين (٤).
(وأسوت (٥) الجرح وغيره: إذا أصلحته)، آسوه أسوا وأسا
стр. 394
أيضا بالقصر (١): إذا داويته فأصلحته بالدواء، وأنا آس بالمد، والجرح المداوى مأسو، وأسي أيضا، على فعيل.
(وحلا الشيء في فمي يحلو) (٢) حلاوة: إذا وجدته حلوا، وصار فيه حلوا، وهو ضد المر، والحلاوة ضد المرارة [٣١/أ].
(وحلي بعيني) (٣) وصدري بكسر اللام، (يحلى) بفتحها، (حلاوة) أيضا: إذا حسن، وهو حلو في الفم والعين جميعا.
(وعرج الرجل) (٤) بكسر الراء، (يعرج) عرجا بفتحها: (إذا
стр. 395
صار أعرج)، أي ظلع في مشيه، ولزمه ذلك، فلم يفارقه، فصار كأنه خلقة فيه، وهو أعرج بين العرج بفتح الراء، فإن (غمز من شيء أصابه) في رجله فخمع ومشى مشية العرجان، وليس بخلقة، وإنما هو عارض عرض له، ثم زال عنه، قيل: (عرج) (١) بفتح الراء، (يعرج) بضمها، عرجا بسكونها، وعروجا، على فعول، فهو عارج، ولا يقال أعرج.
(وعرج) الرجل وغيره في السلم ونحوه بفتح الراء أيضا، (يعرج) بالضم، عروجا: إذا صعد وارتفع فيه. ومنه قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (٢)، والفاعل عارج، والسلم معروج فيه.
(ونذرت النذر أنذره وأنذره) (٣) بالضم والكسر، (نذرا)، فأنا ناذر، وهو منذور: أي أوجبت وجعلت علي لله - تعالى - شيئا من الخير إن بلغت ما أؤمله، فيلزمني (٤) الوفاء به، واسم ذلك الشيء الذي أجعله وأوجبه على نفسي نذر أيضا، وجمعه نذور. ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْر﴾ (٥)، وقال: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٦).
стр. 396
(ونذرت بالقوم) بسكر الذال، فأنا (أنذر) بفتحها، نذرا ونذراة بفتح النون والذال فيهما (إذا علمت [٣١/ب] بهم، فاستعددت لهم) وحذرتهم، أي إذا علمت بأنهم آتون (١) بشر. ومعنى قوله: "فاستعددت لهم": تهيأت وأخذت العدة لهم، ولا يستعمل ذلك في الخير. ومعنى حذرتهم: تحرزت (٢) منهم. والفاعل ناذر، والقوم منذور بهم.
(وعمر الرجل منزله) (٣) بفتح الميم، يعمره بضمهما، عمرا بسكونها، وعمارة: إذا بناه وأصلحه، أو نزل فيه، وهو ضد خربه، وهو عامر، والمنزل معمور. ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ (٤) ويقال: عامر أيضا، مثل ماء دافق، أي مدفوق، وعيشة راضية، مرضية (٥). (و) قد (عمر المنزل) نفسه بفتح الميم أيضا، ضد خرب، فهو يعمر عمورا وعمارة: إذا صار عامرا، وهو منزل عامر، ويستوي في هذا الفعل اللازم والمتعدي.
(وعمر الرجل) بكسر الميم، يعمر (٦) عمرا بفتحها: (إذا طال
стр. 397
عمره)، أي بقي وعاش زمانا طويلا، ويقال في المصدر: عمر وعمر بفتح العين وضمها وسكون الميم منهما، وعرم أيضا بضمهما. وقال جرير (١):
عمرت مكرمة المساك وفارقت … ما شفها صلف ولا إقتار
(وسخن الماء) بفتح الخاء، يسخن ويسخن بفتحها وضمها، سخنا بسكونها وفتح السين، وسخونا وسخونة وسخانة. (و) يقال أيضا: [٣٢/أ] (سخن) بالضم (٢) يسخن سخونة: إذا حمي، وهو ماء سخن وساخن وسخينا، أي حار.
(وسخنت عين الرجل) (٣) بكسر الخاء، (تسخن) بفتحها،
стр. 398
سخنا بفتح السين والخاء، وسخنة، بضم السين وسكون الخاء، وسخونة: إذا حميت، وحمي ماؤها من حزن أو مرض، وهو ضد قرت. وقيل: معنى سخنن عينه، أي لم تنم لمرض بها، هو من الحرارة أيضا. وهي عين سخينة، على فعيلة.
(وأمر القوم) (١) بكسر الميم: (إذا كثروا)، يأمرون أمرا وأمرة بفتحها، فهم أمرون بكسرها مع القصر، وآمرون أيضا بالمد، مثل حذرون وحاذرون.
(وأمر علينا فلان: أي ولي) (٢) بفتح الميم، فهو يأمر (٣) بضمها، أمرا بسكونها وفتحا الهمزة، وإمرة وإمارة بكسرها، فهو أمير، ونحن مأمور علينا.
(ومللت الشيء في النار) (٤) بفتح اللام، (أمله) بضم الميم، (ملا): إذا دفنته في الملة، وهي الرماد الحار أو الجمر، نحو الخبز لينخبز، واللحم لينشوي، فأنا مال، والخبز وغيره مليل ومملول.
(ومللت من الشيء) بكسر اللام (٥)، وكذلك مللت الشيء: إذا
стр. 399
سئمته، وهما بمعنى واحد، إذا كرهته بعد ملازمته، فأنا (أمل)، بفتح الميم، ملا ومللا وملة و (ملالة وملالا)، وهو رجل مل [٣٣/ب] وملول وملولة، والشيء مملول وممل (١).
(وأسن الرجل) (٢) بكسر السين، (يأسن أسنا) بفتحها، فهو آسن بكسرها، والقصر، على فعل، وآسن بالمد، على فاعل: (إذا غشي عليه من ريح البئر) المنتنة الماء، أو الفاسدة الهواء، إذا نزلها. وفي نسخة أبي سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي النحوي (٣)، وأصله الذي رواه عن أبي بكر بن علي النحوي المعروف بمبرمان (٤) عن ثعلب ﵀: (إذا مات من ريح الحمأة) (٥).
стр. 400
(وأسن الماء) بفتح السين (١)، (يأسن ويأسن) بكسرها وضمها، (أسنا) بسكونها، (وأسونا): إذا تغير طعمه وريحه وفسد، فلا يشربه شيء من نتنه، فهو آسن بالمد. ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِن﴾ (٢).
(وعمت في الماء) (٣) بضم العين، فأنا (أعوم عوما): أي سبحت فيه، فأنا عائم.
(وعمت إلى اللبن) بكسر العين، (أعيم عيمة، وأعام أيضا): أي اشتهيته، فأنا عيمان، والمرأة عيمى. قال أبو سهل: ذكر أبي العباس ﵀ عمت بكسر العين، في هذا الباب غلط (٤)، لأن وزنه على الأصل قبل النقل فعلت بفتح الفاء والعين، وكان أصله عيمت، على مثال ضربت، ثم نقل إلى فعلت بكسر العين، فقالوا:
стр. 401
عيمت بكسر الياء، على مثال علمت [٣٣/أ] فاستثقلوا كسرة الياء، فنقلوها إلى العين التي قبلها، فلما فعلوا ذلك سكنت الياء، فاجتمع ساكنان، وهما الياء والميم، فأسقطوا الياء لالتقاء الساكنين، فبقي عمت بكسر العين (١)، والدليل على ما قلته أن مستقبله أعيم بكسر العين وسكون الياء، وكان أصله أعيم بسكون العين وكسر الياء، على مثال ضربت أضرب، فاستثقلت كسرة الياء، فنقلت إلى العين التي قبلها، فصار أعيم، وقد بينت هذا في "شرح الكتاب" بيانا شافيا، وأنت تراه فيه - إن شاء الله. وقد خلط في مستقبله بقوله: أعيم وأعام أيضا، فأما أعيم فقد ذكرته، وأما أعام فإنه مستقبل عمت الذي أصله عيمت بفتح العين وكسر الياء، فعلى هذا المستقبل يكون عمت في بابه، ووزنه فعلت بكسر العين، وهذا تخليط بجمعه بين أعيم وأعام (٢).
стр. 402
(وعجت إليكم) (١) بضم العين: (أي ملت) ورجعت، (أعوج عوجا) وعياجا بكسر العين، فأنا عائج.
(وما عجت بكلامه) (٢) بكسر العين، (أعيج) عيجا وعيوجا، أي ما باليت به ولا اكترثت. وقيل: معناه: ما رضيت به (٣). ولا يستعمل هذا إلا في النفي (٤)، وكذلك (شربت دواء [٣٣/ب] فما عجت به) بكسر العين أيضا، (أي ما انتفعت به) (٥)، وهذا قريب مما قبله، لأنك إذا لم تنتفع بالدواء، فكأنك لم تبال به، وتقول في الفاعل منهما: عائج، تقول (٦): لست عائجا بالكلام، أي لست مكترثا به، ولا عائجا بالدواء، أي لست منتفعا به. وذكر أبي العباس -
стр. 403
رحمه الله- عجت بكسر العين، في هذا الباب غلط أيضا، والقول فيه، كالقول في عمت بكسر العين، الذي ذكرته آنفا (١)، والقصد في هذا الكتاب الإيجاز والاقتصار، لكني نبهتك هاهنا على موضع (٢) السهو لتعلمه، وقد بينت ذلك في "الشرح"، وأنت تراه فيه إن شاء الله.
стр. 404
باب فعَلت وأفعَلتُ باختلاف المعنى
يقال: (شرقت الشمس) تشرق شرقا وشروقا: (إذا طلعت) (١)، فهي شارقة.
(وأشرقت) تشرق إشراقا، فهي مشرقة: (إذا أضاءت وصفت). وكل ما كان ماضيه على أفعل الألف، فإن مستقبله يجيء على يفعل بضم الياء وسكون الفاء وكسر العين، ومصدره إفعال، واسم الفاعل منه منفعل بكسر العين، واسم المفعول مفعل بفتحها، نحو أكرم يكرم إكرما [٣٤/أ] فهو مكرم، والمفعول به مكرم، وهذا قياس مستمر في كل ما جاء على أفعل (٢).
стр. 405
(ومشيت حتى أعييت) (١) فأنا أعيي إعياء: أي حتى تعبت، (وأنا معي)، على مثال معط، ولا يقال عيان (٢).
(وعييت بالأمر) بكسر الياء الأولى، أعيا به عيا بكسرالعين: (إذا لم تعرف وجهه)، أي عجزت عنه وقصرت، فلم اهتد لجهة الخلاص منه، (وأنا به عي) بفتح العين، على مثال لي، (وعي) (٣) أيضا، على مثال سري. وذكر ثعلب ﵀ عييت بكسر الياء، مع أفعلت، وأكثر الفصول التي ذكرها في هذا الباب عيناتها مفتوحة من فعلت، وإنما خالف فتح عينات بعضها، لأن غرضه الجمع بين ما كان على فعل وأفعل مما اتفقت حروفه واختلفت معانيه، والعامة لا تفرق بينهما، فتحذف الألف من بعض ما جاء على أفعل، وتزيدها على فعل، فتقوله على أفعل، وهي مخطئة في ذلك، لمخالفتها العرب فيما تتكلم به، ولو كان غرضه فتح عينات ما جاء به (٤) في هذا الباب على فعل لا غير، لبين ذلك كما بينه في الأبواب التي تقدمت قبله (٥).
стр. 406
وقد ميزت أنا هذه الفصول التي جاءت حركات عيناتها مخالفة لجمهور فصوله التي عيناتها مفتوحة، وأفردتها في أبواب [٣٤/ب] زائدة على ما في الأصل، وأضفت إليها ما شاكلها من سائر الأبواب في كتاب "تهذيب الفصيح"، وبالله التوفيق.
(وحبست الرجل عن حاجته، وفي الحبس) أحبسه بالكسر، حبسا، فأنا حابس، (وهو محبوس): إذا منعته من التصرف في أموره.
(وأحبست فرسا في سبيل الله) (١) أحبسه إحباسا، فأنا محبس بكسر الباء، (وهو محبس) (٢) بفتحها، (وحبيس) (٣) أيضا: إذا جعلته وقفا على الغزاة يجاهدون عليه في سبيل الله، ومنعت من بيعه وهبته وابتذاله إلا في الغزو والجهاد عليه.
(وأذنت للرجل في الشيء يفعله) (٤) بكسر الذال، آذن بفتحها
стр. 407
والمد إذنا بكسر الهمزة وسكون الذال، فأنا آذن له فيه، (وهو مأذون له فيه): أي أطلقت له ذلك وأمرته وخيرته فيه.
(وآذنته بالصلاة وغيرها) بالمد، أوذنه بها إيذانا: أي أعلمته بوقتها، فأنا مؤذن بكسر الذال، (وهو مؤذن بها) بفتحها.
(وأهديت الهدية) (١) أهديها (إهداء): إذا أرسلتها، فأنا مهد بكسر الدال، وهو مهدى إليه بفتحها، والهدية مهداة، والهدية اسم لما أرسل إلى المهدى له، وهي تدل على الملاطفة، والهاء فيها علامة للواحدة، كالهاء في تمرة (٢)، وهي فعيلة بمعنى مفعولة، وجمعها هدايا.
стр. 408
(وأهديت) بالألف أيضا، (إلى البيت الحرام هديا [٣٥/أ] وهديا): أي أرسلت، فأنا أهدي إهداء، فالهدي على فعل مثل ظبي، والهدي على فعيل مثل صبي بمعنى واحد (١)، وهما اسمان لما أرسل إلى بيت الله الحرام، من الإبل والغنم ونحو ذلك مما ينحر ويذبح بمنى، ويتصدق بلحومها.
(وهديت العروس إلى زوجها) بغير ألف، أهديها بفتح الألف، (هداء) بكسر الهاء والمد: أي زففتها إليه، فأنا هاد، والعروس مهدية وهدي (٢)، (وقال زهير (٣):
فإن تكن النساء مخبآت … فحق لكل محصنة هداء)
(وهديت القوم الطريق) بغير ألف أيضا، أهديهم (هداية)، فأنا هاد، وهم مهديون: أي عرفتهم إياه ودللتهم عليه، وهذه لغة أهل
стр. 409
الحجاز. ومنه قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١) وغيرهم يقول: هديتهم إلى الطريق، فيعديه بحرف الجر (٢). ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّه﴾ (٣).
وهديتهم (في الدين هدى): أي دللتهم وأرشدتهم وبينته لهم (٤)، والهدى ضد الضلال، وهو الرشاد والدلالة. والهدى يؤنث ويذكر (٥).
(وقد سفرت المرأة: إذا ألقت خمارها) (٦) عن رأسها، ونقابها (عن وجهها)، تسفر بالكسر، سفرا وسفورا: أي كشفته، (وهي
стр. 410
سافر) بغير هاء، أي هي ذات سفور. وقال توبة بن الحمير (١) [٣٥/ب]:
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت … وقد رابني منها الغداة سفورها
وقال طفيل (٢):
عروب كأن الشمس تحت قناعها … إذا ابتسمت أو سافرا لم تبسم
وكذلك سفر (الرجل عمامته) عن رأسه بغير ألف أيضا، يسفر سفورا: أي كشفه، فهو سافر، أي ذو سفور، مثل لابن وتامر، أي ذو لبن وذو تمر.
(وأسفر) وجه المرأة بالألف، يسفر إسفارا: (إذا أضاء)
стр. 411
وأشرق فهو مسفر، (وكذلك أسفر الصبح) (١) إسفارا: إذا تبين ضوؤه. قال أبو زبيد (٢):
بعينيه لما عرسوا ورحالهم … ومسقطهم والصبح قد كاد يسفر
(وخنست عن الرجل) (٣) أخنس وأخنس خنوسا: (إذا تأخرت عنه)، فأنا خانس، وهو مخنوس عنه.
(وأخنست عنه حقه) (٤) [بالألف، أخنسه إخناسا: (إذا سترته)
стр. 412
وأخرته (عنه)] (١) فأنا مخنس بكسر النون، وهو مخنس عنه بفتحها.
(وأقبست الرجل علما) (٢) بالألف، أقبسه إقباسا: أي أفدته إياه وعلمته، فأنا مقبس بالكسر، والرجل مقبس بالفتح.
(وقبسته نارا) بغير ألف أقبسه بكسر الباء قبسا، بسكونها: إذا جئته بقبس منها بفتحها، أو أعطيته قبسا منها بفتح الباء، وهي شعلة تأخذها (٣) من معظمها، والفاعل قابس، والرجل مقبوس، والنار مقبوسة.
стр. 413
(وأوعيت المتاع في الوعاء) (١) بالألف، أوعي إيعاء: أي [٣٦/أ] جعلته فيه وحفظته، وأنا موع، والمتاع موعى (٢). والوعاء بالمد: اسم ما يجعل فيه الشيء فيحفظه.
(ووعيت العلم): أي (حفظته)، أعيه وعيا، فأنا واع، والعلم موعي. ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ (٣).
(وقد أضاق الرجل) (٤) يضيق إضاقة، (مثل أعسر)، أي قل عليه ماله ورزقه، (فهو مضيق).
(وضاق الشيء) يضيق ضيقا وضيقا (٥): إذا قلت سعته، (فهو ضيق)، وإن أردت أن تجري اسم الفاعل على الفعل قلت ضائق (٦).
стр. 414
(وقد أ قسط الرجل) (١) بالألف، يقسط إقساطا: (إذا عدل، فهو مقسط). ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٢) والاسم القسط بالكسر.
(وقسط: إذا جار) (٣) وظلم، وعدل عن الحق، يقسط بالكسر، قسوطا وقسطا بفتح القاف وسكون السين، فهو (قاسط). ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ (٤).
(وخفرت الرجل) (٥) بفتح الفاء (٦)، أخفره بكسرها، خفرا بسكونها وفتح الخاء، و (خفرة) أيضا بسكونها وضم الخاء، (وخفارة) بضم الخاء (٧): أي حفظته وحميته، ومنعت منه كل عدو، وصرفت
стр. 415
عنه الشر، وأنا له خفير. وقال ثعلب ﵀: (إذا أجرته)، ومعنى أجرته: صرت له جارا ومعينا ومانعا ومنقذا من السوء، ويقال منه: أجرته أجيره إجارة، وأنا (١) مجير، وهو مجار. والإجارة: المنع والإنقاذ [٣٦/ب].
(وأخفرته) (٢) بالألف، أخفره إخفارا: أي ضيعته و (نقضت عهده)، فأنا مخفر بكسر الفاء، وهو مخفر بفتحها.
(وخفرت المرأة) (٣) بكسر الفاء: (إذا استحييت، تخفر خفرا وخفارة) بالفتح، وهي امرأة خفرة بكسر الفاء: أي حيية، وجمعها خفرات.
(ونشدت الضالة) (٤) أنشدها بالضم، نشدا بفتح النون، ونشدانا
стр. 416
بكسرها على فعلان، فأنا ناشد، وهي منشودة: أي طلبتها، وسألت عنها، نحو أن تقول (١): من وجد لي بعيرا؟ والضالة: اسم يقع على الضائع من البهائم خاصة. وقال الراجز (٢):
أنشد والباغي يحب الوجدان … قلائصا مختلفات الألوان
وقال أبو دؤاد الإيادي (٣):
وتصيخ أحيانا كما اسـ … تمع المضل لصوت ناشد
تصيخ بضم التاء: أي تستمع، يعني أذن ولد البقرة. والمضل: الذي قد ذهب بعيره. والناشد: الطالب. والمضل يشتهي أن يرى مضلا مثله، ليتعزى به (٤).
стр. 417
(وأنشدت الضالة) (١) بالألف، أنشدها إنشادا، فأنا منشد، بالكسر، وهي منشدة بالفتح: إذا عرفتها، نحو أن تقول: من ضل له بعير؟.
(وقد حضرني قوم وشيء) (٢) يحضر حضورا، فهو حاضر: أي شهدني، ولم يغب عني.
(وأحضر [٣٧/أ] الرجل والغلام) بالألف، يحضر إحضارا: (إذا عدوا)، أي جريا، وكذلك الفرس وغيره، فهو محضر. والحضر بضم الحاء: الاسم، وهو العدو (٣).
(وكفأت الإناء) (٤) بالهمز، أكفؤه كفأ: أي كببته لوجهه، وأنا كافئ، وهو مكفوء.
стр. 418
(وأكفأت في الشعر) بالألف، أكفئ إكفاء، (وهو مثل الإقواء)، وأنا مكفئ، والشعر مكفأ بالهمز. وأما الإقواء (١) فيقال فيه: أقوى الشاعر بالألف أيضا غير مهموز، فهو يقوي إقواء، وهو مقو بالكسر، والشعر مقوى بالفتح، وذلك إذا خالفت حرف الروي بالرفع والخفض في قوافي الشعر (٢)، كقول الحارث بن حلزة (٣):
فملكنا بذلك الناس حتى … ملك المنذر بن ماء السماء
وهو الرب والشهيد على يو … م الحيارين والبلاء بلاء (٤)
стр. 419
فأقوى في البيت الأول فخفضه، والقصيدة مرفوعة. والروي: هو الحرف الذي تبنى عليه القصيدة. وقال قوم: الإكفاء في الشعر: هو أن يخالف بين قوافيه بالحروف، فيجعل حرف مكان حرف، وذلك أن تجعل قافية طاء والأخرى دالا، أو نونا وأخرى ميما (١)، وما أشبه هذا من الحروف التي تشبه بعضها بعضا، وذلك نحو قول الراجز (٢):
إذا نزلت فاجعلاني وسطا … إني شيخ لا أطيق العندا
[٣٧/ب] يريد العنت، وهو الوقوع في أمر شاق، ورواه أبو عبيدة (٣): "العندا" بضم العين وتشديد النون، وهو جمع عاند، وهو
стр. 420
البعير الجائر عن الطريق والقصد، ويروى: "إذا ركبت" (١) وقال آخر (٢):
يا ريها اليوم على مبين … على مبين جرد القصيم
(وحصرت الرجل في منزله) (٣) أحصره بالضم حصرا: أي حبسته فيه، وأنا حاصر، وهو محصور.
(وأحصره المرض) بالألف، يحصره إحصارا: (إذا منعه من
стр. 421
السير) وحبسه، والمرض محصر بكسر الصاد، والرجل محصر بفتحها.
(وأدلجت) (١) بقطع الألف، وتخفيف الدال: (إذا سرت من أول الليل).
(وادلجت) بتشديد الدال: (إذا سرت من آخره). هكذا فسرهما ثعلب وغيره من أهل اللغة أيضا. فأما ذكره ادلجت بتشديد الدال، في هذا الباب فهو غلط، لأن وزنه افتعلت، وهو مأخوذ من الدلج بفتح الدال واللام، وأصله: ادتلجت، بتاء بعد الدال، فأبدلوا من التاء دالا، ثم أدغموا الدال في الدال، وتقول منه: ادلجت أدلج ادلاجا، فأنا مدلج بتشديد الدال فيها كلها.
وأما أدلجت بقطع الألف، وتخفيف الدال، فإن مستقبله أدلج، ومصدره إدلاج، والفاعل مدلج، على وزن [٣٨/أ] أكرمت أكرم إكراما، وأنا مكرم، وهو أفعلت من الدلج، المفتوح الدال واللام
стр. 422
أيضا، وهو سير الليل. قال الراجز (١) يصف إبلا:
كأنها وقد براها الأخماس … ودلج الليل وهاد قياس
شرائج النبع براها القواس (٢)
وقال أبو زبيد الطائي (٣) يذكر قوما:
فباتوا يدلجون وبات يسري … بصير بالدجى هاد هموس
أراد بالهادي الهموس: الأسد (٤). ويروى: "غموس" (٥).
والدلجة والدلجة، على وزن غرفة وغرفة، مثل الدلج أيضا (٦)، وقد روى أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي (٧) بين أدْلجت وادَّلجت، وجعلهما جميعا سير الليل كله، في أي وقت كان منه في
стр. 423
أوله ووسطه وآخره، ولم يخص بهما هذين الوقتين من الليل كما ذكر ثعلب وغيره من أ ئمة اللغة (١)، وأنكر عليه ذلك وغلطهم فيه. وقد ذكرت ذلك في "شرح الكتاب"، وستقف عليه منه إن شاء الله.
(وأعقدت العسل) (٢) ونحوه بالألف، أعقده إعقادا، فأنا معقد بكسر القاف، أي طبخته حتى يغلظ ويشتد، وهو (معقد) بفتح القاف، و (عقيد) (٣) أيضا.
(وعقدت الحبل) أعقده بالكسر، عقدا: أي شددته وأوثقته، فأنا عاقد، وهو (معقود). ومن أمثالهم: "يا عاقد اذكر حلا" (٤).
стр. 424
وكذلك عقدت [٣٨/ب] العهد، فهو معقود: إ ذا أحكمته وأكدته بالأيمان.
(وأصفدت الرجل) (١) بالألف، أصفده إصفادا: (إذا أعطيته) شيئا، وأنا مصفد بكسر الفاء، وهو (مصفد) بفتحها، واسم العطية (الصفد) (٢) بفتح الصاد والفاء، وقال الأعشى (٣):
ومتعني على العشا بوليدة … وأصفدني على الزمانة قائدا
(وصفدته) أصفده بكسر الفاء، صفدا، بسكونها، فأنا صافد، وهو (مصفود): (إذا شددته) وقيدته، واسم ما يشد به أو يقيد
стр. 425
الصفد (١) بفتح الفاء وجمعه أصفاد. ومنه قوله تعالى: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ (٢) أي القيود.
(وقد أفصح الأعجمي) (٣) بالألف، يفصح إفصاحا، فهو مفصح: إذا تكلم بالعربية وحسنت لغته (٤).
(وفصح اللحان) (٥) بضم الصاد، يفصح فصاحة، فهو فصيح (٦): إذا زال فساد كلامه وتنقى من اللحن، وصحت ألفاظه (٧)، مع سرعة النطق بها. واللحان: هو الذي يتكلم بالعربية فيخطئ فيها (٨).