جفار إذا قاظت هضاب إذا شتت … وبالصيف يرددن المياه على العشر
وقال آخر (١):
سقى الله أمواها عرفت مكانها … جرابا وملكوما وبذر والغمرا
(وجمع الشفة) المعروفة، وهي غطاء أسنان الإنسان (شفاه) (٢) بإظهار الهاء في الجمع أيضا، لأن أصل شفة: (شفهة) (٣) بفتح [١٢٥/ب] الشين والفاء، ولذلك قالوا في تصغيرها شفيهة، ولذلك قالوا: شافهته بالكلام، أي واجهته به وخاطبته وحركت شفتي به.
(وجمع الشاة)، وهي الواحدة من الغنم (شياه) (٤) بإظهار الهاء في الجمع أيضا، لأن أصل الشاة: "شوهة" بفتح الشين والواو، على
стр. 772
"فعلة"، فحذفت منها الهاء الأصلية، وقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت شاة (١)، فإذا صغروها أو جمعوها عادت الهاء، فقيل: شويهة (٢) وشياه (٣). ومنه قول المنخل اليشكوري (٤):
وإذا صحوت فإنني … رب الشويهة والبعير
وقال زهير (٥):
فقال شياه راتعات بقفرة … بمستأسد القريان حو مسائله
الشياه هاهنا: حمر الوحش.
стр. 773
(وجمع العضة: عضاه) (١) بإظهار الهاء في الجمع أيضا، لأن أصل عضة: "عضهة" (٢) بهاءين وفتح الضاد، فحذفوا الهاء الأصلية وبقوا الزائدة، فإذا صغروا أو جمعوا ردوا الهاء المحذوفة، فقالوا: عضيهة، ولذلك (٣) أيضا قالوا: بعير عاضة وعضة، إذا أكل العضاه أو اشتكى من أكلها (٤)، وقد عضه بكسر الضاد، يعضه عضها بفتحها [١٢٦/أ]. والعضاه: كل شجر يعظم وله شوك من أشجار أم غيلان، كالطلح والسمر والعرفط وأشباهها (٥). وقال الشاعر (٦):
فأقسمت لا أنساك ما لاح كوكب … وما اهتز أغصان العضاه بأسوق
стр. 774
(وجمع الأست: أستاه بفتح الألف) (١) وإظهار الهاء، لأن أصل الأست: سته بفتح السين والتاء وإثبات الهاء في آخرها، ولذلك قالوا في تصغيرها ستيهة. والأست: هي العجز، وقد يراد بها حلقة الدبر.
وينشد هذا البيت، وهو لعمران بن حطان السدوسي الخارجي (٢):
وليس لعيشنا هذا مهاه … وليست دارنا الدنيا بدار
بإظهار الهاء من مهاه (٣)، ومعناه: الحسن واللذة. وقيل: الطرواة والحسن (٤). وقيل: اللمع والصفاء (٥). والعيش: الحياة والبقاء، يقول: ليست الدنيا بدار البقاء، وليس عيشها (٦) بعيش دوام.
стр. 775
وقوله: (والهاء في هذا كله (١) صحيحة أصلية) أراد أنها من أصل الكلم التي ذكرها، صحيحة فيها، وليست كهاء التأنيث التي هي بدل من التاء في الوصل، كنواة وتمرة وأشباههما (٢).
стр. 776
باب منه آخر
[١٢٦/ب] قال أبو سهل: قوله: "منه" يريد من الكتاب (١).
(تقول: في صدره عليه غمر) (٢) بكسر الغين وسكون الميم: (أي حقد) وغل، كأنه غمر قلبه، أي غطاه. والجمع أغمار.
(وهو منديل الغمر) (٣) بفتح الغين والميم: أي الزهومة، وهو المنديل الذي يمسح به الآكل الزهومة (٤) عن يده. والغمر: هو مصدر غمرت يده بكسر الميم، تغمر غمرا بفتحها: إذا تزهمت.
(والغمر) (٥) - بضم الغين وسكون الميم - (من الرجال: الذي لم
стр. 777
يجرب الأمور)، فكأنها غمرته، أي غطته، فلا يهتدي لوجهها. وجمعه أغمار، (وهو المغمر أيضا)، على مثال محمد. وجمعه مغمرون.
(والغمر) (١) - بفتح الغين وسكون الميم - (من الماء: الكثير) الذي يغمر من دخل فيه، أي يغطيه. وجمعه غمار، مثل كلب وكلاب. (و) الغمر أيضا (من الرجال: الكثير العطاء) (٢) الذي كأنه يغمر الناس بعطاياه.
(والغمر) (٣) بضم الغين وفتح الميم: (القدح الصغير) (٤) وجمعه غمران وأغمار، مثل جرذ وجرذان وأجراذ. وقال أعشى باهلة (٥):
تكفيه حزة فلذ إن ألم بها … من الشواء ويروي شربه الغمر
стр. 778
(والغمرات) (١) بفتح الغين والميم: (الشدائد). واحدتها غمرة، مثل [١٢٧/أ] جفنة وجفنات. قال جعفر بن علبة الحارثي (٢):
لا يكشف الغماء إلا ابن حرة … يرى غمرات الموت ثم يزورها
(ورجل مغامر: إذا كان يلقي نفسه في المهالك) (٣). والجمع مغامرون.
وأصل هذا الباب كله من التغطية والستر (٤)
стр. 779
باب ما جرى مثلا أو كالمثل
(تقول: إذا عز أخوك فهن) (١) بضم الهاء: أي إذا صعب واشتد في أمر نازعته إياه (٢) فلن له وتسهل لتدوم بينكما المودة والأخوة. ويقال: عز فلان يعز بكسر العين، عزا وعزة بكسرها أيضا، وعزازة أيضا بفتحها: إذا صار عزيزا، أي قوي واشتد بعد ذلة. وهان يهون هونا، فهو هين: إذا ذل، يقول: إذا عز الذليل وخس الجليل فكن أنت له هينا لينا لتسلم من مكائده وشره.
стр. 780
(وعند جهينة الخبر اليقين) (١) بالجيم والهاء (٢)، وكان ابن الأعرابي يقول: (جفينة) (٣) بالجيم والفاء، وقال أبو عبيدة: حفينة (٤) بالحاء غير معجمة والفاء. فأما جهينة بالهاء: فاسم قبيلة. وقيل: اسم خمار قتل رجلا (٥). وأما جفينة فقيل: إنه اسم رجل [١٢٧/ب] قتل رجلا كان سافر معه، واسمه خصيل، فانصرف جفينة ولم ينصرف خصيل، فكانت أخته تتلقى الركبان تسألهم عن أخيها، فقال بعض الشعراء (٦):
تسائل عن خصيل كل ركب … وعند جفينة الخبر اليقين
стр. 781
فضرب به المثل لكل من اتهم بشيء، ويروى:
تسائل عن أخيها كل ركب … وعند جهينة ....
بالهاء. ويقال: إن هذا البيت لجهينة الخمار، وكان يهوديا فجاءه رجل يشتري منه خمرا، فأبصر أختا لجهينة فراودها عن نفسها، فقتله جهينة، فجاءت أخت المقتول تسأل عن أخيها، ولا تعرف خبره، فقال جهينة هذا البيت، ومعناه: أن خبر هذا المقتول عندي، لأني أنا قاتله (١).
(وتقول: افعل ذاك وخلاك ذم) (٢) معناه: افعل ذاك ولا يلحقك من فعله ذم، ومعنى خلاك: فارقك. وقيل: معناه: افعل ذاك وليس فيه ما يعتقبك (٣) عليه ذم.
стр. 782
(ويقال: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها (١): أي لا تكون ظئرالقوم) أي تصبر المرأة الكريمة على الجوع والضر، ولا تلتمس المكاسب الدنيئة. والظئر بالهمز: التي ترضع غير ولدها من الناس والإبل.
(وتقول: تحسبها حمقاء وهي باخس، هكذا جرى المثل بغير [١٢٨/أ] هاء) (٢)، أي أنها ذات بخس، أي نقص في الكيل وتطفيف، كما قالوا: طالق، أي ذات طلاق، (وإن شئت قلته بالهاء) (٣)، أي إنها إذا كالت للناس نقصت الكيل وطففت فيه، ويقال هذا لمن تظنه أبله فتجده في المعاملة خبيثا داهيا.
стр. 783
(تقول: الكلاب على البقر، تنصب (١) الكلاب وترفعه) (٢)، فمن نصب أضمر فعلا قبله، وتقديره: دع الكلاب على البقر، أو خل الكلاب على البقر وأشباههما، يعني: كلاب الصيد على بقر الوحش، ومن قال: الكلاب على البقر بالرفع، فإنه على الابتداء، وما بعده خبره. ومعنى المثل: إذا أمكنتك الفرصة فاغتنمها. وقيل: معناه: خل بين الناس جميعهم خيرهم وشريرهم، واغتنم أنت طريق السلامة فاسلكه (٣). وقيل: معناه: الناس مختلطون غير متميزين (٤).
(وتقول: أحمق من رجلة، وهي بقلة الحمقاء) (٥)، هكذا رأيته في نسخ عدة، بإضافة بقلة إلى الحمقاء، وليس هو جيدا، ورأيت في نسخ أخر (وهي البقلة الحمقاء) (٦) بالألف واللام والرفع على الصفة، وهذا
стр. 784
هو الصواب، وإنما وصفت البقلة بالحمق لطلوعها في مجرى السيل، لأنه إذا جاء اقتلعها. وقيل: وصفت بذلك، لأنها لا تستوي في نباتها، لأنها تذهب على الأرض بسطا كذا وكذا (١). وهي التي تسمى "الفرفخ" بالخاء المعجمة. ومنه قول العجاج (٢) [١٢٨/أ]:
ندوسهم كما يداس الفرفخ
والفرفخ: أصله فارسي معرب، وهو بالفارسية "بربين" (٣).
والعامة تقول: "من رجله" (٤)، بإضافة رجل، وهو خطأ. والأحمق من الرجال: الضعيف العقل الذي لا رأي له، فلا يثبت على طريقة واحدة من الأخلاق المحمودة، ويفعل ما لا ينبغي، فشبه بهذه البقلة (٥)، لما ذكرنا من حالها.
стр. 785
(وتقول: أحشفا وسوء كيلة) (١) بكسر الكاف: وهي نوع من الكيل سيء، كالجلسة والركبة، بكسر أولهما، لنوع من الجلوس والركوب. والحشف: الرديء من التمر الذي لا حلاوة له (٢)، وهو منصوب بإضمار فعل، وتقديره: أتعطيني حشفا وتسيء الكيل! وهذا مثل لمن يظلم الإنسان من وجهين.
(وتقول: ما اسمك؟ اذكر، ترفع الاسم، وتجزم اذكر) (٣)، ترفع اسمك، لأنه خبر الابتداء، والابتداء هو ما، وموضعه رفع، وهو استفهام، وتقديره: أي شيء اسمك، أو أي الأسماء اسمك، وتجزم اذكر، لأنه أمر، وألفه ألف وصل ساكنة إذا وصلته بما قبلها، وإن (٤) ابتدأت بها ضممتها، وتقديره: قل اسمك، أي بين اسمك.
стр. 786
ويروى: "أذكر" (١) بقطع الألف وفتحها، وهي ألف المتكلم المخبر عن نفسه، وتقديره: بين لي اسمك، لأذكره. وقال عم بن أبي ربيعة (٢) [١٢٩/أ]:
وقال من أنت أذكر قلت ذو شجن … هاجت له الدار أشجانا وأحزانا
ولا يقال في هذا المعنى: ما أذكر اسمك. وإن (٣) جعلت اذكر جوابا للاستفهام جزمته أيضا، إلا أنك تقطع ألفه وتفتحها في الوصل.
(وتقول: همك ما أهمك، وأهمني الشيء) (٤) بالألف: (حزنني، وهمني أذابني). فهمك بالرفع، معناه: حزنك، وهو مرفوع بالابتداء
стр. 787
وخبره قولك: ما أهمك، وما هاهنا بمعنى الذي، أي همك هو الذي أهمك، ومعناه: حزنك هو الذي حزنك، ولم يحزن جارك ولا غيره من أفناء الناس. ويقال: أهمني الشيء يهمني إهماما: أي حزنني، فهو مهم لي بكسر الهاء، وأنا مهم بفتحها. ويقال: همني الشيء يهمني بضم الهاء، هما: أي أذابني، فهو هلم لي، وأنا مهموم. وأذابني: معناه: أذهب لحمي وشحمي. ويقال: هم الألية والشحم يهمهما هما: أي أذابهما. ومنه قول الراجز - ووصف شدة الحر (١) -:
يهم فيه القوم هم الحم
والحم: ما أذيب (٢) من الألية.
ورأيت في بعض النسخ: (همك ما أهمك) بفتح الميم من همك، فيكون فعلا ماضيا، ومعناه: أذابك ما حزنك.
(وتقول: تسمع بالمعيدي لا أن تراه، وإن [١٢٩/ب] شئت لأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) (٣). قال ابن السكيت: تأويل "تسمع
стр. 788
بالمعيدي لا أن تراه" تأويل أمر، كأنه قال: اسمع به ولا تره (١).
والمعيدي: الياء الأولى منه والدال خفيفتان، والياء الأخيرة مشددة، وهو تصغير معدي بتشديد الدال، منسوب إلى معد، وهو أبو العرب، وأبوه عدنان (٢)، وإنما خففت الدال استثقالا للجمع بين التشديدين مع ياء التصغير، يضرب للرجل الذي له صيت وذكر في الناس، ولا منظر له، فإذا رأيته ازدريت مرآته، ومعناه: مخبره أكثر (٣) من منظره.
(وتقول: الصيف ضيعت اللبن) (٤) بكسر التاء، لأن الكسرة لخطاب المؤنث، وذلك أن أصل المثل قيل لامرأة كانت تحت رجل
стр. 789
شيخ موسر (١)، فكرهته شيخه، فسألته طلاقها، فطلقها، وتزوج بها شاب مملق (٢)، فعامت إلى اللبن، فوجهت إلى زوجها الأول الشيخ تسأله اللبن، فقال لها: "الصيف ضيعت اللبن" لأنها كانت فارقته في الصيف، والصيف منصوب على الظرف. ويقال هذا لممن فرط فيما يحتاج إليه حتى فاته، ثم يطلبه (٣) بعد ذلك. وإذا قيل هذا للمذكر كانت التاء فيه مكسورة أيضا على أصل المثل [١٣٠/أ].
(وتقول: فعل ذاك عودا وبدءا، ورجع عوده على بدئه: إذا رجع في الطريق الذي جاء منه) (٤).
فالعود: مصدر عاد يعود، إذا فعل أمرا بعد ما كان بدأ به.
стр. 790
والبدء بالهمز: مصدر بدأ بالشيء يبدأ، إذا فعله ابتداء، فإذا بدأ الرجل بفعل أو عمل ثم عاد له، فقد فعله عودا على بدء.
(وتقول: شتان زيد وعمرو، وشتان ما هما، وإن شئت قلت: شتان ما بينهما) (١)، ونون شتان مفتوحة، (والفراء كان يخفضها).
فشتان: معناه: البعد المفرط بين الشيئين، وهو مأخوذ من شت القوم يشتون بكسر الشين، شتاتا، وشت شعبهم: أي تفرقوا، وشتت القوم تشتيتا: أي فرقهم، وتشتتوا هم يتشتتون تشتتا: إذا تفرقوا، فشتان اسم وضع موضع الفعل الماضي، تقول: شتان زيد وعمرو، فترفع زيدا وعمرا بفعل مضمر، تقديره شت زيد وعمرو، أي تشتت زيد وعمرو، ومعناه: تفرقا واختلفا وبعد ما بينهما جدا، ولا يكون شتان إلا لاثنين أو جماعة، ولا يكون لواحد، لا يقال: شتان زيد، لأن الواحد لا يتشتت. وقال الراجز (٢):
شتان هذا والعناق والنوم
стр. 791
والمشرب البارد والظل الدوم
أي الدائم.
وأما من قال: شتان ما هما، وشتان ما زيد وعمرو [١٣٠/ب] فإنه رفع زيدا وعمرا بشتان أيضا، وجعل ما زائدة للتوكيد، ويحتج بقول الأعشى (١):
شتان ما يومي على كورها … ويوم حيان أخي جابر
وأما من قال: شتان ما بينهما وشتان ما بين زيد وعمرو (٢)، فإنه جعل ما هاهنا بمعنى الذي وجعلها في موضع رفع بشتان، وبين من صلتها، والمعنى: شتان الذي بينهما (٣)، أي افترق الذي بينهما، ويحتج بقول أبي الأسود الدؤلي (٤):
стр. 792
لشتان ما بيني وبينك إنني … على كل حال أستقيم وتظلع
ونون شتان مفتوحة على طريق (١) إتباع الفتح الفتح، إذ كانت الألف من جنس الفتحة، ولا يكون ما قبلها إلا فتحة. وقال ابن السكيت: شتان مصروفة عن شتت، فالفتحة في النون هي الفتحة التي كانت في التاء. قال: وهي تدل على أنه مصروف عن الفعل الماضي (٢). وأما وجه قول الفراء في كسر النون، فكأنه أراد تثنية شت (٣)، وهو المتفرق، ويجوز أن يكون كسرها على أصل التقاء الساكنين (٤).
(وتقول: ما هو بضربة لازب، وبالميم إن شئت) (٥)، ومعناهما: واحد، أي ليس هو بضربة شيء ثابت وحق واجب وفرض لازم، فلا
стр. 793
تشغل به قلبك كل الشغل. وقال النابغة (١) [١٣١/أ]:
لا يحسبون الخير لا شر بعده … ولا يحسبون الشر ضربة لازب
وقال كثير في الميم (٢):
فما ورق الدنيا بباق لأهله … ولا شدة البلوى بضربة لازم
(و) تقول: (هو أخوه بلبان أمه) بكسر اللام، وهو مصدر لابنه ملابنة ولبانا: إذا شاركه في الرضاع. وقال ابن السكيت: ولا يقال بلبن أمه، إنما اللبن الذي يشرب (٣). قال الكميت يمدح مخلد بن يزيد (٤):
تلقى الندى ومخلدا حليفين
стр. 794
كانا معا في مهده رضيعين
تنازعا فيه لبان الثديين
ويجوز أن يكون لبان جمع لبن. وقال الأعشى (١):
رضيعي لبان ثدي أم تقاسما (٢) … بأسحم داج عوض لا نتفرق
(و) تقول: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) (٣) بفتح الياء. (وما رابك من فلان). فهذا من الريب، وهو الشك والظن، وهما ضد اليقين، من قوله : ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٤) أي لا شك فيه. وقد رابني الشيء (٥) يريبني ريبا: إذا شككني. والريب أيضا: التهمة. والريبة بالكسر: التهمة والشك، تقول: دع ما يدخل عليك ريبا، أي شكا إلى ما تتحققه، أي دع ما يدخل عليك ريبة إلى غير ذلك. وقال الراجز (٦)
стр. 795
[١٣١/ب]:
قد رابني من دلوي اضطرابها
إلا تجيء ملأى تجيء قرابها
أي قريب من الامتلاء.
وقوله: "ما رابك من فلان" هو ماضي يريبك، ومعناه: أي شيء رابك منه، من الريبة أيضا، أي ما الذي كرهته منه، وأوقع في قلبك منه شكا وتهمة.
[وقوله] (١): (وما أربك إلى هذا) بهمز أوله وفتح ثانيه (٢)، ومعناه: ما حاجتك إليه. وجمع الأرب آراب، مثل قتب وأقتاب.
(وقد أراب الرجل) (٣) غير مهموز: إذا جاء بريبة، وصار ذا ريبة، فهو يريب إرابة، وهو مريب. وقال جميل (٤):
стр. 796
بثينة قالت يا جميل أربتني … فقلت كلانا يا بثين مريب
(وألام: إذا جاء بما يلام عليه)، أي يعنف ويقبح عليه فعله، وتصريفه كتصريف أراب. ورأيت في بعض النسخ: (والأم) مهموزا، على وزن ألعم، (إذا جاء بلؤم) (١) بالهمز.
(وتقول: ويل للشجي من الخلي) (٢)، ياء الشجي خفيفة، وياء الخلي مشددة (٣).
стр. 797
فالشجي خفيف: وزنه فعل بفتح الفاء وكسر العين، وهو الحزين المهتم، يقال منه: شجي بكسر الجيم، فهو يشجى شجى بفتحها، فهو شج بكسرها، على مثال عمي يعمى عمى، فهو [١٣٢/أ] عم، إذا حزن واهتم، وإذا غص بالشيء أيضا في حلقه.
والخلي بتشديد الياء، على فعيل: ضده، وهو الذي لا هم عليه ولا حزن، وهو الخالي منهما، وهو من خلا يخلو (١)، فهو خلي، مثل خبر يخبر، فهو خبير، وسفر بين القوم يسفر، فهو سفير، ومعناه: ويل للحزين المهموم من الذي ليس في قلبه حزن ولا هم. وقال الشاعر (٢):
ألا نام الخلي وبت حلسا … بظهر الغيب سد به الكعوم
يقول: بت حلسا لما أحفظ وأرعى، كأنني حلس قد سد بي كعوك الطرق، وهي أفواهها.
وويل: كلمة تفجع، ومعناه: الشدة في العذاب.
стр. 798
(وهو أحر من القرع، وهو جدري الفصال) (١).
فالقرع بفتح القاف والراء: بثر أبيض يخرج بأولاد الإبل في رؤوسها وأجسادها فيسقط منه وبرها لفرط حرارته. ويقال منه: قرع الفصيل بكسر الراء، يقرع قرعا بفتحها، فهو قرع بكسرها. ودواؤه الملح وجباب ألبان الإبل - والجباب: شيء يعلو ألبان الإبل، كالزبد، وليس لألبانها زبد - فتهنأ بهما (٢)، فإذا لم يجدوا ملحا نتفوا أوبارها ونضحوا جلودها بالماء ثم جروها على السبخة، وهذا الفعل بها يقال له: التقريع، وهوفصيل مقرع، إذا فعل به ذلك (٣). ومنه قول الشاعر (٤) [١٣٢/ب]:
لدى كل أخدود يغادرن فارعا (٥) … يجر كما جر الفصيل المقرع
стр. 799
والفصال: جمع فصيل، وهو ولد الناقة، إذا فصل عن أمه، أي منع رضاعها وفطم، وهو فعيل في معنى مفعول.
(وتقول: افعل ذاك آثرا ما: أي أول كل شيء) (١)، وهو مأخوذ من قولهم آثرت فلانا بكذا، إذا فضلته به، أوثره إيثارا، فأنا موثر له بالكسر، وهو مؤثر بكذا بالفتح، ومعناه: افعل ذلك مؤثرا له على غيره. وقال ابن درستويه: هو من قولهم: آثرت أن أفعل ذاك، أي اخترت، فأنا آثر، على بناء فاعل، وآثرا منون منصوب على الحال، وما توكيد وعوض من الكلام المحذوف، لأن المعنى: اختره على كل شيء وقدمه، وأفعل هذا إن لم تفعل غيره (٢).
(وخذ ما صفا ودع ما كدر) (٣) بكسر الدال: أي خذ خيار الشيء ودع رذاله. ويقال: كدر الماء (٤) بكسر الدال، يكدر كدرا بفتحها، فهو ماء كدر بكسرها، وهو ضد الصافي، ويستعمل في كل شيء تشبيها بالماء، فيقال: عيش كدر وأكدر، وقد كدر عيشه بكسر الدال أيضا.
стр. 800
ويقال: صفا الماء يصفو صفوا وصفاء، فهو صاف، إذا زال عنه كدره وخلص منه، ويستعمل في كل شيء أبيض تشبيها بالماء، فيقال: عيش صاف (١).
(وتقول): فلان (ما يحلي، ولا يمر) (٢) بضم الياء منهما وكسر [١٣٣/أ] اللام والميم، لأنهما من أحلى فلان الشيء يحليه إحلاء، إذا صيره حلوا، وأمره يمره إمرارا، إذا صيره مرا، فهو محل وممر بكسر اللام والميم، والشيء محلى وممر بفتحهما، وقد حلا الشيء نفسه يحلو (٣) حلاوة، إذا صار حلوا. ومر الشيء يمر بفتح الميم، مرارة، وأمر أيضا يمر إمرارا، إذا صار مرا. والمعنى: ما يقول كلاما حسنا ولا قبيحا، ولا يفعل فعلا كذلك. وقيل: معناه: أنه لا يأتي في أمره بحلو ولا مر، أي بخير ولا شر.
(و) تقول: (ما هم عندنا إلا أكلة رأس) (٤) بفتح الكاف (لجمع آكل)، مثل كاتب وكتبة، وكافر وكفرة، يقال ذلك في القلة، أي هم عندنا قليلون، كقوم اجتمعوا على رأس يأكلونه، وأكثر ما يكونون
стр. 801
ثلاثة، وقد يأكله الاثنان والواحد.
(و) يقال: (أساء سمعا فأساء جابة) (١) بغير همز، وهو اسم للجواب، بمنزلة الطاعة والطاقة، وليس واحد منها (٢) بمصدر، وإنما هي أسماء موضوعة من أسماء المصادر، والمصدر منها (٣) إجابة وإطاعة وإطاقة، لأن الفعل منها أجاب وأطاع وأطاق، ومنه قول الشاعر (٤):
وما من تهتفين له بفضل … بأسرع جابة لك من هديل
ويقال هذا للذي يجيب على غير فهم، أي لم يسمع جيدا [١٣٣/ب] فلم يجب جيدا.
стр. 802
باب ما يقال بلغتين
(يقال: هي بغداد) بدال غير معجمة (١)، (وبغدان) (٢) بالنون، (وتذكر وتؤنث) (٣)، للمدينة المشهورة بمدينة السلام، وهي فارسية معربة (٤)، وأصلها "باغ داذ"، فـ"باغ" اسم البستان بالفارسية، و"داذ" اسم رجل (٥)، فكأنهم أرادوا بستان هذا الرجل، وأما من ذكر بغداد فإنه أراد البلد أو المكان، ومن أنث أراد البقعة والبلدة، ولا ينصرف للعجمة والتعريف، أو للتأنيث والتعريف. وقال الشاعر (٦):
لعمرك لولا رافع ما تغبرت … ببغدان في بوغائه القدمان
стр. 803
البوغاء: التراب.
(وهم صحابي بالكسر): لجمع صاحب، كصيام لجمع صائم، (وصحابتي) (١) بالتاء والفتح، لجمع صاحب أيضا، ومنه صحابة رسول الله ﷺ ، والصحابة مصدر سمي به الجمع، لأنه يقال: صحبته صحبة وصحابة (٢). والصاحب: هو التابع للرجل أو الرفيق، ويقال للمتبوع أيضا: صاحب. وقال امرؤ القيس في الكسر (٣) [١٣٤/أ]:
فألقيت في فيه اللجام، وفتنني … وقال صحابي قد شأونك فأطلب
(وهو صفو الشيء) بفتح الصاد والتذكير: لضد الكدر بفتح الدال، وهما مصدران، (وصفوته) (٤) بكسر الصاد والتأنيث لخالصه من
стр. 804
الكدر، ومما يشوبه من الخبث، ومنه "محمد صلى الله عليه صفوة الله من خلقه" (١).
(وهو الصيدناني والصيدلاني) (٢) بالنون واللام: وهو الذي يبيع العطر والعقاقير. قال الأعشى (٣):
وزورا ترى في مرفقيه تجانفا … نبيلا كدوك الصيدناني دامكا
قوله: وزورا: أي صدرا، ودوك: حجر يدق عليه، والمدوك: الحجر الذي يسحق به، ودامك (٤): طاحن، وقيل: مرتفع (٥)، وقيل: أملس (٦).
(وهي الطنفسة والطنفسة) (٧) بكسر الطاء وفتحها، على وزن
стр. 805
فعللة وفعللة: لواحدة الطنافس المعروفة التي تبسط. قال ذو الرمة (١):
أناخوا فأغفوا عند أيدي قلائص … خماص عليها أرحل وطنافس
(وهي القلنسوة): وهي معروفة (٢)، بالواو وقبلها مضموم، والقاف مفتوحة، (والقلنسية) (٣) بالياء، والسين قبلها مكسورة، والقاف مضمومة، والنون قبل السين في اللغتين جميعا، وتقول [١٣٤/ب] في جمعها (٤) في اللغتين جميعا - إن حذفت الواو -: القلانس، وإن حذفت النون: القلاسي، وإن حذفت الهاء: القلنسي (٥). وقال الشاعر (٦):
إذا ما القلاسي والعمائم أخنست … ففيهن عن صلع الرجال حسور
стр. 806
وقال الراجز (١):
لا نوم حتى تلحقي بعنس
أهل الرياط البيض والقلنسي
(وهو بسر قريثاء وكريثاء وقراثاء وكراثاء) (٢)، بالمد والرفع فيها كلها وتنوين بسر. هكذا هو في كثير من النسخ، ومعناها كلها على هذه الرواية معنى واحد، وهي صفة لبسر، وهي ضرب من البسر معروف بالعراق، طيب الطعم، لا يعادله في طيبه بسر، ويقلى ويجفف (٣). ورأيت في بعض النسخ: (بسر قريثاء وكريثاء وقراثاء وكراثاء) بالمد فيها كلها أيضا، لكنها كلها مفتوحة والتنوين محذوف من بسر، لأجل
стр. 807
إضافته إلى قريثاء وأخواتها، وهكذا رواه ابن درستويه (١)، وقال في تفسيره: إنه ضرب من النخل يشبه السهريز (٢) في اللون والقدر (٣)، أحمر يقلى (٤) بسره ويجفف.
(وهو ابن عمه دنيا) بكسر الدال والتنوين، (ودنيا بضم [١٣٥/أ] الدال غير منون) (٥): أي قريب النسب، إذا كان ابن عمه لحا (٦)، وهو أقرب إليه من غيره.
стр. 808
(وهو شطب السيف) بضم الشين والطاء، (وشطبه) (١) بضم الشين وفتح الطاء: لطرائقه، وهي خطوطه التي في متنه من أعلاه إلى أسفله، كأنها حروف، وتكون ثلاثة، وكلها في ظهر السيف، وليس في بطنه شيء منها، ويقال لهذه الخطوط: الأعمدة أيضا، حكى ذلك النضر بن شميل (٢). وواحدة (٣) الشطب المضمومة الطاء شطيبة، على مثال طريقة وطرق، ويقال في جمعها أيضا: شطائب، مثل طرائق (٤)، وكتيبة وكتائب، وواحدة الشطب المفتوحة الطاء شطبة، مثل صبرة وصبر، ومنه يقال: سيف مشطب، وسيف ذو شطب (٥)، إذا كانت تلك الطرائق في متنه. وقال الجبان: شطب السيف وشطبه: طرائقه، قال: وقيل: فرنده، وقيل: حده الذي يضرب به. والجمع أشطاب. قال أبو سهل: والصحيح من هذه الوجوه أنها الطرائق لا غير. وقد استقصيت ذكر هذا في "كتاب السيف" فتنظره هناك إن شاء الله.
(وتقول: امرؤ) بضم الراء، (وامرآن وقوم، وامرأة وامرأتان
стр. 809
ونسوة)، فجاء لفظ الجمع للمذكر والمؤنث من غير لفظ موحدهما (١)، ولا يقولون في [١٣٥/ب] الجمع: امرؤون (٢)، ولا امرآت. (فإذا أدخلت الألف واللام قلت: المرء) للذكر (٣)، (والمرأة) للأنثى، والمرء بمعنى الرجل سواء لا فرق بينهما.
(وتقول: أتانا بجفان رذم) بضم الراء والذال، (ورذم) بفتحهما، (ولا تقل: رذم) (٤) بكسر الراء وفتح الذال (أي مملوءة تسيل) (٥) دسما، لأجل املائها، واحدتها رذوم، مثل عمود وعمد وعمد. وقد رذم الشيء بفتح الذال، إذا سال وهو ممتلئ، يرذم بكسرها، رذما بسكونها، ورذاما بفتحها، فهو راذم.
(وولد المولود لتمام وتمام) (٦) بكسر التاء وفتحها: إذا ولد وقد تمت شهوره تسعة.
стр. 810
(وليل التمام مكسور لا غير) (١): وهن (٢) ثلاث ليال من السنة لا يستبان منها نقصانها في (٣) زيادتها. وقيل: ليل التمام تكون ساعاتها ثلاث عشرة (٤) ساعة إلى أربع عشرة. وقال الشاعر (٥):
وأشعث غره الإسلام مني … خلوت بعرسه ليل التمام
(وتقول: هما الخصيان) بغير تاء، (فإذا أفردت أدخلت الهاء فقلت: خصية (٦)، كما قال الراجز (٧):