← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1172

المغانم المطابة في معالم طابة

الفيروزآبادي

Полный текст (1 351 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يكونُ إلا بالساكنينَ شرفُ الأماكنِ، كيفَ وقدْ حكى عياض أن البقعةَ المحتويةَ على الجسدِ المُقدَّسِ أفضلُ بقاعِ الأرضِ على الإطلاق، ونقلَ في ذلك عن العلماء الإجماعَ و الاتفاقَ (١)، فثبتَ حينئذٍ مشروعيةُ التوجُّهِ والإقبالِ، بشدِّ الرحالِ، إلى جنابهِ الذي خصَّهُ اللهُ تعالى بأجلِّ أقسامِ الإجلالِ،/٢١ وارتفعتْ عن المسألة حجة الإشكالِ. وأيضاً: لا خلافَ في أنَّ مَنْ قصدَ مُعظَّماً في الحرمِ كتقبيلِ الحجرِ الأسود، أو الطوافِ بالكعبةِ، أو الشُّربِ من زمزمَ، ونحوهِ، بقطعِ المسافاتِ، وطَيِّ المَهَامِه (٢) لكانَ ذلكَ مشروعاً مندوباً، وإذا ثبتَ أنَّ قصدَ الكعبة بطيِّ المراحل، ووطءِ الرواحلِ، مشروعٌ بلا خلافِ، فمن باب الأجدرِ الأحرى، أنْ يكون قصدُ زيارةِ سيدِ المرسلين بنحو ذلكَ مشروعاً. وقد رُوِّينا من عند الترمذي، من حديثِ ابنِ عمر ﵄ أنَّهُ نظرَ يوماً إلى الكعبة، فقال: ما أعظمَكِ وأعظمَ حُرْمَتَكِ، والمؤمنُ أعظمُ حرمةً عندَ الله تعالى منكِ (٣). هذا حالُ عامةِ المؤمنين، فكيف بالأنبياء والمرسلين؟ بل كيف بأشرفِ النبيين وإِمَامِ المتقين؟. الرابع: ما رُوِّيناه من عند مسلم، عن أبي هريرة ﵁، يرفعه:

стр. 107

«أن رجلاً زارَ أخاً لهُ في قريةٍ، فأرصدَ الله تعالى على مَدْرَجَتِهِ (١) ملَكاً .. » الحديثَ (٢). فإذا كان هذا في حقِّ مَنْ أثبتَ وصفُ الإيمانِ أُخُوَّتَه، فكيف (٣) في حقِّ من رفعَ الله تعالى على نُبوَّةِ كلِّ نبيٍّ نبوَّتَه، وأَعْلَى عَلَى كلِّ درجةٍ درجتَه، وأسمى فوقَ كلِّ مَصْعَدةِ مَرْقى علوٍّ منْزلَتَهُ ورفعتَه، سيدِ الخلقِ، وسيدِ الإخوانِ، ومَنْ يَفْضُلُ على أمته من عظم قوته بإثبات أخوته، مع جمالِ شأنهِ وكمالِ رتبتهِ، فقال: «واشَوْقاً إلى لِقَاءِ إِخْوَانِي» فقال الصحابة ﵃: أَلسنَا إخوانَكَ يا رسولَ اللهِ؟ فقال ﷺ : «أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وإِنَّما إِخواني الذينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي .. » الحديث (٤). وقال ﷺ لعمرَ ﵁ لمَّا أرادَ أن يعتمرَ: «اذْكُرْنِي في دُعَائِكَ يا أخي». (٥)

стр. 108

أو نقولُ: حكمُ الزيارةِ صفةٌ مرتبطةٌ بثبوتِ وصفِ الإيمانِ، ثمَّ مَنْ ثبتَ لهُ الإيمانُ ثبتَ لهُ وصفُ الأخوةِ، ومنْ ثبتَ لهُ وصفُ الأخوةِ صحَّ فعلُ الزيارةِ لهُ على كلِّ حالٍ، وفي كلِّ زمانٍ، دنيا وآخرةٍ، لاسيَّمَا مع ثبوتِ حياةِ المؤمنينَ (١). وفي قوله ﷺ : «مَنْ عَادَ مَريضاً أَوْ زَارَ أَخاً لَهُ في الله تعالى .. » (٢) الحديث، وقولِه حكايةً عن الله تعالى: «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فيَّ» إلى قوله: «والمُتَزَاورِين فيَّ» (٣) ما يُؤيِّدُ ما ذكرناهُ، وبالله التوفيقُ. الخامس: ما رُوِّيناهُ من عندِ البخاريِّ، عن عمرو بن ميمونِ (٤) [الأَوْدي] (٥) قال: رأيتُ عمرَ بن الخطابِ ﵁ قالَ: يا عبدَ اللهِ بن

стр. 109

عمرَ، اذهبْ إلى أمِّ المؤمنينَ عائشةَ ﵂ وقلْ: يقرأُ عمرُ بن الخطابِ /٢٢ عليكِ السَّلامَ، ثم سَلْهَا أن أُدْفَنَ مع صاحبيَّ (١). والاستدلالُ به من وجوهِ: الأولُ: فِعْلُ عمرَ الفاروقِ ﵁، لاسيَّمَا في وقتِ قدومهِ على الله تعالى، فإذا كان مثلهُ في مثلِ ذلك الحالِ يحرصُ ويجتهدُ، ويسألُ ويغتبطُ ويتمنىَّ، ويوصي بنقلِ جسدهِ بعد وفاتهِ، وطَيِّ صُحُفِ أعمالهِ، إلى قُرْبِ ذلك الجسدِ الكريم، وأن يُسارَ بهِ إلى جوارِ مثوى أعْظُمِ ذلكَ النبيِّ العظيمِ؛ ليفوزَ بالقربِ بعد فراقِ الدُّنْيَا من طيبِ مثواهُ، فكيفَ لا يكونُ الحيُّ العبدُ المذنبُ المبتلى في الدُّنْيَا بالمصائبِ، والْمَرْمِيُّ من قِسِيِّ الشيطان والنفسِ والهوى بالصوائبِ، المحتاجُ إلى زيادةِ الحسناتِ، ولو قدَرَ فبسطَ (٢) الساعي في تحصيلِ العملِ الصالحِ على هذا البسيطِ طالباً حريصاً مُوْلَعاً لتقريبِ ذاتهِ ووجودهِ من نورِ الأنوارِ، وسيدِ الأخيارِ، وذُخْرهِ وشافِعه ومَلاذِه (٣) في تلكَ الدارِ، بل ذلك في حقِّهِ آكَدُ وألزمُ، واستحبابُهُ في حقِّهِ أقوى وأعظمُ. السادس: ما رُوِّيناهُ من عند مسلم، من حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ كُلَّمَا كانَ ليلتها يخرجُ من آخر الليلِ إلى البقيعِ (٤).

стр. 110

والدليلُ فيه واضحٌ لثبوتِ فعلهِ ﷺ متكرراً، وفعلهُ ﷺ مجرَّداً يَدلُّ على المشروعيةِ إجماعاً (١)، نعم على الندب عند الأكثرين، وعلى الوجوب عند المحققينَ (٢)، لاسيَّما مع الدوامِ والاستمرار، ودعاؤهُ لهم يؤكدُ مشروعيةَ زيارتِهِمْ. السابع: ما رُوِّيناهُ من عند أبي داود، من حديث أبي هريرةَ ﵁، يرفعُه: «ما مِنْ أحدٍ يسلِّمُ عليَّ إلا رَدَّ الله عليَّ روحي حتى أرُدَّ ﵇» (٣). وهذا حديثٌ ذكره الإمامُ الجليلُ أبو عبد الرحمنِ [ .... (٤)] وبيَّنَ أنَّهُ أجمعَ أهلُ العلمِ على قَبوله وتصحيحه، وهذا عامٌّ في كلِّ مسلِّمٍ، قريباً كان أو بعيداً، والمُسَلِّمُ زَائِراً فَرْدٌ منْ أفراد هذا العامِّ، والعامُّ ممدوحٌ فاعلُهُ، موعودٌ بحسنِ الجزاءِ، فالخاصُّ كذلك (٥). الثامن: ما رُوِّيناه في سننِ الدارقطني (٦) وفي الثامن من «الخِلَعيَّات» (٧) عن عبدِالله بنِ عمرَ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ جاءني زائراً

стр. 111

لم تَنْزِعْهُ حاجةٌ إلا زيارتي، كان حقاً عليَّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة» (١). وهذا الحديث دلالتُه على استحبابِ الزيارةِ الشريفةِ وشدِّ الرَّحلِ إليها (٢) واضحةٌ /٢٣ لائحةٌ، وعمومُ الحديث يدلُّ على أنَّ أهلَ كلِّ عصرٍ، وقُطَّانَ كلِّ قطرٍ، مُخَاطَبون مطلوبون لذلك؛ لأنَّه لم يُستثنَ في ذلكَ نوعٌ ولا شخصٌ ولا زمنٌ ولا جهةٌ، فثبتَ انسحابُ الحكمِ على كلِّ ذلك، وصريحُ اللفظِ يعطي أنَّ السببَ الباعثَ إنَّما يكون الزيارةَ المجرَّدَةَ من غير اعتبار انضمام قُرْبةٍ أخرى إليها، وأنَّها وحدَها قُرْبةٌ عظيمةٌ، ووسيلةٌ كريمةٌ، تُربطُ بها الآمال، وتُشَدُّ إليها الرِّحالُ. التاسع: ما رُوِّيناه من عند الدارقطني (٣) والبزار (٤) وأبي الحسن الخِلَعِي (٥) وغيرِهم (٦)، مِنْ حديثِ عبدِ الله بنِ عمرَ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من زار قبري وجبت له شفاعتي» (٧) ذكره الشيخ محيي الدين

стр. 112

النووي (١) وقَبْلَه أبو عمرو بن الصلاح (٢) مُسْتَدِلَّيْن على استحبابِ الزيارة، ولم يذكرا وجه الدلالة. وقال غيرُهما (٣): يستدلُّ بهذين الحديثين من ثلاثة أوجه: الأولُ: ثبوتُ العملِ عليهما (٤)، وذلك يقتضي ثبوت حكمهما، وقلَّ أن يوجد في السُّنَّة حديثٌ عليه عَمَلٌ كالعمل على هذين الحديثين. الثاني: ثبوتُ الشواهدِ الكثيرة لهذين الحديثين على معنى مشروعية الزيارة، وذلك يدلُّ على ثبوتِ أصلهما (٥)، ويرفعُ درجةَ سندِهما إلى محلِّ شواهدهما. الثالث: أنَّ أئمة الحديثِ وعلماءَ السلفِ كلهم متوافقون على قَبول ما يَرِدُ

стр. 113

من الأحاديث في فضائلِ الأعمالِ (١)، والترغيبِ والترهيبِ، متساهلون في أسانيدها، وحديثُ: «مَنْ بلَغه فعلٌ عن الله تعالى، فعملَ به رجاءَ ثوابهِ أعطاه الله تعالى وإنْ لم يكنْ ذلكَ كذلك» (٢). هذا أو معناه مشهورٌ. وقد رُوِّينا بسندٍ صالحٍ عن حمزة بن عبدِ المجيدِ (٣) قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ في النَّومِ وأَنَا في الحِجْر، فقلت: يا رسولَ الله، إنَّه قد بَلَغَنا عنك أنَّك قلتَ: مَنْ سَمِعَ حديثاً فيه ثوابٌ، فعملَ بذلك الحديثِ رجاءَ ذلك الثوابِ،

стр. 114

أعطاه الله تعالى ذلكَ الثواب، وإنْ كان الحديثُ باطلاً؟ فقال ﷺ : «إي وربِّ هذه البَنِيَّة (١)، إنَّهُ لمنِّي، وأنا قلته» (٢). ويعضده الحديثُ الصحيحُ فيما يحكيه رسولُ الله ﷺ عن الله : «أنا عند حُسْنِ ظَنِّ عبدي بي، فليظنَّ بي ما شاء» (٣). العاشر: ما رُوِّيناه من عندِ البزارِ بسندٍ صحيحٍ، عن زيد بن أسلم (٤)، عن أبيه (٥) قال: خرجَ عمرُ ﵁ إلى قبرِ رسولِ الله ﷺ ، فإذا معاذُ بن جَبَلٍ (٦) ﵁ /٢٤ قائمٌ يبكي عند قبر رسول الله ﷺ ، فقال: ما يُبكيك يا معاذ؟ (٧) الحديث.

стр. 115

ودلالة هذا الحديث على مشروعيةِ الزيارةِ ظاهرةٌ (١)، وهو عَمَلُ مَنْ قال رسولُ الله ﷺ فيه: «أَعْلَمُكم بالحلالِ والحرامِ معاذ» (٢)، وهو ممن له الرتبة العليا من الصحابةِ الأخيارِ، ومن سادات الأنصار، وكبرائهم الأبرار. وأما الإجماعُ الذي هو من أعظمِ الدلائل في الفتاوى والمسائل، فهو في هذه المسألة على أتمِّ الوجوهِ وأكملِ الأقسامِ، وذلك أنَّ الإجماع قد يكون قولياً، وقد يكون عمليَّاً، وقد يكون من أهلِ عصر دون عصر، ومن أهل بلد دون بلد، وهُنَا -بحمد الله تعالى -الإجماعُ حاصلٌ ثابت من أهلِ جميعِ الأعصار المتقدمة، قرناً بعد قرن، وأُمَّةً بعد أمَّة، وطبقةً بعد طبقة (٣)، لا خفاء في تبيُّن حكمه، ولا مِراءَ في ثبوت علمه، ولم يبرح منذ ارتفعت ألوية الإسلام، وعلَتْ كلمةُ الإيمان في الأنام، وظهر نور الهدى للخلائق، وطلعَ فجرُ الملَّةِ الحنيفية من أشرف المشارق، تُشَدُّ الرِّحالُ إلى سيد المرسلين من جميع الآفاق، وتشتد الرجال على المطايا والأرجل، عجزاً عن الأحداق

стр. 116

والآماق (١)، ولم يزلْ الجنابُ الكريم مقضى الآمال والأوطار، ومَقْصِدَ العالمين من جميع الأصقاع والأقطار، فكيف يسوغ لأحد من الناس مخالفةُ ما اجتمعت عليه الأُمَّةُ خلَفاً بعد سلف، من صدر الإسلام وهلمَّ جرَّاً (٢)؟!. هذا على سبيل الإجمال. وأما تفصيلُ كلام العلماء، وتصريحُ أهلِ كلِّ مذهب من المذاهب المتبوعة، ونقلُ كلام كلِّ طائفة منهم، فإنَّه يُفضي إلى الإسهاب والإطالة، وقد يؤدي إلى الإطناب والملالة، ومن أراد النظر في ذلك واستبانتَه من مذهب الشافعي، فليُسرِّح نظرَه في أُمِّه (٣)، الذي هو لأئِمة العلم إِمَّة (٤)، وليكشف بنصوصه المباركة عَنْ قلبه حجاب الغُمَّة، ثم في كلام الشارحين لكلامه، وبيانِ أَزِمَّة (٥) الهدى من أصحابه وتلامذته، ثمَّ من بعدهم ممن اقتفى لآثارهم، واهتدى بأنوارهم، من المنتمين إلى مذهبه الحالي، والمتأدبين بأدبه العالي، كالجُوَيني (٦)

стр. 117

والأسفراييني (١) والشِّيرازي (٢) والغزالي (٣)، ثم في كلام مَنْ قفا قفوهم، وحَذَا حذوهم، مِنْ كلِّ ناقلٍ راوي، وناقدٍ للعلوم جاري، كالرافعي (٤) وابن الصلاح (٥) والنواوي (٦)، فإنَّ كلاً منهم صرَّح بمشروعية الزيارة واستحبابها، ومنهم من حكى عن بعض العلماء القولَ بإيجابها، ومنهم من أتى في تقرير المسألة بعبارة تلمع من حُللها بروق الواجب (٧) /٢٥ كقول أبي عمرو بن الصلاح: إذا انصرف الحاج والمعتمرون من مكة، فليتوجهوا نحو مدينة رسول الله ﷺ ، فإنَّها من أهمِّ القربات وأنجح المساعي، ومن حجَّ ولم يزره من غير مانع، فقد جفاه ﷺ (٨)، انتهى (٩).

стр. 118

وصيغة قوله «فليتوجهوا»: ظاهرةُ الدلالة على الوجوب، ثم قوله «فقد جفاه»: ظاهرة في حرمة ترك الزيارة؛ لأن الجفاء أذى، والأذى حرام بالإجماع، فتجب الزيارة؛ إذ إزالة الجفاء واجبة، وهي بالزيارة، فالزيارة واجبة. ثم قال بعد ذلك: وينبغي للزائر أنْ ينويَ مع التقربِ بزيارتهِ ﷺ التقربَ بالمسافرة إلى مسجدهِ وبالصلاة. ثم ذكر الأحاديثَ الدالَّةَ على فضل المسجد والصلاة فيه. فانظر كيف جعل الخبر المُحقَّقَ أمرَ قَصْدِ المسجد تابعاً للزيارة بلفظ المعيَّة، الدالة على التبعيَّة. ثم قال: ولا يلزمه خلل في زيارته، يعني: في ضم قصد المسجد إلى الزيارة. ففهم بذلك أنَّ القَصْدَ الحقيقيَّ والأمرَ المقصودَ الأهمَّ الآكدَ؛ إنما هو الزيارة النبوية، وهي المبدوءُ بذكرها، فلا يتوهم متوهم أن الزيارة تابعة، فيكون ذلك سوء أدب مع الجناب الشريف، الذي لو سعى المؤمن المشتاق بالجفون والآماق، من أقصى الأقطار والآفاق، لكان ذلك في جنب ما ظفر به من السعادة يسيراً، وبالنسبة إلى ما وصل إليه من العِزِّ الأهنى قليلاً حقيراً. وقد حذا حَذْوَه وسلك مسلَكه الشيخُ أبو زكريا (١) ﵀، فلينظر في كلامه، فإنه لم يَفُتْه شيءٌ من مرامه. ومَنْ قصد استيضاحَ مذهبِ الإمامِ المُقدَّم أبي حنيفة وأصحابه رحمة الله عليهم، وتنوعِ عبارتهم، في مشروعية قصد الزيارة واستحبابه، فَلْيَطْرِفْ طَرْفَه

стр. 119

في روضات كتبهم ومؤلفاتهم، فإنها مشحونة بنظير ما قال به الشافعيُّ وأصحابُه ﵃ (١). وأما مذهب إمام دار الهجرة أبي عبد الله مالك بن أنس رحمة الله عليه، ففي ذلك آكد وأبلغ، ونصوصُه في توفية حقوق التعظيم في الزيارة أكمل وأسبغ، سلك من الأدب في الزيارة ما لم يَسْلُكْ أحدٌ سُبُلَه، فقال: إذا سلَّم على النبي ﷺ ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة (٢). رأى أنَّ تَحويلَ الوجه عن القبر إلى القبلة تقصيرٌ في الأدب وقصور، وأفتى بالمسألة وقال بها وناظر (٣) فيها أبا جعفر المنصور (٤)، فرحم الله هذا الإمام القدوة، بما أعظم مع الجناب الشريف من الأدب، وجعل تِلاع (٥) التعظيم صَحاصحَ (٦) بإزالة ما كان

стр. 120

بها من كذب، وكذلك النقلُ /٢٦ عن أصحابه وفقهاءِ مذهبه خلفاً عن سلَف، وهلمَّ جرّاً. ومذهبُ الإمام القدوة أبي عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ معروفٌ في ذلك مشهور (١)، وتصريحه بذلك عنه منقول مأثور. وهؤلاء الأئمة الأربعة هم المشهورون، المأخوذُ بأقوالهم، المعمولُ بمذاهبهم شرقاً وغرباً، المتبوعون لجميع أهل الإسلام بُعْداً وقُرْباً، ولو كان القول بذلك مذهبَ واحدٍ منهم لكان كافياً، وللوارد الظمآن مَعيناً صافياً، فكيف وأربعتهم قد اتفقوا عليه، واستبقوا إليه؟! بل وعُدِّد لك جملةُ العلماءِ المجتهدين من المتقدمين والمتأخرين، بل وعليه إجماعُ (٢) عمومِ المسلمين، وكافَّةِ المؤمنين، من أمة خير المرسلين، هذا مع نصوص القرآن العظيم، والأحاديث الصحيحة عن النبي الكريم. وهذا بيانٌ قد محا كلَّ شبهةٍ … وأظهرَ أقمارَ الأدلةِ طُلَّعا وقد لاحتِ الأنوارُ مِنْ كلِّ جانبٍ … ونادى منادي الحقِّ جهراً فأسمعا (٣) * * *

стр. 121

فصل في بيان لطائفَ نفيسةٍ في سبب مشروعيةِ زيارةِ القبر المقدَّس النبوي صلَّى الله على ساكنه وهي أمور: الأول: قال بعضُ العارفِين (١): [ما] معناه: لَمَّا كَانَ ﷺ صاحِبَ الظُّهورِ الأَعْلَى في كلِّ طَوْرٍ، وله السِّيادةُ والإمامَةُ العُظمَى في كلِّ عَصْرٍ، والأولون والآخِرونَ تَحْتَ لوائِهِ (٢)، وكان ﷺ نبياً وآدمُ ﵊ بين طينهِ ومَائِهِ (٣)، وهو الظَّاهِرُ بالدعوة العامَّة للخلائق أجمعين، وله الشفاعة العظمى (٤) في الأولين والآخرين، وهوصلّى الله عليه وسلّم

стр. 122

أول من يظهر يوم البعث (١)، وأولُ من تنشق عنه الأرضُ (٢)، وأول من يُجِيزُ (٣) على الصراطِ (٤)، وأول من يَقْرَعُ بابَ الجنة فيُفتحُ (٥). فلما كان له ﷺ هذا الظهورُ، في يوم النُّشور، ويعلو فيه نورُه على كل نور، نَاسَبَ أن يكون ضريحُه في دار الدنيا أشهرَ مَزُور، وأعرفَ من كلِّ أمر معروفٍ مشهور، لا تَملُّ زيارتَهُ الأُمَّةُ بِتَمَلْمُلِ المَلَوَين (٦) مدى الدُّهُورِ، ولا يَبْلَى شَأْنُهُ بِتجدُّد الأَجدَّيْن (٧) ما تَعَاقَبَتِ الأَحْيَانُ والعُصُور. الثاني: لَمَّا كان ﷺ إمامَ النبيين وقائدَهم، وَرَئيسَ المرسلين وسيدَهم، حتى لو كانوا معاصرِيه لَمَا وَسِعَهُم إِلاَّ أنْ يكونوا تُبَّاعاً، ولم يعاملوه إلا اقْتِفَاءً واقْتِدَاءً واتباعاً، وكذلك في غَيْبَتِه، يلتزمُون سلوكَ الأدبِ في مِلَّتِه، كما أن عيسى يَنْزِلُ ويصلي خَلْفَ رَجُلٍ من أمتهِ (٨)؛ فكان من المناسب أن يكون

стр. 123

ضَرِيحُه الكريم /٢٧ أيضاً مَقْصِدَ الخلائِقِ، ومَفْزَعَ كلِّ مُحِبٍّ شَبِقٍ (١) ومشتاق شائق (٢)، ويكون ذلك أمراً على مَمَرِّ الأيام ظاهِراً، ونُوراً مُستمراً بَاقياً بَاهِراً، حتى اسْتَتَرَ لِظُهورِ نُورهِ كُلُّ نورٍ سِوَاهُ، وظهر لامِعٌ من نُورهِ، فَسَتَرَ كلَّ سِرٍّ وأَخْفَاهُ، فسائرُ الأنبياءِ عند طلوع شَمْسِهِ أقمارٌ وكواكب، وإذا زَخَرَ البَحْرُ يَطِمُّ على الأنْهَار والكَوَاكِبِ (٣). الثالث: أنَّهُ كان في الأَعْصُرِ السالفة إذا قُبِضَ نبيٌّ قام نبيٌّ يقوم بشرع الله تعالى وحِفْظِ دِينهِ، وإقامةِ حُجَّتِه وبراهِينِه، ولَمَّا كان محمدٌ ﷺ خاتَمَ النَّبِيِّينَ، قد أُغْلِقَ بَابُ النبوة والرسالة بعدَه، والخلقُ محفوظُونَ، والدين مرتفِعٌ قواعِدُ أَرْكَانهِ، والشرعُ مُشَبَّهٌ بِعَاقِدِ بنيانِه، وذلك ببركةِ أنْوارهِ وأخبارهِ وآثارِه، وخلفائهِ وأصحابهِ وأتباعِه، فهو القائمُ بأمر الله، والمقيمُ لِحُجَّةِ الله، والحافظُ المَحْفوظُ لله وبالله، مُدَّةَ إقامته في الدنيا، وبعد رجوعِهِ إلى الله تعالى، فنورُه باقٍ دائمٌ، ودينُه ثابتٌ قائمٌ، ناسَبَ (٤) أن يكون مَزُوراً مشهوداً إلى يوم الدين، والخلائِقُ متوجهين إلى جنابِهِ قاصدينَ، ولِضَرِيحِهِ الأقْدَسِ مُعظِّمين، وبساحةِ كَرَمِه حاضرينَ، ولأنواره مُشاهِدينَ مُعَايِنينَ، لا يَبْرحُ ذلك دَهْرَ الداهِرِينَ، وعَوْضَ العائِضِينَ (٥).

стр. 124

الرابع: أنَّه لَمَّا كانت أُمَّتُه ثابتةً على شرعِه ودينِه، ولا تَزَالُ طائفةٌ مِنْهَا قائمةً بأمر الله، ظاهرةً بالحقِّ حتى يأتيَ أمرُ الله وهُمْ على ذلكَ (١)، فإذا كَمُلَتْ عباداتُهُمْ وأَتَوْا بِقَواعِدِ الدين: من إقامةِ الصلواتِ، ولُزومِ الجُمَع والجَمَاعاتِ، وصيامِ رَمَضانَ وقيامهِ على أكملِ الصفاتِ، وأكملوا ذلك بِحَجِّ بيتِ الله العتيقِ، وجَابُوا إليه الفَلَوَاتِ من كل فَجٍّ عَميقٍ، وأَتَوْا بالمناسِكِ على الإكمَالِ والإِتْمَامِ، وأقاموا شِعارَ تَعْظِيمِ مشاعِرِ الله الحرَامِ، وزاروا بيتَ الله مَوْلاهُمْ، وشكروه على مَا مَنَحَهُمْ وأَوْلاهُمْ، وأقاموا بِها وظَائِفَ النَّفْلِ والفَرْضِ، وجدَّدُوا عُهُودَهم بالحَجَرِ الأَسْوَدِ الذي هو يَمِينُ اللهِ في الأرض (٢)، وحَطُّوا أَوْزَارَهم، وبَلَغُوا أَوْطَارَهم، ونالوا من الله الكريم الرضا والغُفْرانَ، وابْيَضَّتْ وجوهُهم بِمَا فازوا به من الفضلِ والإحْسَانِ؛ ناسب (٣) أن يتوجَّهُوا عَقِيبَ ذلك إلى زيارةِ مَنْ أَنقذَهم اللهُ به من الضلالِ، وهداهم وأَوْرَفَ (٤) لهم من طُوبى رِضْوانِه أطيبَ الظِّلالِ، وهُدُوا به إلى الصِّرَاطِ المسْتَقِيمِ، ورُزِقوا بِيُمْنِ غُرَّتِهِ وبَرَكةِ طَلْعَتِهِ الفوزَ العظيمَ، والنَّعيمَ المقيمَ، وكما أَتَوْا بِحقِّ لا إله إلا الله، كذلك يَأْتونَ بِحقِّ محمدٍ رسولِ الله ﷺ ، اللَّذَيْنِ هُما أَسَاسُ قَواعِدِ الدِّين، وبِهما يصيرُ العبدُ /٢٨ من المؤمنين، ولكن بشر ﷺ بِهم إذا أَتْوه وقد غَفَر الله لهم، وقَبِلَ عملَهم، تُعْرَضُ

стр. 125

عليهِ ﷺ أحوالُهُمْ وأَعْمَالُهُمْ (١)، ويلتمسونَ منه أن يَشْفَعَ (٢) في المزيد لِمَنْ قُبِلَ، والقَبولَ لِمَنْ أُوقِفَ وخُذِلَ، والمغفرةَ لِمَنْ لم يُغْفَرْ له، وحتى ينطِقَ لِسانُ حالِهم، إذا وقفوا عند شفيعِهِمْ، وسُئِلَ مالكم؟ فيقول: قَدْ تَمَّ بنعمةِ الله وفَضْلهِ عَامُنَا، وعَمَّ عارفتنا (٣) وإنعامنا، وأنت قدوتُنَا في الدارين وإمَامُنَا، فعسى بعظيم بَرَكاتِكَ، ورحيمِ نَظَرَاتكَ، وعميمِ مَكْرُمَاتِكَ، وكريم عِناياتِكَ، أن يَتَقبل الله جل شأنُه منا ما وُفِّقْنا له من الحسنَاتِ، وأن يُقِيلَنا مازَلَّتْ به قَدَمُنا وأوقعنا من السيئات والعَثَرات، فإنك قد كَفِلْتَ لنا بالخير في حال الحياة والممات (٤). الخامس: أنَّه ﷺ لَمَّا كان بِشهادةِ الله تعالى على جَميع الأمم الماضين شاهداً أو شهيداً، ناسَبَ أن يكون قَبرُه المقدَّسُ إلى يوم الشهود مَزُوراً مَشْهُوداً (٥). السادس: لَمَّا كان شرعُه ﷺ مُتَقدِّماً مُتَأخِّراً، نَاسِخاً للشَّرَائِعِ، مُكمَّلاً

стр. 126

مُتمَّماً، مستقراً ثابتاً، دائماً مستمراً، لازباً (١) لازماً، ونورهُ المبين مستديم [السطوعِ (٢)] في الأمم، وأحكامُ شريعتِه في اللموع نارٌ على عَلَم؛ ناسب أن تكون آثارُه ومثارُه، ومحلُّه، ودارُه، ومقرُّه ومزارُه، علماً إلى يوم الدِّين، مرفوعاً ممدوداً، ومَقْصِداً إلى انقضاء الدهر مقصوداً محموداً. السابع: أنَّه وردَ أَنَّهُ لَمَّا قُبض رسولُ الله ﷺ اشتكت الأرضُ إلى ربها مفارقتها شهود ظاهر بشريته ﷺ (٣) وأَنَّهُ لا نبيَّ بعده، وبالأنبياء تحفظ الأرض وأهلُها، وتَعْمُرُ البَسيِطةُ حَزْنُها (٤) وسَهْلُها، وبهم تتوالى إليهم الخيرات الصوائب (٥)، وبهم تتولى عنهم الصَّيِّراتُ (٦) والمصائب (٧)، فهم المفازع الذين إذا فُزِع إليهم في الفَزَعات شَفَعوا، وإذا أشرفَتِ العقوباتُ بالحلول على الخلق نفعوا ودفعوا، فأجابها الله تعالى وأشكاها (٨)، وأزال بلطفه (٩) شكواها، وتفضَّل بإجابة دعوتها، وعوَّضها، ومنَّ على صَهْوتِها (١٠)، بإدامةِ شرائعه وطرائقه، وإقامة ذرائعه (١١) وخلائقه، وتسلسلِ الإسناد بأحاديثه إلى يوم

стр. 127

الدين، وإبقاء أحكامه في العالم عَوْضَ العائضين (١)، وإثباتِ نوعٍ من التشريع أبدَ الآبدين للأئمة المجتهدين، وكان من تمام هذا الفضل الحميد، وكمال هذا الفعل السعيد، جَعْلُ ضريحِه المُقدَّسِ ﷺ /٢٩ عَلَماً للعالمَين مرفوعاً، وقَبْرِه الشريف مَقْصَداً بالخيرات والبركاتِ، والأنوار الظاهرات مشفوعاً (٢) الثامن: أَنه لَمَّا تقرر من مقتضى الحِكَمِ الإلهية، أنْ لابد من إبقاء رأسٍ وأصلٍ من كلِّ نوع يكون عليه انقضاء الأيام، وبه يقع للزمان التَّمامُ والختامُ، كالبيت العتيق في الديار، والحجرِ الأسود في الأحجار، وهَزْمة جبريل في الآبار (٣)، وقريةِ الأنصار في القرى والأمصار، ولا إله إلا الله في الكَلِم والأذكار (٤)، وسِدْرَةِ المنتهى في الأشجار؛ كذلك أبقى الله تعالى قبرَ سيدِ المرسلين من بين القبور والآثار، وخصَّه ﷺ بالظهور والإظهار، ودوامِ القصدِ والازديارِ، من القُصَّد والزوار (٥)، حتى لايُعلم عين

стр. 128

قبر (١) غيره من الأنبياء الأخيار. التاسع: لَمَّا [نوَّه (٢)] الله تعالى بذكره ونوَّر الأكوان والثرى، والأعيانَ والأحيانَ والورى، وشرَّفَ به جميعَ المخلوقاتِ من العرش إلى الثَّرى، فكتب على العرش اسمه، وعلى باب الجنة رسمَه ووَسْمَه (٣)، وجعل اسْمَه الكريم أسمى الأسماء، فتذكره الملائكة المُقرَّبون عند الأذان في السماء، ويتشرف به المصاقع (٤) على المنابر، ويتزين ويفتخر بذكره أربابُ الأقلام والمحابر، فلم يزل مذكوراً على تعاقب الزمان، وفي الخُطَب والصلوات والأذان، فجعل الله تعالى للعالم الأرضي نصيباً من بركاته وآثاره، وليكون في ملكوت السماوات ذكرٌ لروضته ومنْزله ومَزاره. يا مَنْ بِهم طابتِ الأكوانُ وابتهجَتْ … من المسرَّة [وابتهَتْ] (٥) بِهم طربا حقٌّ لكم أن تطيبَ الكائناتُ بكم … وليسَ ذلك من أحوالكم عجبا إذْ قدْ خُصِصْتُم بما لا نالَه بشرٌ … هذا عَطَاءُ الذي مِنْ فَضْلِه وهَبا العاشر: أنَّ هذه الأمةَ الحميدةَ، السعيدةَ المرحومةَ، لما وفقها الله تعالى للقيام في حق نبيهم ﷺ ، بما لم يَحْظَ به أحدٌ سواهم من الأمم السالفة في حقِّ أنبيائهم، فكانوا خيرَ أمة، وكشفَ اللهُ عنهم بنبيهم الخاتَمِ كلَّ غُمَّة، حتى حصلت منهم الآدابُ الجليلة، والأخلاقُ الحميدة الجميلة، من الإيمان به ﷺ

стр. 129

أولاً، ثُمَّ المبالغةِ في محبته ونصرته ومناصحته، و بَذْلِ النفوس والنفائس، وهِجْرانِ الأُنْس والمآنس، ثمَّ حَمْلِ ما وفقهم الله تعالى له من علومه وسنته، وأخباره وآثاره، وتوصيله وتبليغه، وتشهيره وإظهاره، مع البراءة من الخيانة بالتحريف /٣٠ والتغيير والتبديل، وملازمتِه للديانة والصيانةِ في سلوك هذه السبيل. فذِكْرُه ﷺ جِلاءُ قلوبهم (١)، وشفاءُ صدورهم، وحَلاوةُ ألسنتهم، في جميع الحالات، على اختلاف الأوقات والساعات، فيَشْرُفون بذكره في جميع العبادات، وفي الجُمع والجماعات، والخُطَب والصلوات، وسائر التَقلُّبات والتصرفات، حتى في المعاطاة والمبايعات، وعقود المناكحات، واستفتاح المعاقدات والمعاهدات، وخصوصاً عند الأذكار والدعوات، فإنَّ بها وُلُوجَهَا في أبواب الإجابات (٢)، فهو ﷺ ذخرهم ومَعاذُهم، وفخرهم ومَلاذُهم، وشافعهم ورافعهم، ومُفِيدُهم ونافعهم (٣)، ووسيلتُهم العظمى، وفضيلتُهم

стр. 130

الكبرى، فكان من كمال نِعَم الكريم المنَّان عليهم، أنْ وفَّقَهُم بعد انتقاله إلى ربه لزيارة تُرْبتِه المُقدَّسةِ المُكرَّمة، ورَوْضتِه المُطَهَّرةِ المُعظَّمة؛ ليقوموا بالأدبين غيباً وشهادة، وتجتمعَ لهم ببركته الحسنى وزيادة. الحادي عشر: إذا كان كمالُ البِّرِ إلى الوالد إنما يحصل بعد وفاته بإِسْداءِ البِرِّ إلى مَنْ كان يَبَرُّه من أحبابه وقراباته؛ فالجناب الشريفُ أَوْلَى بإكمال مبرَّته، بالمواظبة بعد الوفاة على زيارة قبره وحُجْرَتِه (١). الثاني عشر: لَمَّا وفق الله تعالى هذه الأمة وصانها عن الغلوِّ (٢) في نبيها، كما غَلتِ الأمم السالفة، بل كانوا على منهج التوسُّطِ بين الغُلُوِّ والتقصير، وعلى لاحب (٣) الاعتدال بين الإفراط والتفريط، والتقليل والتكثير، فأظهر الله تعالى قبرَه الكريمَ للازديار، وليظهر منهم ذلك التوسُّطُ أيضاً عند التشرف بهذا المزار، وهكذا-بحمدالله-فعلوا، وسلكوا فيه المسلكَ الأفضل الأحمد، ولم يجعلوا قبره -كغيرهم من الأمم- وثناً يُعبد، ولامسجداً يُسجد. الثالث عشر: لَمَّا ثبت في الحديث النبوي: «أول ما خلق الله تعالى روحي» (٤)، وفي لفظ: «أول ما خلق الله تعالى نوري» (٥)، وفي لفظ:

стр. 131

«القلم» (١)، وفي لفظ: «العقل» (٢)، والمراد بالكل: رُوحُه ﷺ (٣)، سُميت بأسماء مختلفة باعتبارات، فكان هو ﷺ أصلَ الأصول، ومبدأَ هذا العالم المعقول، وكان حنينُ النفوس ونزوعُها إلى أصولها أمراً ثابتاً مقرراً، وحُكْماً في الإنسان وغيرِه من سائر الحيوان مُعْتبَراً محُرَّراً، مصداقه مانشاهد في النحل التي تنْزع أبداً إلى يعسوبها، وتشتاق إلى رئيسها، وأصلها عند أُيوبِها (٤)،/٣١ وقد قال ﷺ : «أنا يعسوبُ الأرواح، كما آدم يعسوبُ الأشباح» (٥). وفي ذكر اليعسوبِ لطيفةٌ، تنْزِعُ إليها الأرواح والقلوب، ودقيقةٌ يشتاق لِذِكْرِهَا من خُصَّ بالإشراف على عوالم الغيوب (٦)، ولَمَّا كان ﷺ أصلَ جميعِ الخيرات والبركات، وحقيقةَ الرحمة الموجودةِ بين

стр. 132

الموجودات (١)، حنَّتِ القُلوبُ المؤمنةُ إليه أولاً وآخراً، واشتاقتِ النفوسُ الزكية إليه غائباً وحاضراً، فنهضتِ الأشباحُ عَوْداً على بدءٍ للاقتراب من قبره المُقدَّسِ المُعظَّمِ، وتحرَّكَتِ الأجسامُ والأرواحُ للاغتراب في زيارة بيته المُطهَّرِ المُكرَّم، صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحابته من كل صنديدٍ أَجَلَّ، ويَعْسوبٍ جَلَل، صلاةً وتسليماً لا يَنالان مِنّا -بمَنِّ الممتنين، وكلل الملوين- المنَّ والملَل. * * *

стр. 133

فصل في ذكر نبذ يسيرة من وقائع نستأنس بِها إلى ما أوردناه دليلاً على استمرار الحياة ودوام البقاء الذي لا مرية فيهما (١) فمنها: ما حكاه الحافظ أبو سعد (٢) السمعاني (٣)، عن علي بن أبي طالب

стр. 134

رضي الله عنه قال: قدم علينا أعرابيٌّ بعد ما دفَنّا رسولَ الله ﷺ بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر النبي ﷺ وحَثَى من تُرْبِه على رأسه، وقال: يا رسول الله، قلتَ، فسمعنا قولَك، ووعَيْتَ عن الله سبحانه وما وعَيْنا عنك، وكان فيما أنزل عليك: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ، فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾ (١). وقد ظلمتُ نفسي، وجِئْتُكَ تستغفر لي، فنودي من القبر أنه قد غفر لك (٢). ومنها: ما حكاه محمد بن حرب الهلالي (٣) قال: دخلت المدينة، فانتهيت إلى قبر النبي ﷺ ، فإذا أعرابيٌّ يُوضِعُ (٤) على بعيره، فأناخه وعقَلَه، ثم دخل إلى القبر، فسلَّم سلاماً حسناً، ودعا دعاءً جميلاً، ثم قال: بأبي وأمي يا رسول الله، إنَّ الله خصَّك بوحيه، وأنزل عليك كتاباً، وجمع لك فيه علم الأولين والآخرين، وقال في كتابه- وقولُه الحق-: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ، فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّاباً

стр. 135

رَّحِيماً﴾. وقد أتيتك مُقِرّاً بالذنوب، مستشفعاً بك إلى ربك، ثم التفتَ إلى القبر وقال: يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بالقاع أَعْظُمُه … فطاب من طيبهنَّ القاعُ والأَكَمُ أنت النَّبيُّ الذي تُرْجَى شفاعتُه … عندَ السِّراطِ (١) إذا مازَلَّتِ القَدَمُ /٣٢ نفسي الفِداءُ لقبرٍ أنت سَاكِنُه … فيه العفافُ، وفيه الجودُ والكرمُ (٢) قال محمد بن عبيد الله العُتْبِيُّ (٣) أحدُ رواة هذا الخبر، فغلبَتْني عيناي، فرأيتُ رسولَ الله ﷺ في النَّوم، فقال لي: يا عتبي، اِلْحَقِ الأعرابيَّ وبَشِّرْه أنَّ الله تعالى قد غفرَ له (٤). ومنها: ما رُوِّيناه عن محمد بن المنكدر بن محمد (٥) قال: إنَّ رجلاً من أهل اليمن أودع أباه ثمانين ديناراً، وخرج الرجل يريد الجهاد، وقال له: إن احتَجْتَ إليها، فأَنْفِقْها إلى أن آتيَ إن شاء الله تعالى. قال: فخرج الرجل، وأصاب أهلَ المدينة سَنَةٌ (٦) وجهدٌ. قال: فأخرجها أبي فقسمها. قال: فلم يلبث الرجل أنْ قَدِم، فطلب مالَه، فقال له أبي: عُدْ إليَّ غداً. قال: وبات في المسجد مُتلوِّذاً بقبر النبي ﷺ مرةً (٧)، وبمنبره مرةً، حتى كاد يصبح، فإذا

стр. 136

شخص في السَّواد يقول له: دُونَكَها يامحمد. قال: فمدَّ يدَه، فإذا صُرَّةٌ فيها ثمانون ديناراً. قال: وغدا عليه الرجل، فدفعها إليه. (١) ومنها: ما حكاه عبد السلام بن أبي القاسم الصَّقَلِّي (٢) يقول: حدثني رجل ثقة نسيت اسمه، قال: كنت بمدينة النبي ﷺ ولم يكن لي شيء، فضَعُفْتُ، فأتيت الحجرة وقلت: يا سيد الأولين والآخرين، أنا رجل من أهل مصر، ولي خمسة أشهر في جوارك، وقد ضَعُفْتُ، فقلت: أسأل اللهَ تعالى، وأسألك (٣) أنْ تُسَخِّرَ لي من يُشْبِعُني أو يخرجني، ثم دعوت عند الحجرة بدعوات، وجلست عند المنبر، فإذا برجل قد دخل الحجرة، فوقف يتكلم بكلام ويقول: ياجَدّاه ياجَدّاه، ثم جاء إليَّ وقبض على يدي، وقال لي: قم، فقمتُ صَحِبْتُه، فخرج بي من باب جبريل، وغدا إلى البقيع، وخرج منه، فإذا بخيمة مضروبة وجارية وعبد، فقال لهما: قوما اصنعا لضيفكما عيشه، فقام العبد، فجمع الحطب، وأوقد النار، وقامت الجارية وطحنت وصنعَتْ مَلَّةً (٤)، وشاغلني بالحديث حتى أتت الجارية بالمَلَّة، فقسمها نصفين، وأتت الجارية بعُكَّةٍ (٥) من سمن، فصب على المَلَّة، وأتت بتمر، فصنعها جيداً، وقال لي: كُلْ. فأكلتُ شيئاً قليلاً، فصدَرْتُ، فقال لي:

стр. 137

كلْ. فأكلت، فقلت: يا سيدي، لي أشهر لم آكُلْ فيها حنطة ولا أريد فيها (١) شيئاً، فأخذ النصف الثاني، وضمَّ ما فضل من المَلَّة، وأتى بِمزْوَدٍ (٢)، وصاعين من تمر، فوضعه في المِزْوَدٍ وقال: ما اسمك؟ فقلتُ: فلان. فقال لي: بالله عليك، لا تَعُدْ تشكو إلى جدي؛ فإنه يَعِزُّ عليه ذلك، ومن الساعة متى جعت يأتيك رزقُك /٣٣ حتى يسبب اللهُ سبحانه لك مَن يخرجك، وقال للغلام: خذه وأوصله إلى حجرة جدي، فغدوت مع الغلام إلى البقيع، فقلت له: ارجع، فقد وصلت. فقال لي: الله الأحد ما أقدر أن أفارقك حتى أوصلك إلى الحجرة لئلاَّ يُعلِمَ النبيُّ ﷺ سيدي بذلك، فأوصلني إلى الحجرة وودَّعَني ورجع، فمكثت آكلُ من الذي أعطاني أربعة أيام، ثم جُعْتُ بعد ذلك، فإذا بالغلام قد أتاني بطعام، ثم لم أزل كذلك كلما جُعْتُ أتاني، حتى سبَّبَ الله سبحانه لي جماعةً، فسافرت معهم إلى بلادي (٣). ومنها: ما حكاه الإمام أبو بكر بن المقري (٤) قال: كنت أنا والطبراني (٥) وأبو الشيخ (٦) في حرم رسول الله ﷺ ، وكنا على حالةٍ وفاقةٍ أثَّرَ فينا الجوع،

стр. 138

وواصلنا (١) ذلك اليوم، فلما كان وقت العشاء، حضرت قبر النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، الجوع الجوع (٢)، وانصرفت، فقال لي أبو القاسم: فإما أن يكون الرزق أو الموت. قال أبو بكر: فنمت أنا وأبو الشيخ، والطبراني جالس ينظر في شيء، فحضر البابَ عَلَويٌ، فدَقَّ، ففتحنا له، فإذا معه غلامان، مع كل واحد منهما زنبيل، فيه شيء كثير، فجلسنا وأكلنا، وظننا أن الباقي يأخذه الغلام، فَولَّى وترك عندنا الباقي، فلما فرغنا من الطعام قال العَلَويُّ: يا قوم، أشكوتم إلى رسول الله ﷺ ؟ فإني رأيت رسولَ الله ﷺ ، فأمرني أن أحمل بشيء لكم (٣). ومنها: ما أخبر به أبو العباس أحمد بن نفيس المقرئ (٤) الضرير التونسي قال: رأيت النبيَّ ﷺ في المنام بمصر بعد رجوعي من الحجاز، وتَوجُّهي إلى المغرب، فقال: أَوْحَشْتنا يا أبا العباس، وذلك أني كنت أكثر من قراءة القرآن عند ضريحه بالمدينة. قال القاضي: فقلت له: كم قرأت ختمة عند ضريحه يا أستاذ؟ قال: ألف ختمة! قال: وجُعْتُ بالمدينة ثلاثة أيام، فجئت إلى القبر، فقلت: يا رسول الله، جُعْتُ، ثم نمت ضعيفاً، فركضَتْنِي جاريةٌ برجلها، فقمت إليها، فقالت: اِعْزِم (٥). فقمت معها إلى دارها، فقدَّمَتْ إليَّ

стр. 139

خُبْزَ بُرٍّ وتمراً وسمناً، وقالت: كُلْ يا أبا العباس، فقد أمرني بهذا جَدِّي ﷺ ، ومتى جُعْتَ فَأْتِ إلينا. (١) ومنها: ما حكاه ابن أبي زرعة الصوفي محمد بن أحمد بن محمد (٢) قال: سافرت مع أبي ومع أبي عبد الله بن خُفَيْف (٣) إلى مكة، فأصابتنا فاقة شديدة، فدخلنا مدينة الرسول /٣٤ ﷺ وبتنا طاوِينَ (٤)، وكنت دون البلوغ، فكنت أجيء إلى أبي غير دفعة وأقول: أنا جائع، فأتى بي إلى الحضرة وقال: يا رسول الله، أنا ضيفك الليلة (٥)، وجلس على المراقبة، فلما كان بعد ساعة رفع رأسه، وكان يبكي ساعة، ويضحك ساعة، فسئل عنه؟ فقال: رأيت رسول الله ﷺ ، فوضع في يدي دراهم، وفتح يده، فإذا فيها دراهم! وبارك الله فيها إلى أن رجعنا إلى شِيراز (٦)، فكنا ننفق منها (٧). ومنها: ما حكاه أحمد بن محمد الصوفي (٨) قال: تِهْتُ في البادية ثلاثة أشهر، فانسلخ جلدي، فدخلت المدينة، وجئتُ إلى النبي ﷺ ، فسلَّمْتُ عليه

стр. 140

وعلى صاحبيه، ثم نمتُ، فرأيت النَّبيَّ ﷺ ، فقال لي: أحمدُ جئتَ؟ قلت: نعم، وأنا جائع، وأنا في ضيافتك، فقال: افتح كفيك. ففتحتهما، فملأهما دراهم، فانتبهت من نومي وهما ملأى دراهم، فقمت واشتريت خبزاً حُوَّارياً (١) وفالوذجاً (٢)، وأكلت للوقت، ودخلت البادية (٣). ومنها: ما حكاه برهان الدين إبراهيم بن الطيب المالكي (٤) قال: قال لي من أثق به، وكان بمدينة النبي ﷺ : إنَّه أصابه الجوع، فأتى قبر النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني جائع (٥)، وجلس بالقرب من حجرة النبي ﷺ ، فأتاه رجل من الأشراف، فقال له: قمْ، فقال: إلى أين؟ فقال: تأكلُ عندي شيئاً، فمضى به إلى بيته، فقدَّم إليه جَفْنَةً (٦) فيها ثريد عليه لحم ودهن، وقال له: كلْ. فأكل حتى شبع، وأراد الانصراف، فقال له: كلْ وازدد، فأكل، فلما أراد الانصراف قال له: يا أخي، الواحد منكم يأتي من البلاد البعيدة، ويقطع المفاوز والقِفار، ويترك الأهل والأوطان، ويشق البحار، ويأتي إلى زيارة هذا النبي العظيم ﷺ وتكون همته أن يطلب منه كسرة خبز، يا أخي، لو طلبت الجنة، أو المغفرة، أو الرضا، أو مهما طلبت، لنلته ببركة هذا النبي الكريم ﷺ .

стр. 141

ومنها: ما حكاه الشيخ الصالح عبد القادر (١) التنيسي (٢) بثَغْر دمياط (٣) قال: كنت أمشي على قاعدة الفقر، فدخلت إلى مدينة النبي ﷺ ، وسلَّمْتُ على النبي ﷺ ، وشكوت له ضرري من الجوع (٤)، واشتهيت عليه طعاماً من البُرِّ واللحم والتمر، وتقدَّمْتُ بعد الزيارة إلى الروضة، وصلَّيْتُ فيها، ونمتُ فيها، فإذا بشخص يُوقظني من النوم، فانتبهتُ ومضيتُ معه، وكان شاباً جميلاً خَلْقاً وخُلُقاً، فقدَّم إليَّ /٣٥ جَفْنَةَ ثريدٍ عليها شاة، وأطباقاً (٥) من أنواع التمر الصَّيْحَاني (٦)، وخيراً كثيراً، من جملته: خبز أقراص، سويق النَّبْق، فأكلتُ، وملأ لي جِرابي (٧) لحماً وخبزاً وتمراً، وقال: كنت نائماً بعد صلاة الصبح، فرأيتُ النبيَّ ﷺ في المنام، وأمرني أن أصنعَ لك هذا، وعَرَّفني مكانك بالروضة، وقال لي عنك: إنك اشتهيت هذا (٨). ومنها: ما حكاه بعض المشايخ قال: بلغني أن شيخنا أبا المغيث ربيعاً المارديني (٩) يقرأ القرآن في المصحف من غير تعليم سَبَقَ له للكتابة، وكنت أنكر ذلك منه حتى دخلت عليه يوماً بمكة، فوجدته يقرأ القرآن في المصحف

стр. 142

قراءة مجوَّدة، فسألته عن سبب ذلك؟ قال: كنت في مدينة النبي ﷺ [أبيت] (١) في المسجد، وأخلو به ﷺ ، فتشفَّعْتُ إلى الله بالنبي ﷺ أن يسهل عليَّ القرآن في المصحف، قال: فجلست، فأخذتني سِنَةٌ، فرأيت النبيَّ ﷺ وهو يقول: قد استجاب الله تعالى دعاءك، فافتح المصحف، واقرأ القرآن. قال: فلما أصبح الصباح، فتحت المصحف وشرعت في القراءة، فكنت أقرؤه في المصحف، فربما تتصحف عليَّ الآية، فأنام، فأرى من يقول: الآية التي تصحَّفت عليك، كذا وكذا. ومنها: ما حكاه الفقيه السيد الشريف تقي الدين عبد الغني بن أبي بكر بن عبدالله الحسيني الشافعي (٢) قال: بلغني عن بعض المتصدِّرين في القرآن بالجامع العتيق (٣) بمصر أنَّه حلفَ بالطلاقِ الثلاثِ أنْ لا يجيزَ أحداً يقرأ عليه القرآن مستحقاً للإجازة إلا بعشرة دنانير، فاتفق أنْ قرأَ عليه رجلٌ فقيرٌ، فلما كمَّل القراءة سأله الإجازة، فأخبره بيمينه، فتألم خاطره، واجتمع بأصحابه، فجمعوا له خمسة دنانير، فأتى بها إليه، فلم يَأْخُذْها، فخرج من عنده، فرأى المَحْمِلَ (٤) يُدار به، فقال: والله لا أنفقت هذه إلا في الحجِّ، فاشترى ما

стр. 143

يحتاجه، وسار حتى وصل مكة، وقضى تَفَثَه (١)، ورحل عنها إلى المدينة، فلما وقف على القبر المُقدَّس قال: السلام عليك يا رسول الله، ثم قرأ عشراً جَمَعَ للأئمة السبعة، وقال: هذه قراءتي على فلان، عن فلان، عنك، عن جبريل، عليكما السلام، عن الله ، وقد سألت شيخي الإجازة، فأبى، وقد استغثتُ بك يا رسول الله في تحصيلها (٢)، ثم نام، فرأى النبي ﷺ في المنام، فقال له: سَلِّمْ على شيخك، وقل له: الرسول ﷺ يقول لك: أجزني بلا شيء، فإن لم يُصَدِّقُكَ، فقلْ له: بأمارة زُمَراً زُمَراً./٣٦ فلمَّا وصل الفقير إلى مصر اجتمع [بشيخه] (٣) وبلَّغه الرسالة عَرِيّةً عن الأمارة، فلم يصدِّقه، فقال له: بأمارة زُمَراً زُمَراً، فصاح الشيخ، وخرَّ مَغْشِيّاً عليه، فلمَّا أفاق، قال أصحابه: يا سيدَنا، ما الخبرُ؟ قال: كنت كثيراً ما أتلو القرآن، فمررتُ يوماً على قوله : ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إلاَّ يَظُنُّونَ﴾ (٤). فحلفت أن لا أقرأ إلا متدبراً فَهِماً، فأقمت لا أتجاوز من القرآن إلا يسيراً مدة طويلة، حتى نسيته، فكفَّرْتُ عن يميني، وشرعت في حفظه فحفظته، فبينا أنا أتلو ذات يوم، إذ مررت على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الذَّينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ (٥). الآية، فقلت: ليت شعري، ليت شعري، من أي الأقسام أنا؟ لست من الثاني، ولا من

стр. 144

الثالث، فتعين أن أكون من القسم الأول، فنمت تلك الليلة، فرأيت النبي ﷺ ، فقال لي: بَشِّرْ قُرَّاء القرآن أنهم يدخلون الجنة زُمَراً زُمَراً. ثم أقبل على الفقير، وقَبَّلَ وجهه، وقال: أُشهدكم على أني قد أجزته ليقرأ ويقرئ من شاء. وذلك ببركة الاستغاثة بالنبي ﷺ (١). ومنها: ما رُوِّيناه عن سعيد بن المسيب (٢) أنه قال: لقد رأيتني ليالي الحَرَّة وما في المسجد أحدٌ من خلق الله تعالى غيري، وإن أهل الشام ليدخلون زمراً زمراً يقولون: انظروا إلى هذا الشيخ المجنون، قال: فلا يأتي وقت صلاة إلا سمعت أذاناً في القبر، ثم تقدَّمْتُ، فأقمت وصليت، وما في المسجد أحد غيري (٣). ومنها: ما رُوِّيناه عن إبراهيم بن شيبان قال: حججت في بعض السنين، فتقدمت إلى قبر النبي ﷺ ، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فسمعت من داخل الحجرة: عليك السلام (٤). والأخيارُ من أمته الذين سمعوا جواب السلام من داخل الحجرة كثيرون، لا نُطيل بذكر كلِّ فرد فرد منهم، وفي إيراد فصل أو فصلين منها كفاية إن شاء الله تعالى. ومنها: ما رُوِّيناه من عند الفقيه أبي محمد الإشبيلي (٥) في مُؤلَّفِه

стр. 145

الموضوع في فضل الحجِّ قال: نزلَتْ برجل من أهل غرناطة عِلَّةٌ عَجَز عنها الأطباء، وأَيِسوا من بُرْئِها، فكتب عنه الوزير أبو عبد الله محمد بن أبي الخصال كتاباً إلى النبي ﷺ يسأله (١) فيه الشفاءَ لدائه، والبُرْءَ مما نزل به، وضَمَّنَ الكتاب شعراً، وهو: /٣٧ كتابُ وقيذٍ (٢) من زَمانَتِهِ (٣) مُشْفِ (٤) … بقبِر رسولِ اللهِ أحمدَ يستشفي (٥) له قَدَم قد قَيَّدَ الدهرُ خَطْوَها … فلم يستطِعْ إلا الإشارةَ بالكَفِّ ولما رأى الزوَّارَ يبتدرونَهُ … وقد عاقَهُ عن قَصْدِهِ (٦) عائقُ الضَّعْفِ بكى أسفاً، واستودعَ الركْبَ إذ غدا … تحيةَ صِدْقٍ تُفْعِمُ الرَّكْبَ بالعَرْفِ (٧) فيا خاتمَ الرُّسْلِ الشفيعُ لربِّهِ … دعاءَ مَهِيضٍ (٨) خاشعِ القلبِ والطَّرْفِ عَتِيقُكَ عبدُالله ناداكَ ضارعاً … وقد أخْلَصَ النَّجْوى وأيقَنَ بالعَطْفِ رجاكَ لضُرٍّ أعجزَ الناسَ كَشْفُهُ … ليَصْدُرَ داعيهِ بما شاءَ من كَشْفِ لِرِجْلٍ رَمَى فيها الزَّمَانُ فقصَّرتْ … خُطاه عن الصَّفِّ المقدَّمِ في الزحفِ وإني لأرجو أن تعودَ سويَّةً … بِقُدْرَةِ من يُحْيِيِ العظامَ ومن يَشْفِ
следующие страницы →