ومنها: ما حكاه الشيخ الصالح عبد القادر (١) التنيسي (٢) بثَغْر دمياط (٣) قال: كنت أمشي على قاعدة الفقر، فدخلت إلى مدينة النبي ﷺ ، وسلَّمْتُ على النبي ﷺ ، وشكوت له ضرري من الجوع (٤)، واشتهيت عليه طعاماً من البُرِّ واللحم والتمر، وتقدَّمْتُ بعد الزيارة إلى الروضة، وصلَّيْتُ فيها، ونمتُ فيها، فإذا بشخص يُوقظني من النوم، فانتبهتُ ومضيتُ معه، وكان شاباً جميلاً خَلْقاً وخُلُقاً، فقدَّم إليَّ /٣٥ جَفْنَةَ ثريدٍ عليها شاة، وأطباقاً (٥) من أنواع التمر الصَّيْحَاني (٦)، وخيراً كثيراً، من جملته: خبز أقراص، سويق النَّبْق، فأكلتُ، وملأ لي جِرابي (٧) لحماً وخبزاً وتمراً، وقال: كنت نائماً بعد صلاة الصبح، فرأيتُ النبيَّ ﷺ في المنام، وأمرني أن أصنعَ لك هذا، وعَرَّفني مكانك بالروضة، وقال لي عنك: إنك اشتهيت هذا (٨).
ومنها: ما حكاه بعض المشايخ قال: بلغني أن شيخنا أبا المغيث ربيعاً المارديني (٩) يقرأ القرآن في المصحف من غير تعليم سَبَقَ له للكتابة، وكنت أنكر ذلك منه حتى دخلت عليه يوماً بمكة، فوجدته يقرأ القرآن في المصحف
стр. 142
قراءة مجوَّدة، فسألته عن سبب ذلك؟ قال: كنت في مدينة النبي ﷺ [أبيت] (١) في المسجد، وأخلو به ﷺ ، فتشفَّعْتُ إلى الله بالنبي ﷺ أن يسهل عليَّ القرآن في المصحف، قال: فجلست، فأخذتني سِنَةٌ، فرأيت النبيَّ ﷺ وهو يقول: قد استجاب الله تعالى دعاءك، فافتح المصحف، واقرأ القرآن. قال: فلما أصبح الصباح، فتحت المصحف وشرعت في القراءة، فكنت أقرؤه في المصحف، فربما تتصحف عليَّ الآية، فأنام، فأرى من يقول: الآية التي تصحَّفت عليك، كذا وكذا.
ومنها: ما حكاه الفقيه السيد الشريف تقي الدين عبد الغني بن أبي بكر بن عبدالله الحسيني الشافعي (٢) قال: بلغني عن بعض المتصدِّرين في القرآن بالجامع العتيق (٣) بمصر أنَّه حلفَ بالطلاقِ الثلاثِ أنْ لا يجيزَ أحداً يقرأ عليه القرآن مستحقاً للإجازة إلا بعشرة دنانير، فاتفق أنْ قرأَ عليه رجلٌ فقيرٌ، فلما كمَّل القراءة سأله الإجازة، فأخبره بيمينه، فتألم خاطره، واجتمع بأصحابه، فجمعوا له خمسة دنانير، فأتى بها إليه، فلم يَأْخُذْها، فخرج من عنده، فرأى المَحْمِلَ (٤) يُدار به، فقال: والله لا أنفقت هذه إلا في الحجِّ، فاشترى ما
стр. 143
يحتاجه، وسار حتى وصل مكة، وقضى تَفَثَه (١)، ورحل عنها إلى المدينة، فلما وقف على القبر المُقدَّس قال: السلام عليك يا رسول الله، ثم قرأ عشراً جَمَعَ للأئمة السبعة، وقال: هذه قراءتي على فلان، عن فلان، عنك، عن جبريل، عليكما السلام، عن الله ، وقد سألت شيخي الإجازة، فأبى، وقد استغثتُ بك يا رسول الله في
تحصيلها (٢)، ثم نام، فرأى النبي ﷺ في المنام، فقال له: سَلِّمْ على شيخك، وقل له: الرسول ﷺ يقول لك: أجزني بلا شيء، فإن لم يُصَدِّقُكَ، فقلْ له: بأمارة زُمَراً زُمَراً./٣٦ فلمَّا وصل الفقير إلى مصر اجتمع [بشيخه] (٣) وبلَّغه الرسالة عَرِيّةً عن الأمارة، فلم يصدِّقه، فقال له: بأمارة زُمَراً زُمَراً، فصاح الشيخ، وخرَّ مَغْشِيّاً عليه، فلمَّا أفاق، قال أصحابه: يا سيدَنا، ما الخبرُ؟ قال: كنت كثيراً ما أتلو القرآن، فمررتُ يوماً على قوله : ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إلاَّ يَظُنُّونَ﴾ (٤). فحلفت أن لا أقرأ إلا متدبراً فَهِماً، فأقمت لا أتجاوز من القرآن إلا يسيراً مدة طويلة، حتى نسيته، فكفَّرْتُ عن يميني، وشرعت في حفظه فحفظته، فبينا أنا أتلو ذات يوم، إذ مررت على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الذَّينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ (٥). الآية، فقلت: ليت شعري، ليت شعري، من أي الأقسام أنا؟ لست من الثاني، ولا من
стр. 144
الثالث، فتعين أن أكون من القسم الأول، فنمت تلك الليلة، فرأيت النبي ﷺ ، فقال لي: بَشِّرْ قُرَّاء القرآن أنهم يدخلون الجنة زُمَراً زُمَراً. ثم أقبل على الفقير، وقَبَّلَ وجهه، وقال: أُشهدكم على أني قد أجزته ليقرأ ويقرئ من شاء. وذلك ببركة الاستغاثة بالنبي ﷺ (١).
ومنها: ما رُوِّيناه عن سعيد بن المسيب (٢) أنه قال: لقد رأيتني ليالي الحَرَّة وما في المسجد أحدٌ من خلق الله تعالى غيري، وإن أهل الشام ليدخلون زمراً زمراً يقولون: انظروا إلى هذا الشيخ المجنون، قال: فلا يأتي وقت صلاة إلا سمعت أذاناً في القبر، ثم تقدَّمْتُ، فأقمت وصليت، وما في المسجد أحد غيري (٣).
ومنها: ما رُوِّيناه عن إبراهيم بن شيبان قال: حججت في بعض السنين، فتقدمت إلى قبر النبي ﷺ ، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فسمعت من داخل الحجرة: عليك السلام (٤).
والأخيارُ من أمته الذين سمعوا جواب السلام من داخل الحجرة كثيرون، لا نُطيل بذكر كلِّ فرد فرد منهم، وفي إيراد فصل أو فصلين منها كفاية إن شاء الله تعالى.
ومنها: ما رُوِّيناه من عند الفقيه أبي محمد الإشبيلي (٥) في مُؤلَّفِه
стр. 145
الموضوع في
فضل الحجِّ قال: نزلَتْ برجل من أهل غرناطة عِلَّةٌ عَجَز عنها الأطباء، وأَيِسوا من بُرْئِها، فكتب عنه الوزير أبو عبد الله محمد بن أبي الخصال كتاباً إلى النبي ﷺ يسأله (١) فيه الشفاءَ لدائه، والبُرْءَ مما نزل به، وضَمَّنَ الكتاب شعراً، وهو:
/٣٧ كتابُ وقيذٍ (٢) من زَمانَتِهِ (٣) مُشْفِ (٤) … بقبِر رسولِ اللهِ أحمدَ يستشفي (٥)
له قَدَم قد قَيَّدَ الدهرُ خَطْوَها … فلم يستطِعْ إلا الإشارةَ بالكَفِّ
ولما رأى الزوَّارَ يبتدرونَهُ … وقد عاقَهُ عن قَصْدِهِ (٦) عائقُ الضَّعْفِ
بكى أسفاً، واستودعَ الركْبَ إذ غدا … تحيةَ صِدْقٍ تُفْعِمُ الرَّكْبَ بالعَرْفِ (٧)
فيا خاتمَ الرُّسْلِ الشفيعُ لربِّهِ … دعاءَ مَهِيضٍ (٨) خاشعِ القلبِ والطَّرْفِ
عَتِيقُكَ عبدُالله ناداكَ ضارعاً … وقد أخْلَصَ النَّجْوى وأيقَنَ بالعَطْفِ
رجاكَ لضُرٍّ أعجزَ الناسَ كَشْفُهُ … ليَصْدُرَ داعيهِ بما شاءَ من كَشْفِ
لِرِجْلٍ رَمَى فيها الزَّمَانُ فقصَّرتْ … خُطاه عن الصَّفِّ المقدَّمِ في الزحفِ
وإني لأرجو أن تعودَ سويَّةً … بِقُدْرَةِ من يُحْيِيِ العظامَ ومن يَشْفِ
стр. 146
فأنتَ الذي نرجوه حياً ومَيِّتاً … لِصَرْفِ خُطوبٍ لا تَزِيغُ إلى صَرْفِ (١)
عليكَ سلامُ اللهِ عِدَّةَ خلقه … وما يقتضيهِ من مَزِيدٍ ومن ضِعْفِ
قال: فما هو إلا أن وصل الرَّكْبُ إلى المدينة، وقرأ على قبر النبي ﷺ هذا الشِّعْرَ، وبَرِئ الرجل في مكانه، فلما قَدِم الذي استودعه إياه، وجده كأنه لم يُصِبْه ضُرٌّ قط. (٢)
стр. 147
في فضل المجاورة بالمدينة الشريفة
تقدم فيه أحاديث كثيرة، أصرحها وأشرحها لهذا المعنى: قولُه ﷺ : «من استطاع أَنْ يموت بالمدينة، فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها». رواه الترمذي (١).
وقولُه ﷺ : «ما على الأرض بُقْعةٌ أحبُّ إليَّ أن يكون قبري بها منها». قاله ثلاث مرات. رواه مالك (٢).
ومن عند البخاري ومسلم ومالك والترمذي والنسائي، قولُه ﷺ : «والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون» الحديث (٣).
ورُوِّينا بسند صحيح،: أن الرشيد (٤) لَمَّا حجَّ سأل مالكاً، فقال: هل لك
стр. 148
دار؟ فقال: لا، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار، وقال: اشترِ بها داراً. فأخذها ولم ينفقها، فلما أراد الرشيد الشخوص (١) قال لمالك: (ينبغي أن تخرج معي، فإني عزمت أن أحمل الناس على «الموطأ (٢)»، كما حمل عثمان ﵁ الناسَ على القرآن (٣)).
فقال: أما حمل الناس على الموطأ (٤)، فليس إلى ذلك سبيل؛ لأن أصحاب النبي ﷺ افترقوا بعده في الأمصار، فحَدَّثوا، فعند أهل كل [مِصْرٍ] (٥) علْمٌ، وقد قال رسول الله ﷺ :/٣٨ «اختلاف العلماء رحمة» (٦). وأمَّا الخروج معك، فلا سبيلَ إليه؛ قال ﷺ : «المدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون» (٧)، وقال ﷺ : «المدينة تنفي خَبثَها» (٨). وهذه دنانيركم كما هي، إنْ شئتم فخذوها وإنْ شئتم
فدَعُوها (٩).
стр. 149
يعني: أنك تكلفني مفارقة المدينة لما اصطنعته إليَّ، فلا أوثر الدنيا على مدينة رسول الله ﷺ .
ودلالة هذه الأحاديث والآثار على الحثِّ والحضِّ والتحريض على الإقامة بالمدينة، وطلبِ الفوز باستيطانها، وقصد السعادة بمجاورة ساحتها، ظاهرةٌ لائحة واضحة؛ فإنها منبع فيض بحار أنوار المِلَّة الإسلامية، ومشرقُ طلوع أقمار السعادة الحقيقية، والدارُ التي اختصها الله تعالى لهجرة حبيبه ﷺ ، وظهورِ دينه، ومحلِّ إعلانه بالحق، وإذعان الخلق، وأحبُّ البقاع إلى الله تعالى (١)، وموطنُ أحبِّ الخلق إلى الله (٢)، ومهبط الملائكة المقربين، ومُتنَزل الروح الأمين، ومثوى ضنائن (٣) الله الأكرمين، من السادة القادة الأنصار والمهاجرين، ساداتِ المسلمين، وعظماءِ الدين، ثُمَّ اختارها الله تعالى محلاًّ للجسد الزاكي الطيب الطاهر، [وجعلها] (٤) مضجع الطَّوْدِ الأشَمِّ والقمر الزاهر، فصارت مفزعاً للمحبين المشتاقين، وملجأً للعشاق الوالهين
стр. 150
التواقين، ومبدأ انعقاد خلافة الأربعة المنصوصين، المخصوصين من الله تعالى بالرضا، أئمة العدل المشهورين، السابقين في خير كل من بقي وكل من مضى، فذكرها يثير غرام المشتاقين، ونَشْرُها يعطر مَشامَّ المستنشقين، والتوقُّنُ في وُقْناتها (١) يزيد في يقين أرباب اليقين.
مواطِنُ أنسٍ كلَّما مَرَّ ذِكْرُها … تسامى إلى تلقائِها كُلُّ هِمَّةِ
إذا ما حدا حَادٍ وَجَادَ بذكرِها … أذوبُ أسىً لولا التَّسَلِّي برجعةِ
فيا حَبَّذا تَلْكَ الديارُ وأهْلُها … ويا فَوْزَ من يَحْظَى هناك بنظرةِ
تُرَى هل أَرى داراً بِسَلْعٍ ورامَةٍ … وتسمحُ لي الأيامُ فيها بعودةِ
وتَذْهَبُ أحْزَاني وتُقْضَى مآرِبي … ويُسعِدُني دَهْرِي وتأتي [مسرتي] (٢)
فأرتعُ في ظلٍّ ظليلٍ وغِبْطةٍ … وأَنْعُمُ إذ شاهدت أعلام طيبة
واعلم أنه لا يختار مجاورة المدينة الشريفة، ولا يُؤْثِرُ استيطانَها غالباً إلا من /٣٩ يدَّعي محبة هذا النبي الكريم، ومن قبائح الخلال [التي] (٣) يذمها أهلُ كل دين ومِلَّة، الدعاوي الكاذبة، فاجتنب، واستعذ بالله أن تتصف بها، أو تكون ممن تعلق بسببها، فلتكن لدعواك شواهدُ وعلامات، وقرائنُ وأمارات، وذلك بأمور:
منها: الإغضاء (٤) عند القرب منه ﷺ ، فإن من علامات المحب عند نظر محبوبه إليه [رَمْيَه] (٥) بطَرْفِه نحو الأرض، وذلك من مَهابتِه له، وحيائِه منه،
стр. 151
وعَظَمتِه في صدره، ولهذا يستخف الملوك بمن خاطبهم وهو يُحِدُّ النَّظَرَ إليهم، بل يكون خافضَ الطَّرْفِ إلى الأرض، مخبراً عن كمال أدب رسوله ﷺ في ليلة الإسراء ﴿مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ (١). وهذا غاية الأدب، فإنَّ البصر لم يَزِغْ يميناً ولا شمالاً، ولا طمح (٢) متجاوزاً ما هو رائيه ومقبلاً (٣) عليه بالتَّشَاوُفِ (٤) إلى ما وراء ذلك، ولهذا أُسند النهي والوعيد للمصلي أن يرفع بصرَه إلى السماء، وهُدِّد بخَطْفِ البصر (٥).
ومنها: المواظبة على الصلاة والتسليم، فإنَّ من علامات المحبِّ كثرةَ ذكر المحبوب، واللَّهَجَ بذِكْرِه وحديثه، ومَنْ أحبَّ شيئاً أكثر ذِكْرَه بقلبه ولسانه، ولأجل ذلك أَمرَنا الله تعالى بذكره في أخوف الأحوال، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦).
وأفضل أنواع الذكر أنْ يَحْبِسَ المُحِبُّ لسانهَ على ذكر حبيبه، ثم يحبسَ قلبَه على لسانه، ثم يحبسَ قلبَه ولسانَه على شهودِ مذكورهِ.
وكما أنَّ الذِّكْرَ من نتائج الحبِّ، فالحبُّ أيضاً من نتائج الذكر، فكل منهما يثمر الآخر، فافهم ذلك، فإنك إذا فهمته لم يبرحْ لسانك رطباً بالصلاة
стр. 152
والتسليم، على هذا النَّبي الكريم، فإنَّه ذِكْرٌ صادرٌ عن المحبة، وأفضلُ الذِّكْرِ ماكان كذلك.
ومنها: الاجتهاد في أنْ يكون كثيرَ السماع لحديث رسول الله ﷺ وسِيَرِه وسُنَنِه وأيَّامِه، كثيرَ الإقبالِ عليه، حَسَنَ التلقي لما يفهم من معانيه، فإنَّ من علامات المحب إقبالَه على حديث حبيبه، وإلقاءَ سَمْعِه كُلِّه إليه، بحيث يُفْرِغُ لحديثه سمعَه وقلبَه، وإن ظهر منه إقبالٌ إلى غيره، فإقبال مستعار، فإنْ أعوزه (١) حديثُه بنفسه، فأحبُّ شيء إليه الحديثُ عنه، لاسيما إذا حدَّث عنه بكلامه، فإنَّه يقوم مَقام خطابه.
حديثُه وحديثٌ عنه يُطربني … هذا إذا غابَ وهذا (٢) إذا حضرا
كلاهما مشتهى قلبي أَلَذُّ به … لكن أحلاهما ما وافق النظرا
/٤٠ ومن الكلم الشهير في نعت المحبين: لاشيءَ أَلَذُّ لقلوبهم من سماع … (٣).
стр. 153
فصل في آداب الزائر
اعلم أن الأدب شرط في أعمال البر كلها، فرضها ونفلها، وكذا في سائر الأحوال والأعمال والعلوم والمعارف والمقامات والمنازل كلها، حتى قال بعض المشايخ: ليكن عملك مِلْحاً، وليكن أدبك دقيقاً، وهذا كلام لوخط بالذهب لكان حقيقاً، أي: ليكن أدبك في أمورك أكثر من عملك؛ لأن بكمال الأدب تحصل وتظهر ثمرة العبودية والمقصودُ منها.
ولهذا قال أبو علي الدَّقَّاق (١): العبد يصل بطاعته إلى الجنة، ويصل بأدبه إلى الله تعالى. وقال: ترك الأدب يوجب الطَّرْد، فمن أساء الأدب على البساط رد إلى الباب، ومن أساء الأدب على الباب رُد إلى سياسة الدواب (٢).
وقال ابن المبارك (٣): نحن إلى قليل من الأدب أحوج [منا] (٤) إلى كثير من العلم (٥).
وأطال العلماء الكلام على الأدب وقل من يَتعرَّضُ لتعريفه، ويتعدى عن نعته وتوصيفه.
стр. 154
وأهل اللغة يقولون: الأدب الظَّرْفُ، وحُسْنُ التناول في الأمور كلِّها (١).
وقال بعض العلماء: الأدب كلمة تجمع خصالَ الخير كلَّها.
وقال بعضهم: الأدب مراعاةُ حقوقِ الشرع والحقيقةِ والسلوكِ إلى الله تعالى ظاهراً وباطناً، وكلَّ مايدعو إلى الاتصاف بذلك من محاسن الأخلاق والأعمال والأحوال والأوصاف، وأَخْذِ النفس بذلك، مع ردها عما يدعو إليه طبعها، فمن فعل ذلك، فقد تحلى بنصيب من الأدب على حسب ذلك، ولكل طاعة أدب، ولكلِّ مكان أدب، ولكل زمان أدب.
وقال بعضهم: الأدب وصف من الأوصاف الحقيقية، المُتَّصِفُ بها الذواتُ الروحانية، كالرضا، والتوكل، والتوحيد، وكل ذلك باعتبارات أربعة: عمل، وعلم، وحال، وتحقيق باعتبار قيامه بالحقائق الأربعة، فإن قام بالقوالب كان عملاً، وإن اتصف به القلب كان علماً، وإن قام بالروح كان حالاً، وإن مال إلى السر كان تحقيقاً.
فإذا عرف ذلك، فاعلم أن لزائر قبر سيدنا رسول الله آداباً كثيرةً، يتعين التخلُّق بها حتى يكون إلى الظفر بالمقصود سبيلاً، وعلى الفوز بسعادة القبول وإقبال الرسول ﷺ دليلاً:
الأول: صدق النية، وخلوص الطوية، فإنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ مانوى (٢) /٤١ وليس لكل امرئ إلا مانوى، والنية تُلحق غير العامل بالعامل في الأجر وزيادة، والطاعات بجملتها مربوطة بالنيات في أصل
стр. 155
صحتها، وتضاعف فضلها ومثوبتها.
أما الأصل في الزيارة الكريمة وفي غيرها من القُرُبات: أن ينوي بها القُرْبةَ والطاعة لا غير، فإن نوى الرياء صارت معصية.
وأما تضاعف فضلها: فبكثرة النيات الحسنة، فإن الطاعة الواحدة يمكن أن ينوي بها خيراتٍ كثيرةً، فيثاب بكل نية حسنة، ثم يضاعف كل حسنة بعشر أمثالها.
مثاله: أن ينوي الزائر أولاً زيارةَ رسول الله ﷺ (١)، والتبرُّكَ بالقُرْبِ من قبره الكريم وجسده المقدس، ثم ينوي الصلاةَ في مسجده ﷺ ، وينوي الاعتكافَ فيه مدة إقامته ولو ساعة أو لحظة، وينوي زيارةَ اللهِ تعالى سبحانه في مسجد رسوله ﷺ ؛ فإن من قعد في المسجد، فقد زار الله تعالى (٢) وحقٌّ على المزور إكرام الزائر، وينوي التجرد فيه لذكر الله تعالى، وينوي إكثار الصلاة والتسليم فيه على النبي ﷺ وينوي الدعاء لأبي بكر وعمر وعثمان وسائر الصحابة ﵃ والأئمةِ المدفونين بالبقيع، وسائرِ مشاهد الشهداء، وغيرِهم من السادة الكبراء، وينوي الصدقة في مدينة رسول الله ﷺ على جيران المصطفى ولو بيسير من المقدور، وينوي ختم القرآن الكريم أو تلاوةَ ما تيسر عند الضريح المقدس (٣)، وينوي
стр. 156
الاستعاذة (١) بالأولياء والأبدال (٢) والصلحاء والأخيار المقيمين
والواردين على المدينة الشريفة، وينوي التخلق باختلاق (٣) الكاملين في الزيارة، من كف السمع والبصر والأعضاء عن الحركات والتوردات، وينوي اجتناب المعاصي رأساً حياءً من الله تعالى ورسوله ﷺ .
فينبغي للمؤمن الموُفَّقِ أن يكون دائم الاتصاف بِنِيَّةِ القُرُبات والعَزْمِ عليها، دائم التوجه بهما، مربوط الجأش عليهما، في جميع الطاعات، وكافة العادات، فهي عبارةٌ قليلة، وزِنَتُها في الحقيقة جليلة، ومَنْ فتحَ اللهُ تعالى عليه هذا البابَ أشرف منه على خير كثير، وفضل أثير، وجزاء كبير، على عمل قليل يسير، ويحصل له الجزاءُ الجزيل في جميع الأحوال، سواء تحلى بالأعمال، أو تخلى عن الأعمال، في حالة اليقظة والخيال، والتَّنبُّهِ والإغفال، وعند النَّشَطات والفَتَرات (٤)، وفي الحياة وبعد الممات، كل ذلك ببركة /٤٢ الشريعة المحمدية الجامعةِ لجميع الخيرات، وبديع البركات.
وثانيها: أن يكون دائم الأشواق إلى زيارة حبيبه وشفيعه، في أكثر أوقات عمره، بل في جميعه، مُحِباً كَلِفاً هائماً للوصول إلى قُرْبِ تُرب مَضْجِعه، مُسْتَهاماً (٥) شَيِّقاً للظَّفَر والفَوْزِ بالدُّنو من جناتِ أعتابِ مَهْجَعِه (٦)، فإنه لا مطمع للفوز والنجاة بجزيل الثواب، ومن وَبِيل العقاب، إلا لمن جُبِلَ على حبه من
стр. 157
العالمين، ولا يُؤْمِن عبد حتى يكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين (١)، ومن كان كاملاً في محبته له وغرامه، كانت زورته منتهى قَصْدِه وأقصى مَرامِه، لا ينفك عن التوجه إليه [بذاته] (٢) ولا تبرح في برج الأشواق ذاته وصفاته:
أُحِبُّ رسول الله شوقا وصبوة … لعلي غداً عن حوضه لا أُخلأُ
أَحِنُّ إلى تقبيلِ مَوْطِئِ نَعْلِهِ … ومن لي بأن أُروى بما منه أظمأُ
أُعد لأهوال القيامة حُبَّه … وحسبي فلي منه ملاذٌ وملجأ (٣)
ثمَّ إنَّه يُربِّي شَوْقَه وصبابَته، ويُقوِّي وَجْدَه وخِلابتَه (٤)، ويُتَمِّمُ لاعِجَه (٥) وشَجْوَه (٦)، حتى يبادر إلى أن يَقْصِدَ قَصْدَه، ويَنْحُوَ نَحْوَه، فالشوق إلى لقائه، وطلبُ الوصول إلى فِنائه، من أظهر علامات الإيمان، وأكبر وسائل الفوز يوم الفزع الأكبر بالأمن والأمان.
стр. 158
نبذتُ جميل الصبر في العيش دونه … وقلتُ إلى كم يصبرالكَلِفُ (١) المُضْنَى
يكاد إذا هبت ليثربَ نفحةٌ … يطيرُ لها شوقا ويفنى بِها حُزْنَا
نأَت دار باغيه، وللقلب لوعة … فياليتنا إذ لم نُعاينه قد زُرْنَا
نُقْبِّلُ بالأفكار آثار نَعْله … ومَن فاته المحبوبُ حَنَّ إلى المعْنَى
ومنها: أنه إذا وفق للمسير، وساعده للنهوض إلى الزيارة التوفيق والتيسير، فليمتط في سيره ظهور العزمات العليَّات، قبل صَهَوات الأرحبيات (٢)، وليشمر عن الهمم العالية العزائم دون الدَّنِيَّات، ولْيَسِرْ في ظهورها إلى أشرف الغايات، وأكرم الأمنيات.
وركبٍ سَرَوْا واللَّيلُ مرخٍ رُواقه (٣) … على كل مُغْبِّرالموارد (٤) قائمِ
جدوا عزمات (٥) ضاعت الأرض بينها … فصار سراهم في ظهور العزائمِ
أرَتهم نجوم الليل ما يطلبونه … على عاتق الشِّعْرى (٦) وهام النعائم (٧)
فَأَمُّوا حمىً لاينبغي لسواهم … وما أخذتهُم فيه لومةُ لائمِ
/٤٣ ولتكن أوقاته مُسْتغرَقةً في الطاعات والعبادات، وإكثارِ الخيرات والقُرُبات، لاسيما في إكثار الصلاة والتسليم على مَنْ وفَّقه الله للقصد
стр. 159
إليه، ومن خصَّه الله بإسعاده والوفود عليه، لا تقصر بغير ذلك شِفاهُه، ولا تَفْتُر عن الصلاة والتسليم نواجذُه، وكلما ازداد قُرْباً ودُنُواً، ازداد شوقاً وغراماً وحُنُواً.
قُرب الدِّيارِ يَهِيجُ شوق الوالِه … لاسيَّما إن لاح نُورُ جمَالِهِ
وتذكَّرَتْ أرواحنا برواحنا … لمقيلِهَا بالجذع تحت ظلاله
وسرى النسيم لها فهيج ما بها … وهَفَتْ (١) فطامنها [لهيب] وِصاله
أو بشَّرَ الحادي بأن لاح النَّقا … وبدت على بُعْدٍ رؤوس جبالِهِ
وبَدَتْ رُبا نَجْدٍ وهبَّت منهُمُ … ريحُ القَبُول (٢) تشير عن إقبالِهِ
فهناك عِيلَ الصَّبْرُ من ذي صَبْوَةٍ … وبدا الذي يُخفيهِ من أحوالِهِ
ويَودُّ راجي القربِ أن لو يشتري … طِيْبَ الوصالِ بنفسِهِ وبِمالِهِ
من للمحِبِّ بأن يزور حبيبَهُ … نفساً ولو وهْنَاً لِطَيفِ خيالِهِ
ذاك المنى لو كان يَسمَحُ دهرُنا … ببلوغ ذي الآمل من آماله
يارب بَلِّغْ مَن يُحِبُّ حبيبه … ياربِّ صلِّ على النبي (٣) وآلِهِ
ومنها: إذا دنا من حرم المدينة وأعلامها، وقرب من معاينة رباها الكريمة وآكامها، وانتشقَتْ مَعاطِسُه (٤) من معاطر أزهارها، وبدأت تبدو للناظرين لوامع أنوارها، وظهرت للسائرين علاماتُ الطيبة وأسبابها، وتراءت للعالمين معالم طيبة وقبابها، فليستحضر هناك وظائفَ تضاعف الخشوع والمهابة، ولْيلزم قلبَه طرائقَ حقائق الخضوع والخشوع والإنابة، وليستبشر ببلوغ المنى، وفروغ العنا، وسبوغ الهنا.
стр. 160
فهي الدِّيار التي طِبُّ (١) المحبِّ، له … شوقٌ إليها، وتذكارٌ وإحسانُ
وأَنَّةٌ وحنينٌ كلما ذُكِرَتْ … ولوعةٌ وشَجَىً منهُ وأحزَانُ
يهيمُ إن لاح برقٌ أوبَدَت سحراً … نُسيمةٌ طابَ منها الرَّنْدُ (٢) والبانُ
أوطانُ أُنس لها في القلب منزلة … وأهل حي هم في القلب سكان
وليضاعفْ هناك وظائفَ الصلاة والسلام، ويزداد ذلك كلما ازداد قُرْباً من الربا والأعلام، ثم إذا قرب دخولُه، ودنا وصولُه، فليغتسل وليتطيب بأطيب أطيابه،/٤٤ وليلبس أحسن ثيابه.
أما الغسل: فقياساً على مكة المشرفة؛ لأنها تاليتُها في الحرمة والكرامة والإكرام، ونظيرتهُا في وجوبه للتعظيم والاحترام، وهذا على قول جماهير الأعلام، من أئمة الإسلام، وأما على قول من يقول بأفضلية المدينة (٣) وأن محلها أشرف وأعلى، فالغسل عند دخولها أجدر، وأخلق، وأولى.
وأما لبس ما تهيأ من محاسن الثياب، ومفاخر ما اشتملت عليه العمائم، فلما رُوِّينا من حديث قيس بن عاصم (٤):
أنه لما قدم مع وفده أسرعوا هم بالدخول، وثبت هو حتى أزال تفَثَهُ (٥)، وآثار سفره، ولبس ثيابه، وجاء على تُؤَدةٍ ووقار، ثم أتى إلى النبي ﷺ ، فرضي
стр. 161
له ذلك وأثنى عليه بقوله: «إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا الله تعالى: الحلْمُ والأَنَاة» (١)
وليتجنّب ما يفعله بعض الجهلة والعوام، من التجرُّد عن المخيط تَشبُّهاً بحال الإحرام، فإن ذلك محض الابتداع، ولا نجاة لك إلا في اطِّراحه ولزومِ الاتباع.
ثم إذا انتهى إلى الحرم الكريم، ضاعف وظائف التبجيل والتعظيم، وأطرق مهابة وحياءً ووقاراً، وازداد خشوعاً وخضوعاً واحتقاراً، وليذكر عظيم حرمة المكان، وما خصَّه الله من أكرم السكان، وما منَّ الله تعالى به على النَّازل به من الشرف الباذخ، والعز الشاهق الشامخ، والقدر الرفيع، والصدر الوسيع، والجاه المنيع، وليجتهد أن يقتبس من أنوار هذه الأفكار، ويلتمس بآثار الاعتبار من شرف الديار، وإن لم يَجد من نفسه تَهيُّأً لقبول شيء مما ذكرناه، فذلك دليل على غلبة الهوى، واستيلاء أمور الدنيا، وغفلة القلب عن أمور الحق حتى ضَعُفَت آثار الإيمان، وقلت أنوار الإيقان، ونعوذ بالله من الخذلان.
وينبغي أن يدعو عند دخوله في أوائل الحرم بما تيسر من الدعوات المناسبة، كأن يقول: بسم الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، ما شاء الله، لا قوة
стр. 162
إلا بالله، حسبي الله، وما توفيقي إلا بالله، اللهم إن هذا حرم رسولك ﷺ ونبيك وصفيك الذي حرَّمه ودعا فيه من الخير بِمثْلَيْ ما دعا به إبراهيم خليلك في حرم بيتك العتيق، وإني أسألك ياذا الجلال والإكرام أن تصلي وتسلم على ساكنه محمد عبدك ونبيك صلاة وتسليماً دائمَيْن بدوامك، وأن تَمُنَّ عليَّ بالنيل من بركاته وخيراته، وأن تعطيني من فضلك المؤمِّنِ من عذابك وسخطِك في الدينا والآخرة، وأن تجعلني من أوليائك وأهل طاعتك، وأن توفقني مادمت فيه لحسن الأدب في طاعتك وزيارة رسولك ﷺ ومِنْ فِعْلِ الخيرات، كما مننت به على أوليائك وأحبابك، إنك على كل شيء قدير.
اللهم/٤٥ صل على سيدنا محمد عبدك ورسولك ونبيك ومحبوبك، صلاةً تكون لك رضاءً، ولحقه أداء، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وسَلِّم تسليماً كثيراً (١).
ومنها: إذا شاهد المدينة الشريفة وعمائرها، وعاين القبة المنيفة ومنائرها، فمن أدب المحب المشتاق، ودأب العاشق التواق، أن يبادر إلى النزول عن مركبه (٢)، ويسابق على قدميه، إلى الحلول بباب الحبيب وعتَبِه، مع لزوم الإطراق، والخوف عند الوصال من هجوم الفراق، هذا في شأن الرجال.
стр. 163
و أما النساء فلا يليق إلا بكل جلالة (١) عارية عن الجمال، فإنه لا بأس بها في فعله؛ تواضعاً لرسول الله ﷺ وإجلالاً، وإذا أُمِنَتِ الفتنةُ كما ذكرناه، وإلا فلا، لا.
وكيف لا يسعى المؤمن المحب المشتاق، ولو على الآماق (٢) والأحداق (٣).؟!.
وَلَوْ قَدَرْتُ عَلَى الإِتْيَانِ زُرْتُكُمُ … سَحْباً عَلَى الوَجْهِ، بَلْ مَشْياً على الرَّأْسِ
وقد أحسن القائل إسماعيل بن محمد الدهان (٤) صاحبُ الجوهري (٥) وتلميذُه:
أَتَيْتُكَ زَائِراً وَوَدِدْتُ أَنِّي … جَعَلْتُ سَوَادَ عَيْنِي أَمْتَطِيهِ
وَمَالِي لا أَسِير عَلَى المَآقِي … إِلى قَبْرٍ رَسُولُ اللهِ فِيهِ (٦)
وقال الدهان أيضاً:
أَيَا خَيْرَ مَبْعُوثٍ إِلى خَيْرِ أُمَّةٍ … نَصَحْتَ وَأَبْلَغْتَ الرِّسَالَةَ والوَحْيَا
فَلَوْ كَانَ في الإِمْكَانِ سَعْيٌ بِمُقْلَتِي … إِلَيْكَ رَسُولَ اللهِ أَنْصَبْتُهَا سَعْيَا (٧)
стр. 164
ويذكر عن أستاذه وشيخه أبي نصر إسماعيل بن حماد (١) أنه لما شاهد المدينة المُقدَّسة من بعد بادر إلى النزول عن الكُور (٢) مُترجِلاً، وأنشد:
وَلَما رَأَيْنَا رَسْمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ لَنَا … فُؤَاداً لِعِرْفَانِ الرَسُومِ ولا لُبَّا
نزلْنَا عَنِ الأَكْوَارِ نَمْشِي مَهَابةً … لِمَنْ حَلَّ فِيهِ أَنْ نُلِمَّ بِهِ رَكْبَا (٣)
وكانت الملوك وعظماء الدول وكبراء الملة الحنفية، كلٌّ منهم كان يفعل ذلك إذا فاز بالحضور هنالك؛ رجاء لحصول الرفعة الباقية، وتأميلاً للحلول في المنزلة السامية الراقية، وأداء لحق النبي الكريم، من رسوم الإجلال والتعظيم، وليسرد حينئذ وظيفة الصلاة والتسليم، وكلما لمح عَلَماً من تلك الأعلام، يستحضر من شرائط الإجلال والإعظام، ما يليق بذلك المقام، ويراعي كلَّ مكان بحسبه حق الرِّعاء، ويأتي بما يليق به من الذكر والدعاء.
وإن أمكنه أن يدخل/٤٦ المدينة حافياً، كان ذلك من الأدب وإن لم يكن كافياً، ولا لِحقِّ التَّعظيم وافياً، لكن كان شاهدَ صِدْقٍ على الخشوع والانكسار، والخضوع والافتقار، نعم إذا شك في تلوث رجله، فلا بأس عند دخول المسجد تجديد غسلها؛ ليطمئن قلبه، ويَسُدَّ على الشيطان طُرُقَ الوساوس وسُبُلَها من أصلها. ثم من سماع كلام محبوبهم، وفيه غاية مطلوبهم (٤).
ومنها: شِدَّةُ المبالغة في اتِّباع السنة والاقتداءِ بما صحَّ عن رسول الله ﷺ
стр. 165
فعله، فإن في ذلك دليلاً على طاعته وطاعة المحبوب، غير أن محبته والانقيادَ لأمر المحبوب، وإيثارَه على مراد الحِبِّ (١)، من أعظم دلائل المحبة، بل ينبغي أن يتحد مراد المحب والمحبوب.
والمحبون ثلاثة: منهم من يريد من المحبوب، ومنهم من يريد المحبوب، ومنهم من يريد مراد المحبوب مع إرادته المحبوب، وهذا أعلى أقسام المحبة، وهذا إنما يحصل بكمال المبالغة (٢)، قال تعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ (٣). فجعل سبحانه متابعةَ (٤) رسولِه سبباً لمحبتهم له، وكونُ العبد محبوباً لله أعلى من كونه مُحِباً له، فليس الشأن أن تُحِبَّ اللهَ، ولكن الشأن أن يُحِبَّك اللهُ.
ومنها: أن لايخل بشيء من ما أمكنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والغضبِ عند انهتاك شيء من حُرَمِه، وتضييع شيء من حقوقه ﷺ ، فإن من علامات المحبة غيرة المُحِبِّ لمحبوبه، وعلى محبوبه، والغَيرةُ له: أن يكره ما يكره، ويَغَارَ إذا عُصِي مَحْبُوبُه، فهذه غَيْرةُ المُحِبِّ، وأقوى الناس دِيناً أعظمُهم غَيْرة، وإذا خلا قلب المؤمن من الغَيْرة لله تعالى ولرسوله ﷺ ، فهو من المحبة أخلى وأخلى، وإن زعم المحبةَ فهو كاذب.
وكلُّ من ادَّعى محبةَ محبوب من سائر الناس، وهو يرى غيره يهتك حرمة محبوبه، ويسعى في أذاه ومساخطه، ويَستخِفُّ بأمره، ويستهين بحقِّه، وهو لايغار لذلك، ولا يغلي قلبُه غَيْرةً، فهو كذَّابٌ، بارِدُ الدعوى، فكيف يصح
стр. 166
لمؤمن محبَّتُه رسول الله ﷺ ، وهو لا يَغار عند انهتاك حُرْمَتِه، وتضييع حقوقه؟!.
وأقلُّ أقسام الغَيْرةِ لله تعالى: أن يغار له من نفسه، وهواه، وشيطانه؛ فيغار لمحبوبه من تفريطه في حقه، وارتكابه لمعصيته، وإذا ترحَّلَتْ هذه الغَيْرة من القلب تَرحَّلَتْ منه المحبة، بل تَرحَّلَ منه الدِّينُ وأنوارُه، وإن بقيت فيه حاله وآثاره، وهذه الغَيْرة هي أصل الجهاد، فلا تفارقك في حضرة هذا السيد الكريم، فإن مفارقتها تؤذن/٤٧ بحرمان عظيم، وخِذلان جسيم.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ، يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ، ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١).
ومنها: محبَّةُ المدينة ومنازِلِها وجبالِها التي أثبت لها النبيُّ ﷺ ، فإن من علامات المحب محبَّةَ دارِ المحبوب، وبيتِه، والموضعِ الذي حلَّ فيه:
أمرُّ على الدّيارِ ديارِ ليلى … أُقَبِّلُ ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبُّ الديار شَغَفْنَ قلبي … ولكنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيارا (٢)
ومنها: مَحبَّةُ أهلِ المدينة وسكانِها، ومَودَّةُ مجاوريها وقُطَّانِها، فإن من علامات المحبة، محبَّة أحبابِ المحبوب وأصحابِه، وإخوانِه، وخَدَمِه، وجيرانهِ، وما يتعلق به من جميع شانه:
يشتاقُ واديها، ولولا حُبُّكُمْ … ماشَاقَهُ وادٍ زَهَتْ أزهارُهُ
ومنها: انشراحُ الصَّدْر، ودوامُ السرور، واستمرارُ الفرح لمجاورة هذا النبي الكريم، ومُساكَنَةِ مَنْ خصَّه الله تعالى بالخِلَّة والتعظيم، فإن من علامات
стр. 167
المحبة ذهابَ الهموم والأحزان، عند رؤية المحبوب وازدياره، وزوالَ الغموم والأشجان، عند الاقتراب والحلول بمنزله ودياره.
ومنها: المبادرة إلى بذل ما عَزَّ عليه بَذْلُه من المال، و صَرْفِه إلى من هو أحوج إليه من ذوي العيال، فإن من علامات المحبة بَذْلَ المحب في رضى محبوبه ما أحبه، بل ما يقدر عليه مما يبخل به بدون المحبة.
قال العلماء: وللمحبة في هذا ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يبذله وهو عليه شاقٌّ كَلِفٌ وهذا في ابتداء الأمر، فإذا قويت المحبة بذله رضاً وتطوعاً، فإذا تمكنَتْ من القلب غايةَ التمكُّنِ بذلَه سؤالاً وتَضرُّعاً، حتى كأنه يأخذه من المحبوب، فيبلغ به ذلك إلى أن يبذل نفسه دون محبوبه، كما كانت الصحابة ﵃ يَقُونَ رسولَ الله ﷺ ، في الحرب بنفوسهم حتى يُصْرَعُوا حولَه، ولقد أحسن القائل:
ولي فؤادٌ إذا لَحَّ الغرامُ به … هَامَ اشتياقاً إلى لقيا معذِّبِهِ
يفديكَ بالنَّفْس صَبٌّ لو يكونُ له … أعزُّ من نَفْسِه شيءٌ فَدَاكَ بِهِ
ومن آثر المحبوب بنفسه، فهو له بماله أشدُّ إيثاراً.
ومنها: إدامة النظر إلى الحجرة الشريفة، قياساً على الكعبة المعُظَّمة شرَّفَها الله تعالى،/٤٨ فإن النظر إلى الكعبة عبادة، كما جاء في الحديث الذي رُوِّيناه من عند
النسائي: «ينْزل على هذا البيت في كل يوم وليلة عشرون ومائة رحمة، فَسِتُّون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين» (١).
فينبغي لساكن المدينة أن يديم النظر إلى الحجرة المُقدَّسة (٢) إذا كان في
стр. 168
المسجد حاضراً، وإلى القُبَّة الشريفة إذا كان خارجاً ظاهراً (١)، وذلك لأن في إدمان النظر إلى البِنَى (٢) سراً، وفي إقبال العينين عليه لطيفة، وذلك أن العين بابُ القلب، وهي المُعبِّرةُ عن ضمائره، والكاشفةُ لأستاره، وهي أبلغ في ذلك من اللسان؛ لأن دلالتها حالية بغير اختيار صاحبها، ودلالة اللسان لفظية تابعة لقصده، فترى ناظر المحب يدور مع محبوبه كيف مادار، ويجول معه في النواحي والأقطار، ولقد أحسن القائل حيث قال:
أَذُودُ سَوامَ (٣) الطَّرْف عنكَ ومالَهُ … على أحدٍ إلا عليكَ طريقُ
بل المحبوب في عين المحب تمثاله، كما في قلبه شخصه ومثاله، فنَظَرُ المحب وَقْفٌ على محبوبه، وفَوْزُه بذلك غايةُ مطلوبه:
إن تحْجُبوها عن العيونِ فقد … حجبت عيني لها عن البشر
وقد أجاد الشاعر في مقاله:
ومِنْ عَجَبٍ أَنيِّ أحِنُّ إليهِمُ … وأسألُ عنهم مَنْ رآهُمْ وهُمْ معي
وتطلُبهم عيني وهم في سَوادِهَا … ويشتاقُهم قلبي وهم بين أَضْلُعِي
ومنها: أن لا يقع نَظَرُه إلى الحجرة الشريفة سُدَى، ولا يَطْرُقَ سَمْعَه شيءٌ من ذكر أحواله وأخباره المنيفة على غير هدى، بل يكون بحيث يغلب عليه سلطان المحبة في الحالتين، ويستولي على بشريته إذعانُ المهابة في الصورتين، ويَتحلَّى بِحِلَى (٤) المحبين من ارتياعهم (٥) عند النظر، ولا ينحلُّ عما يعتريهم من التغيُّرِ عند استماع الخبر، ولا سيما إذا كانت الرؤية فُجاءَةً،
стр. 169
والاطِّلاعُ بغتة، كما قال الشاعر (١):
وما هو إلا أن أراها فُجَاءَةً … فأسقطَ حتى ما أكاد أجيبُ
فأرجعَ عن رَأْيِ الذي كان أولاً … وأذكرَ ما أعدَدْت حينَ تغيبُ
وكثير من المحبين اضطربوا عند سماع اسم المحبوب، وتَغيَّروا وبُهِتوا، وارتاعوا وتَحيَّروا، وقد رُوِّينا عن جماعة من الصحابة والتابعين ﵃ أنهم إذا ذكر/٤٩ رسول الله ﷺ اختطف لونهم، وارتعدت فرائصهم، وتغيرت أحوالهم (٢).
وفي نحو ذلك يقول القائل:
وداع دعا إذ نحن بالخَيْفِ من منى … فهيَّجَ أشجان الفؤاد وما يَدْرِي
دعا باسم ليلى غَيْرَها فكأنَّما … أطار بِلُبِّي طائراً كان في صَدْرِي (٣)
إذا دخل المدينة، فالأدب أن يبدأ بالزيارة والصلاةِ (٤) في المسجد قبل التعريج على أمرٍ من الأمور، أو شيءٍ هو إلى علاجه ومباشرته غيرُ مضطر ولا مضرور، وكلما مَرَّ في عمرانه، ونَظَرُه (٥) إلى أبنيته وجدرانه يستحضر بها تلك الربوع والجدران، وسط تلك الأماكن الكريمات، والمعالم العاليات، والبَنِيَّات السَنِيَّات، ويستحضر أنها ديارُ تلك الأخيار، وآثارُ تلك الأبرار، وأن الله بفضله العميم، قد مَنَّ عليه بوصوله إليه، فَيُفِيضُ فرحاً شوائق العَبرات، ويزيد طرباً إذا نظر إلى تلك الغَبرات:
أيها المغرمُ المشُوقُ هنيئاً … ما أنالُوكَ من لذيذ التلاق
стр. 170
قل لعينيكَ تَهملانِ سروراً … طالَ ما أسعداكَ يوم الفراق
واجمع الوَجْد والسرور ابتهاجاً … وجميعَ الأشجانِ والأشواقِ
وأْمُرِ العينَ أن تَفِيضَ انهمالاً … وتُوالي بدمعها المِهرَاقِ
هذه دارهمُ وأنت محبٌّ … ما بقاء الدموع في الآماق؟ (١)
وليذكر أن هذه البلدة التي اختارها الله تعالى محلاً لحبيبه وخليله، وحفَّها من خير الدنيا والآخرة بكثيره وقليله، وحقيره وجليله، وليتأمَّلْ في كثرة ألقابها وأسمائها، الدالة على إعلائها على البلدان وإسمائها، وأنَّ أرضَها مواطئُ أقدام سيد المرسلين، ومواطن الأعلام من آله المبجلين، وأصحابه المحجلين.
وعند دخوله من باب البلد يقول: بسم الله، ماشاء الله، لاقوة إلا بالله، ﴿رَبِّ أَدْخِلْني مُدْخَلَ صِدْقٍ، وَأَخْرِجْني مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ ليِ مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾ (٢) حسبي الله، آمنت بالله، توكلت على الله، لاحول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا إليك، فإني لم أخْرُجْه بَطَراً ولا أَشَراً ولا رياءً ولا سُمْعة، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. لايفوته ذلك؛ فإنا رُوِّينا من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : /٥٠ «من قال ذلك في مسيره إلى المسجد، وَكَّلَ الله تعالى به سبعين ألف ملك يستغفرون له، ويقبل الله تعالى عليه بوجهه» (٣).
стр. 171
ثم يلتزم الأدبَ والوقار، والحياءَ والسكينة، والهيبة والخشوع، والصدقَ في ممشاه، إلى أن ينتهي إلى المسجد المُقدَّس، والمرقد المُطهَّر، صلَّى اللهُ على ساكنه وسلَّم.
ومنها: أنه إذا وقع نَظرُه على جدار المسجد المُقدَّس النبوي، وشَرُفَ بصره بالنظر إلى أركان الحرم المحمدي، والبيتِ الشريف الجنَاب، والمحل المُنِيف القِباب، فليستحضر أنه في مَهْبِط أبي الفتوح جبريلَ ﵊، ومَنْزِل أبي الغنائم (١) ميكائيلَ ﵇، والموضعِ الذي خصه الله تعالى بالوحي، والتنزيل، فيزداد خشوعه وحياؤه وخضوعه بحسب المقام، ومقتضى المحل الذي ترتعد دونه الأقدام، ويجتهد أن يوفق للوفاء بحق التعظيم والقيام، وهاهنا يَبِينُ على السالكين والطالبين، والعارفين والمحبين، آثارُ الإيمان، وأنوارُ الإيقان، وشواهدُ المحبة والعرفان، ويظهر على القوالب والقلوب علاماتُ الكمال، ويبدو على نفائس الأنفاس والنفوس محاسنُ الأحوال.
فإذا أراد الدخول في المسجد، فليقف هناك هنيهة كالمستأذن المتأدب، راغباً إلى الله تعالى ضارعاً أن يوفقه للأدب اللائق بالمكان، وينشر له إقامة رسوم الخشوع والخضوع بحسب الإمكان، فإذا صار حاضر القلب، مجموع الهمِّ، متفرغ البال، صافي الضمير، مقبلاً بكليته على ما هو بصَدَدِه، يُقدِّم رِجْلَه اليمنى لدخول المسجد (٢)، ويقول: بسم الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة
стр. 172
إلا بالله، ما شاء الله لا قوة إلا بالله، اللهم صل على سيدنا محمد عبدك ورسولك وسَلِّم تسليماً كثيراً، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، رَبِّ وفِّقْني وسدِّدْني وأصلحني، وأَعِنّي على ما يرضيك عَنِّي، وعلى اغتنام هذه القُرُبات، وَمُنَّ عليَّ بِحُسْنِ الأدب في هذا المقام العظيم، وبالتسديد في هذه البقاع المُقدَّسة.
فإذا صار في المسجد نوى الاعتكافَ مدة لُبْثِه في المسجد، فإن في ذلك ثواباً عظيماً، ويَغفُل عنه كثيرٌ من الناس ولا ينبغي تفويته، وإن لم يقل به بعض الأئمة (١) وليفعل ذلْك على مذهب مَن يراه.
ثم ليتوجَّهْ إلى الروضة المقدسة غاضّاً طَرْفَه، هاضّاً عِطْفَه (٢)، ملازماً للهيبة والوقار، ملابساً للخشية والانكسار والخضوع والافتقار، متجنباً عن شغل الحواسِّ بشيء من الظواهر، متنحياً عن الالتفات لِلَقْطِ الخرز عند معدن الجواهر.
ثم ليقف في مُصلَّى النبي ﷺ /٥١، ويصلي تحية المسجد ركعتين خفيفتين خاشياً خاشعاً، خادياً (٣) خاضعاً، ولنعمة الله تعالى عليه ذاكراً، وعلى ما منحه من هذه الموهبة السنية شاكراً.
فإذا فرغ من صلاته توجَّه إلى الله سبحانه بقلبٍ عَقُول، ولسان سَؤُول،
стр. 173
ويسأل مهماتِ الآخرةِ والأولى، ويطلب أن يكون قصده للزيارة مرضياً مقبولاً.
ومنها: أن يتوجه من الروضة المُقدَّسة إلى القبر الشريف، مستغيثاً بالله سبحانه مستمنحاً توفيقَه في رعاية الأدب في هذا المقام العظيم ويتقدَّم بأدبٍ ووقارٍ، وتذلُّلٍ وانكسار، حتى يقف تجاه المسمار الفضة (١) الذي في جدار الحجرة الشريفة، على أن الناس كانوا إذا وقفوا للسلام على رسول الله ﷺ قبل إدخال الحجرات في المسجد كانوا يستقبلون السارية التي فيها الصندوق، وفوق هذا الصندوق قائم من خشب محدد، وهي لاصقة بحائط الحجرة الغربي، ويستدبرون الروضة وأصطوانة التوبة.
وروي ذلك عن زين العابدين علي بن حسين بن علي بن أبي طالب (٢) رضوان الله عليهم أجمعين، أنه كان إذا جاء يُسلِّم على رسول الله ﷺ وقف على الأصطوانة (٣) التي تلي الروضة، ويستقبل السارية التي فيها الصندوق اليوم، فيسلم على رسول الله ﷺ ، وعلى أبي بكر وعمر ﵄، ويقول: هاهنا رأس رسول الله ﷺ ، فلما أدخل بيت رسول الله ﷺ في المسجد (٤) وأدخلت حجرات أزواجه رضوان الله عليهن (٥)؛ وقف الناس مما
стр. 174
يلي وجه رسول الله واستدبروا القبلة للسلام عليه صلوات الله عليه، وأشراف المدينة -الذين هم ولاتها اليوم (١) -يجمعون بين الموقفين، فيقفون فيهما جميعاً، فكلُّ من دخل منهم للزيارة تقدم أمامه أحد (٢) كبراء المؤذنين رافعاً عقيرته (٣) بالسلام على رسول الله ﷺ
في الموقف الأول، ويُغَرِّدُ بِفَصْلٍ حَسَنٍ من أنواع التسليم هنالك، ثم يتقدم والشريفُ وحَفَدتُه وراءَه حتى يقف به موقفَ الناس اليوم، مستقبلاً للقبر، مستدبراً للقبلة، مُغرِّداً بالصلاة والتسليم، ثم ينتهي بهم إلى محاذاة ضريحي الشيخين، ضجيعَيْ رسولِ الله ورضي عنهما، فيقف بهم هنالك وهو يُغرِّد بالتسليم عليهما، والثناء اللائق بجلال قدرهما، والتقريظ العَليِّ بِأَعْدَلِ شعار السنة، والتنويه المُعْلِم باحتبائهم من حبهما (٤) بأقوى حُبَّة (٥).
وهذا من محاسن هذا الشريفِ المتولي في زماننا وجمالِ مناصبه/٥٢ ومفاخره، التي تلوح رتبها على مناكب مناقبه.
ثم يرجع بهم مزورهم إلى محاذاة القبر الشريف، ويرفع عقيرتَه بالدعوات المأثورة وغيرها من مهماتهم، جعل الله ذلك شعاراً سرمداً باقياً، وللمستعين به إلى مراقي السنة النبوية راقياً.
стр. 175
ويستقبل الزائر المذكور جدار الحجرة الشريفة عند محاذاة تمام أربع أذرع من رأس القبر بعيداً، ويجعل القنديل على رأسه، ناظراً إلى أسفل ما يستقبل من جدار الحجرة الشريفة، ملتزماً للحياء والأدب التام في ظاهره وباطنه، وليتلبس بالخشوع والهيبة والإجلال، ويستحضر قول القائل، وقد أحسن في المقال:
وما تَزَيَّدْتُ (١) جزاءً من مهابَتكُم … إلا تَزَيَّدْتُ (٢) من عِيِّي ومن بَكَمِى
كناظِرِ الشمسِ يرعاها بناظِرِه … تراه من كثرةِ الأنوارِ في ألمِ
ثم يسلم ولا يرفع صوته ولا يخفيه، بل يقتصد، ويقول (٣)
: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا حبيب الله، وليذكر من العبارات التي اختارها السادة الكبراء وأنت فلَكَ الخيارُ فيما تختار من ذلك.
ونقول: فمن ذلك: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، يقول ذلك ثلاث مرات، ثم يقول إن شاء: السلام عليك يا رسول رب العالمين، السلام عليك يا سيد المرسلين، السلام عليك يا خاتم النبيين، السلام عليك يا خير الخلق أجمعين، السلام عليك يا من بُعِثَ رحمةً للعالمين، السلام عليك يا إمام المتقين، السلام عليك يا حرز الأُمِّيين، السلام عليك يا شفيع المذنبين، السلام عليك يا قائد الغُرِّ المُحجَّلِين، السلام عليك يا خير النبيين، السلام عليك يا طه، السلام عليك يا يس، السلام عليك يا حبيب قلوب العارفين، السلام
стр. 176
عليك يا من نزل عليه الروحُ الأمين، السلام عليك يا من أُيِّد بروح القدس ونُصر بالملائكة المُقرَّبين، السلام عليك يا صاحب المقام المحمود، السلام عليك يا رسول المَلِكِ المعبود، السلام عليك يا بشير، السلام عليك يا نذير، السلام عليك يا من هو السراج المنير، السلام عليك يا من أتى بالهدى والبيان، السلام عليك يا من أُنزل عليه القرآن، السلام عليك يا رسول المَلِكِ الدَّيَّان، المبعوث إلى الإنس والجان، السلام عليك يا هادي الخلق إلى الصراط المستقيم، السلام عليك يا من وصفه الله الكريم، بقوله تعالى:
/٥٣ ﴿وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١)، وبقوله : ﴿بِالمُؤمِنينَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا خليل الله، السلام عليك يا صفوة الله، السلام عليك يا أكرم الخلق على الله، السلام عليك يا صاحب البركات الظاهرات، السلام عليك يا صاحب المعجزات الباهرات، السلام عليك يا من انشق له القمر، السلام عليك يا من سَلَّمَ عليه الحَجَر، السلام عليك يا من أذعنت لدعوته الشَّجَر، السلام عليك يا من سبح الحصا في يده، السلام عليك يا من حَنَّ الجذع إليه، السلام عليك يا من أمر اللهُ بطاعته وبالصَّلاة والسلام عليه، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك وعلى سائر النبيين والمرسلين والملائكة المقربين، وأزواجك الطاهرات أمهات المؤمنين، وأصحابك (٣) والتابعين، والصديقين والشهداء والصالحين أجمعين، كثيراً دائماً أبداً، كما يحب ربُّنا ويرضى، وكما تحب وترضى.
اللهم إنا نُشْهِدُك أنه ﷺ بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وأقام
стр. 177
الحجة، وأوضح المَحَجَّة، وجاهد في سبيلك، وأظهر دينك، ودعا إليك، فجزاه الله تعالى عن الإسلام والمسلمين أفضل ما جَزَى نبياً عن قومه، ورسولاً عن أمته، اللهم وآته الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة العالية، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته.
ثم يقول: الصلاة والسلام الأَتمَّان الأكملان عليك يا رسول الله. ثم يقول: يا رسول الله، إن الله تعالى يقول: ﴿إنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وِسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (١).
لبيك اللهم وسعديك، صلوات الله البَرِّ الرحيم، والملائكةِ المُقرَّبين، والنبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، ما سَبَّحَ لك من شيء يا رب العالمين، عليك يا سيد المرسلين، وحبيبَ رب العالمين، اللهم صَلِّ عليه وعلى آله، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، عدد خلقك، ورضاءَ نفسك، وَزِنَةَ عرشك، ومنتهى رحمتك، ومِداد كلماتك، ومبلغ رضاك، اللهم اغفر لأصحاب نبيك أجمعين من المهاجرين والأنصار، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإيمَانِ وَلا تَجْعَل فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِين آمَنُوا رَبَّنَا إنَّكَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
اللهم إن هذا عبدُك ورسولك ونَبِيُّك وحبيبك، وصَفِيُّك، الذي أرسلتَه رحمةً للعالمين، وأرسلتَه شاهداً ومُبشِّراً ونذيراً، وداعياً إليك بإذنك وسراجاً منيراً، وإني أشهدك يا رب وأشهده في هذا المقام، أنيِّ أشهد أن لا /٥٤ إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك، ورسولك، وأن جميع ما جاء به من عندك حَقٌّ وصِدْق، كما جاء عنك، وكما أخبر به رسولُك ﷺ ، على مُرادك
стр. 178
ومُراد رسولك ﷺ ، وأقول كما أمرتني وكما بلغنا عنك: ﴿آمَنَّا باللهِ وَمَا أُنزلَ إلَيْنَا وَمَا أُنزلَ إلى إبْرَاهِيمَ وَإسمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِم لا نُفرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْهُم وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١)، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أنزلْتَ واتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٢) آمنت بالله، وملائكته، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليوم الآخر، وبالقَدَرِ خيره وشره، اللهم فَثبِّتْني على ذلك، وعلى ما تحب وترضى، كما تحب وترضى، وأَحْيِنا على سُنَّتِه، وأَمِتْنا على سُنَّتِه، وابْعَثْنا على ذلك، ولا تَحُلْ بيننا وبينه في الدنيا والآخرة، ولا تَرُدَّنا على أعقابنا و ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ﴾ (٣).
ثم يقول: يا رسول الله، إن الله تعالى يقول: ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً﴾ (٤). وقد مَنَّ الله تعالى عليَّ ووفقني وهداني وحملني، وكفاني وحفظني، ورعاني حتى وَصَّلني إلى حضرتك، ومَنَّ عليَّ بمشاهدتك، وقد فارقتُ الأوطانَ والأهلين، وركِبْتُ من المَشَاقِّ ما بلغ مِنِّي البِلَغِين (٥)، وقطَعْتُ المراحل، وأنصَبْتُ الرواحل، وقد أتيتك مذنباً مسيئاً، خائفاً خاشياً وجلاً، قد أثقلت ظهري الذنوب والأوزار، وعجَزْتُ عن سَيِّئَات نفسي وغلبَتْ عليَّ
стр. 179
الأقدار، وقد ظلَمْتُ نفسي ظلماً كثيراً، وأتيت بجهلي وغفلتي أمراً كبيراً، وهذا كلام رب العالمين، وأنت شفيع المذنبين، وهو الفَعَّال لما يشاء التواب الرحيم، وأنت الشافع المُشَّفعُ المقبولُ الوجيهُ النبيُّ الكريم، وقد أتيتك معترفاً بخطئي، مُقِّراً بذنبي، مُتوسِّلاً (١) بك إلى الله ربي، فأسأل الله البَرَّ الرحيمَ الجوادَ الكريم أن يغفر لي، وأسألك يا رسول الله (٢) أن تشفع لي وقد علَّقْتُ بكرم ربي الرجا، وهاأنا في حضرتك واقفٌ بباب المولى، لعله يرحم من أساء ويغفر عن مَن جنى، وقد وعد وهو تعالى لا يخلف الميعاد، ولا يخُيِّبُ عبدَه العاصي إذا تاب وعاد، وأنا نزيلك وفي جوارك يا سيد المرسلين، فأرجو أن
أفوز بمطلبي ببركاتك وشفاعتك يا خاتم النبيين، صلَّى الله وسلَّم عليك وعلى أهل بيتك الطاهرين، وصحابتِك الأكرمين، وعلى أزواجك الطاهراتِ، وعلى أشياعك وأتباعك إلى يوم الدين (٣).
/٥٥ ولا بأس أن يُنْشِدَ عَقِيبَ ذلك هذه الأبيات:
يَا سَيِّدَ الشُّفَعَاء والنَّاسِ كُلِّهِمُ … وَأَشْرفَ الخَلْقِ مِنْ عُجْمٍ ومِنْ عَرَبِ
يا كاشِفَ الكرْبَةِ العُظْمَى وكُنْتَ لهَا … يومَ الحِسَابِ، وكُلُّ الخَلْقِ في كُرَبِ
يا صاحِبَ الموقِفِ المحمودِ أَنْتَ لَهُ … يا مَنْ لَهُ الرُّتْبةُ العليا على الرُّتَبِ
يا سَيِّدَ الرُّسْلِ، يا مَنْ نَالَ مَنزِلَةً … ما نَالَهَا بَشَرٌ حَقّاً بِلَا كذِبِ
أَتَاكَ عَبْدٌ فَقير قد ألمَّ بِهِ … كَرْبٌ شَدِيدٌ، وقد أَشْفَى على العَطَبِ
حَلَّ الحِمى والتجَى يا خَيْرَ من وَفَدَتْ … كُلُّ الوُفُودِ لهُ، يا طَيِّبَ الحَسَبِ
ضيفٌ ضعيفٌ غريبٌ قد أنَاخَ بكم … ومُسْتَجيرٌ بِكُمْ يا سادَةَ العَرَبِ
стр. 180
يا مُكرِمَ الضيفِ يا عونَ الزَّمانِ ويا … غَوْثَ الفَقير، ومَرْمَى القَصْدِ والطَّلَبِ (١)
هَذَا مَقَامُ الذي ضَاقَتْ مَذَاهِبُهُ … وأنتمْ في الرجَا مِنْ أَعْظَمِ السَّبَبِ
ورُوِّينا عن العارف الوَليِّ الشيخ أبي الحسن الشَّاذليّ (٢) ﵀ أنه وقف تُجاه الحجرة الشريفة، وقال: السلام عليك أيها النبيُّ ورحمة الله وبركاته - ثلاث مرات- ثم قال: صلى الله عليك يا رسول الله أفضل وأزكى وأسمى وأعلى صلاةً صلاها على أحد من أنبيائه وأصفيائه، أشهد يا رسول الله أنك بلَّغْتَ ما أُرْسِلْتَ به، ونصَحْتَ أُمَّتَك، وعبَدْتَ ربَّك حتى أتاك اليقين، وكنت كما نعتَكَ اللهُ تعالى في كتابه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ، بالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٣)، فصلوات اللهِ وملائكتِه وأنبيائِه ورسُلِه، وجميع خَلْقِه
من أهل سماواتِه وأرضِه، عليك يا رسول الله.
السلام عليكما يا صاحبي رسولِ الله، يا أبا بكر ويا عمر، ورحمةُ الله وبركاته، فجزاكما الله عن الإسلام وأهله أفضل ما جازى به وزيرَ نبيٍّ في حياته، وعلى حُسْنِ خلافته في أمته بعد وفاته، فلقد كنتما لرسول الله ﷺ وزيرَيْ صِدْق في حياته، وخلَفْتُماه بالعدل والإحسان بعد وفاته، فجزاكما الله عن ذلك