← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1172

المغانم المطابة في معالم طابة

الفيروزآبادي

Полный текст (1 351 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

اليوم لبني حسن ابن علي. وكان عمر ﵁ أقطعها علياً ﵁ (١). وفيها عيونٌ عِذابٌ غزيرة، وواديها يَلْيَل، وبِها منبرٌ وهي قريةٌ غنَّاءُ، وواديها يصبُّ في غَيْقَةَ. وقيل: ينبع: حصنٌ بِه نخيلٌ، وماء وزرع، وبِها وقوفٌ لعليِّ بن أبي طالب ﵁ يتولاها ولده. وقال ابنُ دريد (٢): ينبع: بين مكة والمدينة. وقال غيرهُ: ينبعُ: من أرض تهامة غزاها النبيُّ ﷺ فلم يلق كيداً، سُمِّيت بينبع لكثرة ينابيعها. قال الشريف ابن سلمة بن عياش الينبعي (٣): عددتُ بِها مائة وسبعين عيناً. وعن جعفر بن محمد قال (٤): أقطع النبيُّ ﷺ عليَّاً ﵁ أربع أرضين: الفقيرين وبئر قيس، والشجرة، وأقطعه عمر ﵁ ينبع مضافة إلى غيرها. قال كُثَيِّرٌ (٥):

стр. 1157

أهاجَتْكَ سلمى أمْ أَجَدَّ بكُورُها … وحُفَّتْ بأنطاكي رَقْمٍ خُدورُها على هاجراتِ الشَّول قد خَفَّ خطرُها … وأسلمَها للظَّاعناتِ جُفورُها قوارضُ حَضْنَي بطنِ ينبعَ غدوةً … قواصدَ شرقيِّ العَناقين عِيْرُها يُنسب إليها أبو عبد الله: حرملة المدلجيِّ (١). له صحبةٌ ورواية عن النبي ﷺ . يَهيق: موضعٌ بقرب المدينة، ولم أر مَنْ تعرَّض لذكره مِمَّنْ صنَّف في أسماء الأماكن. وفي الحديث (٢): «ليوشكنَّ أن يبلغ بُنيانُهم يَهِيقاً». يعني بنيانَ أهل المدينة. وذُكر الحديث بطوله في باب الفضائل. يَيْنُ، بالفتح، ثم السكون (٣)، بيائين، ونون، وليس في كلامهم ما فاؤُه وعينه ياءٌ غيره. قال نصر: يَيْنٌ: ناحيةٌ من أعراض المدينة، على بريد منها، وهي منازل أسلم، من خزاعة. وضبطه الصَّاغاني (٤): يَيَن، بتحريك اليائين.

стр. 1158

وقال الزَّمخشريُّ (١): يَيْنُ: عينٌ بوادٍ يقال له: حورتان، وهي اليوم لبني زيد الموسويِّ، من بني الحسن. وقال غيرُه: يَيْنُ اسمُ وادٍ بين ضاحكٍ وضويحكٍ وهما جبلان أسفل الفَرْش، ذكره ابنُ جنيِّ في /٤٥٦ «سر الصناعة» (٢). وقيل: يَيْنُ موضعٌ في بلاد خُزاعة. وجاء في حديث أُهْبَان الأسلميِّ ثمَّ الخزاعيِّ أنَّه كان يسكن يَيْنَ، فبينا هو يرعى بِحَرَّة الوَبْرة عدا الذِّئب على غنمه-الحديثَ. (٣) قال ابن هرمة (٤): أَدارَ سُليمى بيَن يَيْنٍ فَمَثْعَرِ … أَبيني فما استُخبرْتِ إلا لِتُخبري أَبِيني حَبَتْكِ البارقاتُ بِوَبْلِها … لنا مَنْسماً عن آل سَلمى وشَغْفَرِ لقد شَقِيَتْ عيناكَ إن كنْتَ باكياً … على كلِّ مَبْداً من سُليمى ومَحْضَر ويَيْنُ أيضاً: اسمُ بئر بوادي عباثر (٥). قال علقمةُ بن عَبَدَة (٦):

стр. 1159

وما أنتَ أَمْ ما ذكرُها رَبَعيةً … تَحُلُّ بِيَيْنٍ أم بأَكنافِ شُرْبُبِ أراد: أَمْ ما ذِكرُك (١). فصرف الخطاب إلى الغَيبة، كما هو من أسلوب بلاغتهم (٢)؛ قال تعالى (٣): ﴿حتى إذا كنْتُم في الفُلْكِ، وجَرَيْنَ بِهم بريحٍ طيِّبةٍ﴾. * * *

стр. 1160

الباب السَّادس: /٤٥٦ في ذكر جماعةٍ أدركناهم بالمدينة أو ذَكَر لنا أشياخنا المدنيون أنَّهم أدركوهم بِها على اختلاف طبقاتِهم، وتباين درجاتِهم، من السَّادة الأولياء، والأئمة العلماء، والأكابرِ الفُضلاء، والحُكَّام الكبراء، والفقهاء والقُرَّاء، والأشراف والأمراء، والعُبَّاد والصُّلحاء، والخُدَّام النُّجباء، والمؤذِّنين الأُمْنَاء (١)، وسُقنا أسماءهم على نَسق حروف الهجاء، فمن ذلك في: حرف الهمزة ١ - أحمد بن بالغ، شهاب الدِّين المصريُّ (٢)، من قدماء المجاورين، المشهورين بالعِفَّة والدِّين، والتوكُّل واليقين، وسلوكِ طريق العارفين، وبذلِ الوعظ والنُّصح للمُتَّعظين، والغرامِ بالتئامِ الإخوان ولو غَرِم فيه المِئِيْن، والاقتناعِ بما يفتحُ الله تعالى عليه، وتسوقه يدُ القِسمة والتَّقدير إليه. قيل له: لِمَ لا تشتري لأولادك نخلاً وداراً، يكون لأولادك وأهلك منْزلاً وَوِجاراً؟ (٣)

стр. 1161

فقال: أمَّا زوجتي فما أشكُّ أنَّها تتزوَّج بعدي، وأمَّا السَّعيد من وُلدي (١)، فلا يضرُّه أن [لا] أترك له شيئاً مِمَّا عندي، وأمَّا الشَّقيُّ منهم فلا ينتفع بالموروث مني بعدَ بُعْدي (٢)، وعلى ذلك جرت الحال، وصدق الشَّيخ فيما قال، تزوَّجت ساعته بعده، وولده السَّعيد لاقى سعده، والآخر قعد به الدَّهرُ شرَّ قَعْدَة، وصدق فيه الزَّمان وعده (٣). ٢ - إلياس بن عبد الله (٤). كان من الفقهاء المباركين، والصَّلحاء المنفردين. صحب الشَّيخ أبا عبد اللهِ القصري (٥)، وقرأ عليه، وانتسب إليه، وانتفع بِصِحابه، وارتفع بجنابه، حتى صار أكبر أصحابه. وخُصَّ بسيرةٍ زكيَّة، وغريزةٍ (٦) عزيزية، غير نَكِيَّة (٧)، وسريرةٍ أثيرةٍ (٨) مَلَكية، وعطيةٍ كثيرةٍ مَلِكِيَّة. كان موته فجأة، وذلك أنَّه خرج إلى البقيع، فزار أهله أجمعَهم، ورجع إلى بيته فتغيَّرَ حالُه فما بات إلا معهم، رحمة الله عليه.

стр. 1162

٣ - أبو بكر بن أحمد النَّجَّاريُّ (١). كان في العِمارة (٢) من الصُّلحاء المتورِّعين، وفي النِّجارة من الكبراء المتقدِّمين. قدم المدينة بعد حريق المسجد بعشر سنين (٣)، وأتى بِهذا المِنبر من جهة المِصريين، ووضعه في موضعه، وأحسنَ في وضعه، وبالغ في إتقان صَنعته، ثمَّ انقطع في المدينة مُجاوراً، وبالصُّلحاء العارفين مخالطاً مُحَاوراً، مُقتنعاً بكسب يده الصَّنَاع (٤)، ممتنعاً عن الالتفات إلى مُدنِّسات الأطماع، مُكِبَّاً على الخيرات، مُحبِّاً للأفعال الصَّالحات. حسن العِشرة، ثابتَ العزائم، دائم الإحسان حتى إلى البهائم، أَلِفَ منزلَه السَّنانيرُ (٥) والقِطاط، ويمِدُّ لَهم الخِوان والسِّماط (٦)، ويفرغ لهم السُّفَر والبِساط (٧)، فتوالدوا حتى كثروا عن حدِّ العدِّ والحساب، وهو يعرفهم بالأسماء والأنساب، فيقول: هذا جدُّ هذا، وهذا أمُّه، وهذا خال هذا وهذا عمُّه، وكذلك كان يحسن إلى الدواب المُضيَّعة في الأسواق، وكان إلى المبادرة إلى مثل ذلك بالأشواق. ذَكَر أنَّه لمَّا قدم المدينة لم يجد بِها مَنْ يُدعى أبا بكر. قال: فظهر لي

стр. 1163

كراهتهم لهذه التَّسمية الناشئة العالية (١)، جَمع ما انضاف إليها من تسمية بنتي بعائشة، فهممتُ بتغيير اسمي، وتنكير رسمي ووسمْي، فرأيتُ رسول الله ﷺ في المنام فقال لي: لِمَ تُغيِّرُ اسمك؟ فقلت له: يا رسول الله، إجلالاً لصاحبك ﵁، فقال: لا تفعل، انظر إلى هؤلاء الذين تَخشى منهم، وأشار إلى آخر الحَرَم، قال: فنظرتُ فإذا سبعون شخصاً أعرفهم من أهل المدينة، وجوهُهم وجوه بني آدم، وسائر جسدهم في صورة الخنازير، ثمَّ قال ﷺ خذ هذه العصا، وأخرجهم من المدينة، فقلتُ: يارسول الله، أحبُّ أنْ أُعمَّرَ حتى أدفِنهم، فقال ﷺ : ستعيش بعدهم، فانتبهتُ بالسُّرور محفوفاً، وصار ذلك الخاطر عني مصروفاً، وشرع أولئك /٤٥٨ الجماعة ينقرضون طبقةً بعد طبقةٍ، وتنطفئ منهم حدقةٌ بعد حدقة، قال: فكنتُ إذا جئتُ الفقراءَ أصحابي يقولون: كم بقي من غُرَمائك؟ فأقول: عشرون، عشرة، خمسة، حتى انقرضوا عن آخرهم في حياتي. ونيَّف أبو بكر على مائة سنةٍ رحمة الله عليه. ٤ - إبراهيم ابن المِكْنَاسي (٢)، بكسر الميم. كان رجلاً صالحاً من أصحاب الشَّيخ أبي محمد البَسْكَريِّ (٣)، وكان حافظاً لكتاب الله المجيد، مؤدِّياً له بأداءٍ حسنٍ وصوتٍ سعيد، ملازماً على طريقة مشكورة، وديانة موفورة،

стр. 1164

وعزلةٍ عن الناس، وحسن صحبةٍ مع الجُلاَّس، وكان من القُرَّاء، بِسُبع ابن السَّلعوس (١)، وإذا غرَّد بحسن نغماته أطرب القلوب، وأبطر النُّفوس. توفي عام سبع وأربعين وسبعمائة. ٥ - أبو بكر الشيرازي (٢). صحب الشَّيخ أبا العباس (٣) صاحب الشَّيخ أبي الحسن [الشَّاذلي] (٤). شيخُ الوقار كَشْفاً وحالاً (٥)، ومقدَّمُ الإخوان حِلاً وارتحالاً، وكان في العلم والدِّين وسائر المعاني، قرينَ الشَّيخ نجم الدِّين الأصفهانيِّ (٦). كان يقال: إذا سئل من يُزار في المدينة بعد النبيِّ ﷺ ؟ قيل: الشَّيخ أبو بكر الشِّيرازي، وهذا علو منقبة لا تساوي منقبة ولا توازي، واشتهارُ هذا الشَّيرازي كالبازي، طار في الأقطار، وعلا علمُه كلَّ مطار، وقضى الناس بقصده المُنى، وبلغوا الآمال والأوطار. شَرْحُ حاله في استحالة، بالقيام

стр. 1165

والصيام، وامتثاله بالإيثار والإطعام، وتفقُّد المنقطعين بِملوكي الشَّراب والطعام، مِمَّا يَقف دونه أقدامُ الأقلام، ولا يصف مَعُونَه (١) انتظامُ الكلام. حظي الشَّيخ أحمد بن التستري (٢) وولده (٣) بخدمته، وتخصصاً بلزوم عَتَبَته، وحمَّلهما من ميامن بركته (٤)، وتوفي الشَّيخ إلى رضوان الله ورحمته، في عام أحد وثلاثين وسبعمائة. ٦ - أحمد بن عبد الله، الشَّيخ شهاب الدين القَرمي (٥)، الواعظ اللاَّفظ، البارع الفارع، أحد الصُّلحاء العُبَّاد، وأحد النُّبهاء الزُّهَّاد، نشأ ببلاد خوارزم وما والاها، وتسنَّم ذُرى الفضائل السَّنية وعَالاها، وسلك هنالك أسلوب الوعظ والتَّذكير، وصعود المنابر للتحديث والتفسير، وإرشاد الأصاغر والأكابر بحسن التعبير والتحبير، ثمَّ جعل المسافرة أقصى سُؤْله، واختار المهاجرة إلى الله ورسوله، فقدم لجوار المدينة، بأوقارٍ (٦) من الحِشمة والسَّكينة، وملازمة/٤٥٩ العبادة والدِّيانة، والعِفَّة والصَّيانة، واتَّباع السُّنَّة إلى

стр. 1166

الأمد الأقصى، والاقتداء بِها بحيث لم يترك في شريطته نقصا، لم يَشِنْ حُسنَ طريقته ارتباك، ولم يَعْنِه (١) في وعظه الجميل تلجلجٌ والْتِبَاك (٢)، فهو ما بين مُصلٍّ وذاكر، وتالٍ وباكٍ، ملازماً لآخر الصفِّ الأوَّل بلصق الشُّبَّاك، هذا مع النَّفس الزَّكية النَّفيسة، والهمَّة العالية الرَّئيسة، والأخلاق المرضية الأنيسة، ومع المحاضرة الحُلْوة، والمداعبة في مسامرة الخَلوة. والنَّوادر المنَّزهة عن الغُلَوَاء (٣) في الغَلْوة (٤). توفي ﵀ عند قُديدٍ (٥) راجعاً من الحجِّ إلى المدينة في عام أربعٍ وأربعين وسبعمائة. ٧ - أبو بكر بن أحمد، الشَّيخ صفيُّ الدِّين السلاَّمي (٦)، بتشديد اللاَّم، نسبة إلى السَّلاَّمية: قريةٍ كبيرةٍ بشرقي دجلة على مرحلة من الموصل. كان من السَّادات الكبار، وهو الذي أعرض عن الدُّنيا بالاختيار، بعد الثَّروة والحِشمة والاعتبار، جعل نَصْبَ عينه الجنَّةَ والنَّار، وأبغض الدِّرهم والدِّينار، وتوجَّه إلى المدينة الشَّريفة بنيَّة الجِوار، فأقام فيها على قدمٍ في المعالي عالية، وهِمَمٍ على الشَّوامخ العوالي مُعالية، وانقطاعٍ إلى العبادة المَحْضَة، لا يَفْتُر عن الذِّكر والصَّلاة والتوَّجُّه لحظة، حتى يَحُضَّ (٧) السُّلوك والارتياض والمجاهدة مَحِضَّه، وأبدعت (٨) الزهادة والعبادة عن ماء

стр. 1167

النُّزَافة (١) رَحْضه (٢)، كان يقف على قدميه طول النَّهار (٣)، ويذهب إلى أسطوانٍ بأُخريات المسجد حَذاراً عن الإظهار، وفراراً من الاشتهار، فلم يبرح قائماً كأحد الأساطين المؤسَّسة، ولا يُفارق مكانه إلا لأداء الفرائض بالرَّوضة المقدَّسة. وهذا شأنه وقد ترفَّع سِنُّه وتَقَعْقَع شَنُّه (٤) وتَتَعْتَع بُنيانه، وتزعزع جثمانه، وتضعضع أركانه، وهويِ قَلبُه على ذلك دينَه وإيِمانَه، وصدقهَ وإيقانه، ونور قلبه الذي يهزُّ على ضعف بدنه برهانه، وأمَّا بذله للدُّنيا فَحدِّثْ عن البحر ولا حرج، يعطي عطاء مَنْ فارق الدَّنيا ومنها خرج، وإذا وهب المال، وهب من لزمه الشَّمال، ولا يعقل الفضة على الفضة، ولا الذهب على الأَهَب (٥)، ولا اللآل على اللآل. له في مقام البذل مقامات، وحكاياتٌ غرائبُ تشبه المنامات، بنى بالمدينة رباطين، واغتبط بوقفهما اغتباطين، وقف أحدهما على النِّساء

стр. 1168

والرِّجال، والآخر يخصُّ الذُّكور فما لغير الرِّجال فيه مجال، ووقف على المتجرِّدين مسكنه الأنيس، وأمر بعمارة بئر أريس، وتجديد ما احتاج إليه من داثرٍ ودريس (١)، /٤٦٠ وتوفي ﵀ في عام خمسة عشر وسبعمائة تقريباً (٢)، ودُفن عند قبر سيِّدنا إبراهيم (٣) ﵇ قريباً، وكان الشَّيخ محمد الكازروني (٤) من المختصين بخدمته، فانتفع ببركته وارتفع بِهمَّته، ورُزِق به الخير في ذرَّيته. ٨ - أحمد بن سليمان، الشَّيخُ شِهابُ الدِّين الصَّقِيليُّ (٥)، بفتح الصَّاد المهملة، ويقال: بالسين، نسبه إلى قريةٍ قرب قِليوب من أرض مصر. كان من المشهورين بالصَّلاح، والمذكورين فيمَنْ ظهر عليه نور التَّوفيق ولاح، وهبَّتْ على فَنَن (٦) فُنونه من لواقح القَبول رياح، ودبَّت للتبرُّك بزيارته أرجل الرِّجال بالغُدوِّ والرَّواح، والإمساءِ والإصباح. سلك طريق الانقطاع والاعتزال أحسن سلوك، وخشع له صناديد العظماء من العلماء والملوك. وكان لا يسمح لأحدٍ منهم بالقيام، ويكتفي مِمَّا يتعين لهم من التَّعظيم والإكرام، بردِّ السَّلام، وترحيبٍ يسيرٍ لا يندفع به الملام، ولا يرتفع به عن ذي الجاه الآلام، وهو غير مكترثٍ بشأنهم، ولا مُبالٍ بمكانتهم ومكانِهم، يقلع

стр. 1169

بزواجر الوعظ من الجبابرة حَدَقَة بعد حدقة، ويحقِّق بعدم الالتفات إليهم معنى: التَّكبرُ على المُتكبِّر صدقة (١)، ولي بالآخرة منصب الخَطابة والإمامة بالحرم الشَّريف، انتزعها من سمِّيه القاضي أبي البركات النُّويري (٢). وما كان يليق بمثله أن يحيف، على أنه خطب للمنصب بالسؤال الوافي، لكنَّ طريق الامتناع كان عليه غير خافي، ولكنَّ حبَّ الرَّسول، سوَّغ له القَبول، وحسَّن له فيه الدُّخول، وحجب عنه أولوية الإعراض، وعجب منه الصَّالحون الذين جَدُّوا (٣) عن حُبِّ المناصب حبال الأغراض. فحجَّ في عام ولايته بأهله وعائلته، وتوجَّه إلى المدينة الشريفة، وباشر الوظيفة، وسلك طريقةً مرضية، وملك ـ بتوفيق الله ـ في أموره أحسن سجيَّة، وصدعَ بخُطَبٍ دمعت لها العيون الجوامد، وخشعت لها القلوب التي تحكي الجلامد (٤)، ولم يتمَّ له ذلك سوى عامٍ واحد، فلما جاء الموسم دعاه داعي المنون، فسافر إلى مسقط رأسه بابليون (٥)، فكان هناك لحدُه وترابُه (٦)، وفُجِعَ بفقده أولادُه وأحبابُه. ٩ - أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن القاسم بن عبد الرحمن، القاضي محبُّ الدِّين أبو البركات ابن القاضي كمال الدين أبي الفضل بن القاضي شهاب الدين أبي العباس العقيلي النُّويريُّ

стр. 1170

الشَّافعي (١). [نسبٌ كأنَّ عليه من شمس الضُّحى نورا، ومن وضَح النَّهار بياضا] (٢) حفظ/٤٦١ القرآن المجيد في صِباه، وهبَّ عليه من الله قَبول القَبول وصَباه (٣)، وحفظ في الفقه والأصول والقراءات كُتباً، ورفع العلمُ قدَره حتى قَرَع من المعالي كُتُباً (٤)، فلمَّا جمع مجامع الفضائل والمعاني، وسمع من محاسنه ما أطرب النَّفوس بِمَا أزرى على المباني، فنابَ والدَه في الحكم والخطابة بحضرة أول بيتٍ وُضع لنا قبل استكمال العَقْد الثَّاني (٥)، فلمَّا ناجاه من عمره العشرون (٦)، فَاجَأه من مصره المبشرون، وأحضروا له تقليداً بالقضاء والخَطابة والإمامة بالمدينة الشَّريفة النَّبوية، صلَّى الله على ساكنها وسلَّم، فأحيا به مادثَر من أَكثم (٧)، يحيى بن أكثم (٨)، وتذكَّر النَّاس بولايته ولاية معاذ (٩) وعتَّاب (١٠)

стр. 1171

وسوَّار (١)، وكُثَار (٢) الحُكَّام الذين وُلُّوا في عُنفوان (٣) الأعمار، فتوجَّه إلى المدينة الشَّريفة في موكبٍ من العزِّ حفيل، والسَّعدُ يُجاري عنانه وهو بإنجاح القصد له كفيل، فباشر الوظيفة كأحسن من باشر، وعاشر المؤالف والمخالف بالإحسان، فياحُسْنَ ما عاشر، ثم بعد قليل، أكثروا من القال والقيل، وحرمت الأعداء المقيل، وتوسَّلوا إلى التَّهجين بكلِّ ما إليه سبيل، وأَنْهَوا لأرباب الدول أموراً في شرحها تطويل، ولم يبرح للحُسَّاد بِمن ساد على الإفساد تعويل، فوقع الاِّتفاق على تشريكه مع شخصٍ من أكابر مشايخ صَقِيل، فاستقلَّ أحمد بالحكم والزَّعامة، وباشر الصَّقيل بالخَطابة والإمامة، واستقرَّ فيها سَنَة، ولم يُجرِ الدَّهر لحصانهِ رَسَنَه، فرجع إلى مصره، ووَجِعَ على إِصْره (٤)، وفُجِعَ بِموته أهل نصره، وظهر له بعد اشتهاره بالفقر أموال، وأعاد الله الوظيفتين إلى أحمدَ على أحمدِ مِنْوَال، والويلُ لمَنْ مالَهُ من الله وال، وماله من التَّقوى لباس، فماله من التِّقوال باس، واستقرَّ فيها استقرار الدرَّة في اللُّجَّة، وإذا ركزته في المنصب تداور الأُكْرَة (٥) في الفُجَّة (٦).

стр. 1172

وقطع من المنافقين أظفار العَقار (١) والنِّقار، واستدركهم أَطْبَاءُ (٢) اللطَّف والرفق والوقار، ولم يعاملهم بسطوةٍ تبدي لهم شوكة واقتدارا، بل لاطف وحاسن ووافق ودارى، فَظفِر بالمطلوب، وأحبَّته القلوب، والمؤالفُ غالب، والمخالفُ مغلوب. واللهُ المسؤول أن يُحييه حياة السُّعداء، ويُجنِّبه هيئات البعداء، وأن يجعل خير عمره آخره، وخاتم عمله محاسنه ومفاخره، وأمَّا ترجمة والده وجدِّه الإمام ابن الإمام، فقد ذكرناها بالموضع اللائق من كتابنا مهيج الغرام إلى البلد الحرام (٣). ثمَّ انتقل إلى مكَّة حاكماً وخطيباً إلى سنة تسع وتسعين وسبعمائة (٤). ١٠ - أحمد التَّادلي (٥) الفقيه، أبو العباس المغربي المالكي (٦). كان إماماً عالماً بارعاً، وفقيهاً /٤٦٢ فاضلاً فارعاً، تبحَّر في الأصول والفروع، وجمع بين المعقول والمشروع، والمقصور والمسموع، مع الورع المتين، والدَّين المكين، وسلوك منهاج العلماء المتقين، شرحَ رسالة ابن أبي زيد (٧) شرحاً بديعاً، ممتعاً جامعاً، وشرح عمدة الأحكام شرحاً على سائر

стр. 1173

شروحه فارعاً، ووضع على (تنقيح) القرافي لُباباً ما عرفنا أحسن منه وضعاً، وأمكن منه واضعاً، على أن تآليفه كلها نجوم لوامع، وتصانيفه جميعَها بدور سواطع، وللغرائب جوامع، ومع ذلك يقوم عليه القاضي شرف الدِّين (١) لكونه أثبت محضراً لنافع بن مطرِّف يشتمل على أن العِهْنَ (٢) قد باعه صاحبه في الحبس مقهوراً مغصوباً مستضاماً، فغضب القاضي غضباً لم يغضب مثله، وترك الصَّلاة بالنَّاس أياماً، ولم يحضر يوم الجمعة إلا بعد لأْيٍ (٣)، وعزل التادلي (٤) عن نيابته، واستناب عوضه الشيخ جمال الدين المطري (٥)، وكان كناقل الليث إلى غابته، وتارك الغيث من سحابته. ١١ - أيمن بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد ابن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أيمن، أبو البركات السَّعديُّ المغربيُّ (٦). من الأدباء البارعين، والفُضلاء الفارعين، والعلماء العاملين، والكبراء الكاملين، كان أُعجوبة وقته في الفَطانة والفَصاحة، وسرعة الجواب الحَسنِ على البَداهة، وإيراد الحكايات المُطرفة، وإسناد الروايات الغريبة المُتحفة (٧). ينقضي المجلس بلوامع الأدب وبارقته العجيبة، ولا يخطر ببال جليسه

стр. 1174

مباعدته ومفارقته. كان يُخبر أنه رأى سيدنا رسول الله ﷺ في المنام، فأنشده بعض قصائده، فبصق النبيُّ ﷺ في فيه، وقال له: لا فُضَّ فوك. ومن مصدِّقات هذه الرُّؤيا أنَّه نيَّف على التِّسعين وأسنانهُ تلمع، وأجمع من أسنان بنت عشرين، لم تسقط إلى أن تَمَّت له مائة سنة (١)، وأُجيبت فيه دعوةُ مشرِّع الفرض والسُّنَّة، كان يتناول الخُشكنانة (٢) العتيقة التي تحاكي الحجر، فَيُقَرْطِمُه (٣) قرطمة الصَّبي الجريء البطل، أنشدني أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن جماعة (٤) فيما قرأتُ عليه عوداً على بدء قال: أنشدني أيمن بن محمد بالمدينة الشَّريفة لنفسه: بلغتُ بشعري في الصِّبا وعقيبهِ … جميعَ الأماني من جميعِ المطالبِ فلما رأتْ عينايَ سبعين حجَّةً … قريباً هجرتُ الشعِّرَ هَجْرَ الأجانبِ أَيَجْمُلُ بالشَّيخِ الذي ناهزَ الفَنا … بقاءٌ على ذِكْرِ الصِّبا والكواعبِ حَثثْتَ السُّرى ليلَ الشَّبابِ فكيف لا … أُريحُ لدى صُبْحِ المشيبِ بِجانبِ لعمرُكَ إنَّ العمرَ يومٌ وليلةٌ … يكِرَّانِ، والدُّنيا مُناخٌ لراكبِ إذا طال عُمر المرءِ سُرَّ وساءَه … على أيِّ حالٍ كان فقدُ الحبائبِ وفي نفسهِ إنْ ماتَ قبل انتهائه … مصيبتُه، فالمرءُ رأسُ المصائبِ وبه إليه لنفسه يصف النخل وقد جدَّه: انظر إلى النَّخل وأعناقِها … وقد جُرِّدتْ من ثَمْرهِا الزَّاهي مثلَ عروسٍ تمَّ أُسبوعها … فَجُرِّدتْ من حَلْيها الباهي

стр. 1175

١٢ - إبراهيم بن أحمد بن عيسى القرشي المخزومي، المُلقَّب بدر الدين، الشهير بابن الخَشَّاب (١). كان من الأعيان الأماثل، والفقهاء ذوي الفضائل، وكان ذا شيبة مليحة، ومُهجة فصيحة، ورِياسةٍ ظاهرة، وكِياسةٍ باهرة، ومآثرَ شهيرة، ومفاخرَ كثيرة، ولي قضاء المدينة الشَّريفة ثلاث مرَّات: أولاها في ذي الحجة من عام أربع وخمسين وسبعمائة، قدمها قاضياً في صحبة مَخدومه ومُسْتَنيبه شيخنا أبي عمر عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن جماعة قاضي القضاة بالدِّيار المصرية (٢)، لمّا جاور بأهله وأولاده وحاشيته. فقام القاضي بدر الدين بوظائفه من القضاء والخطابة والإمامة أحسن القِيام، وغمر النَّاسَ بالإفضال والإنعام، وأظهر اليد البيضاء في فصل القضايا والأحكام. وشكرته فيما سار من السيرة الجميلة ألسنة الخاص والعام، واستمر على ذلك إلى آخر هذا العام، وورد في الموسم تقليدٌ وخلِعةٌ باسم القاضي شمس الدين محمد بن عبد المعطي بن السبع (٣) الذي كان متولياً قبله، ثم انصرف القاضي بدر الدين إلى الديِّار المصرية، وعاد إلى نيابة قاضي القضاة عزِّ الدين المتقدِّم ذكره إلى اثنتين وستين وسبعمائة أعيدت الولاية والوظائف إلىإبراهيم بن أحمد، فعاد إلى المدينة الشَّريفة، وكان العود أحمد، فسلك مسلكاً جَميلاً، وحقَّق ما كان الناس أمَّلوا فيه تأميلاً، قام بحرمة المنصب،/٤٦٤ وإقامة النَّاموس، ورفع شعار السُّنَّة، وإخماد نار البدعة، ورعاية حقوق الكافَّة، ثم انفصل عنها إلى عام أنْ قُدِّر له السَّفر إلى الديار المصرية، لمصالحَ دنيوية

стр. 1176

ودينية، فأدركته في الطَّريق المنيَّة، قبل بلوغ الأمل، ومات في المُحرَّم من عام ثلاث وسبعين وسبعمائة. ١٣ - إبراهيم بن عبدٍ، العُريان، الرُّوميُّ الأصل (١). كان من الفقراء المجرَّدين، والصُّلحاء المفردين، لم يبرح عُرياناً يتَّزر كساءً، وهو على ذلك صيفاً وشتاءً، مقتنعاً من الدُّنيا بِبَلاسة (٢)، وقُبَّعِ صُوفٍ على قُبَّةٍ برأسه، وأقام في المدينة نيِّفاً وخمسين سنة، على طريقة حسنة، وكان ساكناً في المدرسة الشِّيرازية، واتَّخذ التَّجرُّد عن الدُّنيا زِيَّه، اشتُهر بين النَّاس الأعيان، ولم يزد على ذلك اللِّباس وهو عُريان، أظهر في المدينة آثاراً حميدة، ومشاعر سعيدة، وعمَّر المدرسة المذكورة برفع إِسْطامها (٣)، ودفع التَّخلخُل عن سقوفها ورواشينها (٤)، ولم تزل المدرسة في أيامه محترمة الجَناب، مَحْمِيَّة الأعتاب، لا يسكنها إلا الصُّلحاء والأخيار، والفقراء والأبرار، اشترى نخلاً وَنوَّه بوقفه وحبسه، بعد أن اجتهد في عمارته بِماله ونفسه، وكان قويَ الخَلْق شديد الباس، لا يُعاشِر إلا بالإلطاف والإيناس. وتوفي بالمدينة في عام ثلاثين وسبعمائة. ١٤ - إبراهيم التلمساني (٥)، الشَّافعي، العالم النَّاسك، الزَّاهد السَّالك، عارف زمانه، وفارس ميدانه، وحافظ لسانه، والمُقبل على شانه. سلك في الانقطاع مَسلكاً حسناً، وملك بترك الاجتماع مُلكاً حسناً، لا يخالط النَّاس إلا

стр. 1177

يَشْغلَهُم بالعلم الشَّريف، لعلمه بالاختلاط أنَّه مَهْمَهٌ (١) مُخيف، لم يزل في أواخر الحرم مُلازماً للتدريس والإفادة، ولا يقع في مَجلسه على ذلك زيادة، من الكَلِم المعتادة، ولا يدخل منْزلَه إلا للوضوء والطَّهارة، ولا يأتيه آحاد النَّاس إلا للتبرُّك والزِّيارة، تَخرَّج عليه جماعةٌ من طَلَبة المدينة، وانتفعوا بملازمته، وارتفعوا بمنادمته، لكن اخترمتهم المنية في الشَّباب، فأجزل الله لهم الثَّواب، ويَمَّنَ عليهم بحسن الانقلاب، وكان ﵀ مع هذا الانقطاع يُؤذى بأنواع الكلام، ويُرمى بسهام الملام، ويبلغه ذلك فلا يُعاتب قائله، ولا يقطع عنه نائله، وكانت له كتبٌ نفيسة، وأصولٌ معتمدة جليلة، في فنون العلم، وقف أكثرها بِمدرسة فيها له فِعَال، ووقف بعضها بالمدرسة الشِّهابية بالمدينة، وأعتق عبداً له كان قد ربِّاه، وأحسن إليه /٤٦٥ أحسنَ الله مثواه، وتوفي عام خمس وخمسين وسبعمائة. … ١٥ - أبو الغَمْر الطَّنجِيُّ (٢)، قاضي طنجَة، وهي مدينةٌ مقابلةُ الجزيرة الخضراء على ظهر جبل، وماؤُها في قناةٍ تجري إليهم من موضعٍ لا يعرفون مَنْبَعه، وأعمالها مسيرة شهرٍ في شهر. أعرض عن قضاء بلده وتوجَّه إلى الحجاز، وأقبل على الحقيقة وترك المجاز، وآثر المجاورة بدار الإيمان، مُنقطعاً إلى عبادة الرَّحمن، منفرداً بالعلم والعمل على جميع الأقران، مع التَّوجُّه العظيم، والصَّوم المقيم، والمُجاهدة في الأعمال، والمُباعدة عن النَّاس وماهم فيه من الأحوال، والرِّياضة البليغة التي أضمرته حتى لم يبق منه إلا شِبْهُ الخيال (٣)، وإِقراءِ العلوم لمَنْ يقصِدُه من

стр. 1178

خواص الرِّجال، أحبَّ بالآخرة أنْ يتزوَّج متابعةً للسُّنة، مع نحافة البدن وقَصافة (١) الجسم، وضعف المُنَّة (٢)، فخطب له أصحابه حليلةً جميلة، بِرشاعة (٣) شاعت محاسنها بين القبيلة، فلمَّا دخل عليها، ونظر إليها، وجدها مُوشَّمة الشِّفاه، منمَّمة السعاة، فاشمأزَّ طبعه، وتكدَّر مما اصطفاه واستصفاه، فلم يَفْغَرْ (٤) لمحادثتها فاه، وخرج من عندها وأرسل صَدَاقها وأوفاه، ثم لم يتزوَّج بعدُ حتى استأثر الله به وتوفَّاه. أخبر الشَّيخُ الإمام أبو عبد الله الوادي آشي (٥) عنه أنَّه قال له بِمكة: يا سيدي هل وقفتَ بِمكةَ على كرامةٍ أعدها عنك، وأرويها لمن بعدك؟ قال: وما تحت ذلك من طائل؟ قال: فتضرَّعتُ إليه، وألححتُ عليه، فقال: كنتُ ليلةً أطوف بالبيت وحدي، فرأيتُ عن يَميني وعن شمالي جماعةً يطوفون معي رؤوسهم مُشرِفةٌ على البيت. توفي عام ثَمانية عشر وسبعمائة رحمة الله عليه. ١٦ - أبو عبد الله القَبْتَوْري (٦)، وقَبْتَوْر جزيرة بالمغرب، وسعيد بن محمد بن سعيد الأنصاري (٧) الخطيب بجزيرة قَبْتَوْر من أئمة القرآن والعربية.

стр. 1179

وكان الشَّيخ أبو عبد الله من العلماء المتبحِّرين، والفضلاء المتقنين، وكان شأنه عن العامة مغطَّى، وله علو سندٍ بكتابي (الشفاء) و (الموُطَّا)، انقطع إلى جوار المدينة مع جماعة من أخواله، متوجِّها إلى الله مُقبلاً على شانه، لا يرجعُ أحدٌ عنه مُمتلياً (١)، ولا يُرى قطُّ إلا ذاكراً أو مصلياً، ويذكر عنه كرامات سعيدة، ومقامات حميدة، دُفِن في قطعة أرضٍ اشتراها بطرف البقيع على طريق مسجد الإجابة، أعلى الله برضوانه انقلابَه، وأجزل من فضله العميم ثوابه. ١٧ - إبراهيم بن مسعود بن سعيد، الشَّيخُ برهانُ الدين القاهريُّ، المعروفُ بابن الجابيِّ المسروريّ (٢)، الإربلي المَحْتِد والنِّجَار (٣)، كان شيخاً ذا هيبة وسكينة ووقار، حسنَ السَّمْت، مليحَ الشَّيبة، كثير الصَّمت صبيح النَّقيبة (٤)، مال المستفيدون جميعهم إليه، وانتفعوا به وجوَّدوا عليه، وكان من الشُّيوخ القدماء المُقدَّمين، أقرأ القرآن الكريم بالسَّبع مدَّة سنين (٥)، واستنابه في الإمامة والخطابة القاضي شرف الدِّين (٦)، وكان قد استنابه قبلُ فيهما الشَّيخ المطريُّ جمال الدِّين (٧)، فقام بِهما أحسن القيام، وأقرَّ بحسن أدائِه كلُّ خطيبٍ وإمام، وابتلي في الآخرةِ بذهاب البصر، فاحتسب على الله وصبر، وفاز من الله بأطيب البُشَر، توفي سنة خمس وأربعين وسبعمائة. * * *

стр. 1180

حرف الجيم ١٨ - جمَّاز بن شيحة (١) بن هاشم بن قاسمٍ أبي فُليتةَ بن مهنا بن حسين بن مهنا بن داود بن قاسم بن عبد الله بن طاهر بن يحيى بن الحسين ابن جعفر بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب. أمير المدينة الشريفة، كان بطلاً باسلا، وعَمَيْثَلاً (٢) مُنَازلاً، ومَهِيباً سائسا، وقِلِّيباً حُمَارسا (٣)، وفتَّاكاً ضِرْزماً (٤)، وسفِّاكاً غَشَمْشَما (٥)، وقَرْماً (٦) هُمَاماً، وعبقرياً قَمْقَاما (٧)، ترقَّتْ به همَّتُه إلى أن قصد مكَّة في صَكَّةِ عُمَيٍّ (٨)، وأراد انتزاعها من يد الأمير نجم الدِّين أبي نُمَي (٩)، فهجم على مكة هجوم الطَّيف، وافتضَّ عُذرتَها بِحدِّ السيف. وذلك أنَّه بات ليالي على بابِها مُخيِّماً، وعلى إخراجه منها جازماً

стр. 1181

مُصمِّماً. فحاصرهم وقاتلهم، ودافعهم ونازلهم، إلى أنْ دبَّ إليها، واستولى عليها. وخرج الأمير أبو نُمي منها، وصدق عزم جماز مكة ولم يَحِنْها (١)، واستقرَّ فيها مدَّةَّ حاكماً، وصار الخمول متكامناً، والسَّعدُ متراكماً، ثمَّ ردَّ الله تعالى مَكَّةَ إلى أبي نُمي، وجمع الزمان بين غَيْلانَ ومي (٢)، وعاد جَمَّاز إلى محلِّ ولايته، باسطاً على المدينة ظِلَّ رايته. وكانت ولايتُه وراثةً عن والده، ومنه كان تَهيّأ له تناول مقالده، ولكن لم تَصفُ له إلا بعد هزاهز (٣)، ومنازعاتٍ بينه وبين مالكٍ وعيسى وغيرهما من ذوي قرابتهم الجمامز، كما ذكرناه في ترجمة شيحة مطَّولاً وبينَّاه مجملاً ومفصَّلاً. وكان جمَّاز ذا رأي صليد (٤)، وقلبٍ نجيد (٥)، وجأشٍ جليد (٦)، وسَماحٍ على ذوي قرابته عظيم، وعطاءٍ إلى بني عمِّه عميم، ولم يزل يَبَرُّهم بالإنعام الجزيل، ويغمرهم/٤٦٧ بالنَّوال الحفيل، إلى أنْ استمال قلوبَهم، وملك بجوده غالبَهم ومغلوبَهم. وكان أولاده أحد عشر ولداً كأنَّهم أسود، منهم: منصور، وسند، ومقبل، ووُدَي، وقاسم، وراجح، ومبارك، وثابت، ومسعود. وكان له من الإخوة ثمانية يَخْطِمون ببأسهم المَخاطِم (٧)، منهم: منيف،

стр. 1182

وعيسى، وأبو الرديني جدُّ الردنة، ومحمد جدُّ الفواطم. ولم يزل جَمَّاز مستقلاً في ولايته إلى رأس السبعمائة، فلما وجد شمس الشَّباب قد غربت في عينٍ حَمئة، وترفَّع السِّنُّ، وتَقَعقع الشَّنُّ، وخان البصر، ومان (١) القوى والقُدر، نزل عن المنصب لأبَرِّ أولاده منصور، وفوَّض إليه أمر الإمارة بِمحضر الجمهور، وحالَفَ النَّاس على معاملته بالطاعة والنصرة والوفا، وأمر أنْ يُخطب له بحضرته على منبر هذا النبي المصطفى، فلمَّا باشر المنصب وظهرت شِعار شوكته، وقع الحسد والتباغض بينه وبين إخوته، فطلع منصور إلى حصن والده هذا الموجود الذي بناه أذى لحناجر العدا، و قذى في مَحاجر من أرادهم برديٍّ أو ردى، وانفرد أولاد جَمَّاز للتعَرُّض للبَلى، وأمَّروا عليهم أخاهم مُقبلاً، وصاروا يحاصرون المدينة، ويَدِبون إليها، ويضايقون البلدة الشريفة، ولا يقدرون عليها، ثمَّ إنَّ مقبلاً استعمل سُلَّماً طويلاً مُفصَّلا، قابلاً للفكِّ والنَّقض، وعند الحاجة يُركَّب بعضه في بعض، استصحبه من الشَّام، لما سافر إليها في ذلك العام، فتقدَّم به في نفر مئين من أصحابه، وسلَّطوه على الحصن بانتصابه، ودخلوا الحصن، واختفوا إلى الصباح، ولم يكن بالمدينة غير كبش بن منصور فاستغاث أهلَ المدينة بأعلى صياح، فأغاثوه وقاتلوا دونه، وقتلوا مقبلاً وقاسماً وجوشناً قَتْل مَنْ لا يدونه (٢)، فعظمت المصيبة على الإخوة والأولاد، وانتظمت أسباب الفتن بالجدال والجِلاد، فقدَّموا عليهم وُدَيَّ بن جَماز لأخذ القَوَد كأشدِّ مَنْ أَقاد، واستحكم بينهم أسباب الفتنة والفساد، وتوالت بينهم الحرب، وتعالت فيهم الطعن والضَّرب، ومرَّ على المنصور حالي العيش (٣)، وعظم عليه إكثار النفقات على الجيش، وحصل له لذلك ضِيق وشدة، وبلغ

стр. 1183

السَّيل الزُّبا وجاوز الحِزام حدَّه (١)، واتَّخذ حينئذٍ من صهوة الجور مقعداً كظهر الشَّيهم (٢)، وطلب من الخُدَّام المُجبرين من كلّ نفرٍ ألفَ درهم، فامتنعوا وقالوا: لا نفعلها سُنةً أبداً، ولا نرى/٤٦٨ منا يد الدَّهر (٣) سَبَداً ولا لَبَدا (٤)، فشدَّد عليهم الطماعة، وأنزل في الجُبِّ منهم جماعة، فتقدَّم طائفة من المجاورين للغضب في العصبية، وإحياء الشِّقْشقة (٥) العربية، وقالوا: مَنْ يتقدَّم في نزول الجُبِّ على الخدام، ويترك عار ذلك على وجهٍ حالكٍ إلى يوم القِيام، وطال في ذلك الكلام، من المُجاورين واشتدَّ النِّزاع والخِصام، ثم فرج الله الكربة، ببركات مُشرِّف هذه التربة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. ١٩ - جَمَّاز بن منصور بن جَمّاز بن شيحة (٦)، الأمير عزُّ الدِّين الهاشميُّ الحسينيُّ، وتقدَّمَ بقيَّةُ نسبه في ترجمة جدِّه جَمَّاز. كان ﵀ في أسرته ضَمْضَاماً (٧) شارعاً (٨)، وقَمْقَاماً (٩) فارعاً (١٠)، وهُماماً في جميع المفاخر بارعاً، وهِلْقَاماً (١١) لملابس المآثر

стр. 1184

دارعاً (١)، كم صرع بسطوته ضَيْغماً (٢) مصارعاً، وكم قرع بِخطوته يَلَنْدَدا (٣) مُقارعا، شَكساً ضَرِساً (٤) مُذْرِباً (٥) مِرْمَرِيسا (٦)، شُطَسِياً (٧) ضِبِّيساً (٨) مُحترباً عِتْريساً (٩)، ولي المدينة الشَّريفة عن ماتع بن علي بحكم انفصاله، وأخذ الملك في حَجر إحسانه، بعد اسْتِتْمَام حمله وفِصاله، وذلك بعد أنْ علا ماتِعٌ على المجاورين بِجَوْره، وعدا في الطُّغيان حدَّه وطَوْرَه، واحتملوا ذلك مِراراً عِدَّة، وطالت بذلك المدَّة، فاتَّصلت الأخبار بأرباب الدَّولة، واطَّلعت علومهم بمالَه على أهل المدينة من صولةٍ بعدَ صولة، فأرسلوا إلى الأمير عزِّ الدِّين جمَّاز، لعلمهم بأنه انفرد باستحقاق الملك وامتاز، وولَّوه إِمْرة المدينة، وراعوا في ذلك حَسَبَه ودينه، فوصل المدينة في سنة تسع وخمسين مستصحباً للتَّقليد والخِلعة، وقُرئ تقليدُه وصعِد مصحوباً بالسَّعد صَهْوة القلعة، وكانت حُرمته وافرة، وأظفاره بقلع الأعادي ظافرة، والمخالفون من سطوة بأسه نَافِرة، فهابت لهيبته الباديةُ والحاضرة، وخشعت لجلالته القلُوب العاقلة والعيون النَّاظرة، فلمَّا استقرَّ الملك تضاعف منه الجبروت، وترادف في النُّفوس منه الرَّهبوت، وأمضى أحكامه في اشتدادٍ زائد، وأجرى أوامره ونواهيه في الأقارب والأباعد.

стр. 1185

هذا وكان في أكثر الأوقات رهين الضَّعف والمرض، ولم يسلم غالباً بدنُه من تغيُّر وعَرَض، وذكر لي الثِّقاتُ أنَّه لما وصل إليه التَّقليد والخلعة السُّلطاني توجَّه إلى المدينة في جماعته وهم في صورة ركب حفيل إلى أنْ قربوا من باب المدينة، ونزلوا تحت القلعة ولم يتحقق الناس منون، وتفرقت الأوهام والظُّنون، فتوهَّم /٤٦٩ بعضٌ أنَّه قافلةٌ من الشَّام، وقيل: ركبٌ من ينبعَ لحمل الزَّاد والطَّعام، ثمَّ كُشف الحال وانجلى المستور، فإذا هم جماعةُ جمَّاز بن منصور، متولِّياً للمدينة بمرسوم السُّلطان، ومعه القاضي تقي الدِّين الهُورِيِني (١)، وقد أُعيد إلى القضاء كما كان، ومعهم مرسومٌ بعزل عزِّ الدِّين دينار (٢)، وتقليدٌ بولاية ياقوت (٣) المدعو بالافتخار، وتعجّب النَّاس من حلولهم فجأةً قبل بلوغ خبر، ودخلوا المدينة في صبيحة الحادي عشر، وخرج آل جَمَّاز من المدينة تالين آية الفِرَار، سائحين على وجوههم هِزِّيمَى (٤) مَنْ دمه جُبَار (٥)، وتقوَّضوا فُلاَّلا (٦) متعلِّقين بالدُّروب مُتسلِّقين في الأسوار، فأراد الأمير جمَّاز اتِّباعَهم بعسكره، فكبحته أَرْيَحيَتُه عن ذلك، ومنعته حميتَّه في ذوي القربى عن سلوك تلك المسالك، فنادى في المدينة أنْ لا يتبعهم أحدٌ في فِرارهم، ويُتركون سالمين ذاهبين إلى باديتهم ومحلِّ قَرارهم، ولا يتتبع رِجل إنسان لاقتفاء آثارهم، فخرجوا معفواً عنهم، مهوَّناً عليهم، ودرجوا إلى البراري عازمين على البداوة قانعين بما لديهم، واستقرَّ جمَّاز في القلعة حاكماً.

стр. 1186

وبعد قليل تغيرَّت الأُمور، وصار الظُّلم متراكماً، وحاول إعادة الإمامية بعد إبادتِهم، وقصد إجراءهم في الأحكام والقضايا على عادتِهم، وأَذِن لفقيه الإمامية أنْ يحكم بين الغرماء، ورفعوا لهم بذلك عَلماً، فلمَّا ظهرت كلمتهم وبَهرت شوكتهم، وحصل من الأمير للمجاورين غِلظةٌ وجفا، وألبس متونَهم من الأذى هَزْلاً وعَجْفاً، وسارت الرُّكبان بالأخبار، وشاعت السِّيرةُ العوجاء في الأقطار والأمصار، وبلغ مسامعَ السُّلطان شيءٌ من ذلك، وأنَّ بعض فقهاء الحنفية ضُرب في القلعة ضرباً كاد أنْ يُلحِقَه بالهوالك، فغضب لسماعه هذه الأمور، وقوَّى غضبَه كلامُ جماعةٍ من الكُبراء والصُّدور، فكتب إلى نائب الشَّام يأمره بأَنْ يُوجِّه فدائيين إليه يتبتلان لِحَتْلِه (١)، ويتوسَّلان إلى قتله، فلمَّا كان اليوم الحادي والعشرون من شهر ذي القَعدة من سنة سبعٍ وخمسين قدم الرَّكب الشَّامي، وخرج الأمير جمَّاز للقاء المَحْمِل السُّلطاني، على عادته، فلمَّا وصل إلى المحمل ترجَّل عن فرسه، وغفل عن افتراسه، وأظهر للسُّلطان الطَّاعة وغاب عن حذره واحتراسه، فَفُرش له بساط، وخُلع عليه فوقه، وأُعطي العِمامة ليلقيها على رأسه، فلما أخذ العِمامة بكفه، وشرع في كوره ولفِّه، وثب إليه شخصان أشقران خبيثان كأنَّهما عُقابان، على الصَّيد حثيثان، فضرباه بخنجرين، واختفيا في الحين، كأنَّهما صارا حجرين، فأنفذ الضَّربُ /٤٧٠ مقاتله، وردَّ اللهُ بالخسران قاتلَه، وظنَّ آلُ منصور أنَّ الأمر أشدُّ من ذلك، وأنَّ كُلاًّ منهم لا شكَّ هالك، ولهذا السَّبيلِ سالك، فلمَّا تراجعوا وعلموا أنَّ الأمر قاصرٌ على جماز، فدرؤوا سفك دماء المسلمين وإثارة فتنة تنادي خاز بِاز (٢)،

стр. 1187

فعصم الله ذلك بالأمير بدر الدِّين هبةَ بن جمَّاز، فرأس بذلك واختص بمآثر بِها عن السادة امتاز، وقد ذكرنا في ترجمة ولده تتمةً لهذه الواقعة، فلْتُنظر هناك إنْ شاء الله تعالى. ٢٠ - جُوبانُ الأمير الكبير (١)، نائب المملكة القاءانية (٢)، وأتابك (٣) العساكر المُغلية، ومنشيءُ المدرسة الجُوبانية بالمدينة الشَّريفة، وليس في المدينة مدرسةٌ ولا رباطُ ولا دارٌ أحسُن بناءً وأتقن، وأمكن وآنس وأحصن منها، مع شرف الجِوار، وقرب الدِّيار، مع ملاصقة الجِدار بالجدار، ولو صرف من أوقافها المعشار، لمَا وجدتَ أعمرَ منها ولا أفخر، ولا أشهر في جميع مدارس الأقطار، ولكن على كلِّ خيرٍ مانع، ولا يدري أحدٌ أسرارَ ما اللهُ في عبادِه صانع. وكان جوبان ملكاً مُهاباً، منُجداً شَرِساً، حِبْل أَحْبَال (٤)، بطلاً نَهِيكاً (٥)، حُوَلِياً (٦) قِلِّيبَاً (٧) صِلُّ أصلال (٨)، صارماً ثَبْتَ الغَدَر (٩)، رابطَ الجأش، صدق

стр. 1188

اللِّقاء، شرَّاباً ما بقع (١) … (٢)، سَمَيْذَعاً (٣) أَرْيَحياً (٤)، غَمْرَ الرِّداء (٥) نشيط النَّفس، طليق اليدين، خَذِمَ (٦) العطاء، عالي الهِمَّة، شامخ القمة، رفيع الأعلام، صحيح الإسلام، متين الدِّين، ذا حظٍّ من الصَّلاة والصيام، بذل الأموالَ بالأحمال، حتى أجرى إلى مكة الماء الزُّلال، فجرى سَلْسَاً له من الأَبطح إلى المَسْفل وعَال، وأذهب عنهم العطش وأزال، ولم يَبق للماءِ ثمنٌ غيرُ أجرةِ النِّقال. ومِمَّا يدلُّ على علوِّ هِمَّته، وحقارة الدُّنيا في نظره، أنَّه لمَّا فوَّض في أمر عين مكة وبأنه يُمكن إِجراؤُها من مسيرة يومين، بادر في الحال إلى تجهيز المال، ولم يصدر منه عن كِمِّية ما يُحتاج إليه سؤال، وإنَّما أمرهم بالشُّروع، ووعدهم بواصلة الأموال، إلى انتهاء الأعمال. وأخبرني الثِّقةُ أنَّه أقبل على مَنْ فاوض في ذلك وقال: ادخل الخزانة وخذ منها ما يكفي إجراء الماء من أجزاء المال. ومن ذلك أنَّه لمَّا روجع في شأن المدرسة التي أمر بإنشائها بالمدينة الشَّريفة، وأُنْهي إليه الحال، وأنَّ طينَها يحتمل أن يكون غيرَ قابلٍ لعمل الآجُرِّ فقال: يُحمل ذلك من بغداد على ظهور الجمال. ولا يخفى أن بعض حمولة ذلك تُبنى منه مدارس، ولكن النَّظر إلى صَغْو (٧) ذلك سجَّيةُ الأشِحَّاء

стр. 1189

الطَّنافِس (١). وله على المسلمين أيادي، منها: إيقاع الصُّلح /٤٧١ بين السُّلطان بُو (٢) سعيد (٣) والسُّلطان الملك النَّاصر (٤)، ولولاه لثارت فتنٌ تقطَّعت منها الأواصر، وتشقَّقتْ منها الخواصر. ومنها: ترحيلُ خربندا (٥) عن رحبة مالك بن طوق (٦)، وإخمادُ تلك الثَّائرة التي جلَّ غَمَرُها (٧) عن الطَّوق. يحكى أنَّه لمَّا نزل خربندا على الرَّحبة ونصب المجانيق، رمى منجنيق قرا سنقر (٨) حجراً زعزع القلعة، وشقَّ منها بُرجاً، ولو رمى آخر هدمها، وكان

стр. 1190

جوبان ﵀ يطوف على العساكر ويشاهد المحاصرين، فلمَّا رأى ذلك أحضر المنجنيقيَّ وقال: تريد أَنْ أقطَع يدك السَّاعة؟ وسَّبه وذمَّه بانزعاج وحنق، وقال: وَالَك (١) في شهر رمضان تحاصر المسلمين وترميهم بحجارة المناجيق؟ ولو أراد القَانُ أنْ يقولَ لهؤلاء المغل الذين معه، ارموا على هذه القلعة تراباً كلُّ فارسٍ مِخْلَاة كانوا طمَّوها، وإنَّما يريد هو أنْ يأخذها بالأمان من غير سفك دم، والله متى عُدتَ رميتَ حجراً آخر سمَّرُتك على سهم المنجنيق. وكان ﵀ ينْزع النَّصل من النُّشَّاب ويكتب عليه: إياكم أنْ تُذعنِوا وتُسلموا وطوِّلوا روحكم، فهؤلاء مالهم ما يأكلونه، وكان يحذِّرهم هكذا دائماً بسهام يرميها إلى القلعة. ثمَّ اجتمع بالوزير وقال له: هذا القان ما يبالي، ولا يقع عليه عيب، وفي غدٍ وبعدُ، إذا تحدَّث النَّاس إيش يقولون؟ نزل خربندا على الرَّحبة وقاتل أهلها، وسفك دماءهم وهدمها في شهر رمضان، فيقول النَّاس: فما كان له نائبٌ مسلم ولا وزيرٌ مسلم، وقرَّر معه أن يحدِّثا القان خربندا في ذلك، ويُحسِّنا له الرَّحيل عن الرَّحبة، فدخلا إليه وقالا له: المصلحةُ أنْ تطلب كبار هؤلاء وقاضيهم، ويطلبوا منك الأمان، وتخلع عليهم ونرحل بحرمتنا، فإنَّ الطابق (٢) وقع في خيلنا، وما للمغل ما تأكلُ خيلُهم، وإنَّما هم يأخذون قُشور الشَّجر ينْحتونَها ويُطعمونَها خيلهم، وهؤلاء مسلمون، وهذا شهر رمضان وأنت مسلمٌ وتسمع قراءتَهم للقرآن، وضجيجَ الأطفال والنِّساء في الليل، فوافقهم على ذلك، وطلبوا القاضي وأربعةَ أنفسٍ من كبار البحرية، وحضروا قُدَّام خربندا، وخلعوا عليهم وأعادوهم وباتوا، فما أصبح للمغل أثر، ونزلوا المناجيق

стр. 1191

وأثقالها رصاصا، والطَّعام والعجين وغيره، وهذه الحركة تكفيه إنْ شاء الله تعالى ذخيرةً ليوم حسابه عند الله تعالى، حقن دماء المسلمين ودفع الأذى عنهم. وكان السَّلطان بُو سعيد تزوَّج بابنته بغداد (١)، وكان ابنه دمشق قائداً لعشرة آلاف فارس، فزالت دولتهم، وزالت سعادتُهم، وتنمَّرَ لهم بُو سعيد، وقتل دمشق خواجا ولده /٤٧٢، وهرب أبوه إلى هراةَ مستجيراً فآواه (٢)، ثم أدخله القلعة، ثم أشار عليه بعض المفسدين بقتله فقتله، ونُقل في تابوتٍ إلى بغداد في سابع عشر شوال سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وصُلِّي عليه في المدرسة المستنصرية، فُعل ذلك بإشارة ابنته بغداد خاتون. وسُلِّم إلى أمير الرَّكب العراقي بمرسوم السلطان بو (٣) سعيد، ليأخذه معه إلى الحجاز الشَّريف، ويدفنه في تربته التي بناها في هذه المدرسة تحت الشُّبَّاك الذي يَستنشق من الحُجرة النَّبوية الرَّوح والرَّيحان، ويتنعَّمُ من شَميم فوائح جوِّها تنسُّم الرَّوض والرِّضوان. فلمَّا وصلوا به إلى عرفات، وقفوا به الوقفة، وحملوه في مَحْمِل السُّلطان بو سعيد ودخلوا به ليلاً إلى مكة شرَّفها الله تعالى، وطافوا به حول البيت، وصلَّوا عليه، ثمَّ حملوه معهم إلى المدينة، فلمَّا أرادوا أنْ يدفنوه في تربته ما مكَّنهم صاحب المدينة حتى يشاور الملك النَّاصر. هكذا ذكره بعض المؤرِّخين. وقال صلاح الدِّين الصفديُّ (٤): لما جَهَّزَتْ ابنته بغداد تابوته ليدفن في

стр. 1192

المدينة بلغ الخبرَ السُّلطانُ الملكُ النَّاصر، فجَّهز الهِجن إلى المدينة وأمرهم أن لا يمكّن من الدَّفن في تربته، فدُفن تابوته في البقيع. ووجهُ الجمع بين القولين ظاهرٌ، وهو أنَّه يحتمل أنَّّ السلطان أرسل بالمنع، وأمير المدينة أرسل للاستئذان فتوافقا، والله أعلم. ولعل دفنه بالبقيع كان من دلائل قبوله، وأقربَ إلى نيل مقصوده ومأموله، وأدلَّ على دَرك مرادِه وسوله، من الاقتراب بعد وفاته من حرم الله وحرم رسوله. توفي في العام المذكور شهيداً، وخلَّف من الأولاد: تمرتاش، ودمشق خواجا، وهرعان شيرا، وبعضطى، وسلجقشاه (١)، والأشرف، والأشتر، وبغداد خاتون، رحمة الله تعالى عليه. * * *

стр. 1193

حرف الحاء ٢١ - حسن الأسواني (١) الشَّيخُ عزُّ الدِّين، كان أَحدَ الفضلاءِ الأبدال، الجوَّالين في عالم الخيال، قد غلب عليه التَّوهُّم والتَّخيُّل، حتى سُدَّ عنه باب التَّدبُّر والتَّحيُّل، كان شأنه في التَّخيُّل من أعجب العجائب، وله فيه حكاياتٌ وواقعاتٌ غرائب، إذا خرج من بيته يقف زماناً طويلاً على الباب، ويقرأ عليه ويُعَوِّذ ويُحوِّط بآي كثيرةٍ من الكتاب، ويُحكمه بأقفالٍ ومغاليقَ وثيقة، وإذا رجع لا يشكُّ أنَّه تغيَّر جميع ما في بيته حقيقة، وكان يتَّهِم جماعةً من الصالحين الكبار، بأنَّهم يسحرونه آناء الليل والنَّهار. / ٤٧٣ ذكر بعض أشياخ الحرم قال: قال لي يوماً: بينما قِدْرَتي على النَّار، إذ صار أسفلُها مثلَ الغِربال، ينْزل منه المَرَق نزول المطر، فعلمتُ أنَّها مسحورة، فقرأتُ عليها كذا وكذا فزال، واستوى الطعام في الحال. وإذا أعاره أحدٌ كتاباً وجاء يطلبه يدخل بيته ويُفتِّش ثم يخرج ويقول: كتابك أُخِذ من بيتي السَّاعة، ولكنهم سيردُّونه قريباً، فهذا شأنُهم معي، فلا تكن له كئيباً، ولا بعده غريباً، ثمَّ يرجع إليه فيعطيه الكتاب، ويقول: هذا قد ردَّه إليَّ الأصحاب، ومع ذلك كان كثير الصَّلاة والصيام والعبادة، عظيم الانقطاع إلى الله قوي المجاهدة، عظيم الزِهادة، وقد بُلينا نحن بالآخرة بصاحب يجري مع الشَّيخ المذكور مجرى الأخوان، وهو معه في عالم التَّخيُّل كفَرسي رِهان، يتوهَّمُ حُلوماً فيواصل، ويتخيل حنبوصا (٢) فَيُفاصل، فَبَيْنَ

стр. 1194

رضعِه وفِطامه صيف خيال، وبين نقضه وتَمامه طوف رِيال (١)، وبين احترافه (٢) والْتِئَامِه فكرة، وبين افتراقه والتحامه خطرة. ٢٢ - حسن بن عيسى، أبو علي الحاحائيُّ (٣)، هكذا يُنسب، وليست نسبةً إلى بلد، ولعَّله من قولهم: حاء حاءَ بالغنم: إذا دعاه إلى الماء، أومن قولهم: حاحيت حِيحاءً، وليس له نظيرٌ في كلام العرب سوى عاعيتُ وهاهيتُ. وكان الشيخ حسن من العلماء المتَّقين، وأئمة الصِّدق واليقين، الرَّاقي من مدارج الفضل إلى مصاعد المرتقين، وكان إماماً في مذهب مالكٍ وفي أصول الفقه وأصول الدين. وأمَّا في علم الفرائض والحساب فكان رُحلةً (٤) للطَّالبين، وقِبلةً للقاصدين، وله من اللُّغة والأدب نصيبٌ صالح، وفي البحث يدُ مَنْ بأظفارِ الظَّفَرِ راشٍ (٥) مَنْ جالحه (٦) ولو مُجالح (٧). خصَّه الله تعالى من الفضل والورع بمواهب، فشغل وأفاد، وانتفع به جماعاتٌ من جميع المذاهب، وكان ساكناً رباط دُكالة في حجرة الأولياء، مصوناً في حميد طريقته عن شوائب السُّمعة والرِّياء، مُرغِّباً للطالبين في الطَّلب والاشتغال، جامعاً بين الهيبة القوية وحسن الخُلق ولُطف المقال. توفي ﵀ عام تسعةٍ وأربعين وسبعمائةٍ تقريباً.

стр. 1195

٢٣ - حسن بن أحمد بن محمد بن عبد الرَّحمن القَيسيُّ، الشَّافعيُّ، المِصريُّ (١)، القاضي بدر الدين، كان إماماً فاضلاً، وحَبْراً مُناضلاً، قدِم المدينة في ذي الحجَّة سنة ثَمان وأربعين وسبعمائة متولِّياً، مُستقلاً بالحكم والخطابة والإِمامة بعد أنْ باشرها مدة من /٤٧٤ السنين نيابةً عن صهره القاضي شرف الدِّين. … فلمَّا استقلَّ بالمناصب، حاول أن يسلك مسلك صهره بما يناسب، فوطئ النَّاس بقدم الصَّلابة، ونشر عليهم عَلَمَ المهابة، وشدَّد على الأُمراء والأشراف، وبلغ في منابذتِهم حدَّ الإفراط والإسراف، إلى أنْ كتب إلى السلطان يشكو من الأمير طُفيل (٢)، غير مكترث بأنْ ينُسب في ذلك إلى الرَّأي الفَيْل (٣)، ولم يُبالِ فيه من صروف دهره، وارتكب ذلك اقتداءً بصهره. فلمَّا بلغ طفيلاً الخبر، أظهر الغضبَ وما صبر، وحصل في حقّ القاضي منه تَهديد، وأرعد وأَبرق بالوعيد الشَّديد، فلم يسعِ القاضيَ غيرُ التَّولي عن رجف إيعاده، وقصوه عن المدينة الشَّريفة وابتعاده، فتوَجَّه إلى مكة بنيَّة الاعتمار، وفي صحبته جماعةٌ من الفقراء الأخيار، والخُدَّام الكبار، واستناب بالمدينة نائباً، واستمرَّ بقية العام بمكة غائباً، وسافر في الموسم إلى القاهرة، وانتقل عام أحدٍ وخمسين إلى الدار الآخرة.
следующие страницы →