← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1172

المغانم المطابة في معالم طابة

الفيروزآبادي

Полный текст (1 351 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وأثقالها رصاصا، والطَّعام والعجين وغيره، وهذه الحركة تكفيه إنْ شاء الله تعالى ذخيرةً ليوم حسابه عند الله تعالى، حقن دماء المسلمين ودفع الأذى عنهم. وكان السَّلطان بُو سعيد تزوَّج بابنته بغداد (١)، وكان ابنه دمشق قائداً لعشرة آلاف فارس، فزالت دولتهم، وزالت سعادتُهم، وتنمَّرَ لهم بُو سعيد، وقتل دمشق خواجا ولده /٤٧٢، وهرب أبوه إلى هراةَ مستجيراً فآواه (٢)، ثم أدخله القلعة، ثم أشار عليه بعض المفسدين بقتله فقتله، ونُقل في تابوتٍ إلى بغداد في سابع عشر شوال سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وصُلِّي عليه في المدرسة المستنصرية، فُعل ذلك بإشارة ابنته بغداد خاتون. وسُلِّم إلى أمير الرَّكب العراقي بمرسوم السلطان بو (٣) سعيد، ليأخذه معه إلى الحجاز الشَّريف، ويدفنه في تربته التي بناها في هذه المدرسة تحت الشُّبَّاك الذي يَستنشق من الحُجرة النَّبوية الرَّوح والرَّيحان، ويتنعَّمُ من شَميم فوائح جوِّها تنسُّم الرَّوض والرِّضوان. فلمَّا وصلوا به إلى عرفات، وقفوا به الوقفة، وحملوه في مَحْمِل السُّلطان بو سعيد ودخلوا به ليلاً إلى مكة شرَّفها الله تعالى، وطافوا به حول البيت، وصلَّوا عليه، ثمَّ حملوه معهم إلى المدينة، فلمَّا أرادوا أنْ يدفنوه في تربته ما مكَّنهم صاحب المدينة حتى يشاور الملك النَّاصر. هكذا ذكره بعض المؤرِّخين. وقال صلاح الدِّين الصفديُّ (٤): لما جَهَّزَتْ ابنته بغداد تابوته ليدفن في

стр. 1192

المدينة بلغ الخبرَ السُّلطانُ الملكُ النَّاصر، فجَّهز الهِجن إلى المدينة وأمرهم أن لا يمكّن من الدَّفن في تربته، فدُفن تابوته في البقيع. ووجهُ الجمع بين القولين ظاهرٌ، وهو أنَّه يحتمل أنَّّ السلطان أرسل بالمنع، وأمير المدينة أرسل للاستئذان فتوافقا، والله أعلم. ولعل دفنه بالبقيع كان من دلائل قبوله، وأقربَ إلى نيل مقصوده ومأموله، وأدلَّ على دَرك مرادِه وسوله، من الاقتراب بعد وفاته من حرم الله وحرم رسوله. توفي في العام المذكور شهيداً، وخلَّف من الأولاد: تمرتاش، ودمشق خواجا، وهرعان شيرا، وبعضطى، وسلجقشاه (١)، والأشرف، والأشتر، وبغداد خاتون، رحمة الله تعالى عليه. * * *

стр. 1193

حرف الحاء ٢١ - حسن الأسواني (١) الشَّيخُ عزُّ الدِّين، كان أَحدَ الفضلاءِ الأبدال، الجوَّالين في عالم الخيال، قد غلب عليه التَّوهُّم والتَّخيُّل، حتى سُدَّ عنه باب التَّدبُّر والتَّحيُّل، كان شأنه في التَّخيُّل من أعجب العجائب، وله فيه حكاياتٌ وواقعاتٌ غرائب، إذا خرج من بيته يقف زماناً طويلاً على الباب، ويقرأ عليه ويُعَوِّذ ويُحوِّط بآي كثيرةٍ من الكتاب، ويُحكمه بأقفالٍ ومغاليقَ وثيقة، وإذا رجع لا يشكُّ أنَّه تغيَّر جميع ما في بيته حقيقة، وكان يتَّهِم جماعةً من الصالحين الكبار، بأنَّهم يسحرونه آناء الليل والنَّهار. / ٤٧٣ ذكر بعض أشياخ الحرم قال: قال لي يوماً: بينما قِدْرَتي على النَّار، إذ صار أسفلُها مثلَ الغِربال، ينْزل منه المَرَق نزول المطر، فعلمتُ أنَّها مسحورة، فقرأتُ عليها كذا وكذا فزال، واستوى الطعام في الحال. وإذا أعاره أحدٌ كتاباً وجاء يطلبه يدخل بيته ويُفتِّش ثم يخرج ويقول: كتابك أُخِذ من بيتي السَّاعة، ولكنهم سيردُّونه قريباً، فهذا شأنُهم معي، فلا تكن له كئيباً، ولا بعده غريباً، ثمَّ يرجع إليه فيعطيه الكتاب، ويقول: هذا قد ردَّه إليَّ الأصحاب، ومع ذلك كان كثير الصَّلاة والصيام والعبادة، عظيم الانقطاع إلى الله قوي المجاهدة، عظيم الزِهادة، وقد بُلينا نحن بالآخرة بصاحب يجري مع الشَّيخ المذكور مجرى الأخوان، وهو معه في عالم التَّخيُّل كفَرسي رِهان، يتوهَّمُ حُلوماً فيواصل، ويتخيل حنبوصا (٢) فَيُفاصل، فَبَيْنَ

стр. 1194

رضعِه وفِطامه صيف خيال، وبين نقضه وتَمامه طوف رِيال (١)، وبين احترافه (٢) والْتِئَامِه فكرة، وبين افتراقه والتحامه خطرة. ٢٢ - حسن بن عيسى، أبو علي الحاحائيُّ (٣)، هكذا يُنسب، وليست نسبةً إلى بلد، ولعَّله من قولهم: حاء حاءَ بالغنم: إذا دعاه إلى الماء، أومن قولهم: حاحيت حِيحاءً، وليس له نظيرٌ في كلام العرب سوى عاعيتُ وهاهيتُ. وكان الشيخ حسن من العلماء المتَّقين، وأئمة الصِّدق واليقين، الرَّاقي من مدارج الفضل إلى مصاعد المرتقين، وكان إماماً في مذهب مالكٍ وفي أصول الفقه وأصول الدين. وأمَّا في علم الفرائض والحساب فكان رُحلةً (٤) للطَّالبين، وقِبلةً للقاصدين، وله من اللُّغة والأدب نصيبٌ صالح، وفي البحث يدُ مَنْ بأظفارِ الظَّفَرِ راشٍ (٥) مَنْ جالحه (٦) ولو مُجالح (٧). خصَّه الله تعالى من الفضل والورع بمواهب، فشغل وأفاد، وانتفع به جماعاتٌ من جميع المذاهب، وكان ساكناً رباط دُكالة في حجرة الأولياء، مصوناً في حميد طريقته عن شوائب السُّمعة والرِّياء، مُرغِّباً للطالبين في الطَّلب والاشتغال، جامعاً بين الهيبة القوية وحسن الخُلق ولُطف المقال. توفي ﵀ عام تسعةٍ وأربعين وسبعمائةٍ تقريباً.

стр. 1195

٢٣ - حسن بن أحمد بن محمد بن عبد الرَّحمن القَيسيُّ، الشَّافعيُّ، المِصريُّ (١)، القاضي بدر الدين، كان إماماً فاضلاً، وحَبْراً مُناضلاً، قدِم المدينة في ذي الحجَّة سنة ثَمان وأربعين وسبعمائة متولِّياً، مُستقلاً بالحكم والخطابة والإِمامة بعد أنْ باشرها مدة من /٤٧٤ السنين نيابةً عن صهره القاضي شرف الدِّين. … فلمَّا استقلَّ بالمناصب، حاول أن يسلك مسلك صهره بما يناسب، فوطئ النَّاس بقدم الصَّلابة، ونشر عليهم عَلَمَ المهابة، وشدَّد على الأُمراء والأشراف، وبلغ في منابذتِهم حدَّ الإفراط والإسراف، إلى أنْ كتب إلى السلطان يشكو من الأمير طُفيل (٢)، غير مكترث بأنْ ينُسب في ذلك إلى الرَّأي الفَيْل (٣)، ولم يُبالِ فيه من صروف دهره، وارتكب ذلك اقتداءً بصهره. فلمَّا بلغ طفيلاً الخبر، أظهر الغضبَ وما صبر، وحصل في حقّ القاضي منه تَهديد، وأرعد وأَبرق بالوعيد الشَّديد، فلم يسعِ القاضيَ غيرُ التَّولي عن رجف إيعاده، وقصوه عن المدينة الشَّريفة وابتعاده، فتوَجَّه إلى مكة بنيَّة الاعتمار، وفي صحبته جماعةٌ من الفقراء الأخيار، والخُدَّام الكبار، واستناب بالمدينة نائباً، واستمرَّ بقية العام بمكة غائباً، وسافر في الموسم إلى القاهرة، وانتقل عام أحدٍ وخمسين إلى الدار الآخرة.

стр. 1196

حرف الخاء ٢٤ - خلف بن عبد العزيز بن محمد، أبو القاسم القَبْتَوْريُّ الإشبيليُّ (١)، الشَّيخُ الإمامُ الزَّاهد البارعُ الفارع، ذو الفضائل الجمَّة، والمناقب العالية، توفي بالمدينة الشَّريفة في أوّل عام أربعةٍ وسبعمائة، وكان مولده في سنة خمس عشرة وستمائة، رحمة الله عليه (٢). ومن نظمه المليح: أَسِيلي الدَّمعَ يا عيني ولكن … دماً ويقلُّ ذلك لي، أسيلي فكم في التُّرْبِ من طَرْفٍ كحيل … لِترْبٍ لي ومن خَدٍّ أسيلٍ (٣) وله رحمة الله عليه أيضاً: ماذا جنيتُ على كفِّيْ بِما كسبَتْ … كفِّيْ فياويح نفسي من أذى كفِّي ولو يشاءُ الذي أجرى عليَّ بِذَا … قضاؤُه الكفَّ عني كنتَ ذا كَفِّ وله عفا الله عنه ورحمه: واحسرتا لأمورٍ ليس تبلغها … بالي وهُنَّ مُنى نفسي وآمالي أصبحتُ كالآلِ (٤) لا جدوى لديَّ وما … أَلوتُ جِدَّاً، ولكن جَدِيَّ الآلي (٥) وله أيضاً غفر الله له ورحمه:

стр. 1197

رجوتُكَ يا رحْمنُ إنَّك خيرُ مَنْ … رجاه لغفرانِ الجرائمِ مُرْتَجي (١) فرحمتُك العظمى التي ليس بابُها … وحاشاك فِي وجه المسُيء بِمُرتجِ (٢) * * *

стр. 1198

حرف الدال ٢٥ - دينار بن عبد الله الحبشيُّ (١)، الشَّيخُ عزُّ الدِّين، وكان كلقبه ذا عِزٍّ ودين، وحِشمةٍ وتمكين، ورئاسةٍ وترقين (٢)، وطريقٍ رَضِيٍّ وحسنِ يقين. وليَ المشيخة في الحرم الشَّريف النَّبويّ على ساكنه الصَّلاة والسَّلام، في عام سبعٍ وعشرين وسبعمائة، بعد وفاة الشَّيخ ناصر الدين نصرٍ عطاء الله (٣)، وكان قد صحب أكابر الأشياخ وسادات المجاورين، والعلماء المتقين، فكان يهديهم يهتدي، وبطريقتهم يقتدي، وإلى خِدمتهم ينتمي، وعن المكاره بِهمَّتهم يحتمي. وقف نفسه على أفضل العبادات، فنال به أكملَ السَّعادات، وأجملَ المُرادات، وذلك أنه لم يبرح في قراءة القرآن، وقِرى الأَقران، ومدِّ الخِوان (٤)، وسَدِّ خَلَّةِ الإخوان، بالإنعام والإحسان، والمواظبة على القيام، والمداومة على الصِّيام، في أكثر الأيام، بذل في الله الأنفاس والنَّفائس، وساسَ المنصب بعلو هِمَّته فكان أحسنَ سائس، شرح الله بولايته الصُّدور، وأَطلعَ به من أُفق الكرم أتمَّ بدور، ووقف أملاكاً كثيرة ما بين نخيلٍ ودور، وأعتق من الإِماء والعبيد زهاء الثَّلاثين بل تزيد، وكفل جماعات من الأرامل

стр. 1199

والأيتام، وعمَّهم بالإنعام، ورتَّب لهم الشَّراب والطَّعام، والمسكن والملبس والمقام، وآَلَهم (١) في جميع أحواله أحسن إِياله، وبرَّهم ونعَّمهم بِمثل ما برَّ به أهلَه وعِياله. أمَّا شِدَّته على الأشراف فقد سبق فيه مَنْ تقدَّمه وقصا (٢)، وأمَّا انقيادُه إلى الشَّرع الشَّريف فكان إلى الأَمَد الأقصى، ومسابقتُه إلى الخير كانت شدَّاً، ومبادرته إلى المآثر كانت جِدَّا، ومساعدته لذوي الضَّرائر لا يعرف له أحدٌ حدَّاً، وملاطفتُه في أولاد المجاورين تحكي ملاطفة الأب الرُّؤوف أو الأمِّ العطوف. إذا رأى أحَدَهم سأل عن حاله، ثمَّ عن حال عياله، ثمَّ عن كلِّ مَنْ في البيتِ نسائِه ورجالِه، سؤالاً يُشعر بالمحبَّة في الله، لِلُطف مقاله، ويتصدَّى لقضاء حوائجهم بنَفَسٍ مبشوش، ووجهٍ بشوش، قد طهَّر الله قلبه من أدناس الغُشوش، حتى إنَّه لِتمكُّنِ الإخلاص والوِدَادة التي بالله ملبوسٌ مرشوش. يُحكى أنَّه سافر من المدينة في بعض السِّنين، واستخلف على بيته وماله وأهله وعياله أحد أصدقائه المتديِّنين، وكان في البيت جمعٌ كثيرٌ من الخُدَّام والإماء والعبيد اللؤما، فاستأمنهم الوكيل، فوقع التبسيل (٣)، ورعى الذئب في البكيل (٤)، فاتَّفقوا على الخِيانة، وتصرَّفوا في الخِزانة، /٤٧٦ فضيَّعوا ما فيها، وإذا بالشَّيخ موافيها، فوجد المال قد مال، والحال تقتضي الارتحال، فخاطب الوكيل فيه فقال: لا علم لي بشيء، ومَنْ فعل ذلك فالله يكفيه، كنت أُخرج من المقرور به وأصرفه على الحال، ولا علم لي بشيء من هذه الأحوال، فحاسبه

стр. 1200

على ما خلفه فوجد الضائع منه آلافاً مُؤلَّفَة، فقال له: هذه تلزمك شرعاً، وكذا شأن من استرعي ولا يرعى، فقال: نعم لازمتني وأقوم بِها، فخذ بِها من أملاكي ما شئت من الأراضي والنَّخيل، وإنْ كنتُ مُفِّرطاً فلا تحسبنِّي أُنازع في ذلك منازعة بَخيل، ثمَّ خلا الشَّيخ بأصحابه، وفاوضهم في بابه، فقالوا عن بَواءٍ (١) واحدٍ: المفرِط أولى بالخسارة، ووقعَ من جميعهم على تغريم الوكيل الإشارة، فقال الشَّيخ: والله إنَّ رأيكم لغيرُ مصيب، وكيف يا إخوتي، حتى ما لكم في الفُتوَّة نصيب، رجلٌ صحبته من قديم الزَّمان، وأقرأني القرآن، ثمَّ إني كلَّفته باستخلافة مكاني، أُغرِّمه شيئاً ضيَّعة عبيدي وغلماني، ينبغي أن يُسلك معه أحسنُ المسالك فإني لا أشكُّ أنه لم يتدنَّس بشيءٍ معاذَ الله من ذلك، وأُبرئُ ذمتهم وذمته، وأُعلي بالتَّنَزُّه وعدمِ الاكتراث همَّته، ولم يزل الوكيل له صديقاً، إلى أنْ أوقع الموت بينهما تفريقاً. وكان دينار ﵀ مع كثرة حِشمته وأدبه، كان سريع الفيئة من غضبه، ولا يغضب إلا بعد لأْيٍ (٢)، ولا يَحرد وإنْ آذاه المخاطب وكأى (٣)، وإنْ غضب قليلاً أسرع إلى الرِّضا وشأى (٤)، ثم إنَّه سُعي عليه فعُزل بمختصٍّ الدَّيرِّي الآتي ذِكره في حرف الميم، البادي نُكره في الحديث والقديم، ثمَّ عُزل الديري بالشَّرف الخزنداري (٥)، ثمَّ عزل بالديري، ولم يمض قليلٌ حتى عزل الديري وعاد عزُّ الدِّين دينار إلى منصبه، واستمر في الولاية على طريقته الجميلة، وخليقته التي تحاكي في الحُسن

стр. 1201

خميلة (١)، ولم يزل كذلك إلى أَنْ كَبِر سنُّه، وتقعقع شَنُّه، وغَلب ضعفه، وخلب (٢) العجز وعقَّه، فأقبل على العبادة والعزلة والانقطاع، فَسُعِيَ عليه تعلُّلاً بعجزه عن القيام بأمر المنصب وشانه، فصُرف واستقر افتخار الدِّين ياقوت (٣) في مكانه. وإذا لم يكنْ من الصَّرفِ بُدُّ … فليكنْ بالكبار لا بالصِّغار وإذا كانت المحاسنُ بعد الصر … ف محروسةً فليس بعارِ وكان يتأدَّب ياقوتُ مع عزِّ الدِّين ويَحضر مجلسه ويهنيه بالشهر، ويتقَّرب إليه بكل سبيل حتى أحبَّه عزُّ الدين، وكان يقول هذا خادمٌ محتشم رئيس، ولم يزل عزُّ الدِّين /٤٧٧ معظَّماً مكرَّماً، مبجَّلاً مفخَّماً، إلى أَنْ توفي في عام أحد وستين وسبعمائة. ٢٦ - دينارُ البدَريُّ (٤)، عزُّ الدِّين، كان هو والمُقدَّمُ قبله كأنَّهما ديناران وازنان، وفي ميزان الاختبار والاعتبار راجحان رَازِنان، ولكنه لم يلِ المشيخَة وكأنه سبق في المكارم كثيراً من المشايخ، له قَدمٌ في المفاخر راسية، وعِرقٌ في الرِّئاسة راسخ، غوثٌ للرَّاجين، وغيثٌ للمحتاجين (٥)، كان مسكنه بدار الشرابيِّ في زُقاق الخُدَّام، فهيَّأها منْزلاً للخاصِّ والعام، وكلِّ مَنْ يتجشَّم إليه بنقل الأَقْدام، قلبُه في معارك المبارِّ إليه إِقْدامٌ وأَيُّ إِقدام، جعل في منْزله

стр. 1202

مارستاناً (١) للمرضى، ويعدُّ القيام بحاجتهم عليه حتماً فرضاً، لا يسمع بمريضٍ من الخُدَّام أو المجاورين، والفقراء والمسافرين، إلا ويُبادر في الحين إلى عِيادته، ويحمل إليه من الأشربة والأغذية الملوكية حسب شهوة المريض وإرادته، وإذا وُصِفَ لمريضٍ دواءٌ مفقود، يبذل في تحصيله النُّقود، ولا يُبقي في ذلك شيئاً من المجهود. وأمَّا ما هو سهلُ الوجدان كالسُّكَّر والشَّرابات والمياه، فإنَّها مبذولةٌ لكلِّ سائل، محمولةٌ إلى منازل المرضى المتقطِّعةِ الوسائل، يبذل بذلَ الملوك ويعطي عطاء السَّلاطين، لا يُفرِّق عند التَّصدُّق بين التِّبْرِ والتِّين، ولا بين الطِّيب والطين، إذا سُئل سُكَّرةً أعطى شيئاً كثيراً، وإذا طُلب ماء وردٍ أوماء خِلاق (٢) ملأ الإناء ولو كان كثيراً، وإذا تحقَّق مريضاً داوم في بيته على طبخ الأغذية اللطيفة العطرةِ الفائقة، والأدوية المناسبة اللائقة، ويَحملها بنفسه ويُحضرها عنده، ولا يستعمل في ذلك أحداً، ولا غلامه ولا عبده، ولا يَخصُّ بعوارفه مَعارِفَه، بل يعمُّ به كلَّ مَنْ كان جاهلَه أو عارفَه. وهذا شأنُه في كلِّ ما ملكت يمينه، ووراء ذلك بذلُ العِرض وكسرُ الوجه في مساعدة المُنكسِر المديون، والفقير الذي قلَّلت الدُّيون منه نور العيون، فإنه كان يجتهد في إرضاء مِدْيانِهم (٣)، وإن أحوج الحال إلى الضَّمان دخل بنفسه في ضمانِهم، ولقد ضمن مرَّةً نحو خمسين ألفَ درهمٍ فَطُولب بِها، وضيَّقَ عليه الغريم، فلم يكترث لذلك حتى فرَّج الله عنه ببركةِ هذا النبيِّ الكريم، تُوفي ﵀ في عام أربعةٍ وثلاثين وسبعمائة. * * *

стр. 1203

حرف الراء ٢٧ - رشيد الدُّورخاني (١)، شمسُ الدِّين، كان أحدَ الخُدَّام المذكورين بِمَكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، مُحِّباً للصالحين، مُكِّباً على خدمة العلماء العاملين، كثيرَ الإحسان /٤٧٨ إلى المعارف والأجانب، من السَّذاجة السُّودانية على جانب. ترجمه بعض المشايخ (٢) فقال: كان بيتُه بيتَ الملوك، ونوبته: اقرأْ من كلام الله ما بعدَ (يأتوك) (٣)، لا يعرف الغِشَّ والنِّفاق، وأحبُّ ما إليه الإنفاق، والإحسانُ إلى النَّاس والإشفاق، فرأَسَ بين الأقران وفاق، ومات في سنة ثلاثٍ وأربعين وسبعمائة. ٢٨ - رشيدُ بن عبد الله، شهابُ الدِّين السَّعيديُّ (٤)، تميَّز من بين الخُدَّام باشتغاله حتَّى تَفَقَّه، وتفطَّن للنَّظر في الكتب العلمية وتنبَّه، مع دوام التَّعبُّد، والقيام والتَّهجُّد، وكان مُولعاً بشراء الكتب المليحة، وكان له خِزانةٌ بدار الزَّيات تحتوي على جملةٍ من الكتب الغريبة الصَّحيحة، وله بالمدينة رِباطٌ ودُورٌ موقوفة، جُهلت أماكنُها بعد أن كانت معروفة. عاش حميداً، ومات شهيداً، وكان كاسمه رشيداً، مات في سنة بعد العشر والسبعمائة.

стр. 1204

٢٩ - ريْحان الطَّباخيُّ (١)، عزُّ الدِّين، كان حنفياً مُتَفَقِّهاً كثيرَ الالتئام بالعلماء، شديدَ الانتظام في سلك الفقهاء، يقوم بأعباء المعضلات، والقيام عند الشُّيوخ في حَلِّ المشكلات، وإزالة الخصومات، مُرْتَضِعاً من أَطْبَاءِ الكَرم أفاويق (٢)، مُولعاً بتكرار الحج إلى بيت الله العتيق، تُوفي سنةَ ستٍ وأربعين وسبعمائة. ٣٠ - ريحان الهنديُّ (٣)، كان ريحانةَ الجماعة، وأَطال اللهُ في الخيرات باعَه، وكان ذا طريقةٍ طريفة، ومن الخُدَّام الذين طالت إقامتهم في المدينة الشَّريفة، وله مفاخرُ مذكورة، ومآثر مشهورة، لم يكن بنفائسِه بخيلاً، ووقف على الفقراء رباطين ودوراً ونخيلاً، وبنى سِقايةً للماء، وحبس بِرَّه على الصُّلحاء والعلماء، وتوفي ﵀ بعد العشرين والسَّبعمائة. * * *

стр. 1205

حرف السين ٣١ - سعدُ الخادم (١)، الملقَّب سعد الدِّين، الزَّاهريُّ، الضَّرير، شيخُ الخُدَّام بالحرم الشَّريف النَّبويِّ، وليها بعد وفاة كافور الحريري (٢) سنة أحد عشر وسبعمائة، تمَّ معناه لكن نقصت قوَّته، ومنعته عن القيام بحقِّ المنصب ضرورته، وحَجَبَهُ عَماهُ أن يحمي حماه، فلم يشتهر ذكره ولم يسمُ سُماه، ولمَّا حجَّ الملكُ النَّاصرُ الحجَّة الثَّانية في سنةِ تسعَ عشرةَ وسبعمائة دخل المدينة زائراً، ووجد الأعمى ناظراً، فأُوغِرَ بالتَّغيير، وتعيين بصير /٤٧٩ فولَّى في الحال الظَّهير (٣) فحفظ المنصب بأيدهِ (٤) حفظاً، كما يأتي شرحه في حرف الظاء. ٣٢ - سعد بن ثابت بن جمَّاز الحسينيُّ (٥)، أمير المدينة الشَّريفة، وتقدَّم نسبه في ترجمة جدِّه، ولي أمارة المدينة في عام خمسين وسبعمائة، وبعد سنةٍ شرع في حفر الخندق الموجود، ولم يُكمله إلى أَنْ كمَّله الأميرُ فضلٌ في ولايته، وسبب ولايته ذكرناها في ترجمة طفيل (٦). وكان سعدٌ أميراً كبيرَ الشَّان، عظيم الاعتشان (٧)، وقد صان الله شأنه عمَّا

стр. 1206

شان، وهو أوَّل مَنْ قمع اللهُ تعالى به البِدعة وأركانَها، ورفع به قواعدَ السُّنَّة وبُنيانَها، ولمَّا استقرَّ في الولاية بدأ أولاً بمنع آل سنان وغيرهم من الإمامية من التَّعرُّض للأحكام الشَّرعية، وعقود أنكحة الرَّعية، وردَّ الأمرَ بأسره إلى أهل السُّنَّة، وأزال ببأسه عن مخالفتها المَنَّ والمُنَّة (١)، وأخمد نار الشِّيعة وأطفأها، وقلب قدر قُدورهم على صلة الذِّلَّة وأكفأها، ونادى في المدينة وأسواقها جِهاراً نَهاراً أن لا يَحكمَ في المدينة إلا القاضي الشَّافعيُّ، ومَنْ فعل فقد وَطِئ جُرُفَاً منهاراً، فبطل بالكُلية أمرُهم ونَهيهم، وظهر على الكلية وَهْنُهم ورَهْبُهم. ثمَّ إنَّه منع قُضاة الشِّيعة أن يدخلوا معه الحُجرة الشَّريفة، وعيَّن إبراهيم بن عبد الله المؤذِّنَ في هذه الوظيفة، فكان يدخل أَمامه، ويواصل أنغامه، ويُبلِّغ خيرَ العالمين صلاتَه وسلامه، ثمَّ يأتي بالشَّريف ومَنْ معه إلى الشَّيخين المقدَّمين، والسَّيِّدين المعظَّمين، مُزْدَلِفَيْن إليهما، مُسلِّمين عليهما، وإبراهيمُ رافعٌ عقيرتَه (٢) بالتَّسليم، والشَّريفُ وراءه في وقارٍ وخُضوع عظيم. ٣٣ - سليمان الغُماري (٣)، الشَّيخُ أبو الرَّبيع. كان من العُبَّاد المتكلّمين، والزُّهَّاد المُقلِّلين، والأولياء المُحقِّقين، والأسخياء المُتصدِّقين، أُضِرَّ في أواخر عمره، فَعُرِضَ عليه الخِدمة والقيامُ بنحو الطعام والإدام، وما لابدَّ للضرير منه من الطبخ أو مِلاء إبريقٍ من البئر، فامتنع وأبى كلَّ الإبا، ولم يجعل بينه وبين الله سببا، باشر بنفسه خَدمَه، فثبَّتَ الله لذلك قَدَمه، وحفظه عن إخلاء أعمال العميان وعصمه، وسلك في طريقته أحسنَ المسالك، وكان إليه ترجع

стр. 1207

الفُتيا على مذهب مالك، وتستنير بأنوار كرامته دياجرُ (١) الحوالك. ذكر بعض الفقهاء أنَّه كان في بيتٍ بإزاء بيت الشَّيخ، وكان يُكرِّر في درسه بصوتٍ جَهْوَريٍّ، فتشوش الشَّيخ، فقال: خَفِّضْ من صوتك، فقلت: /٤٨٠ يا سيدي، ما أقدر أَنْ أقرأ إلا كذا، فقال: فخفِّض قليلاً، فلم أفعل، فأصابتني نزلةٌ منعتني عن الكلام رأساً، فمَرَّ الشَّيخُ عليَّ فقال: يا محمدُ، ما ترفع صوتك؟ فقلتُ بالإشارة: أنا تائب إلى الله يا سيدي، ففرَّجَ الله عني في الحال. وذكر بعض الصالحين أنَّه حضره لما احتضر قال: فكان يقرأ القرآن، فلمَّا وصل في سورة يوسف إلى قوله تعالى: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمَاً وَألْحِقْنِي بالصَّالِحِين﴾ (٢) فاضت روحه ﵁ وأرضاه (٣). * * *

стр. 1208

حرف الشين ٣٤ - الشَّيخُ شهابُ الدِّين الصَّنعانيُّ (١)، الفقيهُ الشَّافعيُّ، الإمامُ العَلاَّمة، والحَبرُ الخيِّرُ السَّالكُ طريقَ السَّلامة، كان ملازماً للمسجد والعبادة، ذِكْراً وصلاةً وصياماً، معظِّماً لله سبحانه، حتى إنَّه لم يحلف بالله منذ خمسين عاماً، وباشر الحكم نيابةً عن القاضي سراج الدين، فَحُمِدت سيرته، وشُكرت سريرته، لا يعرف لغير الله الغضب والحِدَّة، ولا يألفُ الصَّلابة واليَباسة والشِّدَّة، خُلقه اللُّطف والسَّجاحة (٢)، وهِجِّيرُهُ (٣) الفضلُ والسَّماحة، وكلُّ أخلاقه سديدة، مع التصانيف الحميدة العديدة، مات سنة خمسٍ وثلاثين وسبعمائة. ٣٥ - شيحة بن هاشم بن قاسم بن مُهنَّا الحسينيُّ (٤)، وقد ذكرنا نسبه في ترجمة جدِّه قاسم، وولده جَمَّاز. ولي الأمير شيحةُ المدينةَ سنة أربعٍ وعشرين وستمائة، انتزعها من الجمامزة ببأسه وسطوته، وحدِّة شوكته، وذلك أنَّ الأمير قاسم بن مهنَّا كان منفرداً بولاية المدينة من غير مشارك ولا منازع، فلمَّا توفي تولَّى مكانه أكبرُ أولاده جماَّزٌ جدُّ الجمامزة، واستمرَّ في ولايته إلى أَنْ توفي، ثمَّ استقرَّ في موضعه ولدُه قاسمُ بنُ جمَّاز ابنِ قاسم بن مهنَّا، واستمرَّ فيه إلى أَنْ قتله بنو لام،

стр. 1209

وركبوا مِنْ قِبَلِه صهوةَ الملام. وكان الأميرُ شيحةُ نازلاً في عَرَبِه قريباً منه، فلمَّا بلغه قتل قاسم، افترَّ (١) من مُحيا شأنه المباسم، فركب سُبل الفُرصة وسلكها، ولم يزل مسرعاً حتى دخل المدينة وملكها، وذلك في سنة أربعٍ وعشرين وستمائة، واستقرَّ فيها استقرارَ العان (٢)، الشَّامخ الأعيان، ولم يتمكن الجمامزة من نزعها منه ومن ذريته إلى الآن. وأقام الأميرُ شيحةُ في ولايته مدَّةً طويلة، وبُرهة من الزَّمان حفيلة، وكان من عادته إذا غاب أن يستنيب ولده عيسى (٣) في المدينة، وكان مُجتباه وحِبَّه، وعلى المُلك أمينه، فَقُدِّر أَنَّ شيحة سافر إلى العراق، وصفا لأعاديه من بني لامٍ الوقت /٤٨١ وراق، وعارضوه في الطَّريق وختلوه (٤)، فظَفِروا به في بعض الأماكن وقتلوه، فبلغ الخبر الجمامزة، فطمعوا في المدينة، فتوجَّهت جماعةٌ منهم في سكونٍ وسكينة، وقصدوا الاستيلاء على البلد، وتفريح رُوحِ الوالد باتباعه الولد، فَفطِن لهم الأمير عيسى وقَبَضَ بهم قَبضَ الدابغ الجلد، ومغَّسهم تمغيساً (٥)، واستقرَّ عيسى في الولاية مُدَّة، على ما يليق بالحال من استكمال العِدَّة والعُدَّة، إلى أن أظهر الكراهية لأخويه جمَّاز (٦) ومنيف (٧)، وأخرجهما

стр. 1210

من المدينة بالوجه العنيف، ومنعهما من الدُّخول إليها، وصدَّهما عن الوقوف لديها، فاتَّفق رأيهما على إعمال حيلةٍ تحتوي على خلعه، واستعمال مكيدة تنطوي على قطعه وقلعه، فكاتبا وزيره، والتزما توقيرَه وتعزيره (١)، ووعداه بكل جميل، وسألاه أنْ يزيغَ عن صاحبه ويميل، فأمرهما بالتَّوجُّه إليه والقدوم عليه، فلمَّا قدما احتال لهما في دخول الحصن العتيق باللَّيل، فقبضا على عيسى قَبض القنَّاصِ على اللَّيْل (٢)، من غير إعمالِ رجلٍ وخيل، وأصبح حاكمَ المدينة الأميرُ منيفُ بن شيحة، ورقيَ المنبر حقاً أبانَ به توشيحه وترشيحه، ولم يزل في المدينة حاكماً في اعتزاز، والمُلكُ به في اهتزاز، ومؤازرُهُ وساعدهُ أخوه جمَّاز، إلى أن تُوفي في عامِ سبعٍ وخمسين وستمائة، فوليها من يومئذ الأميرُ عزُّ الدِّين بنُ جمَّاز بنِ شيحة، ولم ينازعه أخوه الأمير عيسى بن شيحة. ثمَّ إنَّ ابن أخيه مالكَ بنَ منيف انتزعها منه في سنةِ ستٍ وستين وستمائة، فاستنجد عليه الأميرُ جمَّاز بصاحب مكة (٣) وغيره من العُربان، وساروا إلى المدينة في جمعٍ حفيل، وجمٍّ غفير، كأنهم رِجلان من الغِرْبان (٤)، فلمَّا عجزوا عن إخراجه، وتعرض للبور وأتراجه (٥)، قوَّضوا (٦) وتفرَّقوا، وانفضُّوا من حوله وتمزَّقوا، وبقي جمَّازُ في جماعته، وتفرَّد في رِفاقته ورِباعته (٧)، أرسل إليه

стр. 1211

مالك بن منيف يقول: أراك حريصاً على إمرة المدينة وأنت عمي وصِنْوُ أبي، وقد كنتَ له معاضداً مساعداً، وعمَّا يكره مجانباً ومُباعداً، ونحن نتجنب عقوقك، ويجب أَنْ نحترمك ونرعى حقوقك، وقد استخرتُ الله تعالى، ونزلتُ لك عن إمرة المدينة طوعاً، وتركتها غيرَ مُكْرَهٍ ولا موصلٍ إلى أحدٍ بقتالك رُعباً ورَوْعاً، فَسُرَّ بذلك جمَّازُ وشكر على إزاحة الفساد، وحمِدَ الله تعالى على حقن الدماء وبلوغ المراد، واستقلَّ بالإمارة من يومئذٍ إلى أَنْ حَلَّ في حُفْرته، ثمَّ استقرت إلى الآن بيدِ أولاده وذرِّيته. ٣٦ - شاه شجاع (١)، الملك المُطاع، والسُّلطان الرَّوَّاع، والخاقان (٢) القنَّاع (٣)، جلال الدِّين، أبو الفوارس بن الملك المؤيَّد، والسُّلطان المسدَّد، والصِّنديد الأَصْيَدُ (٤)، مبارزُ الدِّين محمدُ بن المظَّفر، ومَنْ نصيبُه من جميع الفضائل مُوفَّى موفَّر، وصناديدُ الأرض في انفساحات ساحاته تفتخر بالعُنق الخاضع والخَدِّ المُعفَّر (٥). أحيا الله تعالى به دولةً زهت بِمُلكها على الأنام، وتاهت محاسنُه المجتمعة فيه على ملوك الأيَّام، وتاهت بما أُوتيه من حِلمٍ كأنَّما استلبه الورى فهم لديه بلا أحلام، ملَّكه الله في البسيطة أَزِمَّة البسط والقبض، والإعلاء والخفض، والإبرام والنقض، فهو عينُ الأيَّام، بل نورُ إنسانِها، وزينةُ الأنَام

стр. 1212

ومَعْدِنُ إحسانِها، ومُدبِّر فَلَكها (١)، ومنير حَلَكها، وكوكب سعدِها وشمسُ ضُحاها، والشِّهابُ الثَّاقب لضدِّها، بل بدرُ دُجَاها. كم له من موقفٍ تشيب له الولدان، وثباتٍ في مواقف فَرْقِها مَنْ عجز عن نِطاحة الفرقدان، شَرُفَتْ لبسطه الورى، وافتخرت سجاياه على ملوك الورى، وتمكَّنت محبَّتُه من القلوب فكانت أحلى في القلوب من نَيْل المُنى، وألذَّ في الأجفان من سِنَةِ الكرى، وصحَّت أسانيد المدحِ إلى صفاته الزَّكية فلم يكن حديثاً يُفترى، ووطَّد قواعدَ المجد في الممالك وخصَّ به الحرمين الشَّريفين طيبةَ وأمَّ القُرى، وانتشر فيهما من جميل آثاره وأخباره ما أَشبه الآنف منظراً ومخبراً. جمع بين شرف الملوك وشرف العلماء، فكادت أسرة الملك تشتري لموطئه وهي وريقة (٢) بقطر الماء. وكم له مِن سعيٍ أجملَ فيه لله رَواحاً وغُدوَّا، وكم أغنى وأقنى (٣) بسيبه وسيفه في طوريَ الميعاد والإيعاد وليِّاً وعدوّاً. شرّف الله به ممالك طالما شرفت بأسلافه، وعلم أهلُها كيف يُستخرج الدُّرُّ من أصدافه، وشاهدوا من عزَّته نضرة النَّعيم، وكادوا يقولون عند رؤيته: ﴿مَا هَذَا بَشَرَاً، إنْ هَذَا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (٤). له في الحرم الشَّريف المدني آثار أبرزتْهَا خوافي المحامد، وآثار، منها: الخزانة الشَّريفة المشتملة على محاسن الكتب ومفاخرها، فما مِنْ طالبٍ مقتبِسٍ

стр. 1213

إلا هو مستمدٌ من جواهر زواخرها. ومنها: التُّربةُ التي أمر بإنشائها في صدر البقيع فافتخر بِها على آخرها، أخلص نواته قاصداً أَنْ يكون مدفنَه بعد عمرٍ طويل، ويأوي إليه لِنَيل شَرفِ الجوار إذا نُودي بالرَّحيل، وللمنقطعين بالمدينة من عوارفه رزق دار، وعيش تارّ (١)، وقلب سار، وأملُهم في مضاعفته بجميل عاطفته حقيقٌ سَديد،/٤٨٣ وحَبْلُ رجائهم في مرادفته ومكاتعته وثيقٌ شديد. وله بمكةَ رباطٌ بذكر الله معمور، ولوقوعه في لصق أمن الله و سجاح (٢) نَهي الله بالنُّور مغمور. وله سجايا ملوكيةٌ تتصل بي أخبارها، لكن أضرعُ إلى الله في تيسير النّظر إلى مُحيَّاه لتغمرني أنوارها (٣)، فأثبت حينئذٍ أدلة صالحة ناشئة البنيان، وأخبر عن النَّظر، فإن البَوْن كبيرٌ بين الخبر والعِيان. وتوفي في شعبان عام ستٍّ وثَمانين وسبعمائة بشيراز. ٣٧ - الشَّرَفُ الخَزَنْدَاري (٤) شيخُ الخُدَّام بالحرم الشَّريف النَّبويّ، على ساكنه الصَّلاةُ والسَّلامُ. ولي المشيخة في عام اثنين وأربعين وسبعمائة، تناولها عن الدَّيريِّ (٥) بحكم صرفه، وكان الشَّرَفُ داهيةً في الأُمور الدُّنيوية، والمباشرات المالية

стр. 1214

الدَّنيَّة، وكان شَكِسَ الأخلاق، شَرِس التَّلاقِ، صَلْبَ العود شديدَ النِّزاق (١) ومع ذلك ذا حَنَقٍ (٢) شديد، وحقدٍ عن التَّصافي بعيد، إذا اسْتُرْضِيَ لا يرضى، ولا يُزيل العُتبى على أمرٍ أضرَّ قلبه مَرضى، ويَرى في تلك الحالة طلاقةَ الوجه ولينَ الكلام فَرضاً. كان من إخوانه في الله، وخِلاَّنه لله الشَّيخُ العالمُ المُقرئ الكبير الشَّأن عبدُالرَّحمن بنُ ياقوت المؤذِّن (٣)، اتَّفقَ له السَّفَرُ معه إلى الدِّيار المصرية، فبات معه ليلةً في دارٍ واحدة، فهبَّ الشَّيخُ عبد الرحمن من نومه دَهِشَاً رَعِشاً، مسلوبَ العقل، مغلوب الخَتل (٤)، فلم يكن له دأبٌ غير أنْ سلَّ السَّيف ونزل به على الشَّرف بضربة، لو أصابَتْه أَحْطَأَتْهُ (٥) لكنه أَخْطَأَتْهُ، فأُمسك وأُلقي في القيد إلى أنْ رجع إلى عقله، فسعى به الشَّرَفُ عند أرباب الدَّولة حتى سُجن، ثمَّ جُعل في رِجلهِ قيدٌ، وأُدخل في زُمَرِ المُقَيَّدِين من أرباب الكبائر والذُّنوب العظائم، وهو ضعيفُ البِنية، لطيف الهيئة، كثير الصَّوم والعبادة، دائم الذِّكر والتِّلاوة، واستمرَّ على ذلك مُدَداً، وشَفِع فيه النَّاس فلم يُشفِّع أحداً، إلى أَنْ سخَّر الله له من سهَّلَ له المجاز، وأرسله إلى الحجاز، فلمَّا وصل الشرف تتبعه في طائفه (٦) وفي نفسه وعياله، وسعى عند الأشراف ليخرجوه من المدينة فلم يُجب إلى ذلك، ولم يزل كذلك إلى أَنْ طالت المُدَّة، وهلك الشَّرَف، وعاش الشَّيخُ

стр. 1215

بعده، وصُرِف الشَّرَفُ بإعادة عزِّ الدِّين دينار إلى المشيخة، وكان يعاشره عزُّ الدِّين بالإجلال والاحترام، ويتلقَّاه بالإعظام والإكرام، ومع ذلك سعى في المشيخة وخاب، فحمل مرسوماً بأن يستناب، فاستقرَّ نائباً لدينار إلى آخر ولايته ثم لياقوت إلى أن مات فجأةً، /٤٨٤ أصبح في فراشه ميتاً في ربيعٍ الآخر عام تسعةٍ وخمسين وسبعمائة. ٣٨ - شفيعٌ الكرمونيُّ (١)، كان خادماً شَكِلاً طُوالاً (٢)، أعظم أبناء جِلدته هيبةً وصِيالاً (٣)، يسطو على كلِّ مَنْ رأى منه أدنى مخالفة، ويبطش ببأسه مَنْ خالط أَحداً من المبتدعة وآلفه. كان قد بنى داراً رفيعةً جليلة، وغَرِم عليها أموالاً جزيلة، فلمَّا بناها وسواها، انتقل إلى الآخرة قبل سُكناها.

стр. 1216

حرف الصاد ٣٩ - صوابُ بنُ عبدِ الله المُغِيثيُّ (١)، شمسُ الدِّين. كان من الخُدَّام الموصوفين بالدِّين المتين، والورع المكين، والسَّابقين إلى الخيرات الفاخرة، واللاَّحقين بالسَّالفين من أولئك الفِئة الزَّاهرة، كان مجتهداً في البَدار إلى مباشرة الخدمة الشَّريفة، معتنياً على الاستباق إلى تعليق القناديل وما تعلَّق به من وظيفة، وكان من أوَّلِ الدَّاخلين إلى المسجد للصَّلاة، والحائزين بِها من مواهب الله أجزلَ الصِّلات. لزِم أُسطوانة المهاجرين وإليها أَلِف، وواظب على الصَّلاة إليها حتى بِها عُرِف، بذل في طاعة اللهِ الأيام، فَليلُه قيام، ونَهارُه صيام، وقوي له بحبل الله الاعتصام، ولاقى أرباب الدَّولة بصولةٍ أَمضى من حدِّ الصَّمْصَام (٢). وأمَّا في إطعام الطَّعام، وإكرام الأَقوام، فقد فاقَ جميع أقرانه من الخُدَّام، وتقدَّم عليهم في معازل (٣) المعارف بأَقدام الإقدام، فبقي اسمهُ على ممرِّ الأعوام ودام، وثبت اسمه على مَكَرِّ الأيَّام واستدام، على أنَّ جميعَ الخُدَّام في تلك الأزمان كانوا بالمكارم يتفاضلون، وبالبذل والسَّخاء في ميدان الإخاء يتناضلون (٤)، لكنْ بعضٌ منهم على بعضٍ يزيد، وكلٌّ بذلك وجه اللهِ يقصد ويريد.

стр. 1217

وممَّا يُحكى من شَهامتِه، ويُذكر من شدَّةِ صرامته: كان بعضُ مشايخ العلم توفي إلى رحمة الله تعالى وخلَّف أيتاماً ووظائف، فسعى بعض المفيدين عند الأمير وهو من الله غيرُ خائف، وبذل على ذلك جملةً من المال، وأصغى إليه الشَّريف وإلى الباطل مال، ورسم بانتزاعها منهم على كلِّ حال، ولم يبق إلا أَنْ يحضرَ ويباشرَ المُفسدُ المحتال، فقام حينئذٍ المغِيثيُّ واستغاث، وعلم أَنَّ الذِّئب قد استولى على الغنم وعاث، وقال الشيخ: قم بِهِمَّتك معنا في دفع هذا الأذى، فإنَّه واللهِ لا يصلُ هذا اللَّعين إلى هذه الوظيفة إلا أَنْ يُفعل بي كذا وكذا، فبلغ الأميرَ خبرُه فأعرض عن السَّاعي وعن المال، واستقرَّ أولاد الشَّيخ /٤٨٥ في وظائفهم على أجمل الأحوال. توفي ﵀ سنة أربعٍ وثلاثين وسبعمائةٍ، ودفن أمام قبة سيدنا إبراهيم ﵇. ٤٠ - صوابٌ الجَمداريُّ، شمسُ الدِّين (١). كان من أجاويد الخُدَّام الأخيار، إذا شاهدْته رأيتَ جُملاً من الحِشْمة والوَقار، وأمَّا البَشاشة والهَشاشة فَبِالأحمال والأوْقَار، وكان يتفقد بِكِسْرَتِه المحتاجين وأربابَ الافتقار. وأمَّا تعظيمُه للشَّرع وأهلِه فهِجِّيرُه (٢) الذي كان يفتخر به غايةَ الافتخار، ولم يُذكر عنه أَنَّه تعرَّض لأحدٍ من أهل العلم بنوع إزْرَاءٍ واحتقار. ناب الشَّيخَ عزَّ الدِّين (٣) في المشيخةِ فأرضى الصِّغار والكبار، وأعتق العبيدَ والإماء ووقف النَّخيلَ والدِّيار، فرحمةُ اللهِ تُصيب وجهه المِدْوار. توفي عام ثمان وخمسين وسبعمائة.

стр. 1218

٤١ - صوابٌ الحَمَويُّ، شمسُ الدِّين النَّاصريُّ (١)، كان من رؤساء الخُدَّام، وكبرائِهم الأعلام، مُبادراً عند اللِّقاء إلى السَّلام، محاذراً مالا يَعْني من الكلام، وإذا جلس إلى الشَّيخ أَمر بالمعروف ونَهى عن المنكر على الدَّوام، وقام بذلك على الشَّيخ أشدَّ القيام، ويغتنم الشَّيخُ موافقته فيما يقوله غاية الاغتنام. وكان ذا رأيٍ صائب، وفِكْرٍ ثاقب، وجملةٍ صالحةٍ من المفاخر والمناقب، له كثيرُ حسنات اجتهد في إخفائه حتى خَفِي، وحُفِظ من شرِّ الرِّياء والسُّمعة فيه وكُفِي، ثمَّ أراد اللهُ [إظهارَ ذلك فظهر بعد أنْ توفي، وغرس في الحرم غرساً صالحاً، وأعتقَ] (٢) خادماً دَيِّناً فالحاً، وكان كاسمه مفيداً، وفي رسمه ووَسْمِه حميداً، اشتغل بحفظ القرآن وقراءة الفِقه على مذهب الإمام الشَّافعيِّ، وصحب الصَّالحين، واشتُهر بالخير والدِّين، وكان على حاصل الحرم أميناً ونِعْمَ الأمين. فرحمه الله ومَنْ كان حسنة من حسناته وبركة من بركاته. توفي مفيدٌ سنَة أربعٍ وسبعين وسبعمائة. * * *

стр. 1219

حرف الطاء ٤٢ - طُفيل بن منصور بن جمَّاز بن شيحة (١) وتقدَّم نسبه في ترجمة جدِّه جمَّاز. كان أميراً كبيراً كامل السُّؤدد، عالي الهِمَّة، مَهِيباً، معظَّماً في النُّفوس، مُحبَّباً إلى الرَّئيس والمرؤوس، جمعَ مفاخر المناقب، وفرعَ (٢) من المآثر أَعاليَ المناقب، هِجِّيرُهُ الإحسان لا سيما إلى المجاورين، وسجيته السَّماحَة خصوصاً للوافدين والزَّائرين. شفاعاتُ المجاورين عنده مقبولة، وطِينتُه الكريمة بماءِ مُوالاتِهم ومُمالاتِهم مجبولة. كان ينوب عن أخيه كُبيش (٣)، في تلك الأيَّام القليلة التي لم يَصْفُ له فيها عيش، ثمَّ إنَّه لما /٤٨٦ هجم وُدَيٌّ (٤) على المدينة بما معه من رَجِلٍ وخَيل، واستولى عليهم وأخرجَ بعد المُقاتلة طفيل، سار طفيلٌ على قدميه إلى الديار المصرية، وأخبر السُّلطان بما اتَّفق من هجوم تلك السَّرية، وأقام ببابه مُكْرَماً، والسُّلطانُ يُسدِي إليه بعد الغمِّ أنْعُماً. فطمع وُدَيُّ في مرسومٍ من السُّلطان، وإِقراره على ما كان منه من انتزاع الملك من الإخوان، فجهز هديَّة سَنِيةَ، وتوجَّه إلى الأبواب العلية، فلمَّا وصل

стр. 1220

في أثناء رمضان، ودخل على السُّلطان، قَبِل هديته، وأجزل عطيته، وأَمهله إلى انسلاخ الشَّهر السَّعيد. فلمَّا كان ليلةُ العيد، برزَ له المرسوم بالحبسِ والتَّقييد، ورجع طفيل إلى كُبيش بالبادية عند العربان، وجهز من عنده هديةً حفيلة ورجع بِها إلى السُّلطان، ووصل بِها في الثَّاني عشر من شهر شعبان. فلمَّا كان بعد أيام وصل الخبر إلى مصر بأنَّ أولادَ مُقبلِ بن جمَّاز، قتلوا كُبيشاً بالحجاز، فخلع السُّلطان على طفيل بن منصور، وولاَّه المدينة بتقليدٍ ومنشور، فدخل المدينة في الحادي عشر من شوَّال من العام المذكور، وطار مَنْ كان بها من آل وُدَيٍّ طيرانَ صقورٍ من الوكور. واستمرَّ طفيلٌ في المدينة حاكماً، والعدوُّ من خارجٍ عليه مُتراكماً، يشنُّون على المدينة الغارات، ويطلبون بِها الثَّارات، ويرعون الزُّروع، وينهبون الضُّروع، ويحرقون النَّخيل والأشجار، ويَجِدِّون ما أينع من الثِّمار. فلمَّا اشتدَّ الحال، وامتدَّ الأعوال (١)، وتواتر الصِّوال، خرج إليهم القاضي شرفُ الدِّين وشيخُ الخُدَّام وأعيانُهم وصالحوهم على خمسة عشر ألف دِرهم، وعلى ثمرة أملاكهم وأملاك مَنْ يلوذُ بِهم. فلمَّا تمَّ الصُّلح بينهم، وقضى كلُّ فئةٍ من النِزاع بينهم، استنجد طُفيل بصالح ابن حُديثةَ من آل فضلٍ، وبعمر بن وُهيبة من آل مرا، وبعساف بن متروك الزَّراق (٢)، فجاؤوه في جموعٍ كالجبال، وعسكرٍ عن القتال غيرِ مُبال. فساروا بِجمعهم الكثير، وجَمِّهم الغفير، على عسكرِ ابن وُدَيٍّ وعَدِّه النَّزر اليسير، يقال: إنَّهم كانوا ثَمانيةَ عشر فارساً، أو نحو خمسةٍ وعشرين،

стр. 1221

فركبوا عليهم وكسروهم وضربوهم، وبلغوا منهم البِلغين (١)، وخلصوا منهم سالمين، وحيث غدروا بِهم بعد الصُّلح لم يفلحوا، ولا عاقبةَ للظالمين. ولمَّا كان في عام ستٍّ وثلاثين توجَّه طفيل إلى مصر واستخلف ولده المسمى بعجمي (٢)، فغضب عليه السُّلطان لكتابٍ ورد عليه من القاضي شرف الدِّين الأميوطي (٣)، فبرز مرسوم إلى القاضي مضمونُه: إنَّا قد سلَّمْنَا إِمْرةَ المدينة إلى الأمير أبي مزروعٍ /٤٨٧ وُدَيِّ بن جمَّاز (٤)، وقد كتبنا له تقليداً، فتمكَّن نُوَّابُه من المدينة، وتمنَّع آل منصور أن يتعرضوا لأذية النَّاس، ثمَّ وصل وُدَيٌّ في ذي القعدة وحبس طفيلاً نَحو أربعين يوماً، ثمَّ أخرج من الحبس وأُنعم عليه بأخبازٍ يستغني بِها، ورسم لهم بأملاكهم التي بالمدينة. واستمرَّ وُدَيٌّ إلى سنةِ ثلاثٍ وستين وسبعمائة، فلمَّا كان في شهر القَعدة من هذا العام توجَّه طُفيل إلى المدينة بِجموعه ومعه آلُ منصور قاطبةً بأهلهم وأموالهم، ونزلوا تحت جبل سلع ممَّا يلي المدينة، فلمَّا كان سَحَرُ تلك الليلة نصبوا على السُّور سُلَّماً ودخلوا المدينة، ولمَّا يتعرَّض لقتالهم أحدٌ، فداروا على الدُّروب وكسروا أقفالها، وفتحوا أبوابَها، حتى دخل جميع مَنْ كان معهم، ونَهب بعض الدور، وكسَّرت العرب جميع دكاكين السُّوق ونَهبوا ما فيها، فلمَّا أصبحوا نادى طُفيلٌ بالأمان فأمِنَ النَّاس وخرجوا إليه وهنَّؤوه بالنُّصرة والولاية. واستقرَّ إلى أَنْ جهَّز أخاه جمَّازاً إلى مصر صحبة الرَّكب فأنعم عليه

стр. 1222

السلطان وقرَّر طفيلاً على الولاية، وبعث إليه بالخِلعة والتَّقليد. واستمرَّ حاكماً على طريقةٍ رضية، ومآثر بَهية، إلى سنة خمسين وسبعمائة، فصدرت منه أشياءُ عن سوءِ تدبير بعض الوزراء، فَعُزل لذلك، وَوُلي سعد (١) بن ثابت بن جمَّاز. فلمَّا كان في ذي القعدة جمع طفيلٌ جميع آل منصور وكثيراً من العرب وعزم على منع سعد من دخول المدينة، فاستنجد سعدٌ بأُمراء الركب الشَّامي، فامتنعوا عن المساعدة إلا بعد مراجعة السلطان فقوَّض سعد عن البركة، وبعث إلى السلطان يستأذنه في ذلك. فلمَّا كان سادس عشر ذي الحجة جاءه قاصد طفيل من مكة يخبر آل منصور بأنَّ مرسوم السلطان ورد إلى جميع أمراء الحُجَّاج بمساعدة سعدٍ وتمكينه في المدينة، فانزعج آل منصور لذلك، واتفقوا على نَهْب المدينة، وكان طفيلٌ لذلك كارهاً، لكنَّه غُلب على رأيه. فنهبوا المدينة، وأخذوا جميع بضائع الحاج، ولم يسلم منه شيءٌ إلا النَّادر، ونَهبوا دُور الخُدَّام والمدارس، وخرجوا جميعُهم من المدينة، فجلست حينئذ هِميان بنتُ مبارك بن مقبل في شُبَّاك الإمارة بالقلعة، وحكمت في المدينة يوم السبت ويوم الأحد. ثمَّ وصل محمد بن مقبل بن جمَّاز، ودخل سعد يوم الثَّلاثاء وقرأ منشورَه، واستقر وابتدأ في عمل الخندق الذي حول السُّور، ومات ولم يكمله، وأكمله فضل (٢) في ولايته. ولمَّا كان في أوَّل عام اثنين وخمسين توجَّه طفيل إلى مصر فغضب عليه

стр. 1223

السُّلطان بسبب ما نُهب للحاج، فأمر بحبسه في القلعة، وغُرِّم بعضُ ما نَهب للحاج، وصالح عن البعض/٤٨٨ وتوفي في حبسه في شوال من العام المذكور ﵀. * * *

стр. 1224

حرف الظاء ٤٣ - الظَّهيرُ الأشرفيُّ (١) المسمَّى مختار، وهو كاسمه مختار، ولاَّه الملك النَّاصر في عام تسع عشرة وسبعمائةٍ، لمَّا دخل المدينة ووجد سعداً الضَّرير (٢)، فبادر إلى النَّكير، وتقدَّم بتولية الظَّهير، فجبر دمامة صورته، بإقامة صولته، وقرن حقارة هِبَّته (٣) بِحمَارَّة (٤) هيبته، أوعبَ حقوق الضِّعاف والفقراء، وأرعب قلوبَ الأشراف والأُمراء، واستعاد منهم ما تغلَّبوا عليه من الأوقاف، وهو قوَّالٌ للحقِّ عنده وقَّاف. ومن جملة ما استخلص من المُتعدِّين الجوشن، والفُرن، والمارستان، ودار المدرسة الشّهابية في كذا كذا حديقةٍ وبستان. وبشدَّة سطوته عزَّ الخُدَّام والمجاورون وأضاء ماموسهم (٥)، وقويت بهيبته على الظلمة نفوسهم، وقام بشوكته ناموسهم (٦)، وكان في المجاورين مَنْ ينتمي إلى الأشراف، ويلقى إلى آذانِهم من أحوال المجاورين ما يُؤْرِنُ (٧) الخلاف، وطمسَ هذه الحال، وأخرج لذلك جماعةً من الأشياع، وفَرَسَهم (٨)

стр. 1225

ببأسه فَرْسَ السِّباع، وقطع جماعةً من القُوَّام والفَرَّاشين، وعاملهم معاملة الصقور الورَّاشين (١)، فاستقامت الأمور، واستنار الدَّيجور (٢)، وبَارَ أهلُ الفساد والفُجور، وألزمَ أربابَ الوظائف بِملازمة الحضور، ومَنْ غاب عن وظيفته أخذ منه قسط ذلك اليوم في الحين، وصرفَه إلى من ارتضى رأيه من الفقراء والمساكين. فالأوقافُ تعمَّرت وتكمَّلت، والوظائف تحبَّرتْ (٣) وتَجمَّلت، وأدركت النُّفوس من مكارمه ما أمَّلَتْ، وكان من النوائب، أنه لما حجَّ أرغون (٤) النَّائب، فقدم إليه أصحابُ الغَرَض، ومَنْ في قلبه مَرض، وشكوا إليه أخلاق الشَّيخ وما يُذيقهم من الضّغن (٥)، فخاطبه بحضرة الأعداء … (٦) عليه، وغضَّ منه، وأزرى به، فلم تحتمل نفسُه الأبية ذلك، وامتعض (٧) منه امتعاضاً سلك به سبيلَ الهوالك، ولم يمكث إلا تمامَ جُمعته، حتى توفَّاه الله إلى رحمته، وذلك في سنة ثلاثٍ وعشرين وسبعمائة.

стр. 1226

حرف العين ٤٤ - عبدُ الرَّحمن بنُ عبدِ المؤمنِ بن عبد الملك (١)، القاضي تقيُّ الدِّين ابن الشَّيخِ جمال الدِّين ابنِ الشَّيخِ رشيد الدِّين الهُورِينيُّ الشَّافعيُّ المصِريُّ. وهُورين بلدةٌ بالدِّيار المصرية، ولا /٤٨٩ أدري [أهي] هونين (٢) التي ذكرها أصحاب المسالك والممالك في ديار مصر فغيَّرتها العَامَّةُ، أو هما متغايران؟ والله أعلم. ولي قضاء المدينة في عامِ خمسٍ وأربعين، فوردها بعلمٍ غزير، وفضلٍ كثير، وعقلٍ مزير (٣)، ورئاسةٍ تصعد إلى الفلك الأثير، وهيبةٍ تُرعب الجاهل الغَرير، ويتأدَّب معها العاقل الكبير، ونصرةٍ للشَّرع حيث لا مُعينٌ ولا نصير، وقيامٍ في الحقَّ ببأسٍ يخضع له الفَطِن النصير، مع الشَّكالةِ الصَّبيحة، والشَّيبة المليحة، واللَّهجة الفصيحة. واستنابَ في الحكم القاضيَ بَدر الدِّين بنَ فرحون (٤)، فقام به قياماً صفَّى اللُّحون، وصحَّح الملحون، وأسالَ على وادي الأعادي سَيْحون وجَيْحون. ثمَّ إنَّ القاضيَ تقيَّ الدِّين أُصيب ببصره لماءٍ نزل عليه، فتوجَّه إلى الدِّيار المصرية ليقدحَ عينيه، فَسُعِيَ عليه فَعُزِل، وأُضعف حمل إبله عن العود إلى المدينة وهُزِل.

стр. 1227

واستمرَّ منفصلاً إلى شهور سنة تسعٍ وخمسين، فهبَّت نسمةُ سعدٍ أزاحت عنه نكبات التَّعسِين (١) والتَّعيين، فأعيدت الولايةُ ثانياً، وصار لمجاني (٢) الأماني بيدِ الظَّفَر جانياً. ووصل إلى المدينة فجأةً صحبة الأمير جمَّاز، واستقرَّ على عادته في الولاية محفوفاً بالإكرام والإعزاز، مُزال الهموم، مَنْفِيَ الأحزان، مُزَال الكُرَب، مُقبلاً على الطَّاعة، مشتغلاً بالعبادة وما يتوسَّل به إلى الله من القُرَب. وتُوفي في أوائل سنةِ ستين وسبعمائة، وكان مولده عام أربعٍ وتسعين وستمائة. ٤٥ - عبد الله بن حجاج (٣)، أبو محمد المغربيُّ، الفلسفيُّ، المَنْطِقيُّ، الحكيمُ، المكشوفُ الرَّأس، لأنَّه كان كذلك صيفاً وشتاءً. كان من أكابر العلماء المُطَّلعين على العلوم اليونانية، وأكابر الفضلاء المتضلعين بالعلوم الإيْمانية. انقطع إلى المجاورة بالمدينة، واجتمع إلى نفسه وعبادته في سكونٍ وسَكينة، وجمعَ غرائبَ الكُتب ونفائسَها أَحْمَالاً، وصرف في تَحصيلها وتصحيحها أعماراً وأموالاً، وحاز من الأصول الفاخرة صناديقَ وسِلالاً (٤)، وجلُّها كتبُ الحديث والفقه، والتَّاريخ، والطِّبِّ والمنطق والحكمة، وعلومٍ أُخرى شتَّى لم ينهض لمعرفتها في عصرنا

стр. 1228

هِمُّ (١) ولا هِمَّة، وأكثرها بالخطوط الفائقة المليحة، وأصولٍ مُتقنة مضبوطةٍ صحيحة. وكان من عادته إذا حجَّ إلى بيت الله الحرام، أَنْ يُهيِّئ ما يَحتاج إليه أهلُه وعيالُه من الماء والطعام والإدام، ويَجمعَ العيال والزَّاد في مَنْزِلِهِ، ويسدَّ عليهم الباب بالبناء الموثوق، ولا يطلَّع على شيءٍ من أحوالهم مخلوق، ولا يزال /٤٩٠ البيتُ كذلك حتى يرجعَ إليهم، ويفتحَ الباب بيده عليهم. وكان له جارٌ يدعى بالنُّور بن الصفيِّ (٢)، فقيهُ الإمامية وإمامهم في زمانه، وكان من جملة أحباب أبي محمدٍ وخواصِّ إخوانه، فلمَّا أدركه الأجل، أوصى إلى النُّور الجار، وكان له أولادٌ صغار، فدخل الكتب في حبس الأخطار بِحصار، وأكلتها الأَرَضَةُ والفار، وبلَّلتها الأنداء (٣) والأمطار، وذهب منها النُّقاوة والخِيار، وما بقي منه بيعت كلُّ عشرين بدينار، وامتلأت المدينة من بقاياها بعوائدَ غيرِ مألوفة، وحصلت في بيت كلِّ طالبٍ جملةٌ من علومٍ غيرِ معروفة، وذلك في عام أحد وسبعمائة. ٤٦ - عبدُ السَّلام بنُ سعيدٍ بن عبدِ الغالب القَرَوي (٤) بفتح القاف والرَّاء، قال جماعةٌ منهم ياقوتٌ الحمَوَيُّ (٥): يُنسب إلى قيروان، مدينةٌ عظيمة بإفريقية: قَرَويُّ. منها: أبو أيوب القَرَويُّ صاحب (تاريخ المغرب). والقَرَويُّ أيضاً جماعة

стр. 1229

يُنسبون إلى القرية. وعبد السَّلام المذكور كان من الأفاضل المشهورين بالدِّين والورع، ومَنْ رَقى قِنَان (١) المعالي وفرع، مع الخُلق السَّاجح (٢)، والعقل الرَّاجح، والرَّأي الناجح، والجَبْلَة (٣) الجميل، والجِبِلَّة التي إلى غير الخير لا تميل. صحب المشايخ الأفراد، والأولياء الأوتاد. أقام بالمدرسة الشِّهابية سنين، وهو بنفائس أنفاسه ضنين، وليس له إلى سوى معالاة المعالي حنين. وكانت وفاته في أوائل سنة ستٍّ وستين. ٤٧ - عبدُ الله بنُ محمد بنِ أحمدَ بنِ عيسى السعدي العباديُّ المدنيُّ (٤). أبو السِّيادة، الشَّيخُ عفيف الدِّين المَطريُّ، شيخُ العلمِ والحديثِ، والتَّصوفِ، والتَّأذين بِحرمِ رسول الله ﷺ . جمع إلى حُسن الخَلْق محاسنَ الأخلاق، ورحل إلى مصرَ والشَّام والعراق، وبرع في علم الحديث والتاريخ وفاق، وصار عديم النَّظير فيهما بالاتفاق. أدرك من أكابر المسندين جمعاً كثيراً، ولقي من المشايخ المعتبرين جَمَّاً غفيراً. اختار متاعب السَّفَر على الإِسار في

стр. 1230

سِرار (١) أُسرته، فَسَفَرَ السَّفَرُ عن سِرارةِ أساريرِ (٢) غُرَّتِهِ، رجع عن بغداد وتبريز، وقد سبكته المسافرةُ سبك الذَّهب الإبريز، وبرز في العلوم على الأقران أيَّ تبريز، فأقام في مولد أشرف البلاد منتحياً عن التَّعلُّق بالأهل والأولاد. سالكاً مسالك المُجرَّدين، صارفاً أوقاته في مهمِّات أمر الدِّين، وخِدمة الوافدين الواردين، وهو لهم كالأب الرَّؤوف، والمُشفق العطوف، يتلقَّاهم من الإحسان بأتمِّ الصُّنوف، فما منهم من أحدٍ إلا وهو ببرِّه محفوف، ومعروفُه إليه معروف، ونَهارُه بإسماع الحديث /٤٩١ ونشر العلوم موصوف. خُصَّ في علم الحديث من الله بمزيد عطايا، فصار يُضرب به وإليه أمثال البرايا، وأكباد المطايا. وقد ابتُلي بِمحنةٍ ثبَّته الله فيها وصبَّره، ولم يغضَّ بِها عن قَدْرِه بل كبَّره، وذلك أنه في عام اثنين وأربعين مات مختارٌ البغداديُّ وكان خِصِّيصاً لخدمة الشَّيخ وملازمته، فاتَّهمه والي المدينة ثابتُ بن جَمَّاز (٣)، فطلب العفيفَ، وقابله بالخطاب العنيف، وطالبه بِمالِ مُختار، وما ترك من الدِّرهم والدِّينار، فحلف له أنَّه ليس عندي شيءٌ من ذلك، فلم يصدِّقه ورماه في جُبٍّ مُعَدٍّ لمن يقصدُ إلقاءَه في المهالك، ثمَّ أمر بنهب داره، وتخريب دياره، فَأَخذ جميعَ ما في بيته من شِعاره ودِثاره، حتى مجاليد كتب العلم وأسفاره، إلى حُصر المنْزل وبواريه والمسامير مِن جداره، وعَذَّبَ خادمه لِيُقِرَّ على درهمه وديناره، فلم يكن سوى إقراره ببعض نفقةٍ وحُليٍّ لبعض جواره، فأخذ الجميع، ولم يفكر في
следующие страницы →