← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1172

المغانم المطابة في معالم طابة

الفيروزآبادي

Полный текст (1 351 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

حرف العين ٤٤ - عبدُ الرَّحمن بنُ عبدِ المؤمنِ بن عبد الملك (١)، القاضي تقيُّ الدِّين ابن الشَّيخِ جمال الدِّين ابنِ الشَّيخِ رشيد الدِّين الهُورِينيُّ الشَّافعيُّ المصِريُّ. وهُورين بلدةٌ بالدِّيار المصرية، ولا /٤٨٩ أدري [أهي] هونين (٢) التي ذكرها أصحاب المسالك والممالك في ديار مصر فغيَّرتها العَامَّةُ، أو هما متغايران؟ والله أعلم. ولي قضاء المدينة في عامِ خمسٍ وأربعين، فوردها بعلمٍ غزير، وفضلٍ كثير، وعقلٍ مزير (٣)، ورئاسةٍ تصعد إلى الفلك الأثير، وهيبةٍ تُرعب الجاهل الغَرير، ويتأدَّب معها العاقل الكبير، ونصرةٍ للشَّرع حيث لا مُعينٌ ولا نصير، وقيامٍ في الحقَّ ببأسٍ يخضع له الفَطِن النصير، مع الشَّكالةِ الصَّبيحة، والشَّيبة المليحة، واللَّهجة الفصيحة. واستنابَ في الحكم القاضيَ بَدر الدِّين بنَ فرحون (٤)، فقام به قياماً صفَّى اللُّحون، وصحَّح الملحون، وأسالَ على وادي الأعادي سَيْحون وجَيْحون. ثمَّ إنَّ القاضيَ تقيَّ الدِّين أُصيب ببصره لماءٍ نزل عليه، فتوجَّه إلى الدِّيار المصرية ليقدحَ عينيه، فَسُعِيَ عليه فَعُزِل، وأُضعف حمل إبله عن العود إلى المدينة وهُزِل.

стр. 1227

واستمرَّ منفصلاً إلى شهور سنة تسعٍ وخمسين، فهبَّت نسمةُ سعدٍ أزاحت عنه نكبات التَّعسِين (١) والتَّعيين، فأعيدت الولايةُ ثانياً، وصار لمجاني (٢) الأماني بيدِ الظَّفَر جانياً. ووصل إلى المدينة فجأةً صحبة الأمير جمَّاز، واستقرَّ على عادته في الولاية محفوفاً بالإكرام والإعزاز، مُزال الهموم، مَنْفِيَ الأحزان، مُزَال الكُرَب، مُقبلاً على الطَّاعة، مشتغلاً بالعبادة وما يتوسَّل به إلى الله من القُرَب. وتُوفي في أوائل سنةِ ستين وسبعمائة، وكان مولده عام أربعٍ وتسعين وستمائة. ٤٥ - عبد الله بن حجاج (٣)، أبو محمد المغربيُّ، الفلسفيُّ، المَنْطِقيُّ، الحكيمُ، المكشوفُ الرَّأس، لأنَّه كان كذلك صيفاً وشتاءً. كان من أكابر العلماء المُطَّلعين على العلوم اليونانية، وأكابر الفضلاء المتضلعين بالعلوم الإيْمانية. انقطع إلى المجاورة بالمدينة، واجتمع إلى نفسه وعبادته في سكونٍ وسَكينة، وجمعَ غرائبَ الكُتب ونفائسَها أَحْمَالاً، وصرف في تَحصيلها وتصحيحها أعماراً وأموالاً، وحاز من الأصول الفاخرة صناديقَ وسِلالاً (٤)، وجلُّها كتبُ الحديث والفقه، والتَّاريخ، والطِّبِّ والمنطق والحكمة، وعلومٍ أُخرى شتَّى لم ينهض لمعرفتها في عصرنا

стр. 1228

هِمُّ (١) ولا هِمَّة، وأكثرها بالخطوط الفائقة المليحة، وأصولٍ مُتقنة مضبوطةٍ صحيحة. وكان من عادته إذا حجَّ إلى بيت الله الحرام، أَنْ يُهيِّئ ما يَحتاج إليه أهلُه وعيالُه من الماء والطعام والإدام، ويَجمعَ العيال والزَّاد في مَنْزِلِهِ، ويسدَّ عليهم الباب بالبناء الموثوق، ولا يطلَّع على شيءٍ من أحوالهم مخلوق، ولا يزال /٤٩٠ البيتُ كذلك حتى يرجعَ إليهم، ويفتحَ الباب بيده عليهم. وكان له جارٌ يدعى بالنُّور بن الصفيِّ (٢)، فقيهُ الإمامية وإمامهم في زمانه، وكان من جملة أحباب أبي محمدٍ وخواصِّ إخوانه، فلمَّا أدركه الأجل، أوصى إلى النُّور الجار، وكان له أولادٌ صغار، فدخل الكتب في حبس الأخطار بِحصار، وأكلتها الأَرَضَةُ والفار، وبلَّلتها الأنداء (٣) والأمطار، وذهب منها النُّقاوة والخِيار، وما بقي منه بيعت كلُّ عشرين بدينار، وامتلأت المدينة من بقاياها بعوائدَ غيرِ مألوفة، وحصلت في بيت كلِّ طالبٍ جملةٌ من علومٍ غيرِ معروفة، وذلك في عام أحد وسبعمائة. ٤٦ - عبدُ السَّلام بنُ سعيدٍ بن عبدِ الغالب القَرَوي (٤) بفتح القاف والرَّاء، قال جماعةٌ منهم ياقوتٌ الحمَوَيُّ (٥): يُنسب إلى قيروان، مدينةٌ عظيمة بإفريقية: قَرَويُّ. منها: أبو أيوب القَرَويُّ صاحب (تاريخ المغرب). والقَرَويُّ أيضاً جماعة

стр. 1229

يُنسبون إلى القرية. وعبد السَّلام المذكور كان من الأفاضل المشهورين بالدِّين والورع، ومَنْ رَقى قِنَان (١) المعالي وفرع، مع الخُلق السَّاجح (٢)، والعقل الرَّاجح، والرَّأي الناجح، والجَبْلَة (٣) الجميل، والجِبِلَّة التي إلى غير الخير لا تميل. صحب المشايخ الأفراد، والأولياء الأوتاد. أقام بالمدرسة الشِّهابية سنين، وهو بنفائس أنفاسه ضنين، وليس له إلى سوى معالاة المعالي حنين. وكانت وفاته في أوائل سنة ستٍّ وستين. ٤٧ - عبدُ الله بنُ محمد بنِ أحمدَ بنِ عيسى السعدي العباديُّ المدنيُّ (٤). أبو السِّيادة، الشَّيخُ عفيف الدِّين المَطريُّ، شيخُ العلمِ والحديثِ، والتَّصوفِ، والتَّأذين بِحرمِ رسول الله ﷺ . جمع إلى حُسن الخَلْق محاسنَ الأخلاق، ورحل إلى مصرَ والشَّام والعراق، وبرع في علم الحديث والتاريخ وفاق، وصار عديم النَّظير فيهما بالاتفاق. أدرك من أكابر المسندين جمعاً كثيراً، ولقي من المشايخ المعتبرين جَمَّاً غفيراً. اختار متاعب السَّفَر على الإِسار في

стр. 1230

سِرار (١) أُسرته، فَسَفَرَ السَّفَرُ عن سِرارةِ أساريرِ (٢) غُرَّتِهِ، رجع عن بغداد وتبريز، وقد سبكته المسافرةُ سبك الذَّهب الإبريز، وبرز في العلوم على الأقران أيَّ تبريز، فأقام في مولد أشرف البلاد منتحياً عن التَّعلُّق بالأهل والأولاد. سالكاً مسالك المُجرَّدين، صارفاً أوقاته في مهمِّات أمر الدِّين، وخِدمة الوافدين الواردين، وهو لهم كالأب الرَّؤوف، والمُشفق العطوف، يتلقَّاهم من الإحسان بأتمِّ الصُّنوف، فما منهم من أحدٍ إلا وهو ببرِّه محفوف، ومعروفُه إليه معروف، ونَهارُه بإسماع الحديث /٤٩١ ونشر العلوم موصوف. خُصَّ في علم الحديث من الله بمزيد عطايا، فصار يُضرب به وإليه أمثال البرايا، وأكباد المطايا. وقد ابتُلي بِمحنةٍ ثبَّته الله فيها وصبَّره، ولم يغضَّ بِها عن قَدْرِه بل كبَّره، وذلك أنه في عام اثنين وأربعين مات مختارٌ البغداديُّ وكان خِصِّيصاً لخدمة الشَّيخ وملازمته، فاتَّهمه والي المدينة ثابتُ بن جَمَّاز (٣)، فطلب العفيفَ، وقابله بالخطاب العنيف، وطالبه بِمالِ مُختار، وما ترك من الدِّرهم والدِّينار، فحلف له أنَّه ليس عندي شيءٌ من ذلك، فلم يصدِّقه ورماه في جُبٍّ مُعَدٍّ لمن يقصدُ إلقاءَه في المهالك، ثمَّ أمر بنهب داره، وتخريب دياره، فَأَخذ جميعَ ما في بيته من شِعاره ودِثاره، حتى مجاليد كتب العلم وأسفاره، إلى حُصر المنْزل وبواريه والمسامير مِن جداره، وعَذَّبَ خادمه لِيُقِرَّ على درهمه وديناره، فلم يكن سوى إقراره ببعض نفقةٍ وحُليٍّ لبعض جواره، فأخذ الجميع، ولم يفكر في

стр. 1231

هذا الأمر الفظيع، وساوى في طلب حِزَامِ بين الرَّفيع والوضيع. وبقي الشُّيخُ في الجُبِّ يومين وليلتين، وكان من أقوى الأسباب لسرعة زوال الجولتين، هلك النَّائب والمنوب، ولعبت في منازلهم الصَّبا والجنوب (١)، واختطفت لحومهم العِقْبان (٢) والنُّسور، ونسج الحائك عصراً من العَبور (٣)، لهزَ (٤) به من عظمهم المكسور، وناء بالبذور، فسبحان القهَّار الغيور. ثمَّ أخرج الشِّيخ من الجُبِّ الأسود، على أنْ يدفعَ إليهم سبعةَ أحمالٍ من الرُّزِّ الأبيض، فاقترض ثَمَنَهُ وأعطاهم، وغرِم للمستودعين ودائعهم وأرضاهم، وفاز بصبره واحتسابه، ولم يقبل في ذلك شيئاً من أحدٍ من أصحابه. وحكى وزير الأمير المذكور أنَّ الحاصل الذي جمعه من بيت الشِّيخ العفيف مع حاصلين آخرين له ولزوجةِ ولده خرج بِها الأمير تحت الليل من باب سرِّ القلعة فدفنه خارج المدينة في مواضع مُجهَّلة، ولم يَطَّلعْ على ذلك مخلوقٌ سوى عبد كان معه، فلمَّا رجع إليه افتقده، وذهب في تِيهِ العدم جميع ما انتقده (٥)، فعاقبَ العبدَ على الاستقرار، فلم يكن منه سوى الإصرارِ على الإنكار، فأوكله للَّتعذيب هُرْزَوْقَاً (٦)، فأصبح مُعاقباً مخنوقاً، والمالُ ذاهباً مسروقاً، والظَّالم بعذاب الله مُعاقباً محقوقاً. ثمَّ إنَّ الشَّيخ جمع مفاخر الكتب

стр. 1232

ومحاسن الأصول الغريبة العزيزة التي تفوت الحصر عدداً، فذهبت بوفاته أيدي سبا (١)، وطرائقَ قِدَداَ (٢)، وكانت وفاته في عام خمسٍ وستين وسبعمائة. ٤٨ - عمرُ بن أحمد بن الخضر بن ظافر بن طِرَاد بن أبي الفتوح، الأنصاريُّ، الخزرجيُّ (٣)، الشَّيخُ الإمامُ/٤٩٢ الأوحدُ، الفقيهُ، الأصوليُّ، النحويُّ المِفَنُّ (٤)، القاضي سراج الدِّين. تفقَّه على الشَّيخ عِزِّ الدِّين بنِ عبد السَّلام (٥) أوَّلاً، ثمَّ بالسَّديد (٦) التِّزْمَنْتِي، والنَّصير ابن الطَّباخ (٧). وسمع مجلسَ البطاقة (٨) على الرَّشيد

стр. 1233

العطَّار (١)، وأجاز له الزَّكيُّ عبد العظيم (٢) والشَّرَف المُرسي (٣) وغيرُهم. قَدِم المدينةَ الشَّريفة سنة اثنتين وثَمانين وستمائة مُتولِّياً الإِمامة والخَطابة، وفي بعض التَّواريخ: ولي الإِمامة سنة إحدى وثمانين، ثمَّ ولي الخطابة، وكانت بأيدي آل سنان بن عبد الوهاب بن نُميلة الشَّريف الحسيني، وكان الحُكم أيضاً راجعاً إليهم، ولم يكن لأهل السُّنَّة بالمدينة حاكمٌ ولا خطيبٌ منهم، فأُخذت الخَطابةُ منهم في سنةِ اثنتين وثمانين، واستمرُّوا حُكَّاماً على حالهم، وذلك في دولة المنصور قلاوون الصَّالحي (٤)، فخطب سراج الدِّين قليلاً وسافر، ثمَّ صار السُّلطان يُرسل في كلِّ عامٍ خطيباً يُقيم لأهل السُّنَّة الخَطابة

стр. 1234

والإمامة، ولا يقدر واحدٌ على استكمال سنةٍ لتسلُّط الإمامية وأذاهم. فتلا سراجَ الدِّين الشَّيخُ شمسُ الدِّين الحلبيُّ (١)، ثمَّ مِنْ بعدِه شرفُ الدِّين السِّنجاري (٢)، ثمَّ عاد سراج الدِّين إلى منصبه، ولم يزل مباشراً أربعين سنةً. وأُوذي في أوائل مباشرته بأشدِّ أنواعِ الأذى، ورُمي في عين عيشه بقاف (٣) التَّحدِّي، ورأى منهم مالم يكن قد ظنَّ وحسب، ولكن وفَّقه الله حتى صبر واحتسب. كان إذا صعِد المنبر ليخطبَ عاملوه بالتَّحصيب، وجعلوا له من الرَّمي بالحصباء أَوفرَ نصيب، فلمَّا تكرر ذلك تقدَّم الخُدَّام إلى بين يدي الخطيب، وهي سُنَّةٌ باقيةٌ إلى الآن، وخصلةٌ حميدةٌ لائقةٌ بشرف المكان. وبلغ من أذاهم أنَّه كان يصبح وقد أُغلق عليه باب الدَّار، ولطَّخوا الباب بالعَذِرات والأقذار، وهو لكلِّ ذلك محتمِلُ صبَّار، وربَّما بسط عنهم الأعذار، فإنَّهم توارثوا الخطابة من زمن الفاطميين فشقَّ الفِطام، وصعُب انقطاع ما كان يُجمع لهم بِها من الحُطام، فإنَّه كان من خَلاّتِهم أنْ يُجمع للخطيب في الموسم مالٌ جزيل، ولا يُكمل خطبتَه حتى يُحصِّلَ ما فيه منه التَّأميل. قال الفقيه أبو عبد الله بن جُبير (٤): شاهدنا بالمدينة في يوم الجمعة سابعِ المحرَّم من عام تسعٍ وخمسين وسبعمائة من أُمور البدعة أمراً يُنادي له الإسلامُ: ياللهِ، ياللمسلمين، وذلك أنَّ الخطيب وصل للخطبة فصعِدَ منبر رسول الله ﷺ

стр. 1235

وهو على ما يُذكر على مذهبٍ غير مرضيٍّ، فلمَّا أذَّن المؤذِّن قام وقد تقدَّمته الرَّايتان السَّوداوان فوقف/٤٩٣ بينهما، فلمَّا فرغ من الخُطبة الأولى جلس جلسةً خالف فيها جِلسةَ الخُطباء المضروب بِها المثَلُ في السُّرعة، وابتدر الجمعَ مَرَدةٌ من الخَدَمة يَخترقون الصُّفوف ويَتخطَّون الرِّقاب كُدْيةً (١) على الأعاجم والحاضرين لهذا الخطيب القليلِ التَّوفيق. فمنهم مَنْ يطرح الثَّوب النَّفيس، ومنهم مَنْ يُخرج الشِّقَّة (٢) الغالية من الحرير فيعطيها وقد أعدَّها لذلك، ومنهم مَنْ يخلع عِمامته فينبذها، ومنهم مَنْ يتجرَّد عن بُرْدِه فَيُلقي بِها، ومنهم مَنْ لا تتَّسع حالُه لذلك فيسمحُ بفضلةٍ من الخام، ومنهم مَنْ يدفع القُراضة مَنْ الذهب، ومنهم مَنْ يَمدُّ يده بالدِّينار والدِّينارين إلى غير ذلك. ومن النِّساء مَنْ تطرحُ خَلْخَالها، وتُخرج خاتِمها فتلقيه، إلى ما يطولُ له الوصف من ذلك، والخطيبُ في أثناء هذا الحالِ كلِّها جالسٌ على المنبر يلحظ هؤلاء المسْتَجْدِين (٣) له، المسْتَسْعِين على النَّاس بلَحَظاتٍ (٤) يكدُّها الطَّمع والحرص وتقيدها الرَّغبةُ والاستزادة، إلى أَنْ كاد الوقت ينقضي، والصَّلاة تفوت، وقد ضجَّ مَنْ له دينٌ وإخلاص من النَّاس، وأعلن بالصِّياح وهو قاعدٌ ينتظر استفاف (٥) صُبابة (٦) الكُدية، وقد أراق عن وجهه ماءَ الحياء، فاجتمع له من ذلك السُّحت المؤلَّف كومٌ عظيمٌ أمامهُ، فلمَّا أرضاه قام وأكمل خطبته، وصلَّى بالنَّاس، وانصرف أهلُ التَّحصيل باكين على

стр. 1236

الدِّين، يائسين من فلاح الدُّنيا، متحقِّقين أَشراطَ القيامة، ولله الأمرُ من قبلُ ومن بعد. ٤٩ - عبد الواحد الجُزوليُّ (١) الشَّيخُ الزَّاهد العابد، المُتجرِّدُ المجاهد، كان من أحد أصحاب الشَّيخ عبد الله البَسْكَريِّ (٢) وأتباعه، مُتَّبعاً له حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة (٣)، ومنقطعاً إلى الله كانقطاعه، مُجاوراً في رِباطه، مُرتبطاً بالتَّجرُّدِ كارتباطه، عالماً بالقرآن والحديث، سالكاً إلى منهج العارفين العرفان بالسَّير الحثيث (٤)، ويُضرب به المَثل في الشِّدَّة في الدِّين، وقوَّة اليقين، وكان الإحسانُ إلى العموم من إسانه (٥)، وإذا رأى مُنكراً غيَّره بيده ولسانه. حكى بعض مشايخ المدينة: أنَّ بعض الشُّيوخ الكبار ترتَّب (٦) مرَّةً في قراءة ختمةٍ قبل صلاة الجمعة، يجلس لقراءتِها على كرسيٍّ ويرفع صوته بالقراءة، فلمَّا باشرها قال له الشَّيخ عبد الواحد: لا تجلسْ في هذا الوقت، ولا ترفعْ صوتك بالقراءة فيتأذى النَّاس برفع صوتك، فقال: هذه مشروطةٌ بِهذه الصِّفة، فلا بُدَّ من مُراعاة الشَّرط لكيلا آكلَ حراماً، فقال له: قد نَهيتُك فإنْ /٤٩٤ لم تفعلْ وجلستَ بعد هذا أخذتُ بلحيتك هذه وأنزلتُك عن كُرسيِّك، فإنْ شئتَ فافعلْ، وإنْ شئتَ فدَعْ، فترك ذلك، ﵀.

стр. 1237

وهي الختمة التي يُقرأ فيها اليوم قبل صلاة الجُمعة في الرَّوضة المقدَّسة من غير صعودِ كرسيٍّ ولا رفع صوت جَهْوريٍّ، بل يجلس القارئ على الأرض، ويرى خفض الصَّوت في قراءته كاللاَّزم الفرض. مات الشَّيخ ﵀ سنة سبعةَ عشرَ وسبعمائةٍ تقريباً. ٥٠ - عبدُ الحميد بن عليٍّ الموغانيُّ (١). ومُوْغَان بالضَّمِّ والغين المعجمة، هكذا ينطق به العجم، والصَّواب: مُوْقَان بالقاف (٢)، وهي ولايةٌ فيها قُرى ومُروج يَحتلُّها التُّركمان للرَّعي، وهي بأَذْرَبيجان. وكان عبد الحميد من أهل الخير والصَّلاح، ومِمَّن رزقه الله برؤية المشايخ الكبار النُّجْحَ والفلاح. أقام بالمدينة مُتخلِّياً عن الدُّنيا، متحلياً بطلب المرتبة العُليا، مُواظباً على تلقين القرآن طوال النَّهار، تنتفع به الشُّيوخ والكُهول والكِبار والصِّغار، مع ضبطٍ وتقييد، وتحريرٍ وتجويد. لقي الشَّيخَ أبا العباس المُرسي، صاحبَ الشَّيخ أبي الحسن الشَّاذليِّ. وصحب هو وصاحبُه يحيى التُّونسيُّ (٣) الشَّيخَ نجمَ الدِّين الأصفهانيَّ من الإسكندرية إلى مكَّة، وخدماه وانتفعا به، وأقاما عنده بمكة مدَّةً طويلة، ثمَّ ارتحلا إلى المدينة فأقاما بِها. وسافر الشَّيخ عبد الحميد بأولاده يريد التَّعريف بِهم، والإعانة عليهم، وكان يقول قبل سفره: ما أظنُّ أجلي إلا قد قَرُبَ، فإني أُسافر من المدينة عن غير ضرورة، فما أظنُّ ذلك إلا للنُّقلة إلى التُّربة، فكان كذلك.

стр. 1238

توفي ﵀ بِقَطْيَةَ (١) من طريق مصر، في سنة سبعٍ وعشرين وسبعمائة. ٥١ - عبدُ الله بن عمرَ بن موسى البَسْكَريُّ المِغراويُّ (٢)، الشَّيخ أبو محمَّدٍ، ذو المقاماتِ الفاخرة، والكراماتِ الظَّاهرة، والولايةِ العَلِيَّة، والعِناية الجَلِيَّة، والزَّنْدِ الوَرِي (٣) بالأنوار، والقلبِ الرَّوي بالأسرار. كان أعبدَ مشايخ عصرهِ وأزهدَهم، وأقدرهم على الرِّياضة وأجهدَهم (٤)، وأعلاهم في الطَّريق غَاياً (٥)، وأجلاهم في التَّحقيق آياً (٦). أعرض عن طريفه وتِلادِه (٧)، وسافر عن دياره وبِلاده، وهاجر إلى الله على قدمِ التَّجريد، وانقطع بإخلاصه إلى عالم التَّحقيق والتَّفريد، شرَّق البلاد وغرَّب، وخَبَرَ العباد وجرَّب، وصَحِب المشايخ المُحقِّقين، وانتفع بجماعةٍ من

стр. 1239

أرباب اليقين، ثمَّ انضوى (١) إلى المدينة بِنيَّة الجِوار، وأَلقى بِفِنائه عصا التَّسيار،/٤٩٥ وصادف وروده زمانَ شِظَاف (٢)، وكَلَباً (٣) حكى منه المُزارع أطرافَ قِصاف (٤)، فأقام بالمدرسة الشِّهابية مُدَّة، ولم يكنْ له غيرُ التَّوكُّل عُمدةً وعُدَّة، ثمَّ انتقل إلى رباط دُكَالة، والنَّفسُ غيرُ حريصة ولا أكَّالة، فمكث بِها سنين لا يعلم أحدٌ حاله، وفي خدمته جماعةٌ من المجاهدين، يصارعون الطَّوى (٥)، ويقارعون البَلا، كأزهد الزاهدين. يطوون مراحل الأيَّام بقليلٍ من الطعام، كان لهم فقراءُ معارفُ عَرَفوا بالآخرة حالهم، وكانوا إذا فرغَوا في مَخْن (٦) الحديقة أشغالهم [الغير محمية] (٧)، حملوا لهم من سُقاطات (٨) اللِّفْتِ والسِّلْقِ المرميَّة، ورُفَاتات (٩) الجَزَر والبقول اللحمية (١٠)، وأتوا بِها إليهم كأنَّما أنعموا بجزيلٍ من النِّعم عليهم، فيأخذه خادمهم ويَسِلقه بالماء، فإذا رجعوا من صلاة العشاء تناولوا منه لُقَمَاً، وما فَضَل من ذلك أخذه الخادم، ورمى به خارجَ البلدة لتأكلَه البهائم، استمرُّوا على ذلك أعواماً، لا يعرفون غير ذلك طعاماً ولا إِداماً، فَفِطن لهم بعض النَّاس فكان يأتيهم بشيءٍ من عِشر التَّمر والشَّعير،

стр. 1240

ويجتزئون (١) من ذلك بأيسرَ من اليسير، إلى أن انتشر صِيتُهم، واشتهرت أخبارهم، وكَثُرَ أتباعُهم وزُوَّارُهم، والتفَّ عليهم الأعيان والخُدَّام، وقُصِدوا من اليمن والشَّام. وكان الشَّيخُ ﵀ يأبى العيشَ الرَّغد، ولا يدَّخر أبداً شيئاً لغد، ولا يردُّ المسكين والفقير، ولا يتعدَّى في الملبس خَلَقَ نقير (٢)، ويتصدَّق بجميع ما حضر من القليل والكثير، فيقول للسَّائل: ارفع الحصير، وخُذْ ما تَحت الحصيرة. وإذا أطعم الفقراء وفَّى حقَّ الإنعام، حتى لم يدَعْ في بيته البتةَ شيئاً من الشَّراب والطَّعام. واشتهر عنه سيرةُ السَّلف الغابرين، وكذلك عن أصحابه الأخيار من الصَّادقين الصَّابرين، وكان الشَّيخُ ﵀ إذا دخل المسجد خضع لهيبته كلُّ إنسان، وإذا رأى مُنكراً بادر إلى إنكاره باليد وإلا فباللِّسان، وكان من باهر كراماته: أنَّه إذا تظلَّمَ إليه مظلومٌ شفِعَ له، فإن شُفِّعَ فيه، وإلا لَحِقَ الظَّالم في الحين عقوبةُ ما فعله. وفي الجملة فله المناقبُ السَّنية، والمراتبُ العَليَّة، وله القصيدةُ المباركة المشهورة التي منها: دارُ الحبيبِ أحقُّ أَنْ تَهواها … وتَحِنَّ من طَرَبٍ إلى ذِكْرَاها وآخرها:

стр. 1241

والحمدُ لله الكريمِ وهذه كَمُلَتْ، وظَنِّي أنَّه يرضاها رأى بعض الصَّالحين (١) النبيَّ ﷺ في المنام وقد أنشده هذه القصيدة وهو /٤٩٦ ﷺ يقول: رضيناها رضيناها. ٥٢ - عزيز الدَّولة العزيزيُّ (٢)، شيخُ الخُدَّامِ بالحرَم الشَّريف، وَلِي المشيخةَ في أواخر المائةِ السَّادسة، وكان شيخاً شهيرَ الخير، غزير البِرِّ، أثير الذِّكْرِ، كثيرَ البِشْر، قائماً بالمعروف، دائمَ الوقوف عند تحبيس الوُقوف (٣)، أفاض إحسانه على الأشراف، حتى كاد يبلغُ شأنُه فيه الإسراف، بذل دون حاجاتِهم فِضَّته وذَهَبه، وسمحَ بإيثار ما سألوه ووهبه، حتى رَمْوا بالرَّفض والتَّشيُّع مذهبَه. فاضلٌ ذوي المكارم حتى يفضَّ الجفير (٤)، وأعتقَ من العبيد والإماء الجمَّاءَ الغفير، وكثيرٌ من النخل التي في الحرم غُرِس في زمانه، وكان شيءٌ منه قبلَه لكن ذهب أَثرُه وأَثرُ مكانِه، وكأنه لم يتعرَّض أحدٌ لإنكار هذه البدعة إجلالاً لشانه، أو خوفاً من لسانه، أو تمكيناً له من الاقتداء بِمِنْ غرسه قبله، وحَلَق في عُنقه من هذا المنكر حَبْلَه، وقد انْجعفت (٥) تلك النَّخيل بِهبوب عاصفةٍ ذهبَتْ في أواخر مشيخة ياقوت (٦) الآتي ذِكْره.

стр. 1242

وأُعيد غِراس الفُسلان (١) مغارسها ولم يَبْلَ نُكْرُه، على أنَّه وقع الإنكارُ من بعض النَّاس في الإعادة، لكنْ لم يصادف كلامه محلاً من الإشادة والإفادة. ولعلَّه سوَّغ ذلك حملاً على احتمال أَنَّه لم يغرس أوَّلاً إلا بنوعٍ من الاستحقاق، وصادفَ هذا التَّأويلُ من خواطر الخُدَّامِ واللازمة (٢) الملاءمة والوِفَاق. ولا شكَّ أَنَّ لاعتمال الاحتمال في المسألة أدنى مجال، لكن لا يخفى من قلَّة من علَّةِ النَّفي مافي اعتماد الاحتمال البعيد على كُمَّل الرجال. فإنْ قلتَ: فما حكمُ ثَمرِها؟ قلتُ: سُئل الإمامُ مالكٌ عن ذلك، فقال: هو حلالٌ لجميع المسلمين. قلتُ: وظاهرُ الفقه أنَّ ما لا مالكَ له من الأشجار، فأولى النَّاس بِما يؤتيه من الأُكل والثِّمار من عانى في … (٣) كده بالسقْي والتَّشذيب (٤) والإبار (٥)، وفي مثله جاء الأثر (٦): (الثَّمرُ لمَنْ أبَّرَ). توفي عزيز الدَّولة في عام سبعمائةٍ، بالمدينة الشَّريفة. ٥٣ - عبدُ الكريم بنُ عبدِ الرَّحمن (٧)، الشَّيخُ عِزُّ الدِّين الواسطيُّ، الجامعُ

стр. 1243

بين العلم والعمل، الفائقُ في طريق التَّجريد على كلِّ مَنْ جَال ورحل. دخل المدينة قاصداً للزِّيارة، فلمَّا وصل بابَ السَّلام وقعت عليه الهيبة، فوقف هنالك مُبتعداً، وسلَّم خاشعاً مُرْتَعِداً (١)، ورجع إلى منْزِله، فقيل له في ذلك؟ فقال: لم أجدني أهلاً للوصول إلا إلى هنالك؟ /٤٩٧ وأمَّا الدخول فَمَنْ أنا حتى أصل لذلك؟ ثم آثر الجِوار، والإقامة بِهذه الدِّيار، على قدمِ الافتقار والاصطبار. وكان رَطْبَ اللِّسانِ بالذِّكر والتِّلاوة، بلهجةٍ فائقة الطَّلاوة (٢)، رائقة الحلاوة. قد لاحَ عليه نورُ الصَّلاح، وفاحَ لديه نورُ الفَلاح، هذا مع السَّذاجة وسلامة الباطن، والاجتناب عن التوطن فيما لا يغني عن المواطن. إذا خوطب بأمرٍ من الأمور الدنيوية، أجاب بكلامٍ حلوٍ من الأحوال الأخروية، فينقطع معه الكلام، وينقدعُ (٣) المتكلم من غير ملام. ومن إفادته التي يرجى بِها عميمُ بركاته: أنَّه كان إذا اشتكى أحدٌ إليه من مرضٍ أو عَرَضٍ، قال له: قل: يا أوَّل الأوَّلين، ويا آخِر الآخِرين (٤)، وياذا

стр. 1244

القوَّة المتين، ويا راحم المساكين، ويا أرحم الرَّاحمين، سخِّرْ لي كذا وكذا، واصرفْ عني كذا وكذا. فإن شكى فاقة أو قلة قال له: قل: ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ للنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا، وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (١). وكان لا يَجتمع بأحدٍ من أهل الدنيا أبداً، اللهمَّ إلا في شفاعةٍ تتعيَّن، أو دفاعة ضرٍّ تلوحُ له وتتبين. ........................... (٢) توفي الشَّيخ ﵀ سنة إحدى وأربعين وسبعمائة (٣). ٥٤ - علي الواسطيُّ. (٤) كان من أكابر الصالحين، وأخيار الأولياء المتقين، مُديمَ الصَّوم، عديمَ النَّوم (٥)، يقيمُ على طريقة

стр. 1245

القوم (١)، وكان معه الوقار والسَّكينة، مشغوفاً بِجوار مكَّة والمدينة ..... (٢) كان من ديدنه في التَّجرد، وهِجِّيره في التوكل والتَّفرد، أنه إذا اشتاق إلى وطنه، وأُذن له إلى قصد جهته وسكنه، أخذ عصاه وركوته، ودخل البادية جاعلاً التَّوكُّل عمدته وقوته، ولا نظر ضعفه وقوَّته، فكان لا يعترضه أحدٌ من الأعراب، ولا يقابلونه إلا بالطَّعام والشَّراب، والإكرام والتِّرحاب. /٤٩٨ وكان طوائف العرب يعرفونه ويأنسون بحضوره ورؤيته، ويألفونه ويألمون لِفرقته، ويتبرَّكون بعصاه وخرقته (٣). وله أنواع من الكرامات والولايات، وانْجماعٌ إلى أرباب الخصوص والعنايات. توفي ﵀ في حدود ثلاثين وسبعمائة، رحمة الله عليه. ٥٥ - ........................ (٤). ٥٦ - عمر بن الأعمى (٥)، سراجُ الدِّين، من المنعوتين بالفَطانة واللباقة، الموصوفين بالكياسة والحذاقة، ولايَنملُّ (٦) الجليس من جميل عشرته ومجاورته، ولا يَملُّ الخليط من حسن خُلطته ومحاورته، يَتغنَّى في القرآن بصوتٍ يهزُّ الجماد، ويُنغَّم فيه بِنغمة تَحزُّ في الصُّمِّ الصِّلاد (٧)، ويكتب خطَّاً

стр. 1246

تخال الوشْيَ (١) في الخبير، ويضاهي في جنَّة الَّروض النضير. كتَّب أكثر أولاد المجاورين، وسوَّر أياديهم من غرابة براعته بالأساور والزين، فقرَّبه الأشراف منهم وأكرموه، وفخَّموا قدره وعظَّموه، وعُرف باعتبار القول عندهم، وقبول الشَّفاعة، فكثَّر الله للمسلمين نَفاعه (٢)، قضى جملاً جليلة من حاجات الإخوان، ورفع عن المجاورين شرور السُّعاة الخوَّان، وترك أولاداً نُجباء مؤذِّنين، وتوفي في عام أربعة وثلاثين، رحمة الله تعالى عليه./ ٤٩٩ ٥٧ - علي بن محمد بن فرحون بن محمد بن فرحون اليعمري، المدني، نور الدِّين، أبو الحسن الجيَّاني، الأندلسيُّ (٣). وتمام نسبه عند ذكر والده. سبق الأقران في علوم العربية، والفنون الأدبية، وبَذَّ (٤) كلَّ مجتهدٍ في العلم مُعَاني، وسبقهم في اللُّغة والنَّحو والبيان والمعاني، مع ما حوى من علم الفقه والأصول، وروى من السُّنن وأحاديث الرَّسول، فصنَّف وأفاد، وألَّفَ وأجاد، ووضع في الحديث والتَّصوُّف واللُّغة جملةً من الكتب الجياد، وله ديوان شعر أكثرُه في مدح سيِّد المرسلين صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الأكرمين. كان يحضر درسه أكابر الفقهاء المالكية، فَيُثنون على درسه الثَّناءَ

стр. 1247

الجميل، وكلٌّ منهم إلى معاودته وحضور درسه يرغبُ ويميل، وله ميعادُ وعظٍ بعد صلاة الجمعة يقعد في الرَّوضةِ الشَّريفة على كرسيٍّ عال، ويعظ بأداءٍ غريب وصوت مُطرب لا يهتدي إلى سامعه الملال، وإنْ أطنبَ وأطال، بل كلما زاد إطناباً زاد إطراباً، وكلما أكثر إغراباً ازداد الحاضرون إعراباً حسن حاله. وكَلِفَ به كلُّ قلبٍ وأحبه، وأصبح كلُّ نفس تَهوى وعظه صَبَّة، حتى كأنَّه سلبَ ابن الجوزيِّ لُبَّه. وكان ﵀ أوَّل من اتَّعظ بِمقاله، فصار يَجتهد في أمراعٍ (١) منْ حَاله يسرد الصيام، ويقومُ الليلَ والنَّاسُ نيام، ويتحسَّرُ على ما أذهب في علم الأدب من الأيام، ويقول: ياليته صرف العمرَ أجمعَ في الكتاب والسُّنَّة وأخبار الصحابة الكرام. وتوفي ﵀ سنة ست وأربعين وسبعمائة. ٥٨ - عبد الله بن محمد أبي القاسم فرحون بن محمد بن فرحون، اليعمري، الأُبُّدي، الجيَّاني التونسي المدني المالكي، القاضي بدر الدين (٢)، أبو محمد. أوَّلُ مَنْ رأيته، ووقع نظري عليه من أهل العلم بالحرم الشريف، وذلك في حوالي الخمسين والسبعمائة، فشاهدت منه طود وقار، وعيلم (٣) علم لا يهتدي إلى تيار مائه اختفار (٤)، وغزارة فضل للناس إلى قري مرايا مريه (٥)

стр. 1248

افتقار، ووقار وحشمة ورياسة وأدب دون نصيف (١) مُدِّها الأحمال والأقار، ناب في الحكم سنين عديدة، وعتيدة (٢) عوارفه لجميع الناس عتيدة (٣)، إليه يشار في حفظ الأواصر، وعليه بادئ بدء تعقد الخناصر، ويغضب لدين الله ونصره حيث لا معين ولا ناصر، طنَّ بذكره البلاد من اليمن إلى العراق ومن أم خِنَّور إلى خُناصر (٤)، وحنَّ إلى لُقي ما شاع عنه من غزارة الفضل وطيب العناصر. ومن شعره ما أنشدنيه مشافهة (٥): /٥٠٠ بفضل الإلهِ مالك المُلكِ غافرِ … مُقسِّم أرزاق العباد وقاهرِ تقسَّمت الأوطان بين المعاشرِ … فكان نصيبي كابراً بعد كابرِ مدينةَ خير الرُّسل مَهْبِط وَحْيهِ … سقاها إلهي ماطراً بعد ماطرِ ومدَّ عليها وَبْلَهُ وسيوله … فَيَغْدَوْدِق (٦) الوادي بأُحْدٍ وحاجرِ (٧) وتزهو تلاعٌ بالعقيقِ وزهوها … وسلع إلى السقيا إلى سفحِ عايرِ (٨)

стр. 1249

ووادي قناة يا له كم به ثوى … شهيدٌ كعبدِ الله والدِ جابرِ وبئرِ أريسٍ مع قباءَ ورامةٍ … بها طبتُ في وقتٍ من الهمِّ شاغرِ وفي خَيْفِ بُطْحَانِ السعيد مساجدٌ … تُرى بين نخلٍ كالنجومِ الزواهرِ دعا المصطفى فيها ففرّ عداتُه … وكانت قلوبُ القومِ عند الحناجرِ كريمُ مقاماتٍ تجلَّت بقاعُها … بها أمنُ عاصٍ من مقيمٍ وزائرِ كَلِفتُ بها حتى ألفتُ جمالَها … وحتى بدا مني خفيُّ الضَّمائرِ وكنتُ إلى الراحاتِ ترتاحُ مهجتي … وتهذي بربَّاتِ الخدورِ السواحرِ وألهو إذا وقتي خلا من مُنغِّصٍ … بإخوان صدقٍ نزهةٍ للمحاضرِ فبعد الصبا عفتُ الهوى ومزاحه … وقلتُ: أيا نفسي كفى أنْ تكابري فنكِّبْ إذنْ عن عَزَّةٍ وسعادِها … وحاشاك أن تهوى كحيلَ المحاجرِ ودعْ عنك لبنى واستماعَ غنائها … وأقبلْ على الأخرى بقلبٍ وخاطرِ فلو نظرتْ سُعدى إليَّ تعجبت … وقالت بمن اعتاض عني مسامري ألم تعلمي أني تعوَّضت طيبةً … فلا تطمعي في العود يا أمَّ عامرِ تبدَّلتُ من كلِّ البلادِ بأسرها … بلادَ رسولِ الله أبركِ طاهرِ فما مثلها عندي شبيهٌ لذاتها … سوى مكَّة سادَتْ بتلك المشاعرِ فضائلُ صحَّت في الصحاحِ لطيبةٍ … فخذها بقلبٍ واستمعها لآخرِ شهيدٌ لنا أو شافعٌ سيد الورى … لصبرٍ على لأوائِها المتكاثرِ كذاك لمن وافى بها مثل هذا له … ليهن بوعد من صدوق لشاكر وكم صحَّ في أخبارها من فضائلٍ … فمن تُربِها للداءِ دفعُ الضَّرائرِ حباها بمثلَيْ ما دعاه لمكَّة … فجاور وطِبْ نفساً بهذي المفاخرِ /٥٠١ وذلك ضِعفُ الضِعفِ صدق محققٌ … فكن قانعاً فيها بقوتٍ وصابرِ وكم من كراماتٍ تجلَّت لأهلها … بلفظٍ رُوينا مسندٍ متواترِ فمن سعدِكم يا نازلين جواره … تحّوُلُ حُمَّاها ونفي الضَّرائرِ وطابت فما الدجَّال يُهوي خلالها … ولا مجرمٌ إلا ابتليْ بالدوائرِ ومَنْ أهلَها بالسوءِ قصداً أرادهم … أُذيب كملحٍ ذابَ ويلٌ لماكرِ ولمَّا أن اختارَ المهيمنُ حفظها … حماها بأملاكٍ شِدادِ البوادرِ فمن عِزِّها أملاكُه في نِقابها … ترِّدد دجَّالاً مُحَلاً بكافرِ وطاعنُ طاعونٍ كذاك تردُّه … وإنْ عمَّ تطوافاً فليس بعابرِ

стр. 1250

وأمَّنَ من خسفٍ ومن أنْ يصيبَنا … عذابٌ وهو فينا بقدرةِ قادرِ ومنها لمجذومٍ دواء سِباخُها … فخذها كراماتٍ أتت ببشائرِ وكان إذا ليلٌ سجى قام داعياً … لأهل بقيعِ الغرقدِ المتفاخرِ فيهدي إليهم من حفيلِ دعائِه … ويسأل مولاه بإحضارِ خاطرِ ووصَّى جميعَ النَّاس طرَّاً بجارِه … فقال: احفظوني أمتي في مجاوري وقد قال: ما من ذاك واللهِ أبتغي … مكاناً لدفني من جميعِ المقابرِ سوى هذه يعني بها تُربَ طيبةٍ … فأكرِمْ بتربٍ للرسولِ مباشرِ دَعَا ودَعَا حتى دَعَا في ثمارِها … فصار بها يزكو كحائط جابرِ (١) كذلك في صاع ومدٍّ دعا لنا … فيشبعنا ربعٌ وشطرٌ لصابرِ وجا أنَّها تنفي الذُّنوب مُصحَّحاً … وإطلاقه يحوي عظيمَ الكبائرِ لها مسجدٌ للمصطفى أيُّ مسجدٍ … به حجرةٌ فيها الدليلُ لحائرِ صلاةٌ بألفٍ يا سعادتنا به … فوائدُ طابت متجراً لمتاجرِ به مِنْبَرٌ في روضةٍ وَسْطَ جنَّةٍ … علت يا لها من روضةٍ لمفاخرِ ومنبره فالحوض تحت رِتاجه (٢) … وهل مثلُه من منبرٍ في المنابرِ وحول ضريحِ المصطفى قد تعاقبت … ملائكةٌ سبعون ألف مظاهرِ ذكرتُ قليلاً من فضائلِ طيبةٍ … ومَنْ رام حصراً ما يكونُ بقادرِ ألا لا تلوموني فإني أحبُّها … فكم خوَّلتني ما تمنَّتْ خواطري /٥٠٢ فمن طيبِها طيبي وأحمدُ طيبُها … سوى البيتِ لا يُلفى لها من مُناظرِ أيا عاذلي فيها تأمَّلْ جمالَها … وأنوارُ خيرِ الخلق بادٍ وحاضرِ سألزمُها دهري وأحكي علومَها … وأدفع عنها طاقتي كلَّ جائرِ (٣)

стр. 1251

حلفتُ يميناً ليس في الكونِ مثلها … لأنَّ بِها قبرَ الشفيعِ الموازرِ فمرِّغْ بها خديك حبَّاً لأحمد (١) … وقل: يا حبيبي يا شفيعي وناصري جوارَك يا خيرَ البريةِ أرتجي … فكنْ لي مُجيراً عند عدِّ جرائري لِذُليِّ لعصياني تداركْ بنظرةٍ … فعندي ذنوبٌ أعدمتني بصائري فظنِّي أنَّ حالي إليك شكوتُه … تجيبُ بنا لبيك لستُ بناشرِ (٢) إلهي فَعُدْ ياربِّ بالعفوِّ مِنَّةً … فقد رجفتْ مني لخوفي بوادري وصلِّ على المختار من آلِ هاشمٍ … وآلٍ وصحبٍ في مساءٍ وباكرِ أخصُّ أبا بكر حبيبَ محمدٍ … وصاحبَه الفاروقَ ماضي الأوامرِ ولا نَنْسَ عثمانَ الشهيدَ بداره … ومَنْ كعليٍّ في قتالِ العساكرِ زبيرٍ وسعدٍ وابنِ عوفٍ وطلحة … وبعدُ سعيدٌ والختامُ بعامرِ فعفواً وصفحاً يا كريمُ بحبِّهم … فإني غريقٌ في ذنوبٍ غوابرِ مدحتُك لا -واللهِ- غيرُك مقصدي … وما خْفتُ تقصيراً لأنَّك عاذري عُبيدٌ ضَعيفٌ عاجزٌ بك مُلْتَجٍ … غريبٌ غدت أحبابُه في المقابرِ وفي دارِ خيِر الرُّسل عندك مولدي … وفيها مقامي لم أَحُلْ دهرَ داهرِ ولي قد مضى سبعون عاماً مُصانةً … تنيفُ ثماناً طابَ زرعاً لباذرِ تخلَّلها خمسون حجَّاً وعمرةً … تنيفُ بسبعٍ حبذا من ذخائرِ ولي نسب أرجو إليك تَجُرُّني … شريفٌ كريمٌ فاخرٌ جدُّ فاخرِ عليك أصلِّي يا شفيعاً مشفَّعاً … حَنانيك مِنْ مَاحٍ مُقَفٍّ وحاشرِ عليك سلام اللهِ بدءًا وموئلاً (٣) … عليك سلامُ الله مدَّ المحابرِ عليك صلاةُ اللهِ جُهدي وطاقتي … وبعدُ فأفديكم بسمعي وناظري

стр. 1252

فياربِّ غَفْراً للجميع بجاههِ (١) … وبالفضل عَامِلْنا ولطفٍ مُباشرِ على سنَّةِ المختار ثبِّتْ قلوبَنا … ولا تُخزنا في يوم كشف السَّرائرِ /٥٠٣ وهذي بتشويق النُّفوس وسَمْتُها … فسارعْ إلى نصِّ العروسِ وبادِرِ ـ أعقب أولاداً أحيوا ذكره بالمآثر، ورفعوا لأقداحهم منابر المفاخر، وتولى كبيرهم الحكم استقلالاً وباشره مباشرة قال لها لسان الزمان: هكذا هكذا. وإلا فلا لا. ٥٩ - عطيَّةُ بنُ منصورِ بنِ جمَّازِ بنِ شيحةَ بنِ هاشمِ بنِ قاسمٍ (٢)، وتَقَّدم نسبُه في ترجمة جدِّه جمَّاز. وهو الأميرُ العبَّادُ السَّجَّاد، الحائزُ من المناقب ما يضيق (٣) عن حصره التَّعداد. وَلِيَ المدينةَ بعد أخيه جمَّازِ بن منصور (٤) كارهاً غير راضٍ، وقَدَرُ الله في العبد ماضٍ، وعليه قاضٍ. وذلك أنَّهُ لمَّا قُتل جمَّازُ، سئل ولده الأميرُ هِبةُ (٥) أن يُقبلَ على الولاية ويَقَبلَها، ويسترَ على الرَّعية بذيل مَعْدلته ويُسْبِلَها، فامتنع وأبى، وكَلَّ سيفُ

стр. 1253

عَزْمِه عن قَبول الفُضول ونبَا، فأقبلوا على زيَّان (١)، واجتمع عليه الحيَّان، فقال: حاشايَ أن أتقدَّم على أخي عطَّية، فإنَّ تقدُّمي عليه خطأٌ أو خطيَّة، وهو أصلحُنا وأولانا، وأَسْوَدُنا وأعلانا، وخيرُنا في ديننا ودُنيانا، وعليه تقع قرعة الاختيار ولا ثُنْيَانا (٢). فاتَّفقت الآراءُ على تقديمه وتأميره، وتسويده في الأَشراف وتكبيره، كلُّ ذلك وهو غائبٌ في عَرَبِه، وليس هذا الأمُر من بُغْيَته ولا أَرَبِه. فكُتب إلى السُّلطانِ شفاعة في أَنْ يُوَلِّي عليهم الأمير عطيَّة، وأنَّهُ أوفقُ وأصلحُ للمدينة والرَّعية. وسافَر نُعيرٌ بالشَّفاعة إلى السُّلطانِ، فلمَّا وصل مصر أمر بحبسه شهراً من الزَّمان، ثُمَّ طُلب وخُلِع عليه، وكُتب تقليدٌ للأمير عطية بالولاية وجهَّز صُحبتَه إليه. فحضر نُعيرٌ في ثامن ربيعٍ الآخر سنةَ ستين بالخِلْعة والتَّقليد، وحضر الأمير عطيةُ ولبِسها وباشر الولايةَ بالطَّالع السَّعيد، والرَّأي السَّديد، والسَّبْرِ (٣) المَحمود، والسَّيرِ الحَميد. فلم يزلْ في ولايته ساعياً في مصالح المسلمين، راعياً للبلاد بالتَّطمين والتَّأمين، داعياً إلى الله بما يجب على كلِّ مسلمٍ التَّأمين، سَائساً للمُلك سياسةً مقطوعةَ العيوب، ماشياً بسيرةٍ أحيت بِها شيئاً من سير ابن أَيُّوبِ (٤)، شِيمتُه

стр. 1254

العبادةُ والصَّلاح، وطريقتُه التَّوجُّه إلى الله بالغُدوِّ والرَّواح، والإِمساءِ والإصباح، مع الكراهة في اليمين والأمر (١)، والنَّزاهة عن القبض على الجمر، من تنكيدٍ أو تشويشٍ على زيد وعمرو. غيرُ راغبٍ في الدُّنيا ولا طالب، وهو مع الله بالقلب وإنَّما مع النَّاس بالقَالَب. يجلس في النَّادي، ويجتمع عنده الحاضرُ والبادي، ولا يخوضُ معهم فيما خاضوا، ولا يُفيض /٥٠٤ فيما استفاضوا، من أحاديثِ الحوادث وفيه أفاضوا. أخذ الصَّمتَ والسُّكون عادة، وشغَل قلبَه بِما يُصلح به مُتَقَلَّبَه ومَعاده، شِيمتُه الخشيةُ من الله، وعَزْمٌ في العبادة جادٌّ غيرُ لاهٍ، مع مُراعاةِ النَّظر في مصالح الرَّعية، وتدبير المُلك بِما جُبِلَ عليه من الغريزة الأَلْمعية (٢). وأكرهُ شيءٍ إليه مُخالطةُ الأمور الدُّنيوية، وأحبُّ شيءٍ إليه الزُّهد في هذه الدُّنيا الدَّنية، يسلكُ مِنْ لَوَاحبِ (٣) العدل والبُعدِ (٤) لَهِمَّاً (٥) مُوضحاً، وأعدَّ من بأسهِ لمفارِقِ فَرْقِ الطُّغيان مِدْعَسَاً (٦) مُرْضِحاً (٧)، وإذا صلَّى الصُّبح جلس في مُصلاَّهُ لا يتكلَّم حتى يُصلِّيَ الضُّحى. فانصلح بصلاحه جميعُ ذوي قرابته، وتعجَّبَ الكافَّة من عجيب أمرهِ

стр. 1255

وغَرابته، وجمعِه بين نَظْمِ أُمور المُلك وزُهدِه وخشوعهِ في عبادِته وإنابته. ورَدَّ المدينة بعَدلِه إلى حالةٍ يُغْبَطُ أهلُها على سُكْنَاها، وبلغت كلُّ نفسٍ من الخِصْب والعدل والأمنِ مُنَاها، وأَمِنت الناس على أنفسهم وأهلِيهم وأموالهم في مَنَاها (١). وكان عنده وَحشةٌ عظيمةٌ من أخذ العشور والمُكوس (٢)، على أنَّه لم يدخل شيءٌ منه في مطعومٍ ومشروب وملبوس (٣)، ولم يزلْ يحمل همَّها، وينفي سَمَّها، إلى أَنْ طهَّره اللهُ منها بحسن نِيَّة، وخُلوص طَوِيَّة، وعوَّضَه عنها، ما هو خيرٌ منها، ورُتِّب له من الحلالِ مالٌ جزيل، عوضاً عمَّا تركه من ذلك الحرام القليل. وكان لا يظهر عليه آثار الإِمْرة والولاية، ولا له في ترتيب الأُمور المعتادة للأُمراء اهتمام وعناية. حكى لي أبو عبد الله محمدُ بنُ الحَكري (٤) أحدُ قضاةِ المدينة قال: بلغني ضَعْفُه وانقطاعه في البيت فتوجَّهتُ لعيادتِه، ودخلتُ إليه لزيارته، فوجدتُ شخصاً على جِلٍّ (٥) مُلتفاً بكساءٍ عتيق، فظننتُه بعضَ الخُدَّام أو بعضَ الرَّقيق، فقصدت التَّخطي، حتى أُخبرتُ أَنَّه المُتَغطِّي، فأدَّيتُ من عيادته ما وجب، وقضيتُ من زَهَادتِه العجب.

стр. 1256

ومع ذلك لم يُقِمْ بالمدينة سنةً كاملة من حين مَلَكَها إلى أَنْ فارقها وتركها، وكان يُبْلِغُ في وصيته مَنِ استنابه بحُسن السِّيرة في الرَّعايا، والعدل في الأحكام والقضايا، ولذلك سارت أحوالهُ في النَّاس أحسن سيرة، وتخلَّقوا بالخلائق الحميدة، والمكارمِ الأثيرة (١). ٦٠ - عليُّ بنُ يوسفَ بنِ الحسنِ، الشَّيخُ نورُ الدِّين ابنُ الشَّيخِ عزِّ الدِّين الزّرنديُّ، المدنيُّ، الأنصاريُّ (٢). كان من أفاضل الدَّهر، وأماثلِ العصر، واحدَ الزمان، وفريدَ الأقران، /٥٠٥ الرَّاقي مراقي الأعلام، بالبيان واللِّسان والأقلام، مع القريحة الوقَّادة، والبصيرة النَّقَّادة، والسَّريرةِ التي بِها سادَ القادة، وقادَ السَّادة. تفقَّه على مذهب الإمام أبي حنيفة، وحوى من فنون العلم كلَّ نُخْبَةٍ طريفة، وألقى بالآخرِ شَرَاشِره (٣) على علوم الأحاديث الشَّريفة، وفَرَّعَ بِها من قُلَلِ (٤) المعالي كلَّ قُنَّةٍ (٥) مُنيفة، مع نظم يخترع في ارتجاله الأفكار، وتُفترع (٦) في حِجاله (٧) الأبكار، ويَطْلَعُ في غياضهِ (٨) الأَنْوار (٩)،

стр. 1257

ويبدعُ (١) في رياضهِ الأزهار، ويَفْسُرُ (٢) فضلُه بالفضائل حَالِ، ونجمُه في أُفق المعالي عَالِ، ومصنفاتٍ تروق الطَّالبين إتقاناً، ومُؤلَّفاتٍ تشوق المستفيدين إيقاناً، ودروسٍ أحيت عِلمَ النُّعمان (٣) بعد ما درس، وفوائدَ سقى بنَميرها (٤) ما في قلوب الطُّلاب من العلمِ غَرَس. وَلِي عَام سبعٍ وستين وسبعمائة وظيفتي الحُكم والحِسْبة، ولمَّا كان أنصارياً قام بنصر سُنَّةِ المصطفى قياماً صحَّح به النِّسبة. دفع بسيف بأسه البِدعَة وأهلَها، وأُيِّدَ ببركة سَمِيِّهِ المرتضى (٥)، قَدِمت خلائقُ الخلائق (٦) حَزْنُها وسَهْلُها، وإنْ لم يكنْ سَمِيُّ عليٍّ للملَّة الحنيفيَّة فمَنْ لَها؟ وكان له إلى الدِّيار المصرية تَرْدَاد، وَوِفادةٌ كلمَّا تكرَّرت جعلَتْ مواد، ودارتنا تزداد (٧). واتَّفق له في عام أحدٍ وسبعين دخولُ العراق، وأقام مدَّةً ببغداد، وأَحْيَا بإسماع الحديث مادَثَرَ من معالمه وبَاد، وأفادَ وأجادَ، وأَبْدَأَ وأعاد، ورفع أركان السُّنَّة وأَشاد، وتُلُقِّي بالإكرام والإمجاد، وحسنِ الإصدار والإيراد، وبعد إكمال عامه، رجع إلى وطنه ومَقامه. وقدم اليمن في سنة سبعٍ وخمسين وسبعمائة، فدخل مدينة

стр. 1258

زبيد (١) دخولاً عظيماً، وأقبل إليه أهلها إقبالاً كريماً، ووقف بين الحنفية مفيداً، وفي مَغاني (٢) مذهبهم مجيداً، ثمَّ ارتحل إلى الملك المجاهد (٣) فأكرمه غاية الإكرام، وعرض عليه الولاية بنشر الأعلام، فرغب عنها، ثم دخل التعز الأعظم...... (٤)، ثم قدم المخلاف إلى الفقيه عبد الله السقالي، وزار الصالحين هنالك، ثم قصد الفقيه حسن بن أبي النيروز واستفاد منه، ثم رجع إلى بلده على أحسن حال، وأنعم بال. وفي الحجَّة من عامِ ثلاثٍ وسبعين عقيب صدوره من مصر أدركه الأجل المحتوم، وظهر له الأمَدُ المكتوم، وأعقب أولاداً كِراماً، كلٌّ منهم بلغ من الفضل مَرَاماً. أنشدني رحمه الله تعالى من شعره من قصيدة طويلة: أشتاقُ قُرْبَكَ واللَّيالي تُبْعِدُ … وأَرومُ عَطْفَكَ والزَّمانُ يُنكدُ ما غَيَّرَ الهجرُ المقيمُ ولا الجَفَا … ما كنتَ من حسنِ المودَّة تَعْهَدُ إنْ كان في تَلَفي رضاك فإنَّني … أهوى هواكَ وأبتغي ما يَقْصدُ أَعلمتَ أنَّ السُّقْم بَعدَك لم يدعْ … لي ........................... (٥) ومن العجائبِ أنني لك سائلٌ … والدَّمعُ مني سائلٌ مُتَبَدِّدُ وله رحمة الله عليه من قصيدة:

стр. 1259

/٥٠٦ هبَّ إذْ هبَّ شَمالٌ وصَبا … مِنْ كَراهُ الشَّوقُّ صَبَّاً وصَبَا (١) صبَّ دمعاً فَرَجَا في صَبِّه … فَرَجاً فازدادَ منه وَصَبَا (٢) هاجَهُ ذكرُ ليالٍ سلفَتْ … بلذيذ العيشِ أيَّامَ الصِّبَا يارعَى اللهُ لُيَيْلَاتٍ مضَتْ … مَعَ مَنْ تَهوى ودهراً أَخْصَبا حينَ لا نخشى من الواشي وقَدْ … غَفَلَتْ عنَّا عيونُ الرُّقَبا مَنْ لِمَنْ قد بانَ عنه إِلْفُهُ … وعن الأحبابِ رَغْماً غُيِّبَا (٣) شَرَّقَتْ أحبابُه إذْ غَرَّبَا … أين مَنْ شرَّقَ ممَّنْ غَرَّبا (٤) أَتُراهم يذكرونا بعدَهم … أمْ نَسُونا منذْ صِرْنَا جُنُبا (٥) فأعِدْ يا سعدُ ذِكْرَ المُنْحنى … إنَّ ذِكْرَاه تُهِيجُ الطَّرَبا (٦) قِفْ بأُحْدٍ ومغاني طيبةٍ … حبَّذا تللك المغاني والرُّبا إنْ تُرِدْ قلبَ المُعنَّى تَلْقَهُ … بينْ سَلْعٍ والمُصلَّى وَقُبا (٧) وعلى وادي العقيق اجتزو … فيالك من مائهِ ما أَعْذَبا لكنْ النَّفسُ ولو نالت من الد … هر ما نالَتْ عُلاً أو مَنْصِبا مَيْلُها طبعاً إلى أوطانها … تَذْكُر المَرْبَا وتَهوى اللَّعِبا سِيِّما ما كان منه وطناً … حلَّه أَزْكَى البَرايا نَسَبا يَمِّمِ المَغْنَى الذي مَنْ أَمَّهُ … نالَ في الدَّارين ما قدْ طَلَبا * * *

стр. 1260

حرف الفاء ٦١ - فضلُ بنُ قاسمِ بنِ قاسمِ بنِ جمَّازِ بن شيحة الحسينيُّ (١)، تقدَّم نسبُه في ترجمة جدِّ أبيه جمَّاز. كان أميراً كَمِيَّاً (٢)، ومَزِيراً (٣) جَرِيَّاً (٤)، وصِنْدِيداً سَرِيَّاً (٥)، وعميداً عَبْقَرِيَّاً (٦)، وسَنْدَرِيَّاً (٧) بالزَّعامة حَرِيَّاً، ذا دَهَاءٍ في الأمور حُوَلِيَّاً قُلَّبِيَّاً (٨)، وَلِيَ إمارة المدينة بعد وفاةِ سعد بن ثابت (٩) في شهر ربيعٍ الآخر عام اثنين وخمسين وسبعمائة. اجتمع آل جمَّاز وأجمعوا على تقديمه، واتَّفقوا على رياسته لحديثه وقديمه، وحالفوه على النُّصرة والطَّاعة، وعاقدوه على تنفيذ أوامره المُطاعة، وخَطَبَ على المنبر باسمه الخطيب، ونَشَر من عدله على الرَّعية أطيب طِيب.

стр. 1261

وتوجَّه مانعُ بنُ عليٍّ (١) إلى السُّلطان لاستنجاز مرسوم يتضمَّنُ إمضاءَ هذا الشَّان، فلمَّا دخل مصر وطلع بالخبر إلى القلعة، ورسم له بالتَّقليد والخِلْعة، /٥٠٧ ووصل بِهما في جُمادى الآخرة، فتضاعف في ولايته مفاخرُه الفاخرة. واستمرَّ في ولايته إلى آخر عام أربعة وخمسين، فمرِض مرضَاً شديداً لقي منه البُرَحِين (٢)، وتُوفِّي في ذي القَعدة بعد مضيِّ ستةٍ وعشرين، ودُفن بقُبَّة الحسن والعبَّاس، وفَقَد من أخلاقه النَّاس، ما أزرى على الورد والآس (٣). * * *

стр. 1262

حرف القاف ٦٢ - قاسمُ بن مُهنَّا (١) بن حسينِ بن مُهنَّا بن داودَ بن قاسمِ بن عبدالله بن طاهرِ بن يحيى بن الحسين بن جعفر بن الحسينِ بن عليِّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الأميرُ عزُّ الدِّين أبو فُليتة. كان جميلَ النَّقيبة (٢)، وسيم المُحيَّا (٣)، قَيِّم (٤) الوجه، أسحجَ (٥) أبلجَ (٦)، مَنْظَرانياً (٧) بَهِياً، وضَّاحاً غسَّانيَّا (٨) ذا رَأْيٍ سديد، وشَأْوٍ (٩) بعيد. قال العمادُ الأصفهانيُّ (١٠) ﵀ في فصلٍ يذكر السُّلطانَ الملكَ العادلَ صلاحَ الدِّين يوسفَ بن أيُّوب (١١)، قال: وكان أميرُ المدينة النَّبويِّة

стр. 1263

صلواتُ الله على ساكنها في موكبه، فكأنَّ رسولَ الله ﷺ سَّيرَ الفقير إلى نُصرته، مَنْ يثْرِي (١) به مِنْ يَثْرِبِه. وهذا الأميرُ عزُّ الدِّين أبو فُليتة، وقد وفد في تلك السَّنة أوانَ عودِ الحاجِّ، وهو ذو شيبةٍ تَقِدُ (٢) كالسِّراج، وما بَرِحَ مع السُّلطان مأثورَ المآثر، مذكورَ المفاخر، ميمونَ الصُّحبة، مأمونَ المحبَّة، مباركَ الطَّلْعة، مُشارِكاً في الوقعة، فما تمَّ فتحٌ في تلك السِّنين إلا بحضوره، ولا أشرق مطلعٌ من النَّصر إلا بنوره (٣). فرأيتُه ذلك اليوم للسُّلطان مُسايراً، ورأيتُ السُّلطانَ له مُشاوراً مُحاوراً، وأنا أسير معهما، وقد دنوتُ منهما، ليسمعاني وأسمعهما. وقال أبو شامة (٤): كان السُّلطان صلاح الدِّين مُحبَّاً في الأمير قاسم بن مُهنَّا، يستصحبه في غزواته، ويستنصر (٥) ببركاته في فتوحاته، حضر معه أكثر

стр. 1264

الفتوحات في تلك السِّنين، وكان السُّلطانُ يجلسه منه على اليمين، ويستوحش بغيبته، ويستأنس بشيبته، وما حضرَ مع السُّلطان حصارَ بلدٍ أو حصنٍ إلا فتحه الله على المسلمين. وكان السُّلطانَ يعتقد بركة نسبه الطَّاهر، ويُتحفه ويُكرمه بالمكارم البواهر. وَلِيَ أمارة المدينة في أيَّام أمير المؤمنين المستضيء بالله (١) بن المُستنجد بالله. وذكِرُ ترجمةِ الشَّريف أبي فُليتة ليس من شرطِ كتابي هذا، وإنَّما ذكرتُه بسؤالٍ من بعض الأشراف، وطلبٍ ممَّنْ تعيَّن مقابلةُ التماسه بالإجابة والإسعاف. ٦٣ - قاسمٌ التكروريُّ (٢). من المُنقطعين عن هذه الدَّار، ملازماً للسياحة في الجبال والبَرار، لايدخل المدينة إلا من جُمعةٍ إلى جمعة، ويقتات بالبُقول، ويتَّبع مسَّاكات (٣) المياه والأنهار والتي بين الجبال، كَغُدْرَانِ وَرِقَانَ (٤)، ونُعمان (٥) والسُّدُّ (٦) وغيرها، فيصيدُ منها ما يتيسَّر من الحوت،

стр. 1265

ويُهيِّئ لنفسه منه بعض القوت، وما فضلَ منه يهديه إلى أحبابه، ويُفرِّقه على أصحابه (١). وكان وضع في عُنقه غُلاًّ عظيماً يتذكَّر به أحوال الآخرة وأهوالها، حتى قيل: إنَّه مخالفةٌ للسُّنة وابتداعٌ في الشَّريعة (٢)، فأخرجها وأزالها. وكان يسرد الصِّيام، ويتحرَّى بيسير ممَّا تيسَّرَ من الطَّعام. ومات بطريق مكَّة مُحرِماً عام سبعةٍ وسبعين وسبعمائة، رحمة الله عليه. * * *
следующие страницы →