← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1172

المغانم المطابة في معالم طابة

الفيروزآبادي

Полный текст (1 351 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وتوجَّه مانعُ بنُ عليٍّ (١) إلى السُّلطان لاستنجاز مرسوم يتضمَّنُ إمضاءَ هذا الشَّان، فلمَّا دخل مصر وطلع بالخبر إلى القلعة، ورسم له بالتَّقليد والخِلْعة، /٥٠٧ ووصل بِهما في جُمادى الآخرة، فتضاعف في ولايته مفاخرُه الفاخرة. واستمرَّ في ولايته إلى آخر عام أربعة وخمسين، فمرِض مرضَاً شديداً لقي منه البُرَحِين (٢)، وتُوفِّي في ذي القَعدة بعد مضيِّ ستةٍ وعشرين، ودُفن بقُبَّة الحسن والعبَّاس، وفَقَد من أخلاقه النَّاس، ما أزرى على الورد والآس (٣). * * *

стр. 1262

حرف القاف ٦٢ - قاسمُ بن مُهنَّا (١) بن حسينِ بن مُهنَّا بن داودَ بن قاسمِ بن عبدالله بن طاهرِ بن يحيى بن الحسين بن جعفر بن الحسينِ بن عليِّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الأميرُ عزُّ الدِّين أبو فُليتة. كان جميلَ النَّقيبة (٢)، وسيم المُحيَّا (٣)، قَيِّم (٤) الوجه، أسحجَ (٥) أبلجَ (٦)، مَنْظَرانياً (٧) بَهِياً، وضَّاحاً غسَّانيَّا (٨) ذا رَأْيٍ سديد، وشَأْوٍ (٩) بعيد. قال العمادُ الأصفهانيُّ (١٠) ﵀ في فصلٍ يذكر السُّلطانَ الملكَ العادلَ صلاحَ الدِّين يوسفَ بن أيُّوب (١١)، قال: وكان أميرُ المدينة النَّبويِّة

стр. 1263

صلواتُ الله على ساكنها في موكبه، فكأنَّ رسولَ الله ﷺ سَّيرَ الفقير إلى نُصرته، مَنْ يثْرِي (١) به مِنْ يَثْرِبِه. وهذا الأميرُ عزُّ الدِّين أبو فُليتة، وقد وفد في تلك السَّنة أوانَ عودِ الحاجِّ، وهو ذو شيبةٍ تَقِدُ (٢) كالسِّراج، وما بَرِحَ مع السُّلطان مأثورَ المآثر، مذكورَ المفاخر، ميمونَ الصُّحبة، مأمونَ المحبَّة، مباركَ الطَّلْعة، مُشارِكاً في الوقعة، فما تمَّ فتحٌ في تلك السِّنين إلا بحضوره، ولا أشرق مطلعٌ من النَّصر إلا بنوره (٣). فرأيتُه ذلك اليوم للسُّلطان مُسايراً، ورأيتُ السُّلطانَ له مُشاوراً مُحاوراً، وأنا أسير معهما، وقد دنوتُ منهما، ليسمعاني وأسمعهما. وقال أبو شامة (٤): كان السُّلطان صلاح الدِّين مُحبَّاً في الأمير قاسم بن مُهنَّا، يستصحبه في غزواته، ويستنصر (٥) ببركاته في فتوحاته، حضر معه أكثر

стр. 1264

الفتوحات في تلك السِّنين، وكان السُّلطانُ يجلسه منه على اليمين، ويستوحش بغيبته، ويستأنس بشيبته، وما حضرَ مع السُّلطان حصارَ بلدٍ أو حصنٍ إلا فتحه الله على المسلمين. وكان السُّلطانَ يعتقد بركة نسبه الطَّاهر، ويُتحفه ويُكرمه بالمكارم البواهر. وَلِيَ أمارة المدينة في أيَّام أمير المؤمنين المستضيء بالله (١) بن المُستنجد بالله. وذكِرُ ترجمةِ الشَّريف أبي فُليتة ليس من شرطِ كتابي هذا، وإنَّما ذكرتُه بسؤالٍ من بعض الأشراف، وطلبٍ ممَّنْ تعيَّن مقابلةُ التماسه بالإجابة والإسعاف. ٦٣ - قاسمٌ التكروريُّ (٢). من المُنقطعين عن هذه الدَّار، ملازماً للسياحة في الجبال والبَرار، لايدخل المدينة إلا من جُمعةٍ إلى جمعة، ويقتات بالبُقول، ويتَّبع مسَّاكات (٣) المياه والأنهار والتي بين الجبال، كَغُدْرَانِ وَرِقَانَ (٤)، ونُعمان (٥) والسُّدُّ (٦) وغيرها، فيصيدُ منها ما يتيسَّر من الحوت،

стр. 1265

ويُهيِّئ لنفسه منه بعض القوت، وما فضلَ منه يهديه إلى أحبابه، ويُفرِّقه على أصحابه (١). وكان وضع في عُنقه غُلاًّ عظيماً يتذكَّر به أحوال الآخرة وأهوالها، حتى قيل: إنَّه مخالفةٌ للسُّنة وابتداعٌ في الشَّريعة (٢)، فأخرجها وأزالها. وكان يسرد الصِّيام، ويتحرَّى بيسير ممَّا تيسَّرَ من الطَّعام. ومات بطريق مكَّة مُحرِماً عام سبعةٍ وسبعين وسبعمائة، رحمة الله عليه. * * *

стр. 1266

حرف الكاف ٦٤ - كافورٌ المُظَفَرِيُّ (١)، المعروف بالحريريِّ، المُلقَّب شِبلَ الدَّولة، شيخُ الخُدَّام بالحَرم الشَّريف النَّبويِّ. تولَّى المشيخة عامَ سبعمائةٍ بعد موت عزيزِ الدَّولة العَزيزيِّ. ربَّاهُ الملوكُ، وربَّى الملوكَ، وسلكَ في المشيخة أحسنَ سلوك، أخرج لطيبِهِ طيِّبَ محاسنِ الشِّيَم من عَيْبَتِه (٢)، وأرعبَ قلوبَ الأشراف بصلابته وهيبته. ذو كَرَمٍ يُلقح آمال الرِّجال بلواقح رِياحه، ويَملأُ أطراف الحرم بشوامخ صباحه. كان إذا سمع هَدَّةً أو صوتاً مُزعجاً من انكسارِ قِنْديلٍ أو انحسار طِرْبيل (٣)، قابله بصيحةٍ أجفت جَرْسَهُ (٤)، وأعدمَتْ حِسَّه، وسكَّنت رحبه، وضيَّقت بزعزعته نحبه. ومن غريب ما يُذكر عنه أنَّه عطَس مرَّةً من المِرار، فوقعَ لهيبته المُؤذِّنُ من أعلى المنار. وله في الحرمِ الشَّريف آثارٌ حسنَة، ربَط بِها في سِجلِّ السَّعادة رَسَنَهُ، ومن أظهرِها وأشهرِها، وأعلاها وأفخرها؛ بناءُ المنارة التي أنشأها بباب السَّلام، وشهد بحُسنها ولياقتِها لسانُ الإجماعِ على رُؤوس الأعلام.

стр. 1267

يحكى أنَّه لما حجَّ بيبرس (١) وسَلاَّر (٢)، ودخلا المدينة لنيل شرفِ الازديار، فاوضهما كافورٌ في أمر المنار، وإنَّما قصد الإذَن منهما لا الدِّرهم والدِّينار، وصرَّح لكلٍّ منهما بذلك، وقال: عندي من قناديل الذَّهب والفِضَّة ما يكفيني عن مالك. وكان قد ربَّاهما في بيت السُّلطان، وأنشأهما صغيرين في حَجرِ الإحسان، فأصبح مُجَلاًّ لديهما، مُدِلاًّ عليهما، مَرْعِيَ الجَناب، مُراعَى الحقوق، مسموعَ الكلام، ممنوع العقوق. فأنعما له بالإذن من غير امتناع، ووعداه بتجهيز /٥٠٩ المُؤَن وإرسال الصُّنَّاع، فخاف كافورٌ صروفَ الحوادث، واشتغالهما بالمُلك مع قِلَّة البواعث، فبادر إلى تحصيل المُؤَن والحِجارة، وما يُحتاج إليه في عِمارة المنَارة، فجمع من ذلك أمثالَ الجبال الرَّواسي، ونَهض بعزمةٍ أحدَّ من المواسي (٣)، وهِمَّةٍ تأنف من كلِّ مساعدٍ مُوَاسي، وأمر بحفر الأساس، واستقلَّ بالعمل من بين الأُناس، ولا دبَّر ولا قاس، ولا خاف القِلَّة والإفلاس، ولم يكن عِمدتُه على قناديل الحرم، وإنَّما حمله على ذلك الإخلاصُ والكَرَم، وقد أراد اللهُ ذلك وبه حَكَم، فلم ينْزلوا إلا قليلاً إذْ وجدوا باب مروان بن الحكم، فنبشوه فإذا بَرْنِيَةٌ (٤) مَلأى من المال، سهَّل الله بِها الأعمال، وبلَّغ المخلصين المنى والآمال.

стр. 1268

وحفروا حتى أماهوا (١)، وشرب النَّاس، ثمَّ دكُّوا الأساس، وحضر عقيب ذلك الصُّنَّاع والمُعلِّمون، وأهلُ الهندسة والمُقدَّمون، فقال مُقَدَّمهم ورئيسهم: لابدَّ من نقض الأساس بِرُمَّتِه، وإعادة أساسٍ مُتْقَنٍ يقع البناءُ على قِمَّته، والواجبُ أنْ يُعطى كلُّ أحدٍ حقَّ صَنْعَته، ومتى بنينا على هذا الأساس المجهولِ الإتقان، لا نأمنُ غائلة التَّخَلْخُل في هذا البُنيان. فلمَّا طال بينه وبين كافور التَّعارض، وآل الأمرُ فيه إلى الخِلاف والتَّناقض، أعرض المهندس عن الشُّغل وترك، وقال: إنِّي أخشى ما يلزمني في ذلك من الدَّرَك، مع ما يلحق واجبَ الصَّنْعَة من المَعَاب، فطلب المآب وركب اللَّيل وغاب. فقال كافورٌ لبقية المُعلِّمين: اعملوا وأنا لكم بحصول القصدِ ضمين، وشَمِّروا في الخدمة وأنا لكم ناصحٌ أمين، وأرجو أنْ يَمنَّ اللهُ عليكم بالإتمامِ، وحُسنِ النِّظام ببركة سيد الأنام، وأشرفِ الرُّسل الكرام، عليه أفضلُ الصَّلاة والسَّلام. فعَمِلوا وكمَّلوا، وأَتقنوا وجَمَّلوا، وجاءَ وثيقَ المبنى، رشيقَ الصُّورة والمعنى، يُفاخر القرائنَ من المآذن حُسناً، وعليها اليوم اعتمادُ المُؤذِّنين في سائر الأوقات، لأنَّها متوسطةٌ يبلغ الأذانُ منها جميعَ الجهات، فجزاه اللهُ عن هذه الحسنة غفراناً، كما يؤتيه عند كلِّ أذانٍ منها رَوحاً وريحاناً. ومن آثاره الطَّاهرة، وأنواره الظَّاهرة تعطيلُ الطَّواف بالسَّعَف والجريد اليبيس، وتبديلها بالشُّموع المغروزة في الفوانيس. وذلك أنَّ في أيام مَنْ تَقَدَّمه من الشُّيوخ كانت العادة أَنْ يأخذَ جماعةٌ من

стр. 1269

الفَرَّاشين شُعَلاً من سَعَف النَّخل يَجْرُون بِها من الرُّواق إلى الرُّواق، جَرْيَ الخيلِ المُضَمَّرةِ في حَلبةِ السِّباق، فإذا وصلوا إلى باب النِّساء رموا بقايا الشُّعل، وفعل كلُّ منهم في خبطٍ/٥١٠ شُعْلته على الأرض كأقبحِ مَنْ فعل، فَسَوَّدَ الباب والبلاط، وأوقع البوابة في الأخلاط والاختباط، ولم يزل ذلك من أشنع ما يقع في هذا المكان أَنْ تعدَّتْ شناعتُه حدَّ الإمكان، وأمر كافورٌ بالإبطال، وأَنْ تُبدل بالشُّموع الزَّواهر أحسنَ إبدال، ويحملها فتيانٌ من الصَّقالبة (١) الحاكين في الانتظام سِلك لآل (٢). ومن سُنَّتهم أنَّهم إذا وصلوا حِذاء باب كافور وضعوا الفوانيس لحظةً ثمَّ رفعوها إيذاناً بهذا الحال. ومِمَّا يُذكر من عُلوِّ هِمَّته، وسَعة نعمته، أنَّه لما استقرَّ الأميرُ منصورُ بنُ جمَّاز (٣) في ولايته، نزل من الحصن إلى الحرم، وجلس في وسط المسجد، وأمر بإحضار مَنْ في المدينة من المجاورين والخُدَّام، وكان قد تخيَّل منهم أنَّهم كاتبوا فيه السُّلطان، وأنَّ ما جرى عليه من الإمساك والاعتقال، والعَزْل والإذلال، إنَّما كان بسببهم، فشرع يقولُ لكلِّ واحدٍ واحدٍ من الحاضرين، ويخاطب بنفسه فرداً فرداً من الخُدَّام والمجاورين: ما اسمُك؟ فإذا عرفَه قال: ما بلدُك؟ فإذا أخبره قال: دونَك بلدَك، وإنْ تخلَّفْتَ حللْتَ مالكَ ودمَك

стр. 1270

وأهلك، وهكذا ولدك، فخاطبهم من هذا المقام، حتى أتى على آخرهم وقام. فوقع النَّاس في شِدَّةٍ عظيمة، وكُربةٍ عميمة، فقال كافورٌ ﵀: لا يُهِمَنَّكم، هذا الحال، فأنا دونكم بالنَّفس والمال، وإنْ كان الله سبحانه أراد بكم الانتقال، وانبرم منه هذا المقال، فأنا مُتكفِّلٌ لجميع الفقراء وذوي العيال، بالنَّفقة والجمال، إلى أنْ تبلغوا مَآمنكم، وتدخلوا مكامنكم، وبعث إلى بني سالمٍ وسائر العُربان، وعيَّن الظُّهور (١) وقَدَّم الأُرْبَان (٢). فقَدَّر الله تعالى أَنَّ زوجَةَ الأمير منصور ـ وكانت من الصَّالحات المباركات، قالت له: يا منصور، هَبْ أنَّك مُسلَّمٌ من الملك النَّاصر، أَمانعاً أَنَّ جميع العُربان من آل فضل وخالد وبني لام يجزمون ويحكمون بأنَّك كافر؟ ولم تزلْ عليه حتى أرسل إليهم بالتَّأمين والاستقرار، والتَّطمين والاستمرار. وكان كافورٌ ﵀ من أحسن الخُدَّام منظراً وقَدَّاً، وأسمحِهم وجهاً وخَدَّاً، وأجملِهِم صورةً وشكلاً، وأعظمهم صوناً وأُكْلاً (٣). وكان رحمة الله عليه إنَّه تَوْأَمٌ، مات أخوه بعد أن ولدتهما أمُّهما، يعقل ذلك عقلاً. لم يزل ﵀ في منصب المشيخة من يوم توَّلاها إلى أَنْ توفي في عام أحد عشرَ وسبعمائة، رحمة الله عليه. ٦٥ - كافورٌ بنُ عبد الله الخُضَريُّ (٤)، المُلقَّب شِبلَ الدَّولة، كان

стр. 1271

من الخُدَّام المقدَّمين في فعل الخيرات، والمبادرة إلى المبرَّات، والمُثابرة على الحسنات، والمُواظبة على الأعمال الصَّالحات، ومن المشهورين بعُلوِّ الرَّوايات، والمذكورين فِيمَنْ سمع على جماعةٍ من أصحاب الأسانيد العاليات. يشهدُ له بذلك خُطوط الضَّابطين في الطَّبقات القديمات، باسطاً كفَّيه من الغُدُوات إلى العَشيَّات، بإنفاق الدُّرَيهمات، وإخراج الحسنات. أعتقَ جماعةً من العبيد الخَيِّرين والإِماء الخَيِّرات، وكان من جملتهم الشَّيخُ عبد الله الخضريُّ، الذي قلَّ ما تَسمحُ بمثله الأزمان والأوقات. يُحكى عن شبل الدَّولة أنَّه كان يضعُ معلومَهُ في غُلْفِ أباليج (١) السُّكَّر، محطوطاً في أطراف البيت، لا عليه قُفْلٌ مُغْلَقٌ ولا بابٌ مُسكَّرٌ، وإنَّما يَملأ منه كيساً يجعلُه في جيبه، لا تفتر عنه يده، نَهاره كالسَّحاب الصَّيِّب بِسَيْبِه (٢)، يعطيه علانيةً وسِرَّاً، ويُنفقه خُفيةً وجهراً، ويتَّخذه عند الله الكريم ذُخراً. وكان الخُضريُّ والعادليُّ في السُّكنى مُتعادلين متجاورين، وعلى فعل الحسنى متعاونين مُتَوازِرَينِ. توفي ﵀ قبل السَّبعمائة. ٦٦ - [كافور] البنويُّ الصَّلاحيُّ (٣)، قال العماد الكاتب: سيِّدٌ أسود،

стр. 1272

شاعرٌ مُجوِّد، قرأتُ في (تاريخ السّمعانيِّ) (١)، أنَّه كان أسودَ طويلاً، لا لحيةَ له خَصِيَّاً. ومن شعره: حتامَ همُّكَ في حطٍّ وتِرْحَال … تبغي العُلى، والمَعالي مَهْرُها غالي يا طالبَ المجدِ دون المجدِ ملحمةٌ … في طَيِّها تَلَفٌ للنَّفس والمالِ وللَّيالي صروفٌ قلَّ ما انجذبت … إلى مرادِ امرئٍ يسعى بآمال * * *

стр. 1273

حرف الميم ٦٧ - مختار الزُّمرُّديُّ، ظهيرُ الدِّين (١) كان قريباً لمحسن الإخميمي جمالِ الدِّين (٢)، فهما يتآنسان ويغربان في قَرَن (٣)، ولا يَتدنَّسان من معايب المثالب بِدَرَن، ويمشيان في نسقٍ واحدٍ من الهيبة والمهابة، ويُمسيان في لَسَقٍ (٤) شديدٍ من حُسْنِ الودادة والصِّحابة، مع رُجْلَةٍ (٥) وشهامة، وحذاقةٍ بدقائق الرِّئاسة والزَّعامة، ومحافظةٍ على وظائف المرُوَّة، وملاحظةٍ لما يتعيَّن على المسلم من المكارم والفُتُوَّة. ولمَّا تُوفي الزُّمرديُّ، رَأَسَ محسن (٦) الخُدَّامَ، وتقدَّم عليهم، وتكرَّم على الكل وأحسن /٥١٢ إليهم، مع لين الجانب، وكثرةِ الأدب مع الأصحاب والأجانب، وجمع الله له بين حسن الأخلاق والخلائق، حتى اجتمعت الجماعة على أنَّه للمشيخة لائق، فأدركه الأجل قبل تنفيذ هذا الرَّأي منهم، وانتقل إلى الآخرة، وتعوَّض برحمة الله عن المشيخة وعنهم. ٦٨ - مرشدُ القاري، شهاب الدين (٧) جليسُ المجاورين، وأنيسُ

стр. 1274

المُسامرين، كان إلى مؤانسة مَنْ يُخالطه مَيَّالاً، وإلى مجالسة مَنْ يعاشره سَيَّالاً، وإلى الخواطر أليفاً قريباً، وإلى القلوب حَليفاً حبيباً، فهو طول عمره يَجْبر كسيراً، أو يُطعم فقيراً، ويُؤنس غريباً، ويعتني بتحصيل فاخر الأشربة والمياه والمعاجين، وجَمْعِ محاسنِ البَقول والفواكه والحلاوى بالعُلَب في الصَّناديق والمراجين (١)، وكلُّ ذلك مبذولٌ للأصحاب والإخوان، وممدودٌ لهم من مفاخر الإطعمة الخِوَان (٢). يُبدع من الحلاوى والطبائخ غرائبَ ويُبديها، ويُتحف بها صالحي المجاورين ويُهديها، لا يُطلَبُ منه حاجةٌ فيقول: لا أجد، بل إن وجدها يَجُدْ بها، وما لا يجدها يطلبها من مظانِّها ويستنجد ويبذل غاية الجهد في تحصيل حاجة الصاحب وإليه يُسندها. ٦٩ - مُحمد بنُ مُحمدِ بنِ أحمَدَ بنِ إبراهيمَ بنِ يحيى بنِ أبي المجد، القاضي شرفُ الدِّين (٣)، أبو الفتح، ابن القاضي عز الدِّين أبي عبد الله ابن الشَّيخ كمال الدِّين أبي العباس ابن العلامة شيخ الشافعية برهان الدِّين أبي أحمد الشافعيُّ، المِصريُّ، الشهير بابن الأُميوطي. كان فقيهاً يُضرب بحفظه الأمثال، ويُلقط من لفظه اللآل، وتُشَدُّ إليه الرِّحال، وتُضرب إليه أكباد الآبال، وينال المستفيدون من غزارة علمه غاياتِ الآمال. إذا نَقَلَ الفقه فَحدثْ عن البحور، وإذا رقا المنبر فاحكِ عن الخِراص (٤)

стр. 1275

وقد زُيِّنت بِها النُّحور، وإذا تعرَّض لاستنباط معاني الأحاديث، تضاءلت البُزَاة (١) عنده حتى إنَّها براغيث. كان يفتكر فيما لا يظهر له محل فيفتقر له أجناس المحامل، ويبتكر في شرح الحديث غرائبَ يَعَضُّ لحسنها الأنامُ الأنامل، مع الخُلق الأضفى (٢) والوُدِّ الأصفى، والجودِ الأوفى، والعدلِ الذي قضى به على كلِّ ذي حقٍّ حقَّه وأوفى، والهيبةِ التي أودعت كلَّ قلبٍ زائغٍ عن الحق رُعباً وخوفاً. وكان مُتمسِّكاً من السُّنة النَّبويَّةِ بالعروة الوثقى، سطا ببأسه على المخالفين المبتدعة /٥١٣ فأنكى، وأبكى منهم النَّواظر بَخْقاً (٣) وبثقاً (٤). وله تصانيفُ عديدة، وتآليفُ مفيدة، منها: (الجواهر السَّنية في الخطب السُّنِّية)، قلَّتْ خُطبةٌ خلت عن توبيخ أهل الابتداع، وردعٍ بعنف قلَّ ما يتأخَّر عنه الانزجار والارتداع. وله في المدينة الشريفة مقاماتٌ رائقات، وحسناتٌ على وجه الزَّمان باقيات. منها: إبطالُ صلاة النِّصف من شعبان (٥)، وإزالة هذه البدعة التي كان

стр. 1276

الشَّارع على مُخترعها جِدَّ عَتْبَان. وكان ينضمُّ إليها مبتدَعاتٌ أُخَر، ومنكراتٌ جزيلُ الأجر لمزيلها مُدَّخَر. ومنها: زينةُ المسجد بكثرةِ الأنفال (١) والإشعال (٢)، وخروج المُخدَّرات من الحِجَالَ (٣)، واختلاطهن في المسجد بالرَّجال، ومتابعة بالصياح والعِياطِ (٤) ومداركة المِياط والهِياط (٥)، بحيث لا يبقى للحرم احترام، ويعجز عن دفع ذلك القُرَمَةُ (٦) والخُدَّام. ومنها: أنَّ الإماميةَ كانوا ينفردون لصلاة العيد، في مسجدٍ عن المُصلَّى بعيد، وكانوا يزعمون أنَّه مسجد عليِّ بن أبي طالب، وأنَّ الصلاة فيه من أعظم المطالب، فعزَّ عليه افتراقُ جموع المسلمين، فتَعهَّدهم من ذلك بسطوته القاهرة وأيْدِه (٧) المتين، وألزمهم الحضورَ والصلاة في مُصلَّى الرَّسول، والدُّخولَ مع جماعة المسلمين فيما هو أقرب إلى القَبول، وأقومُ طريقٍ إلى الوصول. ومنها: أنَّ الإمامية كانوا يُقيمون صلاة الظُّهر بانفرادهم والإمامُ على

стр. 1277

المنبر، فلمَّا نُبِّهَ لذلك تغيَّر عليهم وتنمَّر، وزجرهم بالزَّجر البليغ فازدجر منهم من ازدجر، وربَّما دلَّس عليه بعض المغَالين فوصل بتحية المسجد ظُهْرَه، فيتفطَّنُ له فيدعوه ويُوجع بالضَّرب المُؤلم ظَهْرَه. ولم يزل ذلك دأبَهم ودأبَه، حتى أزال المنكر وسدَّ بابَه، وأراحَ الخلاف وحدَّ أسبابه، فأجزل الله له ثوابه، وأكرم مُنقلبه ومآبه. ومنها: أنَّه أمر بتسوية الحفرة التي يصلِّي فيها الإمام، بِمحراب النبي ﵊، واختار بأنْ يُسدَّ ذلك ببناءٍ وثيق لايُزال، وإلا فبألواح خشبٍ قابلهٍ للنَّقل والانتقال، وذلك ليتساوى موقفُ المأموم والإمام، وتسلم صلاتُهم عن المَرَاهة (١) والكراهة باتِّفاق الأعلام من أئمة الإسلام، فلم يُوافَقْ على ذلك وقُوبل بالعِناد، فنعوذ بالله من استحكام الفساد، وتركَ الصَّلاة في المحراب وتقدَّم إلى الحجرة الشَّريفة، وصلَّى بالنَّاس على بعض الأساطين، وأرغم بذلك المفسدين والشَّياطين، فمضى عليه هنالك سنون، وهو لم يزل على ذلك حتى جاءته المنون (٢). وكان ينوب عنه في الحكم الشَّيخُ أحمدُ الفاسي (٣)، والفقيه العلاَّمة [أحمد التادلي] (٤) ..................... (٥)

стр. 1278

٧٠ - [محمد بن أحمد الأمين، الشيخ أبو عبد الله الاقشهري، ثم الأخلاطي (١). الشيخ أمين الدِّين. ارتحل من بلاد الروم إلى بلاد المغرب في شبابه، وتجرَّد لالتماس العلم وتِطلابه، وطلب الفضل والأدب من أبوابه، وطاف في أقطار الأندلس وجال، ولقي من أهل العلم فحول الرجال، واقتبس من أنفاسهم، وأنس من ناموسه نبراسُهم، وتعلم من تِبيانِهم، وتكلم بِلسانِهم، وتأسَّن (٢) بأَنْسَائِهم (٣). فتح الله عليه في خدمة الحديث باباً، سهَّل عليه مدخله، فَعِلمُ الحديث وتدوينه محطُّه ومرحله، صنَّف فيه تصانيف، وجمع وألَّف فيه تأليف ونفع، وكان متردِّداً بين الحَرَمين، رافعاً من شرف جوارهما عَلَمين، ثمَّ إنَّه اختار في الآخرة مجاورة المدينة، ورزقه الله بها من التمنيات حليلة خدينة، فأحبَّت الشيخ واختارت على الدنيا جَنابه، وأتت منه ببنتين فسمَّاهما: طيبة وطابة، فأحبَّهما غاية الحبابة، واسترغد بِهما العيش واستطابه، ثمَّ إنَّهما تُوفيتا في حياته، وسلبتاه ضوء إياته (٤)، وصفاء ساعاته، وحزن بفقدهما إلى أقصى غاياته. توفي عام تسعٍ وثلاثين وسبعمائة] (٥)

стр. 1279

٧١ - [محمد بن عبد الله السبتي] (١). .. . . . . . . . . . . . . . (٢) /٥١٤ وأنزلهم من منازل حسن الإرشاد غُرَفاً، وكان له فيهم فراسة عظيمة تصادف صِدْقا، وإذا قال بظَنِّه لأحدهم: أنت فعلتَ كذا وكيت فكان كذا، يكون ذلك حقاً، وربَّمَا يقول لأحدهم: أنت يجيء منك وزير، ويا فلان أنت يجيء منك تاجرٌ كبير، وهذا يكون فقيهاً عالماً، وهذا يكون سفيهاً ظالماً، وهذا يكون بطَّالاً باهلاً (٣)، وهذا يكون غلاَّجاً (٤) جاهلاً، إلى أن يذكر لغالبهم ما يتفرَّس فيهم، ويبِّين ما يستأنسه في أسارير نواصيهم. فلا تخطئ عليهم في المقال، ولم يتعَّد أحدٌ ممَّا رسم له من الأحوال. يُحكى أنَّ شفيعاً الكرموني (٥) شيخ الخُدَّام وقف عليه يوماً وقال له: قد فَقَد عُمَّار الحرمِ خشبةً مدهونة نحوَ ذراعٍ في ذراع، وما نظنُّ أن يأخذها إلا بعض هذه الأولاد، فقال له: اذهب فإنَّها تأتيك، ثمَّ قال لهم: اقرؤوا وارفعوا أصواتكم، ففعلوا، ثم قال لهم: اسكتوا فسكتوا، فقال عَجِلاً: قم يا حسين وأت بالخشبة ولا تتكلَّم، فقال: ما أخذتُها، وجعل يبكي ويتظلَّم، فقال اقرأ على حالِك، ونَحن نستخرجها من رحالك، ثمَّ قال: امض إلى أهله وقل: حسين يقول لكم: هاتوا الخشبة المدهونة التي أتيتكم بِها البارحة، فما كان قليلاً إلا وجاء بِها وهو ينظر، فضربه وأمر الصبيان فضربوه.

стр. 1280

وكان يعزم على الجانِّ فيُحضِرهم ويُخوِّفهم ويُحذِّرهم، وكان يكتب ورقةً على طول المصروع فيعلِّقها عليه فيبرأ في الحين. ولم يزل كذلك حتى فلجوه بنفسه، أصبح يوماً مصروعاً في وسط داره، وقد بطل كله، وبقي كذلك مدَّة، وقاسى في ذلك ذِلَّة وشدَّة، إلى أنْ توُفي في عام عشرين وسبعمائة تقريباً، رحمة الله عليه. ٧٢ - محمدُ بنُ محمدِ بنِ محمدِ الغرناطيُّ (١)، الشَّيخُ، الفقيهُ، العالمُ، النَّاسك، أبو عبد الله، الفَرَضِيُّ، المُقرئ. أتقن القراءاتِ السَّبع وجوَّد، وأحكم الفرائض والحساب حتى تفرَّد فيهما وتوحَّد. يُحكى أنَّه عرض له أمرٌ خاف أن يتعدَّى فيه أَطْوَرَيْهِ (٢)، ويرتكب مالم تدعُ الشريعة إليه، فبادر إلى اجتثاثِ أنثييه، واستلال خُصييه، وإنَّما كان تسويلاً من الشيطان، وغُلب عليه. ثمَّ إنَّه تبتَّل في الزَّهادة، وانقطع إلى الله والعبادة، فرغب فيه الخُدَّام، ووَفَّوه حقَّ الإكرام، وأدخلوه في زُمرتِهم، وجعلوه من جملتهم، وولَّوه الخدمة الشَّريفة، وعلَّوه إلى محالها المنيفة، وقَدَّموه على أنفسهم في المعاشرات، وفوَّضوا إليه ما يتعلَّق بِهم من الأعمال والمباشرات. وكان إليه حفظ /٥١٥ الحواصل، والنَّظر في الأوقاف والمُغَلاَّت (٣)

стр. 1281

الدَّواخل. ورأس فيهم رئاسةً تامَّة، وتَميز تَميُّزاً كثيراً على لفيف العامَّة. ثمَّ دخل في جملة المُؤذِّنين، وأذَّن بالمعلوم مدَّة سنين، ووقف كُتباً شهيرةً على العلماء، وأعتق جملةً كثيرة من العبيد والإماء. وكان يُجالس من العلماء الرُّؤساء والرُّؤوس، ويَحضر كلَّ يومٍ مجالس الدُّروس. وكان محبَّباً إلى كل إنسان، مشهوراً بِعفَّة اليد واللّسان. توفي سنة أربعٍ وخمسين وسبعمائة. ٧٣ - مُختصٌّ الدَّيريُّ (١)، شرفُ الدِّين شيخُ الخُدَّام. وَلِيَ المشيخة عن عزِّ الدِّين دينار مصروفاً، فباشر لا يُنكِر منكراً ولا يعرف معروفاً، وتلقى النَّاسَ بأخلاقٍ غيرِ رضيَّةٍ، وأعراقٍ عن المكارمِ عَرِيَّةٍ، فبلغ من الاستكبار، مبلغاً يعامل الكبار بالزَّجر والانتهار، فلم تُحمَد لذلك سيرتُه، ولم تُشكر سريرته، على أنَّه كان بالعِمارة مُولَعاً، وبإصلاح ما خَرِب من الأوقاف مُوزعاً (٢)، يصرف في ذلك ليلَه ونَهاره، ودِرهمه وديناره، ويباشر بنفسه الغَرْس والعِمارة، وإذا خرج إلى النَّخل لمصالحها استصحب من المطاعم الشَّهية، والمآكل الملوكية، ما أعربَ به عن هِمَّةٍ عليَّة، وذِمَّةٍ بالسَّماحة مليَّة. فانعمرت في أيامه الأوقاف، وتبدَّلت كافُ كُربةِ الفُقراء بالقَاف.

стр. 1282

ثم سُعي فَعُزل بالخَزْنَداريِّ (١)، وبعد سنتين أُعيد الدَّيريُّ إلى ولايته، وعُزل بعد أشهر بعزِّ الدِّين دينار (٢)، واستمرَّ معزولاً، وسافر إلى مصر وأقام بِها إلى أن مات. ٧٤ - محمدُ بنُ يوسفَ بنِ الحسن (٣)، الشَّيخُ الإمامُ شمسُ الدِّينِ، أبو عبدالله الزَّرنديُّ، الأنصاريُّ، المدنيُّ، المحدِّث بالمسجد المقدَّس النَبويِّ، صلَّى الله على مُشرِّفه. كان أكبرَ إخوانه عُمراً، وأغزرهم بَحراً، أنشأه الله في تربية والديه نَشاءً صليحاً، فبدأ به في غُرِّه (٤)، فحرَّر الفوائد … (٥) مليحاً. حفظ القرآن المجيد في صغره، ولاحت أسارير السَّعادة في غَرْغَره (٦). سافر إلى مصر والشَّام، وأدرك من المُسندين المشايخَ العِظام، وسمع أبا المعالي الأَبَرْقُوهي (٧) وطبقته، وتحبَّب إلى الأشياخ وغرس في قلوبِهم مِقَتَه (٨)،

стр. 1283

خرَّج له الذَّهبيُّ (١) مشيخة جليلة، أعربَ بِها عن رحلة واسعةٍ وهِمَّةٍ أثيلة (٢). وسمع بِمكَّة والمدينة كبارَها، وبيت المقدس والمِصْرَينِ (٣) نبلاءها وأخيارها. ثُمَّ ارتَحل إلى بلاد ما وراء النَّهر، فأضاء نور شمسه هنالك وَبَهَر. زيَّنَ خُوارزم بِحضرته، واستفاد فضلاؤها من بَهجةِ فضله ونُضرته، ودخل العراق مرَّات، وله بِها في ميدان السُّنة جولاتٌ وكرَّات، ووفد علينا بالآخرة مدينة /٥١٦ شيراز، وتُلُقِّيَ بالتَّعظيم والإعزاز، ونزل أوَّلاً بالمُعَزِّيَةِ نزيلاً لمعزِّ الدِّين ابنِ أخت قاضي القضاة مجدِ الدِّين، ثُمَّ انتقل إلى منازلنا وتأهل، وأرحب بحمد الله في انتماء واستنهل. وصنَّفَ لسلطان فارس "الأربعين" وشَرَح، وأثنى في ديباجته على السُّلطان ومدح، فقابله بِمالٍ جزيل، ووفَّى حقَّه من التَّعظيم والتبجيل، وولاَّه درس الحديث في مسجد والده، وأولاه من خارف (٤) المال وتالده (٥)، وشاهد من مكارم أهل تلك البلاد، ما عوَّقه عن الرُّجعى إلى الأهل والأولاد. وكثيراً ما كان ينشدنا ﵀: ولا عيبَ فيكم غير أنَّ ضُيوفكم … تُعَابُ بنسيانِ الأحبَّة والوطَنْ

стр. 1284

فلم يزل هنالك مُلَجَّجاً (١) في العِزِّ والمال، والقَبُول والإقبال، وسَعة الحال، وفراغ البال، والتَّصنيف والتَّأليف والاشتغال، ومع ذلك لا يُفارقه الالتياع (٢) والحنين إلى مَنْ خلَّفهم من البنات والبنين، حتى نيَّفَ على عشرٍ من السِّنين، فتوفِّي بِها في عام تسعٍ وخمسين، وحضر جنازته صناديدُ البلد أجمعين، ودُفِنَ بِمقبرةٍ مشهورةٍ تُدعى مقامَ الرِّجال الأربعين. ٧٥ - محمدُ بنُ عبد الله، الشَّيخُ شمسُ الدِّين الخُجَندِيُّ (٣). من الأخيار العابدين، والأبرار الزَّاهدين، وأصحاب المجاهدات، وأرباب المعاملات، وله مواظبةٌ على الدُّخول على الأربعينات، ومُلازمة الخلوات، ومع ذلك لا ينقطع عن الصفِّ الأوَّل في أوقات الصَّلوات، لكن لا يخرجُ إلا في غطاءٍ يحجبه عن النَّظر والالتفات، إلى الجهات المختلفات، وعقيب تسليم الإمام يرجع إلى خلوته ويشتغل بالذِّكر وما عيِّن له من العبادات. وكان قد بُورك له في الطَّعام بَركةً ظاهرة للخاصِّ والعامِّ، ويُطعم الجمَّ الغفير من نزرٍ يسير، ويُشبع الجمع الكثير، من طُعم حقير. ذكر بعض الصَّالحين أنَّه أعطاه صاعاً من دقيق، وأمره أنْ يعمل له منه رشيدية (٤) ويرسل إليه منها كلَّ ليلةٍ جفنةً مطبوخة، قال: ففعلتُ، واستمرَّ الحال على ذلك مدَّة، ثمَّ قال: اِعمل لي منه كل ليلةٍ قرصاً، ففعلتُ مُدَّة، ثمَّ

стр. 1285

قال: اعمل لي كلَّ ليلةِ جُمعةٍ قصعة طعامٍ للفقراء، وكانوا يجتمعون عنده للذِّكر، فآتيه بذلك الطَّعام الذي دون شِبَع ثلاثة فيقدِّم لهم، فيأكل منه أكثرُ من عشرين نفساً. قال: ولايَزالُ يُنفق مما يعطينا حتى نَمَلَّ، ثمَّ نأخذُ البقية بعد ذلك كلِّه. مات سنة أربعٍ وستين وسبعمائة /٥١٧ عن وصيةٍ وصدقةٍ بِجميع ما يَملكه حتى بفراشه من تَحته. ٧٦ - محمدُ بنُ محمدِ بنِ سهلِ بنِ مالكِ بنِ سهلِ (١)، المقرئُ، المُحدِّثُ، النَّحويُّ، الفَلَكيُّ، الأندلسيُّ، الغرناطيُّ، الإمامُ الجليل، الوَرِع، الزَّاهد، العارف، جامع المعارف والعوارف. كان في ابتداء أمره وزيراً بالأندلس من بيت الوزارة، وكان وَرِثَ من والده مالاً جزيلاً، فأعرض عن الكلِّ، واستصحب من أجلِّ ماله جملةً صالحة، وكان يقتات منه ولا يأكل من غيره أبداً، ولا يضيف من الخلق أحداً، وهو مُكِبٌّ على محافظة الوقت والتزامه، والمواظبة على صيامه وقيامه، ولزوم طريق الانقطاع، والاعتزال عن الخلق وترك الاجتماع، خصَّه الله بِمواهبَ عَلية، وأظهر عليه آثار العناية الأزلية، توفي سنةَ ثلاثين وسبعمائة، رحمة الله عليه. ٧٧ - مُحيي الدِّين الخُوَارِزْميُّ (٢)، تَفَقَّه على الحافظ محبِّ الدِّين الطبري (٣) بِمكَّة، ثمَّ اختار مجاورة المدينة فجاور بِها عشرين سنةً على قدمٍ

стр. 1286

راسخةٍ في العلم، وثباتِ جأشٍ على الاشتغال والانقطاع عن المنال والمال. وكان عنده كتبٌ جليلة، ونُسَخٌ نفيسة حفيلة، وقَفها كلَّها على أهل العلم، وجعل مَقرَّها المدرسة الشَّهابية في خزانتها، وشرطَ ألا تُغيَّرَ الخزانةُ من موضعها، فلمَّا تغيَّرت الأُمور غُيِّرت، وصُيِّرت الكُتب إلى حيث سُيِّرت، واللهُ تعالى يُصلح الأحوال، ويحفظنا من شرور منكرات هذه الأهوال. مات سنة إحدى وعشرين وسبعمائة رحمة الله عليه. ٧٨ - محمدُ بُن أحمدَ بنِ خلفِ بن عيسى (١)، الشيخ جمالُ الدِّين الخَزْرجيُّ السَّعديُّ، العباديُّ، المدنيُّ، الشَّهير بالمطريِّ. رئيسُ المُؤذِّنين بالحرم الشَّريف النَّبوي، صلَّى الله على ساكنه وسلَّم. كان إماماً مُقدَّماً في فنونٍ من العلوم، أمَّا تقدُّمُه في الحديث فمشهورٌ معلوم، والفقه كان ابنَ بَجْدَتِه (٢)، وأما التاريخ فطلاَّعُ أَنْجِدَتِه (٣)، ناب عن القاضي شرفِ الدِّين (٤) في الحكم والخَطابة والإمامة، فَوَفَّى في خلافته حقَّ الرِّئاسة والزَّعامة. وكان سالكاً مسالك الأولياء المتقين، مُتخلِّقاً بآداب الأتقياء المُحقِّقين، قائماً بِحقوق الواردين، صارفاً عُمره في خدمة كبراء الفقراء الوافدين.

стр. 1287

ومسامرته دُرِّيةٌ تستمقى (١)، ومحاروته سُكَّرية تُستبقى، محاضرته مطريةٌ تُستسقى، مناظرتُه غَضَنْفَرِيةٌ لا تسلنقى (٢). وإذا طلع المِئْذنةَ الشَّريفةَ أطرب بصوته الجماد، وهزَّ بنَغماته الدَّاوودية (٣) /٥١٨ الصُّمَّ الصِّلاد (٤)، وإذا ذكَّر في السَّحَر لم يبق عُنقٌ إلا مَالَ ومَاد. ورِث مَنْصِبَ التَّأذين عن والده، فكان أعزَّ ما ورِث من طارفِه وتالده (٥)، غاب عن الوظيفة يوماً إلى قُبا، فاستخلف عزَّ الدِّين (٦) أحدَ أصحابه المُؤذِّنين فما أبى، لكنْ خالف في الخِلافة، إمَّا لعذرٍ به، أو قصدِ خِلافه، فتعرَّض عليه عزيزُ الدَّولة شيخُ الخُدَّام، وشرعَ بالملام، وآذاه بالكلام، فالتزم يَميناً أنْ لا يصعد هذه المِئذنَة للتَّأذين، حتى يموتَ عزيزُ الدَّولة وعزُّ الدِّين، فماتا بعد سنين، وانْحلت اليمين، وعاد المِئْذَنةَ رئيسُ المُؤذِّنين. ومات في عامِ أحدٍ وأربعين، عند استكمال عشر السَّبعين (٧)، ﵀ وإيَّانا أجمعين. ٧٩ - محمدُ بن عبدِ المعطي بنِ سالمِ بن عبدِ العظيم بن محمدٍ الكِنَانيُّ،

стр. 1288

المِصريُّ، الشَّافعيُّ (١)، أصله من عسقلان، ويُعرف بابن سَبْع. مولدُه عامَ ثَمانين وستمائةٍ بالقاهرة، وتفقَّه على القاضي نجم الدِّين ابن الرِّفعة (٢)، وكان له بذلك على أقرانه رِفعة، وكان قد قرأ القراءات على الشَّطَنوفيِّ (٣)، ولكن كان لحقوق المعرفةِ بِها غيرَ مُوفي. ولي الحكم والخطابةَ بالمدينة في عام خمسين وسبعمائة، فباشرها بسياسة تامَّة، ورئاسةٍ عامة، جعل المحاسَنةَ له أحسنَ منهاج، ولا تجدُ له بالمخاشنة مِنْ هَاجٍ، مع الحلم الكافي، والخُلُق الضافي، والكرمِ الوافي، والوِرْد الصَّافي، والخُطَبِ الفصائح، ومحاسن المواعظ والنَّصائح، والصَّوت الجَهْوَري، واللَّفظ الجوهري. إذا صلَّى فكَّ تلبيب (٤) المأسور، وإذا خطب أسمعَ مَنْ في السُّوق بل مَنْ على السُّور، غير أنَّه كان قاصراً عن مَنْ كان قبله في درجات العلوم، مُقصراً فيما يتعَيَّنُ على المتولِّي إقامته من شرائط ورسوم، فاشتغل النَّاس به وبالطَّعن عليه، وهمزوه بأنَّ شروط الواقف لم تَجتمَعْ لديه، وإنَّ من جملتها العلم بالقراءات ومعرفة الأصلين، وإنَّه لم يقرأ منهما في مناظِر النُّظَّار فصلين، ولا في مناضل النِّضال (٥) نَضْلين. وكان يُعاب بأنَّ فيه شيئاً من طباع العوام، منها أنَّه يُقبِّلُ الأرض إذا تَمثَّل

стр. 1289

بين يدي النَّبيِّ ﵊، في أشياء كثيرةٍ يهول نُكْرُها، ويطول ذِكْرُها. فسافر جماعةٌ من المجاورين وأشاعوا عنه تلك الأُمور، وساعدهم على ذلك القاضي عزُّ الدِّين ابن جماعةَ (١) في آخرين من الصُّدور، فَعُقِدَ لهم مجلسٌ في القلعة وأُحضروا، وشهدوا عند ابن جماعة، وقَبِلَهم وأثبتوا ما ذكروا، ونصل النصل، ونَفَذَ النُّشَّاب (٢)، وعُزلَ وولِّي مكانَه القاضي بدرُ الدِّين ابنُ الخَشَّاب (٣) /٥١٩. ٨٠ - مختارٌ الموَلَّه (٤)، كان من إخوان نصرٍ الطَّواشي (٥) في خُلُقه وآدابه، والقيامِ بِحقوقِ إخوانه وأصحابه، صحب المشايخ الكبار، والأئمة الأخيار، فاستضاء بسواطع أنوارهم واستنار، واكتسب من شرائفِ عاداتِهم ما ألبسه ثوبَ الافتخار، وعَرَّاهُ من مَعَرَّةِ (٦) الاعتياد بالقِنْية والادِّخار. صحب الشَّيخ أبا محمد (٧) البَسْكَريَّ فتحلَّى بِسُكَّرِه، وخدم الشَّيخ أبا عبد الله العسكري فتقوَّى بِجنده وعَسكرِه، وخَبَرَ طريقَ الحقِّ فتعرَّف بِمعروفه، وتنكرَّ عن منكره.

стр. 1290

كان له أقطاعٌ من مفاخر الأخيار، وكان قد حكم فيه الشَّيخُ العارف عمر الخرَّاز (١)، يتديَّن طول السَّنة من كلِّ مِدْيان (٢)، فإذا جاء الموسم احتفنه من خُبز مختار حَفَنات من غير ميزان (٣). وكان يتحيَّلُ في إيصال الخير إلى الفقراء سِرِّاً، ويَجتهد في إِسْداء المعروف إلى أهله بحيث لا يُدرى. توفي ﵀ عام أحدٍ وأربعين وسبعمائة. ٨١ - مفتاحٌ الهِنديُّ (٤)، كان من أَربابِ الكرامات، وأصحابِ المقامات، وله في طريقِ الفقر ارتحالاتٌ وإقامات. كان يعمل في شهر ربيعٍ مولداً (٥) للنَّبيِّ ﷺ بِجمع حفيل، ووضعٍ جميل،

стр. 1291

وإِنفاقٍ جزيل، ووقفَ نَخلاً من أحسن النَّخيل، ويذكر دائماً أنَّه في سادس رجب يكون الرَّحيل. ويُحكى عنه أنَّه أكل عند بعض العلماء طعاماً فَغَصَّ بلحمةٍ شَهِقَ منها شَهْقةً ما شكَّ أحدٌ أنَّه مات، ثمَّ ازْدَرَدَها (١) وأفاق، وقال: خفتُ على أني أموت اليوم، لا، بقي لي كذا وكذا يوماً وأموت، فكان كما قال رحمة الله عليه. ٨٢ - محمدُ بنُ عبدِ العزيز الجَبَرْتيُّ (٢)، شمسُ الدِّين، كان من رؤساء المدينة المذكورين بالثَّراء والكرم، المشهورين بالسَّخاء وعلوِ الهِمَم، مَلِثٌ (٣) مِفْضَال، وأَثعلُ (٤) فِعال، غَمَر مَعَارفه بالطَّول والنَّوال (٥)، وهو عن العُسر والشَّكاسَةِ خالٍ، وعند العشرة بالسَّماحة لُهْمُوم (٦) خَال (٧). وَلِيَ شهادة الحرم الشَّريف والنَّظر على جميع حواصله وعماراته، فكان المنصب مُعرباً عن تباشير خبره وإماراته، فاستوى أمرُهُ وانبرم، وغلَب أقرانَه بالفخر والكرَم، وصار إليه المرجعُ في جميع الآراءِ الصَّادرة عن شيوخ الحرم. وكان على المكارم من المثابرين، وسبقَ في حَلْبة الفَخَار العَابرين والغَابرين، وحوى من مفاخر الأملاك والأموال مالم يَحوِه مثلُهُ أحدٌ من أولاد المجاورين.

стр. 1292

وخَلَّفَ النُّجباء من الأولاد، وكان فيهم مَنْ قام مَقام والده فيما ذُكِرَ وزادَ أو كاد. توفي شمسُ الدِّين سنةَ خمسٍ وستين. .......................... … (١) [٨٣ - محمد بن إبراهيم، المؤذِّن، المصريُّ، النَّجَّارُ، المدنيُّ الدَّار (٢). قَدِمَ والده من مصر لمَّا أُنْهي إلى الأبواب العالية، أنَّه ليس بالمدينة مَنْ يُوثق به في معرفة الأوقات ......، فإنَّهم أرسلوا لها إذ ذاك ثلاثةً من المؤذِّنين رؤساء: أحدهم: أحمد بن خلف المطريِّ، والد الشَّيخ جمالِ الدِّين، والثَّاني: عزُّ الدِّين المؤذِّن، والثَّالث: الشيخ إبراهيم (٣). وكان أحمد وإبراهيم في حُسنِ الأداء، وطِيب الخُلق، وحُسنِ الصَّوت، ورِقَّة الأنفاس فرسين. فجاء الفقيه محمد بن إبراهيم على سمت والده رضيه، إذا تكلَّم على المأذنة طرِبَ كلُّ أحدٍ لِكَلَمِه، وكان من الفقهاء النُّبهاء، وعلى نفسه وحسبه روح ونقاء، شارحٌ صدره بخدمة الفقراء وقضاء حاجتهم] (٤). /٥٢٠ طارحٌ للتَّكلُّيفِ بسلوك سبيل المتُبذِّلين في لباسهم ومنهاجهم، من أحسن النَّاسِ صحبةً وعِشْرة، غيرُ مانعٍ من أجد (٥) لُطفَه وبِرَّه وبِشْرَه، لو

стр. 1293

كلَّمه فقيرٌ في حبيِرهِ الجديد (١) لَوَهَبْ، ولو دعاه صغيرٌ إلى حضرة البعيد لذهب، وكان أَمينَ الحكم في أيَّام سراجِ الدِّين القاضي، ففارق الدُّنيا وكلُّ أحدٍ عن حُسن طريقته راضي، وأعقب ولده عبد الله أبا محمد. وتوفي سنة تسعٍ وعشرين وسبعمائة. ٨٤ - محمدُ بنُ عبد الرَّحمن (٢)، المُؤذِّنُ هو ووالدُه وجَدُّه، وكان في الفقهاء النُّبلاء النُّبهاء البارعين عَدُّه، بذل في طلب العلم الاجتهاد، فنبغ حتى ألَّف وصنَّف وأَفَاد، ونَسَلَ (٣) في الطَّلَبِ من كلِّ حَدَبٍ، وغلب على من انتدب لجِداله في كلِّ نَدَب (٤)، وتَفرَّد عن أقرانه في علم اللُّغة وَفَنِّ الأدب، يشهد بقوَّة بلاغَتِه، ويُعرب نظمه عن كمال براعته، هذا مع متانةِ دينٍ وتقوى، وصيانةٍ زَانَها مع الورع الأقوى، وديانةٍ أينما حلَّت ما أَقْفَرَ عن الخير ولا أقوى (٥)، وصوتٍ تميدُ الأطواد إذا عَلا به مِأْذَنةً أو رَقَوَةً (٦). توفي ﵀ عام عشرين وسبعمائة. ٨٥ - مسرورُ بن عبدِ الله الشِّبليُّ، المُلقَّب زينّ الدِّين. زَيْنُ الخُدَّام وجمالُهم، وزينتهم، ........ (٧) بصرامته حالهم.

стр. 1294

نابَ الشَّيخَ افتخارَ الدِّين (١) في الوظيفة، فسلكَ في نيابته طريقةً ظريفة، وأبرز على منصبه كلَّ سيرةٍ حميدة وسَجيَّةٍ شريفة، وظهر في الأقران بغريزةٍ عزيزة، ونفسٍ عفيفة. فلما جاء أجمعت المساحل (٢) على نشر محامدِ صفاته، وسمعت المسامعُ ما اشتهر من مآثره ونَصفَاته (٣)، برز تقليدٌ سلطانيٌّ باستمراره في نِيابة ياقوت واستقلاله بعد وفاته. فلمَّا ورد الأجلُ الموقوت، وضعضعَ أركانَ ياقوت (٤)، باكر المشيخة بحكم التَّقليد المذكور، وهو في ذلك على سَننٍ حميدٍ ووضعٍ مشكور. فلم يمضِ على ذلك من الأيَّام إلا يسير، إذ قد ورد تقليدٌ شريفٌ باستقرار الوظيفة لزَين الدِّين مُقْبِلٍ الكبير (٥)، وهو أخوه في الله وخليلُه، وكلُّ منهما هادٍ للآخر إلى مناهج الخير ودليلُه. فاستقلَّ الشِّبليُّ في نيابةِ مُقبلٍ المذكور، وكلٌّ منهما مُقبلٌ على صاحبه وبه جَذْلاُن مسرور، وهذا الشبليُّ خادمٌ وسيم، بوجهٍ قسيم (٦)، ومُحَيَّاً قد هبَّ عليه من جنَّة النَّعيم نسيم، ووسمته يد التَّقدير بِمِيْسَم الجمال أحسنَ توسيم. حاذقٌ باغتلاب نحائس المناحس بعُلُوبه (٧)، مطيقٌ لاستلاب نفائسِ /٥٢١ أنفاسِ المُنافسِ بأسلوبه، محايله (٨) من أيْنِ شمائله، محاسن

стр. 1295

مناسجه (١) في الحسنى واضحة، نوافجه (٢) بالخُلق الأسنى فائِحة، مَبَاهجُه إلى العيش الأهنى لائحة، وألسُن الشُّكر بنَغَمِ نغماتِ نَعْمائه صَادِحَة (٣)، وافترارُ (٤) الثَّنايا بالثَّناء على أثناء رُوائِه (٥) واضحة. ٨٦ - محمد بن سليمان (٦)، الشَّيخُ شمسُ الدِّين، أبو عبد الله الحَكريُّ، المِصريُّ، الشَّافعيُّ، الُمقريُ، الفقيهُ، الجامعُ لعيون الفضائل والمآثر والمعالي، اللاَّمعُ نجومُ علومِه في براقع البراقع (٧)، والتعالي مع النَّفس الزَّكية، والطَّريقة الرَّضيَّة، والهِمَّة العَليَّة، والسَّجيَّة النَّقيَّة، والمفاخر السَّنِيَّة. كان شيخَ عصره في القراءات بلا مُدافعة، وفارسَ ميدانِها المحكوم له بالسَّبق من غير ممانعة. كان مُختصَّاً بصحبة أكابر الأُمراء المِصرية، ومَنْ يتقدَّم منهم للنَّظر في أمر الملك برأيه، فكأنَّه كان من لوازمه اختيار الحكريِّ لإمامته وإقرائه. وذلك لِمَا اشتهر منه من حسن عِشرته، والأمنِ من شِرَّته (٨)، وقلَّةِ الفضول في

стр. 1296

مُداخلاتِهم، وعدمِ الطَّمع في أموالهم وغَلاَّتِهم، والإعراض عن أدناس دُنياهم، وتركِ الاعتراض عليهم في مُصابِهم وبلاياهم. أَشرتُ مرَّةً على نائب السُّلطان بتوليته قضاء بيت المقدس فولاَّه، فباشر المنصب وزيَّنه بالعدل والعِفَّة والإحسان، وخّلاَّه، وولي قضاء المدينة الشَّريفة قبل ذلك بعد انفصال القاضي تاج الدِّين الكَرَكيِّ (١) بأيام، فقدِم المدينة وقام بالوظيفة أحسن قيام، وشهد له جماعةٌ من العلماء الأعلام، مِمَّن كان يخالط القُضاة والحكَّام، أنَّه لم يلِ أحدٌ هذه المناصبَ ألينَ منه عريكةً، ولا أحسن سيرةً، ولا أكثر تواضعاً، ولا أصحَّ منه سَريرةً، ولا أصفى قلباً للمجاورين، ولا أوفى إيفاءً حقوقَ الفقراء الزَّائرين. غير أنَّه وجد عند الخُدَّام بقايا كرورٍ (٢) .... (٣) تركّمت من أيَّام الكَركيِّ، وحاول إزالتها بالشِّدة والسَّطوة، وقصد إحالتها بالحِدَّة والقوَّة، فما زادهم إلا عِناداً، ولم يملك لهم قِياداً. وقصد إزالة الحفرة التي في المحراب، إمَّا بسدِّها بحصىً، أو تطبيقها بأخشاب، فعارضته الخُدَّام، فلم يكترث بِهم وصنع لها لوحاً يقف عليه الإمام، فوافق ذلك الحال /٥٢٢ قدومَ ابن جماعةَ (٤)، فاجتمع به في ذلك اجتماعه، وخاشنه في الكلام، وشافهه بما هو أوجع من الكِلَام (٥). فكتب فيه إلى وليِّ الأمر، وشبَّ عنده منه ما هو أَحرُّ من الجمر، فكان

стр. 1297

ذلك سببَ انفصاله، وعوده إلى خِيَسِ (١) أشباله، بأهله وعياله. فرافَقَنا في الطَّريق إلى مصر وأَنِس، وتوَّلى بعد قليلٍ قضاء بيت المقدِس، ثمَّ انتقل إلى قضاء مدينة الخليل، واستقرَّ بِها مدَّةً سالكاً أحسن سبيل، ثمَّ انفصل. وبعد شهورٍ تولى تدريس المدرسة اليلبغاوية بالرَّمْلة، ووجَّه من القاهرة إليها رحله وَزُمْله (٢)، واستقر بِها مفيداً، إلى أَن مات بالبيت المقدس بالبطن شهيداً، وذلك في عام أحدٍ وثمانين وسبعمائة. ٨٦ - محمدُ بن عثمانَ الكَرَكِيُّ (٣)، القاضي تاجُ الدِّين، أبو عبد الله، الشَّيخُ، الإمامُ، العالمُ، الأوحد. كان علاَّمة زمانه، ومِقدامَ أقرانه، وفارسَ مَيْدانه، وغارسَ خَيْزُرَان الفضل وحارسَ أغصانه. تفقَّه على الشّيخ برهانِ الدِّين ابن الفِرْكَاح (٤)، وعلى قاضي القضاة شرفِ الدِّين البارزيِّ (٥) القَرْميِّ (٦) الجَحْجَاح (٧). وتخرَّج عليهما وبرع، وإلى ذُرى المعالي صعِدَ وفَرع، وصنَّف وأفاد،

стр. 1298

وألَّف وأجاد، ودرَّس وأعاد. وفي سنة ستين وسبعمائة ولي قضاء المدينة الشَّريفة، والإمامة والخَطابة، وورد طيبة بأخلاقٍ مُطابة، ونفسٍ نَقِيَّة زكيَّة، وقريحةٍ أَلمعيَّة ذكية، وعلومٍ في أُفقِ المعالي صاعدة، وتخوم (١) عن شيم (٢) عن الأماجد الأعمال متباعدة، فوجد الأمور قد اكتنفت بالاختلال، والصُّدور قد اعتنقت بالاغتلال (٣)، فستر العيوب، وجبر القلوب، وطوى بساط الأذحال (٤) والأوتار (٥)، وبَتَر مِن قِسيِّ (٦) العصيان والخلاف الأوتار (٧). وتجَّنب عن مخالفة المشاورين، وتحَّبب إلى طائفة المجاورين، واستمالَ خواطر الخُدَّام، واستماعَ (٨) الوُدِّ من قلوب الخاصِّ والعامِّ. وحثَّ الطَّلَبة على الاشتغال، وتبتَّلَ للإفادة والتَّدريس في غالب الأحوال، فَعَلِقت القلوب على محبَّته، ووقفت النُّفوس مُتذلِّلة لهيئته وهيبته، واندلعت (٩) المفاصل (١٠) بجميل ذكره، وانطلقت

стр. 1299

المَقَاول (١) بجزيل شكره. فلمَّا طالت بالمدينة إقامته، وطالت كلَّ مطاولٍ بالطُّول قامته، احتفَّت (٢) به طوائفُ أغمارٌ شباب، ممن لم تُحنِّكه اللَّيالي ولم يعضَّه الدَّهر بناب، وأظهروا له الخلوص في الوِدَادة والحِبَاب، ودخلوا على غفلةٍ من كلِّ باب، ولم يبرحوا متلاعبين بعقله، متجاذبين لِنَمِّ الكلام ونقله، إلى أن كدَّروا وِرْدَه /٥٢٣ النَّمير، وغيروا عليه الصَّغير والكبير، وأوقعوا بينه وبين الخُدَّام، وبدَّلوا إضاءة محبَّتهم واعتقادهم بالإظلام، وخلطوا أَضاة (٣) أُلفتهم بشوائب من قبيح الكلام، وتَحزَّبت النَّاسُ حينئذ أحزاباً، وفتحوا إلى إثارة الفتن أبواباً، وحصره الخُدَّام يوماً في داره، ومعهم جماعةٌ من مناحِيس البلد وأشراره. واتَّفق له معهم شرور في ذلك النَّهار، ولولا صيانةُ الله تعالى إياه لَكَادت الجُرُف تنهار، ويُقدمون على إذهاب نفسه ونفيسه، وانتهاب طارفه وتالده (٤)، وتذكير النَّاس بِما جرى في الدَّار لِسَميِّ والده (٥). وكان قد فوَّض أوَّل مرَّةٍ أحكام الحَرمِ والوظائفَ، والكلامَ في الرُّبُطِ والأوقاف إلى شيخ الخدام، وأراد بالآخرة أن يعيد ما يتعلَّق به إليه فما أعاد، ولا نفع الكلام فيه ولا أفاد، وتمكَّنَ الشَّرُّ واستحكم الفساد، فأعرض عن الفضول، ودارى بقيَّةَ السَّنَة شبه المعزول. فلمَّا حضر الموسم توجَّه مع الركب المِصريِّ إلى الدّيار

стр. 1300

المصرية (١)، وأعرض عن المنصب إعراضاً كليَّة، ولم يزل مُقبلاً على شأنه إلى أن وافته المنية. ٨٧ - مُقْبِلُ بن عبد الله، زينُ الدِّين الرُّوميُّ، الشَّهيرُ بِمُقْبِلٍ الكبير (٢). كان عند الملك النَّاصر حسنِ بنِ محمدٍ بن قلاوون (٣) من الخواصِّ المُقدَّمين، والنُّجباء المُعظَّمين، وله في ذلك الوقت انتماءٌ إلى أهل العلم وخدمتهم، واعتزالٌ (٤) لاعتقادهم ومحبَّتهم، واشتهارٌ بتعظيمه وإقامة حرمتهم، واعتمادٌ في جُلِّ أموره على خاطرهم وهمَّتهم، فساقته تلك العادات والخلائق، إلى الانقطاع بالكلية عن جميع العلائق، وتَبَتَّل للقيام بخدمة الحرمين، بِهمَّةٍ في العلو تُشامخ الهَرَمين (٥). جاور مدَّةً بحضرة البيت العتيق، وعطَّر مَنَاشقَ الخَلقِ من الخُلقِ المُنَافج (٦) للمِسك العتيق، فتارةً قام يرفع ما سقط من سقف الحرم، وتارةً وقف على إجراء الماء من مِنى إلى بِرْكَة السَّلَم، وتارةً تصدَّى لإصلاح ما دثر من آبار عرفات، وتجديد ما تشعَّث (٧) من الحرمين من معالم تلك الأرْفَات (٨). فأوثق له بطريق الخير اعتلاقاً وارتباطاً، وبنى بمكَّة شرَّفها الله من خالص ماله رباطاً، فصادفت أعماله القبول، وبلَّغه الله بحسن نيَّته غاية المأمول،
следующие страницы →