← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1172

المغانم المطابة في معالم طابة

الفيروزآبادي

Полный текст (1 351 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

عليك يا من نزل عليه الروحُ الأمين، السلام عليك يا من أُيِّد بروح القدس ونُصر بالملائكة المُقرَّبين، السلام عليك يا صاحب المقام المحمود، السلام عليك يا رسول المَلِكِ المعبود، السلام عليك يا بشير، السلام عليك يا نذير، السلام عليك يا من هو السراج المنير، السلام عليك يا من أتى بالهدى والبيان، السلام عليك يا من أُنزل عليه القرآن، السلام عليك يا رسول المَلِكِ الدَّيَّان، المبعوث إلى الإنس والجان، السلام عليك يا هادي الخلق إلى الصراط المستقيم، السلام عليك يا من وصفه الله الكريم، بقوله تعالى: /٥٣ ﴿وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١)، وبقوله : ﴿بِالمُؤمِنينَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا خليل الله، السلام عليك يا صفوة الله، السلام عليك يا أكرم الخلق على الله، السلام عليك يا صاحب البركات الظاهرات، السلام عليك يا صاحب المعجزات الباهرات، السلام عليك يا من انشق له القمر، السلام عليك يا من سَلَّمَ عليه الحَجَر، السلام عليك يا من أذعنت لدعوته الشَّجَر، السلام عليك يا من سبح الحصا في يده، السلام عليك يا من حَنَّ الجذع إليه، السلام عليك يا من أمر اللهُ بطاعته وبالصَّلاة والسلام عليه، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك وعلى سائر النبيين والمرسلين والملائكة المقربين، وأزواجك الطاهرات أمهات المؤمنين، وأصحابك (٣) والتابعين، والصديقين والشهداء والصالحين أجمعين، كثيراً دائماً أبداً، كما يحب ربُّنا ويرضى، وكما تحب وترضى. اللهم إنا نُشْهِدُك أنه ﷺ بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وأقام

стр. 177

الحجة، وأوضح المَحَجَّة، وجاهد في سبيلك، وأظهر دينك، ودعا إليك، فجزاه الله تعالى عن الإسلام والمسلمين أفضل ما جَزَى نبياً عن قومه، ورسولاً عن أمته، اللهم وآته الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة العالية، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته. ثم يقول: الصلاة والسلام الأَتمَّان الأكملان عليك يا رسول الله. ثم يقول: يا رسول الله، إن الله تعالى يقول: ﴿إنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وِسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (١). لبيك اللهم وسعديك، صلوات الله البَرِّ الرحيم، والملائكةِ المُقرَّبين، والنبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، ما سَبَّحَ لك من شيء يا رب العالمين، عليك يا سيد المرسلين، وحبيبَ رب العالمين، اللهم صَلِّ عليه وعلى آله، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، عدد خلقك، ورضاءَ نفسك، وَزِنَةَ عرشك، ومنتهى رحمتك، ومِداد كلماتك، ومبلغ رضاك، اللهم اغفر لأصحاب نبيك أجمعين من المهاجرين والأنصار، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإيمَانِ وَلا تَجْعَل فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِين آمَنُوا رَبَّنَا إنَّكَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). اللهم إن هذا عبدُك ورسولك ونَبِيُّك وحبيبك، وصَفِيُّك، الذي أرسلتَه رحمةً للعالمين، وأرسلتَه شاهداً ومُبشِّراً ونذيراً، وداعياً إليك بإذنك وسراجاً منيراً، وإني أشهدك يا رب وأشهده في هذا المقام، أنيِّ أشهد أن لا /٥٤ إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك، ورسولك، وأن جميع ما جاء به من عندك حَقٌّ وصِدْق، كما جاء عنك، وكما أخبر به رسولُك ﷺ ، على مُرادك

стр. 178

ومُراد رسولك ﷺ ، وأقول كما أمرتني وكما بلغنا عنك: ﴿آمَنَّا باللهِ وَمَا أُنزلَ إلَيْنَا وَمَا أُنزلَ إلى إبْرَاهِيمَ وَإسمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِم لا نُفرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْهُم وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١)، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أنزلْتَ واتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٢) آمنت بالله، وملائكته، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليوم الآخر، وبالقَدَرِ خيره وشره، اللهم فَثبِّتْني على ذلك، وعلى ما تحب وترضى، كما تحب وترضى، وأَحْيِنا على سُنَّتِه، وأَمِتْنا على سُنَّتِه، وابْعَثْنا على ذلك، ولا تَحُلْ بيننا وبينه في الدنيا والآخرة، ولا تَرُدَّنا على أعقابنا و ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ﴾ (٣). ثم يقول: يا رسول الله، إن الله تعالى يقول: ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً﴾ (٤). وقد مَنَّ الله تعالى عليَّ ووفقني وهداني وحملني، وكفاني وحفظني، ورعاني حتى وَصَّلني إلى حضرتك، ومَنَّ عليَّ بمشاهدتك، وقد فارقتُ الأوطانَ والأهلين، وركِبْتُ من المَشَاقِّ ما بلغ مِنِّي البِلَغِين (٥)، وقطَعْتُ المراحل، وأنصَبْتُ الرواحل، وقد أتيتك مذنباً مسيئاً، خائفاً خاشياً وجلاً، قد أثقلت ظهري الذنوب والأوزار، وعجَزْتُ عن سَيِّئَات نفسي وغلبَتْ عليَّ

стр. 179

الأقدار، وقد ظلَمْتُ نفسي ظلماً كثيراً، وأتيت بجهلي وغفلتي أمراً كبيراً، وهذا كلام رب العالمين، وأنت شفيع المذنبين، وهو الفَعَّال لما يشاء التواب الرحيم، وأنت الشافع المُشَّفعُ المقبولُ الوجيهُ النبيُّ الكريم، وقد أتيتك معترفاً بخطئي، مُقِّراً بذنبي، مُتوسِّلاً (١) بك إلى الله ربي، فأسأل الله البَرَّ الرحيمَ الجوادَ الكريم أن يغفر لي، وأسألك يا رسول الله (٢) أن تشفع لي وقد علَّقْتُ بكرم ربي الرجا، وهاأنا في حضرتك واقفٌ بباب المولى، لعله يرحم من أساء ويغفر عن مَن جنى، وقد وعد وهو تعالى لا يخلف الميعاد، ولا يخُيِّبُ عبدَه العاصي إذا تاب وعاد، وأنا نزيلك وفي جوارك يا سيد المرسلين، فأرجو أن أفوز بمطلبي ببركاتك وشفاعتك يا خاتم النبيين، صلَّى الله وسلَّم عليك وعلى أهل بيتك الطاهرين، وصحابتِك الأكرمين، وعلى أزواجك الطاهراتِ، وعلى أشياعك وأتباعك إلى يوم الدين (٣). /٥٥ ولا بأس أن يُنْشِدَ عَقِيبَ ذلك هذه الأبيات: يَا سَيِّدَ الشُّفَعَاء والنَّاسِ كُلِّهِمُ … وَأَشْرفَ الخَلْقِ مِنْ عُجْمٍ ومِنْ عَرَبِ يا كاشِفَ الكرْبَةِ العُظْمَى وكُنْتَ لهَا … يومَ الحِسَابِ، وكُلُّ الخَلْقِ في كُرَبِ يا صاحِبَ الموقِفِ المحمودِ أَنْتَ لَهُ … يا مَنْ لَهُ الرُّتْبةُ العليا على الرُّتَبِ يا سَيِّدَ الرُّسْلِ، يا مَنْ نَالَ مَنزِلَةً … ما نَالَهَا بَشَرٌ حَقّاً بِلَا كذِبِ أَتَاكَ عَبْدٌ فَقير قد ألمَّ بِهِ … كَرْبٌ شَدِيدٌ، وقد أَشْفَى على العَطَبِ حَلَّ الحِمى والتجَى يا خَيْرَ من وَفَدَتْ … كُلُّ الوُفُودِ لهُ، يا طَيِّبَ الحَسَبِ ضيفٌ ضعيفٌ غريبٌ قد أنَاخَ بكم … ومُسْتَجيرٌ بِكُمْ يا سادَةَ العَرَبِ

стр. 180

يا مُكرِمَ الضيفِ يا عونَ الزَّمانِ ويا … غَوْثَ الفَقير، ومَرْمَى القَصْدِ والطَّلَبِ (١) هَذَا مَقَامُ الذي ضَاقَتْ مَذَاهِبُهُ … وأنتمْ في الرجَا مِنْ أَعْظَمِ السَّبَبِ ورُوِّينا عن العارف الوَليِّ الشيخ أبي الحسن الشَّاذليّ (٢) ﵀ أنه وقف تُجاه الحجرة الشريفة، وقال: السلام عليك أيها النبيُّ ورحمة الله وبركاته - ثلاث مرات- ثم قال: صلى الله عليك يا رسول الله أفضل وأزكى وأسمى وأعلى صلاةً صلاها على أحد من أنبيائه وأصفيائه، أشهد يا رسول الله أنك بلَّغْتَ ما أُرْسِلْتَ به، ونصَحْتَ أُمَّتَك، وعبَدْتَ ربَّك حتى أتاك اليقين، وكنت كما نعتَكَ اللهُ تعالى في كتابه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ، بالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٣)، فصلوات اللهِ وملائكتِه وأنبيائِه ورسُلِه، وجميع خَلْقِه من أهل سماواتِه وأرضِه، عليك يا رسول الله. السلام عليكما يا صاحبي رسولِ الله، يا أبا بكر ويا عمر، ورحمةُ الله وبركاته، فجزاكما الله عن الإسلام وأهله أفضل ما جازى به وزيرَ نبيٍّ في حياته، وعلى حُسْنِ خلافته في أمته بعد وفاته، فلقد كنتما لرسول الله ﷺ وزيرَيْ صِدْق في حياته، وخلَفْتُماه بالعدل والإحسان بعد وفاته، فجزاكما الله عن ذلك

стр. 181

مرافقته في جنته، وإيانا معكما برحمته إنه أرحم الراحمين. اللهم إني أشهدك، وأشهد رسولَك وأبا بكر وعمرَ، وأشهد الملائكةَ النازلين على هذه الروضة الكريمة والعاكفين عليها، أني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأشهد أن كلَّ ما جاء به من أمر ونهي، وخبرٍ عما كان ويكون، فهو حقٌّ لا كذب فيه ولا امتراء، وإني مُقِرٌّ لك يا إلهي/٥٦ بجنايتي ومعصيتي، في الخطرة، والفِكْرة والإرادة والغفلة، وما استأثرت به عني مما إذا شئتَ أخذتَ به، وإذا شئتَ عفوتَ عنه مما هو متضمن الكفر والنفاق، أو البدعة، أو الضلالة أو السيئة، أو سوء الأدب معك ومع رسولك، ومع أنبيائك، وأوليائك من الملائكة والجن، والإنس، وما خصصت من شيء في ملكك، فقد ظلمتُ نفسي بجميع ذلك، فاغفرلي، وامنُنْ عليَّ بالذي منَنْتَ به على أوليائك، فإنك المَنَّان الغفور الرحيم. وبعض الأشراف أنشد عقيب تسليمه: سَلامٌ كأَلْطَافِ الإِلَهِ المُمَجَّدِ … سَلامٌ كَأَخْلاقِ النَّبِيِّ المُؤَيِّدِ سَلامٌ كَتَسْلِيمِ الحَبِيبِ الذي نَأَى … زَمَاناً فزار الصَّبّ مِنْ غَيْرِ مَوْعِدِ سَلامٌ كَمِسْكِ الصدع يَلْهُوبِهِ الصَبا … على صَفْحَتَي كَافُورِ خَدٍّ مُوَرَّدِ عَلَى المُصْطَفَى الهَادِي الشَّفِيعِ محمدٍ … [حبيبي] (١) رَسُولِ اللهِ جَدِّي وَسيدِي وروى بعض مشايخ المدينة أنَّ مِنْ أكمل (٢) ما يقال عند الزيارةِ والتَّسْليمِ على رسول الله ﷺ : السلام عليك يا خاتم النبيين، السلام عليك يا شفيع المذنبين، السلام عليك يا إمام المتقين، السلام عليك يا قائد الغُرِّ المحُجَّلين، السلام عليك يارسول رب العالمين، السلام عليك يا مِنَّةَ الله على المؤمنين،

стр. 182

السلام عليك يا طه، السلام عليك يا يس، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطاهرين، السلام عليك وعلى أزواجك الطاهرات البارّات أمهات المؤمنين، السلام عليك وعلى أصحابك أجمعين، ورحمة الله وبركاته، جزاك الله عنا يا رسول الله أفضل الجزاء، وصلى عليك أفضل الصلوات. السلام عليك يامن سَفَرَتْ لوامعُ مَجْدِه، السلام عليك يامن هَمَرتْ هوامِعُ رِفْدِه (١)، السلام عليك يا من ظهرت أنوار علائه، السلام عليك يا من بهرت آثار سنائه (٢)، السلام عليك يا منيحة الشرف الباذخ (٣)، السلام عليك ياسلالة المجد الراسخ، السلام عليك يا جوهرة الشرف الأعلى، السلام عليك يا واسطة العقد المحلى، السلام عليك يا إمام الأنبياء، السلام عليك يا صفوة الأصفياء، السلام عليك يا معنى الوجود، السلام عليك يا منبع الكرم والجود، السلام عليك يا دُرَّةَ لؤَيّ، السلام عليك يا غُرَّةَ قُصَيّ، السلام عليك يا نبعة المكارم، السلام عليك يا سُلالة الأكارم، السلام عليك يا ذا المحامد يا أبا القاسم، السلام عليك يا من عَظُمَتْ هِباتُه،/ ٥٧ السلام عليك يامن بهرت أيامه، السلام عليك يا من ظهرت آياته، السلام عليك ورحمة الله وبركاته. سلاماً تضوع عن مِسْكَةٍ … تجُرُّ بِدَارَيْن (٤) ذيلاً طويلاً وتنفح عن نسمة لم تزل … تعيد عليك إلينا الجميلا وتتلو أحاديث قُرْب غدت … تَبِلُّ العليل وتروي الغليلا والحمد لله الذي أقرَّ عيني برؤيتك، وأحلَّني شريفَ روضتك، وقضى

стр. 183

لي أن أفوز بَزوْرَتِك، وأُحْرِزَ سابقَ السعادة بحلول بلدتك. حيثُ النبوة جَرَّتْ من ذوائِبها … فضلاً، وأجرَت ينابيعاً من الحِكم حيث السنا مُشْرِقٌ، والعِزُّ منبسقٌ … والجودُ مغدودقٌ (١) بالنَّارِ والشَّبَمِ (٢) حيث الضريحُ وما ضَمَّت صفائِحُهُ … من النَّبيِّ الرَّضِيِّ الطَّاهِرِ الشِّيَمِ أنوارُهُ غُرَّةٌ في المجدِ نَيِّرةٌ … وفخرُهُ شَمَمٌ في مَعْطِس الكَرمِ دَرَّتْ عليه ينابيعُ الرِّضا وسرتْ … إليه نَفْحَةُ سِرِّ القُرْب في القِدَمِ ولاح من نورِه معنىً أضاءَ به … مقامَ آدم فخراً وهو في العَدَمِ إنسانُ عينِ العُلا سِرُّ الكمالِ سنا … فَخْرُ النُّبوَّة، نُورُ اللَّوْحِ والقلمِ يا آخراً عند ختم الأنبياء به … وأولَ الرُّسْل عند الله في القدم يا غُرَّةً أَوْضَحَتْ طه أسِرَّتَها … ودرةً جُلِّبَتْ في نونِ والقلم كانت حياتك ما بين الأنام حيا (٣) … سَقَى ثَراهُمْ بغَيْثٍ واكِفِ الدِّيم (٤) وكان فقدك خَطْباً شَاكَ أَنْفُسَهُمْ … لما أَلَمَّ بِصَدْعٍ غَيْرِ مُلتئمِ فالآن ليس سوى قبرٍ حَلَلْتَ به … مَنْجَى الطريدِ، وملجَا كُلِّ معتصمِ (٥) وقد حططنا لديه الرَّحْلَ هِمَّتُنا … على الصَّدى نَهْلَةٌ من مَوْرِد الكرم نقبل التُّرْب إجلالاً لساكنه … وكل مَوْطِئ أقدام مَقَرُّ فَمِ هذا عطاؤك فاغمرنا بمنهله … فقد مددنا أكف الفقر والعدم وإن رمتنا الخطايا وسط مهلكة … فأنت ملجأ خلق الله كُلِّهِمِ حسبي شفاعتك العظمى إذا صفرتْ … يداي أو [سفرت] (٦) عن زَلَّةٍ قَدَمِي فالعفو شيمتُك العُظمى التي شهرت … إذ كانت الموبِقاتُ اليومَ من شيم

стр. 184

/٥٨ صلى عليك إلهُ العرشِ ما حَمَلَتْ … عنك الثناءَ المُرَجَّى ألسنُ الأممِ وناسَمَ المِسكُ أنفاسَ السلام على … هذا الضريحِ وهذا البيتِ والحرمِ ثم يدعو بما تيسر وحضر من الأدعية المأثورة الجامعة لخيرات الدنيا والآخرة، وكذلك ما تيسر من محاسن دعوات السلف الأخيار، والصلحاء الأبرار، فإن لهذه الدعوات باعتبار من أخذت عنه آثاراً عظيمة، وأنواراً كريمة، وبركاتٍ ظاهرةً، عاجلةً وآجلة، وينبغي أن يجمع ذلك ويُعِدُّه قبل الحضور، إما حفظاً وإما كتابا؛ لأن العبد ربما لم يستحضر كثيراً من محفوظه لهيبة ذلك المقام الكريم، ثم يتفكر فيما هو من ضروراته ومهماته، ومقاصده وحاجاته، فيضرع إلى الله سبحانه في تيسيره، ويتشفع في ذلك بحبيبه (١) سيدِ المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم يتقدم نحو ذراع إلى جهة اليمين، فإنه حينئذ يصير تجاه قبر أبي بكر الصديق ﵁، فيقول: السلام عليك ياخليفة رسول الله، السلام عليك يا صاحب رسول الله، السلام عليك يا صديق رسول الله، في الإيراد والإصدار، السلام عليك يا ثاني اثنين إذ هما في الغار، السلام عليك يا علم الأعلام، السلام عليك يا صاحب السَّبْقِ في الإسلام، السلام عليك يا أحب الصحابة إلى سيد المرسلين، السلام عليك يا من أيَّدَ اللهُ به يوم الرِّدَّةِ الدِّين، السلام عليك يا من دَرَّ بالإيمان من غير توقُّف، السلام عليك يا من لم تستمله الدنيا بزخرف، السلام عليك يا من أنفق في دين الله مالَه، قليلَه وجليلَه، ولم يُبْقِ لنفسه ولا لأهله إلا الله ورسولَه، السلام عليك يا من تشرَّفَ بجميل المصاحبة في الغار والعريش (٢) والطريق، السلام عليك يا أفضل الخلفاء يا أبا بكر الصديق.

стр. 185

ثم يتقدم نحو ذراع للتسليم على عمر الفاروق ﵁ ويقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا من أيّد الله به الدين، وختم به الأربعين (١)، السلام عليك يا من شَدَّ أَزْرَ الإسلام فتمهَّد بعزائمه واتَّضَح، ومصَّر الأمصارَ وللأقاليمِ افتتح، السلام عليك يا من حمى حَوْزةَ الإسلام ذَبّاً، وأعلى أعلامَه شرقاً وغرباً، السلام عليك يا من لم يزل بالعدل صَبّاً، السلام عليك يا من أنزل الله البركات في خلافته صبا، السلام عليك يا قامعَ يَغُوثَ ويَعُوق، السلام عليك يا دامغ أهلِ الزَّيْغِ والفُسُوق، السلام عليك يا أبا حفص عمر الفاروق، السلام عليك يا من/٥٩ لم يترك له الحقُّ صديقاً، السلام عليك يا من ما لقيه الشيطانُ سالكاً طريقاً إلا اتخذ غير طريقه طريقاً (٢). أشهد أنكما قد خَلَفْتُمَا رسولَ الله ﷺ في أمته بأحسن خلافة، وسلكتما طريقته، وشيَّدْتُما شريعته، وكنتما له خليفتَيْ صدق، ووزيرَيْ حق، ولأمته إمَاميْ عدل، فجزاكما الله تعالى عن نبيكما وعن الإسلام وأهله خيرَ الجزاء، وأنزلكما أشرف منازل الصديقين والأولياء، وأنالكما أفضل ما ناله أحد من خلفاء الأنبياء، ونفعنا بهذه الزيارة والمحبة، وحشرنا مع نبينا ومعكما وسائرِ الأحبة، السلام عليكما ورحمة الله وبركاته.

стр. 186

ولا بأس بالبكاء على سالف الذنوب، والتضرُّعِ رجاءً لكشف الكروب، فقد رُوِّينا عن الإمام الجليل أبي عبد الرحمن عبد الله بن المبارك، سمعت أبا حنيفة يقول: قدم أيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ (١) وأنا بالمدينة، فقلت: لأنظرن ما يصنع، فجعل ظهره مما يلي القِبْلَةَ وَوَجْهَهُ مما يلي وجهَ رسول الله ﷺ وبكى غير متباك، فقام مقام رجل فقيه. ورُوِّينا عن الأصمعي (٢) قال: وقف أعرابي مقابل قبر (٣) النبي ﷺ ، فقال: اللهم إن هذا حبيبك، وأنا عبدك، والشيطان عدوك، فإن غفرتَ لي سُرَّ حبيبُك، وفاز عبدك، وغضب عدوُّك، وإن لم تغفر لي غضب حبيبُك، ورضي عدوُّك، وهلَك عبدُك، وأنت أكرم من أن تغضب حبيبَك، وتُرْضِيَ عدوَّك، وتُهْلِكَ عبدَك، اللهم إن العرب الكرام إذا مات فيهم سيد أعتقوا على قبره، وإن هذا سيد العالمين، فأعتقني على قبره. قال الأصمعي: فقلت: يا أخا العرب، إن الله تعالى قد غفر لك وأعتقك، بحسن هذا السؤال. ثم يعود إلى موقفه الأول تجاه المسمار الفضة، ويعيد من السلام المتقدم ما تيسر، ثم يجلس إن طال القيام به، فيكثر من الصلاة والتسليم، ويأتي بأتم أنواع الصلاة وأكمل كيفياتها، وقد اختلف الفقهاء في ذلك، وقد بسطت القولَ فيه في كتابي (الصِّلات والبِشَر في الصَّلاة على خير

стр. 187

البَشَر) (١)، والذي أختاره لنفسي: اللهم صل على سيدنا محمد وآلِه وصحبِه وأزواجِه الصلاةَ المأثورةَ، عددَ ما خلَقْتَ، وعدد ما أنت خالق، وزِنَةَ ما خلقت، وزنة ما أنت خالق، ومِلْءَ ما خلقت، وملء ما أنت خالق، وملء سماواتك، وملء أرضك، ومِثْلَ ذلك، وأضعافَ ذلك، وعدد خلقك، وزِنَةَ عرشك، ومنتهى رحمتك، ومدادَ كلماتك/٦٠ ومبلغ رضاك وحتى ترضى، وإذا رضيت، وعدد ما ذكرك به خَلْقُك في جميع ما مضى، وعدد ما هم ذاكروك فيما بقي، في كل سنة وشهر وجمعة ويوم وليلة، وساعة من الساعات، ونَسَمٍ ونَفَس، ولمحة وطرفة، من الأبد إلى الأبد، أبد الدنيا وأبد الآخرة، وأكثر من ذلك، لا ينقطع أولاه، ولاينفد أخراه. ثم يقول ذلك مرةً، أو ثلاثَ مرات. ثم يقول: اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد كذلك. وهذه الصلاة قد جمَعَتْ أمراً كبيراً، وخيراً كثيراً، وقد تضمنت معنى ما جمع في الصلوات المأثورة، ثم قُرِنَتْ بهذه الأعداد التي هي غير محصورة، إذ لا غاية لعددها، ولا نهاية لمددها. ثم يتلو بين يدي رسول الله ﷺ ما تيسر من القرآن المجيد، ويقصد الآي والسور الجامعة لصفات الإيمان ومعاني التوحيد، ويَجْنُبُ عما يفعله جَهَلةُ العوامِّ من لمس جدار الحجرة، والتقبيل، والطواف به، والصلاة إليه طلباً منهم أنه نوع من التبجيل، ولا يستدبر القبر المقدَّس، في صلاةٍ ولا في غيرها من الأحوال، ويلتزم الأدب (٢) شريعة وحقيقة، في الأقوال والأفعال.

стр. 188

ثم يأتي إلى الروضة المقدسة، وهي ما بين القبر والمنبر طولاً، ولم أر من يعرض له عرضاً، والذي عليه غلبة الظنون أنه من المحراب إلى الأسطوانة التي تجاهه. وأنا لا أوافق على ذلك، وقد بينته في موضعه من هذا الكتاب، وذكرت أن الظاهر من لفظ الحديث يقتضي أن تكون أكثر من ذلك؛ لأن بيت النبي ﷺ بجميع مرافق الدار، كان أكثر من هذا المقدار، والله أعلم. وينبغي أن يتنبه الزائر لفائدة جليلة، وهو أن يقضي صلاة أيام في الروضة الكريمة، ولو صلاةَ شهر واحد، ينوي بذلك عما وقع فيه تفريط من ترك أو إخلال بها، فإن المأمول من فضل الله سبحانه وسعة رحمته أن يكون ذلك عوضاً عن أيام كثيرة، فإنه صح أن كل صلاة في مسجده تَعْدِلُ [ألف] صلاة، فيرجى من واسع رحمة الله تعالى أن الصلوات الخمس المقضيات فيه تعدل [ألف] صلاة يكون ذلك عوضاً عما أخلَّ به، والباقي يجازى بفضل الله ورحمته، ولا يجوز للعبد المؤمن أن يجعل ذلك وسيلة إلى التفريط في فريضة وحاملاً على التقصير في أداء صلاة، فإنه يعصي بذلك ولا يدري هل يُوفَّقُ لقضائه، أم لا؟. ومنها: أن يغتنم ملازمة المسجد الشريف، ولا يفارقه إلا لضرورة متبينة/٦١ أو مصلحة متعينة، وكلما دخل المسجد يجدد نية الاعتكاف على مذهب الإمام المُطَّلبِي (١)، ومن يرى رأيه سواء كان من مُقلِّديه أم من مقلدي غيره من الأئمة، فإن ذلك جائز في القربات، ويجتهد ما أمكنه في تحصيل المغانم والخيرات، ويكثر النوافل والحسنات، وقرع أبواب السعادات بأظافير الإرادات، والعروج في مدارج العبادات، للولوج في سُرادق المرادات (٢):

стр. 189

تَمَتَّع إن ظَفِرْت بنيلِ قُربٍ … وحَصِّلِ ما استطعتَ مِنِ ادِّخَارِ فها أنا قد أبحَتُ لكم عَطَائي … وها قد صرتَ عِنْدِي في جِوارِي فخذُ ما شئتَ من كَرَمٍ وجُودٍ … ونلْ ما شئتَ من نِعَمٍ غِزَارِ وقد وسَّعتُ أبوابَ التداني … وقد قرَّبتُ للزوَّارِ داري وقد زُرتُم ووصلتم بخيرٍ … فيا فَرَحَ القلوبِ بذا المزارِ فمتِّع ناظرَيكَ فها جمالي … تجلَّى للقلوب بلا استتارِ وقد هبَّت نسيماتٌ لنجدٍ … فَطِب واشرب بكاساتٍ كبارِ فما وقتٌ يَمُرُّ بمستعادٍ … وما دارُ الأعزَّة بالقرارِ فودِّعْ أرضَ نجدٍ قبلَ بُعدٍ … فما نجدٌ لمرتحِلٍ بدارِ ولو خُيِّرتُ ما اخترتُ التنائي … ولكن ليس ذلك باختيارِ وما كان النوى عن طيب نفس … ولكن كان ذلك باضطرار أقول لمن يمر بأرضِ نجدٍ … على وجناء (١) تُرقلُ (٢) بابتكار تزود من شميم عَرَارِ نجدٍ … فما بعد العشيَّةِ من عَرَارِ (٣) وقل أيضاً لِمُغْتَنم صَفَاءً … على معنىً يلوح لذي اعتبار: إذا العشرون من شعبان … ولَّتْ فواصل شرب ليلك بالنهارِ

стр. 190

ولا تشرب بأقداحٍ صغارٍ … فإن الوقت ضاق عن الصغارِ ومنها: أن يستحضر دائماً عظمة السكن لمن سكن، ولا يركب فيها دابة ما أمكن (١)، بل يجتهد في إيثار المشي، بل اختيار الخطا، ويترجى وقع أقدامه في مواطئ أقدام المصطفى،/ ٦٢ وكان الإمام مالك ﵀ لا يركب فيها دابة، يقول: أخشى أن يقع حافِرُها في محلٍّ صلَّى فيه النبي ﷺ (٢). ومنها: اتِّباعُ السُّنَّة في جميع الأحوال والأعمال والعادات والعبادات، واجتنابُ البدعة في الأقوال والأفعال في ذلك كله، وإن كان لازماً في جميع الأماكن والأحوال، لكنَّ هذا المحلَّ الشريفَ والجناب الرفيعَ أحقُّ المواطنِ وأَوْلاها بذلك بلا مَقال. ومنها: اغتنامُ ما أمكن من الصيام، ولو يسيراً من الأيام، ولإكثار الصوم في المدينة سر دقيق، لا يخفى على العارفين وأهلِ الصدق. وبالله التوفيق. ومنها: إكثارُ الصلاة والتسليم على النبي ﷺ وإيثارُها على سائر الأذكار والكلمات، واختيارُ الاشتغال بها في أكثر الأحيان والأوقات، للأحاديث التي رواها الأَثْباتُ الثِّقات، وقد تقدم شيء من ذلك في فضل زيارة سيد الكائنات. ومنها: تعظيم أهل المدينة وأبنائها، لاسيما علمائها وصلحائها، وأشرافها وكبرائها، وَسُوقَتهَا (٣) وفقرائها، وسَدَنةِ الحُجْرةِ الشريفة وخدامها، القائمين بحق مهابة الحجابة، ورفع أعلامها، وهلم جراً إلى عوامِّها

стр. 191

وجَوامِها (١)، وشيوخها وكبارها، وأطفالها وصغارها، وَزراعها وحُرَّاثها، وباديتها وحاضرتها من جميع أطرافها، كُلاًّ منهم على حسب حاله ورتبته، وقرابته وقربته، ودُنُوِّه من قبر النبي ﷺ وتربته، وتعظيمه لشِعار دينه وشريعته، وقيامه بمصالح أمته ومناهج ملته. فمنهم من حاز من هذه الفضائل ما استوجب به أن يزاد له في التعظيم والإكرام والتوقير، على تعظيم كل مَلِكٍ وسلطان، وعالم وعامل، وعارف وكبير، ومنهم مَنْ دون ذلك، إلى مَنْ لا تبقى له مزيةٌ سوى كونه في هذا البلد المقدس، والمحل العظيم، وجاراً لهذا النبي الكريم، وأَخلق بها مزيةً أن يُجَلَّ صاحبها، وأن يظهر لإِدلَالِ إِدْلَالِه بساحتها، وهؤلاء قد ثبت لهم حق الجوار، وإن عظمت إساءتهم فلا يسلب عنهم اسم الجار، وقد عَمَّ ﷺ في قوله: «مازال جبريل يوصيني بالجار» (٢)، ولم يخصص جاراً دون جار وكلما احتجَّ به مُحتَجٌّ من رمي عوامهم بالابتداع، وترك الاتباع، فإنه إذا ثبت ذلك في شخص منهم مثلاً لا يترك إكرامه، فإنه لا يخرج عن حكم الجار ولو جار، ولا يزول عنه شرف مساكنته في الدار كيف دار، بل يرجى له أن يختم له بالحسنى، ويمنحَ ببركة هذا القرب الصُّوري قرب المعنى: فيا ساكني أكنافَ طيبةَ كلكمْ … إلى القلبِ مِنْ أجلِ الحبيب حبيبُ (٣) /٦٣ وقال آخر: أُحِبُّ بني العَّوام طُرَّاً لأجلها … ومن أجلها أحببتُ أخوالهَا كلباً (٤)

стр. 192

أليس كثيرهم من ذرية الأنصار، الذين نصروا الإسلام إلى أن صار إلى ما صار، وقد أحسن قيس (١) بن صِرْمة الأنصاري فيما رُوِّيناه له من الأشعار: ثَوى في قريش بِضْع عَشْرة حَجَّة … يُذَكِّرُ، لو يَلقَى حبيباً مواتياً ويعرضُ في أهل المواسم نَفسَهُ … فلم يَرَ من يُؤوي ولم يَرَ داعياً فلما أتانا واستقرَّت به النَّوى … وأصبح مسروراً بطيبةَ راضياً بذلنا له الأموال من كُل مالنا … وأنفُسَنا عندَ الوغى والتآسِيا نُعادي الذي عادى من الناس كُلِّهم … جميعاً وإن كان الحبيب المصافيا ونَعْلَم أن الله لا ربَّ غيرُه … وأن رسولَ الله أصبحَ هادياً (٢) وأما من ليس من هذا في شيء، وإنما هو من الدخيل، ألا يُؤوي الذي أتاه واستوطن، وأورد هذا الموطن الكريم وأعطن، فحكمه حكمهم؛ إذ هو إليهم منسوب، وكلُّ ما نُسِب إلى الحبيب محبوب. وأيضاً: قلَّ ما يوجد ساكنٌ بالمدينة إلا وتشمله البشرى، بالشفاعة والشهادة (٣) والوعد بالحسنى، من غير تقييد منبع السعادة، ومجمع السيادة، وذلك لأن الَّلأْي والَّلأَىَ والَّلأْواء: الشدة

стр. 193

مطلقاً (١)، وكلُّ من صبر بها على شدة ما فإنه يدخل تحت هذا الوعد السعيد. ومنها: صَوْنُ النَّفْس عن ملابسة السآمة والمَلَل والضَّجَر، والفُتُورِ والقَلَق والحَصَر (٢)، عن حصول ما لا يكاد تخلو المدينة الشريفة من شيء منها، من شَظَفِ (٣) العيش، وضيق الحال، وقلة المال، وفقدان كثير من رفاهية العيش، ورفاعة الحياة، والتنعمات المعتادة في غيرها من المدن، فإن هذه الخصلة أيضاً من محاسنها ومفاخرها، ومعدودة في مناقبها ومآثرها. وعساك حزمت بأن تحظى بحيازة درجات الفائزين المهاجرين، وتسعد بحياطة (٤) حسناتِ الشاكرين والصابرين، من غير أن تعالج قليلاً من البلاء، وتَعَضَّ بناجِذَيْكَ على جِذْم (٥) الصَّبْر الذي هو أمَرُّ من الأَلاء (٦)، اصبر على لأوائها وبَلوائها، ولا تضجر ولو صِرْتَ في غِمار الشدة وغلوائها، فقد رأينا كثيراً من المُترَفين في هَوَى صورة من الصور يختارون من أنواع البلاء أشقَّها، ويَسْتَهْوِنون من ضروب المصائب أَحْمَزَها (٧)، بل يَسْتَحْلُون مُرارَها، ويستطيبون ضررَها. /٦٤ وكنت إذاما جئت ليلى أزورها … أرى الأرضَ تُطْوَى لي وَيَدْنُو بَعِيْدُها من الخَفرَات (٨) البيضِ وَدَّ جَليسُها … إذا حَدَّثَتْ أحدوثَةً لو تُعِيدُها (٩)

стр. 194

وقال آخر: ولو قُلْتَ طأْ في النَّارِ أعْلَمُ أنَّه … رضَىً لَكَ أو مُدْنٍ لنا من وِصَالِكَ لقدَّمتُ رِجلي نحَوها فوطِئْتُها … هُدَىً منكَ أوضَلَّةً من ضلالِكَ (١) دع هذا رأينا من يستهون العظائم الكبار، ويرتكب الأهوال والأخطار، ويستغرق الأعمار، في مصاعب الأسفار، وركوب البحار، ويصبر من العيش على أَمرَّ من العلقم، ويلوي على يديه ما هو أضرُّ من الأرقم (٢)، ويفارق أهله وولده، ووطنه وبلده، ويستمر على ذلك الشهورَ والأيام، بل السنين والأعوام، كل ذلك لظن ربح دنيوي واكتساب مالي أو رضا ملك أو سلطان، بل في رضا مَن يَعِزُّ عليه من الأزواج والولدان. وكم عسى تكون شدة المدينة ولأواؤها؟ وإلى متى تستمر عليك مشقتها وبلاؤها؟ وقد تجد في البلاد ما هو في الشدة وشَظَفِ العيش مِثْلَها، أو أشقَّ منها، وأهلها مقيمون فيها، وربما يوجد فيهم من هو قادر على الانتقال، فلا ينتقل ويُؤْثِرُ وطنَه مع إمكان الارتحال، على أن المدينة مع شَظَفِ العيش بها في غالب الأوقات، فإنه قد يُوسِّعُ اللهُ فيه العيشَ على بعض السكان، ويَحْسُنُ فيه حالُه ويَنْعُم فيها بالُه، دون سائر البلدان، ولعلك تكون واحداً من أولئك الرجال، أو تكون من أنعمهم وأطيبهم في طيب العيش ورفاهية الحال، وإن كانت الأخرى، فالصبر للمؤمن أجدر وأحرى، فإن تحمل العسر يتبعه الآلاء (٣) بلا منّ، وتجرع الصبر يقترن به الأحلى والمَنّ. يا مَنْ شكى شوقَه من طُولِ فِرقَتِه … اصبر لعلَّكَ تلقى من تحب غدا

стр. 195

وسر إليه بنار الشوق مجتهدا … عَسَاَكَ تَلْقَى على نار الغرام هُدى فمن وفقه الله تعالى لسداد الأمر، صَبَّره في إقامتها ولو على أحرَّ من الجمر، فيتجرع مَرارة غَصَّتِها، حتى تجتلي عروسُ المرادِ على مِنَصَّتِها، ويا سعدَ من تَرِح (١) قليلاً، وفرح طويلاً، وكَبَح يسيراً، وربح كثيراً، يلقى بُرْءاً من لأوائها، فيوُقَى بها من مصائب الدنيا وبلائها، عَضَّ على ناجذ الصبر ساعات، فأعقبته في الآخرة راحات وإسباغات، ثبت قدمه العلية وهمته السَّنِيَّة، إلى أن تأتيه المنية، وكان بها وقد وافت، وساره ملك/٦٥ الموت وخافت، فدُفِنَ في تربته الطيبة الطاهرة، وغُيِّبَ في بقعته المقدسة الزاهرة، متمسكاً بجوار أولئك الأخيار من أهل التقى، مستوثقاً من قرب تربتهم، بالعروة الوثقى، مُؤْثِراً على الدنيا الآخرة فإن الآخرة خير وأبقى، فطوبى لمن أسكنه الله في تلك المعاهد والديار، وشملته أنوار تلك المعالم والآثار، وقضى فيها ما قد بقي من الأنفاس والأعمار، يحاسن فيه الفقير العديم ويواسيه، ويصابح فيه النبي الكريم ويماسيه، يرفع حاجته إليه، ويبث ضروراته بين يديه (٢)، يُسلِّم عليه شاكياً ذنوبه، ويصلي عليه، ذاكراً مقابحه وعيوبه، يتمرغ في تراب التذلل خاشعاً، ويتمسكن بباب التوبة عند الشفيع المشفع خاضعاً. وأيم الله، إنه لجدير أن لا يقوم إلا وقد غفرت خطاياه، وكثرت عطاياه، وانقلب بالمنح الجزيلة من آماله مطاياه، وقضيت أوطاره وحاجاته، وقربت بالإقبال والقبول سراره ومناجاته. فيا سعد من لم يستعظم احتمال المشقات، واعتمال محاسن العادات،

стр. 196

وإخلاص النيات والمرادات، في ملازمة العبادات، والمواظبة على الطاعات، والمداومة على نوافل الخيرات، ولزوم المجاهدات، والصبر على ما تقضيه هذه المقامات الظاهرات، من المعانات والمكابدات، لينال ما وعده به سيد الكائنات، وأفضل البريات، من جزيل المثوبات، وجميل المكرمات، وإنجاز الوعد بشفاعته وشهادته أرفع الشفاعات، وأنفع الشهادات. جعلنا الله تعالى ممن خصهم من هذه المقامات بالحظ الأوفى، وأوردنا من مناهل فواضله وسلاسل نوافله المورد الأهنى الأصفى، وآوانا من جناب النبي الأعظم والحبيب الأكرم الظل الأسبغ الأضفى. ومن آداب من صار بالمدينة حاضراً، زائراً كان أو مجاوراً، أن يديم التردد لزيارة البقيع ومن حوته تربته من سادات الصحابة من السابقين الأولين الأخيار، ومن بعدهم من المهاجرين والأنصار، عليهم رحمة الله الملك الجبار.

стр. 197

الباب الثاني: في تاريخِ البلدِ المقدسِ وذِكرِ مَن سَكَنَهُ أولاً من التبابعةِ (١) والعماليق (٢) وهَلُمَّ جَرّاً إلى أن فَتَحَ الله تعالى بالقرآنِ لنبيهِ الكريمِ ما كان فيها من المغاليق. فصل في ذكر نُبَذٍ من تاريخِ المدينةِ المقدسةِ والمسجدِ الشريف والروضةِ المطهرةِ صلى الله على مُشَرِّفها. وهذا الفصلُ مُلَخَّصٌ من كتاب الزبير بن بكار (٣)، وابن النجار (٤)، ومعجم ياقوت (٥) الكبير /٦٦ وغير ذلك. مهذب القواعد، مشذب الرواية، مرشحاً بفوائد

стр. 198

رشيقة، موشحاً بفرائد أنيقة إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق. أسند الزبير بن بكار رحمة الله عليه إلى مشيخة من أهل المدينة أنَّهم قالوا: كان ساكني المدينة في سالف الأزمان قومٌ يقال لهم: صعل وفالج، فغزاهم داود النبي ﷺ فأخذ منهم مئة ألف عذراء. قال: وسلَّط الله تعالى عليهم الدود في أعناقهم فهلكوا، فقبورهم هذه التي في السهل والجبل، وهي التي بناحية الجرف (١)، وبقيت امرأة منهم، وكانت تعرف بزهرة، وكانت تسكن بِهَا، فاكترت من رجل، وأرادت الخروج إلى بعض تلك البلاد، فلما دنت لتركب غشيها الدُّودُ، فقيل لها: إنا لنرى دوداً يغشاك، فقالت: بِهذا أُهْلِكَ قومي، ثم قالت: رُبَّ جسدٍ مصُونٍ، ومالٍ مدفونٍ، بين زهرة (٢) ورانون (٣). قال: وقتلها الدودُ (٤). قالوا: وكان قوم من الأمم يقال لهم بنو هف وبنو مطر وبنو الأزرق، فيما بين مخيض (٥) إلى غُرَاب الضائلة (٦) إلى القصاصين (٧) إلى طرف أحد، فتلك آثارهم هنالك.

стр. 199

وكانت العماليق منتشرة في البلاد، وكانت جُرْهُم (١) بِمكة المشرفة، وكانت قَنْطُورَاء (٢) وطَسْم وجَدِيس (٣) باليمامة (٤) وبالشام. وعن زيد بن أسلم (٥) ﵀ قال: إن ضَبُعاً رُئِيَت وأولادها رابضة في حِجَاجِ (٦) عينٍ من العماليقِ. قال: وكان تمضي أربع مئة سنة وما يسمع بِجنازة. (٧) وكانت العماليق قد انتشرت في البلاد فسكنوا مكة والمدينة والحجاز كله، وَعَتَوا عُتُوّاً كثيراً، فبعث إليهم موسى ﵇ جنداً من بني إسرائيل فقتلوهم بالحجاز وأفنوهم (٨). وإنما كان أول سكنى اليهود بالحجاز أن موسى ﵊ لما أظهره الله تعالى على العمالقة بِجنده [الذي] (٩) بعثه إلى الحجاز، وكان أمَرَهُم

стр. 200

ألا يستبقوا منهم حَالماً، ففعلوا ذلك، وقتلوهم، حتى انتهوا إلى ملكهم بتيماء، وكان يقال له الأرقم بن أبي الأرقم (١)، فقتلوه، وأصابوا له ابناً شاباً، وكان من أحسن الناس وجهاً، فضنوا بقتله، وقالوا: نستحييه حتى نَقْدَمَ به على موسى ﵇ فيرى فيه رأيه، فأقبلوا وهو معهم، وَقَبَضَ الله تعالى نبيه موسى عليه أفضل الصلاة والسلام قَبْلَ قدومهم، فلما سَمِعَ بهم الناسُ تلقوهم، فسألوهم عن أمرهم، فأخبروهم بالفتح، وأنَّهم لم يَسْتَبْقُوا أحداً غير /٦٧ هذا الشاب؛ ليرى نبي الله فيه رأيه، فقالوا: إن هذه لمعصيةٌ منكم لما خالفتم من أمر نبيكم، لا والله لا تدخلون علينا بلادنا أبداً، فحالوا بينهم وبين الشام، فقال الجيش: ما بلدٌ إذ مُنِعتُم بلادَكُم خيراً من البلدِ الذي خرجتم منه. وكانت الحجازُ إذ ذاك شجراً أشجر بلاد الله وأطهره ماءً، فهو أول سكنى اليهود الحجاز بعد العماليق، فتركحوا (٢) فيها حيث شاؤوا- أي: تفسحوا- وتبوؤوا، فكان جميعهم بزهرة، وكانت لهم الأموال بالسافلة (٣). وزهرة: ثَبْرَةٌ بين الحَّرةِ والسَّافِلَةِ مما يلي القُف (٤)، والثَّبْرَةُ: الأرضُ السَّهلةُ، ونزل جمهورهم بِمكان يُقال له يثرب بِمَجْمعِ السُّيولِ: سيل بطحان (٥)، وسيل العقيق، وسيل قناة مما يلي زَغَابِة (٦).

стр. 201

قالوا: وكانت يثرب سقيفة طويلة فيها بغايا يُضرب إليهنَّ من البلدان، وكانوا يروحون (١) في قرية بيثرب ثَمانين جَمَلاً جَوْناً (٢) سوى سائر الألوان (٣). وذكر أن تُبَّعَاً (٤) لما وصل إلى المدينة كان منْزله بقناة، وأنه أراد خراب المدينة، فجاءه حَبران من بني قريظة يقال لهما: سُخيت ومنبه (٥)، فقالا: أيها الملك لا تفعل، انصرف عن هذه البلدة فإنَّها محفوظة، وإنَّها مُهَاجَرُ نبي من بني إسماعيل اسمه أحمد، يخرج في آخر الزمان، فأعجبه ذلك، وكَفَّ عما أراد، ولم يزل بعد ذلك يَحوطُ المدينةَ (٦). وحكى ياقوت عن بعض علماء الحجاز من اليهود أن سبب نزولهم المدينة، أن مَلِكَ الروم حين ظَهَرَ على بني إسرائيل وَمَلَكَ الشام، خطب إلى بني هارون وفي دينهم أن لا يزوجوا النصارى، فخافوه وأنعموا له، وسألوه أن يشرِّفهم بإتيانه إليهم، فأتاهم ففتكوا به وبِمن معه، ثُمَّ هربوا حتى لحقوا بالحجاز فأقاموا بِهَا (٧). وقال آخرون: بل علماؤهم كانوا يَجدون صفةَ رسولِ اللهِ ﷺ في التوراة

стр. 202

وأنه يهاجر إلى بلد فيه نَخْلٌ بين حَرَّتَينِ، فأقبلوا من الشام يطلبون الصفة حرصاً منهم على اتباعه، فلما رأوا تَيْماءَ (١) وفيها النخلُ عرفوا صفته، وقالوا: هو البلد الذي نريده، فنَزَلوا، وكانوا أهله، حتى أتاهم تُبَّع فأنزل معهم بني عمرو بن عوف (٢)، والله أعلم أي ذلك كان (٣). قالوا: وخرجت قريظة وإخوانُهم [بنو (٤)] هَدلٍ وعمرو ابنا الخزرج بن الصريح بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوى بن حبر بن النحام بن عازر بن عيزر ابن هارون بن عمران صلوات الله على هارون، والنضير بن النحام بن الخزرج بن الصريح بعد هؤلاء، فتبعوا آثارهم فنَزَلُوا بالعالية (٥) على واديين يقال لهما مُذَينِب ومَهْزُور (٦)، فنَزَلت/٦٨ بنو النضير على مذينب، واتَّخذوا عليه الأموال، وكانوا أول من احتفر بِهَا الآبار وغرس الأموال. قال: ونزل عليهم بعض قبائل العرب، وكانوا معهم، واتَّخذوا الأموال، وابتنوا الآطام والمنازل (٧).

стр. 203

قال الزبير: حدثنا محمد بن الحسن (١) عن عبد العزيز بن محمد الدَّراوَرْدي (٢) عن طلحة بن خراش (٣) عن عبد الملك بن جابر بن عتيك (٤) عن جابر بن عبدالله (٥) يرفعه قال: «أقبل موسى وهارون ﵉ حَاجَّين، فمرا بالمدينة فخافا من يهود فخرجا مستخفيين، فنَزلا أُحُدَاً، فغَشِيَ هارونَ الموتُ، فقام موسى فحفر له، وَلَحَدَ، ثم قال: يا أخي إنك تَموت، فقام هارون فدخل في لَحْدِهِ فَقُبِضَ، فَحَثَا عليه التراب» (٦). قالوا: وكان بالمدينة قرى وأسواق من يهود بني إسرائيل، وكان قد نزلها أحياء من العرب، وكانوا معهم، وابتنوا الآطام والمنازل، فكان ممن كان مع يهود من قبائل العرب قبل نزول الأوس والخزرج عليهم بنو

стр. 204

أنيف (١) وهم حي من بَليّ، ويقال: إنِّهم بقية من العماليق، وبنو مَرِيُد (٢) حي من بلي، وبنو معاوية بن الحارث ابن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، وبنو الجذماء (٣) حي من اليمن (٤). وكان ممن بقي بالمدينة من اليهود حين نزلت عليهم الأوس والخزرج، بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو محمم، وبنو زعورا، وبنو ماسكة، وبنو القمعة، وبنو زيد اللات وهم رهط عبد الله بن سلام (٥)، وبنو قينقاع، وبنو حجر، وبنو ثعلبة، وأهل زهرة، وأهل زَبَالة، وأهل يثرب، وبنو القصيص، وبنو ناعصة، وبنو عكوة، وبنو مرابة، فكانت هذه القبائل كلها من بني إسرائيل، والأحياء الذين ذكروا معهم من العرب اتَّخذوا بالمدينة الآطام. وكانت الآطام عز أهل المدينة ومنعتهم التي كانوا يتحصنون فيها من عدوهم، فكان منها ما يعرف اسمه، ومنها ما لا يعرف اسمه، ومنها ما يعرف باسم سيده، ومنها ما لا يدرى لمن كان، ومنها ما ذُكِرَ في الشعر، ومنها ما لم يُذكر.

стр. 205

وروى الزبير بسند عن ربيعة بن عثمان (١) أن رسول الله ﷺ نَهى الأنصار أن يهدموا آطامهم (٢) وقال: «إنها من زينة المدينة» (٣). فكان بنو أنيف بقباء، وكان لهم الأطم الذي يقال له الأجش، عند البئر التي يقال لها لاوة، وكان لبيجان (٤) بن عامر بن مالك بن عامر بن أُنيف، وكان لهم الأطمان اللذان يقال لهما النواحان (٥)، كانا عند مجلس بني أنيف، وكان لهم الأطم الذي /٦٩ يقال له الهجيم (٦) كان موضعه عند قرن بئر إسلام، كان لبني عبيد بن الحمير بن مالك بن عامر بن أنيف، وكان لهم أطم في دار محمد بن سعيد بن محمد الأنيفي، موضعه إلى جنب بئر الغدق (٧)، في دار حميد بن دينار مولى عبد الله بن أبي أحمد (٨)، كان لوبرة بن ثعلبة الأنيفي (٩)،

стр. 206

وكان لهم أطم موضعه بين بئر غَدَق وبين المَكْرَعَة (١) كان لمليل بن وبرة بن ثعلبة الأنيفي، وكان لهم أطم كان موضعه إلى جنب أطم مليك بن وبرة وكان لصيفي بن وبرة بن ثعلبة الأنيفي (٢)، وكان لهم أطمان كان موضعهما بين المال الذي [يقال] (٣) له الماية، والمال الذي يقال له القائم، لا يُدْرَى لأيِّ بني أنيف كان (٤). قال شاعر بني أنيف في آطامهم: ولو نطقت يوماً قباء لخبرت … بأنا نزلنا قبل عادٍ وتُبَّع وآطامنا عادَّيةٌ مُشْمَخِرِّة … تلوح فتنكي من نعادي وتَمنع وكانت بنو قريظة في دارهم التي هم بِهَا اليوم، وكان لهم أطم يقال له معرض، وهو حصنهم الذي كانوا يلجؤون إليه إذا فزعوا، كان موضعه ما بين الدرجة (٥) التي في بقيع بني قريظة، إلى النخل التي يَخرج منها السيل، وكان لهم أطم كان موضعه في موضع مسجد بني قريظة، وكان للزبير بن باطا القرظي (٦)، وكان لهم أطم في غربي المال [الذي (٧)] يقال له سطمار في بني قريظة، وكان للزبير ابن باطا أيضاً، وكان لهم أطم يقال له الملحة كان في بئر

стр. 207

سعيد دبر مال ابن أبي حُدَيْر (١)، كان لكعب بن أسد القرظي (٢)، وكان لهم أطم في المال الذي يقال له الشجرة، وكان لكعب بن أسد يقال له بلحان، وله يقول الشاعر: من سره رطبٌ وماء باردٌ … فليأت أهل المجد من بلحان وكان مع بني قريظة في دارهم إخوتهم بنو هدل وبنو عمرو بن الخزرج، وإنَّما سمي هَدلاً لِهَدْلٍ (٣) كان في شفته، ومن ولده ثعلبة وأسيد ابنا سعية (٤)، وأسد بن عبيد (٥) ورفاعة بن سموأل (٦)، وسُخيت ومنبه، ابنا هدل (٧). وكانت بنو النضير في النواعم (٨) وكان لهم أطم يقال له مَنْورَ، وهو الأطم الذي في دار ابن طهمان، وكان لسلام بن مِشْكَم النضري (٩)، وكان لهم الأطم الذي في مال بني [أبي] أمامة بن سهل بن

стр. 208

حنيف (١)، وكان لكعب بن الأشرف (٢)، وكان لهم الأطم الذي كان موضعه في زقاق الحارث دبر قصر ابن هشام الذي /٧٠ دون بني أمية بن زيد (٣)، كان لعمرو بن جحاش (٤)، وكان لهم أطم البويلة كان لرهط منهم لحقوا باليمن، وكان لهم أطم في المال الذي يقال له فاضحة، كان لبني النضير عامة (٥). وكان بنو مزيد في بني خطمة وناعمة إبراهيم بن هشام (٦)، وكان لهم الأطم الذي هنالك الذي يقال له أطم بني مزيد، وفيه بئر. وكانت بنو معاوية في بني أمية بن زيد، وكان لهم الأطم الذي يقال له

стр. 209

أطم بشر في الدار [التي (١)] يقال لها دار المعاويين، كان لبشر أخي معاوية بن الحارث بن بُهْثة. [و] (٢) كان بنو ماسكة قريبين من صدقة مروان مما يلي صدقة النبي ﷺ ، وكان لهم الأطمان اللذان في القُفِّ (٣) في القُرَيَّة، وكان لهم الأطم الذي في مال إسماعيل بن زيد بن ثابت (٤). وكان بنو محمم في المكان الذي يقال له بنو محمم، وكان لهم المال الذي يقال له خُنافة، كان رجل منهم قطع يد رجل في الجاهلية، فقال المقطوع: اعطني خُنافة عقلاً بيدي، فأبوا، وحَفَرَ الذي قطعه كُوَّةً في خُنافة ثم أخرج يده منها من وراء الحائط وقال: اقطع، فقطع يده، فقال حين قطع يده: الآن قد طابت ذرى خُنافة … طابت فلا جوع ولا مخافة وكان بنو زعورا عند مَشْرَبَة (٥) أم إبراهيم ابن النبي ﷺ ، ولهم الأطم الذي عندها، وكان الأطم الذي في مال جحاف لبعض من كان هنالك، وكان بنو زيد اللات قريباً من بني غصينة، وهم رهط عبد الله بن سلام. وكان بنو قينقاع عند منتهى جسر بطحان مما يلي العالية، وكان هناك سوق من أسواق المدينة، وكان لهم الأطمان اللذان عند منقطع الجسر على يَمينك وأنت ذاهب من المدينة إلى العالية إذا سلكت الجسر، وأطمان عند الحشاشين عند المال الذي يقال له حبرة، وأطم عند الحائط الذي يقال له ذو الشهر.

стр. 210

وكان بنو حجر عند المشربة التي عند الجسر، وكان لهم أطم هنالك يقال له أطم بني حجر. وكان بنو ثعلبة، وأهل الزهرة، وهم رهط الفِطْيون (١) وكان ملكاً من ملوك بني إسرائيل، وهو الذي كان يَفْتَضُّ نساء أهل المدينة قبل أن يدخلن على أزواجهن، لهم الأطم الذي عند مال يحيى بن سعيد بن سعد بن عبادة، والأطمان اللذان على الطريق العريض حتى يهبط من الحَرَّة، وكانت بزهرة جُماع من اليهود، وكانت من أعظم قرى المدينة، وقد بادوا فليس/٧١ منهم أحد يعرف. وكان بالَجَّوانِيَّةِ ناس من اليهود، وكان لهم بِهَا الأطم الذي يقال لها صرار، وبه سميت تلك الناحية صراراً، وصارت لبني حارثة بن الحارث (٢)، وله يقول نَهيك ابن إساف (٣): لعل صراراً أن تجيش (٤) بياره … ويسمع بالريان تبنى مشاربه والريان كان لأصحاب صرار، وقد كان لبني حارثة بن الحارث، وهو

стр. 211

أطم الجَوَّانِيَّةِ، وكان بنو الجذماء بين مقبرة بني عبد الأشهل (١)، وبين قصر ابن عرك، وكان لهم أطم هنالك يقال له الأبيض، ثم انتقلوا إلى راتج. وكان بنو عكوة وهم رهط بني عكم في منازل بني حارثة، وكان لهم الأطم الذي هنالك يقال له أطم بني عكم. وكانت بنو مرابة في شامي بني حارثة، ولهم الأطم الذي يقال له الحال في مال ابن مسافع، والمال الذي عند عفيرا مال خالد بن عقبة (٢)، والأطم الذي يقال له الشَّبْعَان، وهو الأطم الذي في ثَمْغ صدقة عمر بن الخطاب ﵁ (٣). وكان برَاتِج ناس من اليهود، وكان راتجٌ أطماً وبه سميت تلك الناحية راتِجَاً، ثم صار لبني الجذماء ثم صار بعد لأهل راتج الذين كانوا حلفاء في بني عبد الأشهل، وهو الذي يقول له قيس بن الخطيم (٤): ألا إن بين الشرعبي وراتج .. ضراباً كتخذيم السَّيالِ (٥) المعصد

стр. 212

وكان بالشَّوْطِ (١) والعبائق والوالج وزَبَالة إلى عين فاطمة ناس من اليهود، وكان لأهل الشوط الأطم الذي يقال له الشَّرْعَبي. وكان لأهل العبائق الأحد عشر أطماً التي على يَمينك حين تفضي من زقاق الحسني، والأطمان اللذان مما يلي عين فاطمة، حيث كان يطبخ الآجُرُّ لمسجد رسول الله ﷺ . وكان لأهل الوالج الأطم الذي يقال له الأزرق، وهو الذي بطرف الوالج مما يلي قناة. وكان لبعض من هناك من اليهود الأطمان اللذان يقال لهما الشيخان، بمفضاهما (٢) المسجد الذي صلى فيه رسول الله ﷺ حين سار إلى أحد، والثلاثة الآطام التي عند الشيخين. وكان لأهل زَبَالة الأطمان عند كوم أبي الحمراء الرابض والأطم الذي دونَهما. وكان في بعض المزارع المواجهة لسقاية سليمان (٣) أطم يقال له المَجْدَل كان لبعض من تنسك من اليهود، وكان لأهل يثرب … (٤)، وكانوا جماعاً من اليهود، وقد بادوا فلم يبق منهم أحد. فهذا عِلْمُ أول من سكن المدينة بعد الطوفان إلى قدوم الأوس والخزرج.

стр. 213

قالوا: ولم تزل اليهودُ العاليةَ بِهَا، الظاهرةَ عليها، حتى كان ما كان من أمر سَيْل العَرِمِ وما /٧٢ قَصَّ الله تعالى من قِصَّتِهِ في القرآنِ (١). فأجمع عمرو بن عامر بن ثعلبة على بيع ماله بِمأرب -وهي أرض سبأ- لما رأى هو وغيره من كهلتهم من علامات ذلك السَّيلِ، فقال عمرو لقومه: إني واصف لكم البلاد، فمن أعجبه بلدٌ فليسر إليه، فكان منها أن قال: من أراد منكم الراسياتِ في الوحل (٢)، المطعماتِ في المحل (٣)، المدركاتِ بالدَّخْل (٤)، فليلحق بيثرب، ذات النخل، وهي المدينة، فكان الذين اختاروها وسكنوها الأنصار؛ الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، وهما ابنا قيلة ابنة كاهل بن عذرة ابن سعد بن زيد بن أسود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، ولهم يقول القائل (٥): بَهالِيلُ (٦) من أولاد قَيْلَةَ لم يجد … عليهم خليطٌ في مخالطةٍ عَتْبَا مطاعيم في المقرى مطاعين في الوغا … يرون عليهم فعل آبائهم نحبا (٧) وكانت المرأة تَخْرج من مأرب بِمعزلها فتنْزل قرية قرية حتى تنْزل الشام، لا تحمل طعاماً ولا شراباً، ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَينَ أسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أنْفُسَهُم﴾ (٨) فَنُقِلتْ

стр. 214

غسان (١) إلى الشام، والأَزد (٢) إلى عُمان، وخزاعة (٣) إلى تِهامة، والأنصارِ إلى يثرب، فأقاموا بالمدينة ووجدوا الأموال والآطام والنَّخْل في أيدي اليهود مع القوَّةِ والعَدَدِ والعُدَدِ، فمكثوا فيهم ما شاء الله، ثم سألوهم أن يعقدوا بينهم وبينهم جواراً وحلفاً يأمن به بعضهم من بعض، ويَمتنعون به ممن سواهم، فتعاقدوا وتَحَالفوا، واشتركوا وتعاملوا، فلم يزالوا على ذلك زماناً طويلاً، وأمِرَتِ (٤) الأوسُ والخزرجُ وصار لهم مالٌ وعَدَدٌ، فلما رأت قريظة والنضير حالهم خافوهم أن يغلبوهم على دورهم وأموالهم، فتنمَّرَوا عليهم حتى قطعوا الحلف الذي كان بينهم، وكانت قريظة والنضير أَعدَّ وأكثر، وكان يقال لهما الكاهنان وبنو الصريح. وفي ذلك يقول قيس بن الخطيم: كنا إذا رامنا قومٌ بِمظلمة … شدت لنا الكاهنان الخيل واعتزموا نسوا الرهون وآسونا بأنفسهم … بنو الصريح فقد عَفُّوا وقد كَرُمُوا (٥) فأقامت الأوس والخزرج في منازلهم خائفين أن تُجلِيهم يهودُ، حتى

стр. 215

نَجَمَ (١) منهم مالك بن العجلان (٢) أخو بني سالم بن عوف بن الخزرج وَسَوَّدَهُ الحيانِ الأوسُ والخزرجُ. وكان الفِطْيَوْنُ ملك اليهود بزهرة، وكانت لا تُهدى عروس من الحيين الأوس والخزرج حتى تُدخل عليه (٣)، فكان هو الذي يفتضها قبل زوجها، فتزوجت أخت مالك بن العجلان رجلاً من قومها، فبينما هو/٧٣ في نادي قومه إذ خرجت أخته فُضُلاً (٤) فنظر إليها أهل المجلس، فَشَقَّ ذلك على مالك ودخل عليها فعَّنفَهَا وأنَّبَهَا، فقالت: ما يُصنع بي غداً أعظم من ذلك، أُهدى إلى غير زوجي. فلما أمسى مالك اشتمل على السيف ودخل على الفِطيون متنكراً مع النساء، فلما خَفَّ مَنْ عِنْدَهُ عدا عليه، فقتله، وانصرف إلى دار قومه، ثم بعث هو وجماعة من قومه إلى من وقع بالشام من قومهم يُخبرونَهم بِحالهم ويشكون إليهم غلبة اليهود، وكان رسولهم الرَّمَق (٥) بن زيد بن امرئ القيس أحد بني سالم بن عوف بن الخزرج، وكان قبيحاً دميماً شاعراً بليغاً، فقال في خروجه إلى الشام: طال الثواء على المراح فأصبحت … تسفي في إثر الرياح تحول
следующие страницы →