← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1172

المغانم المطابة في معالم طابة

الفيروزآبادي

Полный текст (1 351 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أطم الجَوَّانِيَّةِ، وكان بنو الجذماء بين مقبرة بني عبد الأشهل (١)، وبين قصر ابن عرك، وكان لهم أطم هنالك يقال له الأبيض، ثم انتقلوا إلى راتج. وكان بنو عكوة وهم رهط بني عكم في منازل بني حارثة، وكان لهم الأطم الذي هنالك يقال له أطم بني عكم. وكانت بنو مرابة في شامي بني حارثة، ولهم الأطم الذي يقال له الحال في مال ابن مسافع، والمال الذي عند عفيرا مال خالد بن عقبة (٢)، والأطم الذي يقال له الشَّبْعَان، وهو الأطم الذي في ثَمْغ صدقة عمر بن الخطاب ﵁ (٣). وكان برَاتِج ناس من اليهود، وكان راتجٌ أطماً وبه سميت تلك الناحية راتِجَاً، ثم صار لبني الجذماء ثم صار بعد لأهل راتج الذين كانوا حلفاء في بني عبد الأشهل، وهو الذي يقول له قيس بن الخطيم (٤): ألا إن بين الشرعبي وراتج .. ضراباً كتخذيم السَّيالِ (٥) المعصد

стр. 212

وكان بالشَّوْطِ (١) والعبائق والوالج وزَبَالة إلى عين فاطمة ناس من اليهود، وكان لأهل الشوط الأطم الذي يقال له الشَّرْعَبي. وكان لأهل العبائق الأحد عشر أطماً التي على يَمينك حين تفضي من زقاق الحسني، والأطمان اللذان مما يلي عين فاطمة، حيث كان يطبخ الآجُرُّ لمسجد رسول الله ﷺ . وكان لأهل الوالج الأطم الذي يقال له الأزرق، وهو الذي بطرف الوالج مما يلي قناة. وكان لبعض من هناك من اليهود الأطمان اللذان يقال لهما الشيخان، بمفضاهما (٢) المسجد الذي صلى فيه رسول الله ﷺ حين سار إلى أحد، والثلاثة الآطام التي عند الشيخين. وكان لأهل زَبَالة الأطمان عند كوم أبي الحمراء الرابض والأطم الذي دونَهما. وكان في بعض المزارع المواجهة لسقاية سليمان (٣) أطم يقال له المَجْدَل كان لبعض من تنسك من اليهود، وكان لأهل يثرب … (٤)، وكانوا جماعاً من اليهود، وقد بادوا فلم يبق منهم أحد. فهذا عِلْمُ أول من سكن المدينة بعد الطوفان إلى قدوم الأوس والخزرج.

стр. 213

قالوا: ولم تزل اليهودُ العاليةَ بِهَا، الظاهرةَ عليها، حتى كان ما كان من أمر سَيْل العَرِمِ وما /٧٢ قَصَّ الله تعالى من قِصَّتِهِ في القرآنِ (١). فأجمع عمرو بن عامر بن ثعلبة على بيع ماله بِمأرب -وهي أرض سبأ- لما رأى هو وغيره من كهلتهم من علامات ذلك السَّيلِ، فقال عمرو لقومه: إني واصف لكم البلاد، فمن أعجبه بلدٌ فليسر إليه، فكان منها أن قال: من أراد منكم الراسياتِ في الوحل (٢)، المطعماتِ في المحل (٣)، المدركاتِ بالدَّخْل (٤)، فليلحق بيثرب، ذات النخل، وهي المدينة، فكان الذين اختاروها وسكنوها الأنصار؛ الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، وهما ابنا قيلة ابنة كاهل بن عذرة ابن سعد بن زيد بن أسود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، ولهم يقول القائل (٥): بَهالِيلُ (٦) من أولاد قَيْلَةَ لم يجد … عليهم خليطٌ في مخالطةٍ عَتْبَا مطاعيم في المقرى مطاعين في الوغا … يرون عليهم فعل آبائهم نحبا (٧) وكانت المرأة تَخْرج من مأرب بِمعزلها فتنْزل قرية قرية حتى تنْزل الشام، لا تحمل طعاماً ولا شراباً، ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَينَ أسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أنْفُسَهُم﴾ (٨) فَنُقِلتْ

стр. 214

غسان (١) إلى الشام، والأَزد (٢) إلى عُمان، وخزاعة (٣) إلى تِهامة، والأنصارِ إلى يثرب، فأقاموا بالمدينة ووجدوا الأموال والآطام والنَّخْل في أيدي اليهود مع القوَّةِ والعَدَدِ والعُدَدِ، فمكثوا فيهم ما شاء الله، ثم سألوهم أن يعقدوا بينهم وبينهم جواراً وحلفاً يأمن به بعضهم من بعض، ويَمتنعون به ممن سواهم، فتعاقدوا وتَحَالفوا، واشتركوا وتعاملوا، فلم يزالوا على ذلك زماناً طويلاً، وأمِرَتِ (٤) الأوسُ والخزرجُ وصار لهم مالٌ وعَدَدٌ، فلما رأت قريظة والنضير حالهم خافوهم أن يغلبوهم على دورهم وأموالهم، فتنمَّرَوا عليهم حتى قطعوا الحلف الذي كان بينهم، وكانت قريظة والنضير أَعدَّ وأكثر، وكان يقال لهما الكاهنان وبنو الصريح. وفي ذلك يقول قيس بن الخطيم: كنا إذا رامنا قومٌ بِمظلمة … شدت لنا الكاهنان الخيل واعتزموا نسوا الرهون وآسونا بأنفسهم … بنو الصريح فقد عَفُّوا وقد كَرُمُوا (٥) فأقامت الأوس والخزرج في منازلهم خائفين أن تُجلِيهم يهودُ، حتى

стр. 215

نَجَمَ (١) منهم مالك بن العجلان (٢) أخو بني سالم بن عوف بن الخزرج وَسَوَّدَهُ الحيانِ الأوسُ والخزرجُ. وكان الفِطْيَوْنُ ملك اليهود بزهرة، وكانت لا تُهدى عروس من الحيين الأوس والخزرج حتى تُدخل عليه (٣)، فكان هو الذي يفتضها قبل زوجها، فتزوجت أخت مالك بن العجلان رجلاً من قومها، فبينما هو/٧٣ في نادي قومه إذ خرجت أخته فُضُلاً (٤) فنظر إليها أهل المجلس، فَشَقَّ ذلك على مالك ودخل عليها فعَّنفَهَا وأنَّبَهَا، فقالت: ما يُصنع بي غداً أعظم من ذلك، أُهدى إلى غير زوجي. فلما أمسى مالك اشتمل على السيف ودخل على الفِطيون متنكراً مع النساء، فلما خَفَّ مَنْ عِنْدَهُ عدا عليه، فقتله، وانصرف إلى دار قومه، ثم بعث هو وجماعة من قومه إلى من وقع بالشام من قومهم يُخبرونَهم بِحالهم ويشكون إليهم غلبة اليهود، وكان رسولهم الرَّمَق (٥) بن زيد بن امرئ القيس أحد بني سالم بن عوف بن الخزرج، وكان قبيحاً دميماً شاعراً بليغاً، فقال في خروجه إلى الشام: طال الثواء على المراح فأصبحت … تسفي في إثر الرياح تحول

стр. 216

وأرى قطوعي قد بلين وأصبحت … أبناء قومي ذكرهن قليل فنتحت أطعم ملء مروق قطرة … حتى تكمَّشَ (١) للرجاء رحيل حتى أُلاقي معشراً مالي لهم … حلُّ ومالهم لنا مبذول أرضٌ بِهَا ندعى قبائل سالمٍ … ويُجيب منها مالك وسلول قوم أولوا عِزٍّ وعُزي غيرهم … إن الغريب ولو أُجير ذليل ومضى الرَّمَقُ حتى قَدِمَ على أبي جُبَيْلةَ الغساني (٢) ملك الشام، فشكى إليه حالهم وغلبة اليهود عليهم، وما يتخوفون منه، وأنَّهم يَخشون أن يُخرجوهم، وأنشده شعراً، فتعجب من شعره وبلاغته وقبحه ودمامته، فقال: عسل طيب في وعاءٍ خبيث. فقال الرُّمَقُ: أيها الملك إنَّما تَحتاج من الرجل إلى أصغريه؛ لسانه وقلبه. فقال: صدقت. وأقبل أبو جبيلة في جمع عظيم لنصرة الأوس والخزرج، وعاهد الله تعالى أن لا يبرح حتى يُخرج مَنْ بِهَا من يهود، أو يُذلهم، ويصيرهم تحت أيدي الأوس والخزرج، فسار وأظهر أنه يُريد اليمنَ حتى قدم المدينة، وهي يومئذ تسمى يثرب، فلقيه الأوس والخزرج وأعلمهم ماجاء به، فقالوا: إن عَلِم القوم ما تريد تَحصنوا في آطامهم فلم تقدر عليهم، ولكن ادعهم للقائك وتلطفهم حتى يأمنوك ويطمئنوا فتتمكن منهم، فصنع لهم طعاماً وأرسل إلى وجوههم ورؤسائهم، فلم يبق من وجوههم أحد إلا أتاه، وجعل الرجل منهم يأتي بِحَامَّتِهِ (٣) وحشمه رجاء أن يَحْبُوهُم (٤)، وكان قد بنى حيزاً وجعل فيه قوماً، وأمرهم أن يقتلوا من دخل عليهم منهم ففعلوا حتى أتوا على وجوههم

стр. 217

ورؤسائهم، فلما فعل ذلك /٧٤ عزَّت الأوسُ والخزرجُ بالمدينة، واتَّخذوا الديار والأموال والآطام، فقال الرَّمَقُ يثني على أبي جبيلة: لم يُقْضَ دَينُك من (١) حسا … ن وقد غنيت وقد غنينا الراشقات المرشقا … ت الجازيات بِما جزينا أشباه غزلان الصرا … ئم يأتزرن ويرتدينا الرَّيط (٢) والديباج والـ … ـحَلْي المضاعف والبُرِينا (٣) وأبو جُبَيْلَةَ خيرُ من … يَمشي وأوفاه يَمينا وأبَرُّهُ براً وأشبهه … بفعل الصالحينا القائدُ الخيلَ الصوا … نعَ بالكُماة المعلمينا أبقت لنا الأيامُ والـ … حربُ الملمةُ تعترينا كبشاً له درْءٌ يفل … متونها الذكر السمينا ومعاقلاً شُمَّاً وأسـ … ـيافاً يقمن وينحنينا ومحلة زوراء تَجحف … بالرجال الظالمينا قالوا: ولما قدم أبو جُبَيْلَةَ المدينة، كان لمالك بن عجلان عَذْق (٤) في ماله، كان طيب التمر، فكان يجنيه ويبعث به إلى أبي جبيلة، قال: فغاب مالك يوماً، فقال أبو جبيلة: إن مالكاً يقتِّرُ علينا تَمر عذقه هذا، فهل من رجل يَجُدُّهُ (٥) فيأتينا به كله، فقال بعضهم: أنا. قال: فَجَدَّهُ فجاء به كله. قال: وافتقد مالك العذق، فقال: من عدا على عذق الملك؟ فأخبروه قصته، فجاء مالك حتى وقف على أبي جُبيلة فقال:

стр. 218

جددتَ جنا نَخلتي ظالماً … وكان الجدادُ لمن قد أبَّرَ (١) قال: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أطرفوه بِهذا الحديث، فقال رسول الله ﷺ : «فإن الثَّمَرَ لمن قد أبَّرَهُ» (٢). قالوا: وكانت يثرب في الجاهلية تدعى غَلَبَة، نزلت اليهود على العماليق فغلبتهم عليها، ونزلت الأوسُ والخزرجُ على اليهود فغلبوهم عليها (٣). قالوا: فانصرف أبو جبيلة إلى الشام، وتفرقت الأوس والخزرج في عالية المدينة وسافلتها، وكان منهم من لجأ إلى عفاءٍ من الأرض لا ساكن فيه، ومنهم من لجأ إلى قرية من قراها، واتَّخذوا الأموال والآطام. /٧٥ فنَزَلت بنو عبد الأشهل وبنو حارثة بن الحارث دار بني عبد الأشهل، وابتنى بنو حارثة الأطم الذي يقال له (٤) المُسَيّر، وهو الأطم الذي عند دار الضحاك بن خليفة الأشهلي (٥)، ثم صار ذلك الأطم لبني عبد الأشهل بعد خروج بني حارثة من دارهم. وابتنى بنو عبد الأشهل أطماً يقال له واقم، وبه سميت تلك الناحية

стр. 219

واقماً، وابتنوا الأطم الذي يقال له الرِّعل في مال كان يقال له واسط، وابتنوا أطماً يقال له عاصم في أدنى بيوت بني النجار. وقيل: كان لحي من اليهود، وكانوا في بني عبد الأشهل. ويقال: بل كان لرهط حذيفة بن اليمان (١) حليف بني عبد الأشهل. قال الزبير: ثم إن بني عمرو بن عوف نزلوا قباء، فابتنوا الشُّنَيْفَ، وابتنوا المراوح، وابتنوا أطماً كان بين عزيز بن مالك (٢) ودار عويم بن ساعدة (٣)، كان لأبي عامر بن صيفي (٤) أخي بني ضبيعة بن زيد، وابتنوا البُعْبُع، وابتنوا أطماً كان موضعه في غربي دار عبد الله بن أبي أحمد (٥)، كان لكلثوم بن الهدم (٦)

стр. 220

أخي بني عبيد بن زيد، وابتنوا السرح. وكان في رحبة ابن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف أربعة عشر أطماً يقال لها الصياصي. وبنوا بقباء واقماً كان لأُحَيْحَة بن الجُلاح (١)، ثم صار لبني عبد المنذر بن رِفاعة (٢) في دية جدهم رفاعة بن زنبر. وقال عاصم بن سويد (٣) عن أبيه (٤): واقم: أطم لآل بني كنانة، وكذا المَسْكَبَةُ، وابتنوا المستظل، وابتنوا كسر حصين، وابتنوا الحصى (٥)، وابتنوا عَزَّة، وابتنوا الضَّحْيَان، سلم وعدينة. وابتنى بنو مجدعة وجحجبا أطماً عند المسجد الذي صلى فيه النبي ﷺ . وخرج بنو معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف (٦) فسكنوا دارهم التي وراء بقيع الغرقد، التي يقال لها بنو معاوية، وابتنوا أطماً كان موضعه عند

стр. 221

دار عبد الملك بن عبيد المعاوي. وخرج بنو السميعة (١) وهم بنو لوذان بن عمرو بن عوف فسكنوا عند زقاق ركيح، وابتنوا أطماً بِهَا يقال له السعدان، وكان موضعه في الرَّبع، حائط هناك. ونزل بنو واقف والسَّلْم (٢) ابنا امرئ القيس بن مالك بن الأوس عند مسجد الفضيخ، فكانا هناك وولدهما. وابتنى بنو واقف أطماً يقال له الريدان (٣)، كان موضعه في قبلة مسجد الفضيخ، كان لبني واقف عامة، وله يقول قيس بن رفاعة (٤): وكيف أرجو لذيد العيش بعدهُمُ … وبعد مَنْ قد مَضَى من أهل ريدان وابتنوا أطماً كان موضعه دبر دار هلال بن أمية الواقفي (٥)، كان لحنظلة بن رافع بن توبة/٧٦ الواقفي، ثم إنه كان بين السَّلْم وواقفٍ كلامٌ، فلطم واقفٌ - وكان أكبرَ - عَيْنَ السّلْم - وكان شرساً - فغضب غضباً شديداً، وحلف لا يساكنه أبداً، وخرج فَنَزَل على بني عمرو بن عوف، فلم يزل هو وولده فيهم، وكان من بقية ولده سعد بن خيثمة بن الحارث (٦)، ثم انقرضوا في

стр. 222

سنة تسع وتسعين ومئة. وابتنى بنو السَّلْم الحصى شرقي مسجد قباء. ونزل بنو وائل (١) بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس في دارهم التي هم بها اليوم، وابتنوا المَوْجَا والعَذْق، وابتنوا أطماً كان في دار رويفع التي في شرقي مسجد بني أمية، كان لرويفع بن عمرو، وابتنوا أطماً كان موضعه في عذق مسجد آل صهيب بن سنان (٢)، كان لعبد الله بن وديعة الأموي (٣)، وابتنوا أطماً كان موضعه في دار رافع في بني أمية، كان لرافع بن قيس. ونزل بنو عطية بن زيد بن قيس بصَفْنَة (٤)، وابتنوا بِهَا شأساً، كان لشاس بن قيس (٥) أخي بني عطية بن زيد ووائل وأمية وعطية بنو زيد، هم الجَعَادِر، سُمُّوا به لأنَّهم أجاروا جاراً، وقالوا له: جَعْدِرْ حيثُ شئتَ، أي اذهب حيث شئت فلا بأس عليك، وكذلك القواقل إذا أجاروا جاراً، قالوا له:

стр. 223

قَوْقِلْ حيثُ شئتَ. قال الرَّمَقُ ابن زيد: وإن لنا بين الجواري وليدة … مقابلة بين الجعادِر والكسر متى تدع في الزيدين زيد بن مالك … وزيد بن قيس تأتها عزة النصر والكسر أمية وعبيد وضُبَيْعَة بنو زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف وكان يقال لهم كسر الذهب. ونزل بنو خَطْمَة، وخطمة هو عبد الله بن جُشَم بن مالك بن الأوس، دارهم المعروفة بِهم، فسكنوها وابتنوا بِهَا الآطام، وغرسوا بِهَا النخل، وابتنوا أطماً يقال له ضع ذَرع. وابتنى بنو أمية (١) بن عامر بن خَطْمَة أطماً كان موضعه في مال الماجشون الذي يلي صدقة أبان بن أبي حُدير كان لأوس بن عدي بن أمية بن عامر بن خطمة. وابتنى بنو عامر بن غَيَّان بن عامر بن خطمة أطماً يقال له أطم ثابت، كان لثابت بن الفاكه الخطمي (٢)، وابتنوا أطماً كان في جوف ضَعْ ذَرْع (٣)، في ناحيته اليمانية، وكان لحميضه بن رقيم الخطمي (٤)، وابتنوا النّفاع، وابتنوا أطماً لحاطب ابن رفاعة الخطمي على بئر الدَرْك، وكان بنو خطمة متفرقين في آطامهم وأموالهم، ولم يكن في قصبة دارهم منهم أحد. فلما جاء الإسلام اتَّخذوا مسجدهم،/٧٧ وكان أول من سكن منهم

стр. 224

رجل ابتنى عند المسجد بيتاً فكانوا يتعاهدونه كل غداة ويسألون عنه مخافة أن يكون السَّبْعُ عدا عليه من الليل، ثم كثروا في الدار حتى كان [يقال] (١) لها غزة تشبيهاً بغزة الشام من كثرة أهلها. ونزل بنو الحارث بن الخزرج دارهم المعروفة بِهِم، وابتنوا بِهَا أطماً بين دار خَلاَّد بن سويد (٢) وخلاد بن السائب (٣)، كان لبني امرئ القيس بن مالك (٤). وخرج جشم وزيد ابنا الحارث بن الخزرج، وهما التوأمان حتى سكنا السُّنْح، وابتنوا أطماً يقال له السُّنْح، وبه سميت تلك الناحية السُّنْح، ويقال بل اسمه الريان. ونزل عِنَبَة بن عمرو بن خديج بن عامر بن جُشَم بن الحارث بن الخزرج (٥) الشوط، وكوم الكومة التي يقال لها كومة أبي الحمراء، ثم رجعوا في السُّنْح. ونزل بنو خُدَارَة (٦) بن عوف بن الحارث بن الخزرج الدار التي يقال لها جرار سعد (٧)، فابتنوا بِهَا وسكنوا وابتنوا واسطاً.

стр. 225

ونزل بنو الأبْجر (١) بن عوف دارهم وابتنوا بِهَا الأجرد. ونزل سالم وغنم ابنا عوف بن عمرو بن عوف الدار التي يقال لها دار بني سالم وابتنوا المُزْدَلِف، وابتنوا أذْبَلَ والشماخَ والقواقلَ، وأطماً آخر. ونزل بنو غصينة -وهم حي من بَلِيّ حلفاء لبني سالم- الدار التي يقال لها دار بني غصينة عند مسجد بني غصينة. ونزل بنو الحُبْلَى، بلفظ المرأة الحُبْلَى، واسمه مالك بن سالم بن غَنْم بن عوف ابن عمرو بن عوف بن الخزرج (٢) الدار التي يقال لها بنو الحُبْلَى، فابتنوا بِهَا مُزَاحِمَاً، وأطماً آخر كان بين مال عمارة بن نعيم البياضي وبين مال ابن زمانة (٣) كان لبني وديعة بن قيس الحبلي، وابتنوا أطماً آخر في جوف بيوت بني الحُبْلَى كان لآل رفاعة بن أبي الوليد (٤). ونزل بنو سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة (٥) بن تزيد بن جُشَم بن الخزرج (٦)، ما بين مسجد القبلتين إلى المذاد في سَنَدِ تلك الحرة، وكانت دارهم تلك تسمى خُرْبَى فسماها رسول الله ﷺ صُلْحَةً.

стр. 226

ونزل بنو سواد بن غنم بن كعب بن سلمة عند مسجد القبلتين إلى أرض ابن عبيد الديناري ولهم مسجد القبلتين، وابتنوا الأغلب وخيطاً ومنيعاً. ونزل بنو عبيد بن عدي بن غنم عند مسجد الخربة الذي يقال له جبل الدويْخل جبل بني عبيد، ولهم مسجد الخربة وابتنوا لهم الأشنف حبيشاً والأطول. ونزل بنو حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة عند مسجد بني حرام الصغير الذي بالقاع، بين الأرض التي كانت لجابر بن عتيك (١) فصارت لحزام بن عثمان، والأرض /٧٨ التي كانت لمعبد بن مالك، فصارت لسلمة بن نافع مولى الجهنيين، وكانوا بين مقبرة بني سلمة إلى المَذَاد، وابتنوا المذاد، سميت تلك الناحية المذادية، وابتنوا جَاعِساً وأطماً آخر لم يعرف له اسم. وابتنى بنو مري بن كعب بن سلمة، وهم حلفاء بني حرام أطم الأخنس. وأما الأربعة (٢) آطام بين المذاد والدويْخل، وتسمى أعماد، فبعضها لبني حرام وبعضها لبني عبيد، وكان بنو سلمة في دارهم تلك وكلمتهم واحدة، حتى دخل بين بني حرام وبين بني عبيد أمر، فظاهرت بنو سواد بن عبيد على بني حرام، وذلك أن بطون بني سلمة كلهم مَلَّكُوا عليهم أمة بن حرام، فلبث فيهم زمانا حتى هلك رجل من بني عبيد يقال له أميَّة بن خنساء بن عبيد، وترك أموالاً كثيرة من نَخل، ولم يترك غير غلام واحد يقال له صخر بن أمية،

стр. 227

فأراد أمة بن حرام أن ينتزع من صخر بن أمية طائفة من أموالهم التي ترك أبوه فيقسمها في بني سلمة، وقال: إنه يكفي هذا الغلام بعض ما ترك أبوه، فَكَلَّمَهُ صخر بن أمية وعظم ذلك عليه، فقال له أمَة: أنت الغلام فرد، وهذا المال كثير يكفيك بعضه، فمشى صخر في بني عبيد وبني سواد فشكى ذلك إليهم، وقال: ما كان لأمة أن يأخذ مالي وإن كنت عنه غنياً، وكان غيري أفقر إليه، لِئَن أمةُ أجمع على قسم أموال أمية بن خنساء لأضربنه بالسيف، وسألهم أن يمنعوه إذا هو ضربه فأطاعوا له بذلك، ومضى أمة للذي أجمع عليه من قسمة أموال أمية بن خنساء، فأخذ بعض حوائطه لنفسه، وجمع لذلك بني سلمة، فقام إليه صخر وهو مشتمل على السيف فناشده أن لا يفعل فأبى عليه، فضربه صخر بالسيف ضربة على حبل عاتقه فقطع حبل العاتق، وقامت دونه بنو عبيد وبنو سواد تَمنعه، فلم يستطع أمة ولا حرام إليه سبيلاً، فنذر أمة أن لا يوريه ظل بيت ما عاش هو وصخر حتى يقتل بنو سلمة صخراً، أو يأتوه به فيرى فيه رأيه، وجلس أمة عند الغرب فوق مسجد الفتح مما يلي الجُرف في الشمس، فمرت به وليدة حطابة فقالت: مالك يا سيدي هاهنا في الشمس؟ فقال: إن قومي أجمعوا لي أمرهم … ثم نادَوا ليَ صَخْرَاً فضرب إنني آليت أن لا يستُرني … بيت من حَرُورٍ ذي لهب أبداً ما دام صخر آمنا … بينهم يمشي ولا يخشى عطب /٧٩ فذهبت الجارية فأخبرَتْهُم بِما قال أمة، فربطوا صخراً ثم أتوه به، فعفا عنه، وأخذ الذي كان يريد أن يأخذ من أمواله، فهذا شأن ما دخل بين بني سلمة. قال الزبير: ونزل بنو بياضة، وبنو حارثة، وبنو كعب بن مالك، وبنو عامر بن مالك، وبنو معاوية بن مالك، دار بني بياضة، فابتنى بنو عطية بن عامر بن بياضة الأطم الأسود الذي في شمالي أرض فراس بن ميسرة، كان في

стр. 228

الحرَّةِ فهُدِم وأُخِذَتْ حجارتُهُ، فهنالك كومة كانت لعاصم بن عامر بن عطية، ولهم كانت أرض فراس، وابتنوا عقرباً، وابتنى بنو عمرو بن عامر بن زريق العِقْيَان. وابتنى بنو مالك بن عامر بن بياضة سويداً، وابتنى بنو عبيد بن عامر اللواء في السرارة، وابتنى بنو حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج الأُطم الذي في أدنى بيوت بني بياضة، وكان أطماً انتزعت حجارته، وكان لآل صخر بن سلمان الشاعر فجميع ما أحصينا في دار بني أمية ثلاثة عشر أطمًا سوى أطم بني عمرو بن لابن (١). وقيل: كان في بني بياضة تسعة عشر أطماً فلبثت بنو غضب بن جُشَم بن الخزرج في دار بني بياضة، وكلمتهم واحدة وأمرهم جميع، ثم إن زريق بن عامر هلك فأوصى ببنيه إلى عمه حبيب بن عبد حارثة، وكان يكلفهم النَّضْحَ، فلما اشتد عليهم النَّضْحُ عَدَوا على عمات عم أبيهم فقتلوه، فلبثت بنو حبيب وبنو زريق ما شاء الله، ثم إن بني حبيب بن عبد حارثة حالفوا بني بياضة لينصروهم على بني زريق، فخافت بنو زريق أن يكثروهم، وكانت بنو بياضة ذلك الزمان أثرى من زريق، فخرجوا من دار بني بياضة حتى حَلُّوا دارهم التي هم بها اليوم، فابتنى بنو خلدة بن عامر بن زريق الريان. وابتنى بنو عوف المجن، وكان لبني زريق أطمان آخران [يقال] (٢) لهما: ملحمة ومليحم، وكان يقال لبني مخلد بن عامر في الجاهلية أرباب الدور، لأنَّهم كانوا في البيوت والدور، وكان أكثر بني زريق وأعدَّه وأمنعه، وأقام بنو عمرو بن عامر بن زريق مع بني بياضة، وابتنوا هنالك أطماً سموه العِقْيَان

стр. 229

أيضاً، حتى انتقل رافع بن مالك هو وولده قبيل الإسلام فسكنوا طرف السبخة ما بين الأساس إلى طرف السبخة إلى الدار التي بها مسكن إسحاق بن عبيد بن رفاعة التي كانت تسكن زربابة فأقاموا فيها، وكان يقال لرافع بن مالك (١) الكامل لأن أهل الجاهلية كانوا يقولون للرجل إذا كان كاتباً شاعراً الكامل. وانتقل سائر بني عمرو بن عامر بعد ذلك /٨٠ فاشتروا من بني عَوْف بن زُرَيْق دورهم وحصونَهم، وخرجت بنو عوف بن زُرَيْق قبل الإسلام إلى الشام، فيزعمون أن هنالك ناساً منهم. ولبثت بنو بَيَاضَة وبنو حبيب زماناً لا يقاتلون بني زُرَيْق، والرسل تَجري بينهم، وبنو زُرَيْق يدعونَهم إلى الصلح، ويعرضون عليهم الدية، ثم إن بني زُرَيْق أرسلوا إلى بني حبيب يعرضون عليهم أن يقطعوا لهم طائفة من ديارهم وأموالهم، فقبلوا ذلك منهم، ووضعوا الحرب فيما بينهم، فكان الذي ودت بنو زُرَيْق لبني حبيب الناحية التي فيها دار ابن المعلى (٢) ودار أبي عياش الزُرقي (٣) ودار سعيد ودار أم عمرو ابنة سعيد، وتلك الناحية، فلذلك يسمى الزقاق الذي بين دار سعيد ودار أم عمرو زقاق الدِّيَة. وانتقل بنو مالك بن زيد بن حبيب بن عبد حارثة من بني بَيَاضَة إلى الناحية التي وَدَتْ بنو زُرَيْق، فسكنوها، وابتنوا بِهَا أطم المعلا، وهو عند دار

стр. 230

المعلا، وكانت بقية بني مالك بن زيد اللات بن حبيب بنو المعلا بن لوذان بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بن عدي بن مالك بن زيد اللات، وهم الذين ابتنوا ذلك الأطم، وتَخَلَّفَ بنو الصِّمَّةِ (١) بن حارثة بن الحارث بن زيد اللات بن حبيب بن عبد حارثة في بني بَيَاضَة في أطمهم، وهم رهط صخر بن سلمان بن الصِّمَّة بن حارثة الشاعر، ولبثت بنو المعلا بن لوذان في بني زُرَيْق ما شاء الله أن يلبثوا، ثم إن عبيد ابن المعلا قَتَلَ حصن بن خالد بن مخلد بن عامر بن زُرَيْق، فأراد بنو زُرَيْق أن يقتلوا عبيداً، ثم بدا لهم أن يدوا حصناً من أموالهم عن عبيد على أن يُحَالِفَهُم بنو المعلا، ويقطعون ما بينهم وبين بني بَيَاضَة من الحلف، فودوا حصناً، وتركوا عبيداً، وحالفهم بنو المعلا دون بني بَيَاضَة، فهذا شأن بني زُرَيْق وبني بَيَاضَة وحلف بني المعلا بني زُرَيْق وانتقالهم إليهم، وكان عامر بن زُرَيْق بن عبد حارثة أبا بني زُرَيْق وبني بَيَاضَة حين حضرته الوفاة أوصى ابنه بالصبر في الحربِ وشدةِ البأسِ، وأوصاه بأخيه زُرَيْق وكان أصغرهما، فقال بعض شعرائهم في ذلك: بالصَّبْرِ أوْصَى عَامِرٌ بَيَّاضَهْ. وكانت الثروة من بني مالك بن غضب بن جُشَم بن الخزرج في بني بَيَاضَة، ويقال للأوس والخزرج: أبطأهم فَرَّةً وأسرعهم كَرَّةً بنو بَيَاضَة، وبنو زُرَيْق، وبنو ظَفَر (٢)، وأن الأوس والخزرج لم يلتقوا في موطن قط إلا كان لهذه القبائل فضل بَيِّنٌ /٨١ على غيرهم من بطون الأوس والخزرج. فأما بنو عرارة بن مالك بن غضب بن جُشَم بن الخزرج -واسم عرارة

стр. 231

كعب- وهم رهط عمارة بن نعيم بن عبدة بن ثعلبة، فإنَّهم حين فارقوا بني بَيَاضَة وسكنوا قباء، كانوا قوماً ذوي شراسة وشدَّةِ أنفس، وكانوا أقل بطون بني مالك بن غضب عدداً، وأنَّهم قتلوا قتيلاً من بعض بطون بني مالك بن غضب، فسألهم بنو عرارة أن يقبلوا في صاحبهم الدِّيَةَ، فأبوا إلا أن يعطوهم قاتل صاحبهم ليقتلوه، فأبى بنو عرارة أن يعطوهم ذلك، فمشى أصحاب القتيل إلى بَيَاضَة، فسألوهم أن يعينوهم على بني عرارة حتى يعطوهم قاتل صاحبهم، وكلمتهم بنو بَيَاضَة في ذلك فأبوا أن يُخلوا بينهم وبينه، فأرادت (١) بنو بَيَاضَة أن يأخذوه عنوة، فيدفعوه إلى صاحب القتيل، فخرجوا من ديار بني بَيَاضَة حتى نزلوا على بني عمرو بن عوف فحالفوهم، وامتنعوا من بني بَيَاضَة، وتزوج نعيم بن عبدة خولة بنت عبيد بن ثابت البلوي حليف بني أمية بن زيد بن مالك، فولدت له عمارة بن نعيم، وتزوج عمارة بن نعيم جميلة بنت مجمع بن حارثة بن عامر بن العطاف، فولدت له سليمان ويحيى وعمران، ثم تزوج عويم بن ساعدة أخو بني عمرو بن عوف أُمامة بنت مكثر بن ثعلبة، فولدت له عتبة (٢) وعميراً (٣) ابني عويم بن ساعدة، ثم إنه دخل بين بني عمرو ابن عوف وبين بني عرارة قبيل الإسلام أمر، ادَّعَى بنو عرارة أنَّهم أساؤوا جوارهم فيه، فأجمعوا أن يُخرجوهم من عندهم، وينتقلوا إلى بني زُرَيْق، وكرهوا أن يرجعوا إلى بني بَيَاضَة للذي كان بينهم، فخرجوا حتى جاؤوا بني زُرَيْق فمشوا إليهم

стр. 232

بأرحامهم وذكروا لهم الذي كان بينهم وبين بني عمرو بن عوف، والذي أجمعوا عليه من النقلة إليهم، فلقوهم بِما يُحبُّونَ، وسَدَّدوا لهم رأيهم في ذلك، وأتوا أبا عبادة سعد (١) بن عثمان بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زُرَيْق، فذكروا له الذي ذكروا لبني زُرَيْق، فرحب بِهم وذكر شرفهم وفضلهم في قومهم، ثم قال: إني أشير عليكم أن ترجعوا إلى أخوالكم، ولا تنتقلوا إلى بني زُرَيْق، فإنكم قوم في أخلاقكم شَرَاسَةً، وفي أخلاق بني زُرَيْق مثلها، وأنا أخاف عليكم إذا انتقلتم إن كان بينكم وبينهم مقاولة أن يؤذوكم في أنسابكم ويَحْسَبون أنكم دافَة (٢) دُفَّتْ عليهم، بعد أن يَدْرُسَ أمركم، ويُجهل من أنسابكم وأرحامكم ما يُعرف، فليس مكان خير من مَنْزِلكم الذي أنتم به، فارجعوا إلى أخوالكم فصالحوهم،/٨٢ فتفرقوا عن رأيه وقبلوا مشورته، ورجعوا إلى بني عمرو بن عوف فصالحوهم، فلم يزالوا معهم حتى فرض المهدي (٣) للأنصار في سنة ستين ومئة فانتقلوا بديوانِهم إلى بني بَيَاضَة. وكان بطنان من بطون بني مالك بن غضب ممن كان مع بني بَيَاضَة في دارهم، كان بينهم ميراث في الجاهلية، فاشتجروا (٤) فيه، وادعاه بعضهم دون بعض، فلما رأوا أَنَّهُم لا يستقيمون فيه على أمر تداعوا إلى أن يدخلوا حديقة كانت في بني بَيَاضَة، فيقتتلوا فيها، فدخلوها جميعاً [و] أغلقوها حتى لم تبق منهم عين تطرف، فَسُميت تلك الحديقة حديقة الموت، وكان بنو مالك بن غضب

стр. 233

سوى بني زُرَيْق ألف مقاتل في الجاهلية. وافترقت بنو ساعدة بن كعب بن الخزرج في أربعة منازل، فَنَزَل بنو عمرو وبنو ثعلبة ابنا الخزرج بن ساعدة دار بني ساعدة التي بين السوق وبين بني ضمرة (١)، فابتنوا أطماً يقال له مُعْرِض، وابتنوا أطماً في دار أبي دجانة (٢) الصغرى (٣) التي عند بضاعة، كان لبني ثعلبة بن الخزرج، رهط أبي دجانة. قال: ونزل بنو قشبة ـ واسم قشبة عامر بن الخزرج بن ساعدة ـ قريباً من بني حُدَيْلة وابتنوا أطماً يقال له أطم بني قشبة، وهو الأطم الذي عند خوخة عمرو ابن أميه الضَّمْري (٤). ونزل بنو أبي حَزيْمَة (٥) بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة، وهم رهط سعد بن عبادة بن دُلَيم (٦) الدار التي يقال لها جِرَارُ سعد، فابتنوا الأطم الذي يقال له واسطة.

стр. 234

ونزل بنو رقيش وبنو عنان ابنا ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة الدار التي يقال لها بنو ساعدة، ويقال لها أيضاً بنو طريف، وهي بين الحماضة وبين جرار سعد، وابتنى بنو عنان تيساً (١) وابتنى بنو رقيش أطماً كان بين ظهراني البيوت. ونزل بنو مالك بن النجار دارهم المعروفة بِهم، فابتنى بنو غنم بن مالك فويرعاً، وابتنوا أطماً آخر كان موضعه بين دار عامر بن ربيعة (٢) ودار أبان بن عثمان (٣) كان لآل النعمان بن إساف بن نضلة، ويقال بل كان للضحاك (٤) بن زيد بن لوذان. وابتنى بنو مَغَالة وهم بنو عدي بن عمرو بن مالك بن النجار فارعاً (٥)، وقد يسمى بالبيضاء. وابتنى بنو حُدَيلة وهم بنو معاوية بن عمرو بن مالك مسعطاً (٦)، وابتنوا

стр. 235

أطماً آخر في الدار التي يقال لها دار الأطم في بني حُدَيلة. وابتنى بنو مبذول ـ واسمه عامر بن مالك بن النجار ـ فلجاً، وابتنوا أطماً آخر كان في دار سرخس مولى الزبير الدنيا التي إلى بقيع الزبير كان لآل عبيد بن النعمان. /٨٣ وابتنوا أطماً آخر كان في دار آل حُيي بن أخطب (١)، كان لبني مالك ابن مبذول. ونزل بنو عدي بن النجار دارهم المعروفة بِهم، نزلوها وبِهَا الأطم الذي يقال [له] الأشعر، وهو الأطم الذي في قبلة مسجد بني عدي، وابتنوا أطماً يقال له أطم الزاهرية، كان في دار النابغة عند المسجد الذي في الدار، كان لمالك بن عدي، وكان قد جعل فيه امرأته الزاهرية، وولدت له فيه، فلذلك سُمِّيَ أطم الزاهرية. ونزل بنو مازن بن النجار دارهم المعروفة بِهِم، وابتنوا واسطاً، وأطماً آخر قريباً من بيت حسن بن النضر الليثي. ونزل بنو دينار بن النجار دارهم التي خلف بطحان، ويقال لها بئر دينار، وابتنوا الْمُنِيفَ، وقيل إنَّهم نزلوا في الجاهلية في موضع دار أبي جهم بن حذيفة العدوي (٢)، ويحكى أنه كانت امرأة منهم كان لها سبعة إخوة، فوقفت على بئر

стр. 236

لهم في دار أبي جهم، ومعها مِدْرَى (١) لها من فضةٍ فسقط من يدها في البئر، فصرخت بأخوتِها، فدخل أولهم يُخرجه، فأسر، فاستغاث ببعض أخوته حتى دخلوا جميعاً، فماتوا في تلك البئر فقالت ترثيهم: إخوتي لا تبعدوا بدار … بلى واللات قد بعدوا كل من يمشي بتربتها … وارد الماء الذي وردوا لو تَملتهم عشيرتُهم … لاصطناع العرف أو ولدوا هان من بعض التذكر … أو هان من بعض الذي أجد قال: ونزل بنو الشطية حين قدموا من الشام ميطان، فلم يوافقهم، فَنَزَلوا قريباً من جُذْمَان، فابتنوا هنالك أطماً يقال له أطم بني الشطية، ثم تحولوا فَنَزَلوا براتج، وكانت الآطام حصنَ المدينةِ وحسنَها. قال الزبير مسنداً عن عبد الله بن حارثة (٢) قال: أقامت الأوس والخزرج واتَّخذوا الآطام والأموال وكلمتهم واحدة، وأمرهم جميع، ثم دخلت بينهم حروب عظام، وكانت لهم أيام ومواطن، فلم تزل تلك الحروب بينهم حتى بَعَثَ الله تعالى رسولَهُ ﷺ ، فأكرمهم الله تعالى باتباعه، وكان يعرض نفسه على القبائل في مواسم العرب، فيأبونه، ويقولون: قوم الرجل أعلم به، حتى سَمِعَ بنفر من الأوس قدموا من يثرب في المنافرةِ التي كانت بينهم، فأتاهم في رحالهم، فقالوا: من أنت؟ فانتسب لهم، وأخبرهم خبره، وقرأ عليهم القرآن، وذكر لهم أحواله، وسألهم أن يُؤووه ويَمنعوه حتى يُبلِّغ رسالات ربه، فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا:/٨٤ والله هذا صادق، وإنه للنبي الذي يذكره أهل الكتاب، ويستفتحون به عليكم، فاغتنموه وآمنوا به، فقالوا: أنت رسول الله قد

стр. 237

عرفناك، وآمنا بك، وصدقناك، فمرنا بأمرك فإنا لن نعصيك، فَسُرَّ بذلك رسول الله ﷺ ، وجعل يختلف إليهم، ويزدادون فيه بصيرة، ثم أمرهم النبي ﷺ أن يدعوا قومهم إلى دينهم، فسألوه أن يرتحل معهم، فقال: حتى يأذن لي ربي، فلحقوا بأهاليهم المدينة، ثم شَخَصُوا إليه في الموسم، وكان من أمر العقبة ما كان (١). ولم يزل رسول الله ﷺ بِمكة وَخَرَّجَ إليهم ناس من المهاجرين، ثم شَخَصَ رسول الله ﷺ بعد الإذن من الله تعالى، ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة (٢)، وابن أريقط (٣) أخو بني عبد بن عدي بن الدئل ابن بكر ﵃، وهو دليلهم وهو مشرك فأجاز بِهم في أسفل مكة، ثم مضى بِهما حتى جاء بِهما الساحل أسفل من عُسْفَان، ثم عارض الطريق على أمَجَ، ثم نزل من قُدَيْد خيام أم معبد (٤) الخزاعية، ثم على الخَرَّار (٥)، ثم أجاز على ثنية المُرَّة، ثم أخذ لِقْفَاً، ثم استبطن مدلجة مجاح، ثم سلك ملح عَرْج، ثم مَرْجِح ذي

стр. 238

العضوين، ثم بطن كَشْر، ثم أخذ الأجرد، ثم سلك ذا سلم، ثم بطن اعداء مدلجة تِعْهِن، ثم العُنَابة، ثم أجاز القَاحَةَ، ثم هبط العَرْج، ثم سلك نقباً يقال له الغاير عن يمين رَكُوبَة، ثم طلع بطن ريم، حتى قدم المدينة على بني عمرو بن عوف بظاهر قباء (١) على كلثوم بن الهدم، وهو أحد بني زيد بن مالك، فأقام فيهم اثنتين وعشرين ليلة. وعن مشيخة بني عمرو بن عوف، أنَّه نزل على كلثوم (٢) وهو مشرك (٣)، وأقام في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة (٤). وعن ابن جريج (٥): نزل رسول الله ﷺ على سعد بن خيثمة (٦) في بني عمرو بن عوف (٧) وأقام فيهم ثلاثاً (٨).

стр. 239

وعن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة (١): أنه نزل على سعد ولم يقم فيهم إلا يومين، ويزعم بنو (٢) عمرو أنه قد مَكَثَ فيهم أكثر من ذلك في شهر ربيع الأول يوم الاثنين لليلتين خلتا منه (٣). وقال ابن شهاب (٤): للنصف منه (٥). ويُروى أنه لما نزل على كلثوم بن الهدم، صاح كلثوم بغلام له: يا نجيح (٦)، فقال ﷺ : «أنجحت يا أبا بكر» (٧).

стр. 240

وعن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن ثابت (١) قال: نزل ﷺ على سعد بن خيثمة، وأخذ من كلثوم بن الهدم مربده فجعله مسجداً وأسسه، وصلى فيه إلى بيت المقدس، وكان مدخله ﷺ قباءً يوم الاثنين، وخرج منها يوم الجمعة إلى المدينة، وبنى المسجد (٢). /٨٥ وقال ابن شهاب: ركب ﷺ يوم الجمعة من قباء فمر على بني سالم بن عوف، فصلى فيهم الجمعة في الغُبيب ببني سالم، وهو المسجد الذي في بطن الوادي، فكانت أول جمعةٍ صلاها رسول الله ﷺ (٣). وباقي رواياته في فضل المساجد عند مسجد الجمعة، ثم دخل ﷺ المدينة ونزل في سِفْلِ بيت أبي أيوب (٤)، فذكر أبو أيوب أن مَنْزِله فوق رأس النبي ﷺ ، فلم يزل ساهراً حتى أصبح، فقال: يا رسول الله، إني أخشى أن أكون قد ظلمت نفسي أني فوق رأس النبي ﷺ ، فينتثر التراب من وطئ أقدامنا، وإني أطيب لنفسي أن نكون تَحتك، فقال ﷺ : السفل أرفق بنا وبِمن يغشانا، فلم يزل أبو أيوب يتضرع إليه حتى انتقل رسول الله ﷺ إلى العلو (٥).

стр. 241

فابتاع المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (١) ذلك البيت من أبي أفلح (٢) مولى أبي أيوب الأنصاري بألف دينار، فتصدق به وقد بني ولم يغير سقفه. قال ابن زبالة: وهو في موضع الحائطين من بني غنم. وقال ابن إسحق (٣): هذا البيت الذي نزل رسول الله ﷺ بناه تُبَّع الأول لما مر بالمدينة، وكان معه أربع مئة عالم، فتعاقدوا على أن لا يَخرجوا منها، فسألهم تُبَّع عن سِرِّ ذلك، فقالوا: إنا نَجد في كتبنا أن نبياً اسمه محمد هذه دار مهاجره، فنحن نقيم لعل أن نلقاه، فأراد تبع الإقامة معهم، ثم بنى لكل واحد من أولئك داراً، واشترى له جارية وزوجها منه، وأعطاه مالاً جزيلاً، وكتب كتاباً فيه إسلامه وقوله: شهدتُ على أحمد أنه … رسول من الله بارى النَّسَم (٤) وختمه بالذهب، ودفعه إلى كبيرهم وسأله أن يدفعه إلى النبي ﷺ إن أدركه، وإلا فمن أدركه من ولده أو ولد ولده وبنى للنبي ﷺ داراً لينْزِلها إذ قدم

стр. 242

المدينة فتداول الدار الملاك إلى أن صارت لأبي أيوب، وهو من ولد ذلك العالم، وأهل المدينة الذين (١) نصروه كلهم من أولاد أولئك العلماء فعلى هذا إنَّما نزل ﷺ في منْزِل نفسه لا منْزِل غيره، فأقام ﷺ بِمنْزلِ أبي أيوب سبعة أشهر ينْزِل عليه الوحي، حتى ابتنى مسجده. وقال صاحب المبتدأ (٢): اسم الذي بنى بيت أبي أيوب للنبي ﷺ تِبَّان أسعد أبو كلكيكرب، وهو من التبابعة (٣). وقد ذكرناه بأبسط من هذا في الباب الخامس عند ترجمة المبرك. قال ياقوت: /٨٦ لما قدم رسول الله ﷺ مهاجراً إلى المدينة أقطع الناس الدُّور والرِّبَاع، فخط لبني زهرة (٤) في ناحية من مؤخر المسجد، وكان لعبد الرحمن بن عوف (٥) ﵁ الحش المعروف به، وجعل لعبد الله وعتبة ابني مسعود (٦) الهذليين الخطة المشهورة بهم عند المسجد، وأقطع الزبير بن

стр. 243

العوام (١) ﵁ بقيعاً واسعاً، وجعل لطلحة بن عبيد الله (٢) ﵁ موضع دوره، ولأبي بكر الصديق ﵁ موضع داره عند المسجد، وأقطع كل واحد من عثمان بن عفان، وخالد بن الوليد (٣)، والمقداد (٤)، وعبيداً (٥)، والطفيل (٦)، وغيرهم ﵃ مواضع دورهم، وكان رسول الله ﷺ يُقطع أصحابه هذه القطائع فما كان في عفاء من الأرض فإنه أقطعهم إياه، وما كان من الخطط المسكونة العامرة فإن الأنصار وهبوه له، فكان يقطع من ذلك ما شاء، وكان أول من وهب له خططه ومنازله حارثةُ بن النعمان (٧)

стр. 244

فوهب له وأقطعه (١). وقال يا قوت: كان أول من زرع بالمدينة واتَّخذ بِهَا النخل وعَمَّرَ بِهَا الدور والآطام، واتَّخذ فيها الضياعَ العماليقُ، وهم بنو عملاق بن أرفخشد بن سام بن نوح، ونزلت اليهودُ بعدهم الحجاز، وكانت العماليقُ ممن انبسط في البلاد فأخذوا ما بين البحرين وعُمان والحجازَ كله إلى الشامِ ومصرَ، فجبابرة الشام، وفراعنة مصر منهم، وكان منهم بالبحرين وعُمان أمة يسمون جاسم، وكان ساكنو المدينة منهم، وهم بنو هَف وسعد بن هفان، وبنو مطرويل، وكان بنجد منهم بنو بديل ابن راحل، وكان ملك الحجاز الأرقم بن أبي الأرقم (٢). وكان سببُ نزول اليهود المدينة ما قدمناه في أول الفصل أن موسى ﵇ بعث بعثاً إلى الكنعانيين حين (٣) أظهره الله تعالى على فرعون، فوطأ الشام وأهلك من كان بِهَا منهم، ثم بعث بعثاً آخرَ إلى الحجاز إلى العماليق، فأبادوهم إلى آخر القصة المتقدمة. ثم لحق بِهم بعد ذلك بنو الكاهن بن هارون ﵇، فكانت لهم الأموال والضياع بالسافلة، وهي ما كان من أسفل المدينة إلى أحد وقبر حمزة ﵁، والعالية ما كان فوق المدينة إلى مسجد قُباء، وما وَالَى ذلك من مطلع الشمس، فزعمت بنو قريظة أنَّهم مكثوا كذلك زماناً طويلاً، ثم إن الروم ظهروا على الشام فقتلوا منهم خلقاً كثيراً، فخرج بنو قريظةَ والنضيرِ وهدلٍ هاربين من الشام يريدون من بالحجاز من بني إسرائيل ليسكنوا معهم، /٨٧

стр. 245

فلما فصلوا من الشام وجه ملك الروم في طلبهم من يَرُدَّهُم، فأعجزوا رسله وفاتوهم وانتهوا - أعني الرسل - إلى ثَمَدٍ بين الشام والحجاز فماتوا عنده عطشاً، فسُمِّي ذلك الموضع ثَمَد الروم، وهو معروف بذلك إلى اليوم (١). قال (٢): ولما كان من سيل العَرِمِ في ملك حبشان وأخْرَبَ الأمكنةَ المعمورةَ في أرض اليمن، وكان أكثر ما أخْرَبَ بلاد كهلان بن سبأ بن يشجُب، وعامة بلاد حمير بن سبأ، وكان ولد حمير وولد كهلان هم سادة اليمن في ذلك الزمانِ، وكان عمرو بن عامر كبيرهم وسيدهم وهو جد الأنصار، فمات عمرو بن عامر قبل سيل العرم وصارت الرئاسة إلى أخيه عمران بن عامر الكاهن، وكان عامر لا يُولد له، وكان جواداً عاقلاً، وكان له ولولد أخيه من الحدائق والجِنَانِ ما لم يكن لأحد من ولد قحطان، وكانت فيهم امرأة كاهنة تسمى طُرَيفة، فأقبلت يوماً حتى وقفت على عمران بن عامر وهو في نادي قومه، فقالت: والظلمة والضياء، والأرض والسماء، ليقبلن إليكم الماء، كالبحر إذا طما، فيدع أرضكم خَلا، تسفي عليها الصَّبَا، فقال لها عمران: ومتى يكون ذلك يا طُرَيفة؟ فقالت: بعد ستِّ عدد، يقطع فيها الوالد الولد، فيأتيكم السَّيلُ بفيض مهيل، وخطب جليل، وأمر ثقيل، فَيُخَرِّبُ الديارَ، ويعطِّلُ العشارَ، ويطيب العَرار (٣)، قال لها: لقد فجعتنا بأموالنا يا طُرَيفة فبيني مقالتك، قالت: أتاكم أمر عظيم، بسيل لطيم، وخطب جسيم، فاحرسوا [السد] (٤) لئلا يمتد، وإن كان لابد من الأمر المعد، انطلقوا إلى رأس الوادي، فسترون الجُرَذَ العادي، يَجُر كل صخرةٍ

стр. 246

صَيْخاد (١)، بأنياب حداد، وأظافير شداد. فانطلق عمران في نفر من قومه حتى أشرفوا على السد، فإذا هم بِجُرذٍ أحمر، يَحْفِرُ الجبل الذي يليه بأنيابه، فيقلع الحجر الذي لا يستقله مئة رجل، ثم يدفعه بمخاليب رجليه حتى يُسَدّ به الوادي، مما يلي البحر، ويفتح مما يلي السد، فلما نظروا إلى ذلك علموا أنَّها قد صدقت، فانصرف عمران ومن كان معه من أهله، فلما استقر في قصره جمع وجوه قومه ورؤساءهم وأشرافهم وحدَّثهم بِما رأى، وقال: اكتموا هذا الأمر عن إخوتكم من ولد حِمْير لعلنا نبيع أموالنا وحدائقنا منهم، ثم نرحل عن هذه الأرض، وسأحتال في ذلك بِحيلة، ثم قال لابن أخيه حارثة: إذا اجتمع الناس إليَّ فإني سآمرك بأمر فأظهر فيه العصيان، فإذا ضربتُ رأسك بالعصا فقم إليَّ والطمني، فقال له: وكيف يلطم الرجل عمه، فقال: افعل يا بني ما آمرك /٨٨ فإن في ذلك صلاحَكَ وصلاحَ قومك. فلما كان من الغد، اجتمع إلى عمران أشراف قومه وعظماء حِمْير ووجوه رعيته مسلِّمين عليه، وأمَرَ حارثَةَ بأمر فعصاه، فضربه بِمَخْصَرَةٍ (٢) كانت في يده، فوثب إليه فلطمه، فأظهر عمران الأنفة والحَمِيَّة، وأمرَ بقتل ابن أخيه حتى شُفِّعَ فيه، فلما أمسك عن قتله حَلَفَ أن لا يقيم في أرض امتهن بِهَا، ولا بُدَّ من أن ارتَحل عنها، فقال عظماء قومه: والله لا نقيم بعدك يوماً واحداً، ثم عرضوا ضِياعهم على البيع، فاشتراها منهم بنو حمير بأغلى الأثْمان، وارتَحلوا عن

стр. 247

أرض اليمن، فجاء بعد رحيلهم بِمديدة السيل، وقد خَرَّبَ ذلك الجُرذُ السَّدَّ، فلم يَجد مانعاً، فَغَرَّقَ البلاد حتى لم يبقَ من جميع الأرضينَ والكرومِ إلا ما كان في رؤوس الجبالِ والأمكنة البعيدةِ، مثل ذمار (١) وحضرموت وعدن، وذهبت الضياع والحدائق والجِنانُ والقصور والدور، وجاء السيل بالرمل وطمَّها، فهي على ذلك إلى اليوم، وباعد الله تعالى بين أسفارهم كما سألوا فتفرقوا عباديد (٢) في البلدان. ولما فصل عمران وأهله من أرض اليمن عَطَفَ ثعلبة العنقاء بن عمرو بن عامر ماء السماء بن حارثة بن الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن الزاد بن الأزد بن الغوث نَحْوَ الحجاز، فأقام ما بين الثعلبية (٣) إلى ذي قار (٤)، وباسمه سميت الثعلبية، فنَزَلها بأهله وولده وماشيته ومن تبعه، فأقام ما بين الثعلبية وذي قار يتتبع مواقع القطر، فلما كثر ولده وقَوِيَ ركنه سار نَحْوَ المدينة، وبِهَا ناس كثير من بني إسرائيل متفرِّقون في نواحيها، فاستوطنوها وأقاموا بِهَا بين قريظة والنضير وخيبر (٥) وتيماء ووادي القرى (٦)،

стр. 248

ونزل أكثرهم بالمدينة إلى أن وجد عِزَّةً وقُوَّةً فأجلى اليهود عن المدينة (١)، واستخلصها لنفسه وولده، وتفرَّقَ من كان بِهَا من اليهود، فانضموا إلى إخوانِهِم الذين كانوا بِخيبر وفَدَكَ (٢) وتلك النواحي، وأقام ثعلبة وولده بيثرب، فابتنوا فيها الآطام وغرسوا فيها النخل وهما الأنصار الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة العنقاء [بن عمرو مزيقياء، وانخزع عنهم عند خروجهم من مأرب حارثة بن عمرو مزيقياء] (٣) بن عامر ماء السماء، وهو خزاعة، واقتحموا الحرم المكي وسكانه جُرْهُم، وكانوا قد طَغَوْا وبَغَوْا، فأظفر الله تعالى خزاعة عليهم فنفوا جرهماً إلى الحل، ونزلت خزاعة الحرم، وتفرقت جرهم في البلاد، وفي ذلك يقول شاعرهم (٤): كأَنْ لم يكن بين الحَجُون إلى الصفا … أنيسٌ ولم يسمُرْ بِمكةَ سامرٌ الأبيات المشهورة. وعطف عمران بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء مفارقاً لأبيه

стр. 249

وقومه/٨٩ نَحو عُمان، فنَزَلها وأوطنها، وسارت قبائل نصر بن الأزد، وهم قبائل كثيرة منهم دَوْس (١) رهط أبي هُرَيرة (٢) ﵁ وغامد (٣) وبارق (٤) وأحجن (٥) والجنادبة (٦) وزهران (٧) وغيرهم، نَحو تِهامة فأقاموا بِهَا، وشنئووا قومهم أو شنأهم قومهم إذ لم ينصروهم في حروبِهِم، أعني حروب الذين قصدو مكة فحاربوا جُرْهُماً، والذين قصدوا المدينة فحاربوا اليهود فهم أزد شنوءة (٨). ولما تَقَصَّعَتْ قضاعة؛ أي تفرقت من تِهامة بعد الحرب التي جرت بينهم وبين بني نزار بن معدّ، وسارت بليٌّ وبهراءُ (٩) وخَوْلان (١٠) بنو عمران بن

стр. 250

الحاف [بن] (١) قضاعة، ومن لحق بهم إلى بلاد اليمن فَوَغَلُوا فيها حتى نزلوا مأرب أرض سبأ، بعد افتراق الأزد عنها وخروجهم منها، فأقاموا بِهَا زماناً. ثم أنزلوا عبداً لأراشة بن عَبيلة بن فَران بن بليّ يقال له أشعب بئراً لهم بمأرب، ودَلوُّا عليه دِلاءهم ليملأها لهم، فطفق العبد يملأ لمواليه وسادته ويؤثرهم، ويبطيء عن زيد الله بن عمرو بن عبيلة بن قِسْميل، فغضب من ذلك فحطَّ عليه صخرة وقال: دونك يا أشعب، فأصابته فقتلته، فوقع الشر بينهم لذلك، واقتتلوا حتى تفرقوا، فتقول قضاعة: إن خولان أقامت باليمن، فَنَزَلُوا مخالف خولان، وإن مَهْرَةَ (٢) أقامت هناك وصارت منازلها الشَّحْر، ولحق عامر بن زيد الله بن عبيلة بسعد العشيرة فهم زيد الله، فقال المثلَّم بن قُرْط البلوي (٣): ألم ترَ أن الحيَّ كانوا بغبطة … بِمأربَ إذ كانوا يحلُّونها معا بليَ وبهراءٌ وخَوْلانُ إخوةٌ … لعمرو بن حافٍ فَرْعَ من قد تفرَّعَا أقام به خولانُ بعد ابن أُمه … فأثرى لعمري في البلاد وأوسعا فلم أرَ حيّاً من مَعَدِّ عمارةً … أجلَّ بدار العزِّ منَّا وأمنعا وهذا دليل على أن قضاعة من معد والله أعلم. وسار جفنة بن عمرو بن عامر إلى الشام، فهم ملوكها. وفي لفظ بأتم مما سبق في أول الفصل (٤) قالوا: لما كان من سيل العرم ما كان قال عمرو بن عوف (٥): من كان يريد الراسيات أو الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل، فكان الذين
следующие страницы →