← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1172

المغانم المطابة في معالم طابة

الفيروزآبادي

Полный текст (1 351 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

صَيْخاد (١)، بأنياب حداد، وأظافير شداد. فانطلق عمران في نفر من قومه حتى أشرفوا على السد، فإذا هم بِجُرذٍ أحمر، يَحْفِرُ الجبل الذي يليه بأنيابه، فيقلع الحجر الذي لا يستقله مئة رجل، ثم يدفعه بمخاليب رجليه حتى يُسَدّ به الوادي، مما يلي البحر، ويفتح مما يلي السد، فلما نظروا إلى ذلك علموا أنَّها قد صدقت، فانصرف عمران ومن كان معه من أهله، فلما استقر في قصره جمع وجوه قومه ورؤساءهم وأشرافهم وحدَّثهم بِما رأى، وقال: اكتموا هذا الأمر عن إخوتكم من ولد حِمْير لعلنا نبيع أموالنا وحدائقنا منهم، ثم نرحل عن هذه الأرض، وسأحتال في ذلك بِحيلة، ثم قال لابن أخيه حارثة: إذا اجتمع الناس إليَّ فإني سآمرك بأمر فأظهر فيه العصيان، فإذا ضربتُ رأسك بالعصا فقم إليَّ والطمني، فقال له: وكيف يلطم الرجل عمه، فقال: افعل يا بني ما آمرك /٨٨ فإن في ذلك صلاحَكَ وصلاحَ قومك. فلما كان من الغد، اجتمع إلى عمران أشراف قومه وعظماء حِمْير ووجوه رعيته مسلِّمين عليه، وأمَرَ حارثَةَ بأمر فعصاه، فضربه بِمَخْصَرَةٍ (٢) كانت في يده، فوثب إليه فلطمه، فأظهر عمران الأنفة والحَمِيَّة، وأمرَ بقتل ابن أخيه حتى شُفِّعَ فيه، فلما أمسك عن قتله حَلَفَ أن لا يقيم في أرض امتهن بِهَا، ولا بُدَّ من أن ارتَحل عنها، فقال عظماء قومه: والله لا نقيم بعدك يوماً واحداً، ثم عرضوا ضِياعهم على البيع، فاشتراها منهم بنو حمير بأغلى الأثْمان، وارتَحلوا عن

стр. 247

أرض اليمن، فجاء بعد رحيلهم بِمديدة السيل، وقد خَرَّبَ ذلك الجُرذُ السَّدَّ، فلم يَجد مانعاً، فَغَرَّقَ البلاد حتى لم يبقَ من جميع الأرضينَ والكرومِ إلا ما كان في رؤوس الجبالِ والأمكنة البعيدةِ، مثل ذمار (١) وحضرموت وعدن، وذهبت الضياع والحدائق والجِنانُ والقصور والدور، وجاء السيل بالرمل وطمَّها، فهي على ذلك إلى اليوم، وباعد الله تعالى بين أسفارهم كما سألوا فتفرقوا عباديد (٢) في البلدان. ولما فصل عمران وأهله من أرض اليمن عَطَفَ ثعلبة العنقاء بن عمرو بن عامر ماء السماء بن حارثة بن الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن الزاد بن الأزد بن الغوث نَحْوَ الحجاز، فأقام ما بين الثعلبية (٣) إلى ذي قار (٤)، وباسمه سميت الثعلبية، فنَزَلها بأهله وولده وماشيته ومن تبعه، فأقام ما بين الثعلبية وذي قار يتتبع مواقع القطر، فلما كثر ولده وقَوِيَ ركنه سار نَحْوَ المدينة، وبِهَا ناس كثير من بني إسرائيل متفرِّقون في نواحيها، فاستوطنوها وأقاموا بِهَا بين قريظة والنضير وخيبر (٥) وتيماء ووادي القرى (٦)،

стр. 248

ونزل أكثرهم بالمدينة إلى أن وجد عِزَّةً وقُوَّةً فأجلى اليهود عن المدينة (١)، واستخلصها لنفسه وولده، وتفرَّقَ من كان بِهَا من اليهود، فانضموا إلى إخوانِهِم الذين كانوا بِخيبر وفَدَكَ (٢) وتلك النواحي، وأقام ثعلبة وولده بيثرب، فابتنوا فيها الآطام وغرسوا فيها النخل وهما الأنصار الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة العنقاء [بن عمرو مزيقياء، وانخزع عنهم عند خروجهم من مأرب حارثة بن عمرو مزيقياء] (٣) بن عامر ماء السماء، وهو خزاعة، واقتحموا الحرم المكي وسكانه جُرْهُم، وكانوا قد طَغَوْا وبَغَوْا، فأظفر الله تعالى خزاعة عليهم فنفوا جرهماً إلى الحل، ونزلت خزاعة الحرم، وتفرقت جرهم في البلاد، وفي ذلك يقول شاعرهم (٤): كأَنْ لم يكن بين الحَجُون إلى الصفا … أنيسٌ ولم يسمُرْ بِمكةَ سامرٌ الأبيات المشهورة. وعطف عمران بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء مفارقاً لأبيه

стр. 249

وقومه/٨٩ نَحو عُمان، فنَزَلها وأوطنها، وسارت قبائل نصر بن الأزد، وهم قبائل كثيرة منهم دَوْس (١) رهط أبي هُرَيرة (٢) ﵁ وغامد (٣) وبارق (٤) وأحجن (٥) والجنادبة (٦) وزهران (٧) وغيرهم، نَحو تِهامة فأقاموا بِهَا، وشنئووا قومهم أو شنأهم قومهم إذ لم ينصروهم في حروبِهِم، أعني حروب الذين قصدو مكة فحاربوا جُرْهُماً، والذين قصدوا المدينة فحاربوا اليهود فهم أزد شنوءة (٨). ولما تَقَصَّعَتْ قضاعة؛ أي تفرقت من تِهامة بعد الحرب التي جرت بينهم وبين بني نزار بن معدّ، وسارت بليٌّ وبهراءُ (٩) وخَوْلان (١٠) بنو عمران بن

стр. 250

الحاف [بن] (١) قضاعة، ومن لحق بهم إلى بلاد اليمن فَوَغَلُوا فيها حتى نزلوا مأرب أرض سبأ، بعد افتراق الأزد عنها وخروجهم منها، فأقاموا بِهَا زماناً. ثم أنزلوا عبداً لأراشة بن عَبيلة بن فَران بن بليّ يقال له أشعب بئراً لهم بمأرب، ودَلوُّا عليه دِلاءهم ليملأها لهم، فطفق العبد يملأ لمواليه وسادته ويؤثرهم، ويبطيء عن زيد الله بن عمرو بن عبيلة بن قِسْميل، فغضب من ذلك فحطَّ عليه صخرة وقال: دونك يا أشعب، فأصابته فقتلته، فوقع الشر بينهم لذلك، واقتتلوا حتى تفرقوا، فتقول قضاعة: إن خولان أقامت باليمن، فَنَزَلُوا مخالف خولان، وإن مَهْرَةَ (٢) أقامت هناك وصارت منازلها الشَّحْر، ولحق عامر بن زيد الله بن عبيلة بسعد العشيرة فهم زيد الله، فقال المثلَّم بن قُرْط البلوي (٣): ألم ترَ أن الحيَّ كانوا بغبطة … بِمأربَ إذ كانوا يحلُّونها معا بليَ وبهراءٌ وخَوْلانُ إخوةٌ … لعمرو بن حافٍ فَرْعَ من قد تفرَّعَا أقام به خولانُ بعد ابن أُمه … فأثرى لعمري في البلاد وأوسعا فلم أرَ حيّاً من مَعَدِّ عمارةً … أجلَّ بدار العزِّ منَّا وأمنعا وهذا دليل على أن قضاعة من معد والله أعلم. وسار جفنة بن عمرو بن عامر إلى الشام، فهم ملوكها. وفي لفظ بأتم مما سبق في أول الفصل (٤) قالوا: لما كان من سيل العرم ما كان قال عمرو بن عوف (٥): من كان يريد الراسيات أو الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل، فكان الذين

стр. 251

اختاروها وسكنوها الأنصار، وهم الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وأمهم في قول ابن الكلبي (١) قَيْلَة بنت الأرقم بن عمرو بن جَفْنة. وقال: يقال قَيْلة بنت كاهل بن عُذْرَة من قُضَاعة. وقال غيره: قَيْلة /٩٠ بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن زيد بن أسود بن ليث ابن أسلم بن الحاف بن قُضَاعة، ولذلك سمي ابن (٢) قَيْلَة، فأقاموا بِمكانِهم على جهد وضَنَكٍ من العيش، وكان ملك بني إسرائيل يقال له الفيطوان. وتقدم من عند ابن الكلبي في أول الفصل أنه الفِطيون بالفاء المكسورة، وكان اليهود والأوس والخزرج يدينون له، وكانت له فيهم سنة لا تزوج امرأة منهم إلا أدخلت عليه قبل زوجها حتى يكون هو الذي يفتضها، إلى أن زوجت أخت لمالك ابن العجلان بن زيد السالمي الخزرجي. فلما كانت الليلة التي تُهدى فيها إلى زوجها خرجت على مجلس قومها كاشفة عن ساقها، وأخوها مالك في المجلس، فقال لها: لقد جئت بسَوْءة بِخروجك على قومك وقد كشفت عن ساقيك، قالت: الذي يراد بي الليلة أعظم من ذاك، لأني أدخل على غير زوجي، ثم دخلت منْزلها، فدخل إليها أخوها وقد أرمضه قولها، فقال لها: هل عندك من خبر؟ قالت: نعم. فما ذاك؟ قال: أدخل معك في جملة النساء على الفطيون (٣) فإذا خرجنَ من عندك ودخل

стр. 252

عليك ضربته بالسيف حتى يبرد، قالت: افعل، فلما خرج النساء من عندها ودخل الفطيون عليها شد عليه مالك بن عجلان بالسيف حتى قتله، وخرج هارباً حتى قَدِمَ الشام، فدخل على أبي جُبيلة، -وفي بعض الروايات: أنه قصد اليمن إلى تُبّع الأصغر بن حسان فشكىإليه ما كان الفطيون يسير به في نسائهم، وذكر له أنه قتله وهرب، وأنه لا يستطيع الرجوع خوفاً من اليهود، فعاهده أن لا يقرب امرأة ولا يمس طيباً ولا يشرب خمراً حتى يسير إلى المدينة ويُذِلَّ من بِهَا من اليهود، وأقبل سائراً من الشام في جمع كثير يُظهر أنه يريد اليمن، حتى قدم المدينة ونزل بذي حُرُض (١)، ثم أرسل إلى الأوس والخزرج أنه على المكر باليهود عازم على قتل رؤسائهم، وأنه يُخشى أنَّهم متى علموا بذلك تَحصنوا في آطامهم، وأمرهم بكتمان ما أسره إليهم، وأرسل [إلى] (٢) وجوه اليهود أن يحضروا طعامه لِيُحْسِنَ إليهم ويصلهم، فأتاه وجوههم وأشرافهم ومع كل واحد منهم خاصته وحشمه، فلما تكاملوا أدخلهم حيزاً بناه لهم ثم قتلهم عن آخرهم، فصارت الأوسُ والخزرجُ من يومئذ أعزَّ أهلِ المدينة، وقمعوا اليهود، وسار ذكرهم، وصار لهم الأموال والآطام. ولعنت اليهود مالك بن العجلان في كنائسهم وبيوت عباداتهم فبلغه ذلك فقال: /٩١ تحايا اليهود بِتَلْعَانِهَا … تحايا الحمير بأبوالها وماذا علي بأن يغضبوا … وتأتي المنايا بإذلالها وقالت سارة القرظية ترثي من قتل من قومها: بأهلي رِمَّة لم تغن شيئاً … بذي حرض تعفَّيهَا الرياحُ كهول من قريظة أتلفتهم … سيوفُ الخزرجية والرماحُ ولو أذنوا بأمرهم لَحَالَتْ … هنالك دونهم حربٌ رَدَاحُ

стр. 253

ثم انصرف أبو جبيلة راجعاً إلى الشام وقد ذَلَّلَ الحجاز والمدينة ومهَّدَهَا للأوس والخزرج، فعند ذلك تفرقوا في عالية المدينة وسافلتها، وبنوا بِهَا الدور والقصور، واتخذوا الأموال والآطام (١). وعكس ياقوت القصة فجعل أن أهل المدينة هم الذين أزالوا عن أهل اليمامة هذه الفضيحة ونصروهم وأبادوا عدوهم، وقال: إن طَسْماً وجَدِيساً من ولد لاوذ ابن إرم بن لاوذ بن سام بن نوح أقاموا باليمامة وكثروا بِهَا وربلوا (٢) حتى ملك عليهم ملك من طَسْم، يقال له عمليق بن هباش، وكان جباراً ظلوماً غشوماً، وكانت اليمامة أحسن بلاد الله أرضاً، وأكثرها خيراً ونَخْلاً، قالوا: وتنازع رجل يقال له قابس وامرأته هُزَيْلَة جَدِيسيان (٣) في مولود لهما أراد أخذه، فأبت أمه، فارتفعا إلى الملك عمليق، فقالت المرأة: أيها الملك؛ هذا ابني حملته تسعاً، ووضعته دفعاً، وأرضعته شفعاً، ولم أنل منه نفعاً، حتى إذا تمت أوصاله، واستوى فصاله، أراد بعلي أن يأخذه كرهاً، ويتركني ولهى. فقال الرجل: أيها الملك أعطيتها المهر كاملاً، ولم أصب منها طائلاً، إلا ولداً خاملاً، فافعل ما كنت فاعلاً، على أني حملته قبل أن تحمله، وكفلت أمه قبل أن تكفله. فقالت أيها الملك: حمله خِفَّاً وحملته ثِقلاً، ووضعه شهوة ووضعته كرهاً. فلما رأى عمليق متانة حججهما تَحير فلم يدر بِم يَحكم، فأمر بالغلام بأن يقبض منهما وأن يُجعل في غِلمانه، وقال للمرأة: أبغيه ولداً، وأجزيه صفداً،

стр. 254

ولا تنكحي بعده أحداً، فقالت المرأة: أما النكاح فبالمهر، وأما السفاح فبالقهر، ومالي فيهما من أمر، فأمر عمليق بالزوج والمرأة أن يباعا ويرد على زوجها خمس ثمنها، ويرد على المرأة عشر ثمن زوجها، فاسُتِرقّا فقالت هُزَيْلَة: أتينا أخا طَسْمٍ ليحكم بيننا … فأظهر حكماً في هُزَيْلَة ظالما /٩٢ لعمري لقد حكمت لا متورعاً … ولا كنت فيما يلزم الحكم حاكما ندمتُ ولم أندم وأنى بعثرتي … وأصبح بعلي في الحكومة نادما فبلغت أبياتها إلى عمليق فأمر أن لا تزوج بكرٌ من جَدِيس حتى تدخل عليه فيكون هو الذي يفترعها قبل زوجها، فلقوا من ذلك ذلاً، حتى تزوجت امرأة من جَدِيس يقال لها عُفَيرة بنت غِفار أخت سيد جَدِيس الأسود بن غِفار، وكان جَلْدَاً فاتكاً، فلما كانت ليلة الاهداء خرجت والقِيَانُ حولها لِتُحْمَلَ إلى عمليق وهنَّ يضربنَ بالدف وبمعازفهن ويقلن: ابْدِيْ بعمليق وقومي فاركبي وبادري الصبح بأمرٍ معجبِ فسوف تَلْقَيْنَ الذي لم تطلبي وما لبكرٍ دونه من مهربِ ثم أُدخلت على عمليق فافترعها، وقيل إنها امتنعت عليه، وكانت أيدَة (١)، فخاف العار فوجأها بحديدة في قبلها فأدماها، فخرجت وقد تقاصرت إليها نفسها، فشقت ثوبها من خلفها ودماؤها تسيل على قدميها، فمرت بأخيها وهو في جمع من قومه وهي تبكي وتقول: لا أحد أذل من جَدِيس … أهكذا يفعل بالعروس؟ يرضى بهذا الفعل قط الحرُّ … هذا وقد أعطى وسيق المهر لأخذه الموت كذا لنفسه … خير من أن يفعل ذا بعرسه

стр. 255

فأغضب ذلك أخاها فأخذ بيدها ووقفها على نادي قومها وهي تقول: أيجمل أن يؤتى إلى فتياتكم … وأنتم رجال فيكمُ عدد الرمل؟ أيجمل تمشي في الدما فتياتكم … صبيحة زفت في العشاء إلى بَعْل؟ فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه … فكونوا نساء لا تغب من الكحل ودونكمُ ثوبَ العروس فإنما … خُلِقتُم لأثواب العروس وللغسل فلو أننا كنا رجالاً وكنتمُ … نساء لكنَّا لا نقر على الذُّلِّ فموتوا كراماً أو أميتوا عدوَّكم … وكونوا كنار شبّ بالحطب الجزل وإلا فخلوا بطنها وتحمَّلوا … إلى بلد قفر وهَزْلٍ من الهزل فَلَلْمُوتُ خيرٌ من مقامٍ على أذىً … وللفقر خير من مقام على ثُكْلٍ /٩٣ فدبُّوا إليه بالصَّوَارم والقنا … وكل حُسَامٍ مُحْدَثِ العهد بالصَّقْلِ ولا تجزعوا للحرب قومي فإنَّمَا … يقومُ رجال للرجال على رجل فيهلك فيها كل وَغْلٍ مواكل … ويسلم فينا ذو الجَلادة والفضل فلما سمعت جَدِيس ذلك منها امتلؤوا غيظاً ونكسوا رؤوسهم حياءً، فقال أخوها الأسود: يا قوم أطيعوني فإنه عز الدهر، فليس القوم بأعز منكم ولا أجلد، ولولا (١) تواكلنا لما أطعناهم وإن فينا لمنعة. فقال له قومه: أشِرْ بما ترى، فنحن لك مانعون، ولما تدعونا إليه مسارعون، إلا أنك تعلم أن القوم أكثر منا عَدَداً وعُدَداً، ونَخافُ أن [لا] (٢) نقوم لهم عند المنابذة، فقال لهم: قد رأيت أن أصنع للملك طعاماً، ثم أدعوه وقومه، فإذا جاؤونا قمت أنا إلى الملك فقتلته، وقام كل واحد منكم إلى رئيس من رؤسائهم (٣) ففرغ منه، فإذا فرغنا لم يبق للباقين قوة، فنهتهم أخت الأسود بن غِفار عن الغدر، وقالت: نافروهم، فلعل الله تعالى أن ينصركم

стр. 256

عليهم لظلمها لكم، فعصوها. فقالت: لا تغدرُنَّ فإن الغدرَ منقصةٌ … وكل عيب (١) يُرى عيباً وإن صَغُرا إني أخاف عليكم مثل تلك غداً … وفي الأمور تدابير لمن نَظَرَا حُشّوا (٢) سعيراً لهم فيها مناهزةً … فكلكم باسلٌ أرجو له الظفرا فأجابها أخوها الأسود يقول: (٣) شتان باغ علينا غير متئد … يغشى الظِّلامة (٤) لا يبقي ولن يذرا إنا لعمرك لا نُبدي مناهزةً … نَخاف منها صُرُوفَ الدهر من ظفرا إني زعيم لطَسْمِ حين تَحضرنا … عند الطعام بضرب يَهتك القِصَرا صنع الأسودُ الطعامَ وأكثر، وأمر قومه أن يدفن كل رجل منهم سيفه تَحته في الرمل مشهوراً، وجاءهم الملك في قومه، فلما جلسوا للأكل وَثَبَتْ جَدِيس عليهم، فقتل الأسودُ الملكَ، وقتل قومه رجال طَسْمٍ حتى أبادوا أشرافهم، ثم قتلوا باقيهم، وقال الأسود بن غفار: ذوقي ببغيك يا طَسْمُ مجللةً … فقد أتيتِ لعمري أعجب العجب إنا أنفنا فلم ننفكَّ نقتلُهم … والبغيُ هَيَّجَ منا سَوْرَةَ الغضب فلن نعود لبغي بعدها أبداً … لكي تكونوا بلا أنف ولا ذنب /٩٤ فلو رَعيتم لنا قربى مؤكَّدَةً … كنا الأقاربَ في الأرحامِ والنسب وقال حُدَيْلَة بن المشَمخِر الجَدِيسي وكان من سادة جَدِيس: لقد نَهَيْتُ أخا طَسْمِ وقلت له … لا تذهبنَّ بك الأهواء والمرحُ واخشَ العواقبَ إن الظلمَ مهَلكةٌ … وكلُ فرحةِ ظُلمٍ عندها تَرَحُ فما أطاع لنا أمراً فنعذره … وذو النصيحةِ عند الأمر يُنتصحُ فلم يزل ذاك ينمي من فعالهمُ … حتى استقادوا لأمر الغيِّ فافتضحوا

стр. 257

فباد آخرهم من عند أولهم … ولم يكن لهم رُشْدٌ ولا فَلَحُ فنحن بعدهمُ في الحق نفعله … نُسقى الغَبوق (١) إذا شِئنا فنصطبح فليت طَسْماً على ما كان إذ فسدوا … كانوا بعاقبة من بعد ذا صَلَحُوا إذاً كنا لهم عزاً ومَمْنَعةً … فينا مقاول تسمو للعلى رُجَحُ وهرب رجل من طَسْم يقال له رياح بن مرة حتى لحق بِتُبَّع أسعد تِبان بن كُلِكيكَرِب، وقيل: بل لحق بِحسَّان بن تبع الحميري، وكان بالمدينة، وقيل بِمكة، وقيل بنجران، فاستغاث به، وقال: نَحْنُ عبيدك ورعيتك وقد اعتدى علينا جَدِيس، ثم رفع عقيرته ينشده: أجبني إلى قوم دعوك لغدرهم … إلى قتلهم فيها عليهم لك العُذْرُ [دَعَونا وكنَّا آمنينِ لغدرهم … فأهلَكَنَا غدرٌ يشابُ به مَكْرُ] (٢) وقال: اشهدونا مؤنسين لتنعمُوا … وتقضوا (٣) حقوقاً من جوارٍ له حَجْرُ فلما انتهينا للمجالس كَلَّلُوا … كما كَلَّلَتْ أُسدٌ مجوَّعة خُزْرُ فإنك لم تسمع بيوم ولن ترى … ليوم أبادَ الحيَّ طَسْماً به المكر أتيناهُمُ في أُزرِنا ونعالنا … علينا الملاءُ الخضرُ والحللُ الحمرُ فصِرْنا لحوماً بالعراء وطعمةً … تَنَازَعَنا ذئب الرَّثيمة والنَّمْر فدونك قوم ليس لله فيهمُ … ولا لهم منه حجاب ولا سِتر فأجابه إلى سؤله ووعده بنصره، ثم رأى منه تباطؤاً، فقال: إني طلبت لأوتاري ومَظلمتي … يا آل حسَّانَ إلى العز والكرم المنعمين إذا ما نعمةٌ ذُكِرَتْ … والواصلين بلا قُربى ولا رَحِمِ وعند حسان نصرٌ إن ظفرتَ به … منه يمين ورأي غير مقتسم إني أتيتك كيما أن تكون لنا … حصناً حصيناً وردءاً غير مهتضم /٩٥ فارحم أيامى وأيتاماً بِمهلكة … يا خير ماش على ساقٍ وذي قدمِ إني رأيت جَدِيساً ليس يَمنعها … من المحارم ما تَخشى من النِّقَمِ

стр. 258

فسر بِخيلك تظفر إن قتلتهمُ … تُشفي الصدور من الأضرار والسقمِ لا تَزهدنَّ فإن القومَ عندهُمُ … مثل النعاج تراعي زاهر السَّلَمِ ومُقْرَبَاتٍ (١) خناذيذ (٢) مسوَّمة … تُعْشِي العيون وأصناف من النَّعَمِ قال: فسار تبع من المدينة في جيوشه حتى قرب من جوّ اليمامة، فلما كان على مقدار ليلة منها عند جبلٍ هنالك، قال رياح الطَسْمِي: توقف أيها الملك، فإن لي أختا متزوجة في جَدِيس يقال لها: يَمامة، وهي أبصر خلق الله على بعد، فإنها لترى الشخص من مسيرة يوم وليلة، وإني أخاف أن ترانا وتُنذِرَ بنا القوم، فأقام تبع في ذلك الجبل، وأمر رجلاً أن يَصعدَ الجبلَ فينظر ماذا يرى، فلما صعد الجبلَ دخل في رجله شوكة، فأكب على رجله يستخرجها، فأبصرته اليمامة، وكانت زرقاء العين، فقالت: يا قوم إني أرى على الجبلَ الفلاني رجلاً، وما أظنه إلا عيناً فاحذروه، فقالوا لها: ما يصنع؟ فقالت: إما يخصف نعلاً، أو ينهش كتفاً، فكذبوها ثم إن رياحاً قال للملك: مُرْ أصحابك ليقطعوا من الشجرِ أغصاناً ليستتروا بِهَا لِيُشَبِّهُوا على اليمامة، وليسيروا كذلك ليلاً، فقال تبع: أوَ في الليل؟ قال: نعم أيها الملك، بصرُها بالليل أنفذ، فأمر تبع أصحابه بذلك، فقطعوا الشجر وأخذ كل رجل بيده غصناً حتى إذا دنوا من اليمامة ليلاً نظرت اليمامة فقالت: يا لجَدِيس، سارت إليكم الشجر أو جاءتكم أوائل خيل حِمْيَر، فكذبوها، فصبحهم حمير فاصطلموهم (٣)، فهرب الأسود بن غفار في نفر من قومه ومعه أخته، فلحق بِجبلي طي، فَنَزَلَ هناك، وفيه يقول الأعشى (٤):

стр. 259

قالت أرى رجلاً في كَفِّهِ كَتِفٌ … أو يَخصف النَّعْلَ لهفي أيَّةً صنَعا فكذَّبوها بِما قالت فصبَّحهم … ذو آل حمير تُزجي السُّمر والسَّلَعَا (١) فاستنْزَلُوا آل جوٍّ من منازلِهم (٢) … وهدَّموا شاخص البنيان فاتضعا ولما نزل بِجَدِيس ما نزل من أهل المدينة، قالت زرقاء اليمامة: خذوا خذوا حذركم يا قومُ ينفعكم … فليس ما قد أرى مثل أمر مُحْتَقَرُ إني أرى شجراً من خلفها بشرٌ … لأمرٍ اجتمع الأقوام والشجر /٩٦ وفتح أهل المدينة حصون اليمامة وامتنع عليهم الحصن الذي كانت فيه زرقاءُ اليمامة فصابره تبع حتى افتتحه وقبض على زرقاء اليمامة وعلى صاحب الحصن، وكان اسمه لا يكلم، وقال لليمامة: ماذا رأيت؟ وكيف أنذرت قومك بنا؟ فقالت: رأيت رجلاً عليه مِسْحٌ أسودٌ وهو ينكب على شيء، فأخبرتُهم أنه ينهش كتفاً، أو يَخْصفُ نعلاً، فقال للرجل: ماذا صنعت حين صعدت الجبل؟ فقال: انقطع شراك نعلي، ودخلت شوكة في رجلي، فعالجت إصلاحها بفمي، وعالجت إصلاح نعالي بيدي وفمي. فأمر تُبَّعٌ بقلع عينيها، وقال: أحبُّ أن أرى الذي أدى إليها هذا النظر، فلما قلع عينيها فوجد عروقها كلها محشوة بالإِثْمِدِ، قالوا: وكان قال لها: أنى لك هذا؟ قالت: كنت آخُذُ حجراً أسودَ فأدقُهُ، فأكتحل به، وكان يقوي بصري، فيقال: إنَّها أول من اكتحل بالأثْمِدِ من العرب، قالوا: ولما قلع عينيها أمر بصلبها على باب جَوٍّ وأن يسمى باسمها، وقال تُبَّعُ يذكر ذلك: وسمّيْتُ جوّاً باليمامة بعدما … تركتُ عيوناً باليمامة هُمَّلا نزعتُ بِهَا عيني فتاةٍ بصيرةٍ … رغاماً ولم أَحْفِلْ بذلك محفلا تركت جَدِيساً كالحصيد مطرَّحاً … وسُقْتُ نساءَ القوم سوقاً معجَّلا

стр. 260

أدَنْتُ جَدِيساً دَيْنَ طَسْمٍ بفعلها … ولم أكُ لولا فِعْلُهَا ذاكَ أفعلا وقلت: خُذيها يا جَدِيس بأختها … فأنت لعمري كنت للظلم أولا فلا تُدْعَ جوُّ ما بقيتُ باسمها … ولكنها تُدعى اليمامة مقبلا وخربت اليمامةُ من يومئذ لأن تبعاً قَتَلَ أهلها، ولم يُخَلِّفْ بِهَا أحداً، ورجعَ إلى المدينةِ (١). * * *

стр. 261

الباب الثالث: في ذكر أسماء المدينة المُقَدَّسَةِ ومعانيها وبيَانِ اشْتِقاقِ أَلْفاظِها مِنْ مَصَادِرِها ومَبانِيها مقرونةً بشواهد من الأشعار، مَشْحُونةً بفرائدَ مِنَ الآثارِ وها نحن ناظموها بَدْأةً بَدْأةً (١) في سِلْكٍ وَاحِدٍ على حُرُوفِ المُعْجَم، ثمَّ نُتَرْجِمُ كلَّ اسْمٍ بِما تَيَسَّرَ بِتَوْفيقِ اللّه تَعالى كأَحْسَنِ مَنْ تَرْجَم. (أ) أَثْرِبُ. أَكَّالَةُ البُلْدانِ. أَرْضُ الهِجْرَةِ. الإيمانُ. (ب) البارَّةُ. البَحْرَةُ. البُحَيْرَةُ. البَرَّةُ. (ج) الجابِرَةُ. (ح) الحَبِيبَةُ. الحَرَمُ. حَرَمُ رَسُولِ الله. حَسَنَةُ. (خ) الخَيْرَةُ. الخَيِّرَةُ. (د) الدَّارُ. دَارُ الأبْرَارِ. دَارُ الأخْيارِ. دَارُ الإِيمانِ. دَارُ السُّنَّة. دَارُ الهِجْرَةِ. (ش) الشَّافيةُ. (ص) مَدْخَلُ صِدْقٍ (٢). (ط) طابَةٌ. طَيْبَةٌ. طَيِّبَةٌ. (ظ) ظَبَايَا. (ع) العاصِمَةُ. العَذْراءُ. العَرَّاءُ. العَرُوضُ.

стр. 262

(غ) الغَرَّاءُ. غَلَبَةُ. (ق) القاصِمَةُ. قُبَّةُ الإسْلامِ. قَرْيَةُ الأنْصارِ. (م) المُؤمنَةُ. المُباركةُ. مُبَوَّأُ الحَلالِ والحَرَام. المُحَبَّةُ. المُحَبَّبَةُ. المَحْبُوبَةُ. المَجْبُورَةُ. المَحْبُورَةُ. المَحفوفَةُ. المُحَرَّمَةُ. المُخْتَارَةُ. المَدِينَةُ. مَدِينةُ الرَّسُولِ ﷺ . المَرْحُومَةُ. المُسْلِمَةُ. المَرْزوقَةُ. المَكِينَةُ. المِسْكِينَةُ. المُطَيَّبَةُ. المُقَدَّسَةُ. الموفِيَةُ. (ن) النَّاجِيَةُ. النَّجْرُ. (ي) يَثْرِبُ. يَنْدَدَ. يَنْدَرُ. أما أَثْرِبُ فبفتْح الهَمْزَةِ وَسُكُونِ المُثَلَّثَةِ وكَسْرِ الرَّاءِ المُهْمَلَةِ، وباءٌ مُوحَّدَة. وَهِيَ لُغَةٌ في يَثْرِبَ كَقَوْلهِم: أَلَمْلَمَ في يَلَمْلَم (١)، وَهُما لُغَتَانِ جَيِّدَتانِ صحيحتان مُسْتَعْمَلَتانِ (٢). والهَمْزَةُ فِيهِ بَدَلٌ مِنْ الياءِ، أو الياء بَدَلٌ مِن الهَمْزَةِ، قَولانِ (٣). والنِّسْبَةُ إليْها أَثْرَبِيٌّ وَأَثْرَابِيٌّ (٤)، وَيَثربيٌّ، بِفَتح الرَّاء وَكَسْرِها فِيهِما. وَاخْتُلِفَ في سَبَبِ تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ، قال أبو القاسم الزَّجَّاجي (٥): سُمِّيَتْ

стр. 263

بِذَلك لأنَّ أَوَّل مَنْ سَكَنها عِنْدَ التَّفَرُّقِ يَثربُ بنُ قانِيةَ بن مهابيل (١) بن آدم بن عبيل بن عَوْصِ بن إِرم بن سام بن نوح، فَلَمَّا نزلها رَسُولُ الله ﷺ سَمَّاها طَيْبَةَ وطابَةَ كَرَاهِيَةً للتَّثريبِ. قال: ولو تكلَّف متكلِّفٌ أَمْكَنَهُ أنْ يَقُول في يَثرْب: إنَّهُ يفْعِل من قولهم: لا تَثريب عَلَيْكُم، أي: لا تَعْيِير ولا عَتْبَ كما قال تعالى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ (٢) مَعْنَاهُ: لا تَعْيِيرَ عليكَم بما صَنَعْتُم ولا تَوْبِيخ. ويُقَال: أَصْلُ التَّثريبِ الإفساد، يُقَالُ: ثَرَبَ عَلَيْنا فلانٌ. انتهى (٣). والأجْودُ أَنْ يُقالَ: فِعْلٌ مُضَارعٌ مِنْ ثَرَبَهُ يَثربُهُ ثَرْبًا، مِثَالُ: ضَرَبَهُ يَضرِبُهُ ضَرْبًا، إذا لامَهُ بذنْبهِ وَعَيَّرَه، وإنْ قال قائِلٌ: إنَّهُ مِنَ الثَّرْب، وَهُوَ شَحْمٌ رَقيقٌ يَغْشى الكِرش، والجَمْعُ ثُرُوبٌ وَأَثْرُبٌ، وَجَمْعُ الجَمْعِ أَثَارِبٌ. وَقَدْ أَثْرَبَ الكَبْش، إذا زادَ شَحْمُه، وشاةٌ ثَرْباءُ: سَمِينَةٌ وسمن كانَ لَهُ مَساغًا، وكأنَّهُ سُمِّيَ بذلِكَ تفاؤلًا بالسِّمَن والخِصْبِ وكَثْرةِ الخَيْرِ والبركة بِها. أو يُقَالُ: إنَّهُ مِنْ ثَرَبَهُ يَثرِبُهُ ثَرْبًا، مِثَالُ: ضَرَبَهُ يَضرِبُه، إذا نَزَعَ عَنْهُ ثوبَهُ. وكانَ هذا حالُها قَبْلَ الإسلامِ، ودُخُولِ النَّبيِّ ﷺ وحُلُولهِ فيها. كانَ يَنْزِعُ ثَوْبَ العافِيةِ لِمَنْ نَزَلَ بِها. أَو منَ الثَّرْب بِمَعنَى القِلَّةِ. يُقَالُ: أَثْرَبَ الرَّجُلُ إذا قُلِّلَ عطاؤُه، سُمِّيَ بِهِ لِقِلَّةِ وُجْدانِ الطعامِ بِها، أو منَ التَّثريبِ، بمعنى الطَّيِّ، يُقَالُ: ثَرَبَ بئرَه، أي طواها، وَأَتْقَنَ بناءَها، سُمّيَتْ بِهِ تفاؤلًا لحصانَتها وتَمَنُّعِها على مَنْ قَصدَها.

стр. 264

ثُمَّ اخْتَلَفُوا؛ فقال بَعْضُهُم: أَثْرِبُ ويَثْرِبُ: اسْمان للنَّاحِيَةِ التي مِنْها مَدِينَةُ الرَّسُولِ ﷺ (١)، وَقيلَ: اسْمانِ لمدينَةِ الرَّسولِ ﷺ هُجِرا في الإسلامِ. وقال الزُّبَيْرُ: كانَتْ يَثْرِبُ أُمَّ قُرَى المدِينَةِ، وَهْيَ ما بَيْنَ طرفِ قناةٍ (٢) إلى طرفِ الجُرْفِ (٣)، وما بَيْنَ المَالِ الذي يُقَال لَهُ: البرني إلى زبَالَة (٤). قال الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّين المَطَرِي: هيَ اسْمُ ناحِيَةٍ بالمَدِينَةِ، وهي مَعْرُوفَةٌ بِهذا الاسْم اليَوْمِ، وَفِيها نَخِيلٌ كَثيرة مِلْكٌ لأهْلِ المَدِينَةِ، وَأَوْقَافٌ للفُقَرَاءِ وَغَيْرِهِم، وَهي غرْبِيَّ مَشْهَدِ حَمْزَة ﵁، وَشَرْقِيَّ المَوْضِعِ المَعْرُوفِ بالبِرْكَةِ مَصْرِفَ عَيْنِ الأزْرَق يَنْزِلُها الرَّكْبُ الشامِيُّ في ورُودِهِ وصَدْره، وَيُسَمِّيها الحُجَّاجُ عُيُونَ حَمْزةَ، وكانَت يَثْرِبُ مَنْزِلَ بني حارِثَة بن الحارث (٥)، بَطْنٌ ضَخْمٌ من الأوْسِ (٦). انتهى. وأما قَوْلُه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ (٧) لحكايَةِ مَقَالَةِ بني الحارِثِ، أو مَقَالَةِ أَوْسِ بن قيظي وتابعيه (٨). ويروى عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّهُ قال: "مَنْ قال للمدينة يَثْرِب

стр. 265

فَلْيَستَغْفِرِ الله تعالى ثلاثًا، إِنَّما هي طَيْبَة" (١). وروايَةُ الزُّبيرِ مَرْفوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ قال للمدينة يَثرب فَلْيَستَغْفِرِ الله " (٢). وهذا الحَدِيث يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قال: إنَّ يَثربَ مِنْ أَسْماءِ المدينة لا اسْمُ ناحِيَةٍ كما تقدَّم. ورواه أيضًا عَنْ أَبي أيُّوب ﵁ أَنَّ رَسُول الله ﷺ نَهى أَنْ يُقَالَ للمدينةِ يَثرب (٣). وَيَشْهَدُ لذلك الحَدِيثُ المتَّفَقُ على صِحَّتِهِ "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى، يقُولونَ يثرب وهي المَدِينَةُ" (٤). ولَمَّا حُمِلَت نَائِلَةُ بِنْتُ الفَرَافِصَةِ (٥) إلى عثمان بن عَفَّان ﵁، مِن

стр. 266

الكوفَةِ قالت تخاطِبُ أخاها: (١) أَحقًّا تَراهُ اليَوْمَ يا ضَبُّ أنَّنِي … مصاحبةٌ نَحْوَ المدينةِ أَرْكبا لَقَدْ كانَ في فِتْيان حِصن بن ضَمْضم … لَكِ الويل ما تجري الخِباءَ المُحَجَّبا قَضَى الله حَقًا أَنْ تموتي غريبةً … بِيَثْرِبَ لا تَلْقَيْنَ أُمَّا ولا أَبا (٢) وقَدْ نَسَبُوا إليها السِّهام لِحُسْنِ صنْعَتِها بها، قال كُثيِّرٌ: (٣) وَماءً كأنَّ اليثربِيَّةَ أنْصَلَتْ … بِأَعْقارِهِ دَفْعُ الإزاءِ نَزُوعِ (٤) وَأَمَّا قول الرَّاعي (٥): أَوْ رَعْلَةٌ مِنْ قَطا فَيْحَان حَلأهَا … عَنْ ماءِ يَثْرِبَةَ الشُّبَاكُ والرَّصَدُ (٦) فَيَثْرِبَةُ بِزيَادةِ هاء اسْمُ لمَوْضع آخَرُ بِبلادِ العَرَبِ (٧). وأمَّا عُرْقُوبُ صاحِب المواعِيدِ المَعرُوفَةِ، فالصَّحِيحُ أنَّهُ مِنْ أَهْلِ يَثْرِب، مدينة الرَّسول ﷺ ، مِنْ قُدَماءِ يَهُودها. لكن أَجْمَعُوا على تَثْنِيَةِ التَّاء وَفَتح

стр. 267

الرَّاء (١) في قولِ الأشْجَعِيِّ: (٢) وَعَدْتِ وكانَ الخُلْفُ مِنْكِ سجِيَّةً … مَواعِيدَ عُرْقُوبِ أخاهُ بِيَتْرَبِ (٣) وَيَتْرَبُ هذه مَدِينَةٌ بِحَضْرَمَوْت نَزَلها كِنْدَةُ (٤) ويُقَال: إنَّ عُرْقُوبَ صاحِبُ المواعِيدِ كانَ بِهَا. قال الكَلْبيُّ: (٥) سَمِعْتُ أَبي يُخْبِرُ بحديثِهِ أنَّهُ كانَ رَجُلًا مِنَ العمالِيقِ يُقَالُ لَهُ: عُرْقُوبٌ. فَأَتَاهُ أَخٌ لَهُ يَسْألهُ فقال لَهُ: إذا طلعت النَّخْلَةُ فَلَكَ طَلْعُها، فَلَمَّا أتاه للعِدَة قَالَ: دَعْها تَصِيرَ بَلَحًا، فَلَمَّا أبْلَحَتْ قال: دَعْها تَصِيرَ زَهْوًا، ثمَّ حَتَّى تَصيرَ بُسْرًا، ثمَّ حَتَّى تَصِيرَ رُطَبًا ثمَّ تَمْرًا، فَلَمَّا أَثْمَرَتْ عَمَدَ إِلَيْها عُرْقُوبُ مِنْ اللَّيْلِ فَجَزَّها ولم يُعْطِهِ شيئًا، فَصَار مَثلًا في الخُلْفِ (٦).

стр. 268

أرْضُ الهِجْرَة: تَأْتي إِنْ شاء الله تعالى في دَارِ الهجرة. أكَّالَةُ البُلدان: البلدانُ جَمْعُ بَلَدٍ، والبَلَدُ والبَلْدَةُ كُلُّ قِطْعَةٍ مِنْ الأرْضِ مُسْتَحِيزَةٍ عامرَةً كانَتْ أَوْ غَيْرَ عَامِرَةٍ (١). وأصْلُ البلادةِ التأثِيرُ. والبَلَدُ: الأثَرُ. وسُمِّيَت المدينة بَلَدًا وبَلْدَة؛ لأنَّها مَوْضِعُ تأثير النَّاس. وَكِرْكِرَةُ البَعِيرِ بَلْدَةً؛ لأنَّها تُؤَثِّرُ في الأرْضِ، أَنْشَد سيبويه: أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدَةً فوقَ بَلْدَةٍ … قَلِيلٍ بِها الأصْوات إلَّا بُغَامُها (٢) قال أبو حاتم: البَلْدَةُ الصدر سميت المدينة بَلْدةً لأنَّها صَدْرُ القُرَى، كما يُقَالُ لأعلى المَجْلِسِ وأَرْفَعِهِ: صَدْرُ المَجْلِسِ. ومِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِكُلِّ مِصْرٍ: بَلْدَةً. وَسُمِّيَتْ مَدِينةُ رسول اللّه ﷺ أكَّالَةَ البُلْدَان؛ لأنَّها افْتُتِحَت منها جَمِيعُ البُلْدَان التي شرَّفَها الله تعالى بالإسلامِ والإيمان. رُوِّينا من عند البخاري وَمُسْلم ومَالِكِ بن أَنَس في المُوَطَّأ مِنْ حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال رَسُول اللّه ﷺ : "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى يَقُولُون يَثْرب وَهِيَ المدِينة، تَنْفي النَّاس كما يَنْفِي الكِيرُ خَبَث الحَدِيدِ" (٣). وقال صاحِبُ النِّهايَةِ: مَعْنَاهُ أَنَّ اللّه تعالى يَنْصُرُ الإسلامَ والدِّين بأهل المدينة، وهم الأَنْصَار، ويَفْتَحُ على أَيْدِيهِم القُرى يعني البُلْدان، وَيُغْنِمُها إيَّاهم

стр. 269

فيأكلونَها (١). وهذا من باب الاتِّساع والاخْتِصار وحذفِ المُضافِ، والتَّقْدِير: يأكل أهْلُها أَمْوَال القُرَى، ويَغْلِبُ أَهْلُها بالإسلام ونَصْرِ رَسُولِ اللّه ﷺ على غَيْرِها مِن أهل المُدِنِ والقُرَى (٢). وفي إيثار صِيغَةِ المُبالَغَةِ في التَّسْمِيَةِ إِشْعارٌ بأنَّ انْتِشَار الإسلام وغَلَبَةَ أهل المدينة واستيلاء الصَّحابَةِ على مُدِنِ الدُّنيا بفتْحِها وَتَسْخِيرِها يكُونُ سَرِيعًا ذَريعًا في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وَقَدْ كانَتْ، ولله الحمد، قال ﷺ : "إِنَّ اللّه زوى لي الأرْضَ فَأُرِيتُ مَشَارِقَها ومَغَارِبَها، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أمَّتي ما زُوِيَ لي منها" (٣). وَسُمِّيَتْ أكَّالَةَ البُلْدَانِ لأنَّ اللّه أمرها بأن تُعْلِيَ وتَرفعَ سُطُوحَها على سُطُوحِ البُلْدَانِ، وكُلُّ ما علا على شَيْءٍ وارْتَفَع عَنْهُ قَدْرًا وسَما عَلَيْهِ رتبة حتى احتُقر صَغُر ذلك الشَّيءُ دونَه، وتضاءل فضلًا في ليانَةٍ ولدُونَةٍ، فإنَّه يُقَالُ عَنْهُ: أكله أو بَلَعَهُ يستعيرون الأكْل والبلع لشِدَّةِ العُلُوِّ وقوةِ الاستيلاء وسلطانِ القَهْرِ كما هُو هِجِّيرُهم (٤) في أساليب بلاغاتهم. وكتب عُثْمانُ إلى عَليٍّ ﵄ يوم الدَّارِ في جُمْلَةِ كتابٍ: فَإِنْ كنْتُ مَأكولًا فكُن خَيْرَ آكِلٍ … وإلَّا فَأَدْرِكني وَلَمَّا أُمَزَّقِ (٥)

стр. 270

وَأَنْشَدَ بَعْضُ العَرَبِ قَصِيدةً لِبَعْضِ فصحائهم فأنْشَدَهُ أبياتًا ثم قال له: لا تُبْرِزْ كَلِمَتَك لا تَأْكُلْها هذه الأبياتِ. فَمُقْتَضَى الأمْرِ الإلهي: "يا مسكينَةُ ارفعي أجاجيرك (١) على أجاجير القرى" (٢)، فتَسَلَّطت المدينةُ على جميع الأمْصَارِ واسْتَوْلَتْ، وارْتَفَعَتْ على بُلْدانِ الأقْطارِ قَدْرًا واسْتَعْلَت، وقَهَرَ مَدَرُها كل بَلَدٍ ودان، وسَنَحَتْ على سائر بلادِ العالم … (٣) والأرْدان، فَسُمِّيَتْ لذلك أكَّالَةَ البُلدَانِ. الإيمانُ: ذكروهُ في أَسْماءِ المدينة مُحْتَجِّينَ بقوله تعالى، في الثَّنَاءِ على الأنْصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤) قال الزُّبَيْرُ: حدثني محمد بن الحسن عن محمد بن طلحة عن عثمان بن عبد الرحمن قال: "سمَّى الله المدينة الدَّار والإيمان". وَأَسْنَدَ عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: "سَمَّى اللّه تعالى المدينة الدار والإيمان" (٥).

стр. 271

وقال الزَّمَخْشَرِيُّ في تفسير الآية الكريمة: "ما معنى عَطْفِ الإيمانِ على الدَّار، ولا يُقَالُ: تَبَوَّؤوا الإيمان"؟ قُلْتُ: مَعْنَاهُ تَبَوؤوا الدَّار وأخلصُوا الإيمَانَ، كَقَوْلهِ (١): عَلَفْتُها تبنًا وماءً باردًا (٢) أو جَعَلُوا الإيمانَ مُسْتَقَرًّا ومستَوطَنًا لهم لِتَمَكُّنِهِم منه واسْتِقَامَتِهِم عَلَيْهِ، كما جعلوا المدينة كذلك. أو أرادَ دار الهِجْرَةِ ودار الإيمانِ، فأقام لام التَّعْرِيفِ في الدَّار مَقامَ المضَاف إليه، وَحَذَفَ المضافَ من دارِ الإيمان ووَضَعَ المضاف إليه. أو سَمَّى المدينة لأنَّها دارُ الهِجْرَةِ، ومكان ظُهُورِ الإيمانِ بالإيمان (٣). وقال القاضي البيضاوي (٤): قيل: سَمَّى المدينة بالإيمانِ لأنَّها مَظهَرُهُ وَمَصيرهُ (٥).

стр. 272

وقال الإمام فخرُ الدِّين (١): أو سَمَّى المدينة بالإيمانِ؛ لأنَّه ظَهَر مِنْها (٢). وقيل: هَذا من بابِ قَوْله: متَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا (٣) ومِنْهُ قولُه تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ (٤) أي: وَادْعُوا شُرَكاءكم (٥). وقيل: جَعَلَ تَمَكُّنَ الإيمانِ مِنْهُم واستقْرَارَهُ فِيهِم كأنَّ ذلِكَ مكان، كما قال سلمان (٦): أنا ابْنُ الإسلام. وقال القُرْطُبِيُّ (٧): يَجُوزُ أَنْ يَكُون تبوُّءُ الإيمانِ على طريقِ المثل، كما يُقَالُ: تَبَوَّأ مِنْ بني فلان الصَّمِيم. والتَّبَوُّءُ: التَّمَكّنُ والاستِقْرَارُ (٨).

стр. 273

وقال ابن عطية (١): معنى ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ (٢) معًا (٣). والإيمانُ: التَّصْدِيقُ. وَأَصْلُهُ مِنَ الأمَانِ؛ لأنَّ المُؤمِنَ إذا صدَّقَ ما جاءَ بهِ مُحَمَّد ﷺ ، وأقرَّ بِهِ، وعَمِلَ بِمَا أمَرَ، وانْتَهى عمَّا نَهَى، تورَّع عَنْ أمْوَالَ المُؤمِنِينَ وَدِمائِهِم وأَمِنُوه، وكانَ كُلُّ واحِدٍ في أَمانٍ منه، وكان هُو الذي أمَّنَهُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ لَه، وَيُقَالُ: آمَنَ به وَآمَن لَه، قال تعالى: ﴿يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ﴾ (٤) وقال : ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)﴾ (٥). قال النابِغَةُ (٦): والمُؤمِنُ العائِذاتِ الطَّير يَمْسَحُها … ركبانُ مَكَّةَ بين الغيلِ والسَّنَدِ (٧) أي: والله الذي أمّن الطَّيْر العائذات في الحرمِ. فالإيمانُ مُشْتَقٌّ مِنَ الأمَانِ، والإيمانُ التَّصْدِيقُ … (٨) وذكرَ أبو بَكر أَحْمَد بن مروان المالِكي الدينوري (٩) في كتاب "المحاسن"

стр. 274

من تَصنيفِهِ فقال: حدثنا إسماعيل بن يونُس ومحمد بن مهران، حدثنا عمرو بن ناجية حدثنا نُعيم بن سالم بن قنبر، مولى علي بن أبي طالب ﵁، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لَمَّا حَشَر الله تعالى الخلائق إلى بابِل بَعَث إليهم رِيحًا شَرْقِيَّةً وغَرْبِيَّةً وقبلِيَّةً وَبَحْرِيةً، فجَمَعَتْهُم إلى بَابِلَ فَاجْتَمَعُوا يَوْمَئِذٍ يَنْظُرون لما حُشِرُوا له، إذْ نادى منادٍ: مَنْ جعلَ المَغْرِبَ عَنْ يَمِينِهِ والمَشْرِقَ عَنْ يسارِهِ واقْتَصدَ البَيْتَ الحرامَ بِوَجْهِهِ فَلَهُ كلامُ أَهْلِ السَّماءِ، فَفَعَلَهُ يَعْرُبُ بن قَحْطان، فقيل لَهُ: يا يَعْرُب بن قَحْطان بن هُود أنت هُوَ، فكان أوَّل مَنْ تكلَّم بالعَرَبيَّة، ولم يَزَلْ المنادي ينادي: مَنْ فَعَل كذا وكذا فَلَهُ كذا وكذا، حتَّى افْتَرَقُوا على اثنين وثلاثين لِسَانًا (١)، وانقطَع الصوْتُ وتَبَلبلَتِ الألْسُن، فَسُمِّيت بابل. وكان اللِّسان يَوْمَئِذٍ بِلُغَتِهِم بابل (٢). وهَبَطَتْ ملائِكَةُ الخير والشَّرِّ، وملائِكَةُ الحياءِ والإيمانِ، وملائِكَةُ الصِّحَّةِ وملائِكَةُ الشَّقاء وملائِكَةُ الغِنَى وملائِكَةُ الشَّرَف، وملائِكَةُ المرُوءةِ وملائِكَةُ الجفاء، وملائِكَةُ الجَهْلِ وملائِكَةُ السَّيف، وملائِكَةُ البَأْسِ، حتَّى انْتَهوا إلى العراقِ، فقال بَعْضُهُم لِبَعْضٍ: افْتَرِقُوا. فقال مَلَكُ الإيمان: أَنا أَسْكُنُ المدينة (٣)، فقال مَلَكُ الحياء: وأنا معك، فَأَجْمَعَتِ الأمَّةُ على أَنَّ الإيمانَ والحياءَ ببَلَدِ رَسُولِ اللّه ﷺ . فقال مَلَكُ الشَّقاءِ: أنا أَسْكُنُ البادِيَةَ، فقال مَلَكُ الصِّحَّةِ: وأَنا معك فَأَجْمَعَتِ الأُمَّةُ على أَنَّ الشَّقاءَ والصِّحَّة في الأعراب. فقال مَلَكُ الجَفَاءِ: أنا أَسْكُنُ المَغْرِب، فقال مَلَكُ الجَهْلِ: وأنا معك، فَأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على أَنَّ الجَهَلَ والجَفَاءَ في البَرْبَرِ. فقال مَلَكُ السَّيْفِ: أَنا أَسْكُنُ الشَّام، فقال مَلَكُ البأْسِ: وأنا معك، وقال مَلَكُ

стр. 275

الغِنَى: أنا أُقِيمُ هاهنا، فقال مَلَكُ المروءةِ: وأَنا معك، فقال مَلَكُ الشَّرَفَ: وأنا مَعَكُما، فاجْتَمَعَ مَلَكُ الغِنَى والمُرُوءَةِ والشَّرَفِ بالعراق (١). البارَّةُ والبَرَّةُ: مِنْ قولهم: رَجُلٌ بارٌّ وبَرٌّ، وامْرَأةٌ بارَّةٌ وبَرَّةٌ، أي: كَثِير البِرِّ بالكسر، وهو الاتِّساع في الإحسان. وَرَجُلٌ بارٌّ بِأَبَوَيْه مُحْسنٌ إليْهِما (٢). وقال بَعْضهُم: البَرُّ - بالفَتْحِ - مَنْ تتوالى مِنْهُ أَعْمَالُ البِرِّ (٣). وامرَأةٌ برَّةٌ إذا كانَتْ مُتَفَضِّلَةً على أهلها بالإحسانِ وَحُسْنِ العِشْرَةِ لهم. سُمِّيتَ المدينَةُ بِهما لِبِرِّها إلى أَهْلها خُصُوصًا، وإلى جَمِيعِ العالم عُمُومًا، وَبِرُّها إلى أهلها من وُجُوهٍ مِنْها: كَثْرةُ المياهِ في قُنِيِّهَا (٤) وآبارها ومَسَايلِ أَوْدِيتها وأنهارِها، ثُمَّ بعُذُوبَةِ مائها، وقُرْبِ رشائها، وَحُسْن بنائها، ورواحِ رياحها، وانْصِلاحِ هوائها، وسَعَةِ فِنَائِها، وحُلُولِ ترابها من العِلَلِ مَحَلِّ دوائها، وشفاء أدوائها مع كثرةَ مَنازِهها ومَرَافِقها، وانتساق (٥) بساتينها وحدائقها، مَعَ البركَةِ النَّازِلَةِ في كُلِّ أَمْرِها لا سِيَّما في نَخْلِها وثمَرها، وحلاوةِ عنبها وتينها وخضرة بقولها ونضارة بساتينها. كُلُّ ذَلِكَ يُعَدُّ مِنْ بِرِّ البلادِ ويَتنزَّلُ مَنْزِلَةَ الآباءِ والأمَّهات للأولاد. ومنها: المَبَرَّةُ العُظْمَى والمَكْرُمَةُ الكُبْرَى، وذَلِكَ أَنَّها دارُ الهِجْرَةِ

стр. 276

المُحَمَّدِيَّةِ، وَمَحَلُّ ظُهُورِ أَنْوَارِ البَرَكات النَّبَوِيَّة، ومَنْبَعُ فيض بِحَارِ أَنْوارِ المِلَّةِ الإسلامِيَّة، دَارُ النَّصْرِ والانْتِصار، ومكان الظُّهُورِ والإظهار، مَهْبِطُ الملائِكَةِ المُقَرَّبين، وَفَلَكُ يَنْبُوع شُمُوس سَعَادات المُومِنين، دار الأحْبابِ الكِرَام، وَمَوْطِنٌ خَصَّهُ الله بالإجلالِ والإكرامِ، مَنْ نَزَل بجَنابها حَفَّتْهُ الخَيْرَات، ومَنْ حَلَّ بِبابِها شَمِلَتْهُ الأنْوَارُ والبَرَكات، فَهذِهِ الأمُوْرُ أَعْظَمُ المَبَرَّاتِ وَأَجَلُّ الحسناتِ. البَحْرَةُ والبُحَيْرَة: الأوَّل بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الحاء المُهْمَلَةِ، والثاني بِلَفْظِ تَصْغِير الأوَّل. ذكر هذَيْنِ الاسْمَيْن ياقوت الحموي في المُعْجَمِ الكبير، فقال في ترجمة بَحْرَةَ التي مِنْ أَعْمالِ الطائِفِ: والبَحْرَة أَيْضًا مِنَ أَسْماءِ مَدِينَةِ الرَّسول ﷺ والبُحَيْرَةُ أيضًا، مِن أَسْمائِها (١). والبَحْرَةُ: الأرْضُ والبَلْدَة، يُقَالُ: هَذِه بَحْرَتُنا، أي: أَرْضنا وَبَلْدَتنا (٢). وفي حَدِيثِ النبيِّ ﷺ أنّه لَمَّا عادَ سَعْدَ بن عبادَةَ ﵁، في مَرَضِهِ، وقَفَ في مَجْلِسٍ فيه عبد الله بن أُبَي بن [أبي] سَلُولٍ، فَلَمَّا غَشِيَتْ عُجَاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ عبد الله بن أُبي أَنْفَه ثُمَّ قال: لا تُغَبِّروا عَلَيْنا، فَوقَفَ رَسُولُ اللّه ﷺ ودعاهم إلى اللّه تعالى وقراءَةِ القُرْآن، فقال لَهُ عبد الله: أَيُّها المرْءُ، إنْ كانَ ما تَقُولُ حَقًا فلا تُوذنا في مَجْلِسِنا، وَارْجِع إلى أَهْلِكَ، فَمَنْ جاءَكَ منَّا فَقُصَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَكِبَ دابَّتَهُ حَتَّى دَخَل على سَعْدِ بن عبادة ﵁ فَقال: أي سَعْدُ؛ أَلَمْ تَسْمَعْ ما قال أبو حُبَابٍ قال كذا، قال سَعْدٌ ﵁: اعْفُ عنهُ واصْفَحْ، فَوَاللهِ لَقَدْ أَعْطاكَ الله الذي أَعْطاكَ، ولقد اصْطَلَح أَهْلُ هذه

стр. 277

البَحْرَة، (١) على أن يُتوِّجُوهُ، يَعْني يُمَلِّكوه، فَيُعَصِّبُوهُ بالعِصابَةِ، فَلمَّا رَدَّ اللّه تعالى ذلك عنه بالحقِّ الذي أَعْطَاكَهُ شرِقَ (٢) لذلك، فَذَلِكَ فَعَلَ به ما رَأَيْتَ، فَعفا عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ (٣). والبُحَيْرَةُ لَيْسَتْ بِتَصْغِيرِ بَحْرٍ، ولو كان تَصْغِيرَهُ لكان بُحَيْرٌ، ولكنَّهم أرادُوا بالتَّصغِيرِ حَقِيقَة الصِّغر، ثُمَّ أَلْحَقُوا بِهِ التَّأنيث على معنى أَنَّ المؤنَّثَ أَقَلُّ قَدْرًا مِنَ المُذَكَّرِ، وشَبَّهُوهُ بالمُتَّسَعِ مِنَ الأرْضِ. وأَمَّا اشْتِقاقُ البَحْرِ، فقال الخَلِيلُ: سُمِّيَ البَحْرُ بَحْرًا لاسْتِبحَارِهِ، وَهُوَ سَعَتُهُ وُانْبِسَاطه. ويُقَالُ: اسْتَبْحَرَ فلانٌ في العِلْمِ، وتَبَحَّرَ الرَّاعي في رِعْيٍ كثِيرٍ، وتَبحَّرَ في المالِ؛ كَثُرَ مالُهُ (٤). سُمِّيَتْ مَدِيَنةُ رَسُولِ الله ﷺ بالبَحْرَةِ وبُحَيْرَة، لكَوْنِها في مُتَّسَعٍ مِنَ الأرْضِ وَفُسْحَةٍ مِنَ الدِّيار، لا تَكْتَنِفُها الجبال والأطْوَاد، ولا تختنقها التِّلالُ والوِهَاد، بل واقعٌ في بَسيطٍ مِنَ الخُبوب كالكف ...... (٥) عَنْهُ مُنْدَفِعٌ مُتكَفٌّ (٦).

стр. 278

الجابِرَةُ والمَجْبُورَةُ: سُمِّيَت جَابِرَةً مِنْ قَوْلِهم: جَبَر الجابِرُ العَظْمَ المكْسُورَ جَبْرًا وجُبُورًا وجِبَارَةً، وَجَبَّرَه تَجْبِيرًا فَجَبَر العَظْمُ (١) بِنَفْسِهِ جَبْرًا، أَصْلَحَهُ فانْجَبَرَ، واجْتبَرَهُ فَتَجَبَّرَ. وَمِنْ (٢) جَبَرَ الفَقِيرَ يَجْبُرُهُ جَبرًا؛ إذا أَحْسَنَ إِلَيْهِ أَوْ أغْنَاهُ بَعْدَ فَقْرٍ فاسْتَجْبَرَ واجْتبَرَ. أو مِن جَبَرَهُ على الأمْرِ: أَكْرَهَهُ وأَلْزَمَهُ إياهُ (٣)، كأنَّها سُمِّيَتْ جابِرَةً لأنَّها تَجْبُرُ الكَسِيرَ بإرسانها (٤) وبميزاتها، وتُغنِي الفَقِيرَ بإحْسَانِها ومَبَرَّاتِها، أو لأنَّها تُجْبِرُ المُهَاجِرَ إليها على مطالَعَةِ آياتِها، والاستضاءةِ مِنْ شَمْسِ السَّعَادَةِ باقْتِباسِ إياتِها (٥). وأمَّا تَسْمِيَتُها بالمَجْبُورَةِ فلأَنَّ اللّه جَبَرها بكَشْفِ عَمَاها ونَقْلِ حُمَّاها، وتطييب قاعها وبِقَاعِها، وَإِضْعافِ البرَكَةِ في مُدِّها وصَاعها، إلى غَيْرِ ذلِكَ مِمَّا جَبَرَ الله تعالى بِهِ انْكِسَارَهَا، ويَسَّرَ بِهِ اعْتِسَارَها. وجَبَرها الله سُبْحانَهُ لَمَّا بَكَتْ وشَكَتْ إلى مَوْلاها، وانجزعت لِمْوتِ خَيْرِ الخَلْقِ واضْطَرَبَتْ لِبَلْوَاها، فأجابَها اللّه تعالى وَأَشْكاها، وجَبَرَها بِدَفْنِهِ ﷺ فيها وَأَزالَ شَكْوَاها، وضَمَّتْ تُرْبَتُها جَسَدَهُ الكَرِيمَ، واشَتَمَلَتْ بُقْعَتُهَا على أَعْظُمِ هذا النَّبِيِّ العظيم ﷺ ، فَتَاهَتْ بِذَلِكَ طَرَبًا وعَجَبًا، وسَحَبَتْ ذيل الافْتِخارِ على جِمِيعِ الآفاقِ والأقْطَارِ شَرْقًا وغَرْبًا، فَهِي بِهذا السِّرِّ الكريم مَسْرُورة، وحالها

стр. 279

على هذا اللطف بِأَعْظُمِها الشَّرِيفة مَجْبُورة. الحَبِيبةُ والمُحَبَّةُ والمُحَبَّبَةُ والمَحْبُوبَةُ: هذه الأسماءُ الأرْبَعَةُ من وادٍ واحدٍ، والحُبُّ والحُبَابُ بضمِّهِما الوِدَاد: [متى] أَلْقَ زِنْباعَ بْنَ رَوْحٍ بِبَلْدَةٍ … ليَ النِّصْفُ مِنْهُ يَقْرَع السِّنَّ مِنْ نَدَم (١) قُلْتُ: ولا على غير بيتين فيما ذكرهُ الزَّمَخْشَرِي (٢) وَهُما: تلكم قُرَيْشٌ تمناني لِتَقْتلَني … فلا وَرَبِّكَ ما بَرُّوا ولا ظَفِرُوا فإن هَلَكْت فرَهْنٌ ذِمَّتِي لَهُمُ … بذات رَوْمَين لا يعفو لها أَثِرُ (٣) والحِبُّ والحِبَاب، بِكَسْرِهما: المَحَبَّةُ والوِدَاد، يُقَالُ: أحَبَّهُ فهُوَ مَحْبُوبٌ، على غَيْرِ قياسٍ، ومُحَبٌّ على القِياسِ لكنَّهُ شاذٌّ. وحبَبْتُهُ أَحِبُّهُ (٤) أَشَدُّ، وَأَحْبَبْتُه واسْتَحْبَبْتُه بِمَعْنَى (٥). وحَبَّبَهُ إليَّ: جعلني أُحِبُّهُ. والحَبيبُ: المُحِبُّ، والحبيب أيضًا، والحُبَابُ بالضَّمِّ، والحِبُّ بالكَسْرِ: المَحْبُوَبُ. والحِبَّةُ بالكَسْرِ: الحَبِيبَةُ. سُمِّيَتْ بِهَذه الأسْماء لِقَوْلِ رَسُولِ ﷺ فيما رُوِّيناهُ مِن عندِ البخاري ومسلم في صحيحيهما والإمام مالك في مُوَطَّئِه عن عائِشَةَ ﵂ قالت: لما قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وُعِكَ أبو بَكْرٍ وبلال ﵄، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِما فقالت: يا ابن كَيْفَ تَجدُك؟ و [يا] بلال كيف تَجِدُك؟ قالت: فكان أبو بكر ﵁ إذا أخَذَتْهُ الحُمَّى يَقُول:

стр. 280

كلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ في أهْلِهِ … والمَوْتُ أدنى من شِرَاك نَعْلِهِ وكان بلالٌ ﵁ إذا أقلع يَرْفَعُ عَقِيرتَهُ وَيَقُولُ: ألا لَيْتَ شعري هَلْ أبِيتنَّ لَيْلَةً … بوادٍ وحوليَ إذْخِرٌ وجَلِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَومًا مياه مَجَنَّةٍ؟ … وهل يَبْدُوَنَّ لي شامَةٌ وطَفيلُ (١) قالت عائِشَة ﵂: فجِئْتُ رَسُول اللّه ﷺ فَأَخْبَرْتُه، فقال: "اللَّهُمَّ حَبِّب إلَيْنَا المدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أو أشدَّ، اللهُمَّ وصَحِّحْها وبارِكْ لنا في مُدِّها وصالحها، وانْقُل حُمَّاها فاجْعَلْها بالجُحْفَةِ (٢) " (٣). قال مالِك رَحْمَةُ الله عليه، وكان عامر بن فُهَيْرَة ﵁ يَقُول: كُلُّ امْرِئٍ مُقَاتِلٌ بِطَوْقِهِ … قَدْ ذُقْتُ طَعْمَ المَوْتِ قَبْلَ ذَوْقِهِ إنَّ الجَبانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ … كالثَّوْرِ يَحْمي جِلْدَهُ بِرَوْقِهِ (٤) وفي لَفْظٍ مِن عِنْدِ الزُّبير بن بكَّار، لمَّا قَدِمَ ﷺ وُعِكَ أَصْحَابُهُ فَخَرجَ يَعُودُ أبا بكْرٍ ﵁ فوجَدَهُ يَهْجُرُ فقالَ: يا رَسُول الله:

стр. 281

لَقَدْ لَقِيتُ المَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ … إنَّ الجبانَ حَتْفُه مِنْ فوقِه (١) قالت فَخَرَجَ ﷺ من عِنْدِهِ فدخَلَ على بلالٍ ﵁ فوجده يَهْجُرُ ويَقُولُ: ألا ليت شعري … البيتين، ثمَّ دَخَل ﷺ على أبي أحمد بن جحش ﵁ (٢) فوجده مَوْعُوكًا، فلمَّا جَلسَ إليه قال: واحَبَّذا مكَّةَ من وادِي … أرْضٌ بِها يَكْثُرُ عُوَّادِي (٣) أرْضٌ بِها تضْرَبُ أَوْتادي … أَرْضٌ بِها أهلي وأولادي أَرْضٌ بِها أَمشِي بلا هادي (٤) فَخَرَجَ رسول اللّه ﷺ وَدَعَا بأن يُنْقَلَ الوباءُ عَنِ المدينَةِ فَيُجْعَلَ بِخُمّ (٥). وفي لَفْظٍ: أتى ﷺ أبا بكرٍ ﵁ يَعُودُه فقال: لَعَمْرُكَ لولا الله أَصْبَحْت أشْتَكي … بِبَلْدة قومي حَيْثُ يَحْضُرُ عُوَّادي والله مَنْ عاش أو ماتَ مُسْلِمًا … فسيَّانِ سادٍ كان أو لم يسودي قالت ﵂: ولم يَقُل أبو بَكْرٍ ﵁ غير هذين البيتين، ولا عمر ﵁ غير بَيْتٍ واحد. والحُبَاب، بضَمِّها. لقول رَسُولِ الله ﷺ : "اللهُمَّ كما أخرجتني مِنْ أَحَبِّ أرْضِكَ إلي، فأسكَني في أحَبِّ أرْضِكَ إِليْك" (٦) فَبِمُقْتَضى هَذين الحَدِيثينِ هي

стр. 282

أَحَبُّ أَرْض الله إلى الله وإلى رسول الله ﷺ . وَرُوِّيْنَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ قال: لم يَكُن رَسُولُ اللّه ﷺ يَقْدمُ مِنْ سَفَرٍ فينظر إلى جُدْرات (١) المدينة إلَّا أَوْضَعَ (٢) دابَّتَهُ مِنْ حُبِّها (٣). الحَرَم: وَحَرَمُ رسول الله ﷺ [و] المُحَرَّمَةُ. الحَرَم، بفتح الحاء والرَّاء بِمَعْنَى الحرام: مِثْلُ زَمَنٍ وَزَمَانٍ، كأنَّهُ حرام انْتِهاكُهُ وصَيْدُهُ وخلاؤهُ وكذا وكذا. مِنْ حَرَمَه الشَّيءَ يَحْرِمُهُ، كَضرَبَهُ يَضْرِبُهُ. وحَرَمَهُ يَحْرَمُهُ، كعَلِمَهُ يَعْلَمُه، حِرْمَانًا وَحَرْمًا وَحَريمًا، وحَرِمًا وحَرِمَةً وحَرِيمَةً؛ إذا مَنَعَه، وأَحْرَمَهُ لُغَيَّة (٤).

стр. 283

وَمِنْهُ الحِرم (١) لأنَّهُ مَمْنُوع التَّناوُلِ. والبَلَدُ حِرْمٌ، بالكَسْرِ، وحَرَمٌ، بالتَّحْرِيك، وحِرام كبحار. والحَرَمُ مِنْ أسماءِ المدينة (٢)، والحَرَمَان مَكَّةُ والمدِينَة (٣)، وحَرَمُ رَسُوِل اللّه ﷺ مِنْ أسْماءِ مَكَّة ومَنْ أسْماءِ المدينَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : "مَنْ أَخَافَ أَهْلَ حَرَمِي أَخَافَهُ الله تعالى، وَمَنْ آذى أهل حرمي وأخافَهُم فَقَدْ أخافَه الله " (٤). وفي الصَّحِيحَينِ عَنْ عاصم بن سليمان (٥) قال: سألْتُ أنَسًا أحَرَّمَ رَسولُ اللّه ﷺ المدينة؟ قال: نعم، هي حرامٌ لا يُخْتَلَى خلاها فَمَنْ فعل ذلك فَعَلَيْهِ لعنة اللّه والملائكة والنَّاسِ أَجْمَعِين (٦). وفي لَفْظٍ مِن عِنْدِ مُسْلمٍ مِنْ حَدِيثِ أبي هُرَيرَةَ ﵁ يَرْفَعُهُ: "المدِينةُ حَرَمٌ (٧) فمَنْ أَحْدَثَ فيها حَدَثًا، أَوْ آوى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللّه والملائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِين لا يُقْبلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَدْلٌ ولا صَرْفٌ" (٨). وفي لَفْظٍ: "أهْوَى إلى المدِينَةِ فَقَالَ: إنَّها حَرَمٌ آمِن" (٩).

стр. 284

وعِنْدَ مالكٍ أن أبا أَيُّوب وَجَد غِلْمانًا قَدْ ألجَؤُوا ثَعْلَبًا إلى زاوِيةٍ فَطَرَدهم عَنْهُ. قال مالِكٌ: لا أَعْلَمُ إلَّا أنَّهُ قالَ: أفي حَرَمِ رسُولِ الله ﷺ يُصْنَع هذا (١). وعِنْدَ رُزين مِنْ حَدِيثِ جابِرٍ ﵁ يَرْفَعُهُ: "إنَّ إبراهيم ﵊ حَرَّمَ مَكَّةَ، وأَنا حَرَّمْتُ المدِينَةَ؛ ما بَينَ لابَتَيْها لا يُقْطَعُ عَضَاضُها (٢)، ولا يُصَادُ صَيْدُها" رواهُ مُسْلم مُخْتَصَرًا ومُطَوَّلًا (٣). والأحادِيثُ كَثِيرَةٌ قَدْ ذُكِرَت في بابِ فَضائِلِ المدِينَةِ فلتُنظرْ هناك، إن شاء الله تعالى. قال ياقُوتُ: الحرمَانِ بفتْحَتَيْن: مَكَّةُ والمدينة، والحِرْمانِ بالكَسْرِ: واديان باليَمنِ يُنْبِتَانِ السِّدْرَ والسَّلَمَ يَصُبَّانِ في بَطْنِ اللَّيثِ. والنِّسْبَةُ إلى الحَرَمِ: مُحَرَّكةً حِرْمِيٌّ، بِكسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الرَّاءِ، والأنْثَى حِرْميَّةٌ على غَيْرِ قِياس. ويُقَالُ في النِّسْبَةِ أيضًا: حُرْمِيٌّ، بالضَّمِّ، كأنَّهُمْ نَظَرُوا إلى حُرْمَةِ البَيْتِ، كذا حكاهُ المُبَرِّدُ في الكامِلِ (٤). وَحَرَمِي بالتَّحْرِيك: على الأصْلِ أيضًا، وأَنْشَدَ راوي الكَسْرِ: لا تَأوِينَّ لِحِرْمِيٍّ مَرَرْتَ بِهِ … يَوْمًا، ولو أُلْقِيَ الحِرْميُّ في النَّارِ (٥)

стр. 285

وقال في العين: إذا نَسَبُوا غَيْرَ النَّاسِ إلى الحَرَمِ قالوا: ثَوْبٌ حَرَمِيٌّ، بِفَتْحَتَيْنِ (١). وأمَّا ما جاءَ في الحديثِ: أن فُلانًا كانَ حِرْمِيَّ (٢) رَسُول الله ﷺ ، فَإِنَّ أَشْرَافَ العَرَب الذين كانُوا يَتَحَمَّسُونَ (٣) كانَ إذا حَجَّ أَحَدُهُم لم يأْكُل إلَّا طعامَ رَجُلٍ مِنَ الحَرَمِ، ولم يَطُفْ إلَّا في ثِيابه، وكانَ لِكُلِّ شريفٍ مِن أَشْرَافِ العَرَب رَجُلٌ مِن قريش يَخْتَصُّ بِهِ في ذلك وكُلُّ واحِدٍ مِنْهُما حِرْمِيُّ صاحِبه، كما يُقَالُ: كَرِيٌّ للمُكْرِي والمُكْتَرِي. وَحَرَمُ أيضًا بالتَّحرِيك: وادٍ [في] عارضِ اليمامَةِ مِنْ وراءِ أكمةٍ هُنَاكَ، بَيْنَهما وَبَيْنَ مَهَبِّ الجَنُوب. قال الحازِمِيُّ (٤): ويُروى بِكَسْرِ الرَّاءِ أيضًا. وقال غَيْرُهُ: كان أسَدٌ ضارٍ انْحَدَر في حرمٍ فَحَمَاهُ على أَهْلِهِ سنة، فَقَال الرَّاجِزُ: تَعْلَمنَّ الفاتِكَ الغَشَمْشَما … واحِدُ أمٍّ لَمْ تَلِدْهُ توأما أَضْحى بِبَطْنِ حرمٍ مُسَوَّما (٥) مسوَّم: أي سائم (٦). ويُروى بالأوجه الثلاثة قول ابن مقبل: (٧)
следующие страницы →