← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1172

المغانم المطابة في معالم طابة

الفيروزآبادي

Полный текст (1 351 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

لَقَدْ لَقِيتُ المَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ … إنَّ الجبانَ حَتْفُه مِنْ فوقِه (١) قالت فَخَرَجَ ﷺ من عِنْدِهِ فدخَلَ على بلالٍ ﵁ فوجده يَهْجُرُ ويَقُولُ: ألا ليت شعري … البيتين، ثمَّ دَخَل ﷺ على أبي أحمد بن جحش ﵁ (٢) فوجده مَوْعُوكًا، فلمَّا جَلسَ إليه قال: واحَبَّذا مكَّةَ من وادِي … أرْضٌ بِها يَكْثُرُ عُوَّادِي (٣) أرْضٌ بِها تضْرَبُ أَوْتادي … أَرْضٌ بِها أهلي وأولادي أَرْضٌ بِها أَمشِي بلا هادي (٤) فَخَرَجَ رسول اللّه ﷺ وَدَعَا بأن يُنْقَلَ الوباءُ عَنِ المدينَةِ فَيُجْعَلَ بِخُمّ (٥). وفي لَفْظٍ: أتى ﷺ أبا بكرٍ ﵁ يَعُودُه فقال: لَعَمْرُكَ لولا الله أَصْبَحْت أشْتَكي … بِبَلْدة قومي حَيْثُ يَحْضُرُ عُوَّادي والله مَنْ عاش أو ماتَ مُسْلِمًا … فسيَّانِ سادٍ كان أو لم يسودي قالت ﵂: ولم يَقُل أبو بَكْرٍ ﵁ غير هذين البيتين، ولا عمر ﵁ غير بَيْتٍ واحد. والحُبَاب، بضَمِّها. لقول رَسُولِ الله ﷺ : "اللهُمَّ كما أخرجتني مِنْ أَحَبِّ أرْضِكَ إلي، فأسكَني في أحَبِّ أرْضِكَ إِليْك" (٦) فَبِمُقْتَضى هَذين الحَدِيثينِ هي

стр. 282

أَحَبُّ أَرْض الله إلى الله وإلى رسول الله ﷺ . وَرُوِّيْنَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ قال: لم يَكُن رَسُولُ اللّه ﷺ يَقْدمُ مِنْ سَفَرٍ فينظر إلى جُدْرات (١) المدينة إلَّا أَوْضَعَ (٢) دابَّتَهُ مِنْ حُبِّها (٣). الحَرَم: وَحَرَمُ رسول الله ﷺ [و] المُحَرَّمَةُ. الحَرَم، بفتح الحاء والرَّاء بِمَعْنَى الحرام: مِثْلُ زَمَنٍ وَزَمَانٍ، كأنَّهُ حرام انْتِهاكُهُ وصَيْدُهُ وخلاؤهُ وكذا وكذا. مِنْ حَرَمَه الشَّيءَ يَحْرِمُهُ، كَضرَبَهُ يَضْرِبُهُ. وحَرَمَهُ يَحْرَمُهُ، كعَلِمَهُ يَعْلَمُه، حِرْمَانًا وَحَرْمًا وَحَريمًا، وحَرِمًا وحَرِمَةً وحَرِيمَةً؛ إذا مَنَعَه، وأَحْرَمَهُ لُغَيَّة (٤).

стр. 283

وَمِنْهُ الحِرم (١) لأنَّهُ مَمْنُوع التَّناوُلِ. والبَلَدُ حِرْمٌ، بالكَسْرِ، وحَرَمٌ، بالتَّحْرِيك، وحِرام كبحار. والحَرَمُ مِنْ أسماءِ المدينة (٢)، والحَرَمَان مَكَّةُ والمدِينَة (٣)، وحَرَمُ رَسُوِل اللّه ﷺ مِنْ أسْماءِ مَكَّة ومَنْ أسْماءِ المدينَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : "مَنْ أَخَافَ أَهْلَ حَرَمِي أَخَافَهُ الله تعالى، وَمَنْ آذى أهل حرمي وأخافَهُم فَقَدْ أخافَه الله " (٤). وفي الصَّحِيحَينِ عَنْ عاصم بن سليمان (٥) قال: سألْتُ أنَسًا أحَرَّمَ رَسولُ اللّه ﷺ المدينة؟ قال: نعم، هي حرامٌ لا يُخْتَلَى خلاها فَمَنْ فعل ذلك فَعَلَيْهِ لعنة اللّه والملائكة والنَّاسِ أَجْمَعِين (٦). وفي لَفْظٍ مِن عِنْدِ مُسْلمٍ مِنْ حَدِيثِ أبي هُرَيرَةَ ﵁ يَرْفَعُهُ: "المدِينةُ حَرَمٌ (٧) فمَنْ أَحْدَثَ فيها حَدَثًا، أَوْ آوى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللّه والملائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِين لا يُقْبلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَدْلٌ ولا صَرْفٌ" (٨). وفي لَفْظٍ: "أهْوَى إلى المدِينَةِ فَقَالَ: إنَّها حَرَمٌ آمِن" (٩).

стр. 284

وعِنْدَ مالكٍ أن أبا أَيُّوب وَجَد غِلْمانًا قَدْ ألجَؤُوا ثَعْلَبًا إلى زاوِيةٍ فَطَرَدهم عَنْهُ. قال مالِكٌ: لا أَعْلَمُ إلَّا أنَّهُ قالَ: أفي حَرَمِ رسُولِ الله ﷺ يُصْنَع هذا (١). وعِنْدَ رُزين مِنْ حَدِيثِ جابِرٍ ﵁ يَرْفَعُهُ: "إنَّ إبراهيم ﵊ حَرَّمَ مَكَّةَ، وأَنا حَرَّمْتُ المدِينَةَ؛ ما بَينَ لابَتَيْها لا يُقْطَعُ عَضَاضُها (٢)، ولا يُصَادُ صَيْدُها" رواهُ مُسْلم مُخْتَصَرًا ومُطَوَّلًا (٣). والأحادِيثُ كَثِيرَةٌ قَدْ ذُكِرَت في بابِ فَضائِلِ المدِينَةِ فلتُنظرْ هناك، إن شاء الله تعالى. قال ياقُوتُ: الحرمَانِ بفتْحَتَيْن: مَكَّةُ والمدينة، والحِرْمانِ بالكَسْرِ: واديان باليَمنِ يُنْبِتَانِ السِّدْرَ والسَّلَمَ يَصُبَّانِ في بَطْنِ اللَّيثِ. والنِّسْبَةُ إلى الحَرَمِ: مُحَرَّكةً حِرْمِيٌّ، بِكسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الرَّاءِ، والأنْثَى حِرْميَّةٌ على غَيْرِ قِياس. ويُقَالُ في النِّسْبَةِ أيضًا: حُرْمِيٌّ، بالضَّمِّ، كأنَّهُمْ نَظَرُوا إلى حُرْمَةِ البَيْتِ، كذا حكاهُ المُبَرِّدُ في الكامِلِ (٤). وَحَرَمِي بالتَّحْرِيك: على الأصْلِ أيضًا، وأَنْشَدَ راوي الكَسْرِ: لا تَأوِينَّ لِحِرْمِيٍّ مَرَرْتَ بِهِ … يَوْمًا، ولو أُلْقِيَ الحِرْميُّ في النَّارِ (٥)

стр. 285

وقال في العين: إذا نَسَبُوا غَيْرَ النَّاسِ إلى الحَرَمِ قالوا: ثَوْبٌ حَرَمِيٌّ، بِفَتْحَتَيْنِ (١). وأمَّا ما جاءَ في الحديثِ: أن فُلانًا كانَ حِرْمِيَّ (٢) رَسُول الله ﷺ ، فَإِنَّ أَشْرَافَ العَرَب الذين كانُوا يَتَحَمَّسُونَ (٣) كانَ إذا حَجَّ أَحَدُهُم لم يأْكُل إلَّا طعامَ رَجُلٍ مِنَ الحَرَمِ، ولم يَطُفْ إلَّا في ثِيابه، وكانَ لِكُلِّ شريفٍ مِن أَشْرَافِ العَرَب رَجُلٌ مِن قريش يَخْتَصُّ بِهِ في ذلك وكُلُّ واحِدٍ مِنْهُما حِرْمِيُّ صاحِبه، كما يُقَالُ: كَرِيٌّ للمُكْرِي والمُكْتَرِي. وَحَرَمُ أيضًا بالتَّحرِيك: وادٍ [في] عارضِ اليمامَةِ مِنْ وراءِ أكمةٍ هُنَاكَ، بَيْنَهما وَبَيْنَ مَهَبِّ الجَنُوب. قال الحازِمِيُّ (٤): ويُروى بِكَسْرِ الرَّاءِ أيضًا. وقال غَيْرُهُ: كان أسَدٌ ضارٍ انْحَدَر في حرمٍ فَحَمَاهُ على أَهْلِهِ سنة، فَقَال الرَّاجِزُ: تَعْلَمنَّ الفاتِكَ الغَشَمْشَما … واحِدُ أمٍّ لَمْ تَلِدْهُ توأما أَضْحى بِبَطْنِ حرمٍ مُسَوَّما (٥) مسوَّم: أي سائم (٦). ويُروى بالأوجه الثلاثة قول ابن مقبل: (٧)

стр. 286

حَيّ دَار الحَيّ لا دَارَ بِهَا … بِأَثَال فَسَخَال فحرم (١) وعَنْ كَعْبِ بن مالِكٍ ﵁ قال: "حَرَّمَ رسُولُ اللّه ﷺ الشَّجَرَ بالمدينَةِ بَرِيدًا في بَرِيدٍ (٢). وَأَرْسَلَنِي فَأَعْلَمْتُ على الحرم؛ على شَرَفِ ذاتِ الجَيْشِ، وعلى مُشَيْرِب، وعلى أَشْرَاف المجتهر وعلى يتيب" (٣). وعَنْ كَعْبٍ أيضًا قال: "بَعَثنِي رسول اللّه ﷺ أُعَلِّمُ على أَشْرَافِ حَرَمِ المَدينة فَأَعْلَمْتُ على شَرَفِ ذاتِ الجَيْشِ، وعلى مُشَيْرِب، وعلى أشْرَافِ مَخِيْضٍ، وعلى الحَفْيَاءِ، وعلى ذي العُشَيْرَة، وعلى يتِيب". فأمَّا ذَاتُ الجَيْشِ (٤): فَنَقْبُ ثَنِيَّةِ الحَفِيرةِ مِنْ طَرِيق مَكَّة والمدِينَة. وأمَّا مُشَيْرِب: فما بين جبالٍ في شامِيِّ ذاتِ الجَيْشِ بَيْنَها وبَيْنَ خلائِقِ الضَّبوعَةِ (٥).

стр. 287

وأمَّا أَشْرَافُ مَخِيضٍ (١): فَجِبَالُ مخيض مِنْ طريقِ الشام. وأمَّا الحفياء (٢): بالغَابَةِ شامِيّ المدَينَةِ. وأمَّا ذو العُشَيْرَة (٣): فَنَقْبٌ في الحفياء. وأمَّا يتِيبُ: فَجَبَلٌ شرقِيُّ المدِينَةِ. وذلِكَ كُلُّه يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ بَرِيدًا في بَريدٍ. وعَنْ جَابرٍ ﵁ يرفَعُهُ: "كُلُّ دافِعَةٍ (٤) دُفِعَتْ (٥) علينا مِنَ التِّلاع (٦) فَقَدْ حَرَّمْتُها أَنْ تُعْتَضَدَ أو تُخْبَط أو تُقْطَعَ إلَّا لِعُصْفُورِ قَتَبٍ (٧)، أو مَسَدِ محالةٍ (٨)، أو عَصا (٩) حَدِيدَةٍ" (١٠).

стр. 288

وعَنْ كعب بن مالِكٍ ﵁ قال: "إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حمى الشَّجَرَ ما بَيْن المدِينَةِ إلى وَعِيرة، وإلى ثَنِيَّةِ المحدث، وإلى أَشْرَافِ مَخِيض، وإلى ثنية الحَفْياء، وإلى مَضْرِب القُبَّة، وإلى ذات الجيش، من الشَّجر أَنْ يُقَطَع، وَأَذِنَ لهم في مَتاعِ الناضِحِ (١) أن يُقْطَعَ مِنْ حِمَى المدينة" (٢). وعَنْ سُلَيْمانَ بن الحكم قال: "إِنَّ رَسُولَ اللّه ﷺ نَزَلَ بِمَضْرِبِ القُبَّة فقال: ما بيني وبَيْنَ المدِينَةِ حِمىً لا يُعْضَدُ شَجَرُه، فقالوا: إلَّا المَسَدَ، فأذِنَ لهم في المَسَدِ" (٣). قال الشيخ جمال الدين المطري: ليس مَضرِبُ القُبَّة معروفًا، ولا يعلم في أَيِّ جهَةٍ هُوَ مِن جِهاتِ المدِينَةِ الشَّرِيفَةِ، واللّه أعلم (٤). والذي يَظْهَرُ ما بَيْنَ ذاتِ الجَيْشِ مِن غَرْبيِّ المدِينَةِ إلى مَخِيض. وجبل مخيض ذكرناهُ في حرف الميم من الباب الخامس (٥).

стр. 289

وعَنْ أبي سعيد الخُدْرِيِّ ﵁ قال: "بَعَثَتْني عمَّتي ﵂ إلى رَسُولِ الله ﷺ تَسْتَأْذِنُهُ في مَسَدٍ، فقال رسول اللّه ﷺ : أَقْرِ عَمَّتَك السَّلامَ وَقُل: لو أَذِنْتُ لكم في مَسَدٍ طَلَبْتُمْ مِيزابًا (١)، ولو أَذِنْتُ لكم في ميزابٍ طَلَبْتُم خَشَبَةً" ثُمَّ قال ﷺ : "حِمايَ من حيث انتسَقَت (٢) بنو فَزَارة (٣) لِقاحِي" (٤). وروى الزُّبَيْرُ مَرْفوعًا إلى النَّبِيِّ صلّى لله عليه وسلّم: "ما على أحدكم لو أخذ مَرْتَعَتَهُ فخَبَطَ على ناضحه أو … (٥) يعني في الحمى". وَرُوي عن عَدِيِّ بن زَيْدٍ ﵁ قال: "إنَّ رَسُولَ اللّه ﷺ حَرَّم شَجَر المدينَةِ بَرِيدًا في بَرِيدٍ، وأَذِنَ لَهُم في المَسَد والمنْجَدَةِ ومتاعِ النَّاضِحِ أن يُقْطَع منه". والمنجدة: عصى الناضِح. وعن زيد بن أَسْلَم ﵁ يَرْفَعُهُ: "مَنْ وجدتموهُ تقْطَعُ مِنْ حِمَى المدينةِ شيئًا رَطْبًا فَلَكُم سَلَبُهُ". يعني الرَّطْبَ مِنَ الشَّجَرِ. وعن الحارث بن أبي ذباب ﵁ قال: "إنَّ رسول اللّه ﷺ أرخَصَ لصاحِبِ البَعيرِ المعْيي (٦) أن يَخْبِط على رَأسِهِ، ولم يُرَخِّص في الخَبْطِ إلا للبَعيرِ المعصي".

стр. 290

وعَنْ زيد بن أَسْلم ﵁ يَرْفَعُهُ: "مَنْ وجدتموه قَدْ قطع مِنَ الحِمَى شيئًا فاسلُبُوه واضْرِبُوه". وعن جابِرٍ ﵁ قال: كُنَّا لَنَسْمَعُهُ يتقي قطع شيءٍ مِن الحِمَى حتى المَسَدَ للمَحالة. وعن مالِكٍ عن أبي محمد بن يزيد ﵁ قال: "إنَّ رَسُول اللّه ﷺ نَظَرَ إلى رَجُلٍ يَخْبِطُ على غَنَمٍ، فَبَعَثَ فارِسَيْنِ فأمَرَهُما أنْ يَسُوقاهُ وغَنَمَهُ سَوْقًا رَفيقًا حَتَّى يُخْرِجاهُ وغَنَمَهُ، وقال عِنْدَ ذَلِكَ: هُشُّوا وارْعَوا". قال مالِكٌ ﵀: حَرَّم الشجَرَ بريدًا في بَرِيدٍ. قلت: (١) هل لِتَخْصيصِ هذا القَدْرِ المُعَيَّن بالحُرْمَةِ سِرٌّ يُمْكِنُ اتضْاحُهُ أم لا؟ قلت: نَعَم يُمْكِنُ أن يُقال: إنَّما خَصَّ رَسُول اللّه ﷺ المِقْدَارَ المُعَيَّنَ المَعْلُومَ بالحُرْمَةِ بمُقْتَضَى امْتِثَالِ الأمْرِ الإلهي، واتِّباع الوَحْي الرَّبَّاني الذي نزل عَلَيْهِ بِتَعْيينِ ذلكَ. أو لما شاهَدَهُ ﷺ مِنْ أمْرٍ ربَّانيٍّ وسِرٍّ روحانيٍّ مُوجَّهٍ إلى تلْكَ البِقَاع، فَكانَ منتهاها تِلْكَ الحُدودِ، التي عَيَّنها ﷺ . ويذكر أَهْلُ الكَشْفِ والشُّهود أنَّهم يُشَاهِدُونَ تلْكَ الأنوار واصلة إلى حُدُود الحَرَم، ولها منابع تنبع منها وتكونُ عنها. وذلك في الحَرَمَيْنِ جَمِيعًا. فَتِلْك الأحكَامُ الظَّاهِرة ناتِجَةٌ عَنْ تلْك الحقائِق الباطِنَةِ وأَدلَّةٌ عليها (٢). تُمَّ اعْلَم أن العُقُولَ البَشَرِيَّةَ عُمُومًا قاصرة عن إِدْرَاكِ حَقِيقَةِ معنى الأحكام المُتَلَقَّاةِ عن النُّبُوَّةِ، لأنَّها وارِدَةٌ عن طَوْرٍ فَوْق العُقُولِ البَشَرِيَّةِ، وإِنَّما تَظْهَرُ لائحِةً من أَنْوارٍ شوارقُ مطالِعِها مخصوص من ضنائن اللّه

стр. 291

تعالى (١)، وذلك بإدراكِ القُلُوب الرَّبَّانِيَّةِ والفُهُومِ الإيمانِيَّةِ، لا بالأفكار العَقْلِيَّةِ والنُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ. وَلِذَلك يرى أَهْلُ التَّوقيفِ مِنْ عُلماءِ الظَّاهِرِ إذا مَرُّوا بشيءٍ مِنْ ذلِكَ أَضْرَبُوا عن الخوض في سَبيله، وتَجَنَّبُوا طُرُقَ تَعْلِيلِهِ، وتَلَقَّوْهُ حُكْمًا مَقْبُولًا عن اللّه تعالى ورَسُولهِ، فافتَخَرُوا بِقَبُولهِ، ومَنْ أراد غَيْرَ ذلِكَ لم يَبْرَحْ في تحيُّره وخموله. وقد ذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ في تحديد حرمِ مكَّة مَعْنىً آخَر، وَهُوَ أن الحجرَ الأسْوَدَ لَمَّا أُهْبِطَ مِنَ الجَنَّةِ، وكان أَبْيَضَ صَافِيًا لَمَّاعًا يَبْهَرُ ضِياءً وشُعَاعًا، انْتَشَر نُورُهُ، فَبَلَغَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ مَبْلَغًا وَمَحَلًا صيَّر اللّه تعالى ذلك حَدًّا لحرمه، وأمَرَ آدم ﵇ أنْ يَخُطَّ عَليه بَيَانًا لِشَرفِهِ (٢). وذكرِ النَّقَّاشُ وَجْهًا آخَر، وَهُوَ أنَّ آدم ﵊ لَمَّا أُهْبطَ إلى الأرْضِ وتَغيَّرَتْ أَحْوَالُه واعْتَرَتْهُ المُكَدِّرات مِنْ أمُورِ هذه الدَّار المَدِرةُ الكَدِرة، شكا إلى اللّه تعالى شَعَثَ رَأْسِهِ وَطُولَ شَعْرِه، فأتاهُ جبريلُ ﵊ بالحَجَرِ الأسْوَدِ، وَأَمَرَهُ حتَّى أمَرَّهُ على رأسه فانْحَلَقَ شَعْرُه، وأمر اللّه تعالى الرِّياحَ فَفَرَّقَتْهُ حتَّى صيَّرَتْهُ في جوانِبِ البَيْتِ على بُعْد، ثُمَّ أَمَرَ جبريل ﵇، أَنْ يَخُطَّ بجناحِهِ على مَرَاتِعِ الشَّعر، وكان ذَلِكَ تَحْدِيدًا للحرم. والذي يُفْهَمُ مِنْ معنى الحرم بِحَسَبِ الظَّاهِر: التزامُ ما أَثْبَتَ اللّه تعالى له من الأحكام، ثُمَّ اغْتِنَامُ ما خَصَّهُ بهِ مِنَ البركاتِ وتَضْعِيفِ الحَسَنَاتِ، وانتهازِ ما يَجدُهُ المُؤمِن عِنْدَ صَيرُورَتِهِ في ذَلك المعنى، وحلوله في ذلك المَحَلِّ الأشْرَفِ الأسْنى، مِن الخيرات الظَّاهِرَةِ، والأنوارِ الباهِرَةِ، والأمور الغريبةِ التي يَكِلُّ اللِّسانُ عن عبارتها وتَقْرِيرِها، ويَمَلُّ البيان عن الإتيان بِقَلِيلٍ مِن كثيرها.

стр. 292

حَسَنَة: بفَتْحِ الحاءِ والسِّين والنُّون. ذكرَهُ جماعَةٌ منْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ والحديِثِ مُحْتَجِّين بِقَوْلهِ تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ (١). قال المُفَسِّرون: معناهُ مباءَة حَسَنة وهي المدِينَة (٢). وقيل: نبوِّأنَّهُ حَسَنة، وهي في المدينة. وقيل: حَسَنَةٌ اسمٌ للمدِينَةِ (٣). وعلى هذا كان يَجبُ مَنْعُهُ مِنَ الصَّرْفِ كما هو في حَسَنَةَ؛ اسْمُ قريَةٍ مِنْ قرى إصطَخْر، يُنْسَبُ إليهَا الحَسَنُ بن مُكْرَم الإصطخري الحسني، أَحَدُ مَشاهِيرِ المُحَدِّثين (٤). وكما في حَسَنَة اسم جبال بَيْنَ صَعْدَة وَعَثَّر مِنْ أَرضِ اليمن، عن نصر (٥). والحَسَنَةُ لُغَةً: ضد السَّيِّئة، والحَسَنَةُ أيضًا: تأنيث الحسن، من حَسُنَ المَدْخَل يَحْسُنُ المدخل، كَكَرُمَ يَكْرُمُ. وحَسَنَ يَحْسُنُ. كنَصَرَ يَنْصر، فَهُوَ حاسِنٌ وحَسَنٌ وحَسِيْنٌ وحُسَان، وحُسَّانٌ. وهي حسناءُ وحَسَنَة وحُسَّانة. وإِنَّما سُمِّيَت المدينَةُ حَسَنَة لأنَّ الحُسْنَ يكونُ صُورِيًّا ويكون مَعْنَوِيًّا. والصُّورِي (٦): عبارة عَنِ الجمالِ الظَّاهِرِ المَحْسُوس بِحُسْنِ الناظر، وذلك في المدينة والأمْصَارِ إنَّما يكُونُ بِارْتفاع مبانيها، واتِّساعِ مَغَانِيها، وكثرةِ مُتَفَرَّجاتها، ولُطْفِ مُتنزَّهاتِها، وإِحْداقِها بالبَسَاتين، وإرفاقِها بالفَواكِهِ والرَّياحِين، وما شاكَلَ من الجمالِ الباهِرِ والحُسْنِ الظاهر. والمَعْنَوِيُّ: فعلى قِسْمَيْن؛ أَحَدُهُما: يَرْجِعُ إلى دُنْيَوِي، كحنينِ الأبناء، وَطِيبِ الماءِ، وَلُطْفِ الهَوَاءِ، وَدَوامِ الرَّخَاءِ وما يُضَاهِيها.

стр. 293

وثانِيها: يَعْطِفُ إلى أمْرٍ ديني؛ كتَضاعُفِ الحَسَنَاتِ، وتوالي البركات، وإجابَةِ الدَّعوات، وكَثرةِ المشاهِدِ المُتَبرَّكاتِ، والمزاراتِ المَقْصُودات (١)، وما شاكل ذلك مِنَ الخَيْراتِ الأخرويات. والمدينَةُ قد جَمَعَتْ، بِحَمْدِ اللّه تعالى، أَكْثَر هذه المحامِد والميامِن، وَحَوَتْ غالِبَ هذه المفاخِرِ والمَحَاسِن. فإن اعْتَرَضْتَ بِقِلَّةِ الرَّخاء، وقُلْتَ: لَيْسَ بينَهُ وبَيْنَ هذا المَحَلِّ المُقَدَّسِ إخاء، وإنَّ الغالِب عليه القِلَّةُ والغلاء، والعُدْمُ الذي هُوَ لِقُطَّانِ الأوْطَانِ أمَرُّ من الأَلاءِ (٢)، أُجيبَ بأنَّ شَأْنَ المدِينَةِ عَجِيبٌ في ذلك لِمَن تأمَّل، وصرف رَوِيَّتَهُ إلى تَحْقِيقِ ذلِكَ وأَعْمل. وَذَلِكَ أن أَمْرَها في الرَّخاءِ والقَحْطِ على طريقِ التَّوَسُّطِ بَيْنَ

стр. 294

الإفْراطِ والتَّفْرِيط على أَحْسَنِ لُقَم (١)، وعلى قاعدِة الاعْتِدالِ بَيْنَ السَّعَةِ والضِّيق، والوجدان والعُدْم. يُوجَدُ بِها غلاءٌ مُعْتَدِلٌ في غالِبِ الأزْمانِ، وهي من القَحْطِ المَحْكِيِّ عنه في سائِر البُلْدانِ في أمان، لم يُسْمَع قَطُّ فيما حكاه أرباب التَّوَاريخ [أنَّهم] أسْنَتُوا (٢) حَتَّى أكلوا سَنَانِيرهم وكلابَهُم، أو أكَلُوا أولادَهُم وَأَحْبَابَهُم وأَصْحَابَهُم، فأفضْىَ أكل بَعْضِهِم بَعْضًا إلى أن خَلَتْ من السُّكانِ، وَعَرِيَ عَنِ الإنْسانِ كُلُّ دارٍ وكُلُّ دكَّان، كما اتَّفقَ لِمِصْرَ والشَّام والعِرَاقِ وغيْرِها من سائرِ الأقْطارِ والآفاقِ. هذه مِصرُ أرْخى بلادِ الدُّنيا على الإطلاقِ، وأكثر مُدُنِ العالم ضَرْعًا وزَرْعًا بالاتِّفاق، كم مَرَّةٍ أَصَابَتْها مَرَارَةُ الغلاء، فَنَزل على أَهْلِها أَعْظَمُ أنْوَاعِ البلاء، كم أمٍّ بَرَّةٍ شوَتْ واحِدَها وَأَكَلَتْ، وكم بنْتٍ حُرَّةٍ ذبَحَتْ والِدَها وعن أَكْلِهِ ما نكَلَتْ. كان الرِّجَالُ على المناظِرِ (٣) بأَيْدِيهم خَطاطيفُ يَنْتَظِرُونَ المارَّةَ، وأرْزَاقُهم مِنْ لُحُومِ عابِرِي الطَّرِيقِ عليهمَ دارَّة. ذَهَبَ عَنِ المَلِكِ والمُلْكِ الاتِّساقُ والانْتِظام، حتَّى إذا نَزَلَ المَلِكُ عَنْ فَرَسِهِ لم يَخْرُجْ إلَّا إلى كَومِ عظام. ومَدِينَةُ رَسُولِ اللّه ﷺ مع شُسُوعها (٤) عن البُلْدَانِ، عن أمثالِ ذلك مَحْفُوظَةٌ، وعظائم المصائب المجنحة عن شريف جنابها مَرْفوضة (٥)، وبِعَيْنِ العناية الربَّانيةِ في كُلِّ الأوْقاتِ الزمانِيَّةِ مَنْظُورَةٌ مَلْحُوظَة. الخَيْرَةُ والخيِّرة: بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْر المُثنَّاةِ التَّحْتِيَّة المُشَدَّدة وراءٍ وهاءٍ،

стр. 295

الكَثِيرةُ الخَيْرِ، ويَجُوزُ تخَفْيِف يائها. قال أَهْلُ اللُّغَةِ: الخَيْرُ والخَيْرَةُ بِسُكُونِ الياءِ فيهِما، والخَيِّرُ والخَيِّرَةُ بِتَشْدِيد الياءِ فيهما: بِمَعْنَى، وهو الكَثِيرُ الخَيْرِ (١). وقيل: الخَيْرُ والخَيِّرَةُ بالتَّخْفِيفِ يُسْتَعْمَلُ في الجمالِ والمِيسَمِ، والخَيِّرُ والخَيِّرَةُ بالتَّشدِيد يُسْتَعْمَلُ في الدين والصَّلاح (٢)، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ. وإذا أَرَدْتَ التَّفْضِيل قُلْتَ: فلانٌ خِيْرَةُ النَّاس بالهاء (٣) وفلانة خَيْرُ النَّاس بلا هاءٍ. وَهَل (٤) يُقَال: فلانةُ الخيْرَةُ مِنَ المرأتَيْنِ. سُمِّيَتْ بِها لقوله ﷺ : "المدِينَةُ خَيْرٌ لَهُم لو كانوا يَعْلَمُون". وعِنْدَ مُسْلِمٍ من حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: إنَّ رَسُول اللّه ﷺ قال: "ليأتِيَنَّ على النَّاس زَمَانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ قَرِيبَهُ وابْنَ عَمِّه هَلُمَّ إلى الرَّخاءِ، هَلُمَّ إلى الرَّخاءِ، والمدينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لو كانوا يَعْلَمُون، والذي نَفْسي بيَدِه، لا يَخْرُجُ مِنْهُم أحَدٌ رَغْبَةً عنها إلَّا أَخْلَفَ اللّه تعالى فيها خيرًا مِنْه، ألا وإِنَّ المدِينَةَ كالكِيرِ تُخرِجُ الخَبيثَ (٥)، لا تقَوُمُ السَّاعَةُ حتَّى تنفيَ المدَينَةُ شِرارها،

стр. 296

كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ" (١). وعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ في صحِيحَيْهِما، ومالِكٍ في المُوطَّأ من حَدِيث سُفْيانَ بن أبي زهِيرٍ يرفعه: "تُفْتَحُ اليَمَنُ، فَيَأْتي قَوْمٌ يَبُسُّون (٢) فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِم وَمَنْ أطاعَهُم، والمدِينَةُ خَيْرٌ لَهُم لو كانوا يَعْلَمُون، وتُفْتَحُ الشَّام، فَيَأْتي قَوْم يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِم وَمَنْ أطاعَهُم، والمدِينَةُ خَيْرٌ لَهُم لَوْ كانوا يَعْلَمُون، وتُفْتَحُ العِرَاقُ، فَيَأتي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِم وَمَنْ أطاعَهُم، والمدِينَةُ خَيْرٌ لهم لَوْ كانوا يَعْلَمُون" (٣). الدَّار، دارُ الأبْرَارِ، دارُ الأخْيارِ، دارُ الإيمانِ، دارُ السُّنَّةِ، دارُ الفَتْح، دارُ الهِجْرَةِ، أَرْضُ الهِجْرَة. أَمَّا الدَّارُ فَقَدْ نَطَقَ بِها التنزيلُ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ (٤). رُوِّينا عن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب ﵄ أنَّهُ قال: سَمَّى اللّه تعالى المدينَة الدَّارَ والإيمان. وعَنْ عثمان بن عبد الرحمن ﵁ قال: سَمَّى اللهُ المدينَةَ الدَّار والإيمان. وقد تقَدَّم في الإيمانِ إشارَةٌ إلى تَفْسِيرِ الآية (٥).

стр. 297

والدَّارُ في أصلِ اللُّغَةِ: المَحَلُّ الذي يَجْمَعُ البناءَ والعرَصَة. وهي مؤنَّثَةٌ وقد تُذَكَّرُ (١). وتُجْمَعُ على أَدْيُر وأَدْوُر، وآدُر، ودِيَارٌ، وَدِيارَةٌ، وَدِيارَاتٌ، وَدِيران وَدُورانٌ، وَدُوراتٌ، وَأَدْوارٌ، وَأَدْوِرَةٌ. والدَّار أيضًا: البَلَدُ. والدَّار أيضًا: القَبِيلَةُ (٢). والدَّارَةُ بِهاءٍ: كُلُّ أرْضٍ واسِعَةٍ بَيْنَ جبالٍ. وداراتُ العَرَب المَعْرُوفَةِ قَدْ عُنِي بجَمْعِها جماعَةٌ مِمَّنَ رَحَلَ وجالَ ولَقِي الرِّجَال، ولمْ يظْفَرْ أَحَدٌ مِنْهُم بقرابِ ما ظفَّرني بِها التَّوفِيق، فَرَأَيْتُ سَرْدها وَإيرادها وَإِنْ كان بِمَعْزِلٍ عن مغزانا مِمَّا هُوَ بالإيرادِ حَقِيقٌ، وهي: دارَةُ أُحُد، دارَةُ الآرام، دارَةُ أبْرَق، دارَةُ الأرْحَام، دارَةُ الأسْوَاط، دارَةُ (٣) الأكوار، دارَةُ الإكْلِيلِ، دارَةُ أَهْوى، دارَةُ باسِلِ، دارَةُ بحثر، دارَةُ بَدْوَتيْن، دارَةُ البَيْضَاء، دارَةُ التُّلَى، دارَةُ تِيَلٍ، دارَةُ الثَّلْمَاءِ، دارَةُ الجَأب، دارَةُ الجَثُوم، دارَةُ جُدَّى، دارَةُ جُلْجُل، دارَةُ الجُمُد، دارَةُ جَوْدَات، دارَةُ الجولاء، دارَةُ الخنازير، دارَةُ خَنْزَرٍ، دارَةُ الخَنْزَرتين (٤)، دارَةُ الخِنْزِيرَيْن، دارَةُ خَوٍّ، دارَةُ دَمْخٍ، دارَةُ دَمُّون، دارَةُ الدُّور، دارَةُ الذِّئْبِ، دارَةُ الذُّؤيب، دارَةُ رابِغٍ، دارَةُ الرَّدْمِ، دارَةُ الرَّجْلَيْن، دارَةُ رَدْهَة، دارَةَ رَفْرَفٍ، [أو] دارَةُ زُفْرُفٍ، دارَةُ الرُّمْحِ، دارَةُ رِمْرِمٍ، دارَةُ الرُّهى، دارَةُ رَهْبَى، دارَةُ

стр. 298

سَعْرٍ (١)، دارَةُ السَّلَم، دارَةُ شُبَيْثِ، دارَةُ شجى، دارَةُ صارَةٍ، دارَةُ الصَفائِح، دارَةُ صُلصُل، دارَةُ صَنْدَلٍ، دارَةُ عَبْسٍ، دارَةُ عَسْعَسٍ، دارَةُ عُوَارِضٍ، دارَةُ عُوَارِمٍ، دارَةُ العُوجِ، دارَةُ عُوَيج، دارَةُ الغُمَيْرةُ، دارَةُ غُبَيْرِة، دارَةُ الغُزَيِّل، دارَةُ الفُرُوع، دارَةُ القِدَاحِ (٢)، دارَةُ قِرْحٍ (٣)، دارَةُ القُطْقُطِ (٤)، دارَةُ فَتْكٍ، دارَةُ القَلْتِينَ، دارَةُ قَوٍّ، دارَةُ القَمُوصِ، دارَةُ كامِسٍ، دارَةُ كِبْدٍ، دارَةُ كَبْسات، دارَةُ الكَوْر، دارَةُ لاقِطٍ، دارَةُ مَأْسَلٍ، دارَةُ مُتَالِعٍ، دارَةُ المَثامِنِ، دارَةُ مِحْصَنٍ، دارَةُ المَرَاضِ، دارَةُ المَرْدَمَةِ، دارَةُ المَرُوْرَات، دارَةُ مَعْرُوفٍ، دارَةُ مُعَيْطٍ (٥)، دارَةُ المَكامِنِ، دارَةُ مكْمَنِ، دارَةُ مَلْحُوبٍ، دارَةُ المَلِكة، دارَةُ مَنْوَرٍ (٦)، دارَةُ مَوَاضِيع، دارَةُ مَوْضُوع، دارَةُ النَّشاش (٧)، دارَةُ النِّصاب، دارَةُ واحِدٍ، دارَةُ واسِطٍ، دارَةُ وَسْطٍ، دارَةُ وشْحَى، دارَةُ هَضْب، دارَةُ اليَعْضِيدِ، دارَةُ يَمْعُون، دارَةُ يَمْعُوز (٨) (٩). وَأَمَّا دَارُ الأخْيارِ، ودار الأبْرَارِ، فإنَّها دار المهاجرين والأنصار، الذين أظْهَرُوا دين اللّه تعالى بالصارِمِ البتَّارِ، واستَأْصلوا شَأْفَة الكُفَّار، وَأَلْبَسَهم

стр. 299

اللّه تعالى حُلَّةَ الأخيار، وأَسْفَرَتْهُم مِنَ الدِّين مَطالِعُ الأنْوَار، وقَصَمَ بِبَأسِهِم رَقَبةَ كُلِّ عاتٍ جَبَّارٍ. وهذان الاسْمانِ ذكرهُما مشايخُنا في كُتُبهم، ولا يكونُ إلَّا عن أَثَرٍ إن شاء اللّه تعالى. وأمَّا دارُ الهِجْرَةِ، فلِمَا رَواهُ التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ عَنْ جرير بن عبد اللّه ﵄ قال: "إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: إن اللّه تعالى أوحى إليّ [أيَّ] هذه الثلاث نَزَلْتَ فهي دَارُ هِجْرَتِكَ؛ المدينَة، أو البَحْرَين، أو قنَّسْرين" (١). ويُدعى الإمامُ مالِك ﵀ إمَامَ دارِ الهِجْرَةِ. وأمَّا دارُ الإيمانِ؛ فلأنَّهُ (٢) كانَ مِنْها ظُهُورُهُ ﷺ ، كما نذكره آخر القَصْدِ، وسُمِّي بِهِ لأنَّهُ كان مِنها ظُهُورُه وانْتِشاره، وشيُوعُهُ وعُمُومُه، وعُلُوُّ كَلِمَتِهِ وَإِظهارهُ. وفي صَحِيحِ البخارِي: دارُ السُّنَّةِ ودارُ الهِجْرَةِ (٣). والسَّبَبُ في التَّسْمِيَةِ بِهِما ظاهِرٌ؛ وذَلِكَ لأنَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّة مِنْها ظهرت، وعَنْها انتشَرتْ، وعُصبَةُ الإسلامِ إليها هاجَرَتْ، وَأَوْطانَها هَجَرَت. وكانت رَحَى الإسلام إلى قيام القيام فيها يُدَار، فيا حُسْنَ الرَّحى ويا حُسْنَ المُدَار، لا يَبْرَحُ ولا يَزَال، ولا يَبْرَحُ لأفواجِ الأخيار إلى ساحةِ باحتِها الاستباقُ والابتدار، ولا تزال معاشر الضنائن (٤)

стр. 300

الأبرار إلى نالِ نالتها (١) في جلبات الخير والبَدار، ويتباهون عند الوُصُولِ بِلَثْمِ الأرْضِ وبِمَسِّ الجدار (٢)، وَيَسْتَوِي شَوْقُهُم وَحُبُّهم واتِّبَاعُهُم عند شَرَفِ المزار، حتَّى لا يكادون يَفْتَرِقونَ بَيْن الإيرادِ بِها والإصدار، إذا انحدروا إليها مِنْ ثَنِيَّتها (٣) فَضَّلوُا على كل عروج (٤) ذَلِك الانْحِدار، فَيَخْتَصُّونَ في الدَّارين بارتفاع الأقدار وانتفاء الأكدار، وشفاء الأجدار (٥)، واصطفى عن أنْس الأخْدارِ، والاكتفاء مِنْ دياراتِ الأقطارِ بِأَشْرَفِ دار، فَمَنْ وقاهُ اللّه هَجْرَه، ووفَّاهُ أجْرَه، بَوَّأه دَارَ الهِجْرَةِ. وَمَنْ حماهُ خلائِقَ الفاجِرِين، وكلاهُ طرائِقَ المشاجرين، آواه في دار الهاجرين. وَمَنْ رضي له بالأمْنِ والأمان، وأقصاه من اعتراء حوادِث الزَّمان، أفْضَى به إلى سُكْنَى دار الإيمان، ومن اختارَ اللّه تعالى لَهُ خَيْرَ الدِّيار، واشْتَارَ (٦) لَهُ المنى أَحْسَن اشتيار، أسكنَهُ دار الأبْرارِ، ودارَ

стр. 301

الأخْيارِ، ومن علاه مِنْ المعالى أعلى قُبَّة، وآتاه في الأعالي أقوى مُنَّة، وأبقاهُ مِنَ الأعادي بأوفى جُنَّة (١)، بيَّضَ بنور السُّنَّةِ سُنَّتَه (٢)، وآواهُ دارَ السُّنَّة. دارُ النَّبيِّ تُسَامي العَرْش مِقْدَارا … دارٌ حَوَتْ كلَّ خيرٍ في الورى دارا دارٌ لها من قَدِيمِ الدَّهْرِ دائِرَةٌ … على السَّلاطِينِ من كِسْرى ومَنْ دارا دار لها شرفٌ بادٍ على شُرَفٍ … تعلو على قبَّةِ الأفلاكِ أقْدَارا دار بِها السُّنَّةُ الغرَّاء مَوْرِدُها … صافي المَشَارِبِ ما شَابَ أكدارا دار النُّبوَّةِ دارُ المُصْطَفَى ولها … دار القُرآن سَمَّى أَكْرِمْ بِها دارا وأمَّا أَرْضُ الهِجْرَةِ فقَدْ سَمَّاها بِهِ رسُول اللّه ﷺ في حديثٍ رواهُ الطبراني في مُعْجَمَهِ الأوْسَطِ والصغِيرِ عن أبي هُرَيرَة ﵁ يَرْفَعُهُ: "المدينَةُ قُبَّةُ الإسلامِ ودارُ الإيمان، وأرْضُ الهِجْرَةِ وَمَثوَى الحلالِ والحَرام" (٣). وقد نذكرُ سنده في باب القاف إن شاء اللّه تعالى (٤). الشَّافِيَةُ: مِنْ شَفَاهُ يَشْفِيهِ شِفاءً، إذا أبْرَأهُ، أَوْ طَلَبَ لَهُ الشِّفاء، سُمِّيَتْ بها لِقَوْلِ رسول اللّه ﷺ : "ترابها شفاءٌ منْ كُلِّ داءٍ. وذكر الجُذَامَ والبرَص" (٥).

стр. 302

وقوله ﷺ : "تُرابُ أرْضِنا بِرِيقِ بَعْضِنا، يُشْفَى سَقِيمُنا بإذْنِ رَبنِّا" (١). والحديثان يأتيانِ إن شاء اللّه تعالى في باب الفضائل. وللعيان والمُشَاهَدَةِ فإنَّ جماعاتٍ مِنَ العُلماءِ ذكروا أَنَّهم جرَّبُوا تُرابَ صُعَيْبٍ (٢) للحُمَّى فَوَجَدُوهُ صَحِيحًا. وأنا بنَفْسِي سَقَيْتُهُ غلامًا لي مريضًا مِن نَحْوِ سَنَةٍ تُواظِبُهُ الحُمَّى فانْقَطَعَت عَنْهُ الحُمَّى من يَوْمِهِ. وقد ذَكَرْتُ في تَرجَمَةِ صُعَيْبٍ مِنْ بَابِ الصَّاد كَيْفِيَّةَ الاسْتشفاء بتُرَابِه، والحديثُ الوارِدُ فِيهِ، فَلْيُنْظَر هُناكَ إن شاءَ اللّه تعالى (٣). والتَّمْرُ مِنَ النَّخْلَةِ النابتة في تُرْبَتِها المُقَدَّسة قد صَحَّ فيه أن فِيهِ شفَاء مِنْ كُلِّ داءٍ، وأَنَّهُ تِرْياقُ أوَّلِ البُكرَةِ. وفي صَحِيحِ مُسْلمٍ أن في العَجْوَةِ العالِيةِ شِفاء من كُلِّ داءٍ، وأَنَّها تِرْياقُ أوَّلِ البُكْرَةِ. وصحَّ أن مَنْ تَصبَّح بِسَبعِ تمراتٍ مِمَّا يلي لابَتَيْها لم يَضُرُّهُ ذلك اليَوْمِ إلى

стр. 303

الليل سُمٌّ ولا سِحْرٌ، وحديثه في الصَّحِيحَيْنِ. وصَحَّ مِن عِند أبي داود عَنْ سَعد بن أبي وقَّاصٍ (١) ﵁ أَنَّهُ قال: مَرِضْتُ فأتاني رَسُول اللّه ﷺ عائدًا فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ ثَدْييَّ حتَّى وجَدْتُ بَرْدَها على فُؤادي، فقال: "إنَّكَ رَجُلٌ مَفْؤُودٌ"، أي: مُصَابُ الفُؤَادِ، "ايتِ الحارث بن كلدة أخا ثَقِيفٍ، فإنَّهُ رَجُلٌ يَتَطبَّب، فَلْيَأخُذْ سَبع تمراتٍ مِنْ عَجْوَةِ المدينة فَلَيجَأهُنَّ بِنَواهِنَّ، ثُمَّ لِيَلُدَّك بِهِنَّ" (٢) فَلْيجَأَهُن، أي: فَلْيَدُقُّهُنَّ. قوله: ليلدُّك، أي: لِيَسْقِيكَ، يُقَالُ: لدَّهُ باللدُودةِ إذا سَقَاهُ الدَّواء في أحَدِ جانِبَي فَمِهِ، وجانبا الفَمِ: لَدِيَداهُ. وأما مِياهُ آبارها، لا سِيَّما الآبارُ السَّبْعَةِ المَعْرُوفَةِ (٣) فالاسْتشفَاءُ بِها مَعْرُوفٌ مِنْ قَديم الزَّمانِ، وإلى يومنا هذا، مَنِ اسْتشْفى بتُرْبَتِهِ أو بِشربته فَهُوَ مِنَ المَرَضِ وكربته في أمان، بفوائدها وافية، مناهلها وموارِدُها صافِية، ومنازِلُها ضافِية، ودوابها عن جرب الوباء في عافية،

стр. 304

وَتُرْباؤها (١) عن جميع الأسْقَامِ والآلامِ شافِية. - مَدْخَل صِدْقٍ: بفَتْح المِيمِ من قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ (٢). قال المُفَسِّرون: مُدْخَلَ صِدْقٍ: المدينة. ومُخْرَج صِدْقٍ: مكة (٣). على أن للمُفَسِّرين فيه أقوالًا: الأوَّل: أَنَّ المُرَادَ إدخاله مكة ظاهِرًا على أهلها، قاهِرًا لِحِزْبِها … (٤) وإخراجُهُ منها آمِنًا مِنَ الكُفَّارِ، سالمًا عن شَرِّ ما نَوَوا له مِن الضِّرار. الثَّاني: أَنَّ المُرَادَ إِدْخَالُهُ الغار، وخروجُهُ منه سالمًا من كُلِّ مُغِيرٍ ومغار. الثَّالِثُ: أَنَّ المُرَادَ إدخَالُهُ فيما حَمَلَهُ مِنْ أَعْباءِ الرِّسالَةِ، وَإِخْراجُهُ منها بعد القيام بحقوق ما سار إليه منها … (٥). الرَّابعُ: أَنَّ المُرَادَ إدْخَالُهُ في كُلِّ ما لا بُدَّ لَهُ مِنْ ملابَسَتِهِ من المَكَارِهِ مَصحوبًا بالألطاف، وَإِخْرَاجُهُ مِنْها غير مَفْتُونٍ ولا مُمْتحَنٍ، ولا قَلِقٍ ولا جَزِعٍ ولا مُخَافٍ. الخامِسُ: أَنَّ المُرَادَ إِدْخَالُهُ في القَبْرِ مُوقَّىً عن الملامَةِ، مَرْضِيًا عمَّا سَلَكَ مِنْ سبيل الإمَامَةِ، وإخراجُه مِنْهُ لِيَوْمِ القيامَةِ ملقَّىً بالكرامَة.

стр. 305

السادس: أَنَّ المُرَادَ أَدْخِلني في القِيَامِ بِمُهِمَّاتِ أمْرِ دِينكَ المَتين، وشَرْعِكَ المُبين، وأخرجني مِنْها بعد الفراغِ إِخْراجًا لا تَبِعَةَ فِيهِ إلى يومِ الدِّين. السَّابع: أَنَّ المُرَادَ أَدْخِلْني في أَنْوارِ توحِيدك وتنزِيهِكَ مُسَهَّلَ المَسَالِكِ، وأخرجني مِنْ حنادِسِ ظُلُماتِ الشُّكُوكِ والشُّبُهات الحوالِكِ. الثَّامِنُ: أَنَّ المُرَادَ أَدْخِلْني المدينةَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وَأَخْرِجْني إلى فَتْحِ مكَّةَ مُخْرَج صِدْقٍ. وَقَوْلُ مَنْ قال: إِنَّ المُرَادَ بقوله تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ (١) هم اليَهُودُ (٢) على هذا التَّأوِيلِ مِنْ أَعْدَلِ الشُّهود. التَّاسِعُ: أَنَّ المُرَادَ أَدْخِلْني دار الهِجْرَةِ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأخرجني من مَكَّةَ مُخْرَج صِدْقٍ. وقول من قال: إِنَّ المُرَادَ بالذين هَمُّوا بإخراجهِ كُفَّارُ قُرَيْشٍ (٣) في نُصْرة هذا التَّأويلِ مِنْ أَقْوى … (٤) ومِنْ أَعْظَم … (٥). العاشِرُ: أَنَّ المُرَادَ أَمِتْني إماتَةَ صِدْقٍ، وابْعَثْني عِنْدَ البَعْثِ مَبْعَثَ صِدْقٍ، وَوَجْهُهُ؛ أنَّهُ لَمَّا وعد بقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ (٦)؛ أمَرَهُ بالدُّعاء ليُنْجِزَ له ما صار له من رَبه مَوْعُودًا (٧). الحادي عشر: أَنَّ المُرَادَ أدْخِلْني في المَأْمُوراتِ مؤيَّدًا، وأخرجني عَنِ المحظورات مُبْعَدًا (٨).

стр. 306

الثاني عشر: أَنَّ المُرَادَ تَعْليمُهُ ما يَدْعُو بِهِ في صلاتِهِ وغَيْرِها مِنْ إِخْراجِهِ مِنْ بَيْنِ أَظْهُر المُشْرِكينَ المُبْغضِين منهاجه ودينه، وَإِدْخَاله مِنْ مَوْضِعِ الأمْنِ والمَأمَنِ والبُقْعَةِ المؤمِنة الأمينة، فَأَخْرَجَهُ مِنْ مَكَّة وَصيَّرَهُ إلى المدِينَةِ. وهذا المَعْنَى رواه التِّرمذي من حَدِيِثِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قال: كان النَّبيُّ ﷺ بمكَّة، ثُمَّ أُمِرَ بالهِجْرَةِ فَنَزَلَتْ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية. الثَّالِث عشر: أَنَّ المُرَادَ أَدْخِلْني حَيْثُما أَدْخَلْتني بالصِّدقِ وأَخْرِجْني بالصِّدق، أي: لا تَجْعلني مِمَّن يَدْخُل بِوَجْهٍ ويَخْرُج بِوَجْه (١)، فلا أعدم تُعْجِبُها نَفْسا (٢)، وأخْلِصْ وِجْهَتِي في نوائبي وَبُغْيَتي، فإنَّ ذا الوَجْهَيْنِ لا يَكُونُ عِنْدَ اللّه وجيهًا. الرَّابع عَشَر: أَنَّ المُرَادَ مِنْهُ التَّعْمِيمُ في جَمِيعِ ما يتناولُ ﷺ من الأمور والأحْوالِ، وَيُحَاوِلُ منَ الأسْفارِ والأعْمَالِ، في جميع الأطوار، ويُنْتَظَرُ مِن تَصَرُّفِ المقَادِير في الدنيا .... (٣) يكون دُعاءً معناهُ: رَبِّ أَصْلح لي وِرْدِي وصَدْري في كُلِّ أمْرِي والطُفْ بي في جميع أَحْوالي وهَبْ لي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصيرًا (٤). طابَةُ، وَطَيْبَةُ، وَطَيِّبَةُ، والمُطيَّبةُ، أَخَواتٌ لَفْظًا وَمَعْنَى مختلفات صيغَةً وَمَبْنَى.

стр. 307

طابَةُ: مِثَالُ طاقَةٍ وطاعَةٍ. وَطَيْبَةُ: مِثَالُ غَيْبَةٍ وعَيْبَةٍ. وطَيِّبَةُ: بكَسْر المُثَنَّاةِ التَحْتِيَّة مُشَدَّدَةً. والمُطَيَّبَةُ: بِفَتْحِ المُثنَّاةِ التَّحْتِيَةِ. ثَبَتَ في الصَّحيح أن النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ اللّه تعالى سَمَّى المدينَةَ طابة" (١). وفي مُسْنَدِ الإمام أَحْمَدَ: "مَنْ سَمَّى المدينَةَ يثرب فَلْيَسْتَغْفِرِ اللّه تعالى، هي طابَةُ هي طابَة" (٢). وَتَسْمِيَتُها بهذه؛ إمَّا لِطيبِ تُرْبَتِها وطَهَارَتِها مِنْ أَدْناسِ الكُفْرِ والشِّرك (٣)، أَوْ لأنَّها كالكِيرِ تَنْفِي خبثها وَيَنْصَعُ طيبُها، أَو لِطيبِ هَوَائها وطِيبِ تُرْبَتِها وَطِيبِ أمُورِها كُلِّها، وذَلِكَ أمْرٌ وِجْدَانيٌّ يَجدُهُ مَنْ لَهُ أَدْنى إحْساسٍ وفِطْنَةٍ كما قال امْرُؤ القَيْسِ (٤): خَلِيليَّ مُرَّا بي على أمِّ جُندُبِ … نَقْضِي (٥) لبانات الفُؤادِ المُعَذّبِ أَلَمْ ترياني كُلَّما جِئْتُ طارقا … وَجَدْتُ بِها طِيبًا وَإِنْ لم تطَيَّبِ (٦)

стр. 308

وقال الحافِظُ أبو مُحَمَّدٍ عبد الحقِّ الإشْبيلي (١): اعْلَمْ أن لِتُرْبَةِ مدينة النَّبيِّ ﷺ نَفْحَةً لَيْسَ طِيبُها كما عُهِدَ مِن الطِّيب، ولا .... (٢) منه فيها فيصيب، بل هِيَ عجبٌ مِنَ الأعاجيب، لا يعبر عَنْهُ بِبَعِيد ولا بِقَرِيب، هي كالجَنَّةِ لا يُشَارِكُ نَعِيُمها نعيم الدُّنيا إلَّا بالأسْماءِ، ولا يُشْبِهُهُ إلَّا كما يُشَبَّهُ الغَيْثُ والبَحْرُ بأَيْدِي الكُرَماء، وكما سَمَّى السماء العلياء، ومَا عَلاكَ مِنْ سَقْفِ البَيْتِ السَّماء، وَهَيْهاتَ ما بيْنَ الشَّبَيهَيْنِ والمُشَبَّهَيْنِ، وما بيْنَ الصِّفَتَيْنِ والمَوْصوفَيْنِ. وَأَنْتَ إذا حَقَّقْتَ النَّظَرَ إليها تكاد أَنْ تَتَضَادَّ تلك الصِّفات، وتتبَايَنَ كُلُّ المُشَبَّهات، ويَكُونُ منها ما بين مأمن، فالنهار حمل اللّه إليها، ولو سفك دمك عليها … (٣) بع في الوصول إليها الرفيع والدون، واليمن والميمون، وهون فيها ما لا يهون، وألق فيها أنواع المنون يكون في ذلك ما لا يكون. انتهى كلامه. وهذه الأسْمَاءُ اشتقاقُها مِنْ طاب الطَّعامُ يَطِيبُ طابًا وطِيبًا وَطِيبَةً، وتَطْيابًا: إذا لَذَّ. والشيء: زكا. والأرْضُ: أَكْلأَتْ. والطَّابُ، والطُّيَّابُ، بالضمِّ والتّشدِيد: الطَّيِّبُ. والطَّابَةُ: الخَمْرُ. وَأَطَابَهُ وطَيَّبَه بِمَعْنَى. والطِّيْب، بالكَسْرِ، والطُّوب، بالضمِّ بِمَعْنَى واحِد (٤). والطُّوبى أيضًا: جَمْعٌ للطِّيبَةِ (٥)، وتَأْنِيثُ الأطْيَبِ (٦)، والحُسْنَى،

стр. 309

والخَيْرِ، والخِيَرَة، والجَنَّةُ، أو شَجرةٌ فيها، وطوبى لُغَةٌ فيها. وَقِيلَ: لَمَّا كانت طِينَةُ المدينة طَيِّبَةَ الأصلِ زكِيَّةَ الخِلقَةِ ظهر ذَلِكَ الحالُ فيها ظاهِرًا، حَيْثُ يُوجَدُ في أماكنها وَأَزِقَّتِها نَفحَةٌ طَيِّبَةٌ، لا يَخْفَى ذلك على مُتأمِّلِها ظاهِرًا وباطِنًا، حَيْثُ تنفِي الخَبَث عَنْ نَفْسِها حتَّى لا يَبْقَى فيها إلا الطيبُ الزَّاكي. قال ياقوت: مِنْ خصائِصِ المدينَةِ أنَّها طَيِّبَةُ الرِّيحِ، وللعِطْرِ فيها فَضلُ رائحةٍ لا يوجَدُ في غَيْرِها (١). كما رُوِّيْنا مِنْ عِنْدِ مُسْلم من حَدِيثِ جابرٍ ﵁: "إنَّما المدينة كالكِيرِ تنفي خَبتَهَا، وينصع طيبها" (٢). وفي هذا الحديث أَوْضَحُ بُرْهانٍ على طِيبِ هذه البُقْعَةِ المُقَدَّسَةِ وطهارَتِها، وهذا شَأْنُ العَوَالم النورانِيَّةِ، والجهاتِ المُقَدَّسَةِ مِنْ ذواتٍ وَبقَاعٍ. وفِيه إشارَةٌ إلى نوعٍ من العِلْمِ خَفِي، وإِثْباتٌ أن هذه البَلْدَةَ ثَبَتَ لها مِنَ الفَضْلِ أن جانَسَتْ بما اشتمَلت عليه ما لَيْسَ مِنْ جِنْسها، فتعالَتْ عن بقاعِ الأرْضِ وشَرُفَتْ عليهَا بثُبُوتِ أمْرٍ لها ظهر عِنْد نفي الخبث عنها، وظهورَ آثارِ الأنوارِ فيها. ويُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أن العَبْدَ المُؤمِنَ إذا رُزِقَ الحُلُولَ بِها أُعِينَ على الطَّاعات، وتَيَسَّرتْ لَهُ أَنْوَاعُ العبادات، وسَهُلَ عليه الإشْرَافُ على نيل المرادات، وتتضاعف أَنْوارُهُ وتَمْكِينُه، ويَزْدَادُ إيمَانُهُ ويَنْصانُ دِينُه، ويَقِلُّ عِصيانُهُ ويَثْبُتُ يَقِينُهُ. هذا كُلُّه مِنْ خواصِّ البُقْعَةِ والطينةِ المُجَرَّدة، فكيف إذا قُورِنَ بِجِوارِ مَن

стр. 310

حَلَّ بِها وسُرَّار (١) من وَصَل اللّه لنا بِهِ كُلَّ شَرَفٍ وكُلَّ بَها (٢). ونَسْألُ اللّه التَّوفِيقَ للقِيامِ بواجِبِ شُكْرِه على ما مَنَّ بِهِ عَلَيْنَا من سوابِغِ نِعَمِهِ، ويَسَّرَ عَلَيْنا من أَسبَابِ الوُصولِ إلى جنابِ المُصْطَفى والإقامَةِ بِحَرَمِه. أَنْشَدَنا الفقيه أبو مُحَمَّدٍ عبد اللّه بن أَسْعَد (٣) وآخرون، إذنًا عن الأمِيرِ الأبْهري قال: أنشدنا أبو عبد اللّه بن العَطَّار الإفريقي الثِّقَة: أطَيْبَةُ هَلْ يُقْضَى لنا بِوصَالِكِ … لَقَدْ طِبْتِ، إنَّ الطِّيب بعض خصالك وطِبْتِ بِمَنْ طابَ الجنان بِطيِبِهِ … فَأَضْحَى مِثَالُ الشَّمْسِ دون مِثَالك وَمِنْ طِيبِكِ الآفاق طُرًّا تَطَيبَّت … ولا طِيبَ إلا ما شذا مِنْ هنالك جَمَالُكِ مَنْسُوبٌ إلى خَيْرِ مُرْسَلٍ … بِصُورتِهِ يجري نَهارُ جمالك كَمُلْتِ وفُقْتِ الشَّمْسَ والبدر رفعةً … وخير البرايا موجِبٌ لكمالك وَقال ..... متيم سقيم به ...... … ......... اللقاء له طب (٤) مَتَى ألتَقي يومًا بِكُمْ وأراكمْ … ويَجْمَعُنا في طيبة المنْزِلُ الرحبُ بِطيبِ رَسُولِ الله طابَ نَسِيمُها … فَما المِسْكُ ما الكافورُ ما المَنْدَلُ الرَّطْبُ وقال: أهدتْ لنا طيبَ الروائح يثربُ … فبطيبها عندَ التَّنَسُّم نطرَبُ بها طابت الأنفاس من زهرها الذكي … فَنَسِيمُها أذكى شذاه وَأَطْيبُ

стр. 311

وأنشَدنا أبو عُمر الحَمَوي، إذنًا عن أبي حيان (١) قال: أَنْشَدَنا فخر الدِّين محمد بن مصطفى بن زكريا العسكري التُّرْكي (٢) لِنَفْسِهِ: قيل اتَّخِذْ مَدْحَ النَّبيِّ مُحَمَّدٍ … فِينا شعارَك إنَّ شِعْرَك رَيِّقُ وعلى ثنائِك للبراعة بَهْجَةٌ … وعلى ثيابك للبراعَةِ رونَقُ (٣) يا قُطْبَ دائِرَةِ الوُجُودِ بأسْرِه … لَوْلاكَ لم يَكُنِ الوُجُودُ المُطْلَقُ مُذْ كُنْتَ أَوَّلَهُ وكنْتَ أَخِيرَهُ … في الخافِقَيْنِ لواء مَجْدِك يَخْفِقُ كُلُ الوُجُودِ إلى جمالِكَ شاخِصٌ … فإذا اجْتَلاك فعَنْ جلالِكَ يُطْرِقُ (٤) يا أوَّلًا من قبله ما فاته … يا آخرًا من بعده لم يلحَقُوا كُنْتَ النَّبيَّ وآدَمٌ في طِينِهِ … ما كانَ يَعْلَمُ أيَّ خَلْقٍ يُخْلَقُ فضلت بك الأرْضُ السَّماءَ لأنها … فيها ضرِيحُك وَهْوَ مِسْكٌ يَعْبقُ ما اسم المدِينَةِ طيبةَ إلَّا لما … يُغْرِى لِطيِبك طِيبها المُسْتَنْشَقَ (٥) وقال صاحِبُنا الشَّيْخُ العَلَّامَة أبو عبد الله محمد بن أَحْمَد بن علي بن جابر الهوَّاري الأنْدَلُسُي (٦) من قصيدةٍ طويلةٍ (٧):

стр. 312

بِطَيْبَةَ انْزِل ويَمِّم سَيِّدَ الأمَمِ … وانظم لَهُ المَدْح وانْثُر طَيِّبَ الكَلِمِ ومنها: جاوِرْهُ تُمْنَع، وَلُذْ يَشْفَع، وَسَلْهُ يَهَب … وَعُدْ يَعُدْ، واسْتَزِد يَفْعَل، وَدُمْ يَدُمِ (١) طِبايا: ذكره ياقوت في أَسْماء المدينَةِ (٢)، ولَمْ يَضْبط الكَلِمَة. وَعِنْدي أَنَّها بكَسْرِ المُهْمَلَةِ وبِفَتْحِ المُعْجَمَةِ. فإنْ كانَتْ بالمُهْمَلَةِ فَإِنَّها مِن الطِّباب والطِّبَابَةِ التي هِيَ اسْمٌ للأرْضِ المستطيلة (٣). قال الصَّغَاني (٤): الطِّبابَةُ بِكَسْرِ الطَّاءِ: القِطْعَةُ مِنْ الأرْضِ المستطيلة، وكذلك مِنَ الثَّوب وَغَيْرِه، فَإِنَّما سُمِّيَتْ بذلِكَ لأنَّها كذلك. وَإِنْ كانَت الظَّاء مُعْجَمَة مِنْ ظَبَّ وظُبْظِبَ: إذا حُمَّ (٥)؛ لأنَّها كانَتْ لا يَدْخُلُها أَحَدٌ إلَّا حُمَّ، فَنَقَل الله حُمَّاها إلى مَهِيعَة (٦) بدُعائِهِ ﷺ (٧).

стр. 313

العاصِمَةُ: سُمِّيَتْ بِها لأنَّها عَصَمَت المُهاجرين ووقَتْهُم أَذَى المُشْرِكين، ومَنَعَتْ عَنْهُم شَرَّ كُفَّار قُرَيْشٍ وَمَنْ قَصَدَهم مِنَ المُتَمَرِّدِين، وتَكَفَّلَت بِعِصْمَتِهِم وحِفْظِهِم وكِلائِهِم، وضَمِنَت الغاية القصوى مِنْ واجِبِ رعايَتِهِم وحِمَايَتِهِم. ومادَّةُ عرض مَوَضُوعَةٌ لِلمَنْعِ والوقايَةِ (١)، وجميع تَفَاريعِها رَاجعَةٌ إلى هذا المَعْنَى؛ ومِنْهُ العِصَام للشِّكالِ. والعِصَامُ لِحَبْلِ الإداوة والدَّلوِ الذي يُربَطُ فِيهما فيكون لَهُما عاصِمًا وحافِظًا مِنَ السُّقُوط في البِئْرِ وعَنِ الضَّيْعَةِ. والمِعْصمُ: اليد؛ لأنَّها تَمْنَعُ وتَحْفَظ، وكذَلِكَ المِعْصَمُ مَوْضِعُ السِّوَارِ لِذَلِكَ. ومِعْصمْ مِعْصَمْ للمَعْزِ إذا دُعِيَتْ لِلْحَلْبِ (٢)؛ كأنَّك تَمْنَعُها وتَحْبِسُها لِتَحْلِبها. ومِنْهُ الأعْصَمُ من الظِّباء والوُعُول، لأنَّهُ يَعْتَصِمُ بالقُلَلَ والمواضِعِ المنيعَةِ (٣)، أو هُوَ الذي في ذِرَاعَيْهِ بَياضٌ، وسائِرُهُ أَسْوَدُ أو أَحْمَر، شُبِّهَ ذلك البياضُ بِقَيْدٍ في يَدَيْهِ. وأَبُو عاصم كُنْيَةُ السَّوِيقِ، وكُنْيَةُ السِّكباج (٤)؛ لأنَّهُما يَقْبِضانِ البَطْنَ ويُمَسِّكانِهِ. ومِنْهُ العَصِيم لِوَسَخٍ يَيْبَسُ على فَخِذي الإبل لأنه يمتنع وينقبض، وكذا العُصْمُ، والعُصُم لِبَقِيَّةِ الخِضَابِ وأَثَرهِ الذي لا يَزُولُ سرِيعًا. وقال تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ (٥). وقال : ﴿وَاللَّهُ

стр. 314

يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (١). والعَوَاصِمُ: حُصُونٌ مَوانِعٌ وَوِلايات تُحِيطُ بِها بَيْنَ حلب وأنطاكِية بناها قَوْمٌ واعتَصَمُوا بِها مِنَ الأعْدَاءِ، وأكْثَرُها في الجبالِ فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ. وقيل: أَفْرَدَ الرَّشِيدُ تِلْكَ الأماكِنِ وسَمَّاها بالعَوَاصِمِ؛ لأنَّ المُسْلِمينِ كانوا يَعْتَصمُونَ بِها فتَعْصِمُهُم وتَمْنَعُهُم مِنَ العَدُوِّ، إذا (٢) انْصرَفوا مِنْ غزْوهم وخرجوا مِنَ الثُّغُورِ (٣). فَسُمِّيَتْ المَدِينَةُ أيضًا عاصِمَةً لهذا المَعْنَى. ويُحْتَمَلُ أنْ تكونَ عاصِمَة بِمَعْنَى مَعْصُومَة كَـ (عِيشَةٍ راضِيَةٍ)، بِمَعْنَى مَرْضِيِّة، و (مَاءٍ دافِقٍ) بِمَعْنَى مَدْفُوقٍ. فَسُمِّيَتْ عاصِمَة لأن الله تعالى عَصَمَها بِمُوسى وداود عَلَيْهما الصَّلاة والسَّلام، وبِجُيُوشِهِما التي وجَّهُوها إليها، وَحَماها وصانَها بِهم عن الكُّفَارِ والجَبَّارِين ومَنْ قَصَدَ كَيْدَها، كما أَسْلَفْنَا في البَابِ الثَّاني في تارِيخ المَدِينَة الشَّرِيَفةِ. أو لأنَّها مَعْصومَةٌ مَحْفُوظَةٌ بالحُرْمَةِ التي شرَّفها الله بِها بدَعْوَةِ نَبِيِّه ﷺ ، فلا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يُخْبَطُ ثَمَرُها، ولا يُخْتَلى خلاها، ولا يُقْطَعُ كَلاها، ولا يُصَادُ صَيْدُها، بَلْ يُسْلَبُ صائِدُها، ولا تُذْعَرُ أَوابِدُها، وعَصَمَها الله وبالغ في عِصْمَتِها حَتَّى لم يَدَعْ فيها خبثًا، ولعَنَ بأتَمِّ اللعائِنِ مَنْ أَحْدَثَ فيها حَدَثًا، أَو آوَى فيها مُحْدِثًا. وببلادِ هُذَيْلٍ مَوْضِعٌ مَنيعٌ يُدْعى عاصِمًا (٤)؛ لِتَحَصُّنِهِ وتَمَنُّعِهِ، وفيه يَقُولُ

стр. 315

أَبُو جُنْدُبٍ الهُذَلِيِّ (١): على حَنَقٍ صبَّحتهم بِمُغِيرَةٍ … كرِجْلِ الدَّبى الصَّيفِيِّ أَصْبَحَ سائِما بغيتهمُ ما بين حدَّاء والحشا … وَأَوْرَدْتهم ماء الأثِيْلِ فعاصِما (٢) العَذْرَاءُ والعَرَّاء: والعَذْرَاءُ هي في أَصْلِ اللغَةِ الرَّمْلَة التي لم تُوطأ، سُمِّيَتْ البِكْرُ بِها أيضًا لأنَّها لم توطأ. والعَذْرَاءُ: الدُّرَّةُ التي لم تُثْقَبْ، شُبِّهَتْ بالجارِيَةِ البِكْرِ في ذَلِكَ. وسُمِّيَتْ المَدِينَةُ بِذَلِك لأنَّها لَمْ توطأ أيضًا (٣). بِمَعْنَى أنَّها لم يَطَأْها العَدُوُّ القاهِرُ في أوَّلِ الزَّمانِ، وأنَّها لَمْ تَبْرَحْ مَحْفُوظَة مَصُونَةً مِنَ العُتَاةِ المتَمَرِّدين، والجُنَاةِ المُفْسِدِين إلى أَنْ تَسَلَّمَها مالِكُها ومَلِكُها سَيِّدُ الأنبياء والمُرْسَلِين كَوَديِعَةٍ تُصَانُ إلى أنْ تُرَدَّ إلى صاحبِها، وبديعةٍ تُحْفَظُ في خِدْرِها إلى أَنْ تُسَلَّمَ إلى خاطِبِها. وهذا الاسْمُ لها مِنَ الأسْماءِ المَذْكُورَةِ في الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ، كما رُوِّينا عن إبراهيم بن أبي يحيى أنَّهُ قال: للمدينة في التَّوراةِ أحد عشر اسْمًا؛ المَدِينَة، وطيبة، وطابَة، والمِسْكِينَة، وجابرة، والمجبورة، والمَرْحُومة، والعَذْراء، والمُحَبَّةُ، والمَحْبُوبَة، والقاصِمَةُ. وتَصحَّفَ على بَعْضِ المُصَنِّفين هذه اللفظة

стр. 316

فأثْبَتَ مكان العذراء الهدراء بالهاء (١)، فلا تَغْتَرَّ بِها فإنَّها زلَّةُ ناسِخٍ، أو عَثرةُ راسِخٍ، وبالله التوفيق. وأمَّا قول الراعي: وكَمْ مِنْ قَتِيلٍ يَوْمَ عَذْرَاءَ لَمْ يَكنْ … لصاحِبِهِ في أوَّلِ الدَّهْرِ قالِيا (٢) فإنَّما أَرادَ العَذْراء التي بِغُوطَةِ دِمَشْق على مَقْرُبَةٍ من راهط التي كانَتْ فيه الوقْعَةُ بَيْنَ الزُّبَيْرِيَّةِ والمَرْوَانِيَّةِ (٣). وأمَّا العَرَّاء فَهِيَ بِمَعْنَى العَذْراء. قال أَئِمَّةُ اللُّغَةِ: العَرَّاء: الجارِيَةُ العَذْراء (٤). شُبِّهَت بالنَّاقَةِ العَرَّاء، وهي النَّاقَةُ التي لا سَنَامَ لها، أو صِغَرُ سَنَامها في صِغَرِ نَهْدِها أو عدم ثديها (٥). العَرُوضُ: مِثْلُ صَبُورٍ: المَدِينَةُ. وقِيلَ: المَدِينَةُ وما حولها عَرُوضُ. وقيل: مَكَّةُ والطَّائِفُ وما حَوْلها عَرُوضُ. وقيل: مَكَّةُ واليَمَنُ عَرُوضُ. وقال الخَارْزَنْجِي (٦):

стр. 317

ما كانَ خلاف العِرَاقِ فهو عَرُوضُ (١). والعَرُوضُ في كَلام العَرَبِ: النَّاقَةُ التي لم تُرَض. والعَرُوضُ: النَّاحِيَةُ. والعَرُوضُ: طَرِيقٌ في عُرْضِ الجَبَلِ يَكُونُ في مَضِيقٍ، والعَرُوضُ من الكَلام: فَحْواهُ ومَضْمُونُهُ. والعَرُوضُ: الكَثيرُ مِنَ الشَّيء. والعَرُوضُ: السَّحَابُ. والعَرُوضُ: الطَّعَامُ. والعَرُوضُ: المَكَانُ الذي يُعَارِضُكَ إذا سِرْتَ (٢). والعَرُوضُ: ميزَانُ الشِّعْرِ. والعَرُوضُ أيضًا: الجُزْءُ الذي في آخِرِ النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ البَيْتِ (٣). وقال ابنُ الكلبيِّ: بلادُ اليَمامَةِ والبَحْرَين وما والاها العَرُوض، وفيها نَجْدٌ وغَوْرٌ لِقُرْبِها مِنَ البَحْرِ وانْخِفَاضِ مَواضِعَ مِنْها وَمَسايلَ أودية فيها. والعَرُوضُ يَجْمَعُ ذلِك كُلَّه. وقيل: هُوَ ما سِوى العِراقِ، كما تَقَدَّم عن الخارْزَنْجي. قال أَهْلُ السِّيَرِ: لَمَّا سَارَ جَديِسُ مِنْ بَابِل يَؤُمُّ إخْوتَهُ فَلَحِقَ بِطَسْمٍ وَقَدْ نَزَلَ العَرُوضُ فَنَزَل هُوَ في أَسْفَلِهِ. وإنَّما سُمِّيَتْ تِلْكَ النَّاحِيَةُ العَرُوضُ لأنَّها مُعْتَرِضَةٌ في بلادِ اليَمَنِ والعَرَب ما بَيْنَ تُخُوم فارِس إلى أقْصَى أَرْضِ اليَمَنِ، مستطيلة مع ساحِلِ البَحْرِ، قالَ لَبِيدٌ (٤):

стр. 318

نُقَاتِلُ ما بَيْنَ العَرُوض وخَثْعَمَا (١) والعَرُوضُ: الشَّيءُ المُعْتَرِضُ. وقال الخَلِيلُ: العَرُوضُ: طَرِيقٌ في عُرْضِ الجَبَلِ، والجَمْعُ: عُرُضٌ (٢). وعَرَضَ الرَّجُلُ يَعْرُضُ ويَعْرِضُ إذا أتى المَدِينَةَ. وكذلك إذا أتى مَكَّةَ فقد عَرَضَ. فإنَّ المَدِينَةَ سُمِّيتْ عَرُوضًا؛ لأنَّها مِنْ بلادِ نَجْدٍ، ونَجْدٌ كُلُّها على خَطٍّ مستَقِيمٍ طولاني، والمَدِينَةُ مُعْتَرِضَةً عنها ناحِيةً على أنَّها نَجْدِيَّة. فَسُمِّيَتْ عَرُوضًا لذلك. الغَرَّاءُ: تَأْنِيثُ الأغَرِّ (٣). وفرَسٌ أَغرُّ وغَرَّاء: إذا كانَ ذا غُرَّةٍ، وَهُوَ بياضٌ في مُقَدَّمِ وَجْهِهِ، وكذَلِكَ الغُرْغُرَة، والغُرَّةُ أَيْضًا: خِيارُ كُلِّ شيءٍ وما بدا لَكَ مِنْ صُبْحٍ أَوْ ضَوْءٍ فَقَدْ بَدَتْ غُرته. وغرة الإنْسانِ وَجْهُهُ. والأغرُّ: الأبَيضُ مِنْ كُلِّ شيءٍ. والأغَرُّ مِنَ الأيَّام الشَّدِيدُ الحَرِّ. والرَّجُلُ الكَرِيمُ الأفْعالِ الواضِحِ المكارم. والأغَرُّ: الذي أخَذتِ اللِّحْيَةُ جَمِيعَ وَجْهِهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إلَّا القَلِيلُ. الأغَرُّ والغُرْغُرَةُ: الرَّجُلُ الشَّريف. والغَرَّاءُ: نَبْتٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، ويقال لَهُ: الغريراء (٤) أيضًا، وقال أبو

стр. 319

حنيفة (١): الغَرَّاءُ نباتُها مثل نبات الحرر. ولها أيضًا حَبٌّ كحَبِّهِ، وهي سَهْلية ورائِحَتُها طَيِّبَة. وقال الغافقي: رقيق البزر طَيِّبُ الرَّائِحَةِ. والغَرَّاء أيضًا: الشَّدِيدة الحَرِّ، يُقَالُ: هاجِرَةٌ غَرَّاء، وظَهِيرَةٌ غَرَّاء، ووديقَةٌ غَرَّاء، إذا أُرِيدَ وَصْفُها بِشِدَّةِ الحَرِّ (٢). والغُرَّى: السَّيِّدَةُ الكَبِيرَةُ في قبيلَتِها (٣) إذا ثبت ذلك فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المدينة سُمِّيَتْ بِها لِشَرَفِ مَعَالمها، وَوُضُوح مكارِمها، أو لِسُطُوع نورها، ولموع بُدُورها، أو لِصَفاءِ جبالِها وبَياضِ تُرَابها، أو لِكَثْرَةِ نَخْيلِها، أو التفافِ خَمِيلها، أو لذكاءِ ريِحها، وطِيب رائِحَتِها، أوَ لسيادتِها على القُرى، ورياسَتِها على أمْصَارِ الورَى. أو لأنَّها أظْهَرُ البلادِ سِكَكًا وشَوارعَ، وَأَهْلُها أَرْسَخُ العالَمينَ في المكارِمِ طبائِعِ، وأجرى إلى بِرِّ مَنْ هاجَرَ إليهم أو وفَدَ عليهم شمائِل ومنارِعَ، فخلائقهم أَسْمَح، ونواسقهم أفتح، وبواسِقُهم أنْفَحُ وأسْمَح، ومساكِنهم أَرْفَعُ وَأَفْسَح، وأحْوَالُ المجاوِرين بِها أهْدَى وأسكن، والطِّباعُ فيها إلى الطَّاعاتِ أَمْثلُ وأَرْكن. وأما قَولُ أبي وجزة (٤): كأنَّهُمْ يَوْمَ ذي الغَرَّاء حَينَ غَدَتْ … نُكْبا جمالهمُ للبَيْنِ فانْدَفَعُوا لم يُصْبِحِ القَوْمُ جِيرانًا، فَكُلُّ نَوى … بالنَّاسِ لا صَدْعَ فِيها سَوْفَ تنصدعُ (٥)

стр. 320

فإنَّهُ أرادَ بِذِي الغَرَّاء مَوْضِعًا لعقِيقِ المدينَةِ ذكرناهُ في مَوْضِعِهِ. وَأَمَّا ما أَنْشَدَهُ الأصْمَعِيُّ مِنْ قَوْلِ الشاعر: وناصِفَة الغَرَّاء هَدْيٌ مُحَلَّلُ (١) فإِنَّ الغَرَّاءَ هُنا اسْمُ مَوْضِعٍ بِنَجْدٍ في ديار بني أسَدٍ، وَهِيَ جُرَيعَة في ديار بني أسد، وناصِفَةُ قُوَيْرَة (٢). غَلَبَةُ: مُحَرَّكةَ بِمَعْنَى الغَلَب. هذا اسمٌ قَدِيمٌ جاهِليٌّ. قال اللُّغَوِيُّون: الغَلَبُ (٣) والغَلْبُ والغَلَبَة، بالتَّحْرِيكِ، والغُلُبَّةُ، بِضَمَّتَيْنِ مُشَدَّدة الباء. والغَلُبَّةُ، بِفَتْحِ الغَيْنِ، والمَغْلَبَة، والمَغْلَب، والغُلُبَّى (٤)، والغَلابِيَةُ: كُلُّ ذلك بِمَعْنَى؛ وهو القَهْرُ والاستيلاء. وقَدْ غَلَبَ يَغْلِب، كَضرَبَ يَضْرِبُ (٥). وَإِذا اسْتَبانَ ما ذكرناهُ عُرِفَ أَنَّ فيها ثلاثَ لُغَاتٍ. غُلُبَّةٌ (٦): سُمِّيَتْ بذلِكَ لِظُهُورِها واستيلائها على البلادِ والأقْطارِ، وغَلَبَتِها وتَسَلُّطِها على ما سِوَاها مِنَ المدائِنِ والأمْصَار، وَهَذا اسْمٌ جاهِليٌّ قديمٌ. قال الزُّبَيْرُ بنُ بكَّار: وكانَتْ يَثْرِبُ في الجاهِليَّة تُدْعَى غَلَبَة؛ نَزَلَتِ اليَهُودُ على العمالِيقِ فَغَلَبَتْهُم عليها، ونَزَلَت الأوْسُ والخَزْرجُ على اليَهُودِ فَغَلَبُوهم عليها، ونَزَلَ المُهاجرون على الأوْسِ والخَزْرَجِ فَغَلَبُوهم عليها (٧).
следующие страницы →