فأثْبَتَ مكان العذراء الهدراء بالهاء (١)، فلا تَغْتَرَّ بِها فإنَّها زلَّةُ ناسِخٍ، أو عَثرةُ راسِخٍ، وبالله التوفيق.
وأمَّا قول الراعي:
وكَمْ مِنْ قَتِيلٍ يَوْمَ عَذْرَاءَ لَمْ يَكنْ … لصاحِبِهِ في أوَّلِ الدَّهْرِ قالِيا (٢)
فإنَّما أَرادَ العَذْراء التي بِغُوطَةِ دِمَشْق على مَقْرُبَةٍ من راهط التي كانَتْ فيه الوقْعَةُ بَيْنَ الزُّبَيْرِيَّةِ والمَرْوَانِيَّةِ (٣).
وأمَّا العَرَّاء فَهِيَ بِمَعْنَى العَذْراء. قال أَئِمَّةُ اللُّغَةِ: العَرَّاء: الجارِيَةُ العَذْراء (٤). شُبِّهَت بالنَّاقَةِ العَرَّاء، وهي النَّاقَةُ التي لا سَنَامَ لها، أو صِغَرُ سَنَامها في صِغَرِ نَهْدِها أو عدم ثديها (٥).
العَرُوضُ: مِثْلُ صَبُورٍ: المَدِينَةُ. وقِيلَ: المَدِينَةُ وما حولها عَرُوضُ. وقيل: مَكَّةُ والطَّائِفُ وما حَوْلها عَرُوضُ. وقيل: مَكَّةُ واليَمَنُ عَرُوضُ.
وقال الخَارْزَنْجِي (٦):
стр. 317
ما كانَ خلاف العِرَاقِ فهو عَرُوضُ (١).
والعَرُوضُ في كَلام العَرَبِ: النَّاقَةُ التي لم تُرَض. والعَرُوضُ: النَّاحِيَةُ. والعَرُوضُ: طَرِيقٌ في عُرْضِ الجَبَلِ يَكُونُ في مَضِيقٍ، والعَرُوضُ من الكَلام: فَحْواهُ ومَضْمُونُهُ. والعَرُوضُ: الكَثيرُ مِنَ الشَّيء. والعَرُوضُ: السَّحَابُ. والعَرُوضُ: الطَّعَامُ. والعَرُوضُ: المَكَانُ الذي يُعَارِضُكَ إذا سِرْتَ (٢). والعَرُوضُ: ميزَانُ الشِّعْرِ. والعَرُوضُ أيضًا: الجُزْءُ الذي في آخِرِ النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ البَيْتِ (٣).
وقال ابنُ الكلبيِّ: بلادُ اليَمامَةِ والبَحْرَين وما والاها العَرُوض، وفيها نَجْدٌ وغَوْرٌ لِقُرْبِها مِنَ البَحْرِ وانْخِفَاضِ مَواضِعَ مِنْها وَمَسايلَ أودية فيها. والعَرُوضُ يَجْمَعُ ذلِك كُلَّه.
وقيل: هُوَ ما سِوى العِراقِ، كما تَقَدَّم عن الخارْزَنْجي.
قال أَهْلُ السِّيَرِ: لَمَّا سَارَ جَديِسُ مِنْ بَابِل يَؤُمُّ إخْوتَهُ فَلَحِقَ بِطَسْمٍ وَقَدْ نَزَلَ العَرُوضُ فَنَزَل هُوَ في أَسْفَلِهِ. وإنَّما سُمِّيَتْ تِلْكَ النَّاحِيَةُ العَرُوضُ لأنَّها مُعْتَرِضَةٌ في بلادِ اليَمَنِ والعَرَب ما بَيْنَ تُخُوم فارِس إلى أقْصَى أَرْضِ اليَمَنِ، مستطيلة مع ساحِلِ البَحْرِ، قالَ لَبِيدٌ (٤):
стр. 318
نُقَاتِلُ ما بَيْنَ العَرُوض وخَثْعَمَا (١)
والعَرُوضُ: الشَّيءُ المُعْتَرِضُ. وقال الخَلِيلُ: العَرُوضُ: طَرِيقٌ في عُرْضِ الجَبَلِ، والجَمْعُ: عُرُضٌ (٢).
وعَرَضَ الرَّجُلُ يَعْرُضُ ويَعْرِضُ إذا أتى المَدِينَةَ. وكذلك إذا أتى مَكَّةَ فقد عَرَضَ. فإنَّ المَدِينَةَ سُمِّيتْ عَرُوضًا؛ لأنَّها مِنْ بلادِ نَجْدٍ، ونَجْدٌ كُلُّها على خَطٍّ مستَقِيمٍ طولاني، والمَدِينَةُ مُعْتَرِضَةً عنها ناحِيةً على أنَّها نَجْدِيَّة. فَسُمِّيَتْ عَرُوضًا لذلك.
الغَرَّاءُ: تَأْنِيثُ الأغَرِّ (٣). وفرَسٌ أَغرُّ وغَرَّاء: إذا كانَ ذا غُرَّةٍ، وَهُوَ بياضٌ في مُقَدَّمِ وَجْهِهِ، وكذَلِكَ الغُرْغُرَة، والغُرَّةُ أَيْضًا: خِيارُ كُلِّ شيءٍ وما بدا لَكَ مِنْ صُبْحٍ أَوْ ضَوْءٍ فَقَدْ بَدَتْ غُرته. وغرة الإنْسانِ وَجْهُهُ. والأغرُّ: الأبَيضُ مِنْ كُلِّ شيءٍ. والأغَرُّ مِنَ الأيَّام الشَّدِيدُ الحَرِّ. والرَّجُلُ الكَرِيمُ الأفْعالِ الواضِحِ المكارم. والأغَرُّ: الذي أخَذتِ اللِّحْيَةُ جَمِيعَ وَجْهِهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إلَّا القَلِيلُ. الأغَرُّ والغُرْغُرَةُ: الرَّجُلُ الشَّريف.
والغَرَّاءُ: نَبْتٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، ويقال لَهُ: الغريراء (٤) أيضًا، وقال أبو
стр. 319
حنيفة (١): الغَرَّاءُ نباتُها مثل نبات الحرر. ولها أيضًا حَبٌّ كحَبِّهِ، وهي سَهْلية ورائِحَتُها طَيِّبَة. وقال الغافقي: رقيق البزر طَيِّبُ الرَّائِحَةِ. والغَرَّاء أيضًا: الشَّدِيدة الحَرِّ، يُقَالُ: هاجِرَةٌ غَرَّاء، وظَهِيرَةٌ غَرَّاء، ووديقَةٌ غَرَّاء، إذا أُرِيدَ وَصْفُها بِشِدَّةِ الحَرِّ (٢).
والغُرَّى: السَّيِّدَةُ الكَبِيرَةُ في قبيلَتِها (٣) إذا ثبت ذلك فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المدينة سُمِّيَتْ بِها لِشَرَفِ مَعَالمها، وَوُضُوح مكارِمها، أو لِسُطُوع نورها، ولموع بُدُورها، أو لِصَفاءِ جبالِها وبَياضِ تُرَابها، أو لِكَثْرَةِ نَخْيلِها، أو التفافِ خَمِيلها، أو لذكاءِ ريِحها، وطِيب رائِحَتِها، أوَ لسيادتِها على القُرى، ورياسَتِها على أمْصَارِ الورَى. أو لأنَّها أظْهَرُ البلادِ سِكَكًا وشَوارعَ، وَأَهْلُها أَرْسَخُ العالَمينَ في المكارِمِ طبائِعِ، وأجرى إلى بِرِّ مَنْ هاجَرَ إليهم أو وفَدَ عليهم شمائِل ومنارِعَ، فخلائقهم أَسْمَح، ونواسقهم أفتح، وبواسِقُهم أنْفَحُ وأسْمَح، ومساكِنهم أَرْفَعُ وَأَفْسَح، وأحْوَالُ المجاوِرين بِها أهْدَى وأسكن، والطِّباعُ فيها إلى الطَّاعاتِ أَمْثلُ وأَرْكن.
وأما قَولُ أبي وجزة (٤):
كأنَّهُمْ يَوْمَ ذي الغَرَّاء حَينَ غَدَتْ … نُكْبا جمالهمُ للبَيْنِ فانْدَفَعُوا
لم يُصْبِحِ القَوْمُ جِيرانًا، فَكُلُّ نَوى … بالنَّاسِ لا صَدْعَ فِيها سَوْفَ تنصدعُ (٥)
стр. 320
فإنَّهُ أرادَ بِذِي الغَرَّاء مَوْضِعًا لعقِيقِ المدينَةِ ذكرناهُ في مَوْضِعِهِ.
وَأَمَّا ما أَنْشَدَهُ الأصْمَعِيُّ مِنْ قَوْلِ الشاعر:
وناصِفَة الغَرَّاء هَدْيٌ مُحَلَّلُ (١)
فإِنَّ الغَرَّاءَ هُنا اسْمُ مَوْضِعٍ بِنَجْدٍ في ديار بني أسَدٍ، وَهِيَ جُرَيعَة في ديار بني أسد، وناصِفَةُ قُوَيْرَة (٢).
غَلَبَةُ: مُحَرَّكةَ بِمَعْنَى الغَلَب. هذا اسمٌ قَدِيمٌ جاهِليٌّ. قال اللُّغَوِيُّون: الغَلَبُ (٣) والغَلْبُ والغَلَبَة، بالتَّحْرِيكِ، والغُلُبَّةُ، بِضَمَّتَيْنِ مُشَدَّدة الباء. والغَلُبَّةُ، بِفَتْحِ الغَيْنِ، والمَغْلَبَة، والمَغْلَب، والغُلُبَّى (٤)، والغَلابِيَةُ: كُلُّ ذلك بِمَعْنَى؛ وهو القَهْرُ والاستيلاء. وقَدْ غَلَبَ يَغْلِب، كَضرَبَ يَضْرِبُ (٥). وَإِذا اسْتَبانَ ما ذكرناهُ عُرِفَ أَنَّ فيها ثلاثَ لُغَاتٍ.
غُلُبَّةٌ (٦): سُمِّيَتْ بذلِكَ لِظُهُورِها واستيلائها على البلادِ والأقْطارِ، وغَلَبَتِها وتَسَلُّطِها على ما سِوَاها مِنَ المدائِنِ والأمْصَار، وَهَذا اسْمٌ جاهِليٌّ قديمٌ.
قال الزُّبَيْرُ بنُ بكَّار: وكانَتْ يَثْرِبُ في الجاهِليَّة تُدْعَى غَلَبَة؛ نَزَلَتِ اليَهُودُ على العمالِيقِ فَغَلَبَتْهُم عليها، ونَزَلَت الأوْسُ والخَزْرجُ على اليَهُودِ فَغَلَبُوهم عليها، ونَزَلَ المُهاجرون على الأوْسِ والخَزْرَجِ فَغَلَبُوهم عليها (٧).
стр. 321
القاصِمَةُ: هذا الاسْمُ من الأسْماءِ المذكورَةِ في الكُتُب السَّماويَّة، وهي مِنَ الأسْماءِ العَشر التي في التوراة قَدْ ذكرناها في العذراءِ. وهي مُشْتَقَّةُ من قَصَمَ الشَّيءَ يَقْصِمُه، إذا كسره وأبانَه، فانْقَصَم وتَقَصَّم: انكسر. والقاف والفاء سواءٌ في ذلك؛ تقول: فَصَمَهُ يَفْصِمُهُ إذا كسره، فانفَصَمَ وتَفَصَّمَ (١).
والقَصْماءُ: المَعْزُ المَكْسُورةُ القرنِ. ورجلٌ أقْصَمُ الثَّنِيَّةِ، أي: مُنْكَسِرُها من النِّصْف فهو بيِّنُ القَصَمِ. وَشَيءٌ قَصِمٌ بكسر الصَّاد: سريعُ الانكسار. سُمِّيَتْ بِها لأنَّها قَصَمَت كُلَّ جبَّار عناها، وكَسَرَتْ كُلَّ مُتَمَرِّدٍ أتاها وخَطَاها (٢)، كما أن مَكَّةَ سُمِّيَتْ مَكَّةَ لأنَّها تَمُكُّ الفاجِرَ وتَمُصُّه، كما تَمُكُّ العَظْمَ وتَمُصُّ لاستِخْراجِ مُخِّه، إِذْ تُخْرِجُهُ مِنْها كما يُخْرَجُ المُخُّ (٣).
فَهِيَ قاصِمَة، كم قَدْ أَدْخَلَتْ مِنْ جَبَّارٍ في خبر كان، وقربت بَيْنَ طَرفَي الزَّمانِ والمكانِ. كم أَصْعَل من صَعْل (٤) عَصَلَتهُ بعاصِلِ (٥) داود، وكم أَفْلَجَ مِنْ
стр. 322
فَالِجٍ أَفْلَجَتْ (١) على أعناقِه فوالج الدُّود، وكم جاثَلِيقٍ (٢) أَنْزَلَتهُ مَنْزِلَةَ الجعالِيق، وكم رَمَتْ بِجَلاميقها (٣) الصَّوائب حمالِيق (٤) العمالِيق، فهي (٥) للجبابرة كما يقُولُ الشاعر:
إنَّ القَصِيمَ بَلَدٌ مَحَمَّهْ … أَنْكَدُ أَفْنَى أُمَّةً فَأُمَّهْ (٦)
أراد بهِ القَصيمَ الذي يَشُقُّهُ طَرِيقُ بَطْنِ فَلْجٍ. قال أبو عُبَيْدِ (٧): هذا القَصيمُ قريبٌ مِنَ النَّباجِ يَسْرَةً في أقوازه وأجارِعِهِ، فيه أَوْدِيَةٌ وفيه أشجارُ التِّين والخَوْخِ والرُّمَّانِ، وفِيه يَقُولُ زيْدُ الخَيْلِ (٨):
ونَحْنُ الجالِبُونَ سِباءَ عَبْسٍ … إلى الجَبَلَيْنِ مِنْ أَهْلِ القَصِيمِ
فَكان رواحُها للحيِّ كَعْبٍ … وكانَ غُدُوُّها لبني تَمِيمِ (٩)
قُبَّةُ الإسلام: وهذا الاسْمُ مِمَّا سَمَّاها بِهِ رَسُولُ الله ﷺ في حديث رويناهُ
стр. 323
من عند الطَّبراني في مُعْجَمهِ الأوْسَطِ والصَّغِيرِ. قال: حَدَّثنا مُحمَّد بن عبد الله الحَضْرَمي، قال ثنا عيسى بْنُ مينا، قال: ثنا عبد الله عن المُثَنَّى القاري عن سَعِيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رَسُولُ الله ﷺ : "المدينَةُ قُبَّةُ الإسْلامِ، ودارُ الإيمانِ، وَأرْضُ الهِجْرَةِ، وَمُبَوَّأُ الحلالِ والحرام".
لا يروى عن النَّبي ﷺ إلا بِهذا الإسناد، تَفَرَّد به عيسى بن مينا، قالون.
قَرْيَةُ الأنْصَار: قال ابْنُ سِيدَه: القَرْيَةُ والقِرْيَة، بالفَتْحِ وبالكَسْرِ، المِصرُ الجَامِعُ (١) من قولهم: قَرَى الماءَ في الحَوْضِ يَقْرِيهِ (٢) قريا وقَرىً إذا جَمَعَهُ فِيهِ، وقَرَى البَعِيرُ جَمَعَ جرَّتَهُ في شِدْقِهِ. والمَقْرى والمَقْراةُ: كُلُّ ما اجتمع فيه الماء، والمِقراةُ أيضًا: القَصْعَةُ يُقْرَى فيها. والمَقارِي: القدور. سُمِّيَتْ المدينة الجامعة قَرْيَة لجمعها النَّاس وما يحتاج إليه الإنسان. والجمع قرى، والنسبة إليها قرئي وقروِي. والقاري: ساكنها. وأقرى: انتقل إلى القرى فلزمها. و (القريتين) في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ (٣) المُرَادُ بِهما مَكَّةُ والطَّائف (٤)، لا مَكَّةَ والمدينة كما ظَنَّهُ بَعْضُ الأغْبياء.
والأنْصَار إخْوَانُ المُهاجرين، آخى رَسُولُ الله ﷺ بَيْنَهُم وبَيْن المهاجرين بَعْدَ أنْ كانَ قَدْ آخى بَيْنَ المُهَاجرين بَعْضِهُم مِنْ بَعْضٍ، يُرِيدُ أنْ يُبيِّنَ فَضْلَهُم، وأنَّهم قُرَناؤهم في الفضيلَةِ. ونَظُراؤهم في المرتبة، وَرُبَّما قالوا: قُرَيْشٌ والأنْصَار، يَعْنُونَ بِقُرَيشٍ المُهَاجرين، وما أكْثَرَ من يتكَلَّم بِهذا: قال الأخطل:
стр. 324
ذهَبَتْ قرَيَشٌ بالمفاخِرِ كُلِّها … واللُّؤم تَحْتَ عمائِمِ الأنْصَار (١)
وذَلِكَ أَنَّ عبد الرَّحمن بن حَسَّان، وكان مِنَ الأنْصَار، شَبَّبَ بِبِنْتٍ لِمُعاوية (٢) فَقَال:
ثمَ خاصَرْتُها إلى القبَّةِ الخَضْرا … ءِ تَمْشي في مَرْمَرٍ مَسْنُونِ (٣)
فَحَمل يزيدُ بن معاوية الأخْطَل على هِجاءِ الأنْصَار، فَقَال شِعْرًا فِيهِ البَيْتُ المُتَقَدِّم، فَدَخَلَ النُّعْمان بن بَشيرٍ الأنْصَاري على مُعَاوية، ووَضَعَ عِمامَتَهُ عن رَأْسِهِ فقال: يا معاوية هل تَرَى لُؤمًا؟ قال: بَلْ أرى كرمًا فما ذاك؟! فأخْبَرهُ بِما قال الأخْطَلُ، فوهَبَ لَهُ لِسانَهُ. فَمَنَعَهُ يزيد، وقال: هو جاري (٤).
والأنْصَار: واحِدُهم ناصِرٌ، سُمُّوا بذَلِكَ لِنَصْرِهم رَسُولَ الله ﷺ بأمْوَالِهِم وأَنْفُسِهم، ومدَحَهم الله تعالى في كتابِهِ العزيز فقال: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ (٥) وذلك أَنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا هاجرَ إليهم، ونَزَلَ عليهم سُرُّوا بِمَقْدَمهِ وفَرِحُوا بِمَأْتاه، ثُمَّ آوَوْهُ ونَصَرُوهُ فَسَمَّاهم رَسُول الله ﷺ بهذا الاسم، وأَثنى عَلَيْهِم فقال (٦): "الأنْصَار كَرْشي وعيبتي (٧)، ومَعْدِن سِرِّي" (٨) "ولو سَلَكَ النَّاسُ وادِيًا وسلكت
стр. 325
الأنْصَار شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأنْصَار، ولولا الهِجْرَةُ لكُنْتُ امْرَءًا مِنَ الأنْصَار" (١).
وهذان اسْمانِ سَمَّى بِهما رَسُول الله ﷺ أصحابَه، لَمْ يُسَمَّ بِهِما أحَدٌ قَبْلَ ذلك. قال الكُمَيْتُ:
في طَلَقٍ مِيحَ للأوس (٢) والخَزْ … رَجِ ما لا تَضَمَّنُ القُلُبُ
مَجْدُ حياةٍ وَمَجْدُ آخِرَةٍ … سَجْلان لا يَنْزَحانِ ما شَرِبُوا
واسْمٌ هُوَ المُسْتَفَادُ لا النَّبْزُ الـ … ــــكاذِبُ مَنْ قالَهُ ولا اللقَبُ
لا مِنْ تلادٍ ولا تُراث أبٍ … إلَّا عَطاءَ الذي لَهُ غَضِبُوا (٣)
يقول: كانت هجرة رَسُول الله ﷺ في وجه رزق الله فيه الأوس والخَزْرج، فَمَنَح لهم مَجْدَ حياةٍ ومَجْدَ آخِرَة لم يُمَحْ لهم الماء الذي يَخْرُجُ مِنَ القُلُبِ. مثَّل المَجْدَ الذي أعطاهُ الله الأنْصَار فصارَ فخرًا لَهُم في الدنيا وَذُخْرًا لَهُم في العُقْبى، وَهُوَ مَجْدُ حَيَاةٍ ومَجْدُ آخِرَةٍ سَجْلانِ لا يَنْزَحان. والسَّجْلانِ: الدَّلوانِ العَظِيمان، جَعَلَهُ مِثالًا لِذلك. ولا ينزحانِ: لا ينفدان. ثُمَّ قال: اسْمٌ هو المستفاد، ليس بنَبْزٍ ولَقَبٍ كاذِبٍ، ثُمَّ هو اسْمٌ حَقٌّ؛ أَرَادَ أنَّهُم سُمُّوا الأنْصَار لِنَصْرِهم رَسُولَ الله ﷺ ، وَلَيْسَ هذَا الاسْمُ مِنْ تلادٍ ولا تُرَاثٍ لكن عطاء الله ، لأنَّهُم غَضِبُوا لله تعالى فَأعطَاهُمُ الله ﵎ ذلك
стр. 326
شرفَ الدُّنيا والآخِرة، ولبَّسَهم هذا الاسم هِبَةً مِنْهُ لَهُم وَجَزَاءً على فِعْلِهِم عاجلًا وَآجِلًا. قال الكُمَيْتُ في ذَلِكَ:
هِجْرَةٌ حُوِّلت إلى الأوْسِ والخَزْ … رَجِ أَهْلُ الفَسِيلِ والآطام
عِزُّ دُنْيا مُحَالِفًا واسْمُ صِدْقٍ … باقِيًا مَجْدُهُ بقاء السلامِ (١)
يَعْني هِجْرَتَهُ إلى المدينَةِ حُوِّلت عَن الدُّنيا إلى الأوْسِ والخَزْرج فهُمُ الأنْصَارُ (٢).
المَرْحومَة: الرَّحْمَة، والرَّحَمَة، بالتَّحْرِيك، والرُّحْمِ والرُّحُمُ والمَرْحَمَةُ، كُلُّ ذلك بِمَعْنَى، وهو الرِّقَّةُ والمَغْفِرَةُ والتَّعَطُفِ (٣).
يقال: رَحَّمَ عَلَيْهِ تَرْحِيمًا، وترحَّمَ عَلَيْهِ تَرَحُّمًا، والأولى الفُصحى (٤). والاسْمُ: الرُّحْمَى بالضّمّ، كَبُشْرَى، والرَّحْمَةُ أيضًا: النُّبُوَّةُ، قِيلَ: ومِنْهُ قوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٥).
وهذا الاسم مِن الأسْماءِ التي سمَّاها الله تعالى به في الكُتُب السَّماوِيَّةِ فيما رُوِّيْنا عن إبراهيم بن يحيى أنَّهُ قال: للمدينة في التَّوراةِ أحَدَ عَشَر اسْمًا، المدينة، وطَيْبة، وطابَة، والمَسْكِينَة، وجابِرَةٌ، والمجبورة، والمَرْحُومَة، والعَذْراء، والمُحَبَّةُ، والمحبوبَة، والقاصِمَةُ. وقد تَقَدَّم في ترجمة العذراء.
стр. 327
فلمَّا كانت المدينَةُ مَحَلَّ رحماتِ أَرْحَمِ الرَّاحمين، ومَقَرَّ النبي ﷺ الذي أَرْسَلَهُ الله رَحْمَةً للعالمين، وَمَوْطِنَ من بَشَّرَهم الله بِرَحْمَتِهِ، وخَصَّهُمْ بِرَأْفَتِهِ في الغابِرِين، وكانت القَرْيَةُ تقري (١) المواهب الإلهية مخطومة (٢) مَمْلُوءة، وسَنِيَّاتُ العَطِيَّات مَحْشوَّة مَرْحُومَة، وشُرور أهل الطغيانِ والعُدْوانِ بِعَيْنِ عِنَايَةِ الرَّحمن عنها مَصْرُوفَة مَدْفُوعَة، ناسَبَ أن تُدْعَى من بَيْن سائر البُلدَانِ بالمرحومة.
المَحْبُورَةُ: هذا الاسم مُشْتَقٌ مِنَ الحَبْرِ، بالفَتْحِ وَهُو السُّرُورُ وكذلِكَ الحَبْرَةُ والحَبَرُ بالتَّحْرِيكِ، والحُبُورُ كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنَى، وهو الفَرَحُ والمَسَرَّة، ومن الحَبْرِ والحَبْرَةِ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ، والحُبْرُةُ أيضًا: السَّماعُ في الجَنَّةِ، وكُلُّ نِعْمَةٍ حَسَنَةٍ، والحَبْرَةُ أيضًا: المبالَغَةُ فيما وُصِف بِجَمِيلٍ (٣).
والمِحْبارُ من الأرْضِ السريعة النبات، وَحَبِرَتِ الأرْضُ كَفَرِحَتْ، وَأَحْبَرَتْ أي: كثر نباتُها. وَأَحْبَرَهُ: سرَّهُ وَفَرَّحه، فإنْ ثَبَتَ حَبَّرهُ بمَعْنَى أَحْبَرَهُ فَذَاك، وإلَّا قُدِّر له فِعْلٌ ويَكُونُ بِمَعْنَى المَبْرُورة، أو بمَعْنَى الكثيرَ النِّعمَةِ، أو بِمَعْنَى المَمْدوحَةِ المبالَغِ في مَدْحِها، أو بِمَعْنَى السَّرِيعةِ النَّباتِ، الكَثِيرَةِ الخَيْرَاتِ كما جاء في الحديث أنَّهُ قال ﷺ لعائشة ﵂: "كيف بِكِ يا عائشِةُ إذا رجع النَّاس المدينة فكانت كالرُّمَّانَةِ المَحْشُوَّة، قالَتْ: فَمِنْ أيْنَ يأكُلُّون يانبي الله؟ قال: يُطْعِمُهم الله تعالى مِنْ فَوْقِهِم، ومن تَحْتِ أَرْجُلِهِم، وَمِنْ جَنَّاتِ عَدْنٍ" (٤).
стр. 328
المَحْفُوفَةُ: مِنْ حَفَّ فُلانٌ فُلانًا بكذا إذا أَحاط بِهِ. وفي المَثَلِ: مَنْ حَفَّنا أو رَفَّنَا فَلْيَقْتَصد، أو فَلْيترك. أي (١): مَنْ طافَ بنا واعتنى بِأَمْرِنا وخدمنا (٢).
ومِنْه قَوْلُهم: ما لَهُ حافٌّ ولا رافٌّ، وذَهَبَ مَنْ كان يَحُفُّهُ أو يَرُفُّهُ (٣)، و ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ (٤)، أي: مُحْدِقين بأحِفَّتِهِ، أي: جوانِبِهِ (٥).
سُمِّيَتْ بِها؛ لأنَّها مَحْفُوفة بالملائِكةِ الكِرَام، مُحَاطةٌ بالعِنايَةِ التي لا غايَةَ بَعْدَها إلى يَوْمِ القيامِ، محفوظَةً مِنَ المكارِهِ والمَخَاوِفِ والأوْجال، على أبْوَابِها ملائِكَةٌ لِئلَّا يَدْخُلها الطَّاعُونُ ولا الدَّجَّال، قد ضَمِنَ الله بالحِفْظِ والكلأ دُورَها وحصونَها، ووكَّلَ على أبوابها ملائِكة يَحْرُسُونَها، فَشُرُورُ الجبابِرَةِ عنها مصروفَةٌ مكفُوفة، وَسُورُها وقُصُورُها بِملائِكَةِ الرَّحْمَنِ مَحْفُوفُة.
المُخْتَارَة: المُجْتَباةُ مِنْ قولهم: اختارَهُ إذا اصطَفَاه، ويُقَال: اخْتَرتُهُ للرِّجال، واختَرْتُهُ مِنَ الرِّجال، واخْتَرْتُهُ على الرِّجالِ، كُلُّ ذلك بِمَعْنَى (٦).
والاسْمُ: الخِيرَةُ بالكَسْرِ، والخِيَرَةُ كَعِنَبَةٍ، والاسم من الاخْتِيار الخِيارُ (٧)، والمُخْتَارَةُ - أَيْضًا - مَحَلَّة كبيرَةٌ بِبَغْدَاد (٨)، والمُخْتَارُ - أيضًا - لكن بِغَيْرِ هَاءٍ، قَصْرٌ كان بسامرَّاء للمتوكل، قالوا قد أَتْقنوا الصُّنْعَ في بنائها وزَخْرَفَتها، وُجد على حائِطٍ من حِيطانِها بَعْدَ تَهدُّم بنيانه:
стр. 329
هذي دِيَارُ مُلُوكٍ دبَّرُوا زَمَنًا … أَمْرَ البِلادِ وكانوا سادَةَ العَرَبِ
عَصَى الزَّمانُ عَلَيْهم بَعْدَ طاعَتِهِ … فانْظُرْ إلى فِعْلِهِ بالجوسقِ الخرب
وبزكُوار وبِالمُخْتَارِ قَدْ خَلَتا … مِنْ ذلك العزّ والسّلْطانِ والرُّتَبِ (١)
سُمِّيَتْ المدينة مختارَةً؛ لأنَّهُ اخْتَارَها من جَمْيعِ الأرْضِ لِمُهَاجَرِ خَير الخَلْقِ وحبيبه في خِيرَته، واخْتَارها مَضْجَعًا لِجَسَدِه الكَرِيمُ بَعْدَ وفاته ﷺ .
المُؤْمِنَةُ: الإيمانُ لُغَةً: التَّصْدِيق، والإيمان - أيضًا - الإدخال في الأمْنِ والأمانِ، فَإِنْ كانَت بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ يحتمل فيها وجهان:
الأول: أنْ تُجْعَلَ على الحَقِيقَةِ وأنَّها هي مُصَدِّقةٌ بالله تعالى، مُؤمنَةٌ مُطِيعَةٌ كسائِر المُؤمِنين مِنْ ذوي العُقُولِ، قال تعالى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٢) وقال : ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ (٣) وقَدْ سَبَّح الحَصَى في كفِّه ﷺ ، فلا غرْو أَنْ يَخْلُقَ الله تعالى في الجماد قوة قابِلَة للتَّصْدِيق والتكذْيبِ ونَحْوِ ذلك، كما قال ﷺ : "نَهران مُؤْمِنَان، ونَهران كافِرَان، أمَّا المُؤمنانِ فالنِّيلُ والفُرَات، وأمَّا الكافِرَان فَدِجْلَةُ ونَهْرُ بلخ" (٤).
وإلى هذا ذهب كَثْيرٌ مِنَ العارِفين وَأَهْلِ التَّحْقِيقِ.
والثاني: أن يُحْمَلَ على المَجَازِ، وأنَّ المُرَاد بِها اتِّصَافُ أَهْلها بِصِفَةِ الإيمان، وأنَّ الإيمان مِنْهَا ظَهر وعنها انْتَشَر، وإِنْ كان بِمَعْنَى التَّصْدِيق فَيحتمل وجْهَيْن أَيْضًا.
ويقال: إنَّها سَمَّاها الله بِهذا الاسْم في الكتب السَّالِفَة.
стр. 330
روى الزُّبَيْرُ بن بكَّار، عن سُهَيل بن أبي صالح، عَنْ سليمان بن سُحَيْم أنَّهُ حَدَّثَهُ "أَنَّ يَهُودِيًا أتى ابن الزُّبَيْر فقال له: افَتَحِ الكَعْبَةَ، فَفَتَحها لَهُ فَأَسْلَمَ ثُمَّ قال لَهُ: اسْتَوْصِ بِأَهْلِ المدينَةِ خَيْرًا، فإنَّ رَسُول الله ﷺ كان بِبَلَدِكم هذا فَأخْرَجُوهُ إلى المدينة، والذي نَفْسي بِيَدِهِ إنَّ تُرْبتها لَمُؤمِنَة، ولو أنَّكَ لا تَعْلَمُ ذلك، إلَّا أَنَّ الله جَعَلَ جَسَدَهُ فيها، ولَمْ يَكُن الله تعالى لِيَجْعَل جَسَدَهُ إلَّا في تُرْبَةٍ مُؤمِنَةٍ، والذي نَفْسِي بيَدِهِ إنَّها عِنْدَنا في التَّوْراةِ لمكتوبَة مؤمِنَة، وإن الملائِكة لمَتُشَبِثَةٌ بأنقابِها لا يَدْخُلُها المَسِيحُ ولا الطَّاعون".
وروينا من عِنْد الزُّبير بِسَنَدِه إلى صيفي بن عامِرٍ حديثًا نذكُرُهُ في باب الفضائل إن شاء الله تعالى، وفيه: "والذي نَفْسِي بِيَدِه إنَّ تُرْبتها لَمُؤْمِنَةٌ، وإنَّها لَشِفَاءٌ مِنَ الجذَام" (١).
ومِنَ الدَّليل على أنَّها مُؤمِنَةٌ كونُها كالإنسانِ المُؤمِنِ، فإنَّها لا تقبلُ الغِشَّ والخبث كما أن المُؤمِنَ لا يَقْبَلُ الخَبَثَ والنِّفاق.
المبارَكَةُ: سُمِّيَتْ المدينة مباركَةً لأنَّه بورك (٢) فيها، والبَرَكَةُ في اللُّغَةِ: النَّماءُ والزِّيادَة، والبركَةُ - أيضًا - الخَيْرُ والسَّعادَة، والتَّبْرِيكُ: الدُّعاءُ بالبَرَكةِ، ويقال: بارَكَ الله لك وبارك فيك، وبارك عَلَيْكَ، وباركك (٣)، كل ذلك بِمَعْنَى، أي: حلَّتْ عليكَ البَرَكَةُ. وبارَكَ على الأمْرِ: واظَبَ. وتَبَرَّك: تَيَمَّنَ، وشَيءٌ بَرِيكٌ مُبَارَك فيه، والمدينَةُ مبارَكَةٌ لا مِرْيَة فيها: لما رُوِّيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ يرفَعُهُ: "اللهُمَّ بارِك لنا في ثمرنا، اللهُمَّ بارك لنا في مَدِينتَنا، وبارِك لنا في صاعِنا، وبارِك لنا في مُدِّنا، اللهُمَّ إنَّ إِبراهيم عَبْدُكَ وخَليلك
стр. 331
ونبيك، وإني عَبْدُكَ ونَبِيُّكَ، وأنَّهُ دَعاكَ لمكَّة، وإني أَدْعُوكَ للمدينةِ بِمِثْلِ ما دعاك بِهِ لمكَّة ومثْله مَعَه" (١).
ولما روينا من حديثِ أَنسٍ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قال: "اللهُمَّ بارِك لهم في مكيالِهم، وبارِك لهم في صاعِهم، وبارِك لهم في مدِّهم" يعني أهل المدينة (٢).
ولما روينا من حديث عائشة ﵂ ترفَعُهُ: "اللهم حَبِّب إلينا المدينة كحُبِّنا مكَّةَ أو أشدَّ، وصَحِّحْها، وبارك لنا في صاعها ومُدِّها" (٣).
وفي لَفْظٍ: "اللهم بارك لهم في سُوقِهم، وبارك لهم في صاعِهِم، وبارك لهم في مُدِّهم" (٤).
وجميع هذه الأحاديث تأتي بأتم من هذا في باب الفضائل إن شاء الله تعالى فَلْتنظر هناك، وإنَّما أتينا هنا بِمَوَاضِعِ الاستدَلال على "المباركة" والاستشهاد لهذه التَّسْمِية.
ولما روينا أيْضًا من حَدِيثِ علي بن أبي طالب ﵁ يَرْفَعُهُ:
стр. 332
"اللهم إنَّ إبراهيم كان عَبْدَكَ وخَلِيلَك، ودَعا لأهل مكَّة بالبركة، وأنا عبدك ورَسُولُكَ أَدْعُوكَ لأهل المدينة أن تُبارِك لهم في مُدِّهم وصاعهم مِثْلَيْ ما باركْتَ لأهل مكَّةَ مَعَ البركَةِ بركتين" (١).
ومن حديث أَنَسٍ ﵁ يَرْفَعُهُ: "اللهم اجْعَل بالمدينة ضِعْفَي ما جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ البركةِ، اللهم بارك لَهُم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم وبارِكْ لهم في مُدِّهم" (٢).
ومِنْ حَدِيثِ أبي هُرَيرة ﵁: "اللهم بارك لنا في مَدِينتِنَا، وفي ثِمارنا، وفي مُدِّنا، وفي صاعِنا بركةً مع بركةٍ" (٣).
ومِنْ حَدِيثِ ابن عُمَر ﵄ يَرْفَعُهُ: "اصْبِرُوا يا أَهْلَ المدينة وأَبْشِرُوا، فإنِّي قَدْ بارَكْتُ على صاعِكُم ومُدِّكم" (٤).
وفي هذه الأحادِيث دَلِيلٌ لائِحٌ وبُرْهَانٌ واضِحٌ على تَفْضِيلِ هذه
стр. 333
البَلدة (١) الكريمة المباركة، وتَعْظِيم شَأْنِها، وتَفْخِيمِ مكانتها ومكانها.
وقد يتعلَّق بِهذه الأحاديث جماعَةٌ مِنَ العُلماءِ وفقهاءِ الإسلام، ويَسْتَدِلُّون به على أَفْضَلِيَّةِ هذه البلدة على سائِرِ البُلْدَانِ مُطْلَقًا، مكَّة وغيرها. ومِمَّن قال بذلك عُمَرُ بن الخَطَّاب، وعبد الله بن عُمَر ﵄، والإمامُ مالِك وغيرهم، قالوا: دَلَّت هذه الأحاديث على ذلك من وُجُوهٍ:
الأوَّل: أَفْضَلِيَّةُ الدَّاعي هُنا.
الثاني: أَكْثَرِيَّةُ المَدْعُو به، لأنَّهُ سَأَلَ مِثْلَ ما سَأَلَ إبراهيم مِنَ البركةِ ومِثْلَهُ مَعَه، ومع البركة بركتين، قالوا: وهذا صريحٌ في التَّفْضِيل.
الثالث: تكْرَارُ الدُّعاءِ، فإنَّهُ قَدْ ثبت - هنا - أنَّهُ ﷺ دعا للمدينة بِهذه الدَّعوات غير مَرَّة، ولم تَثبْتُ دَعْوَة إبراهيم ﵊ سوى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ (٢) وقَدْ بَسَطْتُ القَوْل في ذلك وفي الجوابِ عَنْهُ في كتابي "مُهِيجُ الغرامِ إلى البَلَدِ الحرام" (٣).
ولَقَدْ ظهرتْ آثارُ الدَّعوة المُباركةِ المَقْبُولَةِ في شَأْنِ المدينة المُقَدَّسَةِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَمِنْ أَوْضَحِها وَأَثْبَتِها ما هُوَ مُشَاهَدٌ مُعَايَنٌ للخاصِّ والعامِّ وَلِكُلِّ الخلائِقِ، لاسِيَّما لِمَنْ شاهَدَهُ من أَهْلِ الإسلام، وَهُوَ أَمْرُ تمَرِه المبارَك الذي شَمِلتْهُ آثار من تلك الدَّعوات الكريمات، فإِنَّه تَفِدُ عليه الوُفُود مِنْ كُلِّ قُطْرٍ بِحَيْثُ يَعْجِزُ العادُّ عَنْ إحصائِهم وحَصْرِهِم، وَيَرِدُ إليه الوارِدُونَ مِنْ سائِرِ الآفاقِ والأقْطار وجميع البُلْدانِ والأمْصَارِ مِنْ أُمَمٍ لا يُحْصِيهم إلَّا خَالِقُهم ومُنْشِيهم، ولا يَكاد يَرْجِعُ أحَدٌ مِنْهُم إلا مستصْحِبًا من ذلك التَّمر المبارَك لجزءٍ له بال،
стр. 334
حسَب حال حامِلِه من إكثارٍ وإقْلالٍ، حَتَّى إن فيهم مِنْ أرْبابِ الثَّراءِ مَنْ يَحْمِلُ مِنْهُ عِدَّةَ أحمال، ثُمَّ عِنْدَ عَوْدِهِ يَنْشُرُهُ على من عاقَهُ بِبَلَدِهِ قِلة التوفيقِ، ومَنَعه العلائق عن الفوزِ بسلوك هذا الطَّور، حتَّى يَعُمَّ ذلك خَلْقًا كَثيرًا، ويكون ذلك في النُّفُوس مِنْ أَعْظَمِ الهدايا موقعًا، وَتَأثرًا هذا بعدما يقتات (١) به أهل المدينة الشَّريفة ومَنْ حولهم من الأعراب ينالُونَ مِنْهُ من أول الإبلاحِ والإزْهاءِ إلى آخِرِ الإثمار (٢) والإرطاب وهذه بركة ظاهِرةٌ في الحِسِّ والعيان، ومُعْجِزَةٌ باقِيةٌ على مَرِّ الأزمانِ والأحيان.
ومن بركاتها سُهُولة القناعَةِ بِها والتَمَرِّي باليَسِيرِ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ والملابسِ والثِّيَابِ وجَمِيعِ ما يُحتاج إليه مِنْ أُمُورِ المعاشِ، ويكونُ به الارتفاقُ والانتعاش، وذَلِكَ بِبَرَكةِ دعاءِ النَّبيِّ ﷺ فيما رواه الزُّبير بن بكار بِسَنده إلى إسماعيل بن النعمان قال: دعا رَسُول الله ﷺ لِنَعَمٍ كانت تَرْعى بالمدينَةِ، فقال: "اللهُمَّ اجْعل نِصْفَ أكْرَاشِها مِثْلَ مَلْئِها في غَيْرِها مِنَ البلادِ" (٣) فَقُبِلَتْ دَعْوَتُهُ ﷺ ، وتعدَّت إلى سائِر سُكَّانِها. وذلك أَمْرٌ مَحْسُوسٌ مُشَاهَدٌ؛ يَأتي الرَّجُلُ المُترَفُ المُعْتَادُ بالإكْثارِ مِنَ المَآكلِ والمطاعم الشَّهِيَّةِ فَيَسْكُنُ المدينة فيَعُودُ بعد قليل إلى حالةٍ تسلب منه جَميعَ تِلْكَ العاداتِ والأخلاقِ، ويَقْتَنِعُ فيها مِنَ العَيْشِ باليَسِيرِ مِنَ الطعامِ، وَهُوَ في ذَلِكَ غَيْرُ مَضْنُوكٍ ولا مُضَامٍ.
المَحْفُوظَةُ: سُمِّيَتْ بِها لأنَّ الله تعالى حَفِظَهَا وَصَانَها، وزَيَّن بيانع الخَيْراتِ والبركاتِ أَغْصَانَها. وفي حَدِيثِ النَّبيِّ ﷺ : "القُرى المحفوظَة أَرْبعٌ؛
стр. 335
مكَّة، والمدينَة، وَإِيليا، ونَجْران" (١).
المدينَةُ: ومَدِينَةُ رسُولِ الله ﷺ ، المدينَةُ مَأْخوذةٌ من فِعْلٍ مُمَاتٍ، وَهُوَ مدن بِمَعنىَ أقامَ، فَهِي فعيلَةٌ بِمَعْنَى فاعلة، أي: مُقيمَةٌ أهلها، أو بِمَعْنَى مَفْعُولة، أي: مُقَامٌ فيها. وقِيلَ مِنْ قولهم: دانَهُ يَدينُهُ إذا مَلَكَه، لأنَّ كُلَّ مدينَةٍ مَمَلُوكةٍ.
وقال أبو حاتمٍ في المدينة: هي مِن دانَ يَدِين، أَيْ: أطاعَ، سُمِّيَتْ بِها لأنَّ السُّلطَانَ يَسْكُنُها مِنْ بَينِ القُرَى وتُقَامُ لَهُ الطَّاعَةُ فيها، وهو أَمِينٌ مُطَاعٌ، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦)﴾ (٢).
قال: ومنها قيل لكل قريَةٍ يَسْكُنها أَمِير القُرَى التي حولها مَدِينَةٌ، ومِنْهُ المدِينَةُ للأمَةِ المملُوكةِ، وقيل: سُمِّيَتِ الأمَةُ مَدِينة مِنْ دانَهُ: أذَلَّه، لأنَّ العَمَل أذَلَّها، فَهِي على هذا مَفْعَلَة، أَصْلُهُ مَدْيَنَةٌ، فَنُقِلت حَرَكةُ الياء إلى الدَّال.
والمدِينُ: العَبْد، والمدِينُ: الأسَدُ. وأَنا ابْنُ مَدِينتها، أي: عَالمٌ بِها كما يُقَال ابن بَجْدَتِها.
والمدينة: الحِصْنُ الذي يُبْنَى في أُصْطُمَّةٍ (٣) مِنَ الأرض إلى وسَطٍ أو شَرَف. والمدينة: أَبْيَاتٌ مُجْتَمِعَة كَثيرَةٌ تجاوِزُ القُرى كَثرةً وعمارةً ولم تَبْلُغْ حَدَّ الأمْصَار، وقيل: يُقَالُ لِكُلِّ مِصر مَدِينَةٌ، وقيل: يُحْتَمَلُ أنْ يكون اشْتِقاقُ المدِينَة مِن تَمَدْينَ، إذا تنعَّمَ وترفَّهَ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لأنَّ تَمَدْيَن مُشْتَقة من المدينَةِ،
стр. 336
وتَمَدْيَن، بمَعْنى تنَعَّم، حَقِيقَةُ مَعْنَاهُ: تَخَلَّقَ بأخلاقِ أَهْلِ المُدُنِ من استعمالِ النِّعمَةِ والدَّعةِ (١).
والمدينة: عَلَمٌ لمدينة رَسُول الله ﷺ بحَيْثُ إذا أُطْلِقَ لا يبادِرُ إلى الفَهْمِ غَيْرهُا. قال صاحِبُ .... (٢) المدينة نكرَةٌ، اسْمٌ لِكُلِّ مدينة مِنَ المُدْنِ، وإذا أَرَدْتَ يَثربَ قُلْتَ: المدينة، لا تُقَال إلا مَعْرِفة؛ خُصَّت بِذَلِكَ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ سكنها، وله دانت الأُمَمُ ولأمته.
أيضًا علم لِسَتة عشر بَلْدَةً، وَهِي: أصفهان، وأنبار، وبغداد، وبخارى، وسَمَرْقند، وكازَروُن (٣)، ومَرْو، ومصر، ونَسَف، ونَيْسَابُور، وبَلَدٌ بالأندَلُس (٤)، وبلد بنواحي البَحرين (٥)، وبُلْدان بقزْوين، المباركة (٦)، والموسَوِيَّة، (٧) وبلدة معروفة على نَحْو ثلاث مراحل من دهك، وبَلَدٌ بَيْنَ الرَّيِّ وقَزْوين، غير أنَّه صار كالمهْجُورِ المتروك.
وقَدْ نُسِبَ إلى كل واحِدةٍ منها مديني، وإلى مدينة رَسُول الله ﷺ مدَني.
قال الليث: "المدينة اسْمٌ لمدينة رَسُول الله ﷺ خاصّةً، ونِسْبَةُ الإنسان إليه مَدَنِيٌّ، فأمَّا الطَّير ونحوه فلا يُقالُ إلا مديني (٨)، وشذ نسبة أبي
стр. 337
الحسن (١) علي (٢) بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السَّعدي المعروف بابن المديني، كان أَصْلُهُ مِنَ المدينة ونزل البَصْرة، كان حافظ وقْتِهِ (٣).
وقالَ البخاري: المديني هو الذي أقام بالمدينة ولم يُفَارِقْها، والمدني: الذي تَحَوَّل عنها وكان منها (٤).
هذا والمشْهُورُ أن النِّسْبَةَ إلى مدينة رسول الله ﷺ مدني مُطْلَقًا، وإلى غيرها من المدن مديني، للفَرْقِ لا لِعلَّةٍ أخرى (٥)، وربما رَدَّهُ بعضهم إلى الأصْل فَنَسبَ إلى مدينة الرَّسُول أيضًا مديني كما تقدَّم في .... (٦) المديني.
والمدينيُّون في النِّسبةِ إلى أصفهان فيهم كثرة. وأمَّا أبو سعيد الصَّابوني المديني فَنِسْبَة إلى بُخَارى. وإسْماعيل بن أحمد المديني إلى سَمَرْقَند، وأبو صادق المديني، وأبو علي الحَسَنُ بن يوسف المديني إلى مصر، وأبو روح حاتم بن يوسف المديني إلى مرو (٧)، وأبو يَعْقُوب يوسف بن حمدان المديني إلى مباركة قزوين (٨)، وأبو حامد بن شاكر (٩) المديني إلى نَسَف، وأبو عبد الله
стр. 338
محمد الحسين بن عمارة المديني إلى نيسابور (١).
وذكر المُنَجِّمُون أن طُولَ المدينة من جهة المغرب سِتُّون درجة ونصف، وعَرْضُها عِشْرون درجة، وهي من الإقليم الثاني من الأقاليم الحقيقية (٢)، ومن إقليم الحجاز من الأقاليم العرفية.
المَرْزوقة: هذا الاسْمُ مِنْ أَوْضَحِ الأسْماءِ مَعْنىً في حَقِّ هذا البَلَدِ المُقَدَّس، وذلك لأنَّ الرزق لُغَةً: الحَظُّ وما انتفع به (٣)، وَمِنْهُ قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ (٤). وخَصَّصَهُ العرب بِتَخْصيصِ الشَّيء بالحيوان للانتِفَاعِ به وتمكينهِ مِنه، وعلى هذا يكون المَعْنىَ مَرْزُوقَة الأهْلِ.
وقالت المُعْتَزِلَةُ: الحَرَامُ لَيْسَ برزقٍ، ولم يوافقهُم على ذلك جَماهِيرُ المُسْلمين بقول رسول الله ﷺ في حديث عُرْوَة بن قُرَّة: "لَقَدْ رزقَكَ الله طَيِّبًا فاخْتَرْتَ بِما حَرَّم الله عليك من رِزْقه مكانَ ما أحَلَّ الله لك من حلالهِ" (٥).
وأيضًا لأنَّه لَوْ لَمْ يكن كذلك لكان المُتَعَدِّي بالحرام طول عُمْرِهِ غير مَرْزوُقٍ، ولَيْسَ كذلك؛ لقوله : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٦).
المَشْكُورُ من قولهم: رزقَهُ إذا شكره، فالمدينة مَحْدُودةٌ مَحْظُوظَةٌ، وبِعَيْنِ عنايَةِ الله في الأزلِ مَحْفُوظَة، والمنافِعُ الدِّينيَّة والدنْيَوِيَّة لأهلها مَوْفُورَة، وهي على الألسِنَةِ كُلِّها بِأَنْواعِ المحامد والمماح مَذْكورة مَشْكُورَة. ويَشْهَدُ لها
стр. 339
بأنَّها مرزوقة مشاهِدُ صِدْقٍ مِنْ قول الصَّادقِ المَصْدُوقِ لعائِشةَ الصِّدِّيقَةِ ﵂: "يُطْعِمُهُم الله مِنْ فَوْقِهم ومِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِنْ جَنَّاتِ عَدْنٍ" (١).
وقوله ﷺ للصحابة، وأَشَارَ إلى السَّماء والأرْضِ، أو أنَّها مَرْزُوقةٌ بالأخيارِ دائمًا؛ لقول رسول الله ﷺ فيما صَحَّ عَنْهُ "لا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِن المدينةِ رَغْبَةً عنها إلَّا أبْدَلها الله خَيرًا مِنْهُ" (٢).
المِسْكِينَةُ: هذا مِنَ الأسْماء التي عَدَّها النبي ﷺ في حديثٍ رواه الزُّبَيْرُ بِسَنَده عن زَيْدِ بن أَسْلَم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "للمدينة أسماء هي المدينة، وهي طيبة، وطابة، ومسكينة، وجابرة، ومَجْبُورة، ويندد، ويثرب، والدَّار" (٣).
والمسكينُ - بكِسْرِ الميم وفَتْحِها - مَن لا شيءَ لَه، وقيل: المِسْكينُ مَن لَهُ شيءٌ لكنَّهُ لا يكْفيهِ. وقيل: المِسْكينُ مَنْ أَسْكَنَهُ الفقر، أي: قَلَّلَ حَرَكَتَهُ. وقيل: المِسْكِينُ الذَّليل. وقيل: المِسْكِين الضَّعيفُ. والجَمْعُ مَساكين ومَسْكِينُون.
وتَسَكّنَ، وتَمَسْكَنَ: صارَ مِسْكينًا. وَهِو مِسْكِينٌ أيضًا، ومِسْكِينَةٌ، والجَمْعُ: مِسْكِينات (٤).
стр. 340
وفي حديث ليس إسناده بالقائم: "اللهُمَّ أَحيني مِسْكينًا، وَأَمِتْني مِسْكِينًا، واحْشُرْني في زُمْرَةِ المساكين" (١). والمُراد بالمسكين: المُسْتكين الخاضِعُ الخاشِعُ المُتَواضِع.
قال ابنُ بَرِّي: اعْلم أن هذه المَسْألَة قد اخْتَلفَ فيها أَئِمَّةُ اللُّغَةِ؛ فذهب يُونُسُ إلى أنَّ الفقير أحسن حالًا من المسكين، وزعَمَ أَنَّهُ سَألَ بَعْضَ العَرَب فقالَ لَهُ: أَفَقِيرٌ أَنْتَ أم مسكين، فقال: لا والله بَلْ مِسْكِينٌ، فأَعْلَمَ أَنَّهُ أَسْوَأُ حالًا من الفَقيرِ، وإلى هذا القَول يذهب ابن السِّكيت (٢) وغيره، واحْتَجُّوا على هذا القَول بقول الرَّاعي:
أمَّا الفَقِيرُ الذي كانَتْ حَلوبَتُهُ … رِفْقَ العِيالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَه سَبَدُ (٣)
فأثْبَتَ أن للفَقِيرِ حَلُوبَةً، وجعلها رفقا لعياله. وقول مالِكٍ ﵀ في هذا كَقَوْل يُونس.
وقالَ الأصْمُعي: المِسْكِينُ أَحْسَنُ حالًا من الفقير (٤) وإلى هذا القَوْلِ
стр. 341
يَذْهَبُ علي بن حمزة الأصْبِهاني اللغوي (١)، ويرى أَنَّهُ الصَّوَابُ وما سِوَاهُ خَطَأ (٢).
واسْتَدَلَّ على ذلك بِقوْلهِ : ﴿مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ (٣) فأكَدَ سُوءَ حالِهِ بصِفَةِ الفَقْرِ، لأن المَتْرَبَة الفَقْرُ، ولا يُؤكَّدُ الشَّيء إلا بِما هُوَ أَوْكَدُ مِنْه، واسْتَدَلَّ أَيضًا بقوله جَلَّ وعَلا ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (٤) فَأَثْبَتَ أَنَّ لَهُم سَفِينَةً يَعْمَلُونَ عليها في البَحْرِ، واستَدَلَّ أَيْضًا بِقَوْلِ الرَّاجِزِ، أَنْشَدَ ابنُ الأعرابي:
هلْ لَكَ في أَجْرٍ عَظيمٍ تُؤجَرُه … تغِيثُ مِسْكينًا قَلِيلًا عَسْكَرُهُ
عَشْرُ شِياهٍ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ … قَدْ حَدَّث النَّفْس بِمصر يَحضرُهُ (٥)
فأَثْبَتَ أَنَّ لَهُ عشر شياهٍ، وأراد بِقَوْلهِ: عَسْكَرُهُ: غَنَمهُ، وأنَّها قليلة.
واستدل أيضًا بقول الرّاعي، وزعَمَ أنّهُ أَعدَل شاهدٍ على صِحّة قوله، وهو قوله: أما الفقير … البيت. لأنه قالَ: أما الفقير الذي كانت حلوبته، ولم يقل: الذي حلوبته. وقال: فلم يترك له سَبَد، فأعلمك أنه كانت له حلوبة تَقُوتُ عيالَه، ومَنْ كانت هذه حاله فَلَيس بفقير ولكن مسكين، ثم أَعْلمك أنها أُخِذَت منه، فصار إذ ذاك فقيرًا.
يعني ابن حمزة بهذا القول أنَّ الشاعر لم يُثْبِت أنَّ للفقير حلوبة لأنه قالَ: الذي كانت حلوبتُهُ، ولم يقل: الذي حلوبتُه، وهذا كما تقول: أمّا الفقير الذي
стр. 342
كان له مال وثروة فإنه لم يترك له سبدٌ، فلم يُثْبِتْ بهذا أن للفقير مالًا وثروةً، وإنما أَثْبَتَ سُوءَ حالِه الذي به صارَ فقيرًا بعد أن كان ذا مال وثروة.
وكذلك يكون المعين في قوله: أما الفقير … البيت، فحصَل بهذا أن الفقير في البيت هو الذي لم يُترك له سبدٌ بأخذ حلوبته، وكان قبل أخذ حلوبته مسكينًا، لأن من كانت له حلُوبةٌ فليس فقيرًا، وإذا لم يكن فقيرًا فهو إما غنيٌّ وإما مِسكينٌ، ومن له حلوبةٌ واحدةٌ فليس بغني، وإذا لم يكن غنيًا لم يبقَ إلا أن يكون فقيرًا أو مسكينًا، ولا يصحُّ أن يكون فقيرًا على ما تقدَّم ذكره، فلم يبق إلا أن يكون مسكينًا، فثَبَتَ أن المسكين أصلحُ حالًا من الفقير.
قال علي بن حمزة: ولذلك بدأ الله تعالى بالفقير قبل من يستحق الصدقة من المسكين وغيره، وأنت إذا تأملت قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١) وجدته قد رتبهم، فجعل الثاني أصلح حالًا من الأول، والثالث أصلح حالًا من الثاني، وكذا الرابع والخامس والسادس والسابع والثامن.
قال: ومما يدلك على أن المسكين أصلح حالًا من الفقير أن العرب قد تسمت به ولم تتسم بفقير، لتناهي الفقر في سوء الحال، ألا ترى أنهم قالوا: تمسكن الرجل فبنوا منه فعلًا على معنى التشبيه بالمسكين في زيه، ولم يفعلوا ذلك في الفقير إذ كانت حاله لا يتزيا بها أحد.
قال: ولهذا رغب الأعرابي الذي سأله يونس عن اسم الفقر لتناهيه في سوء الحال، فآثر التسمية بالمسكنة، أو أراد أنه ذليل لبعده عن قومه ووطنه، ولا أظنه أراد إلا ذلك (٢).
стр. 343
ووافق قول الأصمعي وابن حمزة في هذا قول الإمام المطلبي أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁ (١).
وقالَ قتادة: الفقير الذي به زمانة، والمسكين الصحيح المحتاج (٢).
وقال زيادة الله بن أحمد: الفقير القاعد في بيته لا يسأل، والمسكين الذي يسأل. فمن هاهنا ذهب من ذهب إلى أن المسكين أصلح حالًا من الفقير، لأنه يسأل فيعطى، والفقير لا يسأل ولا يشعر به فيعطى، للزومه بيته، أو لامتناع سؤاله فهو يتقنع بأيسر شيء، كالذي يتقوت في يومه بالتمرة والتمرتين ونحو ذلك، ولا يسأل محافظة على ماء وجهه، فحاله إذًا أشد من حال المسكين الذي لا يعدم من يعطيه، ويشهد لصحة ذلك قوله ﷺ : "ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، إنما المسكين الذي لا يسأل، ولا يفطن له فيعطى" (٣). فَأَعْلَمَ ﷺ أن الذي لا يسأل أسوأ حالًا من السائل، وإذا ثبت أن الفقير هو الذي لا يسأل، وأن المسكين هو السائل، فالمسكين إذًا أصلح حالًا من الفقير وأشد فاقة وضرًا منه، إلا أن الفقير أشرفُ نفسًا من المسكين بعدم الخضوع الذي في المسكين؛ لأن المسكين قد جمع فقرًا ومسكنة، فحاله في هذا أسوأ من حال الفقير، ولهذا قال ﷺ : "ليس المسكين … " الحديث فأبان أن لفظة المسكين في استعمال الناس أشد قبحًا
стр. 344
من لفظة الفقير، وكان الأولى بهذه اللفظة أن تكون لمن لا يسأل ذلك الفقر الذي أصابه، فلفظة المسكين من هذه الجهة أشد بؤسًا من لفظة الفقير، وإن كانت حالة الفقير في القلة والفاقة أشد من حال المسكين.
وأصل المسكين في اللغة: الخاضع، وأصل الفقير: المحتاج، فلهذا قال ﷺ : "اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا" (١)، أي: خاضعًا لك يا رب ذليلًا غير متكبر، وليس يراد بالمسكين - هنا - الفقير المحتاج.
وقد يمكن أن يكون من هذا قوله في الحكاية عن الخضر ﵇: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (٢). فسماهم مساكين لخضوعهم وذلهم من جور الملك الذي يأخذ كل سفينة وجدها في البحر غصبًا.
وقد يكون المسكين مقلًا ومكثرًا، إذ الأصل في المسكين أنه من المسكنة، وهو الخضوع والذل، ولهذا وصف الله تعالى (٣) المسكين بالفقر لما أراد أن يعلم أن خضوعه لفقر لا لأمر غيره، وذلك في قوله سبحانه: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ (٤) والمتربة: الفقر، وفي هذا حجة لمن جعل المسكين أسوأ حالًا، لقوله: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ وهو الذي لصق بالتراب لشدة فقره، وفيه أيضًا - حجة لمن جعل المسكين أصلح حالًا، لأنه أكد حاله بالفقر، ولا يؤكد الشيء إلا بما هو أوكد منه (٥).
стр. 345
سميت مدينة رسول الله ﷺ مسكينة؛ لأنها مسكن المساكين، سكنها كل خاضع لله تعالى خاشع لجلاله مستكين، يثوي بها كل فاتر ضعيف ما به حراك ويأوي إليها كل مقعد أزمنه الزمن بالسكون والابتراك (١)، فإلى الله تعالى ورسوله ﷺ سكونه، وإلى الطاعات والعبادات وملازمة الخيرات ميله وركونه، أسكنه الفقر عن الاضطراب للاغتراب، وأمكنه الدهر من الفوز بالدنو من جناب الحبيب والاقتراب، فخصه الله تعالى من التمكن في هذا المكان بالمكانة المكينة، وأنزل على قلبه التأييد والتمسك بالسكون والسكينة، وأباح له السعادات المبينة، وأتاح السكون في باحات المسكينة.
ومن أسمائها:
المسلمة: ذكرها صاحب معجم البلاد في أسماء مدينة رسول الله ﷺ (٢).
وقد تقدم في أسمائها المؤمنة ومدينة الإيمان، وذكرنا معناهما والوجه في تسميتها بذلك.
وأما الإسلام في اللغة فعلى معنيين، أحدهما: الانقياد إلى الله تعالى بالطاعة والاستسلام، قالَ الشاعر:
وأسلمت نفسي لمن أسلمت … له المزن تحمل عذبا زلالا
المزن: السحاب. واستسلامه انقياده لأمر الله تعالى؛ لأنه يمشي بأمره كما شاء لا يخالف. وكذلك المرء المسلم، هو المنقاد له بالطاعة لا يخالف ما أمر به إخلاصًا ويقينًا.
стр. 346
والمسلم في الوجه الآخر، وهو الانقطاع، من أسلمه إذا قطعه، قال الأعشى (١):
وفاضت دموعي فطل الشؤو … ن إمَّا وكيفًا وإما انحدارا
كما أسلم السلك في نظمه … لآلئ منحدراتٍ صغارا
السلك: خيط اللؤلؤ، يعني انقطع السلك فانحدرت اللؤلؤ، شبه دموعه بذلك في انقطاعها وانحدارها. قال زهير:
يشج بها الأماعز وهي … هويَّ الدلو أسلمها الرشاء (٢)
يصف حمارًا أو أتانًا يسرع، أي: يعدو بها عدوًا سريعًا فشبه سرعة عدوها بدلو قد انقطعت من الرشاء، أي الحبل، فمرت مرًا سريعًا.
وأسلمها: أي انقطع عنها. فكان المسلم هو المنقطع إلى الله تعالى، المتبتل إليه، الذي أسلم نفسه له بالطاعة، وانقطع بالعبودية الخالصة، قالَ تعالى في إسلام إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ (٣) أمره تعالى في حال كونه مؤمنًا بإسلام نفسه إليه، بإخلاص العبودية له، وأن لا يدعي لنفسه ملكًا على نفسه وعلى ما ملكت يده، وأن ينقطع إليه من بين جميع خلقه وكذلك وصى به بنيه ألا يموتوا إلا وهم مسلمون، قد أسلموا أنفسهم لله بالعبودية الخالصة، والقيام بطاعته.
فسميت مدينة رسول الله ﷺ ، والمراد بها أهلها، لأنهم انقادوا لله تعالى بالطاعة والاستسلام، وبادروا إلى نصرة نبيه المصطفى ﷺ ، وافتخروا بإيوائه وتنزيله على جميع الأنام، وارتادوا له من أمور الدين ما أراد، وتلقوه بالإذعان
стр. 347
والطاعة والاستسلام والانقياد، وأصبحوا لجلال نبوته خاضعين، ولكمال غرته متواضعين، ولأوامره الكريمة ممتثلين، وبالجلاد بين يديه في الجهاد بأنفسهم للموت مستبسلين، أرهفوا بحدّهم سيوفه، وصرفوا بجدّهم مخوفه، قَوَّمُوا من الدّين عوجه، واقتحموا من اليقين لُجَجَه، ومَهَّدوُا من الشرع ثَبَجَهُ (١) وعَبّدُوا طريقه ومنهجه، فهم أصحابه الناصرون، وأنصاره المؤازرون. فتحوا من الإسلام مرتج مغلقاته، وأحرزوا على الإسلام قصب السّبْقِ وغاياته، وأظهروا كوكب الإسلام من هالاته، وأظفروا كوكب الإيمان على أحسن حالاته، فهمتهم لمناكب مناقبهم بأعلام الإسلام معلمة، ونصرتهم لخير الأنام بشعاشع أنوارها مُزِيحة مزيلة مدلَهِمَّة مظلمة، فهم المسلمون حقيقة، وخليقتهم الإسلام، وسليقتهم الاستسلام، ومدينتهم المسلمة.
المقدسة: هي بمعنى اسمها المطيبة، والتقديس في اللغة التنزيه، قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (٢)، قال الزّجّاج: أي ظهر أنفسنا لك، وكذلك نفعل بمن أطاعك، نقدسه: أي نطهره (٣).
قال: ومن هذا قيل للسطل (٤): القَدَس، لأنه يتقدس منه، أي يتطهر، ومن هذا بيت المقدس، كأنه البيت المطهر الذي يُتطهر به من الذنوب.
قال مروان (٥) للفرزدق:
стр. 348
قل للفرزدق والسفاهة كاسمها … إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس
ودع المدينة إنها محذورة … والْحَقْ بمكّة أو ببيت المقدس
وقيل: المراد بالمقدسة: المباركة، وإليه ذهب ابن الأعرابي، ومنه قيل للراهب مقدس، ومنه قول امرئ القيس (١):
فأدركنه (٢) يأخذن بالشوق والنسا … كما شبرق الولدان ثوب المقدس
وصبيان النصارى يتبركون به ويَتَمسَّحُونَ بِمُسحه الذي هو لابِسُه، وأخذ خيوطه عنه حتى يتمزق عنه ثوبه.
سميت المدينة النبوية مقدّسة لطهارتها عن الخبائث، وبعدها عن أقذار الأحداث وآفات الحوادث. أو لأنها يُتطهر بها من أرجاس الذنوب والآثام، يُقتثمُ (٣) بها أدناس المعاصي والإجرام أحسن اقتثام [و] استئصال.
ولأنها مباركة في كل شأنِها الحقير والجليل، قد بَرَّكَ عليها الحبيب أضعاف ما بَرَّكَ على مكة الخليل.
المُوَفّيَةُ: من التوفية، ويجوز تخفيفها لأن التوفية والإبقاء بمعنى واحد.
يقال وَفَّى فلان حقه يُوَفِّيه، وأوفاه حقه إيفاء، ووافاه موافاة إذا أعطاه وافيًا كاملًا تامًّا لم ينقص منه شيء (٤). قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ﴾ (٥)
стр. 349
أي يكمل لهم جزاءهم.
سميت المدينة مُوَفِّيَةً لأنها وفت حق الواردين وأحسنت نزل الوافدين والقاصدين، طعامها يكفي منه القليل، شرابُها يَحكي السلسبيل، تُرابها شفاء السقام، غبارها ينفي الجذام، نقيعها يسيل إلى كل روض كريم، بقيعها يفضي إلى جنات النعيم، .... (١)، ذو محيا وسيم، عقيقها يحيي النفوس بطيب النسيم، مسجدها تضاعف فيه الصلوات، روضتها أشرف روضات الجنات، أحوالها محفوفة باللطف والارتفاق، لايحب أهلها إلا ذو إيمان، ولا يبغض أهلها إلا ذو نفاق، آبارها أطيب أنهار الدنيا شرابًا، وأقطارها (٢) أعظم بلاد العالم ترابًا، وهي آخر قُرى الإسلام خرابًا، وأي بلدة تحلّت بهذه الأوصاف فقد وفت للتمدن والتمهر حقوقه، وصارت باسم الموفية من دون سائر المدن خليقة محفوفة (٣).
الناجية: هذا الاسم ذكره ياقوت الحموي في المعجم الكبير (٤)، وهو من قولهم نجا نجوًا، ونجاءً ونجاءةً ونجايةً ونجاةً واستنجى، كل ذلك إذا خلص، وأنجاه الله ونجَّاه: خلّصه واستنجى منه حاجته وتنجاها منه: خلصها.
أو من نجا: أسرع. وناقة ناج، ونجية وناجية، أي: سريعة. وأنجت السحابة: ولّت مسرعة (٥).
стр. 350
أو من نجاه نجوًا، ونجوى وناجاه: إذا سَارَّه. والنجوى: السر، وكذا النجا، وانتجاه: خصَّه بسراره.
أو من النجوة، وهي العالية المرتفعة من الأرض، وكذلك النجا والمنجى.
فسميت مدينة رسول الله ﷺ بالناجية إما لنجاتها من العتاة والبغاة، وخلاصها وانفرادها عن التخلص من مخاليف الأوباء والطواعين من بين سائر البلدان، واختصاصها وتميُّزها بالتقلب عن أوحال الدجال بحكم النصوص الحاكمة بانتصاصها (١).
وإما من نَجَا: أسرع، لسرعتها إلى الخيرات وابتدارها، وبسبقها إلى حيازة السبق من بين بلدان الدنيا وأمصارها وحرامها في جليات العليات على سائر القرى وبدارها.
وإما لإلطافها إلى قاطنيها بحسن سرارها ويُمنِ أسرارها، فإن المسَارَّةَ تشعر بمصادقة المسارين وصفاء أسرارها.
أو من النجوة، لارتفاع شأنها، وعلو مقدارها وسموها وصعودها في مراقي التراقي إلى ذرى أقدارها، وافتخارها على سائر البقاع بشرف جارها، وطيب نجارها، كما أمرت في الوحي الرباني أن تعلُوَ على أجاجير القرى تعالي إجارها، فهي بالمعالي حاجية (٢)، وأهلها لخيراتها راجية، وهي لهم إليها راجية.
النَّجْرُ: هذا علم لأرض المدينة، وعلم لأرض مكة (٣). والنجر في اللغة
стр. 351
اللون، والجمع نِجارٌ، قالَ الشاعر:
كل نجار إبل نجارها … ونار كل العالمين نارها (١)
يصف إبلًا مسروقة فيها من كل لون. والنَّجرُ أيضًا: السوق الشديد.
قالَ ابن الأعرابي: والنجر شكل الإنسان وهيئته. والنَّجرُ: كثرة شرب الماء، والنَّجارُ أيضًا: الأصل. وكذلك النِّجار بالكسر، والنجر أيضًا القطع، ومنه نجرُ النَّجَّار.
والنجر: شدة الحر (٢)، ومنه قول شبل بن عاصم البرجمي (٣):
ذهب الشتاء بسبعة غبر … أيام شَهْلَتِنا من الشهرِ
فإذا انقضت أيام شهلتنا … صِنّ وصَنَّبْر مع الوبر
وبآمر وأخيه مؤتمر … ومُعَلِّل وبمطفئ الجمرِ
ذهب الشتاء موليًا عجلًا … وأتتك وافدة من النُّجرِ (٤)
стр. 352
يحتمل أن النجر جعل علمًا لأرض المدينة ولأرض مكة لشدة الحر بهما.
وقيل نجر ولم يقل ناجرًا إشعارًا بالمبالغة، وإيذانًا بغلبة الحر، كما قالوا في المُقسِط: رجل عدل، إشعارًا بكثرة عدله، وكذا رجل صوام وأشباه ذلك ممّا قصدوا فيه الإيذان بالتأكيد والمبالغة.
أو سميت بالنجر بمعنى الأصل، لأنها بلاد الإسلام وأساسها، ورأس المدن التي ثار بالإيمان نبراسها (١).
الهذراء: ذكر بعض المصنفين هذا الاسم هكذا مضبوطًا بالهاء، وهو سبق قلم وزلة قدم، وإنَّما الصواب بالعين المهملة، وقد ذكرناها في موضعها.
يثرب: بكسر الراء. قال أبو القاسم الزجاجي: سميت مدينة الرسول ﷺ يثرب لأن أول من سكنها عند التفرق يثرب بن قانية بن مهابيل بن آدم بن عبيل بن عوض بن إرم بن سام بن نوح ﵇، فلما نزلها رسول الله ﷺ سماها طيبة وطابة، وقد أوفينا الكلام بعض حقه فيما يتعلق بيثرب في أثرب، أول الحروف عند جمع أثرب، فأغنى عن الإعادة وبالله التوفيق.
يندد: هكذا ذكره كراع في المنتخب بدالين مهملتين (٢)، وقال: يندد اسم مدينة النبي ﷺ . فيحتمل أن يكون من ندَّ البعير يند ندًا ونديدًا وندودًا وندادًا إذا شرد ونفر.
أو من الند، والند - بالفتح والكسر - وهو الطِّيب المعروف وقيل: العنبر.
стр. 353
أو من الند للتل المرتفع والأكمة العظيمة. أو من الناد وهو الرزق. يقال ما له ناد، أي: ما له رزق. ويندد - أيضًا - اسم موضع آخر فيما ذكره الصاغاني (١).
ووقع ذكر هذا الاسم في حديث رواه الزبير بن بكار بسنده عن زيد بن أسلم ﵁ يرفعه: "للمدينة أسماء؛ هي: المدينة، وهي: طيبة، وطابة، ومسكينة، وجابرة، ومجبورة، ويندد، ويثرب، والدار" (٢) ووقع في بعض الكتب تيدد، بتاء مثناة من فوق، وفي بعضها كذلك إلا أنّ في آخره راء مهملة وكل ذلك تصحيف، والصواب ما رواه أولًا والله الموفق.
* * *
стр. 354
الباب الرابع: في ذكر الفضائل المأثورة وذكر ماروينا من الأحاديث والآثار في فضل كل واحد من الأماكن المذكورة
ما جاء في ذكر فضل المدينة الشريفة، وذكر أحاديث رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الواردة في ذلك، وأضربنا عن ذكر أسانيدها لأن عزوها إلى الكتب المذكورة فيها يغني عن ذكر أسانيدها.
ـ عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا».
رواه البخاري ومسلم (١).
تأْرِزُ مثال تَضْرِبُ، أي: تنقبضُ وتجتمعُ وتنتظمُ وتلتجئُ (٢).
ـ وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ وهو تابعيٌ يروي عن أبي سَعِيدٍ الْخُدري ﵁، روى أنهم /١٤٠ أَصَابَهُمْ بِالْمَدِينَةِ جَهْدٌ وَشِدَّةٌ وَأَنَّهُ أَتَى أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ ﵁ فقال: إِنِّي كَثِيرُ الْعِيَالِ وَقَدْ أَصَابَتْنَا شِدَّةٌ فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْقُلَ عِيَالِي إِلَى بَعْضِ الرِّيفِ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵁: لا تَفْعَل، الْزَمِ الْمَدِينَةَ فَإِنَّا خَرَجْنَا مَعَ النَبِيِّ ﷺ أَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ حَتَّى قَدِمْنَا عُسْفَانَ فَأَقمناَ بِهَا لَيَالِيَ فَقَالَ النَّاسُ