ـ قُلْتُ ولقد روينا بطرقٍ كثيرةٍ، ورواياتٍ مُتنوعاتٍ من حديث مَيْمُونَةَ مَولاةِ النَّبِيِّ ﷺ أنها قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ ﷺ : أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ، ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ، فَإِنَّ صَلاةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلاةٍ فِي غَيْرِهِ، قَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَتَحَمَّلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: فَتُهْدِي لَهُ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ كَمَنْ أَتَاهُ» (١).
ذكره ابن سندي في كتاب البشارة بإسناد حسن.
وَذَكَرَهُ أبو يَعْلَى في كتابهِ في مُسْنَدِ مَيْمُونَة أُمِّ الْمُؤمنينَ وَهمَاً منهُ، والصوابُ ما ذَكَرنَاهُ (٢)
وقد تَوارَدَتِ الرواياتُ في سياقِ مَتنِ الحديثِ على فضيلةِ الصَّلاةِ ببَيْتِ المقدسِ على غيرهِ بألفِ صَلاةٍ، وهذهِ الفضيلةُ محفوظةٌ من غيرِ وَجهٍ في
стр. 392
الصحيحِ لمسجدِ النَّبِيِّ ﷺ على غيرهِ من المسَاجدِ إلا المسجدَ الحرامَ، وكلا المعنيينِ صَحيحٌ، المعِيَّةُ في طريق الجمعِيَّةِ بشهادةِ الآثارِ، وَجهُ الجمعِ بَينَهُمَا أنَّ فَضلَ الصَّلاةِ ببَيتِ المقدسِ بألفِ صَلاةٍ على مَسَاجدِ الأنبياءِ قبلَهُ، وفضلُ الصَّلاةِ بمسجدِ النَّبِيِّ ﷺ بألفِ صَلاةٍ على مَا تَعَيَّنَ.
ـ وعن مَيْمُونَةَ ﵂ قَالَتْ مَنْ صَلَّى فِي مَسْجِدِ الرَسُولِ ﷺ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الصَّلاةُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ» (١).
/ ١٥٣ أخرجه النسائي.
ـ وعن أمِّ الدَّردَاءِ عن أبي الدَّردَاءِ ﵄ عن النَّبِيِّ ﷺ قال: فضلُ الصَّلاةِ في المسجدِ الحرامِ على غَيرهِ مائةُ ألفِ صَلاةٍ، وفي مَسجدي ألفُ صَلاةٍ، وفي بَيتِ المقدسِ خَمْسُمائةِ صَلاةٍ» (٢).
أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.
стр. 393
قال: ولانعلم حَديثَاً يَشتَمِلُ على فَضِيلَةِ الصَّلاةِ بالمسَاجِدِ الثلاثَةِ خُصوصَاً سِواهُ مما يَصِحُّ عندَ الاعتبارِ مَعناهُ، والله أعلم (١).
ـ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ : «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» (٢).
أخرجه البخاري ومسلم ومالك والنسائي.
ـ ورواه الترمذي من حديث عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ بلفظه (٣).
ـ ورواه البخاري ومسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ جَزماً (٤)، ومالك من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَوْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ على الشك، وزاد في آخره: «وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» (٥).
стр. 394
ـ وعن أمِّ سَلَمَة ﵂ قالت: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «إنَّ قوَائِمَ مِنْبَرِي هذا رَوَاتِبُ (١) في الجنَّةِ».
أخرجه النسائي (٢).
ـ وعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى قَالَ فَأَخَذَ ﷺ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ فَضَرَبَ بِهِ الأرْضَ ثُمَّ قَالَ: «هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا». لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ (٣).
أخرجه مسلم.
فَضلهُ من مَسَاجدِ الأنبياءِ قبلَهُ بدليلِ قولِ النَّبِيِّ ﷺ : «فَإِنِّي آخِرُ الأنْبِيَاءِ وَمَسْجِدِي آخِرُ الْمَسَاجِدِ» (٤)، ولا مَسْجِدَ قبل مَسْجِدِهِ تَتَعيُن الفَضِيلَةُ بعلمِهَا سِوَى الْمَسْجِد الحرام إلا مسجد بَيتِ المقدسِ، فَتَكونُ صَلاةٌ بمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ بألفِ صَلاةٍ ببَيْتِ المقدسِ، وبألفِ ألفِ صَلاةٍ في غيِر بَيتِ المقدسِ من مَسَاجدِ الأنبياءِ قبلَهُ، فاعلَمْ ذلك فإنهُ من الفَوَائِدِ الجليلَةِ التي (٥) تُضرَبُ إليها أَكبادُ الإبِلِ، والله أعلم.
стр. 395
ـ وفي رواية الترمذي والنسائي: تَمَارَى رَجُلانِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءَ وَقَالَ الآخَرُ هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هُوَ مَسْجِدِي هَذَا» (١).
قَالَ الترمذي: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ.
قلت: أشرت إلى معنى هذا الحديث في ترجمة قباء من الباب الخامس، فَلْيُنْظَر (٢).
ـ وعن عبد الرحمن بن زَيْد بن أَسْلَم عن أبيه ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ غَدَا إلى مَسجدي هَذا أَوْ رَاحَ لِيُعَلِّمَ خَيْرًا أَوْ لِيَتَعَلَّمَهُ كَانَ بمَنزلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تعَالى» (٣)
стр. 396
/ ١٥٤ ـ وعن زَيْد بن أَسْلَم ﵁ يَرفعهُ: «مَنْ دَخَلَ مَسْجِدي هذا لِصَلاةٍ أو لذكرِ اللهِ ، أو لِيتَعَلَّمَ خَيْرَاً أو ليُعَلِّمَهُ كانَ بمَنزلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تعَالى». ولم يجعل ذلك لمسجد غيره (١).
ـ وعن سَهْل بن سَعْد ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ أنهُ قال: «مَنْ دَخَلَ مَسْجِدِي هَذا لا يَدخلهُ إلا لِيُعَلِّمَ خَيْرًا أَوْ لِيَتَعَلَّمَهُ كَانَ بمَنزلَة الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالى، وَمَن دَخَلَه لِغَير ذَلكَ من أحَاديث الناسِ كانَ بمَنزلَة مَن يَرى ما يُعجِبُهُ وهو شَيءُ غَيرِهِ» (٢).
ـ وعن أبي سَلَمَة بن عَبد الرحمن ﵁ عن النَّبِي ﷺ أنه قال: «أنا خَاتَمُ الأنبياءِ، وَمَسجدِي خَاتَمُ [مَسَاجدِ] الأنبياءِ، وهُوَ أَحَقُّ المسَاجِدِ أن يُزَارَ وأن يُرْكَبَ إليه على الرَّوَاحِلِ بَعدَ المسجِدِ الحرَامِ» (٣).
стр. 397
ـ وعن أبي أُمَامَةَ بن سَهْل بن حُنَيْف ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قال: «مَنْ خَرَجَ على طُهْرٍ لا يُرِيدُ إلا الصَّلاةَ في مَسْجِدِي حتى يُصَليَ فيهِ كانَ بمَنزلَةِ حِجَّةٍ» (١).
ـ وعن سَعيد بن الْمُسَيِّب قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَسمَعُ النداءَ أَحَدٌ في مَسْجِدِي هذا فيخرج إلا لِحَاجَةٍ ثُمَّ [لا] يَرجعُ إلا مُنَافِق» (٢).
ـ وعن يَزِيد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ قال: إنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا يُبْصَقُ في مسجدي هذا».
ـ وعن كَعْب الْحِبْر ﵁ قال: نَجِدُ في كِتَابِ الله تَعَالى الذي
стр. 398
نزلَ على مُوسَى ﵇ إنَّ الله تَعَالى قالَ للمَدِينَةِ: «يَا طَيْبَةُ، يَا طَابَةُ، يَا مِسْكِينَةُ، لا تَقْبَلِي الكُنوزَ، ارفَعِي أَجَاجِيرَكِ على أَجَاجِيرِ القُرَى» (١).
الأَجَاجيرُ: السطوح، واحد إِجَّار بكسر الهمزة، ومنه الحديث: من بات على إجار ليس عليه ما يرده فقد برئت منه الذمة (٢).
ـ وعن إسمَاعيل بن عَبد الله عن أبيه قال: إنَّ عبدَ الله بن الزُّبَيْر وَمَروَانَ بن الْحَكَم وَثَالِثَاً كَانَ مَعَهُمَا دَخَلُوا على عَائِشَةَ زَوجِ النَّبِيّ ﷺ فَتَذَاكَرُوا الْمَسجِدَ، فَقَالَت عَائِشَةُ ﵂ إنِّي لأَعلَمُ سَارِيَة من سَوَارِي الْمَسجِدِ لو يَعلَمُ النَّاسُ مَافي الصَّلَاةِ فيها لاضطَرَبُوا عليها بالسُّهمَان.
فَخَرَجَ الرَّجُلانِ وَبَقيَ ابنُ الزّبَير عندَ عَائِشَةَ ﵂ فقالَ الرَّجُلان: مَا تَخَلَّفَ عندهَا إلا لِيَسأَلهَاَ عن السَّارِيَةِ، وَلئن سَأَلَهَا لتُخبِرَنَّهُ، ولئن أَخبَرَتهُ لا يُعلِمُنَا، وإن أَخبَرَتهُ عَمَدَ لهَا إذا خَرَجَ فَصَلَّى إليهَا، فاجلِسْ بنَا مَكَانَاً نَرَاهُ وَلايَرَانَا فَفَعَلا، فلم يَنْشَبْ أن خَرَجَ مُسرِعَاً فَقَامَ إلى هَذهِ السَّارِيَةِ فَصَلَّى مُتَيَامِنَاً إلى الشقِّ الأَيمنِ منها، فَعَلِمْتُ أنَّهَا هيَ. وسُمّيَت أُسْطوانَةُ عَائِشَة بذلك. قالوا: وَبَلَغَنَا أنَّ الدُّعَاءَ عِندَهَا مُستَجَاب (٣).
стр. 399
/ ١٥٥ قلت: وهذه الأُسْطوانَةُ تُسَمَّى أُسْطوانَةَ عَائِشَة ﵂ لهذا الحديث، هي المعروفة بالأُسْطوانَةِ الْمُخَلَّقَةِ، وبأُسطوانَةِ الْمُهَاجِرين، وهي في الصَفِّ الأولِ خَلفَ الإمَامِ إذا صَلَّى في محرَابِ النَّبِيّ ﷺ وهيَ التي صَلَّى إليها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المكتوبةَ بعدَ تحويلِ القبلةِ بضعَ عشرةَ يَوماً ثمَّ تَقدَّمَ إلى مُصلاهُ اليوم، وهي الثالثةُ من المنبرِ، والثالثةُ من القبلةِ، والثالثةُ من القبرِ الشريفِ، وكانت أيضاً الثالثةُ من رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ قبلَ أن يُزادَ في القبلةِ الرُّواقَانِ الْمُستَجدانِ، وهي مُتوسطةٌ في الروضةِ، وتعرف بأُسْطوانةِ الْمُهاجرين، كان أكابرُ الصَّحَابَةِ ﵃ يُصَلُّونَ إليها ويجلِسُونَ حَولَها.
وإلى جَانبِ هذهِ الأُسْطوانَةِ مما يلي القبرَ الشريف أُسْطوانَةٌ أُخرى تُسَمَّى أُسْطوانَةَ التوبةِ، وهي الأُسْطوانَةُ الثانيةُ من القبرِ الشريفِ، والثالثةُ من القبلةِ، والرابعةُ من المنبرِ، والخامسةُ من رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ.
وقال بعض مشايخ المدينة: هي في آخرِ صَف الروضةِ، وهي الأُسْطوانَةُ الملاصِقَةُ للشباكِ على ما ذكرَ عبدُ الله بنُ عُمر ﵄ وتَبِعَهُ مَالكُ بن أَنَس، وما قيل إنها غيرها فغلطٌ أوجبهُ أشياءُ يطَولُ ذكرُهَا. انتهى كلامه (١).
ـ وروى الزبَيْر بن بَكَّار عن عُمرَ بن عَبد الله بن المهَاجر أنهُ قال في
стр. 400
أُسْطوانةِ التوبةِ: كان أكثر نَافلةِ النَّبِيّ ﷺ إليها (١).
ـ قيل وكانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا اعتَكَفَ في رَمَضَان طَرَحَ فِرَاشَهُ، وَوُضِعَ لهُ سَريرٌ وَرَاءَ أُسْطوانَةِ التوبَةِ (٢).
ـ وعن يَزيد مَولَى سَلَمَة بن الأَكوعِ ﵄ أنهُ كَانَ يَأتي مَعَ سَلَمَةَ ﵁ إِلَى سُبْحَةِ الضُّحَى فَيَعْمِدُ إِلَى الأُسْطُوَانِ دُونَ الْمُصْحَفِ فَيُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهَا فَأَقُولُ لا تُصَلِّ هَا هُنَا وَأُشِيرُ إِلَى بَعْضِ نَوَاحِي الْمَسْجِدِ فَيَقُولُ إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَحَرَّى هَذَا الْمقَامَ وَكَانَ إذا صَلَّى الصُّبحَ انصَرَفَ إليهَا وَقَدْ سَبَقَهُ إليهَا الضُّعَفَاءُ والْمَسَاكِينُ وأَهلُ الضُّرِّ وَضِيفَانُ النَّبِيِّ ﷺ والْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبهُم وَمَنْ لا مَبِيتَ لَهُمْ إلا المسجِدَ وَقَد تَحَلَّقُوا حَولَهَا حِلَقَاً بَعضُهَا دونَ بَعضٍ، فَيَنْصَرِفُ إليهِمْ مِنْ مُصَلاَّهُ مِنَ الصُّبحِ فيَتلوَ عَليهم مَا أَنزلَ الله تَعالى عَليهِ مِنْ لَيْلَتِهِ وَيُحَدِّثُهُم وَيُحَدِّثُونَهُ حَتى إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ جَاءَ أَهلُ الطَّوْلِ وَالشَّرَفِ والغِنَى فَلم يَجِدُوا إليهِ مَخْلَصَاً فَتَاقَتْ أَنْفُسُهُم إليهِ وَتَاقَت نَفسُهُ إليهم فَأنزلَ الله : ﴿وَاصبرْ نَفْسَكَ مَعَ الذينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغَدَاةِ وَ العَشيّ /١٥٦
стр. 401
يُرِيدُونَ وَجهَهُ﴾ (١) إلى مُنتهى الآيتين (٢).
ـ وروي عن مُحَمَّد بْن كَعْبٍ الْقُرَظِي قال: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يُصلي نَوَافِلَهُ إلى أُسطوانةِ التوبَةِ (٣).
وهي الأُسطوانَةُ التي رَبَطَ بها أبو لُبَابَة نفسَهُ إليها، وَحَلَفَ ألا يَفتَحَهُ إلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أو تَنزلَ تَوبَتُه، فَجَاءَت فَاطِمَةُ ﵂ تَحلُّهُ، فقال: لا، حتى يَحلَّني رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي» (٤). (٥) وأما الأُسطوانةُ التي خَلفَ أُسطوانَةِ التوبَةِ من جهَةِ الشمالِ فَتُعرَفُ بالْمَحْرَسِ، وبأُسْطوانَةِ أَميرِ الْمُؤمنينَ عَلي ﵁ لأنهُ كَانَ يَجلِسُ عندَهَا لِحرَاسَةِ النَّبِيّ ﷺ ، وهي مُقَابِلَةٌ للخَوخَةِ التي كانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخرجُ منها إذا كانَ في بَيتِ عَائِشَةَ ﵂ إلى الروضَةِ الشريفَةِ للصَّلاةِ.
وعن عَبد العَزيزِ بن مُحَمَّد قال: إنَّ الأُسْطوانَةَ التي في الرَّحْبَةِ التي في صَفِّ أُسْطُوَانِ التَّوبَةِ بَينَهَا وَبَينَ أُسْطوَانِ التَّوبَةِ مُصَلَّى عَلي بن أبي طَالِب ﵁ وأنَّهُ المجلسُ الذي يُقَالُ لهُ مَجلِسُ القِلادَةِ، كانَ يَجلِسُ فيه سَرَاةُ النَّاسِ
стр. 402
قَديماً. قال: وإنما سُمِّيَ القِلادَةَ لِشَرَفِ مَنْ كَانَ يَجلِسُ إليهَا مِن بَني هَاشِم وغيرهم (١).
ـ (٢) وعن مُسْلِم بن أبي مَرْيَم وغيره قالوا: عَرْسُ (٣) بَيْتِ فَاطِمَةَ بِنْت رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الأُسْطُوانِ التي خَلفَ الأُسْطُوانِ المواجهةِ الزَّورَ (٤)، وَكَانَ بَابُهُ في الْمُرَبَّعَةِ التي في القَبْرِ. قالَ سُليمانُ بن سَالِم: قالَ لي مُسْلم: لا تَنسَ حَظَّكَ من الصَّلاةِ إليهَا فإنَّهَا بَابُ فَاطِمَة ﵂ الذي كَانَ عَليٌ ﵁ يَدخُلُ عَليها منهُ (٥).
ـ قال ابن زَبَالَة: وَرَأيتُ حَسَنَ بن زَيد (٦) يُصَلِّي إليهَا. وَهذهِ الأُسْطُوانَةُ أيضاً تُعرَفُ بأُسْطُوانَةِ الوفودِ.
ـ (٧) ومنها أُسْطُوانَةٌ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصلي صَلاةَ الليلِ عندَهَا، وَمكتُوبٌ فيها بالرُّخَام: هَذا مُتَهَجَّدُ النَّبِيّ ﷺ .
ـ ورَوى ابنُ النَجَّارِ عن عيسَى بن عَبدِ الله عن أبيه قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ
стр. 403
يَطرَحُ حَصِيرَاً كُلَّ لَيلَةٍ إذا انكفَتَ النَّاسُ وَرَاءَ بَيتِ عَليّ ﵁ ثُمَّ يُصَلِّي صَلاةَ الليلِ (١)
ـ قال الشيخ جَمَالُ الدينِ الْمَطَري: هَذهِ الأُسْطُوانَةُ خَلفَ بَيتِ فَاطِمَةَ ﵂ والوَاقِفُ [الْمُصَلِّي] (٢) إليهَا يَكونُ بَابُ جِبريل المعروفُ قديماً ببَابِ عُثْمَانَ على يَسَارِهِ، وَحَولَهَا الدرَابزينُ الدَّائِرُ على حُجْرَةِ النَّبِي ﷺ وعلى بَيتِ فَاطِمَةَ ﵂ (٣).
وروي عن سَعيد بن عَبد الله بن فُضَيْل قال: مَرَّ بي / ١٥٧ مُحَمَّدُ بن
стр. 404
الحنَفِيَّة وأنا أُصَلّي إليها فقال: أراكَ تَلزمُ هذه الأُسْطوانةَ، هَلْ جَاءَكَ فيها أثَرٌ؟ قلتُ: لا، قال: فالزَمْهَا، فإنَّهَا كَانَت مُصَلَّى رَسُولِ الله ﷺ من الليلِ (١).
وهذهِ الأُسْطُوانَةُ وَرَاءَ بَيتِ فَاطِمَةَ ﵂ من جِهَةِ الشمَالِ، وفيهَا مِحْرَابٌ إذا صَلَّيْتَ إليهِ كَانَ بَابُ جِبْريلَ على يَسَارِكَ (٢).
стр. 405
ذكرُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ الشَّريفِ
وَمَا حَدَثَ فيه إلى زَمَانِنَا هذا
ـ كَانَ مَوْضِعُ الْمَسْجِدِ مِرْبَدَاً (١) للتمرِ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَينِ مِن بَني النَجَّارِ في حِجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ. (٢)
ـ وقيل: كَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَينِ لأَبي أَيوبٍ الأنْصَاريّ، يُقَالُ لَهُمَا: سَهْلٌ وَسُهَيْل ابنا عَمْرو، فَطَلَبَ النَّبِيُّ ﷺ من أبي أيُّوب، فقالَ أبو أيُّوب: المِرْبَدُ يَا رَسُولَ الله لِيَتِيمَيْنِ وأنا أُرضِيْهِمَا، فَأرضَاهُمَا، فَأعطَاهُ رَسُولَ الله ﷺ ، فاتَّخَذَهُ مَسْجِدَاً (٣).
ـ وقيل: كان المِرْبَدُ لسَهْل وسُهَيْل ابني عَمْرو من بني غَنْم فأعطياهُ رَسُولَ الله ﷺ فَبَنَاهُ رَسُولُ الله ﷺ مَسْجِدَاً. (٤)(٥).
ـ ويقال عَوَّضَهُمَا أَسعَدُ بنُ زُرَارَة نَخلاً في بَني بَيَاضَة ثَوَابَاً من مِرْبَدِهمَا
стр. 406
فقالا: بَلْ نُعطيهِ النَّبِيَّ ﷺ . يقال: بل اشترَاهُ النَّبِيُّ ﷺ . (١)
ـ وفي الصحيح: «يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا فقَالُوا: لا وَاللَّهِ ما نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلا إلى اللَّهِ تعالى» (٢).
ـ وفي طبقات ابن سعد: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشتراهُ من بَني عَفراء بعَشَرَةِ دَنانير ذَهَبَاً وَأَمَرَ أبا بَكرٍ ﵁ أن يُعطِيَهُمَا فَدَفَعَهَا إليهِمَا أبو بَكر الصّديق ﵁ (٣).
ـ قال ابن إسحق: قال أسعد: أنا مُرضيهِمَا منهُ فَابْنِهِ (٤).
ـ ويروى أنَّ رَسُولَ الله ﷺ لما أَرَادَ أن يُحَجِّرَ بنَاءَ الْمَسجِدِ، قيلَ لهُ: عَريشٌ كعَريش أَخِيكَ مُوسَى (٥).
ـ قال أنس ﵁ فَبَنَاهُ رَسُولُ الله ﷺ أوَّلَ مَا بَنَاهُ بالْجَريدِ، وَإنّمَا بَنَاهُ باللَّبِنِ بَعدَ الهجرَةِ بأربَعِ سِنينَ (٦).
стр. 407
ـ وعَنِ الْحَسَنِ ﵁ قال: إنَّ رَسُولَ الله ﷺ لما أَخَذَ في بنَاءِ الْمَسجِدِ قال: «ابنوا لي عَرِيشَاً كَعَريشِ مُوسَى، وَجَعَلَ يُنَاوِلُ اللَّبِنَ ويَقُولُ:
اللَّهُمَّ لاخَيْرَ إلا خَيْرُ الآخِرَة … فَاغْفِرْ للأنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَة
وَجَعَلَ يَتَنَاوَلُ من عَمَّار وَيَقُولُ: وَيْحَكَ يابْنَ سُمَيَّةَ، تَقْتُلكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَة» (١).
ـ وعن مُحَمّدَ بن عَلي ﵄: قيلَ للنَّبِيّ ﷺ في الْمَسجِدِ بيده فقال: عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى.
ـ وعن ابن شِهَاب قال: كَانَت سَواري الْمَسجِدِ في عَهدِ رَسُولِ الله ﷺ جُذوعَاً من جُذوعِ النَّخلِ / ١٥٨ وَكَانَ سَقفهُ جَرِيدَاً وخُوصُاً (٢) ليسَ على السَّقفِ كَثيرُ طِيْنٍ، إذا كانَ الْمَطرُ امْتَلأَ المسجِدُ طِينَاً، إنما هُوَ كَهَيئَةِ العَرِيشِ (٣).
стр. 408
ـ وعن بُسْر بن سَعيد قال: كان سَقفُ الْمَسجِدِ عَرِيشَاً من جَريدٍ وَسَعَف.
ـ وعن خَالد بن مَعْدَان قال: خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ على عَبدِ الله بن رَوَاحَة وأبي الدَّردَاءِ ﵄ وَمَعَهُمَا قَصَبَةٌ يَذْرَعَانِ بهَا في الْمَسجِدِ، فَقَالَ ﷺ : مَا تَصنَعَانِ؟ فَقَالا: أَرَدنَا أن يُبنَى مَسْجِدُ رَسُولِ الله ﷺ على بُنيَانِ الشَّامِ، فَنَقْسِمَ ذلك على الأنْصَارِ، فَقَالَ ﷺ : هاتياها (١)، فَأَخَذَ القَصَبَةَ منهُمَا، ثمَّ مَشَى بها حتى أَتَى البَابَ، فَدَحَا (٢) بها، وقال: كَلاَّ، ثُمَامٌ (٣) وخُشَيْبَاتٌ فَظُلَّة كَظُلَّةِ مُوسَى، والأمرُ أقرَب من ذلك، قيل: وماظُلَّةُ مُوسَى؟ قال: إذا قَامَ أَصَابَ رَأسَهُ السَّقْفُ (٤).
стр. 409
ـ وعن جَعفر بن مُحَمَّد ﵄ قال: إن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبْني مَسْجِدَهُ بالسَّمِيطِ (١)، ثمَّ إنَّ النَّاسَ كَثروا فَبَنَاهُ بالسَّعِيدَةِ (٢)، فقالوا: يَا رَسُولَ الله، لو أَمَرتَ به فَزيدَ فيه، قالَ ﷺ : نعم، فَأَمَرَ به، فَزِيدَ فيهِ وَبَنَى جِدَارَهُ بالأنثَى والذَّكَر (٣)، ثَّم اشتدَّ عليهمُ الحَرُّ، فقالوا: يَا رَسُولَ الله، لو أَمرتَ بالمسجِدِ فَظُلِّلَ، قال: نعم، فَأَمَرَ به، فَأُقِيمَت سَوَارٍ من جُذُوعِ النَّخلِ، ثَّم طُرِحَ عليها العَوَارِضُ والْخَصَفُ والإِذْخِرُ (٤)، فَعَاشُوا فيهِ وَأصَابَتهُمُ الأمطارُ، فَجَعَلَ المسجِدُ يَكِفُ عَليهم، فقالوا: يَا رَسُولَ الله، لو أمرتَ بالمسجدِ فَطُيِّنَ، فقالَ ﷺ لهم: لا، عَرِيشٌ كعَريشِ مُوسَى، فَلم يَزَل كذلك حتى قُبِضَ ﷺ ، وكانَ جِدَارُهُ قبلَ أن يُظَللَ قَامَة (٥).
ـ وعن جَعفر بن مُحَمَّد ﵄ قال: بَنَاهُ رَسُولُ الله ﷺ مَرَّتينِ حينَ قَدمَ أَقلَ من مَائة في مَائة فلمَّا فَتَحَ الله تعالى عليه خَيْبَر بَنَاهُ وَزَادَ فيه مثلهُ في
стр. 410
الدّورِ وَضَرَبَ الْحُجُرَاتِ مَا بَينَهُ وبينَ القِبلَةِ والشَّرقِ إلى الشَّامِ ولم يَضربهَا في غَربيهِ وَكَانَت خَارِجَةً من الْمَسجِدِ مُدِيرَةً به إلا من المغرِبِ وَكَانَت أبوابهَا شَارِعَةً في الْمَسْجِدِ (١).
ـ وعن محمد بن شهاب قال: ثمَّ نزلَ رَسُولُ الله ﷺ في بَيتِ أبي أيوب، يَنزلُ عليهِ القرآنُ، ويَأمرهُ جبريلُ فيهِ بَأمرِ الله حتى ابتَنَى مَسْجِدَهُ. ومَسكنهُ كان مِرْبَدَاً لِغُلامَينِ يَتيمَينِ (٢).
ـ وقال رافع بن عَمرو: وقد كَانَ رِجَالٌ من الْمُسلِمين يُصَلُّونَ في ذلك المِرْبَدِ قَبلَ قُدومِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدينَة.
ـ قال محمد بن سعد: بَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسْجِدَهُ فَطَفِقَ هو وأصحَابُهُ يَنْقُلُونَ اللَّبِنَ وهو / ١٥٩ ﷺ يَنْقُلُ مع أصحَابه وهم يقولون:
هَذَا الْحِمَالُ لا حِمَالَ خَيْبَرْ … هَذَا أَبَرُّ رَبِّنَا وَأَطْهَرْ
وَيَقُولُ:
اللَّهُمَّ لا خَيْرَ إلا خَيْرُ الآخِرَهْ … فَارحم الأنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ
وعَمِلُوا (٣) ودَأبوا فقالَ قَائِلٌ من المسلمين وهم يعملون في الْمَسْجِدِ:
لَئِنْ قَعَدْنَا والنبيُّ يَعْمَلُ … ذَاكَ إذاً للعَمَلُ الْمُضَلَّلُ
ـ زاد رَزِين (٤)
: وكان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُ اللَّبِنَ مَعَهُم ويقولُ:
هَذَا الْحِمَالُ لا حِمَالَ خَيْبَرْ … هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ
стр. 411
ولَقِيَهُ رَجُلٌ وهو يَنْقُلُ التُّرَابَ فقالَ: يَا رَسُولَ الله نَاولني لَبِنَتَكَ أحملها عنك قال ﷺ اذهب فخُذْ غَيرَهَا فلَستَ بأفقرَ منِّي إلى الله تعالى.
قال: وَجَاءَ رَجُلٌ يُحسِنُ عَجْنَ الطين وكان من حَضْرَمَوْتَ فقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَحِمَ الله امرءاً أحسَنَ صَنْعَتَهُ، وقال له: الزَمْ أنتَ هذا الشغلَ فإني أراكَ تُحْسِنُهُ» (١).
ـ وعن أمِّ سَلَمَة ﵂ قالت: بَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسْجِدَهُ، فَقَرَّبَ اللَّبِنَ ومَا يَحتَاجُونَ إليهِ، فَقَامَ إليهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعَ رِدَاءهُ، فَلمَّا رَأى ذلك المهَاجِرونَ الأَوَّلونَ والأنصارُ ﵃ جَعَلوُا يَرتَجِزُونَ ويَقُولونَ ويَعمَلُونَ:
لَئِنْ قَعَدْنَا والنبيُّ يَعْمَلُ … ذَاكَ إذاً للعَمَلُ الْمُضَلَّلُ
قال: وَكَانَ عُثمَانُ بنُ عَفَّان ﵁ رَجُلاً نَظِيفَاً مُتَنَظِّفَاً، وَكَانَ يَحمِلُ اللَّبِنَةَ فَيُجَافي بها عن ثَوبِهِ، فإذا وَضَعَهَا نَفَضَ كُمَّيهِ ونَظَرَ إلى ثَوبِهِ فإن كان أَصَابَهُ شَيءٌ من التُّرَابِ نَفَضَهُ، فَنَظَرَ إليه عَليُّ بنُ أبي طالب ﵁ فَأنشأ يقولُ:
لا يَسْتَوي مَنْ يَعْمُرُ الْمَسَاجِدَا … يَدأَبُ فيها قَائِمَاً وقَاعِدَاً
ومَنْ يُرَى عن الغُبَارِ حَائِدَاً
стр. 412
قال: فَسَمِعَهَا عَمَّارُ بنُ يَاسر ﵁ [فَجَعَلَ يَرتَجِزُ بها] (١) وهو لا يَدرِي مَنْ يَعْنِي بها، فَمَرَّ بعُثمَان ﵁ فقال: يَا ابنَ سُمَيَّة ما أعرَفَنِي بمن تُعَرِّض، ومَعَهُ جَرِيدَة وقال: لَتُكَفَّنَّ بها أو لأعتَرِضَنَّ بها وَجهَكَ، فَسَمِعَهَا النَّبيُّ ﷺ وهو جَالسٌ في ظِلَّ بَيتي فَغَضِبَ ثمَّ قال: «إنَّ عَمَّارَاً جِلْدَةُ مابَينَ عَيني وأَنفي فإذا بَلَغَ ذلك مِنَ المرءِ فَقَد بَلَغ»، وَوَضَعَ يَدَهُ بَينَ عَينيهِ، فَكَفَّ النَّاسُ عن ذلك، ثمَّ قالوا لعَمَّار: إنَّ النبيَّ ﷺ قد غَضِبَ فيك، ونَخَافُ أن يَنزلَ فينا قُرآن، فقال رَضيَ الله تعالى عَنه: أنا أُرْضِيهِ كمَا غَضِبَ، فَأتَاهُ، فقال: يَا رَسُولَ الله مَالي ولأصحَابِكَ؟ قال: مَالَكَ ولَهُم؟ قال: يُريدونَ قَتلي، يَحمِلُونَ لَبِنَةً لَبِنَةً / ١٦٠ ويَحمِلُونَ عَليَّ اللبِنَتَيْنِ والثلاث، فَأَخَذَ ﷺ بيَدِهِ فَطَافَ بهِ في الْمَسجِدِ، وَجَعَلَ يَمسَحُ وَفْرَتَهُ (٢) من التُّرَابِ ويقولُ: «يا ابنَ سُمَيَّة لا يَقتُلُكَ أَصحَابي، ولكن تَقتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ» (٣)
ـ قال رَافع بن عَمرو: ضَرَبَ لَبِنَهُ من بَقيعِ الْخَبْجَبَةِ (٤) وَجَعَلَ أَسَاطِينَهُ
стр. 413
خَشَبَاً شَقة شَقة، وَجَعَلَ وَسَطَهُ رَحبة، وبَنَى بَيتَين لزَوجَتَيهِ يعني عَائِشَة وَسَودَة ﵄ (١).
وقد ذكرنا تفسير الْخَبْجَبَةِ في حرف الباء من الباب الخامس (٢).
ـ وفي لفظ: كانوا يَنقُلونَ لَبِنَةً لَبِنَة، وَعَمَّارُ ﵁ اثنَتَين؛ لَبِنَةً لَنفسِهِ، وَلَبِنَةً لرَسُولِ الله ﷺ فَقَامَ إليه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أو مَسَحَ ظَهرَهُ فقال: «يا ابنَ سُمَيَّة لكَ أجرَان وللنَّاسِ أجرٌ أجر، وآخِرُ زَادِكَ من الدُّنيَا شَربَةُ لَبَن، وتَقتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ» (٣)
ـ وعن جَرير بن مُحَمَّد الثَّقَفي قال: بَينَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبني في أَسَاسِ مَسجِدِ المدينَةِ وَمَعَهُ أبو بَكر وعُمر وعُثمان ﵃ فَمَرَّ به رَجُلٌ فقالَ: يَا رَسُولَ الله مَا مَعَكَ إلا هؤلاء الرهط؟ فقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَؤلاءُ وُلاةُ الأمرِ من بَعدي (٤).
стр. 414
ـ وعن مجاهد قال: رآهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهم يحملون الحجارة على عمار بن ياسر ﵁ وهو يبني المسجد فقال: «مالهم ولعمار؟ يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، وذلك فعل الأشقياء الأشرار» (١).
ـ وعن داود بن قيس قال: إنَّ النبيَّ ﷺ وَضَعَ أَسَاسَ المسجِدِ حينَ وَضَعَهُ وجبريلُ قائِمٌ يَنظرُ إلى الكعبَةِ قد كَشَفَ ما بَينَهُ وَبَينَهَا (٢)
ـ وعن أبي هريرة ﵁ قال: كانت قبلة النَّبِيِّ ﷺ الشام، وكان مُصَلاهُ الذي يُصلي فيهِ بالنَّاسِ إلى الشاَّمِ أن تَضَعَ مَوضَعَ الأسطوانَةِ الْمُخَلَّقَةِ اليومَ خَلفَ ظَهرِكَ وتَمشي إلى الشَّامِ، حتى إذا كنتَ بفناءِ بابِ آلِ عُثمانَ كانت (٣) قِبلَةُ رَسُولِ الله ﷺ في ذلك الموضعِ (٤).
وأحاديث تحويل القبلة ذكرناها في ترجمة مسجد القبلتين (٥) فلا حاجة إلى إعادتها.
стр. 415
ـ وذكر البيهقي المسجدَ فقال: كانَ جِدَارَاً مُجدراً ليسَ عليه سَقفٌ وقِبلته إلى القدسِ وكان أسعد بن زرارة ﵁ بَنَاهُ، وكان يصلي بأصحابه فيه ويُجَمِّعُ بهم فيه الجمعة قبل مَقْدَمِ رَسُولِ الله ﷺ فأمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بالنخلِ التي في الحديقةِ [و] (١) بالغَرْقَدِ أن يُقْطَعَ، وكان فيه قُبورٌ جَاهِليَّة فأمَرَ بها فَنُبِشَتْ، وَأَمَرَ بالعظام أن تُغَيَّبَ، وكان في المربَدِ مَاءٌ مِسْحَل (٢) فَسَيَّرُوُهُ حتى ذَهَبَ المِسْحَلُ بمسرَبِ المطرِ (٣)
ـ /١٦١ وذكر ابن النجار وغيره أن حُدودَ مَسْجِدِ النبيِّ ﷺ الأوَلِ من جهةِ القِبلةِ الدَّرَابزينَاتُ التي بين الأسَاطين التي في قِبلَةِ الرّوضَةِ، ومن الشَّامِ الخشَبَات المغروزاَت في صَحنِ المسجِدِ، هذا طولُهُ.
وأما عَرضُهُ من المشرقِ إلى المغربِ فهو من حُجرَةِ النبيِّ ﷺ إلى الأسطوانَةِ التي بَعدَ المنبَرِ وهو آخرُ البلاطِ (٤).
ـ قال الشيخ جمال الدين المطري: إن الدَّرَابزينَات التي ذكر من جهة القبلة متقدمة عن موضع الحائط القبلي إلا أن الحائط القبلي كان مُحَاذياً لِمُصَلَّى
стр. 416
رَسُولِ الله ﷺ لما وَرَدَ أن الواقفَ في مُصَلَّى رَسُولِ الله ﷺ تكون رمانة المنبرِ الشريف حذو منكبهِ الأيمن، فمَقَامُ النبيّ ﷺ لم يُغيَّر باتفاق، وكذلك المنبرُ لم يُؤخر عن مَنصبِهِ الأول، وإنما جعل هذا الصندوق الذي في قِبلَةِ مُصلى رَسُولِ الله ﷺ سُتْرَةً بينَ المقامِ وبينَ الأسطوانَاتِ (١).
ووَرَدَ أيضاً أنهُ كَانَ بين الحائطِ القِبليّ وبَينَ المنبَرِ مَمَرُ الشَاةٍ (٢)، وبَينَ المنبَرِ والدرَابزين اليومَ نحو أربَعَةِ أذرعٍ ورُبْع (٣).
وفي صَحنِ المسجِدِ الشّرِيفِ حَجَرَانِ نَاتِئَانِ من بَينِ الرّملِ يُذكَرُ أنهما حَدُّ مَسْجِدِ رَسُولِ الله ﷺ من الشَّامِ والمغرِبِ، ولكنهُمَا ليسَا على سَمتِ المنبِر الشَّريفِ، بل هُما دَاخِلانِ عن سَمتِهِ إلى جَهةِ الشَّرقِ بمقدَارِ أربَعِ أذرُعٍ أو نحوها، وكذلك مُتَقَدِّمَانِ إلى القِبلَةِ عن الذرعِ الأوَلِ (٤).
ـ قال الشيخ جمال الدين المطري: اعتبرت ذلك فوجدته [ليس] (٥) كذلك (٦).
وذكرَ ابن النجار أن طولَ مَسْجِدِ رَسُولِ الله ﷺ اليومَ ـ بعد الزيادات كلها ـ
стр. 417
مائتا ذِرَاعٍ وأربَعٌ وخَمسُون ذِرَاعَاً، وَعَرضُهُ من مُقدمهِ من المشرِقِ إلى المغرِبِ مائةُ ذِرَاعٍ وَسَبعونَ ذِرَاعَاً، وَعَرضُهُ من مُؤخرهِ مائةُ ذِرَاعٍ وخَمسةٌ وَثَلاثونَ ذِرَاعَاً ينقص مؤخره عن مقدمه خمسة وثلاثون ذِرَاعَاً، كل ذلك تقريبٌ (١).
ـ وروى ابن النَجَّار أنَّ رَسُولَ الله ﷺ بَنَى مَسْجِدَهُ مُرَبَّعَاً وَجَعَلَ قِبلَتَهُ إلى بَيتِ المقدِسِ، وجَعَلَ طُولَهُ سَبعينَ ذِرَاعَاً في عَرضِ ستينَ ذِرَاعَاً أو يَزيد، وجَعَلَ له ثَلاثَةَ أبوابٍ، باباً في مُؤخرهِ، وبَابُ عَاتِكَة وهو بابُ الرحمةِ، والبابُ الذي كان يَدخلُ منهُ النبيُّ ﷺ وهو بابُ عُثمان، ولما صُرِفَت القِبلَةُ إلى الكَعبةِ سَدَّ النبيُّ ﷺ البَابَ الذي كان خَلفَهُ، وفَتَحَ باباً حِذَاهُ أي تُجَاهَهُ، وكان الْمَسْجِدُ لهُ ثلاثةُ أبوابٍ: خلفهُ، وباب عن يمينِ المصَلي، وباب عن يَسَارِهِ (٢).
ـ قال أهل التاريخ: لم يَزد أبو بَكر ﵁ في الْمَسْجِدِ شيئاً /١٦٢ لأنه اشتغل بالفتح ثانياً فلمَّا وَليَ عُمَر ﵁ قال: إني أريدُ أن أزيِدَ في الْمَسْجِدِ ولولا أني سَمِعتُ رَسُولَ الله ﷺ يقول: يَنبغي أن يُزادَ في الْمَسْجِدِ مَا زِدتُ فيهِ شَيئاً (٣).
ـ وعن ابن عُمَرَ ﵄ قال: إنَّ النَّاسَ في عَهدِ عُمَر ﵁ قالوا: يَا أمِيرَ المؤمنينَ لو وَسَّعتَ في الْمَسْجِدِ فَزَادَ فيه عُمَرُ ﵁ وأدخَلَ فيه دَارَ العبَّاسِ ﵁ فَجَعَلَ طولَهُ مائةً وأربعينَ (٤) ذِرَاعَاً،
стр. 418
وَعَرضَه مائةً وَعشرينَ، وَبَدَّلَ أَسَاطِينَهُ بأُخَرَ مِنْ جُذُوعِ النَّخلِ كَمَا كَانَت على عَهدِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَسَقفَهُ بجَرِيدٍ، وَجَعَلَ سُتْرَةَ الْمَسْجِدِ فَوقَهُ ذِرَاعينِ أو ثَلاثَةً، وَكانَ بَنَى أَسَاسَهُ بالحجَارَةِ إلى أن بَلَغَ قَامَةً، وَجَعَلَ له سِتَّةَ أبوابٍ؛ بَابَينِ عن يَمينِ القِبلَةِ، وبَابَينِ عن يَسَارِهَا، وبَابَينِ خَلفَهَا (١).
فلمَّا فَرَغَ من زيادته قال: لو انتهى بِنَاؤُهُ إلى الجبَّانَةِ لكانَ الكُلُّ مَسْجِدَ رَسُولِ الله ﷺ (٢).
وقال أبو هُرَيرَة ﵁ يَرفعهُ: «لو زِيدَ في هذا الْمَسْجِدِ ما زِيدَ كَانَ الكُلُّ مَسْجِدِي» (٣).
وفي لفظ: «مازيد في مَسْجِدِي فهو منهُ ولو بَلغَ ما بَلغ». قال أبو هريرة ﵁: فلو مُدَّ إلى بَابِ دَارِي مَا عَدَوتُ الصَّلاةَ فيهِ (٤).
ـ وعن ابن أبي ذئب عن عمر بن الخطاب ﵁: لو مُدَّ مَسْجِدُ رَسُولِ الله ﷺ إلى ذي الْحُلَيفَةِ لكانَ مِنهُ (٥).
стр. 419
ـ قال أهل السير: زَادَ عُمَرُ ﵁ من جهةِ القِبلَةِ إلى مَوضعِ الْمَقْصُورَةِ اليومَ (١)، وزَادَ عن يَمينِ القِبلَةِ وذَكَرَ الأذرعَ المتقدمةَ، قال: وَجَعَلَ طُولَ الْمَسْجِدِ مائةً وأربعين (٢) ذراعاً، وجَعَلَ طُولَ السَّقفِ أَحدَ عَشَرَ ذِرَاعَاً، وسقفهُ جَريدٌ ذِرَاعان (٣).
ـ وعند رزين: كانَ سَقفُ الْمَسْجِدِ من جَريدِ النَّخلِ فَأَمَرَ عُمَرُ ﵁ في خِلافَتِهِ
بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ وقال: أَكِنَّ (٤) النَّاسَ مِنَ الْمَطَرِ وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ. (٥) ولم يَزلْ كذلك إلى سَنةِ أربعٍ من خِلافَةِ عُثمَانَ ﵁ فَكَلَّمَهُ النَّاسُ أن يَزيدَ في مَسْجِدِ رَسُولِ الله ﷺ وشَكوا إليه ضِيقَهُ فَشَاوَرَ عُثمَانُ ﵁ أهلَ الرَأي فَأشَارُوا عليهِ بذلكَ فصعدَ المنبَرَ فخَطَبَ ثمَّ أعلمَهُم بذلك كالْمُستَشيرِ والْمُعْلِمِ لَهُم بما يُريد، قال: وقد تَقَدَّمَني إلى مثلِ ذلك عُمَرُ بن الخطابِ ﵁، فَحَسَّنُوا لهُ ذلك وَدَعَوا لهُ، فَدَعَا العُمَّالَ وَجَدَّ فيه، فأَمَرَ بالقَصَّةِ (٦) وَجَعَلَ العُمُدَ حِجَارَةً مَنقُوشَةً وَسَقَفَهُ سَاجَاً وَجَعَلَ طُولَهُ مائةً وستينَ
стр. 420
ذِرَاعَاً وعرضهُ مائةً وخَمسين ذِرَاعَاً وجعلَ الأبوابَ سِتةً كَمَا كَانَت (١).
ـ وعند البخاري عن / ١٦٣ ابن عُمَرَ ﵄ قال: كان الْمَسْجدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَبْنِيّاً بِاللَّبِنِ وَسَقفهُ بالْجَرِيدِ وَعَمَدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁ شَيْئاً وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ ﵁ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَباً ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ ﵁ وزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَبيرَةً وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ وَجَعَلَ عَمَدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ (٢).
ـ قال: فرفع بِالآجُرِّ في سنن أبي داود ولفظه: إنَّ مَسْجِدَ رَسُولِ الله ﷺ كَانَتْ سَوَارِيهِ مِنْ جُذُوعِ (٣) النَّخْلِ أَعْلاهُ مُظَلَّلٌ بِجَرِيدِ النَّخْلِ ثُمَّ إِنَّهَا نَخِرَتْ فِي خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَبَنَاهَا بِجُذُوعِ النَّخْلِ وجَرِيدِ النَّخْلِ ثُمَّ إِنَّهَا نَخِرَتْ فِي خِلافَةِ عُثْمَانَ ﵁ فَبَنَاهَا بِالآجُرِّ فَلَمْ تَزَلْ ثَابِتَةً حَتَّى الآنَ (٤).
ابتَدَأَ به عُثمَانُ في شَهرِ رَبيعِ الأولِ سَنَةَ تَسعٍ وعشرين، وَفَرغَ منهُ في هِلالِ المحرَّمِ سَنَةَ ثَلاثين، وَزَادَ من القِبلَةِ إلى مَوضعِ الجدَارِ اليومَ، وَزَادَ فيه من المغربِ أسطواناً بعدَ الْمُربَّعَةِ، وهي الأسطوانَةُ التي في القِبلَةِ والتي رُفِعَ أسفلهَا مُرَبَّعَاً قَدرَ الجلسةِ، وهي مُنتَهَى زِيَادَةِ عُثمانَ ﵁ من المغرِبِ، وقبالَةَ الأسطوانةِ التي زَادَهَا عُثمَانُ ﵁ في الحائِطِ طِرَازٌ آخر من العصابَةِ السُّفلى إلى سَقفِ الْمَسْجدِ، وهو حَدُّ زِيادَةِ عُثمَانَ ﵁، وزَادَ من
стр. 421
الشَّامِ خَمسينَ ذِرَاعَاً وَلم يَزد فيهِ من المشرقِ شَيئاً، وَبَنَى المقصُورَةَ بلَبِنٍ مَطبُوخٍ، وَجَعَلَ فيهِ طياقَاً يَنظرُ النَّاسُ منها إلى الإمامِ، وكان يُصلي فيها خَوفَاً من الذي أصَابَ عُمَر ﵁، وكانت صَغيرَةً، وَجَعَلَ في عُمُدِ الْمَسْجدِ أعمدةَ الحديدِ فيها الرَّصَاصُ، وبَاشَرَ ﵁ العَملَ بنفسهِ، وَكانَ يَصومُ النَّهارَ ويَقومُ الليلَ، وكانَ لا يَخرجُ من الْمَسْجدِ (١).
[وَبَقيَ] (٢) كذلك إلى أيامِ الوَليدِ فبَعَثَ بمَالٍ جَزيلٍ إلى عُمَرَ بن عَبد العَزيز ﵁ وَكان عَامِلَهُ على مَكَّةَ وَالمدِينَة آنذاك وَقالَ لهُ: زِدْ في الْمَسْجدِ، ومَنْ بَاعَكَ فأعطهِ ثَمَنهُ، ومَنْ أبى فاهدِمْ عَليهِ وأعطهِ المالَ، فإن أَبى أن يَأخُذَهُ فأعطهِ إلى الفقرَاءِ (٣).
وأرسَلَ الوليدُ إلى مَلكِ الرومِ يَقولُ لهُ: إنَّا نُريدُ أن نعمرَ مَسْجدَ نَبِيِّنَا الأعظم، فَأعِنَّا بعُمَّالٍ وفُسَيْفُسَاء، فَبَعَثَ إليه بضعةً وعشرينَ عَامِلاً، وقيل: بعَشَرَةٍ من العُمَّالِ، فَكَتَبَ: أنْ قَد بَعثتُ إليكَ بعَشَرَةٍ من العُمَّالِ يَعدِلونَ مائةً، وقيل: بَعَثَ بثَمانينَ عَامِلاً؛ أربَعينَ مِنَ الرُّومِ، وأربَعينَ من القِبط، وبثمَانينَ ألفَ مِثقَال، / ١٦٤ وبأحمَال من الفُسَيْفُسَاء، وبأحمَال من سَلاسَلِ القَناديلِ، فاشترَى عُمَرُ بن عَبدِ العَزيزِ ﵁ الدُّورَ وأدخَلهَا مَعَ حُجُرَاتِ رَسُولِ الله ﷺ في الْمَسْجدِ وأدخَل القبرَ الشَّريفَ فيهِ فبَينَمَا أولئكَ العُمَّال من الرومِ يَعمَلونَ يَومَاً خَلا لهمُ المَسْجِد فقالَ وَاحدٌ لأصحابه: لأبُولَنَّ على قبرِ نَبيهم فَنَهَوهُ فَأبَى وَتَهيأ لذلك فألقيَ على رَأسهِ، فانتَثَرَ دِمَاغُهُ، فَأَسلَمَ بعضُ أولئكَ العُمَّال.
стр. 422
وَكانَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ ﵁ خَمَّرَ النورةَ التي تعمل بها الفسيفساء سنة، وجعل العُمُدَ حجارة حشوها عمد الحديد والرصاص.
وكان أولئك الروم يَصنعون بالفُسيفسَاءِ في الحيطان قُصورَاً وأشجَارَاً وقال بعض أولئك العُمَّال الذين عملوا الفسيفساء إنا عملناه على ما وجدنا من صور شجر الجنة وقصورها، وكان إذا عمل العامل الشجرة الكبيرة من الفسيفساء فأحسن عملها نفله ثلاثين درهماً.
صور أحدهم في القبلة خِنزيراً فأمر به عمر ﵁ فضربت عنقه.
ووضع عمررضي الله عنه القبلة بعد أن دعا مشيخة أهل الْمَدينَة من قريش والأنصار والعرب والموالي فقال: احضروا قبلتكم، فوضعوها على ما كانت عليه لا ينزع حجراً إلا وضع حجراً مكانه (١).
وجعل للمسجد أربع منارات في كل ركن واحدة، وفرغ من بنائه في ثلاث سنين، وكانت المنارة الرابعة مطلة على دار مروان، فلما حج سليمان بن عبد الملك أذن المؤذن، فأطل على سُليمان وهو في الدَّارِ فأمَرَ بتلكَ المنارة فهدمت إلى ظهر المَسْجِد، ولم يَزل الْمَسْجدُ الشريفُ على ثلاث منارات إلى سنة ست وسبعمائة، فإنه أمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون بإنشائها.
وأدخل عمر بن عبد العزيز بيت فاطمة بنت رَسُولِ الله ﷺ في المسجد، وهو شمالي بيت عائشة ﵂ الذي فيه قبر النبي ﷺ . وبنى عمر بن عبد العزيز ﵁ على بيت عائشة ﵂ حائطاً، لم يوصلهُ إلى سَقفِ الْمَسْجدِ، بل دوين السقف بمقدار
стр. 423
أربعة أذرع، وأدار عليه شباكاً من خشب من فوق الحائط إلى السقف يراه المتأمل من تحت الكسوة التي على الحجرة المقدسة، وجعل للحجرة الشريفة خمسة أركان مُخمَّسَة.
قلت: وشكلها شكل عجيب لا يكاد يتأتى تصويره ولا تمثيله، يقال إن عمر بن عبدالعزيز ﵁ اخترع ذلك في تدبير بنائها مخافة أن يتخذها الناس مصلى، فإن الصفحات الأربع محرفة عن القبلة / ١٦٥ تحريفاً بديعاً لا يتأتى معه لأحد استقبالها في صلاته لأنه ينحرف عن القبلة.
وسعة الصفحة القِبلية منها أربعة وأربعون شبراً، وسعة الصفحة الشرقية ثلاثون شبراً، وما بين الركن الشرقي إلى الركن الجوفي صفحة سعتها خمسة وثلاثون شبراً، ومن الركن الجوفي إلى الركن الغربي صفحة سعتها تسعة وثلاثون شبراً، ومن الركن الغربي إلى القِبلي أربعة وعشرون شبراً، وفي هذه الصفحة صندوق آبنوس، مختم بالصندل (١)، مصفح بالفضة مكوكب بها، هو قبالة رأس النبي ﷺ وفيه أسطوان، وخلفه محراب، وفوق الصندوق قائم من خشب مجدد.
وأما الصندوق فطوله خمسة أشبار وعرضه ثلاثة أشبار وارتفاعه في الهواء أربعة أشبار. فجميع الحجرة الشريفة سعتها من جميع جهاتها مائة شبر واثنان وسبعون شبراً، وهي مؤزرة بالرخام البديع النحت الرائق النعت، ومنتهى الإزار منها إلى نحو الثلث أو أقل شبراً، وهي مقدار قامة وبسطة، وهو مما فاز بفعله جمال الدين الجواد الأصفهاني ذو المراتب المأثورة، وقد كان سبقه إليه المتوكل بالله فإنه أول من أزر الحجرة الشريفة بالرخام فلما عَتُق ذلك جدده
стр. 424
جمال الدين الجواد، وهو باق إلى اليوم.
وتمام الكلام على كيفية وضع الحجرة الشريفة والقبور المقدسة في فصل الحوادث التي حدثت في الْمَسْجدِ الشريف قريباً إن شاء الله تعالى.
ولَمَّا بَنَى عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ ﵁ الْمَسْجدَ وَوَسَّعَهُ جُعِلَ لهُ عشرونَ باباً (١)، ثَمانية من جِهَةِ المشرِقِ، والبَابُ القِبليُّ منها سُميَ ببابِ النَبيِّ ﷺ لكونِهِ مُقَابِلاً لبَيتِ النَّبي ﷺ لا لأمرٍ آخرَ، وقد سُدَّ عندَ تَجديدِ الحَائطِ، وجُعِلَ مَكانه شُبَّاكٌ يَقِفُ الإنسانُ عندَهُ من خَارج فيرى حُجرَةَ النَبيِّ ﷺ ، وهذا الشباك يُقابِلهُ مَدفَنُ الجمال الجواد الأصفهاني (٢) في رِبَاطِه الذي أنشأهُ هناك، خَصَّهُ الله تعالى بذلك، فيَتَنَشَّقُ من هذا الشباكِ الشريفِ رَحمَةً ورِضوَانَاً ورَوْحَاً ورَيحَاناً.
والثاني: بابُ عَلي ﵁، كان يُقابِلُ بَيتَهُ خَلفَ بَيتِ النَبيِّ ﷺ ، وقد سُدَّ أيضاً عندَ تَجديدِ الحائطِ.
والثالث: باب عُثمَان ﵁، وهو البابُ الذي وضِعَ قبالةَ البابِ الذي كان يدخلُ منهُ النَبيُّ ﷺ ، وهو البابُ المعروفُ اليومَ ببَابِ جِبريلَ ﵇، ولم يَبقَ من الأبوابِ التي كانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدخلُ منها إلا هذا الباب، وهذا أيضاً باعتبارِ أنهُ مُحَاذٍ لذلك الباب، مقابل له /١٦٦ لا أنه نفسه (٣)، وهذا البابُ مُقابلٌ لِدَارِ عُثمانَ بن عَفان رَضيَ الله
стр. 425
عَنهُ، ومُقابلٌ أيضاً بميلٍ يَسيرٍ إلى الشَّمالِ للطريقِ السَّالكِ من بَابِ جِبريلَ ﵇ إلى بَابِ الْمَدينَةِ الخارجِ منهُ إلى البَقيعِ، وكتبَ عَليهِ من خَارج بِسمِ الله الرَّحمَنِ الرَّحيم: ﴿لقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (١) الآيتين.
والرابع: باب رَيْطَة ابنة أبي العَبَّاس السَّفاح، ويُعرَفُ ببَابِ النِّسَاءِ، وسَبَبُ تَسميتهِ ببَابِ النِّسَاءِ ما رواه أبو دَاود عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ قَالَ نَافِعٌ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ (٢).
وكتب عليه من خارج آية الكرسي إلى قوله تعالى: ﴿لا انفِصَامَ لَهَا والله سَمِيعٌ عَليم﴾ (٣)، وكتب عليه من داخل بِسمِ الله الرَّحمَنِ الرَّحيم: ﴿إنما يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله﴾ (٤) إلى آخر الآية.
ودار رَيْطَة المقابل لهذا الباب كانت دار أبى بكر الصديق ﵁، ونقل أنه توفي فيها، وهي الآن مدرسة للحنفية بناها باركوج التركي أمير كان بالشام، وتعرف اليوم بالباركوجية وهو مدفون فيها (٥).