الشَّامِ خَمسينَ ذِرَاعَاً وَلم يَزد فيهِ من المشرقِ شَيئاً، وَبَنَى المقصُورَةَ بلَبِنٍ مَطبُوخٍ، وَجَعَلَ فيهِ طياقَاً يَنظرُ النَّاسُ منها إلى الإمامِ، وكان يُصلي فيها خَوفَاً من الذي أصَابَ عُمَر ﵁، وكانت صَغيرَةً، وَجَعَلَ في عُمُدِ الْمَسْجدِ أعمدةَ الحديدِ فيها الرَّصَاصُ، وبَاشَرَ ﵁ العَملَ بنفسهِ، وَكانَ يَصومُ النَّهارَ ويَقومُ الليلَ، وكانَ لا يَخرجُ من الْمَسْجدِ (١).
[وَبَقيَ] (٢) كذلك إلى أيامِ الوَليدِ فبَعَثَ بمَالٍ جَزيلٍ إلى عُمَرَ بن عَبد العَزيز ﵁ وَكان عَامِلَهُ على مَكَّةَ وَالمدِينَة آنذاك وَقالَ لهُ: زِدْ في الْمَسْجدِ، ومَنْ بَاعَكَ فأعطهِ ثَمَنهُ، ومَنْ أبى فاهدِمْ عَليهِ وأعطهِ المالَ، فإن أَبى أن يَأخُذَهُ فأعطهِ إلى الفقرَاءِ (٣).
وأرسَلَ الوليدُ إلى مَلكِ الرومِ يَقولُ لهُ: إنَّا نُريدُ أن نعمرَ مَسْجدَ نَبِيِّنَا الأعظم، فَأعِنَّا بعُمَّالٍ وفُسَيْفُسَاء، فَبَعَثَ إليه بضعةً وعشرينَ عَامِلاً، وقيل: بعَشَرَةٍ من العُمَّالِ، فَكَتَبَ: أنْ قَد بَعثتُ إليكَ بعَشَرَةٍ من العُمَّالِ يَعدِلونَ مائةً، وقيل: بَعَثَ بثَمانينَ عَامِلاً؛ أربَعينَ مِنَ الرُّومِ، وأربَعينَ من القِبط، وبثمَانينَ ألفَ مِثقَال، / ١٦٤ وبأحمَال من الفُسَيْفُسَاء، وبأحمَال من سَلاسَلِ القَناديلِ، فاشترَى عُمَرُ بن عَبدِ العَزيزِ ﵁ الدُّورَ وأدخَلهَا مَعَ حُجُرَاتِ رَسُولِ الله ﷺ في الْمَسْجدِ وأدخَل القبرَ الشَّريفَ فيهِ فبَينَمَا أولئكَ العُمَّال من الرومِ يَعمَلونَ يَومَاً خَلا لهمُ المَسْجِد فقالَ وَاحدٌ لأصحابه: لأبُولَنَّ على قبرِ نَبيهم فَنَهَوهُ فَأبَى وَتَهيأ لذلك فألقيَ على رَأسهِ، فانتَثَرَ دِمَاغُهُ، فَأَسلَمَ بعضُ أولئكَ العُمَّال.
стр. 422
وَكانَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ ﵁ خَمَّرَ النورةَ التي تعمل بها الفسيفساء سنة، وجعل العُمُدَ حجارة حشوها عمد الحديد والرصاص.
وكان أولئك الروم يَصنعون بالفُسيفسَاءِ في الحيطان قُصورَاً وأشجَارَاً وقال بعض أولئك العُمَّال الذين عملوا الفسيفساء إنا عملناه على ما وجدنا من صور شجر الجنة وقصورها، وكان إذا عمل العامل الشجرة الكبيرة من الفسيفساء فأحسن عملها نفله ثلاثين درهماً.
صور أحدهم في القبلة خِنزيراً فأمر به عمر ﵁ فضربت عنقه.
ووضع عمررضي الله عنه القبلة بعد أن دعا مشيخة أهل الْمَدينَة من قريش والأنصار والعرب والموالي فقال: احضروا قبلتكم، فوضعوها على ما كانت عليه لا ينزع حجراً إلا وضع حجراً مكانه (١).
وجعل للمسجد أربع منارات في كل ركن واحدة، وفرغ من بنائه في ثلاث سنين، وكانت المنارة الرابعة مطلة على دار مروان، فلما حج سليمان بن عبد الملك أذن المؤذن، فأطل على سُليمان وهو في الدَّارِ فأمَرَ بتلكَ المنارة فهدمت إلى ظهر المَسْجِد، ولم يَزل الْمَسْجدُ الشريفُ على ثلاث منارات إلى سنة ست وسبعمائة، فإنه أمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون بإنشائها.
وأدخل عمر بن عبد العزيز بيت فاطمة بنت رَسُولِ الله ﷺ في المسجد، وهو شمالي بيت عائشة ﵂ الذي فيه قبر النبي ﷺ . وبنى عمر بن عبد العزيز ﵁ على بيت عائشة ﵂ حائطاً، لم يوصلهُ إلى سَقفِ الْمَسْجدِ، بل دوين السقف بمقدار
стр. 423
أربعة أذرع، وأدار عليه شباكاً من خشب من فوق الحائط إلى السقف يراه المتأمل من تحت الكسوة التي على الحجرة المقدسة، وجعل للحجرة الشريفة خمسة أركان مُخمَّسَة.
قلت: وشكلها شكل عجيب لا يكاد يتأتى تصويره ولا تمثيله، يقال إن عمر بن عبدالعزيز ﵁ اخترع ذلك في تدبير بنائها مخافة أن يتخذها الناس مصلى، فإن الصفحات الأربع محرفة عن القبلة / ١٦٥ تحريفاً بديعاً لا يتأتى معه لأحد استقبالها في صلاته لأنه ينحرف عن القبلة.
وسعة الصفحة القِبلية منها أربعة وأربعون شبراً، وسعة الصفحة الشرقية ثلاثون شبراً، وما بين الركن الشرقي إلى الركن الجوفي صفحة سعتها خمسة وثلاثون شبراً، ومن الركن الجوفي إلى الركن الغربي صفحة سعتها تسعة وثلاثون شبراً، ومن الركن الغربي إلى القِبلي أربعة وعشرون شبراً، وفي هذه الصفحة صندوق آبنوس، مختم بالصندل (١)، مصفح بالفضة مكوكب بها، هو قبالة رأس النبي ﷺ وفيه أسطوان، وخلفه محراب، وفوق الصندوق قائم من خشب مجدد.
وأما الصندوق فطوله خمسة أشبار وعرضه ثلاثة أشبار وارتفاعه في الهواء أربعة أشبار. فجميع الحجرة الشريفة سعتها من جميع جهاتها مائة شبر واثنان وسبعون شبراً، وهي مؤزرة بالرخام البديع النحت الرائق النعت، ومنتهى الإزار منها إلى نحو الثلث أو أقل شبراً، وهي مقدار قامة وبسطة، وهو مما فاز بفعله جمال الدين الجواد الأصفهاني ذو المراتب المأثورة، وقد كان سبقه إليه المتوكل بالله فإنه أول من أزر الحجرة الشريفة بالرخام فلما عَتُق ذلك جدده
стр. 424
جمال الدين الجواد، وهو باق إلى اليوم.
وتمام الكلام على كيفية وضع الحجرة الشريفة والقبور المقدسة في فصل الحوادث التي حدثت في الْمَسْجدِ الشريف قريباً إن شاء الله تعالى.
ولَمَّا بَنَى عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ ﵁ الْمَسْجدَ وَوَسَّعَهُ جُعِلَ لهُ عشرونَ باباً (١)، ثَمانية من جِهَةِ المشرِقِ، والبَابُ القِبليُّ منها سُميَ ببابِ النَبيِّ ﷺ لكونِهِ مُقَابِلاً لبَيتِ النَّبي ﷺ لا لأمرٍ آخرَ، وقد سُدَّ عندَ تَجديدِ الحَائطِ، وجُعِلَ مَكانه شُبَّاكٌ يَقِفُ الإنسانُ عندَهُ من خَارج فيرى حُجرَةَ النَبيِّ ﷺ ، وهذا الشباك يُقابِلهُ مَدفَنُ الجمال الجواد الأصفهاني (٢) في رِبَاطِه الذي أنشأهُ هناك، خَصَّهُ الله تعالى بذلك، فيَتَنَشَّقُ من هذا الشباكِ الشريفِ رَحمَةً ورِضوَانَاً ورَوْحَاً ورَيحَاناً.
والثاني: بابُ عَلي ﵁، كان يُقابِلُ بَيتَهُ خَلفَ بَيتِ النَبيِّ ﷺ ، وقد سُدَّ أيضاً عندَ تَجديدِ الحائطِ.
والثالث: باب عُثمَان ﵁، وهو البابُ الذي وضِعَ قبالةَ البابِ الذي كان يدخلُ منهُ النَبيُّ ﷺ ، وهو البابُ المعروفُ اليومَ ببَابِ جِبريلَ ﵇، ولم يَبقَ من الأبوابِ التي كانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدخلُ منها إلا هذا الباب، وهذا أيضاً باعتبارِ أنهُ مُحَاذٍ لذلك الباب، مقابل له /١٦٦ لا أنه نفسه (٣)، وهذا البابُ مُقابلٌ لِدَارِ عُثمانَ بن عَفان رَضيَ الله
стр. 425
عَنهُ، ومُقابلٌ أيضاً بميلٍ يَسيرٍ إلى الشَّمالِ للطريقِ السَّالكِ من بَابِ جِبريلَ ﵇ إلى بَابِ الْمَدينَةِ الخارجِ منهُ إلى البَقيعِ، وكتبَ عَليهِ من خَارج بِسمِ الله الرَّحمَنِ الرَّحيم: ﴿لقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (١) الآيتين.
والرابع: باب رَيْطَة ابنة أبي العَبَّاس السَّفاح، ويُعرَفُ ببَابِ النِّسَاءِ، وسَبَبُ تَسميتهِ ببَابِ النِّسَاءِ ما رواه أبو دَاود عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ قَالَ نَافِعٌ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ (٢).
وكتب عليه من خارج آية الكرسي إلى قوله تعالى: ﴿لا انفِصَامَ لَهَا والله سَمِيعٌ عَليم﴾ (٣)، وكتب عليه من داخل بِسمِ الله الرَّحمَنِ الرَّحيم: ﴿إنما يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله﴾ (٤) إلى آخر الآية.
ودار رَيْطَة المقابل لهذا الباب كانت دار أبى بكر الصديق ﵁، ونقل أنه توفي فيها، وهي الآن مدرسة للحنفية بناها باركوج التركي أمير كان بالشام، وتعرف اليوم بالباركوجية وهو مدفون فيها (٥).
стр. 426
والطريق إلى باب البقيع بينها وبين دار عثمان ﵁، وعرض الطريق نحو من سبعة أذرع.
الخامس: باب يقابل دار أسماء بنت الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب ﵃، وكانت لجبلة بن عمرو الساعدي الأنصاري، كانت بعضاً من داره، ثم صارت لسعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان (١) ثم صارت لأسماء المذكورة، وكتب عليه من خارج بِسمِ الله الرَّحمَنِ الرَّحيم ﴿يَا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً﴾ (٢) الآية.
وكتب عليه من داخل بعد البسملة ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده [ولا مولود هو جازٍ عن والده] شيئاً﴾ (٣) إلى آخر السورة.
وقد سد هذا الباب أيضاً عند تجديد الحائط الشرقي من المنارة الشرقية الشمالية إلى هذا الباب، في أيام الناصر لدين الله سنة تسع وثمانين وخمسمائة. ودار أسماء المذكورة هذه رباط للنساء اليوم.
السادس: باب يقابل دار خالد بن الوليد ﵁ وقد دخل في بناء الحائط المذكور، والدار المذكورة رباط للرجال اليوم، ومعها من جهة الشمال دار عمرو بن العاص، والرباطان المذكوران بناهما القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشَّهْرُزُوري (٤) ﵀.
стр. 427
وكتب على هذا الباب من داخل بعد البسملة ﴿و إلهكم إله واحد﴾ (١) الآيتين، ثم على إثرهما ﴿وإذا سألك عبادي عنى فإني قريب أجيب﴾ (٢) الآية. وعليه من خارج ﴿وقالوا الحمد لله الذي اذهب عنا الحزن﴾ (٣) الآية.
السابع: باب كان يقابل زقاق المناصع، بين دار عمرو / ١٦٧ بن العاص ودار موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومي، والزقاق اليوم ينفذ إلى دار الحسن بن علي العسكري ﵀، وكان الزقاق نافذاً إلى المناصع خارجاً عن الْمَدينَة، ودار موسى بن إبراهيم المخزومي اليوم رباط للرجال، أنشأه القاضي الفاضل محيي الدين أبو علي عبد الرحيم بن علي بن الحسن اللَّخْمي البَيْسَاني (٤).
ودخل هذا الباب في الحائط عند تجديده، وكان مكتوباً عليه من داخل بعد البسملة ﴿إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض﴾ (٥) الآيتين، ومن خارج بعد البسملة ﴿ألهاكم التكاثر﴾ (٦) إلى آخر السورة.
الثامن: باب كان يقابل أبيات الصوافي - وهي دور كانت بين موسى بن إبراهيم المخزومي، وبين عبيد الله بن الحسين الأصغر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃-دخل في الحائط، وموضع هذه
стр. 428
الدار اليوم دار اشتراها الشيخ صفي الدين أبو بكر أحمد السلامي ﵀ وأوقفها على ذوي قرابته من السلاميين.
وكان على هذا الباب من داخل مكتوباً بعد البسملة ﴿الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم … ﴾ إلى قوله ﴿ … لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ (١) اللهم صل على محمد عبدك ونبيك. ومن خارج بعد البسملة ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض﴾ (٢) إلى آخر الآيتين.
التاسع: باب كان في دبر الْمَسْجدِ مما يلي الشام، أول الأبواب الأربعة التي كانت نافذة في هذا الجانب، وكان مكتوباً عليه من داخل بعد البسملة ﴿ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً﴾ (٣) إلى خاتم السورة، ومن خارج ﴿الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه، ومن أصدق من الله حديثاً﴾ (٤) اللهم صل على محمد عبدك ورسولك إمام المتقين وخاتم النبيين.
العاشر: وهو الثاني من أبواب هذا الجانب، كتب عليه من داخل ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ إلى منتهى ثلاث آيات ﴿والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ (٥) وعليه من خارج بعد البسملة: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، واجزه خير ما تجزي النبيين، و أعطه أفضل ما تعطي المرسلين، أمر بعمارة هذا الْمَسْجدِ وزينته وتوسعته عبد الله المهدي محمد أمير المؤمنين.
стр. 429
الحادي عشر: وهو الباب الثالث من هذا الجانب، كتب عليه من داخل بعد البسملة ﴿قد أفلح المؤمنون … ﴾ إلى قوله ﴿ … أولئك هم الوارثون﴾ (١) وكتب عليه من خارج: الله لا إله إلا هو الحي الذي لا يموت سبحان الله وتعالى عما يشركون علواً كبيراً / ١٦٨ هو الحي الذي لم يتخذ ولداً وهو العلي الكبير.
الثاني عشر: وهو الباب الرابع من أبواب هذا الجانب وفيه كتب من داخل بعد البسملة ﴿لا يستوي أصحاب النار و أصحاب الجنة، أصحاب الجنة هم الفائزون … ﴾ إلى ﴿ … سبحان الله عما يشركون﴾ (٢)، وكتب عليه من خارج: الله العزيز الحكيم أذن بنعمته وفضله لعبده و خليفته المهدي محمد أمير المؤمنين بالزيادة في مسجد رسول الله ﷺ وتوسعته وزينته، فأعظم الله أجر أمير المؤمنين و أتم عليه نعمته، وهناه كرامته وأعز نصره.
الثالث عشر: باب كان يقابل دار منيرة من جهة الغرب كتب عليه من داخل بعد البسملة ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار … ﴾ إلى قوله ﴿ … لا تخلف الميعاد﴾ (٣)، وفي نجاف الباب من داخل دون الطاق: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، مما أمر به عبد الله المهدي أمير المؤمنين من عمل أهل البصرة.
وبينه وبين الباب الذي يليه منجنيق تُقَمُّ (٤) عليه سقف الْمَسْجدِ.
الرابع عشر: باب كان يقابل دار شخص يسمى نصير، وكتب عليه من
стр. 430
داخل بعد البسملة: ﴿قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين … ﴾ (١) إلى خاتمة السورة، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك ونبيك، ومن خارج: ﴿الحمد لله الذي صدقنا وعده .. ﴾ (٢) الآيتين.
الباب الخامس عشر: باب كان يقابل دار جعفر بن يحيى، وكان عليه من داخل بعد البسملة ﴿الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً .. ﴾ إلى قوله ﴿ … وكبره تكبيراً﴾ (٣) اللهم صل على محمد عبدك ورسولك أفضل ما صليت على أحد من أنبيائك ورسلك، اللهم ابعثه المقام المحمود الذي وعدته يغبطه به الأولون والآخرون كما بلغ رسالاتك ونصح لعبادك وتلا آياتك.
وفي الطاق تحته ﴿إن ربكم الله … ﴾ إلى قوله ﴿تبارك الله رب العالمين﴾ (٤) صلوات الله على محمد النبي والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. وعليه مكتوب من خارج ﴿ألم نشرح﴾ (٥).
السادس عشر: باب عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية، وهو باب الرحمة كان يقابل دار عاتكة المذكورة ثم صارت ليحيى بن خالد بن برمك وزير الرشيد، وكتب عليه من داخل بعد البسملة: ﴿آمن الرسول …﴾ (٦) إلى آخر السورة، وتحته في الطاق بعد البسملة ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ (٧) الآيتين و ﴿قل هو الله أحد﴾ (٨) إلى آخرها، صلى الله على
стр. 431
محمد النبي وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ومن خارج بعد البسملة ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان…﴾ إلى ﴿تذكرون﴾ (١) أمر عبد الله عبد الله أمير المؤمنين بعمل هذا الْمَسْجدِ / ١٦٩ وبلصق هذا الباب دار صغيرة تعرف بالحسينية، وفي خارجها شباك حديد مفتوح يشاهد منه الإنسان الذي في الْمَسْجدِ والروضة والحجرة المقدسة، وليس على الْمَسْجدِ شباك غير ذلك.
وكان من الاتفاق السعيد لنا أن العام الأول الذي حصل لي فيه الفوز بجوار حرم رسول الله ﷺ أنزلت في أول مقدمي في دار أحد أولاد رسول الله ﷺ ، وهو أمير الْمَدينَة حينئذ، وكانت الضيافة لنا من عنده أولاً، ثم تبعه الناس، وكان المنزل والضيافة من خاص رسول الله ﷺ وأهل بيته، ثم قصدت القرب من الْمَسْجدِ المطهر والروضة المقدس فأرسل إلي مفتاح هذه الدار المساند لباب جبريل، المشاهد منها مظاهر الأنوار النبوية، والحمد لله رب العالمين على ما أولاه وابتداه وأعاده من صنعه الجميل وأبداه، فهو أهل الحمد ومستحقه لا إله سواه.
السابع عشر: باب كان يعرف بباب زياد (٢)، كان عليه لوح مضروب بمسامير من خارج، وعليه مكتوب بعد البسملة وآية الكرسي: مُحَمَّد رَسُولُ الله ﷺ أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أمر عبد الله أمير المؤمنين أكرمه الله بعمل مسجد رسول الله ﷺ وعمارة هذه الرحبة توسعة لمسجد رسول الله ﷺ ولمن حضر من المسلمين في سنة إحدى وخمسين ومائة ابتغاء وجه الله والدار الآخرة.
стр. 432
وكان أمير المؤمنين أكرمه الله أولى الناس بالنظر في ذلك لقرابته من رسول الله ﷺ وما اختصه الله به من خلافته، فأعظم الله أجر أمير المؤمنين، وأحسن ثوابه.
الثامن عشر: باب آخر كان بين باب زياد وبين الخوخة التي تقابل خوخة الصديق ﵁، وهذان البابان سدا جميعاً عند تجديد الحائط.
التاسع عشر: الخوخة المنقولة المعمولة تجاه خوخة أبي بكر ﵁ التي أمر رسول الله ﷺ بإبقائها دون سائر الخوخ التي كانت إلى الْمَسْجدِ (١).
قال أهل السير: إن باب أبي بكر ﵁ كان غربي الْمَسْجدِ، وكان قريب المنبر، ولما زادوا في الْمَسْجدِ إلى حده من المغرب نقلوا الخوخة وجعلوها في مثل مكانها أولاً، كما نقل عثمان ﵁ أعني باب جبريل ﵊ إلى موضعه اليوم، وباب خوخة أبي بكر ﵁ اليوم هو باب خزانة لبعض حواصل الْمَسْجدِ، إذا دخلت من باب السلام تجده على يسارك قريباً من الباب بنحو عشرين ذراعاً، ولم يكن على هذه الخوخة كتابة لا من داخل ولا من خارج.
/١٧٠ العشرون: باب السلام، وبه يعرف اليوم، ويقال له: باب الخشية أيضاً، ويقال له: باب الخشوع، وهو باب مروان بن الحكم، وكانت داره مقابلة من جهة المغرب، وكتب عليه من داخل بعد البسملة: ﴿إن الله
стр. 433
وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾ (١) اللهم صلِّ على محمد وعليه السلام، وبَيضْ وجهه، وأعلِ درجته، وشرف بنيانه، وأكرم نزله، واجزه خير ما جزيت نبياً عن أمته، فإنه قد بلغ رسالاتك، وجاهد على أمرك، حتى عز دينك، وظهر سلطانك، وتمت كلمتك، واستُحل حلالك، وحرِّم حرامك، وبك نفذ ذلك وحدك لا شريك لك، والسلام على النبي ورحمة الله وبركاته، أمر بعمل مسجد رسول الله ﷺ عبد الله عبدالله أمير المؤمنين في سنة ثلاثين ومائة كرامة من الله الكريم، أكرم الله بها خليفته من ذخيرة ذخرها له عَمَّن كان قبله، ونافلة نفله إياها على من بعده، فالحمد لله الذي ولى أمير المؤمنين توسعته بعد غيره، وأكرمه بتزيينه وتطهيره، عظم الله لأمير المؤمنين أجره، وكثر به حسناته.
وكتب عليه من خارج: لا إله إلا الله وحده لا شريك له محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق (٢)، اللهم اغفر لأنبيائك وخلفاء المؤمنين حيهم وميتهم، اللهم صل على محمد عبدك ونبيك أنت وملائكتك [و] المؤمنون جميعاً، أمر عبد الله عبد الله أمير المؤمنين بعمل مسجد رسول الله ﷺ ، وإصلاح ما أفسد منه، وعمارته، في سنة اثنتين وخمسين ومائة.
ولم يكن في جهة القبلة ولا إلى اليوم باب إلا خوخة آل عمر المتقدم ذكرها (٣)، وخوخة كانت لمروان عند داره في ركن الْمَسْجدِ الغربي وكانت موجودة إلى سنة ست وسبعمائة، فلما أمر الناصر بن قلاوون بإنشاء المنارة الكبيرة الرابعة المستجدة، وكان باب الخوخة عليها فانسدت بحائط المنارة
стр. 434
الغربي، وكان عليها باب من ساج لم يبل ولا ينتخر إلى حين قُلِع.
وأما الخوخة التي تحت الأرض _ ولها شباك ظاهر في القبلة وطابق في أرض الْمَسْجدِ أمام وجه المصلين في صدر الروضة مما يلي الحجرة الشريفة ويفتح هذا الطابق أيام الحاج -فهي طريق آل عبد الله بن عمر ﵃ إلى دارهم التي تسمى اليوم دار العَشَرة وليست بدار العشرة، وإنما هي دار آل / ١٧١ عبد الله بن عمر ﵃، وكان بيت حفصة بنت عمر ﵄ قد صار إلى عبد الله بن عمر ﵃، فلما وسع عمر بن عبد العزيز ﵁ الْمَسْجدَ بأمر الوليد وأدخل بيت حفصة في الْمَسْجدِ، جعل لهم طريقهم إلى المَسْجِد، وفتح لهم باباً في الحائط القبلي يدخلون منه إلى الْمَسْجدِ، فلما حج الوليد ودخل الْمَدينَة طاف في الْمَسْجدِ رأى الباب في القبلة فقال لعمر: ما هذا الباب فذكر له ما جرى بينه وبين آل عمر في بيت حفصة ﵂، وكان قد جرى بينه وبينهم كلام كثير، وجرى الصلح على أن فتح لهم هذا الباب، فقال له الوليد: أراك صانعتهم لمكان الخؤولة، ولم تزل طريقهم تلك حتى عمل المهدي بن المنصور المقصورة على الرواق القبلي فمنعوهم الدخول من بابهم، فجرى في ذلك أيضا كلام كثير، فاصطلحوا على أن يُسَدَّ الباب، ويجعل عليه شُبَّاك حديد، ويحفر لهم من تحت الأرض طريق يخرج إلى خارج المقصورة، وهي التي عليه هذا الطابق الموجود اليوم وهي بيد آل عبد الله بن عمر ﵃ إلى اليوم.
قال الزبيري: وعرض مَنْقَبَةِ جدار الْمَسْجدِ مما يلي المغرب ذراعان ينقصان شيئاً، وعرض منقبته مما يلي المشرق ذراعان وأربع أصابع، وهو أعرضهما لأنه من ناحية السيل (١).
стр. 435
قال الزبير: وفي صحن الْمَسْجدِ أربع وستون بلاعة، عليها أرحاء، ولها صمائم من حجارة، يدخل الماء من أصفائها، كان أبو البَخْتَري (١) لما كان والياً على الْمَدينَة لهارون كشف سقف الْمَسْجدِ في سنة ثلاث وتسعين ومائة، فوجد فيه خشبة مكسورة، فأدخل مكانها خشباً صحاحاً، وكان ماء المطر إذا كثر في الصحن يغشى قبلة الْمَسْجدِ، فجعل بين القبلة والصحن لاصقاً بالسواري حجاباً (٢) من حجارة من المربعة التي في غربي الْمَسْجدِ إلى المربعة التي في شرقيه، فمنع الماء من الصحن أن يغشى القبلة، ومنع حصباء القبلة أن تصير إلى الصحن.
وفي صحن مسجد رسول الله ﷺ تسع عشرة سقاية إلى سنة تسع وتسعين ومائة، منها ثلاث عشرة أحدثتها خالصة، وكانت أول من أحدث ذلك، ومنها ثلاث لزيد البربري مولى أمير المؤمنين، ومنها سقاية لأبي البختري، ومنها سقاية لشجر الدر أم هارون أمير المؤمنين، ومنها سقاية لسلسبيل أم ولد جعفر بن أبي جعفر.
قال: وكتب عمر بن عبد العزيز ﵁ في قبلة الْمَسْجدِ على الجدار كتابة، /١٧٢ أولها أم القرآن، ثم ﴿والشمس وضحاها﴾ إلى آخر ﴿قل أعوذ برب الناس﴾، وهو على يمين الداخل من باب مروان إلى أن ينتهي إلى باب علي، والذي كتبه مولى لآل حويطب بن عبد العزى يقال له سعد خصبه (٣).
стр. 436
وعمر ﵁ هو الذي عمل الرصاص الذي على طنف (١) الْمَسْجدِ، والميازيب التي من رصاص، ولم يكن للمسجد شرفات حتى عملها عبد الواحد النضري (٢) وكان والياً بالْمَدينَة.
ونقض الحرورية الكتابة التي كانت في القبلة فأعادها ابن عطية (٣) حين كان والياً في سنة ثمان وعشرين ومائة، ثم نقضها داود بن علي بن حسين (٤) حين قدم والياً لأبي العباس سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وكان من جملة ما كتب حول صحن الْمَسْجدِ فوق الطاقات، دون الشرفات بالفسيفساء بعد البسملة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد عبد الله ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولوكره المشركون، أمر عبد الله عبد الله أمير المؤمنين بتقوى الله وطاعته، والعمل بكتاب الله وسنة نبيه، وبصلة الرحم، وبتعظيم ما صغر الجبابرة من حق الله، وتصغير ما عظموا من الباطل، وإحياء ما أماتوا من الحقوق، وإماتة ما أحيوا من العدوان والجور، وأن يطاع الله ويعصى العباد في طاعة الله، فالطاعة لله ولأهل طاعته، لا طاعة لأحد في معصية الله، يدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وإلى العدل في أحكام المسلمين والقسم بالسوية في فيئهم، ووضع الأخماس في مواضعها التي أمر الله بها لذوي
стр. 437
القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
قال: لما بنى عمر بن عبد العزيز ﵁ الْمَسْجدَ أراد أن يجعل في الأبواب حلقاً ويجعلها كالدروب لئلا يدخلها الدواب، فعمل الحلقة التي في باب الْمَسْجدِ مما يلي دار مروان ثم بدا له فتركها، ولما فرغ من بنيان الْمَسْجدِ أرسل إلى أبان بن عثمان بن عفان (١) ﵄، فحمل في كِساء خَز حتى انتهى به إليه، فقال له عمر ﵁: أين هذا البناء من بنائكم؟ فقال: بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس (٢).
قال: وكان مما أُدخِلَ في الْمَسْجدِ من الدور دار مُليكة (٣)، وكانت لعبدالرحمن بن عوف ﵁، وإنما أضيفت إلى مليكة لأنه لما أُتيَ بمليكة بنت خارجة بن سنان وفُرِّق بينها وبين منظور بن زبان (٤)، قال عمر بن الخطاب ﵁ من يكفلها؟ قال عبدالرحمن بن عوف ﵁: أنا، فأنزلها / ١٧٣ داره، فغلب عليها اسمها، ثم باعها بنو عبد الرحمن بن عوف ﵁ من عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فباعها عبد الله بن جعفر من محمد بن أبي جعفر ثم باعها للمهدي حين بنى الْمَسْجدِ فأدخل بعضها في الْمَسْجدِ، وبعضها في رحبة المسارب، وبعضها في الطريق، وأدخل
стр. 438
دار شُرَحبيل بن حَسَنة، وكانت صدقة، فابتاعوا منها دوراً ومنازل فأوقفوها صدقة، وبقيت منها بقية، فابتاعها منهم يحيى بن خالد بن برمك فدخلت في الحش حش طلحة وابتاعها بما صار في أيديهم دوراً ومنازل فأوقفوها، وأدخل بقية دار عبد الله بن مسعود التي يقال لها دار القراء ودار المسور بن مخرمة (١).
* * *
стр. 439
فصل في ذكر دور
كانت حول المسجد الشريف محدقة به
قال الزبير ﵀: بلَّط مروان بن الحكم البلاط بأمر معاوية بن أبي سفيان، وكان مروان بلَّط ممر أبيه الحكم إلى المسجد، وكان قد أسنَّ، وأصابته ريح، فكان يجر رجليه فتمتلئ تراباً، فبلَّطه مروان لأجله، فأمره معاوية بتبليط ما سوى ذلك مما قارب المسجد، ففعل، وأراد أن يبلِّط بقيع الزبير (١)، فحال ابن الزبير بينه وبين ذلك، وقال: أردت أن تنسخ اسم الزبير، ويقال: بلاط معاوية. فأمضى مروان البلاط، فلما حاذى دار عثمان بن عبيد الله (٢)، ترك الرحبة التي بين يدي داره، فقال له: عبد الرحمن بن عثمان (٣): لئن لم تبلطها لأدخلنَّها في داري، فبلَّطها مروان. (٤)
والدور الشوارع حول المسجد من القبلة؛ دار عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، وهي اليوم لهم. وكانت مربداً ...... (٥) عثمان بن عفان ﵁ حين بَنَا المسجد و كان أدخل بيت حفصة ﵂ في المسجد حين زاد فيه.
стр. 440
وفي هذه الدار الأسطوانة التي كان بلال ﵁ يؤذن عليها في عهد رسول الله ﷺ (١)، وفيها خوخة آل عمر ﵃.
ثم دار مروان التي ينزل فيها الأمراء، وكان بعضها للنحام من بني عدي وبعضها من دار العباس ﵁، فابتاعها مروان وجعل فيها داراً لابنه عبدالعزيز بن مروان (٢)، وجعل فيها باباً في القبلة، فخشي أن يمنع، فجعل باباً على يمين مخرجه إلى المقصورة، فقال: أخشى أن أُمنع المسجد، فجعل الباب الذي على باب المسجد.
وإلى جنبها دار يزيد بن عبد الملك التي صارت لزبيدة، وكان في موضعها دار لآل أبي سفيان بن حرب، وكانت أشرف دار في المدينة بناءً، وأذهبها في السماء.
ودار كانت لآل أبي أُمية بن المغيرة (٣)، فابتاعها يزيد /١٧٤ (٤) وأدخلها في داره وهدمها. وكان بعض أهل المدينة وَفَدَ على يزيد بن عبد الملك وقد فرغ من بناء داره، فسأله عنها، فقال: ما أعرف لك أصلحك الله بالمدينة داراً، فلما رأى ما في وجهه، قال: يا أمير المؤمنين، إنها ليست بدار؛ ولكنها مدينة. فأعجب ذلك يزيد.
стр. 441
ثم وُجَاه (١) دار يزيد، دار أويس بن سعد بن أبي سرح .... (٢)
ثم إلى جنبها دار مطيع أحد بني عدي بن كعب (٣).
وكان حكيم بن حزام ابتاعها هي وداره التي من ورائها بمائة ألف درهم، فشركه ابن مطيع، فقاومه حكيم بن حزام، فأخذ ابن مطيع داره بالثمن كله، وبقيت داره ربحاً في يده، فقيل لحكيم: خدعك، فقال: دار كداري، ومائة ألف درهم (٤).
وبين دار ابن مطيع أبيات ليزيد بن عبد الملك فيها الغسالون (٥).
وفي غربي المسجد دار ابن مُكَمِّل (٦) ودار ابن النَّحَّام (٧)، الطريق بينهما قدر ستة أذرع.
ثم إلى جنب دار ابن النحام دار جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك (٨)،
стр. 442
وكان فيها بيت عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية (١)، وكان فيه أطم حسان بن ثابت، المسمى بفارع.
ثم إلى جانب دار جعفر بن يحيى دار معين مولى المهدي، وكانت منْزِلاً لسكينة بنت حسين بن علي (٢).
ثم إلى جنبها الطريق إلى دور طلحة (٣)، ستة أذرع.
ثم إلى جنب الطريق دارُ مُنيرة مولاة أُم موسى، كانت لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب (٤)، ﵃.
ثم إلى جنبها خوخة لآل يحيى بن طلحة بن عبيد الله (٥)، هي لهم اليوم.
ثم إلى جنبها حش (٦) طلحة بن أبي طلحة الأنصاري، ثم إلى جنب الطريق خمسة أذرع.
ثم إلى جنب الطريق أبيات كانت لخالصة مولاة أمير المؤمنين، باعتها من ابني حَرمَلة الأسود الغزِّي، مولى هارون أمير المؤمنين، كانت تلك الأبيات من
стр. 443
دار خَبَّاب مولى عُتْبَةبن غزوان.
ثم إلى جنبها دار أبي الغيث بن المغيرة بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وهي صدقة بأيدي بني عذير.
ثم إلى جنبها بقية دار عبد الله بن مسعود ﵁، كانت لجعفر بن يحيى، وقد قبضت صافية عنه.
ثم من الشرق دار موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، كان ابتاعها هو وعبيد الله (١) بن الحسين بن على بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، فتقاوماها. (٢).
وإلى جنبها أبيات فيها أُطم (٣). والطريق بين دار موسى بن إبراهيم ودار عمرو بن العاص وهي الآن خراب صوافي (٤).
وإلى جنبها دار خالد بن الوليد، وهي دار أيوب بن سلمة (٥)، وكان أيوب بن سلمة اختصم فيها هو /١٧٥ وإسماعيل بن الوليد بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة.
فيقول أيوب: هي ميراث، وأنا أَرِثها دونكم بالقُعْدُدِ (٦).
стр. 444
وإسماعيل يقول: هي صدقة. فأعطيها أيوبُ ميراثاً.
وهي الدار التي اشتكى خالد بن الوليد ﵁ إلى رسول الله ﷺ ضيق منزله، فقال له: «ارفع في السماء، وسل الله السَّعة» (١)
ثم إلى جنبها دار أسماء بنت الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ﵃ (٢).
ثم إلى جنبها دار رَيْطة (٣) بنت أبي العباس، كانت من دار جَبَلَة (٤)، ودار أبي بكر الصديق ﵁. ثم الطريق بينهما وبين دار عثمان ﵁ خمسة أذرع، وهي صدقة. ثم الطريق خمسة أذرع، ونحو ذلك بين (٥) دار عثمان ﵁، ومنْزِل النبي ﷺ في بيت أبي أيوب الأنصاري الذي ابتاع المغيرة بن عبدالرحمن، وجعل فيه ماءه الذي يسقى في المسجد.
стр. 445
وكان المغيرة ابتاعه من أفلح مولى أبي أيوب بألف دينار، وابتاع من أفلح الدار التي في البقيع، و [هي] إلى جنب دار جعفر (١) بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب ﵃، وكانت لحارثة بن النعمان (٢).
وقُبالته دار الحسن (٣) بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو الأطم الذي كان ابتاعه، فهدمه وبناه، وخاصمه فيه ابن عوف النجاري (٤). والطريق بينها وبين دار فرج الخَصيِّ (٥) خمسةُ أذرع، وكانت دار فرج قِبلة موضع الجنائز، وكان لإبراهيم بن هشام فيها سرب تحت الأرض يسلكه إلى داره دار التماثيل. وإلى جنبها دار عامر بن عبد الله بن الزبير (٦)، وكان ابن هشام لما بنى داره أخذ بعض حق عامر، فقال له عامر: فأين طريقي؟ قال: في النار، قال عامر: تلك طريق الظالمين.
стр. 446
ثم رجع دار عبد الله بن عمر من حيث ابتدأه (١).
قال أهل السير (٢): لم يزل المسجد على ما بناه عمر بن عبد العزيز ﵁ في أيام الوليد، إلى أن حج أبو جعفر (٣)، عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس ﵃، فهمَّ بالزيادة وشاور فيه، وكتب إليه الحسن بن زيد يصف له ناحية موضع الجنائز، ويقول: إنْ زِيدَ هذا في المسجد، توسط قبر رسول الله ﷺ المسجد.
فكتب إليه أبو جعفر: أن قد عَرَفْتُ الذي أردتَ، فاكفف عن ذكر دار الشيخ عثمان بن عفان ﵁ (٤). فتوفي [أبو] جعفر ولم يزد فيه شيئاً.
ثم حج المهدي (٥) سنة ستين ومائة، وقدم المدينة منصرفه من الحج، فاستعمل عليها جعفر (٦) بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله
стр. 447
عنهم، وأمر بالزيادة فيه، فزاد من جهة الشام (١) /١٧٦ إلى منتهاه اليوم، فكانت زيادته مائة ذراع (٢)، ولم يَزِدْ شيئاً غيره، وهي آخر الزيادات في المسجد الشريف إلى يوم تاريخ هذا الكتاب؛ سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة، وطول المسجد في السماء خمس وعشرون ذراعاً، وطول منائره خمس وخمسون ذراعاً، وعرضُهُنَّ ثمانية أذرع في
ثمانية أذرع.
قال ابن النجار (٣): وأما بطحاء المسجد، فأول ما بُطِحَ المسجد في عهد النبي ﷺ ، روى أبو داود عن أبي الوليد (٤) قال: سألت ابن عمر ﵁ عن الحصى الذي كان في المسجد، فقال: إنا مَطِرْنا ذات ليلة فأصبحت الأرض مبتلة، فجعل الرجل يجيء بالحصى في ثوبه فيبسطه تحته، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: «ما أحسن هذا» (٥).
ومن الدليل على أنه كان الحصى في عهدِه ﷺ ، قولُه صلىالله عليه وسلم: «ومن مس الحصى فقد لغا» (٦).
стр. 448
وقال الزبير: كان الوليد يبعث كل عام رجلاً إلى المدينة يأتيه بأخبار الناس، وبما يَحْدُثُ بها، فأتاه عاماً آتٍ، وقال: لقد رأيت أمراً، لا والله مالك معه سلطان، ولا رأيت مثله قط، قال: وما هو؟ قال: كنت في مسجد النبي ﷺ ، فإذا مَنْزِلٌ عليه كِلَّةٌ (١)، فلما أقيمت الصلاة رفعت الكِلَّةُ، وصلى صاحبها فيها بصلاة الإمام، هو ومن معه، ثم أُرخيت الكِلَّةُ، وأُتِيَ بالغداء فتغذى هو وأصحابه، فلما أقيمت الصلاة فعل مثل ذلك، وإذا هو يأخذ المرآة والكحل وأنا أنظر، فسألت، فقيل: هو حسن (٢) بن حسن بن علي بن أبي طالب ﵃، قال: ويحك، فما أصنع؟ هو بيته وبيت أمه، فما الحيلة في ذلك؟ قال: نزيدُ في المسجد، ونُدخلُ هذا البيت فيه، قال: فكتب إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ يأمر بالزيادة في المسجد، ويشتري هذا المنْزِل، قال: فعرض عليهم أن يبتاع منهم، فأبَوْا، وقال حسن: لا والله لا نأكل له ثمناً أبداً، قال: فأعطاهم به سبعة آلاف دينار، أو (٣) ثمانية، فأبَوْا، وكَتَبَ إلى الوليد في ذلك، فأمر بهدمه وإدخاله في المسجد، وطَرْحِ الثمن في بيت المال، ففعل.
وانتقلت فاطمة (٤) بنت الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ إلى
موضع دارها بالحرة، فابتنتها وهي يومئذ براح (٥)، وموضعها بين دار
стр. 449
ذكوان، وبناء إبراهيم بن هشام، فلما بَنَتْ، قالت: مالي بُدٌّ من بئر للوضوء وغيره، فصلَّت في موضع من دارها ركعتين، ثم دعت الله وأخذت المِسْحَاةَ (١) وحفرت بيدها، وأمرت العمَّال فعملوا، فما (٢) لقيت حصاة حتى أماهت (٣).
فلما بنى إبراهيم بن هشام داره بالحرة بعد وفاة فاطمة بنت الحسين ﵄، وأراد نقل السوق /١٧٧ إليها، صنع في حفيرته التي بالحوض مثل ما صنعت فاطمة، فلقيَ جبلاً أوْقَلَ (٤) عليه، وعَظُمَ غُرْمُهُ، فسأل عبد الله (٥) بن حسن ابن حسن بن علي ﵃ أن يبيعه دار فاطمة، فأباعه (٦) بثلاثة آلاف دينار (٧).
* * *
стр. 450
ذكر الحوادث التي حدثت
في المسجد الشريف
فأعظمها وأكثرها احتراق المسجد الشريف قدسه الله تعالى (١).
ذكر أشياخ المدينة وعلماؤها أنه لما كانت ليلة الجمعة، أول شهر رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة في أول الليل، قال أكثر الناس: دخل أبو بكر بن أوحد-أحد الفراشين والقوّام بالمسجد الشريف- حاصلَ الحرم ومعه نار، فغفل عنها إلى أن علقت في بعض الأخشاب التي كانت في الحاصل، فلم يكن إلا كلا ولا (٢)، حتى احترق الفراشُ والحاصلُ وجميع ما فيه، ودنت إلى السقوف، وأعجلت الناس عن إطفائها، فلم يمض إلا أقلُّ من القليل حتى استولى الحريق على جميع سقوف المسجد الشريف، واحترق جميع السقف بحيث لم يبق فيه خشبة واحدة.
وبقيت السواري قائمة كأنها جذوع النخل؛ إذا هبت الرياح تتمايل تمايل النشوان. وذاب الرصاص من بعض الأساطين، فسقطت، ووقع السقف الذي كان على أعلى الحجرة المقدسة على سقف بيت النبي ﷺ ، فوقعا جميعاً على القبور المقدسة، وأصبح الناس يوم الجمعة وليس لهم موضع يصلون فيه الجمعة [فعزلوا] (٣) موضعاً للصلاة.
وَنَظَمَ بعضُهم في ذلك (٤):
стр. 451
لَمْ يَحْتَرق حَرَمُ النبي لحادثٍ … يُخشى عليه ولادَهَاهُ العارُ
لكنَّما أيدي الروافضِ لامستْ … ذاكَ الجنابَ فطهَّرَته النارُ
[وقال] غيره (١):
قل للروافضِ بالمدينةِ مالكم … يقتادكم للذم كلُّ سفيهِ
ما أصبح الحرمُ الشريفُ محرقاً … إلا لسبِّكم الصحابةَ فيهِ
فاتفق آراء أهل المدينة؛ من أميرهم الشريف منيف (٢) بن شيحة بن هاشم بن القاسم بن المهنا وعلماؤهم إلى الخدام وسائر المجاورين، أن يطالعوا بذلك الإمام المستعصم (٣) بالله، فيفصل في ذلك بما تقتضيه آراء الخلافة، فأرسلوا مطالعة بذلك، وأبطأ الجواب عن المطالعة بسبب ماحدث في العراق من دخول هولاكوه (٤) إليها، واشتغال الخليفة، وتوزع خاطره بسببهم، فتركوا الردم على ماكان عليه، ولم يجسر أحد على التعرض لهذه العظيمة التي دون مرامها تزل الأقدام، ولايتأتى مع كل أحد بادئ بدءة الدخول فيه والإقدام، غير أنهم / ١٧٨ أعادوا سقفاً فوق ذلك على رؤوس السواري
стр. 452
التي حوالي الحجرة المقدسة، فإن الحائط الذي بناه عمر بن عبدالعزيز ﵁ حَوْلَ بيت النبي ﷺ بين هذه السواري، حوالي بيت النبي ﷺ ، ولم يبلغ به السقف الأعلى، بل جعلوا فوق السواري شباكاً من خشبٍ من الحائط إلى السقف الأعلى، يظهر لمن تأمله من تحت الكسوة التي على الحائط على
دوران الحائط جميعه، وسقفوا في هذه السنة وهي سنة خمس وخمسين الحُجْرَةَ الشريفةَ وماحولها إلى الحائط القِبْلِي، وإلى الحائط الشرقي إلى باب جبريل ﵇، المعروف قديماً بباب عثمان ﵁، وسقفوا من جهة المغرب الروضة الشريفة إلى عند المنبر المقدس.
ثم دخلت سنة ست وخمسين وكان في المحرم منها وقعة بغداد، وقُتِلَ الخليفة [المستعصم] رحمة الله عليه، وكان متولي الديار المصرية في هذا العام الملك المنصور نور الدين علي بن الملك المعز عز الدين إيبك الصالحي (١)، وكان صاحب اليمن يومئذ الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر بن علي بن رسول (٢)، فجهز كل منهما أخشاباً ومؤناً لعمارة المسجد الشريف، فوصلت من الجهتين، واشتغلوا بالعمارة، وأصلحوا إلى باب السلام المعروف قديماً بباب مروان، ثم عُزِلَ صاحب مصر، وتولى مكانه مملوك أبيه الملك المظفر سيف الدين قُطُز المعزي (٣)، واسمه محمود ابن مودود، وأمه أخت
стр. 453
السلطان جلال الدين خوارزم شاه (١)، في سنة ثمان وخمسين وستمائة.
وفي شهر شوال من السنة قُتِل ﵀، فكان العمل في المسجد في تلك السنة من باب السلام إلى باب الرحمة، ومن باب جبريل ﵇ إلى باب النساء.
وتولى مصر في آخر هذه السنة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي البندقداري (٢)، فإنه حصل منه اهتمام في سنة اثنتين وستين بتمام عمارة الحرم الشريف النبوي، وجهز الأخشاب والحديد والرصاص، ومن الصناع ثلاثة وخمسين صانعاً ومايُمَوِّنُهُم، وأنفق عليهم قبل سفرهم، وأرسل معهم الأمير جمال الدين محسن الصالحي، وشهاب الدين غازي اليغموري، والمرضي ناظراً، وكلما عارضهم شيء من الآلات والنفقات جهزها إليهم، فعمل مابقي من المسجد الشريف من باب الرحمة الى شمال المسجد، ثم إلى باب النساء، وكَمَّلَ سقف المسجد.
كان قبل الحريق سقفاً فوق سقف، ولم يزل على ذلك حتى حددوا السقف الشرقي والسقف الغربي في سنتي خمس وست وسبعمائة، في أوائل
стр. 454
دولة الملك /١٧٩ الناصر محمد بن قلاوون (١)، فجُعلا سقفاً واحداً شبه السقف الشمالي، فإنه جعل في أيام الملك الظاهر كذلك.
ومن ذلك ماحكاه ابن النجار (٢) أن في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، سُمِعَ من داخل الحجرة الشريفة هَدَّةٌ، وكان أمير المدينة يومئذ قاسم بن المهنا بن الحسين ابن المهنا الحسيني (٣) -وكان له إلمام بالعلم- فذكروا ذلك له، فقال: ينبغي أن ينْزِل هناك شخص من أهل الدين والصلاح، فلم يجدوا يومئذ في الحاضرين من المجاورين أمثل حالاً من الشيخ عمر النسائي (٤)، شيخ شيوخ الصوفية بالموصل.
كان [مجاوراً] (٥) فكلموه في ذلك، فامتنع، واعتذر، وتوقف لمرض كان به يحتاج معه الى تجديد الوضوء في غالب الوقت، فألزمه الأمير قاسم بذلك، وقال: ما يدخل غيرك، فقال: أمهلوني أروض نفسي. ويقال: إنه امتنع عن الأكل والشرب مدة، وسأل الله تعالى إمساك المرض عنه بقدر مايبصر ويخرج، فأنزلوه بالحبال من بين السقفين من الطاق الموجود فَنَزَلَ بين حائط النبي ﷺ وبين الحاجز (٦) الذي (٧) بناه عمر بن عبد العزيز ﵁ ومعه
стр. 455
شمعة يستضئ بها، ومشى إلى باب البيت، ودخل من الباب إلى القبور المقدسة، فرأى شيئاً من الردم، إما من السقف، أو من الحيطان قد وقع على القبور، فأزاله، وكنس ما على القبور المقدسة من التراب بلحيته، وكان مليح الشيبة، وأمسك الله تعالى عنه المرضَ بقدر ما دخل وخرج، ثم عاد إليه وَجَعُهُ.
ومن ذلك ماحكاه الشيخ شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن أبي شامة (١) في كتابه (٢)، ما صورته: ومن أعظم الأعمال التي عملها نفعاً -يعني وزير الموصل جمال الدين الجواد (٣) - أنه بنى سوراً (٤) على مدينة النبي ﷺ فإنها كانت بغير سور، تنهبُهَا الأعراب، وكان أهلها في ضَنْكٍ و ضُرٍّ معهم.
قال ابن الأثير (٥): رأيتُ بالمدينة إنساناً يصلي الجمعة، فلما فرغ ترحم على جمال الدين ودعا له، فسألناه عن سبب ذلك، فقال: يجب على كل مسلم
стр. 456
بالمدينة أن يدعو له، لأننا كنا في ضُرٍّ وضيقٍ ونكدِ عيشٍ مع العرب، لا يتركون لأحدنا ما يواريه ويشبع جوعته، فبنى علينا سوراً احتمينا به ممن يريدنا بسوء، فاستغنينا، فكيف لا ندعو له.
قلت: وهذا السور الذي بناه جمال الدين هو السور الثاني، والسور الذي بناه الملك العادل نور الدين (١) هو السور الثالث (٢)، وعلى كل منهما اسم بانيهما على الأبواب، وأما السور الأول الذي بناه عضد الدولة (٣) فلم يبق منه أثر يعرف به، كأنه انتهى (٤).
قال: وكان الخطيب /١٨٠ بالمدينة يقول في خطبته: اللهم صُنْ حريم من صان حرم نبيك بالسور، محمد بن علي بن أبي منصور، فلولم تكن له إلا
стр. 457
هذه المكرمة لكفاه فخراً، فكيف وقد صابت (١) صدقاته بحور الأرض شرقاً وغرباً وبراً وبحراً.
وأما شدة عنايته بحال أهل الحرمين فكانت عظيمة.
قال ابن الأثير (٢): حكى لي بعض الصوفية ممن كان يصحب الشيخ عمر النسائي شيخ شيوخ الموصل، قال: أحضرني الشيخ فقال لي: انطلق إلى مسجد الوزير -وهو بظاهر الموصل- واقعد هناك، فإذا أتاك شيء فاحفظه إلى أن أحضر عندك، ففعلت، وإذا قد أقبل جمع كثير من الحمالين يحملون أحمالاً من النصافي والخام (٣)، وإذا نائب جمال الدين قد جاء مع الشيخ، ومعهما قماش كثير، وثمانية عشر ألف دينار، وعدة كثيرة من الجمال، فقال: تأخذ هذه الأحمال وتسير الى الرحبة، وتوصل هذه الرزمة وهذا الكتاب الى متوليها فلان، فإذا أحضر لك فلاناً العربي، فتوصل إليه هذه الرزمة الأخرى، وهذا الكتاب، وتسير معه، فإذا أوصلك إلى فلان العربي، توصل إليه هذه الرزمة، وهكذا الكتاب، وهكذا إلى المدينة على ساكنها الصلاة والسلام، توصل إلى وكيلي فلان هذه الأحمال، وهذه الكسوات، والمال الذي عليه اسم المدينة ليخرجها بمقتضى هذه الجريدة (٤)، ثم تأخذ الباقي الذي عليه اسم مكة وتسير إليها، فيتصدق به وكيلي بموجب الجريدة الأخرى.
فسرنا كذلك إلى وادي القُرَى، فرأينا هنالك جمالاً كثيرة تحمل الطعام
стр. 458
إلى المدينة، وقد منعهم خوف الطريق، فلما رأونا ساروا معنا إليها، فوصلناها والحنطة بها كل صاعين بدينار مصري، والصاع خمسة عشر رطلاً بالبغدادي، فلما رأوا الطعام والمال اشتروا كل سبعة آصع بدينار، فانقلبت المدينة بالدعاء له.
قال: وحكى لي جماعة عن الشيخ أبي القاسم الصوفي -رجل من الصالحين كان يتولى خدمة جمال الدين في حبسه- قال: لم يزل الجمال مشغولاً بأمر آخرته مدة حبسه، وكان يقول: كنت أخشى أن أُنقل من الدَّسْتِ (١) إلى القبر. قال: فلما مرض، قال لي بعض الأيام: يا أبا القاسم، إن بيني وبين أسد الدين شيركوه (٢) عهداً، من مات قبل صاحبه حمله صاحبه الحي إلى المدينة -على ساكنها الصلاة والسلام- فدفنه بِها، في التربة التي عملها، فإن أنا مت فامض إليه، وَذَكِّرْهُ. فلما توفي سار الشيخ إلى أسد الدين في هذا المعنى، /١٨١ فأعطاه مالاً صالحاً ليحمله به إلى مكة والمدينة، على ساكنها الصلاة السلام، وأمر أن يحج معه جماعة من الصوفية، ومن يقرأ بين يدي تابوته عند النُّزول والرحيل وقدوم مدينةٍ تكون في الطريق، وينادون في البلاد: الصلاة على فلان، ففعلوا ذلك، وكان المصلي عليه في كل بلدة خلق كثير، فلما كان في الحلة، اجتمع الناس للصلاة عليه، فإذا شاب قد ارتفع على موضعٍ عالٍ، ونادى بأعلى صوته:
سَرَى نعشه فوق الرقابِ وطالما … سَرَى جودُهُ (٣) فوق الرِّكاب ونائِلُهْ
стр. 459
يَمُرُّ على الوادي فَتُثْنِي رمالُه … عليه وبالنادي فَتُثْنِي (١) أرامله
فلم يُرَ أكثر باكياً من ذلك اليوم، ثم وصلوا به إلى مكة، فطافوا به حول الكعبة، وصَلُّوا عليه بالحرم، وحملوه إلى المدينة، فصلوا عليه، ودفنوه بالرباط الذي أنشأه بها، بينه وبين قبر النبي ﷺ خمسة عشر ذراعاً. هكذا قال ابن الأثير، ولعله أراد بين جدار حائطه وبين حائط الحرم الشريف، لا نفس القبر.
ومن أعماله الحسنة تجديدُ بناء مسجد الخِيف، وبناءُ الحجر الشريف، وترخيمُ جدار الحُجْرَةِ الشريفة النبوية، وبناءُ مسجد عرفات الذي على الجبل، وعملُ الدرج التي يُصعد فيها إليه، وكان الناس يلقون شدةً في صعودهم.
ومن أعظم هذه الحسنات إجراء الماء من بطن نَعْمَان (٢) إلى عرفات تحت الجبل، مبنية بالكلس، فوجد الناس بذلك يوم الوقوف راحة عظيمة، فرحم الله روحه، ووَالى إليه من فضله فتوحه.
وفيه يقول أبو الفوارس، سعد بن محمد المعروف بِحَيْصَ بَيْص (٣):
يا للصَّوارمِ والرماحِ الذُّبَّلِ … نَصْراً ومن أنجدتما لم يُخذلِ
لوشئتُما و مشيئةٌ بِمشيئةٍ … جادَ الزمانُ وبالعُلا لم يبخلِ
فاقني فخارك يا مُجاشع واعلمي … أني لكم من هِمَّتِي في جَحفلِ
أنا فارسُ اليومينِ يومِ مقالةٍ … ووغىً أصولُ بصارمي والمقولِ
стр. 460
ظَلَمَتْ فضائليَ المقاولُ مثل ما … ظلمت جمالَ الدين مأوى العُيَّلِ
مدحُوه كي يحووا مناقبَ نفسِهِ … فَطَمَتْ، فسالتْ بالمدائحِ من عَلِ
فأتيتُ أبذلُ ما استطعتُ ومن يُرِد … نَقْلَ الخِضَمِّ إلى المزَادَةِ (١) يَخجلِ
شمسٌ من الإحسانِ عمَّ ضِياؤها … بل آيةٌ جاءت بحُجَّة مُرسَلِ
/١٨٢ يُعطي الجزيلَ لسائلي معروفهِ … ويَجودُ بالنُعمى إذا لم يُسألِ
و تزيدُه شوسُ (٢) الخُطُوب طلاقةً … فيكون [أبسمَ] (٣) مايُرَى في المُعْضِلِ
ثَقُلَتْ به الأعناقُ من مِنَنِ النَّدى … فالهامُ مُطرِقَةٌ لذاك المُثْقِلِ
من سمرقندَ إلى تِهامةَ شاهدٌ … فَضْلَ الجَمالِ على الحَيَا المُتَهَلِّلِ
السُّحْبُ تُمْطِرُ ماتُظِلُّ و جُودُهُ … يَسْري ودارُ مُقامه بالموصِلِ
وتَقَرُّ عينُ محمدٍ بِمحمدٍ … مُحيي دَرِيسَيْ عِلْمِهِ والمَنْزِلِ
معمارُ مَرْقَدِهِ وحافظُ دينهِ … ومعينُ أُمَّتِهِ بِجودٍ مُسْبِلِ
جَعَلَ المدينةَ مِصرَ رَبْعَاً (٤) آهلاً … نشوانَ يَمرح بالنَّعيمِ المُخْضَلِ
فكأنَّها بالخِصب من قُرُبَاتِهِ … بَلَدٌ على شَطِّ الفُرَاتِ السَّلْسَلِ
فلو أنه في عَصْرِهِ نَزَلَتْ بِهِ … في مَدْحِهِ سُوَرُ الكتابِ المنْزَلِ
وفيه يقول أحمد بن منير (٥):
كَسَا الحرمينِ لِبْسَةَ عبدِ شمسٍ … وهاشم غُرَّتي نسلِ الخليلِ
وللبلدِ الأمينِ أجدَّ أمناً … تكنَّفَ مِثْلَه جَدَث الرسولِ
عَشَيْتُم يا ولاةَ الأمرِ عمَّا … أُتيحَ له من الأثرِ الجميلِ