← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1172

المغانم المطابة في معالم طابة

الفيروزآبادي

Полный текст (1 351 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بالمدينة أن يدعو له، لأننا كنا في ضُرٍّ وضيقٍ ونكدِ عيشٍ مع العرب، لا يتركون لأحدنا ما يواريه ويشبع جوعته، فبنى علينا سوراً احتمينا به ممن يريدنا بسوء، فاستغنينا، فكيف لا ندعو له. قلت: وهذا السور الذي بناه جمال الدين هو السور الثاني، والسور الذي بناه الملك العادل نور الدين (١) هو السور الثالث (٢)، وعلى كل منهما اسم بانيهما على الأبواب، وأما السور الأول الذي بناه عضد الدولة (٣) فلم يبق منه أثر يعرف به، كأنه انتهى (٤). قال: وكان الخطيب /١٨٠ بالمدينة يقول في خطبته: اللهم صُنْ حريم من صان حرم نبيك بالسور، محمد بن علي بن أبي منصور، فلولم تكن له إلا

стр. 457

هذه المكرمة لكفاه فخراً، فكيف وقد صابت (١) صدقاته بحور الأرض شرقاً وغرباً وبراً وبحراً. وأما شدة عنايته بحال أهل الحرمين فكانت عظيمة. قال ابن الأثير (٢): حكى لي بعض الصوفية ممن كان يصحب الشيخ عمر النسائي شيخ شيوخ الموصل، قال: أحضرني الشيخ فقال لي: انطلق إلى مسجد الوزير -وهو بظاهر الموصل- واقعد هناك، فإذا أتاك شيء فاحفظه إلى أن أحضر عندك، ففعلت، وإذا قد أقبل جمع كثير من الحمالين يحملون أحمالاً من النصافي والخام (٣)، وإذا نائب جمال الدين قد جاء مع الشيخ، ومعهما قماش كثير، وثمانية عشر ألف دينار، وعدة كثيرة من الجمال، فقال: تأخذ هذه الأحمال وتسير الى الرحبة، وتوصل هذه الرزمة وهذا الكتاب الى متوليها فلان، فإذا أحضر لك فلاناً العربي، فتوصل إليه هذه الرزمة الأخرى، وهذا الكتاب، وتسير معه، فإذا أوصلك إلى فلان العربي، توصل إليه هذه الرزمة، وهكذا الكتاب، وهكذا إلى المدينة على ساكنها الصلاة والسلام، توصل إلى وكيلي فلان هذه الأحمال، وهذه الكسوات، والمال الذي عليه اسم المدينة ليخرجها بمقتضى هذه الجريدة (٤)، ثم تأخذ الباقي الذي عليه اسم مكة وتسير إليها، فيتصدق به وكيلي بموجب الجريدة الأخرى. فسرنا كذلك إلى وادي القُرَى، فرأينا هنالك جمالاً كثيرة تحمل الطعام

стр. 458

إلى المدينة، وقد منعهم خوف الطريق، فلما رأونا ساروا معنا إليها، فوصلناها والحنطة بها كل صاعين بدينار مصري، والصاع خمسة عشر رطلاً بالبغدادي، فلما رأوا الطعام والمال اشتروا كل سبعة آصع بدينار، فانقلبت المدينة بالدعاء له. قال: وحكى لي جماعة عن الشيخ أبي القاسم الصوفي -رجل من الصالحين كان يتولى خدمة جمال الدين في حبسه- قال: لم يزل الجمال مشغولاً بأمر آخرته مدة حبسه، وكان يقول: كنت أخشى أن أُنقل من الدَّسْتِ (١) إلى القبر. قال: فلما مرض، قال لي بعض الأيام: يا أبا القاسم، إن بيني وبين أسد الدين شيركوه (٢) عهداً، من مات قبل صاحبه حمله صاحبه الحي إلى المدينة -على ساكنها الصلاة والسلام- فدفنه بِها، في التربة التي عملها، فإن أنا مت فامض إليه، وَذَكِّرْهُ. فلما توفي سار الشيخ إلى أسد الدين في هذا المعنى، /١٨١ فأعطاه مالاً صالحاً ليحمله به إلى مكة والمدينة، على ساكنها الصلاة السلام، وأمر أن يحج معه جماعة من الصوفية، ومن يقرأ بين يدي تابوته عند النُّزول والرحيل وقدوم مدينةٍ تكون في الطريق، وينادون في البلاد: الصلاة على فلان، ففعلوا ذلك، وكان المصلي عليه في كل بلدة خلق كثير، فلما كان في الحلة، اجتمع الناس للصلاة عليه، فإذا شاب قد ارتفع على موضعٍ عالٍ، ونادى بأعلى صوته: سَرَى نعشه فوق الرقابِ وطالما … سَرَى جودُهُ (٣) فوق الرِّكاب ونائِلُهْ

стр. 459

يَمُرُّ على الوادي فَتُثْنِي رمالُه … عليه وبالنادي فَتُثْنِي (١) أرامله فلم يُرَ أكثر باكياً من ذلك اليوم، ثم وصلوا به إلى مكة، فطافوا به حول الكعبة، وصَلُّوا عليه بالحرم، وحملوه إلى المدينة، فصلوا عليه، ودفنوه بالرباط الذي أنشأه بها، بينه وبين قبر النبي ﷺ خمسة عشر ذراعاً. هكذا قال ابن الأثير، ولعله أراد بين جدار حائطه وبين حائط الحرم الشريف، لا نفس القبر. ومن أعماله الحسنة تجديدُ بناء مسجد الخِيف، وبناءُ الحجر الشريف، وترخيمُ جدار الحُجْرَةِ الشريفة النبوية، وبناءُ مسجد عرفات الذي على الجبل، وعملُ الدرج التي يُصعد فيها إليه، وكان الناس يلقون شدةً في صعودهم. ومن أعظم هذه الحسنات إجراء الماء من بطن نَعْمَان (٢) إلى عرفات تحت الجبل، مبنية بالكلس، فوجد الناس بذلك يوم الوقوف راحة عظيمة، فرحم الله روحه، ووَالى إليه من فضله فتوحه. وفيه يقول أبو الفوارس، سعد بن محمد المعروف بِحَيْصَ بَيْص (٣): يا للصَّوارمِ والرماحِ الذُّبَّلِ … نَصْراً ومن أنجدتما لم يُخذلِ لوشئتُما و مشيئةٌ بِمشيئةٍ … جادَ الزمانُ وبالعُلا لم يبخلِ فاقني فخارك يا مُجاشع واعلمي … أني لكم من هِمَّتِي في جَحفلِ أنا فارسُ اليومينِ يومِ مقالةٍ … ووغىً أصولُ بصارمي والمقولِ

стр. 460

ظَلَمَتْ فضائليَ المقاولُ مثل ما … ظلمت جمالَ الدين مأوى العُيَّلِ مدحُوه كي يحووا مناقبَ نفسِهِ … فَطَمَتْ، فسالتْ بالمدائحِ من عَلِ فأتيتُ أبذلُ ما استطعتُ ومن يُرِد … نَقْلَ الخِضَمِّ إلى المزَادَةِ (١) يَخجلِ شمسٌ من الإحسانِ عمَّ ضِياؤها … بل آيةٌ جاءت بحُجَّة مُرسَلِ /١٨٢ يُعطي الجزيلَ لسائلي معروفهِ … ويَجودُ بالنُعمى إذا لم يُسألِ و تزيدُه شوسُ (٢) الخُطُوب طلاقةً … فيكون [أبسمَ] (٣) مايُرَى في المُعْضِلِ ثَقُلَتْ به الأعناقُ من مِنَنِ النَّدى … فالهامُ مُطرِقَةٌ لذاك المُثْقِلِ من سمرقندَ إلى تِهامةَ شاهدٌ … فَضْلَ الجَمالِ على الحَيَا المُتَهَلِّلِ السُّحْبُ تُمْطِرُ ماتُظِلُّ و جُودُهُ … يَسْري ودارُ مُقامه بالموصِلِ وتَقَرُّ عينُ محمدٍ بِمحمدٍ … مُحيي دَرِيسَيْ عِلْمِهِ والمَنْزِلِ معمارُ مَرْقَدِهِ وحافظُ دينهِ … ومعينُ أُمَّتِهِ بِجودٍ مُسْبِلِ جَعَلَ المدينةَ مِصرَ رَبْعَاً (٤) آهلاً … نشوانَ يَمرح بالنَّعيمِ المُخْضَلِ فكأنَّها بالخِصب من قُرُبَاتِهِ … بَلَدٌ على شَطِّ الفُرَاتِ السَّلْسَلِ فلو أنه في عَصْرِهِ نَزَلَتْ بِهِ … في مَدْحِهِ سُوَرُ الكتابِ المنْزَلِ وفيه يقول أحمد بن منير (٥): كَسَا الحرمينِ لِبْسَةَ عبدِ شمسٍ … وهاشم غُرَّتي نسلِ الخليلِ وللبلدِ الأمينِ أجدَّ أمناً … تكنَّفَ مِثْلَه جَدَث الرسولِ عَشَيْتُم يا ولاةَ الأمرِ عمَّا … أُتيحَ له من الأثرِ الجميلِ

стр. 461

وطار لها (١) فشُيّدت وأشفقتم فشدَّ الـ … ـيدين على عرى المجدِ الأثيلِ بيوتٌ بالحجاز مقدساتٌ … رماها الدهرُ بالخطبِ الجليلِ وكان أذىً لَهُنَّ فصار صوناً … لمن آوته من وَلَدِ البَتُولِ مآثرُ باقياتٌ يوم يُجنَى الـ … ـمقال ويُشترى طيبُ المقيلِ وفيه يقول أبو المجد بن قسيم (٢): أغَرُّ تبصرُ منه الناسَ في رَجُلٍ … والليثَ في بشرٍ والبدرَ في غَضَنِ (٣) سما بِهِمَّتِهِ في المكْرُمَاتِ إلى … عَلياءَ تقصرُ عنها هِمَّةُ الزمنِ يلقاك واضحَ ليل الفكر راجِحَ نيـ … ـل الكفِّ طاهرَ ذيل السِّرِّ والعَلَنِ ماضي العزيمةِ ميمون النقيبة … ريبال (٤) الكتيبةِ عَيْنُ القائلِ اللَّسِنِ إذا تكلَّم واسْتَجْلَيْتَ غُرَّتَهُ … في محفلٍ رُحتَ حَالي العينِ والأذنِ كأن في الدَّسْتِ منه حين تنظره … شمسَ النهار وصوتَ العارِضِ الهتنِ (٥) صَانَ المدينةَ تسويراً وصوَّرَها … في الحُسْنِ [غَادَةَ] (٦) مُلكِ الشامِ واليمنِ وصَانَ بالمالِ أهليها فما بقيت … هَزْلاءَ إلا تَشَكَّتْ كَثْرَةَ السّمَنِ /١٨٣ ومن ذلك أنه كان في المحراب القِبلي جَزْعَة (٧) مركبة (٨) في الجدار فوق

стр. 462

المحراب، وهي الجَزَعَة التي ذكرها الشيخ أبو حامد (١) بقوله: إذا وقف المصلي في مقام النبي ﷺ تكون رمانة المنبر حذو منكبه الأيمن، ويجعل الجزعة التي في المحراب بين عينيه، فيكون واقفاً في مصلى النبي ﷺ . وقال الشيخ جمال الدين المطري: وذلك قَبْلَ حريق المسجد، وقَبْلَ أن يُجعل هذا اللوح القائم في قِبْلَةِ مصلى النبي ﷺ ، وإنما جُعل هذا اللوح بعد حريق المسجد. وكان يحصل بتلك الجزعة فتنة كبيرة وتشويش على من يكون بالروضة الشريفة من المصلين وغيرهم، وذلك أنه كان يجتمع إليها النِّساءُ والرِّجَالُ، ويَزْعُمُونَ أن هذه خرزة فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وكانت عالية لا تنال بالأيدي، قتقف المرأة لصاحبتها حتى ترقى على ظهرها وكتفيها حتى تصل إليها، فربما وقعت المرأة وانكشفت عورتها، وربما وقعتا معاً (٢)، فيشاهد الناظر من ذلك ما يدعوه إلى العجب في هذا المكان، من وقوع مثل هذه المنكرات في هذا المحل المتعين التوقير. فلما كان عام أحد وسبعمائة جاور الصاحب زين الدين أحمد بن محمد بن علي بن محمد المعروف بابن حنا (٣)، فرأى ذلك فاستعظمه، وأمر بقلع الجزعة المذكورة فقلعت وهي الآن في حاصل الحرم الشريف. وقال ابن جبير (٤): سافرت في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، فرأيت

стр. 463

على المحراب مسماراً مثبتاً في جداره، فيه شبه حُقٍّ (١) صغير لا يعرف من أي شيء هو، يزعمون أنه كأس كسرى. وشاهدتُ على رأس المحراب حجراً مربعاً أصفر، قدر شبرٍ في شبرٍ، ظاهر البريق والبصيص، يقال: إنه مرآة كسرى، والله أعلم بحقيقة ذلك كله. ومن ذلك … (٢) السلطان السعيد صلاح الدين يوسف بن أيوب … (٣) ومن ذلك ما رواه ابن النجار (٤) أن في سنة أربع و [خمسين] (٥) وخمسمائة في أيام الأمير قاسم المذكور، وجد من داخل الحجرة الشريفة رائحة متغيرة، فذكروا ذلك للأمير قاسم المذكور /١٨٤ فأمرهم بالنزول إلى هنالك، فأُنزل بيان الخادم -أحد خدام الحجرة الشريفة- ونزل معه الصفي الموصلي، متولي عمارة المسجد الشريف، ونزل معهما هارون الشادي الصوفي، بعد أن سأل الأمير في ذلك وراجعه، وبذل جملة من المال، فوجدوا هراً قد سقط من الشباك الذي في أعلى الحائز، بين الحائز وبيت النبي ﷺ ، وجُيِّفَ، فأخرجوه، وطيَّبوا مكانه، وكان نزولهم يوم السبت الحادي عشر من ربيع الآخر، ومن ذلك التاريخ إلى يومنا هذا لم ينْزِل هناك أحدٌ، فاعلم ذلك. ومن ذلك ما قاله الشيخ جمال الدين المطري (٦): إنه لما حج السلطان الملك الظاهر في سنة سبع وستين وستمائة اقتضى رأيه أن يدير على الحجرة الشريفة درابزيناً من خشب، فقاس ما حولها بيده، وقدَّره بحبال، وحملها

стр. 464

معه، وعمل الدرابزين، وأرسله في سنة ثمان وستين، وأداره عليها، وعمل له ثلاثة أبواب، قِبلياً، وشرقياً، وغربياً، ونصبه ما بين الأساطين التي تلي الحجرة الشريفة، إلا من ناحية الشمال، فإنه زاد فيه إلى متهجد النبي ﷺ ، وظن أن ذلك زيادة حرمة للحجرة المقدسة، فحجز طائفة من الروضة الكريمة مما يلي بيت النبي ﷺ ، ومنع الصلاة فيها، مع ما ثبت من فضلها، فلو عكس ما حجزه، وجعله من الناحية الشرقية، وألصق الدرابزين بالحجرة مما يلي الروضة لكان أخف، إذ الناحية الشرقية ليست من الروضة، ولا من المسجد المشار إليه، بل مما زيد في أيام الوليد. قال: ولم يبلغني أن أحداً من أهل العلم والصلاح ممن حضر ولا ممن رآه بعد حجزه أنكر ذلك، أو فَطِنَ له وألقى له بالاً، وهذا من أهم ما ينظر فيه، والله أعلم. انتهى. والذي ذكره موجَّهٌ، غير أن أحد الأبواب مفتوح دائما لمن قصد الدخول والزيارة فيه، ولمن أراد الصلاة والدخول والوقوف مع الصف الأول في الروضة، ولا يخفى أن في تقريب الدرابزين من الحجرة إخراجاً للبناء عن وضعه اللائق. وأيضاً فيه تضييقٌ عظيمٌ على الزائرين، لا سيَّما عند زحام المواسم، فإنه مع هذا الاتساع ينخنق المكان بالخلق، فكيف لو ضيَّق بحيث يتصل الدرابزين بجدار الحجرة. لا يقال: إنه كان في جهة الشرق متسعاً للزائرين، لأن الناس إنما يقصدون هذه الجهة (١) لكون الرأس الشريف هناك، وليكون الابتداء بالتسليم

стр. 465

على النبي ﷺ دون أن يتخطوا الشيخين ﵄، فتأمل ذلك، فإنه صحيح. وهذه الكيفية لا مزيد عليها في الحسن، وشيء من الروضة غير متعطل بسبب ذلك، بل بسبب كسل المصلين، والله أعلم. وقد رأيت من الخدام /١٨٥ الصقالبة (١) جماعات يصلون داخل الدرابزين في أيام الجمعات. ومن ذلك أنه لما كان تاريخ سنة ست وسبعين وخمسمائة، أمر الإمام الناصر لدين الله ببناء قبة (٢) في صحن الحرم الشريف لتكون خزانة تحفظ فيها حواصل الحرم وذخائره؛ مثل المصحف الكريم العثماني، وعدة صناديق كبار متقدمة التاريخ، ولما احترق المسجد الشريف، سَلَّمَ الله تعالى ما فيها عن الحريق ببركة المصحف الكريم العثماني. والمصحف العثماني وما بين الصناديق والمصاحف والذخائر فيها سالمة إلى يومنا هذا، ولله الحمد. ومن ذلك أنه في تاريخ تسع وعشرين وسبعمائة أمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون بزيادة رواقين من جهة القبلة فاتَّسع بهما ظل المسقف القِبلي، وعمَّ نفعهما. ومن ذلك أن الأسطوانة التي في قِبلي الكرسي (٣) الموضوع عن يمين

стр. 466

الإمام لوضع الشمع عليه كان فيها خشبة ظاهرة مثبتة بالرصاص، وكان يعتقد الناس عامة أن هذا الجذع هوالجذع الذي حنَّ إلى رسول الله ﷺ ، فكان يُزدحم على زيارتها والتمسح بها ازدحاماً فاحشاً، فظن بعض الفقهاء أن هذا من المنكر الذي يتعين إزالته، وصرح بهذا في كتبه، إلى أن وافق على ذلك شيخنا أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن جماعة، فأمر بإخفائها أحسن الله عاقبته - وذلك عند مجاورته. وفي عام خمس وخمسين وسبعمائة رأى جماعة أن إزالتها كان وهماً منهم، وذلك أن إتقان هذه الخشبة وترصيصها بين حجارة الأسطوانة وإبرازها لم يكن سدى، وإنما شاهد الحال يشهد بأنه كان من عمل عمر بن عبد العزيز، رحمة الله عليه، فالظاهر أنه كان من الجذع، والله أعلم. وكان موضع الخشبة من الأسطوانة على مقدار ذراعين من الأرض ارتفاعاً، وقد طلي بالقصة، ولا عين منه ولا أثر. ومن ذلك أنه لما كان عام ثمان وسبعين وستمائة أمر السلطان الملك المنصور قلاون الصالحي، والد السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون ببناء قبة (١) على الحجرة الشريفة، ولم يكن قبل هذا التاريخ عليها قبة، ولا بناءٌ مرتفع، وإنما كان حظير كبير على الحجرة الشريفة فوق سطح المسجد، وكان مبنياً بالآجر مقدار نصف قامة بحيث يُمَيَّزُ سطح الحجرة الشريفة عن سطح المسجد، فعملت هذه القبة الموجودة اليوم وهي أخشاب، أقيمت وسُمِّرت عليها ألواح من خشب، وسُمِّر على ألواح الخشب ألواح من الرصاص، وعمل مكان الحظير من الآجُرِّ /١٨٦ شُبَّاك خشب، وتحته أيضاً بين السقفين شباك خشب يحاكيه، وعلى سقف الحجرة الشريفة بين السقفين ألواح قد سُمِّر بعضها

стр. 467

إلى بعض، وسُمِّر عليها ثوب مشمع، وفيها طابق مقفل إذا فتح كان النُّزول منه إلى ما بين حائط النبي ﷺ ، وبين الحائز الذي بناه عمر بن عبد العزيز ﵁، وباب بيت النبي ﷺ من جهة الشام، هكذا نقل أهل السير. وكانت أُم المؤمنين عائشة رضي عنها قد بنت بعد موت عمر ﵁ ودفنه حائطاً بينها وبين القبور، ثم بقيت في بقية البيت من جهة الشام، وقالت: إنما كان أبي وزوجي. فلما دفن عمر ﵁ تحفظت في لباسها، ثم بنت الحائط بينها وبين القبور. (١) والقبور … (٢) * * *

стр. 468

ظهور نار الحجاز (١) ومن الحوادث العظيمة التي [حدثت، أنه في يوم] الأربعاء ثالث شهر جمادى الآخرة من سنة (٢) أربع وخمسين وستمائة حَدَثَ بالمدينةالشريفة في الثلث الأخير من الليل زلزلة عظيمة، ورجفة قوية، أشفق الناس منها، ووجِلت القلوب من صدمتها، وانزعجت الخلائق لهيبتها، وبقيت إلى الليل، واستمرت إلى يوم الجمعة، ولها دوي مثل دوي الرعد القاصف، ثم ظهرت نار عظيمة مثل المدينة العظيمة من وادِ، يقال له: وادي الأُحَيليين، بضم الهمزة، وفتح الحاء المهملة، وسكون الياء، وكسر اللام، وفتح الياء، وسكون ياء ثالثة وآخره نون، في الحرة الشرقية. وسارت هذه النار من مظهرها إلى جهة الشمال، فخاف أهل المدينة، واستولى عليهم الوجل، وأيقنوا أن العذاب قد أحاط بهم، فرجع أميرهم (٣) إلى الله تعالى بالتوبة والإنابة، وأعتق جميع مماليكه، وشرع في رد المظالم إلى أربابها، وهبط من القلعة مع القاضي وأعيان البلد، والتجأوا إلى الحجرة المقدسة، وباتوا بالمسجد الشريف جميعهم رجالهم ونساؤهم وأولادهم، بحيث لم يبق أحد لا في النخيل ولا في داخل المدينة إلا قد حضر عند النبي ﷺ . ١٨٧/ وأبصر هذه النار أهل مكة، وأهل الفلوات في بواديهم، ثم سال

стр. 469

منها نُهير من نار، وأخذ في وادي أحيليين المتقدم ذكره، وأهل المدينة يبصرونها من دورهم كأنها عندهم، وبين أيديهم، وأهل ينبع يبصرونها من بلدهم، وهي ترمي بأمثال الجبال حجارة من نار، تذكرهم قول الله تعالى: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالقَصْرِ كَأنَّهُ جِمَلَتٌ صُفْرٌ﴾ (١)، وبقيت مدة ثلاثة أشهر تَدُبُّ في الوادي دبيب النَّمل، تأكل كل ما مرت عليه من جبل أو حجر، ولا تأكل الحشيش ولا الشجر، والشمسُ والقمرُ في المدة التي ظهرت فيها هذه النار ما يطلعان إلا كاسفين. وعجائب هذه النار وعظمتها يَكلُّ عن وصفها اللسان والأقلام، و يَخلُّ عن أن يحيط بشرحها البيان والكلام، وفي هذا المعنى يقول قائلهم: يا كاشف الضُّرِّ صفحاً عن جرائمنا … لقد أحاطتْ بنا ياربُّ بأساءُ نشكو إليك خُطُوباً لانُطيق لها … حملاً ونحن بها حقاً أحقاءُ أقام سبعاً يرج الأرض فانصدعت … وكيف تقوى على الزلزال شمَّاءُ زلازلٌ تخشع الصُمُّ الصلابُ لها … عن منظرٍ منه عينُ الشمسِ غبراءُ ترى لها شرراً كالقصر طائشة … كأنَّها دِيمة (٢) تنصبُّ هطلاءُ تنشقُّ منها بيوت الصخر إن زَفَرَتْ … رعباً وترعد مثل الشعف (٣) أضواءُ منها تكاثف في الجوِّ الدخان إلى … أن عادت الشمسُ منه وهي دهماءُ (٤) قد أثَّرتْ سفعة (٥) في البدر لفحتها … فليلة التِّمِّ (٦) بعد النور ليلاءُ تُحَدِّثُ النيرات السبع ألسُنَها … بما تلاقي بها تحت الثرى الماءُ

стр. 470

وقد أحاط لظاها بالبروج إلى … أن صار يلفحها (١) بالأرض أهواءُ فباسمك الأعظم المكنون إن عظمت … منا الذنوب وساء القلب أسواءُ فاسمح وهب وتفضل وامح واعف … وارحم فكُلٌّ لفرط الجهل خَطَّاءُ فقوم يونس لما آمنوا كشف الـ … ـعذاب عنهم وعَمَّ القومَ نعماءُ (٢) ونحن أمة هذا المصطفى ولنا … منه الى عفوك المرجو دعاءُ هذا الرسول الذي لولاه ماسلكت … مَحَجَّةٌ (٣) في سبيل الله بيضاءُ فارحم وصَلِّ على المختار ماخَطَبَتْ … على علا منبر الأوراق ورقاءُ (٤) ونَظَمَ بعضهم في هذه النار وفي غرق العراق، فإنهما كانا في عام واحد: سبحان من أصبحتْ مشيئتُهُ … جاريةً في الوادي بمقدارِ في سنة أغرقَ العراقَ وقد … أحرقَ أهلَ الحجازِ بالنارِ (٥) ١٨٨/وفيه يقول أبو شامة: بعد سِتٍّ من المائين وخمسين … لدى أربعٍ جرى في العامِ نارُ أرضِ الحجازِ مع حرقِ الـ … ـمسجدِ معه تغريق دارِ السَّلامِ ثم أخْذِ التتارِ بغدادَ في … أوَّلِ عامٍ من بعد ذاك بعامِ لم يُعَنْ أهلها، والكفرُ أعـ … ـوانٌ عليهم يا ضَعْفَةَ الإسلامِ وانقضت دولةُ الخلافة فيها … صار مستعصمٌ بغير اعتصامِ (٦)

стр. 471

واستمرت هذه النار تأكل الأحجار والجبال، وتسيل سيلاً ذريعاً في وادٍ يكون طول مقداره أربعة فراسخ، وعرضه أربعة أميال، وعمقه قامة ونصف، وهي تجري على وجه الأرض، والصخرُ يذوب حتى يبقى مثل الآنُك (١)، فإذا جمد صار أسود، وقبل الجمود لونه أحمر. ولم يزل يجتمع من هذه الحجارة المذابة في آخر الوادي عند منتهى الحرة حتى قُطِعَتْ في وسط وادي الشظاة إلى جهة جبل وَعِيرَة (٢)، فسَدَّت الوادي المذكور بسد عظيم من الحجر المسبوك بالنار، ولا كَسَدِّ ذي القرنين، يعجز عن وصفه بيان الواصف، ويرجع القلم وله من شرحه في كلِّ قدمٍ قاصف (٣)، فانقطع وادي الشظاة بسببه، وصار السيل إذا سال ينحبس خلف السد المذكور، وهو واد عظيم، فيكثر، وتعظم المياهُ المجتمعةُ حتى تصير بحراً مدّ البصر طولاً وعرضاً، كأنه أرض مصرَ عند زيادة النيل، فانخرق هذا السد من تحته في سنة تسعين وستمائة لتكاثر الماء من خلفه، فجرى في الوادي المذكور سنتين كاملتين. أما السنة الأولى سيلاً يملأ ما بين جانبي الوادي. وأما السنة الثانية فدون ذلك. ثم انْخَرَقَ مرة أخرى في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، وكان ذلك بعد تواتر أمطار عظيمة في الحجاز، فكثر الماء وعلا من جانبي السد ومن دونه مما يلي جبل وعيرة وتلك النواحي، فجاء سيل طام لا يوصف، ومجراه على مشهد حمزة ﵁، وحفر وادياً آخرَ قِبلي الوادي، ومشهد حمزة ﵁، وقِبلي جبل عينين (٤)، وبقي مشهد حمزة ﵁ وجبل عينين في

стр. 472

وسط السيل أربعة أشهر أو نحوها، لا يقدر أحد على الوصول إلى قبر حمزة ﵁، ولا إلى جبل عينين إلا بمشقة، ولو زاد قدر ذراع على الارتفاع لوصل الماء إلى المدينة الشريفة، وكان أهل المدينة يقفون خارج باب البقيع على التل الذي هناك فيشاهدونه ويسمعون خريراً، تَوْجَلُ القلوب دونه. ١٨٩/ قال الشيخ جمال الدين المطري (١): أخبرني علم الدين سنجر العزي -من عتقاء الأمير عز الدين منيف بن شيحة صاحب المدينة ﵀ قال: أرسلني مولاي الأمير عز الدين بعد ظهور هذه النار بأيام، ومعي شخص من العرب اسمه حطيب بن سنان، وقال لنا -ونحن فارسان-: اقْرُبا من هذه النار، وانظرا هل يقدر أحد على القرب منها، فإن الناس يهابونها لعظمها، فخرجتُ أنا وصاحبي إلى أن قربنا منها، فلم نجد لها حراً، فَنَزَلْتُ عن فرسي، وسرت إلى أن وصلت إليها، وهي تأكل الصخر والحجر، فأخذت سهماً من كنانتي، ومددت به يدي إلى أن وصل النَّصْلُ إليها فلم أجد لذلك ألماً ولاحرَّاً، فحرق النَّصْلُ ولم يحرق العود، فأدرت السهم وأدخلت فيها الريش، فاحترق الريش ولم يؤثر في العود. قال (٢): وأخبرني بعض من أدركها من النساء، أنهن كنّ يغزلن على ضوئها بالليل على أسطحة البيوت بالمدينة، وظهرت بظهورها معجزة عظيمة من معجزات سيدنارسول الله ﷺ . ومما يناسب هذه الواقعة ويضاهيها، ما حكاه الفقيه أبو الحسين، محمد بن أبي جعفر بن جبير الكناني الأندلسي البلقيني أنه رأى في بحر

стр. 473

رُومِيَة (١) جزيرتين يخرج منهما النار دائماً، قال: وأبصرنا الدخان صاعداً منهما، وتظهر بالليل نارٌ حمراء ذات ألسُنٍ تصعد في الجو، قال: وأُعلمنا أن خروجها من مَنَافِسَ في جبلين يصعد منهما نَفَسٌ ناريٌّ شديدٌ تكون عنه النار، وربما قُذِفَ فيها الحجر اللين فتلقي به مسوداً إلى الهواء بقوة ذلك النَّفَس، وتمنعه من الاستقرار ومن الانتهاء إلى القعر. قال: وهذا من أعجب المسموعات الصحيحة. قال: وأما الجبل الشامخ الذي بالجزيرة، المعروف بجبل النار (٢)، فشأنه أيضاً عجيب، وذلك أن ناراً تخرج منه في بعض السنين كالسيل العَرِم، فلا تمر بشيء إلا أحرقته حتى تنتهي إلى البحر، فتركت ثبجه (٣) طائرة على صفحه حتى تغوص فيه، فسبحان المبدع في عجائب مخلوقاته لا إله سواه (٤). ومن ذلك ما نقله جماعة من مشايخ المدينة وعلمائها، أن السلطان الملك السعيد نور الدين الشهيد محمود بن زنكي بن آق سنقر لما كان في عام سبع وخمسين وخمسمائة رأى النبي ﷺ ثلاث مرات في المنام في ليلة واحدة (٥)،

стр. 474

وهو يقول له في كل مرة: يامحمود أنقذني من هذين؛ لشخصين أشقرين تجاهه. فاستحضر وزيره قبل الصبح، فذكر له ذلك، فقال له: هذا أمر حدث في مدينة النبي ﷺ ليس له غيرك، فتجهز وخرج على عجل، /١٩٠ ومعه ألف راحلة وما يتبعها من خيل وغير ذلك، حتى دخل المدينة على غفلة من أهلها، والوزير معه، وزار، وجلس في المسجد لايدري مايصنع، فقال له الوزير: أتعرف الشخصين إذا رأيتهما؟ قال: نعم، فطلب الناس عامة للصدقة، وفرَّقَ عليهم ذهباً كثيراً وفضة، وقال: لايبقين بالمدينة أحد إلا جاء، فلم يَبْقَ إلا رجلان مجاوران من أهل الأندلس، نازلان في الناحية التي تلي قبلة حجرة النبي ﷺ من خارج المسجد، عند دار آل عمر بن الخطاب ﵃ التي تعرف اليوم بدار العشرة، فطلبهما للصدقة فامتنعا، وقالا: نحن على كفاية، مانقبل شيئاً، فجَدَّ في طلبهما فجيء بهما، فلما رآهما قال للوزير: هما هذان، فسألهما عن حالهما، وماجاء بهما؟ فقالا: لمجاورة النبي ﷺ ، فقال: اصدقاني، وتكرر السؤال حتى أفضى إلى عقوبتهما، فأقَرَّا أنهما من النصارى، وأنهما وصلا لكي يَنْقُلا النبي ﷺ من هذه الحجرة الشريفة المقدسة باتفاق من ملوكهم، ووجدهما قد حفرا نقباً تحت الأرض من تحت حائط المسجد القِبلي، وهما قاصدان إلى جهة الحجرة الشريفة، ويجعلان التراب في بئر عندهما في البيت الذي هما فيه، فضرب أعناقهما عند الشباك الذي في حجرة النبي ﷺ خارج المسجد، ثم أُحرقا بالنار آخر النهار، وركب متوجهاً إلى الشام. وحدث في الحرم حوادث أُخر ذكرناها في تراجم وافقت ذكرها: فمنها أنباء المأذنة الرابعة بباب السلام، في ترجمة كافور (١).

стр. 475

ومنها انتزاع الخطابة والقضاء من الإمامية، في ترجمة عمر القاضي سراج الدين (١). ومنها نَهب المدينة، في ترجمة طفيل (٢). ومنها تطويف الفوانيس بعد العِشاء، في ترجمة كافور أيضاً. ومنها غراس النخل في المسجد، في ترجمة عزيز الدولة (٣). [ومنها أن القاضي شرف الدين الشهير بابن الأميوطي (٤) أراد رفع] (٥) ما انخفض من المقام، فعانده في ذلك الخدام، وطال في ذلك الجدال والخصام، حتى استعان عليه الخدام بالأشراف، فما أمكنه بعد اجتماع كلمتهم على هذا الخلاف، إلا التلبس بالانصراف، والتكفي بالانكفاف، غير أنه انتقل عن المحرمات، واعترض عن الخصام والحِرَات (٦)، وصار يصلي بالناس الفرض المعهود، إلى الأسطوانة المقابلة لأسطوانة الوفود، ولم يبرح على ذلك سالكاً أحسن المسالك، حتى أدركه الأجل المحتوم الذي هو سبيل كل هالك. وهذا المقام المذكور هو شبه حوض مربع مُرَخَّمٍ طوله ستة أشبار، وعرضه أقل من ذلك بنحو شبر، وفي قِبلته محراب خشبي قد أنتج الصناع فيه نتائج مبدعة من /١٩١ صنعة النجارة، وفيه شبه حفرة صغيرة مكتوب من داخلها بنقر في الخشب قبل وجه الإمام بعد البسملة آية الكرسي، وقد قنطر

стр. 476

على بابها … (١) مكتوب عليه بعد البسملة: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ (٢) الآية. وهذه الكتابات والتزينات في هذا المحل أيضاً مما يشغل الخاطر، ويذهل الناظر، ويفرق القلب الحاضر، إلهاءلخواطر المسلمين إلى قراءته، [إذ لاقلب أجمع وأعلى وأرفع من قلب] (٣) سيد الأنام ﵊، وقد ألهته عن صلاته خميصة فقال: «اذهبوا بِخَمِيصَتي (٤) هذه إلى أبي جهم (٥)، وائتوني بأنبِجانِيَّةِ (٦) أبي جهم، فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي» (٧) فإن قيل: قد زخرفت المساجد في الأعصر الأولى … فما أنكر عليهم أهل زمانهم ومن بعدهم. روى الزبير أن عمر بن عبد العزيز ﵁ لما فرغ من بنيان المسجد

стр. 477

أرسل إلى عمرو بن عثمان ﵄ فحمل في كساء خز حتى انتهى به إليه (١) فقال له: بناؤنا أحسن أم بناؤكم؟ فقال: قد بنيناه بناء المساجد، وبنيتموه بناء الكنائس، ولم ينكر عليه عمر كلامه ذلك. وقال مالك فيما نقله عنه صاحب التبصرة: كره الناس ما فعل في قبلة المسجد بالمدينة من التزاويق، لأنه يشغل الناس في صلاتهم، وأرى أن يزال كل ما يشغل الناس عن الصلاة، وإن عظم ما كان أنفق فيه (٢) .... النبي المصطفى … هادية إلى الصراط المستقيم … من الضلال القديم … صفة الروضة المقدسة، والمحراب الكريم، فإن … الخشبية اتصلت في المحراب إلى الدرابزين المحيط بالروضة، وارتفع من وراء المحراب شبه التاج العظيم، عالياً عن المحراب … القناديل … التاج … إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً. وعلى قبلي الروضة المقدسة … من فوق بإزاء القناديل دائر من الخشب المتقن الصنعة فيه مغارز البراقات، وقد يربط عليه دائر آخر من جريد النخيل بأعواد محددة الرؤوس كأنها /١٩٢ … قول سيبويه لمن أجابه عن سؤاله … قال القاضي أبو بكر بن العربي: /١٩٣ ينبغي أن لا يصلي خلف الإمام إلا من يصلح للاستخلاف … من خلف الإمام إلى من يستخلفه في صلاته … من غلطاته، أو يصلح … في ما يعتريه في حالاته. قال: فإن قلت: ما المراد بأمر رسول الله ﷺ أولي الأحلام والنهى بأن يلوه؟ قلت: يحتمل أن يكون المراد… ... من الإمام.

стр. 478

ويحتمل أن يكون المراد من ..... أولي النهى أعرف بمراد الشارع … إذا أتى أحدكم الصلاة فليأتها وعليه السكينة… ... وتزرع في القلوب العداوة والبغضاء .. الهلاك والشقاوة بعضهم بعضاً فهي قربة منكوسة وحسنة في الصورة، والمعنى مقلوبة معكوسة، ولو فتح صاحب النور الباب الأول فالأول… لأزال شدة … العظيمة عنهم وربح ثوابهم وأوضح صوابهم /١٩٥ من تقييد هذه الأحرف، فقرأتها على بعض من يعده الأغنياء من الأذكياء، فقال: أما مسألة المبادرين إلى الروضة فقد قال الله تعالى فيها وفي أمثالها: ﴿وَسَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُم وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرَضُ﴾ (١)، والصلاة من أعظم أسباب المغفرة، والروضة النبوية من أشرف رياض الجنة، فالمسارعة إليها متعينة لاسيَّما إلى الصف الأول الذي قال فيه ﷺ وفي المسابقة إليه: «ثم لايجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه» (٢). وأما الثانية فإن الصف المقطوع ليس كالصف الموصول. فقلت له: لقد حكيت ولكن فاتك السبب، لاتظن أنك وجدت تمرة الغُراب (٣)، أو سبق الهجين (٤) العراب (٥)، اصغ إلى مايكشف عن سمتك

стр. 479

القناع، وتفهم لما يطرق من الحكم الإلهية منك الأسماع. أما الأولى: فقد ثبت بنص التنْزِيل استحباب المسارعة إلى الخيرات، والمسابقة إلى المبرَّات والطاعات، قال تعالى: ﴿أولَئِكَ يُسَارِعُونَ في الخَيْرَاتِ﴾ (١) وقال : ﴿وَسَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُم وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرَضُ﴾ (٢). وثبت بصريح قول رسول الله ﷺ ، وصحيح حديث من لاينطق عن الهوى؛ استحباب السكينة والوقار و الندب الى الحكم والتأني والاصطبار، كما تقدم من الحديث المتفق على صحته: «إذا أتى أحدكم إلى الصلاة فليأتها وعليه السكينة والوقار» (٣). وقال ﷺ لأبي بكرة ﵁ لما دبَّ وهو راكع حتى دخل الصف: «زادَكَ اللهُ حِرْصاً، ولا تَعُدْ» (٤) فإذا تبين ذلك تعين بيان وجه الجمع بين الكتاب والسنة بما يزيح التعارض ويزيل التضادد والتناقض، فنقول: المراد بالمسارعة المشروعة، وهي التأهب المعتاد قبل دخول وقتها، فيأتيها بسكينة ووقار، فيكون قد جمع بين المسارعة والسكينة، وأنما أمر العبد بالمسارعة إلى الخيرات لتصرفه في المباحات ليس غير (٥). فمن كانت حالته أن لايتصرف في مباح، فهو في خير وعبادة على كل حال، ونحن أمرنا بالمسارعة إلى الجنات وبالمسارعة في الخيراتِ، والمغفرةُ لاتصح إلا بعد حصول فعل الخير الموجب

стр. 480

لها، فنحن نسارع في الخيرات إلى المغفرة، فكأن المسارَعُ فيه عينُ المسارَعِ إليه، فالعبدُ إذا كان تصرفه في غير المباح فلابد أن يكون في مندوب أو واجب، فإن كان في مندوب واستشعر بحصول وقت واجب سارع إليه في مندوبه بإقامة /١٩٦ أسبابه التي لايصح ذلك الواجب إلا بها. ومعنى المسارعة هي المبادرة إلى الأفعال، التي هي شرط في صحة ذلك الواجب، فمن رأى الجماعة واجبة، وقال بإتمام الصفوف ووجوبه، فهو في خير، فإذا سمع الإقامة وتوجه إلى الصلاة فقد أمره الشارع أن يأتي إليها وعليه وقار وسكينة. وسبب ذلك أن الحق لايتقيد بالأحوال، وأن الآتي إلى الصلاة في صلاة مادام يأتي إليها أو ينتظرها. ونفس الإسراع المشروع قد حصل. وأما الإسراع بالحركة فإنه يقتضي سوء الأدب و تقييد الحق، ولهذا قال- ﷺ لأبي بكرة ﵁: «ولاتعد»، أي لاتعد إلى إسراع الحركة، وقال: «زادك الله حرصا»، ولم يقل إسراعاً، فإن الحرص أوجب له الإسراع، فنبهه رسول الله ﷺ على أن الحرص على الخير هو المطلوب، وهو الإسراع المطلوب لله تعالى من العبد، لاحركة الأقدام، فإن ذلك يؤذن تحديد الله تعالى، والله مع العبد حيث كان، وقد وقع لك التفريط أولاً بتأخرك، فهنالك كان ينبغي الإسراع بالتأهب. كما حُكِيَ عن بعضهم أنه ما دخل عليه منذ أربعين سنة وقت صلاة إلا وهو في المسجد، وعن جماعة من الأخيار مثل ذلك كثير. وقوله: «بوقار»، يشير ألى أنه ينبغي للعبد أن يقابل الله في نفسه بما يستحقه من الجلال و الهيبة، فإن هذه الأحوال تؤثر في الجوارح، فينبغي أن تقع حركة العبد مع الله تعالى كما أمره الله بخضوع وخنوع، وهو السكينة المطلوبة، كما قال: «لوخشع قلبه لخشعت جوارحه» (١) يعني لسرى ذلك في

стр. 481

جوارحه، فإن السرعة بالأقدام لاتكون إلا ممن همته متعلقة بالجهة التي يسارع إليها من أجل الله لا بالله. وينبغي للعبد أن تكون همته متعلقة بالله، فيكون المشهود له الحق تعالى، ومن كان بهذه المثابة كان شأنه السكون والهيبة والوقار، فلايسمع إلا همساً، قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسَاً﴾ (١). ولما كان الشارع مراعياً لوارد الوقت، ووارد وقت الآتي إلى الصلاة مشاهدة المقصود بها، فشرع له السكينة والوقار، والإتيان دون سرعة الأقدام … (٢) لحرمة الوقت واستيفاءً لحقه، فاعلم ذلك إن شاء الله تعالى. وأما قولك: إن الصف المقطوع ليس كالصف المتصل. فنقول: إذا عرفت معنى الأمر باتصال الصفوف، والتراص فيها، وفهمت السر في ذلك، أزال شبهتك إن شاء الله تعالى، /١٩٧ فاعلم أن التراص في الصف هو [أن] لا يكون بين الإنسان وبين الذي يليه خلل من أول الصف إلى آخره، وسبب ذلك أن الشياطين تسد ذلك الخلل بأنفسها، والمصلون في محل القربة من الله تعالى، فينبغي أن يكونوا في القرب بعضهم من بعض، بحيث أن لايبقى بينهم خلل يؤدي إلى بعد كل واحد من صاحبه، فتكون المعاملة فيما بينهم من أجل الخلل، مقتض مادعوا إليه من صفة القربة، فتخلل تلك الخلل والفرج البعداء من الله لمناسبة البعد الذي بين الرجلين في الصف، فينقصهم من

стр. 482

رحمة القرب الذي للمصلي بقدر الخلل، وبمرتبة ذلك الشيطان من البعد عن الله تعالى، فإذا لزقت المناكب بعضاً ببعض، انسد الخلل ولم تجد صفة البعد عن الله تعالى محلا تقوم به، لأن الشيطان الذي هو محل البعد عن الله تعالى ليس هناك، وإنما تقصد الشياطين خلل الصف، وتدخل فيه، لما ترى من شمول الرحمة التي يعطي الله تعالى المصلي فتزاحمهم في تلك الفرج لينالهم من تلك الرحمة شيء بحكم المجاورة من غير منة، لمعرفتهم بأنهم البعداء عند الله تعالى، وماهم هؤلاء الشياطين الذين يوسوسون في الصلاة، فإن أولئك محلهم القلوب، فهم على أبواب القلوب مع الملائكة تلقي إلى النفس وتنكث في القلب مايشغله عمَّا دعي إليه، ومن جملة مايلقى إليه أن لايسد الخلل في الصف بينه وبين صاحبه لوجهين: الأول: ليتصف بالمخالفة فيؤديه إلى البعد عن الله تعالى، فإن الشيطان إنما كان سبب بعده عن الله المخالفة لأمر الله . الوجه الثاني: ليخلوا ذلك الخلل، فيصير محلاً لأصحابهم من الشياطين فيتخللوه، فتصيبهم رحمة المصلين، وإذا اتضح ذلك أن تَمَكُّن الشياطين من التخلل في الصفوف، إنما يكون بسبب تقصير المصلين واختيارهم البعد بعضهم عن بعض، تعيَّن أن لايكون لهم مدخل في انقطاع لا يكون بسبب تقصيرهم، بل لحائل وبنيان، أو عدم إمكان من ضيق مكان ونحو ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ولقد أحسن القائل: وكم من مُصَلٍّ مَا لَهُ من صلاتِهِ … سوى رؤية المحراب والكدِّ والعَنَا … (١) بالمناجات دائما … وإن كان قد صلى الفريضة وابتدا

стр. 483

وكيف وستر الحق كان إمامهُ … وإن كان مأموماً فقد بلغ المدى فتحريُمها التكبير إن كنت كابراً … وإلا فَحِلُّ المرء أو حرمُهً سَوا /١٩٨ وتحليلُهَا التسليم إن كنت تابعاً … لرجعة العليا في ليلة النحرى ومابين هذين المقامين غاية … وأسرار غيب لا تُحس ولا تُرى فإن كنت للصَّف المقدَّمِ آتيا … كما أمر الرحمن فانشر لك الهنا وإن كنت للإسراع في السَّبْقِ فاعلاً … خلاف رسول الله فالويل والعنا وفي الصَّفِّ سِرُّالرَّصِّ إن كنت فاهماً … فبشراه إذ من مقصد للقرب قد دنا وتحقيق معنى البشر و … (١) من درى … تسامىإلى سرٍّ سني له سنا وفي الروضةِ الزهراءِ من كان جالساً … ويفهم منها ما النبي بها عنا فذاك خليق بالجنان وروضها … وأن في ذُرى بَحْبُوحَةِ الخُلد سُكَّنَا فيا طالباً ترب النبي وقُرْبِهِ تمتـ … ـع بروضات الجنان فهي هنا ومنبره محرابه جوف روضة تباهي … السَّما في رفعة القدر والسَّنَا فإذ أنت وفيت الزيارة حقَّهَا … وحقَّ جوار المصطفى بالغ الأنا وقيل من الراقي … (٢) مجده … إلى ذروةِ المجدِ المؤثَّلِ قل أنا وإن قرارا تاريخ طيبة اذ ثوى بها … خير خلق الله والمسجدَ ابتنى ومن حَلَّها من ناصر ومهاجر … والكرام زينوا الدين والدُّنا فَطِبْ عندها نفساً لطيبة طيبة … فسمعها يُزري على الزَّمرِ والغِنَا فإن قلت: إن كان في السر في التراص ماذكرت، فما معنى قوله ﷺ : «فإن الملائكة يتراصون في الصف»؟ (٣) ولا شك أن ما ثَمَّ شيطان يدخل في الخلل الحاصل إن كان. قلت: الصفوف في الأصل إنما شرعت في الصلاة ليتذكر بها الإنسان وقوفه بين يدي الله يوم القيامة، في ذلك الموطن المهول، والشفعاء

стр. 484

من الأنبياء والمؤمنين والملائكة بِمنْزِلة الأئمة في الصلاة، يتقدمون الصفوف، فكم شخص يكون هاهنا مأموماً من أهل الصفوف، يكون غداً إماماً أمام الصفوف، ويكون إمامه الذي كان يصلي به في الدنيا مأموماً، فيالها من حسرة، وصفوفهم أيضاً كصفوف المصلين، قال تعالى: ﴿وَالمَلَكُ صَفَّاً صَفَّاً﴾ (١)، وقال : ﴿وَالمَلائِكَةُ صَفَّاً لايَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ (٢)، وأمرنا الحق تعالى أن نَصُفَّ في الصلاة كما تصف الملائكة يتراصون في الصف، وإن كانت الملائكة لايلزم من خلل صفها -لو اتفق- أن يدخلها خلل -أعني ملائكة السماء- دخول /١٩٩ الشياطين، لأن السماء ليست بمحل للشياطين، وإنما يتراصون لتناسب الأنوار حتى يتصل بعضها ببعض، فتنْزل متصلة الى صفوف المصلين، فتعمهم تلك الأنوار، فإن كان في صف المصلين خلل دخلت فيه الشياطين، أحرقتهم تلك الأنوار، فكذلك يكونون في الكثيب في الزور العام، يَصُفُّونَ كما يَصُفُّونَ في الصلاة، فمن وجد خللاً في صفه هنا، وكان قادراً على سده بنفسه، ولم يفعل، حُرِمَ هنالك في ذلك الموطن بَرَكَتَهُ، وإن لم يقدر على سده لِعَارِضٍ مما ذكرنا من ربوة أو حفرة أو غير ذلك من الموانع عمَّتْهُ البركة هنالك، لأنه غير مُقَصِّرٍ ولامفرطِ فيما طُلب منه، وكل مُصَلٍّ بين رجلين فإنه ينضم إلى أحدهما، ولاينضم إلا إلى الذي يلي جانب الإمام، ولايأثم بجذب الآخر إليه، فإن انجذب إليه كان، وإن لم ينجذب، كان الإثم على ذاك، ثم إن القربات إلى الله تعالى لاتعلم إلا من عند الله ، ليس للعقل فيها حكم بوجه من الوجوه، فاعلم ذلك إن شاء الله. * * *

стр. 485

ذكرُ منبرِ النَّبِيِّ ﷺ ومحرابه الكريم ـ رَوَى البخاري من حديث جَابِرٍ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله ألا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئاً تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلاماً نَجَّاراً. قَالَ ﷺ : إِنْ شِئْتِ، فَعَمِلَتِ الْمِنْبَرَ (١). ـ ورَوَى من حديث سَهْلٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ مُرِي غُلامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلْ لِي أَعْوَاداً أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ (٢). ـ ورواه أيضاً؛ وزاد فَذَهَبَ الغلامُ فَقَطَعَ مِنَ الطَّرْفَاءِ فَصَنَعَ مِنْبَرًا فَلَمَّا قَضَاهُ أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَضَاهُ قَالَ: أَرْسِلِي بِهِ إِلَيَّ، فَاحْتَمَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَهُ حَيْثُ تَرَوْنَ (٣). ـ وفي لفظ: إنَّ رِجَالاً أَتَوْا سَهْلاً ﵁ وَقَدِ امْتَرَوْا فِي الْمِنْبَرِ مِمَّ عُودُهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ وَالله إِنِّي لأَعْرِفُ مِمَّ هُوَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ، وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ ، أَرْسَلَ إِلَى فُلانَة -سَمَّاهَا سَهْلٌ- مُرِي غُلامَكِ (٤). رواه البخاري.

стр. 486

وعند مسلم: فَعَمِلَ لَهُ هَذِهِ الثَّلاثَ دَرَجَاتٍ (١). -وفي الاستيعاب: عن باقوم الرومي (٢) قال: صَنَعتُ لرَسُولِ الله ﷺ مِنْبَرًا من طرْفَاء له ثَلاثُ دَرَجَاتٍ؛ القِعْدَةِ، ودرجتيه (٣). قال أبو عمر: إسناده ليس بالقائم (٤). -وفي طبقات ابن سعد: أن الصحابة ﵃ قالوا: يَا رَسُولَ الله إن النَّاسَ قد كَثُروا، فَلَوْ اتخذت شَيْئاً تَقُومُ عليهِ إذا خَطبتَ، قالَ ﷺ : «مَا شِئتُم»، قال سهل ﵁: ولم يَكن بالْمَدينَةِ إلا نَجَّارٌ وَاحدٌ،/٢٠٠ فذهبت أنا وذاك النَّجَّار إلى الغابتين فقطعنا هذا المنبر من أَثْلَة (٥). -وفي لفظٍ: وحَمَلَ سهلٌ منهن خشبة. إسنادهما صحيح (٦).

стр. 487

-وعنده أيضاً من حديث أبي هريرة وغيره ﵃ قالوا: كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة إلى جذع فقال ﷺ إن القيام قد شق علي، فقال له تميم الداري ﵁: ألا أعمل لك منبراً كما رأيته بالشام؟ فشاور النبي ﷺ في ذلك المسلمين، فرأوا أن يتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب ﵁: إن لي غلاماً يقال له كلاب أَعْمَلُ الناس، فقال النبي ﷺ : مُرْهُ أن يَعْمَلَهُ، فعملَهُ درجتين ومقعداً، ثم جاء به فوضعَهُ في مَوضعِه اليوم (١) *. وذكر الحاكم في الإكليل (٢) عن يزيد بن رومان (٣) قال: كان المنبر ثَلاثَ دَرَجَاتٍ فزاد معاوية ﵁ فيه لعله قال ست درجات، وحَوَّلَهُ عن

стр. 488

مكانه، فكسفت الشمس يومئذ (١). قال الحاكم: وقد أُحرق المنبر الذي عمله معاوية ﵁ ورد منبر النبي ﷺ إلى الموضع الذي وضعه فيه (٢). وعند الدارمي: عن بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، فَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ قِيَامُهُ، فَأُتِيَ بِجِذْعِ نَخْلَةٍ فَحُفِرَ لَهُ وَأُقِيمَ إِلَى جَنْبِهِ قَائِماً لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ فَطَالَ الْقِيَامُ عَلَيْهِ، اسْتَنَدَ [إليه]، فَاتَّكَأَ عَلَيْه، فَبَصُرَ بِهِ رَجُلٌ كَانَ وَرَدَ الْمَدِينَةَ فَرَآهُ قَائِماً إِلَى جَنْبِ ذَلِكَ الْجِذْعِ، فَقَالَ لِمَنْ يَلِيهِ مِنَ النَّاسِ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّداً يَحْمَدُنِي فِي شَيْءٍ يَرْفُقُ بِهِ، لَصَنَعْتُ لَهُ مَجْلِساً يَقُومُ عَلَيْهِ، فَإِنْ شَاءَ جَلَسَ مَا شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ قَامَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ائْتُونِي بِهِ، فَأَتَوْهُ بِهِ، فَأمَرَهُ أَنْ يَصْنَعَ لَهُ هَذِهِ الْمَرَاقِيَ الثَّلاثَ أَوِ الأرْبَعَ، هِيَ الآنَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، فَوَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذَلِكَ رَاحَةً، فَلَمَّا فَارَقَ النَّبِيُّ ﷺ الْجِذْعَ، وَعَمَدَ إِلَى هَذِهِ الَّتِي صُنِعَتْ (٣) لَهُ، جَزِعَ الْجِذْعُ، فَحَنَّ كَمَا تَحِنُّ النَّاقَةُ حِينَ فَارَقَهُ النَّبِيُّ ﷺ . فَزَعَمَ ابْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ سَمِعَ حَنِينَ الْجِذْعِ رَجَعَ إِلَيْهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: اخْتَرْ أَنْ أَغْرِسَكَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ فَتَكُونَ كَمَا كُنْتَ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ أَغْرِسَكَ فِي الْجَنَّةِ فَتَشْرَبَ مِنْ أَنْهَارِهَا وَعُيُونِهَا، فَيَحْسُن

стр. 489

نَبْتُكَ (١) وَتُثْمِر، فَيَأْكُلَ أَوْلِيَاءُ الله مِنْ ثَمَرَتِكَ وَنَخْلِكَ فَعَلْتُ. /٢٠١ فَزَعَمَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: نَعَمْ قَدْ فَعَلْتُ مَرَّتَيْنِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: اخْتَارَ أَنْ أَغْرِسَهُ فِي الْجَنَّةِ (٢). ولفظه عند عياض: «إن شِئتَ أرُدُّكَ إلى الحائطِ الذي كُنتَ فيه، تَنبتُ لك عُرُوقُكَ وَيَكْمُلُ خَلْقُكَ، ويُجَدَّدُ لكَ خُوصٌ وَثَمَرةٌ، وإن شئت أغْرِسْكَ في الجنةِ، فيأكُلَ أولياءُ اللهِ من ثَمَرِكَ»، ثم أصغَى له النَّبِيُّ ﷺ يستمع ما يقولُ، فقالَ: بل تَغْرِسُني في الجَنَّةِ فيأكُلُ مني أولياءُ الله، وأكونُ في مكان لا أبلى فيه. فسمعه من يليه. قال ﷺ : «قد فَعلتُ». ثم قال: «اختارَ دارَ البقاءِ على دَارِ الفَنَاءِ». فكان الحسنُ إذا حَدَّثَ بهذا بَكَى وقال: يَا عبادَ الله؛ الخشبةُ تَحِنُّ إلى رَسُولِ الله ﷺ شوقاً إليه لمكانه فأنتم أحق أن تَشتَاقوا إلى لِقَائه (٣). وفي لفظ عند ابن عبد البر: فَلَمَّا جَاوَزَهُ خَارَ الْجِذْعُ حَتَّى تَصَدَّعَ وَانْشَقَّ، فَرَجَعَ إليه رَسُولُ الله ﷺ فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ حَتَّى سَكَنَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِنْبَرِ. قال: فَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَّى إِلَيْهِ فَلَمَّا هُدِمَ الْمَسْجِدُ أَخَذَ ذَلِكَ الْجِذْعَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ﵁ فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى أَكَلَتْهُ الأرَضَةُ وَعَادَ رُفَاتاً (٤). وفي حديث [ابن] بُرَيدَة عن عَائِشَة ﵂ قالت: إن رَسُولَ الله

стр. 490

صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لما وضع يده على الجذع وسكنَّه غار الجذع فذهب. وفي لفظ: فضمه إليه فسكن فأمر به أن يحفر ويدفن (١). وفي لفظ من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَاحْتَضَنَهُ فَسَكَنَ وَقَالَ ﷺ : «لَوْ لَمْ أَحْتَضِنْهُ لَخَارَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (٢)». وفي لفظ: فصنع له ﷺ منبراً له درجتان ويقعد على الثالثة فلما قعد نبي الله ﷺ عَلَى ذلك الْمِنْبَر خَارَ الْجِذْعُ خوار الثور حزناً على رَسُولِ الله ﷺ حَتَّى ارتجَّ الْمَسْجِدُ فَنزلَ إليهِ رَسُولُ الله ﷺ فالتَزَمَهُ وهو يَخُورُ فلَمَّا التزمَهُ سَكَتَ ثُمَّ قَالَ ﷺ : «أما والذي نفس محمد بيده لَوْ لَمْ ألتزمه لما زال هكذا حتى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حزناً على رَسُولِ الله ﷺ فأمر به رَسُولُ الله ﷺ فدفن» (٣). وفي طبقات ابن سعد: قَالَ كَانَ بَيْنَه وَبَيْنَ الْحَائِطِ مَمَرُّ الشَّاةِ (٤).

стр. 491

قال عياض: حديث حنين الجذع مشهور منتشر، والخبر به متواتر، أخرجه أهل الصحيح، ورواه من الصحابة ﵃ بضعة عشر، منهم: أبي ابن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعبد الله /٢٠٢ ابن عباس، وسهل بن سعد، وأبو سعيد الخدري، وبريدة، وأم سلمة، والمطلب بن أبي وداعة، ﵃ (١). وعند أبي داود: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَدُنَ (٢) قَالَ لَهُ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ ﵁: يَا رَسُولَ الله ألا تَتَّخِذُ (٣) لَكَ مِنْبَرًا يَحْمِلُ أَوْ يَجْمَعُ (٤) عِظَامَكَ قَالَ ﷺ : بَلَى. فَاتَّخَذَ (٥) مِنْبَرًا، مِرْقَاتَيْنِ (٦). فإن قلت: اختلفت الروايات في كونه على ثلاث درجات ودرجتين، فكيف طريق الجمع بينهما؟ قلت: الذي يظهر في ذلك أن الذي ذكر درجتين كأنه لم يعتبر المقعد، والذي روى ثلاثاً اعتبره (٧)

стр. 492

يؤيد هذا التوجيه حديث باقوم: صَنَعتُ مِنْبَرًا له ثَلاثُ دَرَجَاتٍ؛ القعدة، ودرجتيه. وعند ابن ماجه: له درجتان، ويقعد في الثالثة. وفي تاريخ الواقدي: أراد معاوية ﵁ تحويل منبر رَسُولِ الله ﷺ إلى دمشق، فكسفت الشمس يومئذ، وكلّمه أبو هريرة ﵁ فيه، فتركه، فلما كان عبد الملك أراد ذلك فكلمه قبيصة، فتركه، فلما كان الوليد [أراد ذلك] (١) فأرسل سعيد إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ فكلمه فيه، فتركه، فلما كان سليمان قيل له في تحويله، قال: لا، ها الله، أخذنا الدنيا ونعمد إلى علم من أعلام الإسلام نريد تحويله؟، ذاك شيء لا أفعله؛ ولا أريد أن ينسب بثَلَم إلى عبد الملك أيضاً. وكان طول منبر رَسُولِ الله ﷺ ثلاثة أذرع ونصف ذراع مرتفعاً في السماء مع الخشب الذي عمل مروان، وكان طول منبر رَسُولِ الله ﷺ خاصة ذراعين في السماء وعرضه ذراعاً في ذراع، وعدد درج منبر رَسُولِ الله ﷺ مع ما عمل مروان تسع درجات، وعدد درج منبر النبي ﷺ خاصة ثلاث درجات بالمقعدة، هكذا كان في حياة رَسُولِ الله ﷺ والخلفاء الأربعة ﵃، فلما حج معاوية ﵁ في أيامه كساهُ قُبْطية، ثم كتب إلى مروان أن ارفع المنبر عن الأرض فرفعه، وزاد من أسفله ست درجات، ورفعوه عليها فصار تسع درجات بالمجلس، وكان فيه مما يلي ظهره ﷺ إذا قعد ثلاثة أعواد تدور ذهب أحدها، وانقلع أحدها في سنة ثمان وتسعين ومائة، فأمر به داود بن عيسى فأعيد (٢).

стр. 493

ومما كان عمل مروان في حائط المنبر الخشب عشرة أعواد لا يتحركن، وفي المنبر من أسفله / ٢٠٣ إلى أعلاه كُوىً مُستديرة من جوانبه الثلاث، وفي الخشب الذي عمل مروان من قبل المشرق ثماني عشرة كُوَّة مُستديرة شبه المربعة، ومن المغرب كذلك، وفي منبر رَسُولِ الله ﷺ خاصة خمسة أعواد من جوانبها الثلاثة (١). ولما حج المهدي قال للإمام مالك: أريد أن أعيد منبر النَّبِيِّ ﷺ إلى حاله الأول قال له مالك: إنما هو من طرفاء وقد شد إلى هذه العيدان وسمر فمتى نزعته خفت أن يتهافت فلا أرى تغييره فتركه على حاله (٢). وذكر الشيخ جمال الدين المطري عن بعض المجاورين أن هذا المنبر تهافت على مر السنين فجدده بعض الخلفاء العباسيين واتخذ من بقايا أعواد منبر النَّبِيَّ ﷺ أمشاطاً للتبرك بها (٣). وهذا المنبر الذي جدده هذا الخليفة هو الذي ذكره الفقيه أبو الحسين محمد بن أبي جُبَير (٤). فإنه قال: رأيت منبر المدينة الشريفة في عام ثمان وسبعين وخمسمائة (٥) وارتفاعه من الأرض نحو القامة أو أزيد، وسعته خمسة أشبار، وطوله خمس خطوات، وأدراجه ثمانية، وله باب على هيئة الشباك مقفل يُفتح يوم الجمعة، وطوله أربعة أشبار ونصف شبر.

стр. 494

والمنبر مغشى بعود الآبنوس، ومقعد رَسُولِ الله ﷺ من أعلاه ظاهر قد طبق عليه لوح من الآبنوس غير متصل به يصونه من القعود عليه، فَيُدخِل الناس أيديهم إليه ويمسحونه بها تبركاً بلمس ذلك المقعد الكريم. وعلى رأس رِجل المنبر الأيمن حيث يضع الخطيب يده إذا خطب حلقة فضة مجوفة مستطيلة تشبه حلقة الخياط التي يضعها في إصبَعه صفة لا صغراً لأنها أكبر منها، وهي لاعبة تستدير في موضعها، يزعمون أنها كانت لُعبة للحسن والحسين ﵄، في حال خُطبة جدهما صلوات الله وسلامه عليهم (١). وهذا المنبر احترق ليلة حريق المسجد الشريف في جملة ما احترق من السقوف والأخشاب كما ذكرنا في ذكر الحوادث التي حدثت في المسجد الشريف (٢)، وذلك في سنة أربع وخمسين وستمائة، فأرسل الملك المظفر صاحب اليمن في سنة ست وخمسين بعد الحريق بقليل منبراً رمانتاه من الصَّندَل، فنُصبَ في موضع منبر النَّبِيِّ ﷺ ، ولم يزل يخطب عليه عشر سنين، فلما كان في سنة ست وستين وستمائة / ٢٠٤ أرسل الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري هذا المنبر الموجود اليوم، فقلع منبر صاحب اليمن وحمل إلى حاصل الحرم، وهو باق فيه اليوم ونصب هذا المنبر مكانه، وطوله أربع أذرع في السماء، ومن رأسه إلى عتبته سبعة أذرع يزيد قليلاً، وعدد درجاته سبع (٣) بالمقعد (٤).

стр. 495

وفي جانبه الشرقي تجاه الحجرة الشريفة طاقة صغيرة مفتوحة مثمنة، دورها يزيد على ذراع، يقال: إنه مثال لطاقة كانت في المنبر الذي كان عيناً لمنبر النَّبِيِّ ﷺ ، كان الزائرون يدخلون أيديهم من تلك الطاقة، فيتمسحون بالمنبر الشريف من داخله كما تقدم آنفاً. وللمنبر باب بمصراعين، في كل مصراع رمانة من فضة، وتاريخ المنبر مكتوب في عتبة الباب، بنقر في الخشب صورته: في سنة ست وستين وستمائة، وكتب على جانبه الأيسر اسم صانعه (أبو بكر بن يوسف النجار) وكان من أكابر الصالحين الأخيار، وهو الذي قدم بالمنبر إلى المدينة، فوضعه في موضعه، فأحسن وضعه، وأتقن نجارته وصنعه، ثم انقطع في المدينة مما ذكرناه في المجاورين (١). ويحمل للمنبر في كل سبعة أعوام أو نحوها من الديار المصرية كسوة معظمة ملوكية يُكسَاهَا من الجمعة إلى الجمعة، ورايتان سَوْدَاوان يُنسجان أبدع نسيج يرفعان أمام وجه الخطيب جانبي المنبر قريباً من الباب. وذرع مابين المنبر والقبر الشريف ثلاثة وخمسون ذراعاً وشبر. ومحراب النَّبِيِّ ﷺ الذي كان يصلي فيه بالناس إلى أن قبضه الله تعالى على يمين الخطيب، بينه وبين المنبر أربعة عشر ذراعاً وشبر. وحكى ابن النجار أن الإجماع على أن هذا مصلى النَّبِيِّ ﷺ لم يغير بتقديم وتأخير، وإنما غيرت هيئته في هذا العصر الأخير، بجعل المصلى شبه حفير أو حوض صغير، حتى إذا وقف فيه الإمام يكون نازلاً عن مواقف المأمومين بما يقارب ذراعاً، ويصير جانب استحباب مساواة (٢) موقفي الإمام
следующие страницы →