قال عياض: حديث حنين الجذع مشهور منتشر، والخبر به متواتر، أخرجه أهل الصحيح، ورواه من الصحابة ﵃ بضعة عشر، منهم: أبي ابن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعبد الله /٢٠٢ ابن عباس، وسهل بن سعد، وأبو سعيد الخدري، وبريدة، وأم سلمة، والمطلب بن أبي وداعة، ﵃ (١).
وعند أبي داود: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَدُنَ (٢) قَالَ لَهُ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ ﵁: يَا رَسُولَ الله ألا تَتَّخِذُ (٣) لَكَ مِنْبَرًا يَحْمِلُ أَوْ يَجْمَعُ (٤) عِظَامَكَ قَالَ ﷺ : بَلَى. فَاتَّخَذَ (٥) مِنْبَرًا، مِرْقَاتَيْنِ (٦).
فإن قلت: اختلفت الروايات في كونه على ثلاث درجات ودرجتين، فكيف طريق الجمع بينهما؟ قلت: الذي يظهر في ذلك أن الذي ذكر درجتين كأنه لم يعتبر المقعد، والذي روى ثلاثاً اعتبره (٧)
стр. 492
يؤيد هذا التوجيه حديث باقوم: صَنَعتُ مِنْبَرًا له ثَلاثُ دَرَجَاتٍ؛ القعدة، ودرجتيه.
وعند ابن ماجه: له درجتان، ويقعد في الثالثة.
وفي تاريخ الواقدي: أراد معاوية ﵁ تحويل منبر رَسُولِ الله ﷺ إلى دمشق، فكسفت الشمس يومئذ، وكلّمه أبو هريرة ﵁ فيه، فتركه، فلما كان عبد الملك أراد ذلك فكلمه قبيصة، فتركه، فلما كان الوليد [أراد ذلك] (١) فأرسل سعيد إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ فكلمه فيه، فتركه، فلما كان سليمان قيل له في تحويله، قال: لا، ها الله، أخذنا الدنيا ونعمد إلى علم من أعلام الإسلام نريد تحويله؟، ذاك شيء لا أفعله؛ ولا أريد أن ينسب بثَلَم إلى عبد الملك أيضاً.
وكان طول منبر رَسُولِ الله ﷺ ثلاثة أذرع ونصف ذراع مرتفعاً في السماء مع الخشب الذي عمل مروان، وكان طول منبر رَسُولِ الله ﷺ خاصة ذراعين في السماء وعرضه ذراعاً في ذراع، وعدد درج منبر رَسُولِ الله ﷺ مع ما عمل مروان تسع درجات، وعدد درج منبر النبي ﷺ خاصة ثلاث درجات بالمقعدة، هكذا كان في حياة رَسُولِ الله ﷺ والخلفاء الأربعة ﵃، فلما حج معاوية ﵁ في أيامه كساهُ قُبْطية، ثم كتب إلى مروان أن ارفع المنبر عن الأرض فرفعه، وزاد من أسفله ست درجات، ورفعوه عليها فصار تسع درجات بالمجلس، وكان فيه مما يلي ظهره ﷺ إذا قعد ثلاثة أعواد تدور ذهب أحدها، وانقلع أحدها في سنة ثمان وتسعين ومائة، فأمر به داود بن عيسى فأعيد (٢).
стр. 493
ومما كان عمل مروان في حائط المنبر الخشب عشرة أعواد لا يتحركن، وفي المنبر من أسفله / ٢٠٣ إلى أعلاه كُوىً مُستديرة من جوانبه الثلاث، وفي الخشب الذي عمل مروان من قبل المشرق ثماني عشرة كُوَّة مُستديرة شبه المربعة، ومن المغرب كذلك، وفي منبر رَسُولِ الله ﷺ خاصة خمسة أعواد من جوانبها الثلاثة (١).
ولما حج المهدي قال للإمام مالك: أريد أن أعيد منبر النَّبِيِّ ﷺ إلى حاله الأول قال له مالك: إنما هو من طرفاء وقد شد إلى هذه العيدان وسمر فمتى نزعته خفت أن يتهافت فلا أرى تغييره فتركه على حاله (٢).
وذكر الشيخ جمال الدين المطري عن بعض المجاورين أن هذا المنبر تهافت على مر السنين فجدده بعض الخلفاء العباسيين واتخذ من بقايا أعواد منبر النَّبِيَّ ﷺ أمشاطاً للتبرك بها (٣).
وهذا المنبر الذي جدده هذا الخليفة هو الذي ذكره الفقيه أبو الحسين محمد بن أبي جُبَير (٤). فإنه قال: رأيت منبر المدينة الشريفة في عام ثمان وسبعين وخمسمائة (٥) وارتفاعه من الأرض نحو القامة أو أزيد، وسعته خمسة أشبار، وطوله خمس خطوات، وأدراجه ثمانية، وله باب على هيئة الشباك مقفل يُفتح يوم الجمعة، وطوله أربعة أشبار ونصف شبر.
стр. 494
والمنبر مغشى بعود الآبنوس، ومقعد رَسُولِ الله ﷺ من أعلاه ظاهر قد طبق عليه لوح من الآبنوس غير متصل به يصونه من القعود عليه، فَيُدخِل الناس أيديهم إليه ويمسحونه بها تبركاً بلمس ذلك المقعد الكريم.
وعلى رأس رِجل المنبر الأيمن حيث يضع الخطيب يده إذا خطب حلقة فضة مجوفة مستطيلة تشبه حلقة الخياط التي يضعها في إصبَعه صفة لا صغراً لأنها أكبر منها، وهي لاعبة تستدير في موضعها، يزعمون أنها كانت لُعبة للحسن والحسين ﵄، في حال خُطبة جدهما صلوات الله وسلامه عليهم (١).
وهذا المنبر احترق ليلة حريق المسجد الشريف في جملة ما احترق من السقوف والأخشاب كما ذكرنا في ذكر الحوادث التي حدثت في المسجد الشريف (٢)، وذلك في سنة أربع وخمسين وستمائة، فأرسل الملك المظفر صاحب اليمن في سنة ست وخمسين بعد الحريق بقليل منبراً رمانتاه من الصَّندَل، فنُصبَ في موضع منبر النَّبِيِّ ﷺ ، ولم يزل يخطب عليه عشر سنين، فلما كان في سنة ست وستين وستمائة / ٢٠٤ أرسل الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري هذا المنبر الموجود اليوم، فقلع منبر صاحب اليمن وحمل إلى حاصل الحرم، وهو باق فيه اليوم ونصب هذا المنبر مكانه، وطوله أربع أذرع في السماء، ومن رأسه إلى عتبته سبعة أذرع يزيد قليلاً، وعدد درجاته سبع (٣) بالمقعد (٤).
стр. 495
وفي جانبه الشرقي تجاه الحجرة الشريفة طاقة صغيرة مفتوحة مثمنة، دورها يزيد على ذراع، يقال: إنه مثال لطاقة كانت في المنبر الذي كان عيناً لمنبر النَّبِيِّ ﷺ ، كان الزائرون يدخلون أيديهم من تلك الطاقة، فيتمسحون بالمنبر الشريف من داخله كما تقدم آنفاً.
وللمنبر باب بمصراعين، في كل مصراع رمانة من فضة، وتاريخ المنبر مكتوب في عتبة الباب، بنقر في الخشب صورته: في سنة ست وستين وستمائة، وكتب على جانبه الأيسر اسم صانعه (أبو بكر بن يوسف النجار) وكان من أكابر الصالحين الأخيار، وهو الذي قدم بالمنبر إلى المدينة، فوضعه في موضعه، فأحسن وضعه، وأتقن نجارته وصنعه، ثم انقطع في المدينة مما ذكرناه في المجاورين (١).
ويحمل للمنبر في كل سبعة أعوام أو نحوها من الديار المصرية كسوة معظمة ملوكية يُكسَاهَا من الجمعة إلى الجمعة، ورايتان سَوْدَاوان يُنسجان أبدع نسيج يرفعان أمام وجه الخطيب جانبي المنبر قريباً من الباب.
وذرع مابين المنبر والقبر الشريف ثلاثة وخمسون ذراعاً وشبر.
ومحراب النَّبِيِّ ﷺ الذي كان يصلي فيه بالناس إلى أن قبضه الله تعالى على يمين الخطيب، بينه وبين المنبر أربعة عشر ذراعاً وشبر.
وحكى ابن النجار أن الإجماع على أن هذا مصلى النَّبِيِّ ﷺ لم يغير بتقديم وتأخير، وإنما غيرت هيئته في هذا العصر الأخير، بجعل المصلى شبه حفير أو حوض صغير، حتى إذا وقف فيه الإمام يكون نازلاً عن مواقف المأمومين بما يقارب ذراعاً، ويصير جانب استحباب مساواة (٢) موقفي الإمام
стр. 496
والمأموم غير مرعي. ولم يبرح أئمة العلم وأزمة الدين عن ذلك يتحرجون، وفي لجج أقاويل العلماء واختلافهم في ذلك يتموجون، فمن قائل بالجواز وتسهيل المجاور، ومن مستعمل في تفقهِهِ الفطانة والفراهة مصرحاً في المسألة بعقد الإجماع على الكراهة، ومن متمسك بالغريب من أقاويل الأعلام، ناقل فيها نصوصهم ببطلان صلاة المأموم والإمام، مورعاً (١) بنص الأوزاعي (٢) /٢٠٥ بالبطلان، وازعاً (٣) من ارتكب ذلك باليد واللسان، ومن قائل بثبوت الكراهة، حاكم بزوالها لما يحصل من قرب آراب المصلي من مجال آراب النبي وحوالها. وقد نحا هذا القائل مقالة كوفية، ونزع في تمويه الأمور الشرعية نزعة صوفية، والذي يعتمده في ذلك ويستضيء به في ديجوره الحالك أن يقال: لاخلاف بين أهل التاريخ والسيرة ولا نزاع بين علماء الحديث والأثر بأن موقف رَسُولِ الله ﷺ لم يكن أعلى ولا أخفض من موقف المأمومين، بل كان ﷺ في الموقف سواء مع المقتدين، وقصة حَدْر (٤)
أبي مسعود البدري حذيفة (٥)
стр. 497
لما خالف في الموقف صحيحة، وكونها في استحباب مساواة الموقفين صريحة، فمخالفة رَسُولِ الله ﷺ في السنة الواضحة، ومؤالفة العوام الجهلة واستمالة قلوبهم بالبدعة الفاضحة، لاسيما في حضرته المنيفة وبحبوح روضته الشريفة مما يستحل على فاعلها بالطغيان ويحكم على المتمادي فيها من غير عذر بالبغي والعدوان.
وقول المتصوف إن القُرْبَ من أماكن الأعضاء الشريفة قربة، وإن الدنوَ من تلك التربة المقدسة يزيح الكربة؛ كلام مُوِّهَ ظاهره بنظارِ (١) مناظرةٍ عوراء لكن شُوِّهَ باطنه بمخالفة ماثبت من السنة الغراء.
وأخبرني فيما كتب إلي بعض أشياخ الحرم، أنه كان يرى دائماً شيوخ أهل الخير في آن من الأيام ينقصون الرمل من الروضة، وينسفونها بالمساحي، حتى لا يعلو ما حول المحراب من الرخام، محافظة على قرب مقام المأموم في العلو من الإمام، حتى إنهم بالغوا في الحفر مرة يقصدون ما ذكرنا من المساواة ويعنونه، فوجدوا في الروضة يد إنسان مكفنة مدفونة، فحملوا على أنها يد مظلوم، تظلم أو شكى، وظن بجهله أنه يكون ذلك لإشكاتِهِ أوشكا. وأخبر أن جماعة من الحكام العلماء العاملين -ممن شاهدهم وعاصرهم وساعدهم التوفيق في مثل ذلك وناصرهم- كانوا يرفعون مقام الإمام بشيء من الحصا، حتى ترتفع عصا الخلاف ممنْ أطاع ومَنْ عصى، وأن بعض الحكام في سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة أراد رفع ما انخفض (٢).
وأخرجه النسائي أيضاً.
وله أيضاً في رواية: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا وَإِيَّاكُمْ مُتَوَاعِدُونَ غَدًا أَوْ مُوَاكِلُونَ (١)» (٢).
ـ وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ إن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِقُبُورِ أهلِ الْمَدِينَةِ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ أَنْتُمْ لنا سَلَف (٣) وَنَحْنُ بِالأثَرِ» (٤).
خَرَّجَهُ الترمذي في جامعه.
ـ وروى الزبير الزبيري بسنده عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا وَقَبْرٌ يُحْفَرُ بِالْمَدِينَةِ. فَاطَّلَعَ رَجُلٌ فِي الْقَبْرِ فَقَالَ: بِئْسَ مَضْجَعُ الْمُؤْمِنيْن. فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : «بِئْسَ مَا قُلْتَ» قَالَ: إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا إِنَّمَا أَرَدْتُ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ الله. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «لا مِثْلَ ولا شبهَ لِلْقَتْلِ فِي سَبِيلِ الله مَا عَلَى الأرْضِ بُقْعَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرِي فيِهَا مِنْهَا». يُرَجِّعُها ثَلاثَ مَرَّاتٍ (٥).
ـ وعن الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ حَنْطَبٍ (٦) ﵁ قَالَ: لَمَّا مَاتَ
стр. 501
عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ﵁ وهو أولُ مَن مَاتَ بالْمَدِينَةِ من المهاجرين ـ فَلمَّا دُفِنَ أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ رَجُلاً أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ فيعلم قبرَهُ بهِ، فَأخَذَ حَجَرَاً ضَعُفَ عَن حَمْلِهِ. فَقَامَ إِلَيْهِ ﷺ فَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ حَمَلَهُ فَوَضَعَهُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَقَالَ: «أَعْلمُ (١) بِهِ قَبْرَ أَخِي وَأَدْفِنُ عنده مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» (٢).
أخرجه أبو داود، ورزين.
ـ ورواه الزبير عن إبراهيم بن قدامة عن أبيه وفي آخره: فلما توفي ابنه إبراهيم قالوا: يا رسول الله، أين نحفر له؟ قال ﷺ : عند فَرَطِنا (٣) عثمان بن مظعون (٤)
والحديث صحيح السند.
стр. 502
ـ وروي عن سعيد المَقْبُري قال: قدم مصعب بن الزبير ﵁ حاجاً أو معتمراً ومعه ابن رأس الجالوت فدخل المدينة من نحو البقيع، فلما مر بالمقبرة قال ابن رأس الجالوت: إنها لهي، قال مصعب: وما هي؟ قال: إنا نجد في كتاب الله تعالى صِفَةَ مقبرة شرقيها نخل وغربيها بيوت يبعث منها سبعون ألفاً كلهم على صورة القمر ليلة البدر، وقد طُفْتُ مقابرَ الأرض فلم أر تلك الصفة حتى رأيت هذه المقبرة (١).
ـ وفي لفظ: لما أشرف ابن رأس الجالوت على البقيع قال: هذه التي نجد في كتاب الله كَفْتَة (٢) لا أطؤها، قال: فانصرف عنها إجلالاً لها (٣).
ـ وروي عن محمد بن كعب القرظي قال: إن النَّبيَّ ﷺ قال: «من دفناه في مقبرتنا هذه شفعنا له أو شهدنا له» (٤).
-وروى ابن النجار بسنده عن أم / ٢٠٨ قيس بنت محصن أنها قالت لمولى لسعد بن زياد: لو رأيتني ورَسُولُ الله ﷺ آخذ بيدي في سكة المدينة حتى انتهى البقيع، بقيع الغرقد، فقال ﷺ : «يا أم قيس، قلت: لبيك يا رسول الله
стр. 503
وسعديك، قال ﷺ : ترينَ هذه المقبرة؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال ﷺ : يُبعثُ منها يومَ القيامَةِ سبعون ألفاً على صورة القمرِ ليلةَ البدر، يدخلون الجنةَ بغيرِ حساب» (١).
-وروى بسند له عن أبي هريرة ﵁ قال إنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: «أنا أول من تنشق عنه الأرض، فأكون أول من يبعث، فأخرج أنا وأبو بكر وعمر إلى البقيع، فيبعثون، ثم يبعث أهل مكة، فأحشر بين الحرمين» (٢)
стр. 504
-وروى الزبير بسند له عن كعب الحبر قال: نجدها في التوراة كَفتة محفوفة بالنخيل، وموكل بها ملائكة، كلما امتلأت أخذوا بأطرافها فكفؤوها في الجنة (١).
-وروي عن عيسى بن عبد الله عن أبيه قال: مَرَّ رَسُولُ الله ﷺ بموضع حمام عبيد الله بن الحسين الذي اشترى محمد بن زيد، فقدمه إلى البقيع قليلاً وقال: نعم موضع الحمام (٢).
-وروي عن خالد بن عَوْسجة قال: كنت أدعو ليلة إلى زاوية دار عقيل بن أبي طالب التي تلي باب الدار، فمر بي جعفر بن محمد ﵀ يريد العريض ومعه أهله، فقال لي: أعن أثرٍ وقفت ها هنا؟ قلت: لا، قال: هذا موقفُ رَسُولِ الله ﷺ بالليل إذ جاء يستغفر لأهل البقيع (٣).
-وروي بسند إلى النبي ﷺ أنه قال: «أبعث يوم القيامة بين أبي بكر وعمر ثم آتي البقيع فيبعث معي أهله ثم أنتظر أهل مكة حتى يأتوني فأبعث بين الحرمين أهل مكة وأهل المدينة» (٤).
-وروي بسند عن المطلب بن حَنْطب عن النبي ﷺ أنه قال: «يُحشر من
стр. 505
مَقبرة المدينة -يعني البقيع- سبعون ألفاً لا حساب عليهم، تضيء وجوهُهم غُمدَان (١) اليمن (٢)
».
-وروى الزبير بسند إلى أبي عبد الله حكام الشامي عن أبي عبد الملك أنه حدثه حديثاً يرفعه إلى النبي ﷺ قال: «مقبرتان تضيئآن لأهل السماء كما يضيء الشمس والقمر لأهل الدنيا: مقبرتنا بالبقيع -بقيع المدينة- ومقبرة بعسقلان» (٣).
وروي بسند عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُبْعثُ من هذه المقبرة واسمها كَفْتة مائةُ ألفٍ، كلهم على صورة القمرِ ليلة البدر، لا يَسترقون، ولا يرقون، ولا يتداوون، وعلى ربهم يتوكلون» (٤).
-وروينا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ /٢٠٩ قَالَ قَالَ رسول الله ﷺ : «يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأهْلِ الْبَقِيعِ، فَانْطَلِقْ مَعِي. فخرج وخرجت معه حتى أتى البقيع فاستغفر لأهله طويلاً ثم قال: لِيَهْنِكم مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ فيه، أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ بعضها بعضاً يتبع آخِرُهَا أَوَّلَهَا، الْآخِرَةُ شَرٌّ مِنَ الْأُولَى، ثم قَالَ ﷺ :
ذكرُ المشاهدِ المعروفةِ المعينةِ بالبَقيع
لا شك أن هذه المقبرة المقدسة محشوة مملوءة بالجماء الغفير من سادات الأمة من المهاجرين والأنصار، غير أن اجتناب السلف الصالح من المبالغة في تعظيم القبور وتجصيصها أفضى إلى انطماس آثار أكثرهم، فلأجل ذلك لا يعرف موضع قبر معين منهم، إلا أفراداً معدودة نشير إلى شيء منها.
فمنها: روضة في قبلي قبة عقيل بن أبي طالب ﵁، تشمل قبور أمهات المؤمنين الطاهرات أزواج سيد الكائنات وأشرف المخلوقين وأفضل البريات، سوى خديجة بنت خويلد ﵂ فإنها بمكة، وميمونة ﵂ فإنها بسَرِف، وقبورهن ﵅ في هذه الروضة غير متميزة ولا معينة شخصاً شخصاً.
ومنها روضة تحوي العَبَّاسَ بن عبد المطلب عَمّ رَسُولِ الله ﷺ ، والحسن بن علي ﵄، وعليهما قبة شامخة في الهواء، حالية الوضع (١) عالية البناء، بناها الخليفة الناصر أحمد بن المستضيء (٢).
ورأس الحسن إلى رجلي العباس ﵄، وسائر من في هذه
стр. 508
القبة من أهل البيت يأتي ذكرهم آنفاً إن شاء الله تعالى، وقبران هما مرتفعان من الأرض، متسعان، مُغَشَّيَانِ بألواح ملصقة أبدع إلصاق، مُصَفَّحَةٍ بصفائح الصُّفْر، مكوكبةٍ بمسامير، على أبدع صفة وأجمل منظر.
وعلى هذه الصفة قبر سيدنا وابن سيدنا، إبراهيم ابن رَسُولِ الله ﷺ ، وعليه قبة، وفيها شباك من جهة القبلة، وموضع تربته يعرف ببيت الحزن، يقال: إنه البيت الذي أوت إليه فاطمة ﵂ والتزمت الحزن فيه بعد وفاة أبيها، سيد المرسلين ﷺ /٢١٠، وهو مدفون إلى جنب عُثمان بن مَظعون ﵁، كما تقدم في أحاديث الفضائل آنفاً.
وورد أيضاً أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ لما احتضر أرسلت إليه عائشة ﵂ تقول له: هلم إلى أصحابك، يعني النبي ﷺ وصاحبيه أبا بكر وعمر ﵄، فقال لها: لست بمضَيِّقٍ عليك بيتك، إني كنت قد عاهدت ابن مظعون ﵁ أينا مات دفن إلى جنب صاحبه، ادفنوني إلى جانب عثمان، فدفن إلى جانبه، فيزاران معاً إذ ذاك (١).
-وورد عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان القائم يقوم عند قبر عثمان بن مظعون ﵁، فيرى بيت النبي ﷺ ليس دونه حجاب (٢).
-ومنها مشهد صفية عمة رَسُولِ الله ﷺ ، أم الزبير بن العوام ﵄، وقبرها أول ما تلقى على يسارك عند خروجك من باب البقيع، وأمام
стр. 509
هذه البرية قبر مالك بن أنس الإمام المدني، وعليه قبة صغيرة مختصرة.
-ومنها قبر فاطمة بنت رَسُولِ الله ﷺ وهو داخل قبة العباس إلى جانب ابنها الحسن ﵃، لما ورد أن الحسن بن علي ﵄ حين أحس بالموت قال: ادفنوني حيث أمي فاطمة (١). وذلك بعد أن مُنِعَ من عند جده ﷺ .
وجاء من طريق آخر أن قبرَ فَاطِمَة ﵂ في بَيتهَا الذي أدخَلهُ عُمَرُ بن عَبدِالعَزيزِ ﵁ في المسجدِ، والله أعلم (٢).
وروينا أن الشيخ العارف أبا العباس المرسي قدّس الله سره، كان إذا أراد البقيع وقف أمام قبلة قبة العباس ﵁ وسلم على فاطمة ﵂، وكان يذكر أنه كشف له عن قبرها هناك (٣). والله أعلم.
стр. 510
ولابأس أن يقول عند السلام على فاطمة ﵂: السلام عليك يا بنت سيد المرسلين، السلام عليك يا خير من ولدت البنات والبنين، السلام عليك يا أم سَيِّدَي شباب أهل الجنة أجمعين، السلام عليك يا سيدة نساء العالمين، السلام عليك يا حَليلة حامي حوزة الدين، السلام عليك يا من أجلها الله وأسماها، السلام عليك يا من فطمها عن شهوات الدنيا وبفاطمة سماها، السلام عليك يا من علا على كل طيب شذاها، السلام عليك يا من سما قدرها على كل قدر وتناهى، السلام عليك يا من قال في حقها سيد الخلق ومولاها: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا»، السلام عليك ورحمة الله وبركاته (١).
ومنها قبور السادة القادة: علي بن الحسين زين العابدين، وابنه محمد الباقر، وابنه /٢١١ جعفر بن محمد الصادق، وثلاثتهم في قبة العباس المتقدم ذكرها رضوان الله عليهم أجمعين.
ومنها قبر عقيل بن أبي طالب ﵁، وإلى جانبه قبر ابن أخيه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁، وعليهما قبة معروفة على يمينك وأنت قاصد صوب مشهد عثمان بن عفان ﵁.
ومنها روضة بقربه يقال فيها ثلاثة من أولاد النَّبيِّ ﷺ .
ومنها مشهدُ أميرِ المؤمنينَ عُثمَان بن عَفَّان ﵁ شَرقي البقيعِ، خَارجاً عن البقيعِ، في مَوضعٍ يُعرَفُ بحش كوكب، وعليه قبة سامية ابتناها
стр. 511
أسامة ابن سنان الصلاحي، أحد أمراء السلطان السعيد صلاح الدين يوسف بن أيوب، في سنة إحدى وستمائة.
ولا بأس أن يقول عند زيارته: السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا ثالث الخلفاء الراشدين، السلام عليك يا مجهز جيش العسرة عند الإعدام (١)، السلام عليك يا من سفك دمه لصلة الأرحام، السلام عليك يا شهيد الدار، السلام عليك يا صبوراً على تجرع الأكدار، السلام عليك يا من صاهر النبي على الابنتين، السلام عليك يا من هاجر في الله ورسوله الهجرتين، السلام عليك يا من اختص بجمع القرآن بين الدفتين، وطالما ختمه في ركعة أو ركعتين، وضرب رسول الله ﷺ عنه في بيعة الرضوان بإحدى يديه فكان خيراً له من بيعتين (٢)، السلام عليك ورحمة الله وبركاته.
ومنها قبر أم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وهي فاطمة بنت أسد بن هاشم ﵁ وعَنهَا، وهي في آخر المقابر شمالي قبة عثمان ﵁، في موضع يعرف بالحمام، وقد قدمنا في أحاديث الفضائل عن النبي ﷺ أنه قال: نعم موضع الحمام. وعلى قبرها مكتوب ماضمّ قبرٌ أمَّ أحد كفاطمة بنت أسد، ﵂ وعن بَنيها.
стр. 512
ومنها قبر إسماعيل بن جعفر الصادق، في مشهد كبير مبيض غربي قبة العباس ﵁، وهو ركنُ سور المدينة اليوم من جهة القبلة والمشرق، وبابه من داخل المدينة، بناه بعض ملوك مصر العبيديين، ويقال: إن هذه العرصة التي فيها هذا المشهد وما حولها من جهة الشمال إلى الباب هي كانت دار زين العابدين بن علي ابن الحسين ﵃، وبين الباب الأول وباب المشهد قبر منسوبة إلى زين العابدين ﵁، وكذلك بجانب المشهد الغربي مسجد صغير مهجور يقال: إنه مسجد زين العابدين ﵁ أيضاً.
/ ٢١٢ وروى الزبير عن حسن بن علي بن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي (١) ﵃ أنه هدم منزله في دار علي بن أبي طالب ﵁ قال فأخرجنا حجراً مكتوباً فيه: هذا قبر رملة بنت صخر، فسألنا عنه فائداً مولى عبادل فقال: هذا قبر أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄ (٢)
وروي عن محمد بن الحسن بن زبالة عن إبراهيم بن علي الرافعي قال: حفر لسالم البانكي مولى محمد بن علي قال: فأخرجوا حجراً طويلاً فإذا فيه
стр. 513
مكتوب هذا قبر أم سلمة زوج النَّبيِّ ﷺ ، وهو مقابل خوخة آل نبيه بن وهب، قال: فأهيل عليه التراب وحفر لسالم في موضع آخر (١).
وروي عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، قال: ابتاع عمر بن عبد العزيز ﵁ من زيد بن علي وأخته خديجة ﵄ دارهما بالبقيع، بألف وخمسمائة دينار، ونقضها وزادها في البقيع، فهي مقبرة آل عمر بن الخطاب ﵃، وهي الدار التي كانت لآل ضرار الثقفيين (٢).
وروي عن مالك قال: توفيت زينب بنت جحش ﵂ في زمن عمر بن الخطاب ﵁، فقال أزواج النَّبيِّ ﷺ من يدخل في قبرها؟ فقال: من كان يراها في حياتها (٣).
قال: ودفنها عمر ﵁ بالبقيع، وضرب على قبرها فسطاطاً ثلاثاً (٤).
-وعن محمد بن عبيد الله قال: قبور أزواج النَّبيِّ ﷺ من خوخة نُبَيْه إلى
стр. 514
الزقاق الذي يخرج إلى البقال مستطيرة (١).
-وروى فائد مولى عبادل قال: حدثني منقذ الحفار، أنه حفر قبراً فوجد قبراً على سبعة أذرع من خوخة نُبَيْه مشرفاً، عليه لوح مكتوب: هذا قبر فاطمة ابنة رَسُولِ اللهِ ﷺ .
وروي عنه أنه قال قبر فاطمة ابنة النَّبيِّ ﷺ مواجه الخوخة التي في دار نُبَيْه بن وهب، طريق الناس بين قبر فاطمة وبينها، قال: وأظن أن الطريق سبعة أذرع (٢).
وروي عن سعيد بن محمد بن جبير قال: رأيت قبر الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ عند فَمِّ الزقاقِ الذي بين دَارِ نُبَيْه وبين دَارِ عقيل بن أبي طالب ﵁، وقيل: دفن عند قبر أمه.
قال: ورأيت قبر إبراهيم ابن النَّبيِّ ﷺ عند الزوراء (٣).
قال عبد العزيز بن محمد وهي الدار التي صارت لمحمد بن زيد بن علي ﵃.
قال أبو عبد الله: هذا أثبت شيء في هذا.
وروي عن محمد بن موسى بن أبي عبد الله قال: كان قبر صفية بنت عبد المطلب ﵂ عند زاوية دار المغيرة بن شعبة، وكان الوضوء عليه، فلما بنى المغيرة داره وأراد أن يقيم المطمر (٤) عليه قال الزبير: لا والله لا تبني
стр. 515
على قبر أمي، فكف عنه (١).
/٢١٣ وأما المشاهد التي بظاهر المدينة وليست في البقيع فثلاثة ظاهرة فيها متعينة، منها: مشهد سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، عم رَسُولِ الله ﷺ ورضي عنه، ومعه في قبره ابن أخته عبد الله بن جحش، وعليه قبة عالية، وعمارة حسنة متقنة، وله باب مصفح بالحديد أشبه شيء بالحصون، بنته أم الخليفة الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء في سنة تسعين وخمسمائة.
وعند رِجل حمزة ﵁ قبر ظاهر يظن الدخيل أنه قبر بعض الشهداء، وليس كذلك، لكنه قبر بعض السعداء من عامة الناس أكرمه الله بهذا الجوار الكريم، وهو رجل تركي اسمه سنقر، وكان متولياً لعمارة هذا المشهد المقدس، فمات فدفن هناك.
وكذلك في صحن البقعة إلى جهة الباب قبر غير ظاهر الإشراف يكاد يندفن، وهو قبر بعض الأشراف العلويين من أمراء المدينة الشريفة فليعلم.
ومنها مقابر الشهداء شمالي مشهد حمزة ﵁ وعنهم، وقبورهم مرصوفة بالحجارة غير معينة أصحابها.
وفي الجملة فإن زيارتهم والتسليم عليهم والترضية عنهم مندوبة مستحبة، وقد ورد عن رَسُولِ الله ﷺ أنه لما انصرف من أحد، مر على مصعب بن عمير ﵁ وهو مقتول، فوقف عليه ودعا له ثم قرأ: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ (٢) الآية ثم قال: إن رَسُولَ الله ﷺ يشهد
стр. 516
أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم وسلموا عليهم، فو الذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردُّوا عليه (١)
رواه الثعلبي في التفسير.
وعن أبي إسحق ابن شعبان قال: كان رَسُولُ الله ﷺ يأتيهم كل عام يرفع صوته ويقول: ﴿سلامٌ عَليكم بما صَبَرْتُم﴾ (٢) الآية وفَعَلَهُ الثلاثة بعده، وحج معاوية ﵁ فأتاهم وفعل ذلك (٣).
стр. 517
رواه ابن الحاج في مناسكه.
وروي عن النَّبيِّ ﷺ لما بلغه أن ناساً من المسلمين احتملوا قتلاهم من أحد إلى المدينة فدفنوهم بها أنه نهاهم عن ذلك وقال: «ادفنوهم حيث صرعوا» (١).
وبظاهر المدينة مشهد مبارك، يقال إنه تربة السيد الكريم ذي النفس الزكية، محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃، قتل في أيام أبي جعفر المنصور، عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وهو شرقي جبل سَلْع (٢)، وعليه عمارة مختصرة مبنية بحجارة الحرة قصدوا أن يبنوا عليه قبة وعمارة عظيمة فلم يتفق ذلك، وهو اليوم داخل مسجد مهجور، عليه باب شبه شباك / ٢١٤ وعليه ضبة ومفتاح، وفي قبلة المسجد منهل من عين الأزرق الخارجة من المدينة، وعليه بناء مُدَرَّجٌ بدَرَج من جهة الشرق والغرب، والعين في وسطه تجري إلى مفيضها من البركة التي ينزلها الحاج عند ورودهم وصدورهم.
* * *
стр. 518
ذكر سائر المساجد التي صلى فيها النبيُّ ﷺ بالمدينة وأعراصها
ونبدأ بالمعروف المشهور من ذلك لكون الحاجة إلى معرفتها أمس، فمنها:
مسجد قباء وهو أشهرها بعد المسجد المقدس، وقد ذكرنا في باب فصل القاف من الباب الخامس (١) في ترجمة قباء ومسجدها ما فيه كفاية إن شاء الله تعالى، ولم يزل مسجد قباء على ما بناه رَسُولُ الله ﷺ إلى أن بناه عمر بن عبد العزيز على ما هو عليه اليوم عند بنائه مسجد المدينة ومساجد في المواضع التي صلى فيها النَّبيُّ ﷺ .
قال أبو غسان: قال لي غير واحد من أهل العلم: إن كل مسجد من مساجد المدينة ونواحيها مبني بالحجارة المنقوشة المطابقة فقد صلى فيها النَّبيُّ ﷺ ، وذلك أن عمر بن عبد العزيز ﵁ حين بنى مسجد المدينة سأل - والناس يومئذ متوافرون - عن المساجد التي صلى فيها النَّبيُّ ﷺ ثم بناها بالحجارة المطابقة (٢).
ولم يزل مسجد قُباء على ما بناه عمر بن عبد العزيز إلى أن شعث بتكرر الأعصار وممر السنين، وتهدم كثير منه، فجدده الجواد جمال الدين الأصفهاني
стр. 519
محمد ابن علي بن أبي منصور (١) المدفون من جانب قدم النَّبيِّ ﷺ في رباطه المعروف بإنشائه قبالة باب عثمان ﵁، المعروف بباب جبريل ﵇، وسيذكر في الأربطة مشروحاً إن شاء الله تعالى.
ومنها مسجد الجمعة، ويسمى مسجد الوادي أيضاً.
قال ابن النجار: والمسجد اسمه الغبيب (٢).
وهو مسجد على يمين السالك إلى مسجد قباء، شماليه أطم خراب، يقال له: المزدلف، أطم عتبان بن مالك، وهو في بطن الوادي، وهو مسجد صغير جداً مبني بحجارة قدر نصف القامة، وهو الذي كان يحول السَّيْلُ بينه وبين عتبان بن مالك إذا سال، لأن منازل بني سالم بن عوف كانت غربي هذا الوادي على طرف الحرة، وآثارهم باقية هناك، فسأل عتبان رَسُولَ الله ﷺ أن يصلي في بيته مكاناً يتخذه مصلى، /٢١٥ ففعل ﷺ (٣).
وقد تقدم (٤) أنه أدركت رسول الله ﷺ الجمعة في بني سالم ابن عوف، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، وادي رانونا، وكانت أول جمعة صلاها بالمدينة، القصة.
وذرعته يوم تقييدي لهذه الأحرف بعد أداء صلاة العصر فيه أنا وجماعة، فكان طوله من داخل المسجد ثلاثة وثلاثون شبراً، وعرضه ستة وعشرون شبراً
стр. 520
وشارك فتياننا بتنظيفه وكنسه وإصلاح بعض ثغوره برمم من الحجارة، تقبل الله منا ومنهم صالح الأعمال.
ومنها: مسجد الفَضيخ، بفتح الفاء وكسر الضاد المعجمة بعدها مثناة تحتية وخاء معجمة، وهذا المسجد يعرف بمسجد الشمس اليوم، وهو شرقي مسجد قباء على شفير الوادي، على نَشْزٍ (١) من الأرض، مَرْضُوم (٢) بحجارة سود، وهو مسجد صغير.
وإنما سمي بمسجد الفضيخ لأن النَّبيَّ ﷺ لما حاصر بني النضير ضرب قبته في موضع هذا المسجد وأقام بها ستاً، فجاء تحريم الخمر (٣) وأبو أيوب ﵁ في نفر من أصحاب رَسُولِ الله ﷺ في موضعه معهم راوية خمر من فضيخ (٤) أي بُسْرٍ مفضوخ فأمر أبو أيوب ﵁ بعَزْلاء الراوية (٥) ففتحت فسال الفضيخ فيه فسمي مسجد الفضيخ (٦)
стр. 521
ولا أدري لم اشتهر بمسجد الشمس ولعله لكونه واقع في شرقي مسجد قباء على مكان عال أول ما تطلع الشمس عليه، ولا يظن ظان أنه المكان الذي أعيدت الشمسُ [فيه] بعد الغروب لعلي ﵁، لأن ذلك كان إنما كان بالصَّهْبَاء من خيبر.
قال القاضي عياض في الشفاء: كان رأس النَّبيِّ ﷺ في حجر علي ﵁ وهو يوحى إليه فغربت الشمس، ولم يكن علي ﵁ صلى العصر، فقال ﷺ : أصليت يا علي؟ قال: لا، فقال: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فاردد عليه الشمس، قالت أسماء ﵂: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعدما غربت ووقعت على الجبال والأرض، وذلك (١) بالصهباء في خيبر.
صرح ابن حزم بأن الحديث موضوع، وقصة رد الشمس على علي ﵁ باطلة بإجماع العلماء، وسفه قائليه، والله أعلم.
فدعا له النَّبيُّ ﷺ فطلعت بعد غروبها. قال القاضي عياض: خرجه
стр. 522
الطحاوي في مشكل الحديث. وقال إن أحمد بن صالح كان يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء لأنه من علامات النبوة (١).
/٢١٦ قلت: فهذا المكان أجدر بتسميته بمسجد الشمس دون ما سواه، والله أعلم.
ومنها: مسجد بني قريظة، وهو مسجد شرقي مسجد الفضيخ المشتهر بمسجد الشمس، بعيد عنه، بالقرب من الحرة الشرقية، على باب حديقة تعرف الآن بحاجزة، هي وقف للفقراء بين أبيات خراب هي بعض دور بني قريظة شمالي باب الحديقة، وحوله أناس نزول من أهل العالية، وكان بناؤه مليحاً على شكل بناء مسجد قباء، وطوله نحو من خمسة وأربعين ذراعاً، وعرضه كذلك، وكان فيه أساطين وعقود ومنارة في مثل موضع منارة قباء (٢).
وقد ذرعته بنفسي فوجدت طوله ينيف على عرضه بنحو ثلاثة أذرع، وعلى يمين الداخل على منتهى الجدار أطم من الحجارة وهي أثر منارة كانت هنالك.
حكى الشيخ جمال الدين المطري عن ابن النجار قال: كان فيه نحو من ستة عشر أسطوانة، فتهدم على طول الزمان، ووقعت منارته، وأثرها اليوم باق يعرف به، وأخذت أحجاره جميعاً (٣).
قال الشيخ جمال الدين: وبقي أثره إلى العشر الأول بعد السبعمائة، فجدد وبني عليه حظير مقدار نصف قامة، وكان قد نسي، فمن ذلك التاريخ عرف مكانه.
стр. 523
قال: وكان الذي بناه عمر بن عبد العزيز ﵁ (١) [و] هو الذي بنى جميع المساجد التي صلى فيها رَسُولُ الله ﷺ .
قال الزبير بن بكار: بسند عن محمد بن عقبة بن أبي مالك قال: صلى رَسُولُ الله ﷺ في بيت امرأة من الخضر من بني قريظة، فأدخل الوليد بن عبد الملك ذلك البيت في المسجد حين بناه (٢).
وذكر ابن النجار (٣) عن علي بن رفاعة، عن أشياخ من قومه، أن النَّبيَّ ﷺ صلى في بيت امرأة من بني قريظة، فأدخل ذلك البيت في مسجد بني قريظة (٤).
ومنها: مسجد البغلة، وهو مسجد بني ظَفَر من الأوس، وهو شرقي البقيع طرف الحرة الشرقية، واشتهر بمسجد البغلة لما يذكر أن بغلة النَّبيِّ ﷺ
стр. 524
ربطت هناك وأثرت حوافرها في حجر هناك والله أعلم بصحته (١).
وذكر الزبير بن بكار بسنده أن النَّبيَّ ﷺ جلس على الحجر الذي في مسجد بني ظفر، وأن زياد بن عبيد الله أمر بقلعه، حتى جاءته مشيخة بني ظفر فأعلموه أن رَسُولَ الله ﷺ جلس عليه، فرده، فقل امرأة نَزُرَ (٢) ولدها تجلس عليه إلا حملت (٣).
وتسميه / ٢١٧ عامة الزائرين حجر الذرية لأجل ذلك، وعنده آثار في الحرة يقال إنها أثر حافر بغلة النَّبيِّ ﷺ من جهة القبلة، وفي غربيه أثر على حجر كأنه أثر مرفق يذكر أن النَّبيَّ ﷺ اتكأ عليه ووضع مرفقه عليه، وعلى حجر آخر أثر أصابع (٤).
وهذا المسجد مسجد صغير، غير مسقف، وإنما هو أربع حيطان قائمة، ومحراب صغير.
ومنها: مسجد الإجابة، وهو مسجد بني معاوية بن مالك بن النجار (٥)،
стр. 525
وروينا في صحيح مسلم بن الحجاج من حديث عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قال: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ الْعَالِيَةِ حَتَّى إِذَا مَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلاً ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْنَا فَقَالَ: «سَأَلْتُ رَبِّي ثَلاثًا. فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً. سَأَلْتُ [رَبِّي] أَنْ لا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ (١) فَأَعْطَانِيهَا. وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا. وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيها» (٢).
فلهذا سمي مسجد الإجابة.
وهذا المسجد على يسار السالك إلى قبة عثمان بن عفان ﵁ على نَشْزٍ من الأرض، وهو غير مسقف، وإنما هو أربعة جدران، ومحراب صغير، وله باب صغير، وحواليه كانت آثار قرية بني معاوية بين تلول هناك.
وعن عَتِيكٍ بن الحارث قَالَ جَاءَنَا عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ فِي بَنِي مُعَاوِيَةَ، وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الأنْصَارِ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ مِنْ مَسْجِدِكُمْ هَذَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْهُ، قال: فهَلْ تَدْرِي مَا الثَّلاثُ الَّتِي دَعَا بِهِنَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي بِهِنَّ، قُلْتُ: «دَعَا ﷺ أَنْ لا يَظْهَرَ عَلَيْهِمْ عَدُوٌ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأُعْطِيَهَا وَأن لا يُهْلِكَهُمْ بِالسِّنِينَ، فَأُعْطِيَهَا وأن لا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ، فَمُنِعَهَا»، قَالَ: عَبْدُالله بْنُ عُمَرَ ﵄: صَدَقْتَ، فَلَنْ يَزَالَ
стр. 526
الْهَرْجُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (١).
خرّجَهُ مالك في موطئه، غير أن نسخ الموطأ اختلفت في سنده اختلافاً ليس باليسير (٢).
ومنها مسجد الفتح وهو مسجد على قطعة من جبل سلع من جهة الغرب، وغربيه وادي بُطحان، وفيه عيون تجري بعضها، وبعضها لا ماء فيه، وهذا الموضع يعرف بالسيح، مصدر سَاحَ يَسيحُ سَيْحاً، ويصعد إلى هذا المسجد من درجتين طويلتين إحداهما شمالية والأخرى شرقية، وكان فيه ثلاث أسطوانات قبل هذا البناء الذي هو عليه اليوم من يوم بناه عمر بن عبد العزيز، فتهدم على ممر السنين، إلى أن جدد بناءه الأمير /٢١٨ سيف الدين الحسين بن أبي الهيجاء أحد وزراء العبيديين بمصر في سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وكذلك جدد بناء المسجدين اللذين بقربه على وجه الأرض من جهة قبلة مسجد الفتح، ويعرف الأول بمسجد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، والثاني يلي الشمال ويعرف بمسجد سلمان الفارسي ﵁، جدد بناء هذين المسجدين في سنة سبع وسبعين وخمسمائة.
стр. 527
وذكر ابن النجار أنه كان هناك مسجد رابع خراب، وقد أخذت أحجاره وتهدم، فهذا لم يبق له أثر (١).
وروي من حديث معاذ بن سعد ﵁ أن رَسُولَ الله ﷺ صلى في مسجد الفتح، وفي المساجد التي حوله، وفي مسجد القبلتين (٢).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث جَابِر ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا فِي مَسْجِدِ الْفَتْحِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الثّلاثَاءِ وَيَوْمَ الأرْبِعَاءِ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ يَوْمَ الأرْبِعَاءِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فَعُرِفَ الْبِشْرُ فِي وَجْهِهِ (٣).
وعند الزبير من حديث جَابِر ﵁ قال: «دَعَا رَسُولُ الله ﷺ فِي هذا المسجد مَسْجِدِ الْفَتْحِ يَوْمَ الاثنين وَيَوْمَ الثّلاثَاءِ وَيَوْمَ الأرْبِعَاءِ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ بَيْنَ الصَّلَاتيْنِ يَوْمَ الأرْبِعَاءِ. قَالَ جَابِرٌ ﵁: فَلَمْ يَنزلْ بِي أَمْرٌ مُهِمٌّ قط فدعوت الله تعالى بين الصلاتين يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ في تِلْكَ السَّاعَةِ إلا عرفت الإجَابَةَ» (٤).
قال بعض العلماء (٥): وذلك مجرب فيه.
وروي عن النَّبيِّ ﷺ من حديث جابر ﵁: «أن رَسُولَ الله ﷺ مَرَّ
стр. 528
بمسجد الفتح الذي على الجبل وقد حضر صلاة العصر فَرَقِيَ فصَلَّى فيه صلاة العصر» (١).
وروى هارون بن كثير عن أبيه عن جده «أن رَسُولَ الله ﷺ دعا يوم الخندق على الأحزاب في موضع الأسطوانة الوسطى من مسجد الفتح الذي على الجبل».
قد قدمنا أنه كان فيه ثلاث أسطوانات قبل هذا البناء الذي هو عليه اليوم (٢).
وأما تسميته بمسجد الفتح، فيحتمل أنه سمي به لأنه أجيبت فيه دعوة النَّبيِّ ﷺ على الأحزاب، فكان فتحاً في الإسلام. أو نزل عليه ﷺ سورة الفتح هناك، والله أعلم (٣).
وعن عمر بن الحكم بن ثَوْبَان قال: أخبرني من صلى وراء النَّبيِّ ﷺ في مسجد الفتح ثم دعا فقال: «اللهم لك الحمد هديتني من الضلالة، فلا مُكرمَ لمن أهنت، ولا مُهينَ لمن أكرمت، ولا مُعِزَّ لمن أذللت، ولا مُذِلَّ لمن
стр. 529
أعززت، ولا ناصر لمن خذلت، ولا خاذِلَ / ٢١٩ لمن نَصَرت، ولا مُعطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا رازِقَ لمن حَرَمت، ولا حارم لمن رَزَقت، ولا رافع لمن خفضت، ولا خافض لمن رفعت، ولا خارق لما سترت، ولا ساتر لما خرقت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت» (١)
فينبغي للمصلي بمسجد الفتح أن يدعو بدعاء رَسُولِ الله ﷺ هناك.
-وعن كثير عن المطلب قال: إن رَسُولَ الله ﷺ دعا في مسجد الفتح يوم الأحزاب حين ذهبت الظهر وذهبت العصر وذهبت المغرب ولم يصل منهن شيئاً ثم صلاهن جمعاً بعد المغرب (٢).
стр. 530
-وعن جعفر بن محمد عن أبيه ﵄ «أن رَسُولَ الله ﷺ دخل مسجدَ الفتح فَخَطا خطوة ثم الخطوة الثانية، ثم قام ورفع يديه إلى الله تعالى حتى رؤي بياض إبطيه - وكان ﷺ أعفر الإبطين - فدعا حتى سقط رداؤه عن ظهره، فلم يرفعه حتى دعا دعاءً كثيراً، ثم انصرف» (١).
-وعن جابر ﵁ قال «إن النَّبِيَّ ﷺ مر بمسجد الفتح الذي على الجبل وقد حضرت صلاة العصر، فرقي فصلى فيه» (٢).
-وعن معاوية بن عبد الله ﵁ قال: «إن رَسُولَ الله ﷺ صلى في المسجد الذي بأصل مسجد الفتح» (٣).
وعن جابر ﵁ قال: «إن النَّبِيَّ ﷺ صلى من وراء مسجد الفتح من نحو المغرب» (٤).