← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1172

المغانم المطابة في معالم طابة

الفيروزآبادي

Полный текст (1 351 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وادي ساية (١). ويقال له أيضاً: وادي رُهَاط. قال الفضل بن عباس (٢): تأمَّلْ خليليْ هل ترى من ظعائنٍ … بذي السَّرْح، أو وادي غُرانَ المصوِّبِ؟ جَزعْنَ غُراناً بَعْدَ ما مَتعَ الضُّحى … على كلِّ موَّارِ المِلاط، مُدَرَّبِ قال ابنُ إسحاق-في غزاة الرَّجيع (٣) -: فسلك رسول الله ﷺ على غُراب جبلٍ بناحية المدينة، على طريقه إلى الشام، ثمَّ على مَخِيض (٤)، ثمَّ على البتراء، ثمَّ صَفَق (٥) ذات اليسار، ثمَّ خرج على يَيْن، ثمَّ على صخيرات الثُّمام، ثمَّ استقام بالطَّريق على المحجَّة من طريق مكَّة، ثمَّ استبطن السَّيَالة، فأغذَّ السَّير سريعاً، حتى نزل على غُرَان، وهي منازل بني لِحْيَان. وغُرَان: وادٍ بين أَمَج وعُسْفان، إلى بلدٍ يقال له: ساية. قال الكلبيُّ: ولمَّا تفرَّقت قُضاعة من مأرِب، بعد تفرُّق الأزد انصرف ضُبيعة بن حَرام في أهله وولده وجماعةٍ من قومه، فنزل بين أمج وغُران، وهما

стр. 982

واديان يأخذان من حَرَّة بني سُلَيم، ويفرغان في البحر، فجاءهم سيل وهم نيامٌ، فذهب بأكثرهم، وارتحل من بقي منهم، فَنَزلوا حول المدينة. الغَرِدُ، بفتح أوَّله وكسر ثانيه. كلُّ (١) صائتٍ طَربِ الصَّوتِ غَرِدٌ؛ وهو جبلٌ بين ضَرِيَّةَ والرَّبَذة، [من شاطئ الجريب (٢) الأقصى لمحارب وفزارة، وقيل:] (٣) من شاطئ ذي حُسا، بأطراف ذي ظَلاَّل (٤) بِئْرُ غَرْس، تقدَّم في الباء. و وادي غَرْس: بين معدن النُّقرة وفَدَك. بَقِيعُ الغَرْقد، في الباء تقدَّم ذكره. الغِرْنِق، بكسر الغين والنون: ماءٌ بِأُبْلَى، بين مَعْدِن بني سُليمٍ والسُّوارقية، وقيل: موضعٌ بالحجاز. غُرَّة، بضَّمِّ أوَّله، وتشديد ثانيه، بلفظ غُرَّة الفَرَس، لبياضٍ يكون في جبهته، وغُرَّةُ القوم: سَيِّدُهم، وهي أيضاً: أنفسُ شيءٍ يُملك، وهو يكون العبد، والفرس والبعير، والفاضل من كلِّ شيء. وغُرَّةُ أيضاً: أُطمٌ بالمدينة لبني عمرو بن عوف، بُنِيَ مكانه منارة مسجد قباء.

стр. 983

غَزَّة، بالفتح، وبالزَّاي: موضعٌ بالمدينة مشهورٌ بغزَّة الشَّام، قال الزُّبير ابن بكَّار: كان بنو خَطْمَة متفرِّقين في آطامهم، فلما جاء الإسلام اتخذوا مسجدهم. وكان أَوَّلَ مَنْ سكن منهم رجلٌ ابتنى عند المسجد بيتاً، وكانوا يتعاهدونه كلَّ يوم، ويسألون عنه، مخافة أن يكون السَّبُع عدا عليه باللَّيل، ثمَّ كثروا في الدَّار، حتى كان يقال لها: غَزَّة، نسبةً لغزَّةِ الشَّام من كثرة أهلها. انتهى كلامه. ولعلَّه غُرَّة المتقدِّمة تصحَّف هذا من ياقوت، والله أعلم. الغَرْو، بفتح أوَّله، وسكون الرَّاء المهملة، بعدها واوٌ: موضعٌ على مقربة من المدينة. قال عروةُ بن الورد (١): عَفَتْ بَعْدَنا من أُمِّ حَسّانَ غَضْوَرُ … وفي الرَّحْل منها آيةٌ لا تَغَيَّرُ وبالغَرْوِ والغرَّاء مِنها منازلُ … وحَوْل الصَّفا مِن أهلها، مُتَدَوَّرُ ليالينا إذا جَيْبُها لَكَ ناصحُ … وإذ ريحها مِسْكٌ ذكيٌّ وعنبرُ الغُرَيَز، بالضَّم وآخره زاي، تصغير غَرْز، وهو ركاب الرَّحل، والغَرْز أيضاً: النَّخسُ بالإبرة ونحوها، أو تصغير الغَرَز مُحرَّكة، وهو نبت. وفي حديث عمر ﵁ أنَّه رأى في روثة فرسٍ شعيراً عام الرَّمادة، فقال (٢): لئن عشتُ لأجعلنَّ له من غَرَز النقيع ما يكفيه، ويغنيه عن قوت المسلمين. والغُريز: ماءٌ بحمى ضَرِيَّة من عمل المدينة، يستعذبه النَّاس لشفاههم لقلَّته.

стр. 984

غَزَال، بلفظ غزال الظِّباء: وادٍ يأتيك من ناحية شمنصير، وفيه آبار، وهو لخزاعة خاصَّة، وهم سُكَّانه (١). غَشِيَّة، بالفتح، ثم الكسر، والياء مشددة: موضعٌ بناحية معدن القَبَلية. وروي: [عَسِية] بمهملتين. ذو الغُصْن، بلفظ غُصن الشَّجر: وادٍ قريب من المدينة، تنصبُّ فيه سيول الحَرَّة، وقيل: من حَرَّة بني سُليم، يعدُّ في العقيق. قال كُثيِّرٌ (٢): لِعَزّة من أيام ذي الغُصْنِ هاجَني … بضاحي قَرارِ الرَّوضتين رسومُ الغَضَاض، بالفتح، والتَّخفيف، وضادين معجمتين: ماءٌ بينه وبين الطَّرفِ ثلاثة أميال. غَضْوَر، كجعفر، آخره راء مهملة: وهو مدينةٌ فيما بين المدينة إلى بلاد خُزاعة وكِنانة. قال عروةُ بنُ الوَرْد (٣): عَفَتْ بَعْدَنا من أُمِّ حَسَّانَ غَضْوَرُ … وفي الرَّحْلِ منها آيةٌ لا تَغَيَّرُ ذو الغَضَوَين، مُحرَّكةً، بلفظ تثنية الغَضَا: جاء ذكرهُ في حديث الهجرة. قال ابن إسحاق (٤): ثم سلك بِهما الدليل من مُجاح إلى مَرْجَح مُجَاح، ثم تبطَّن بهما مرجح، من ذي الغضوين، ويقال: من ذي العَصَوَين (٥)، بالمهملتين.

стр. 985

غَمْرَة، بالفتح، ثمَّ السُّكون، وهو ما يَغمر الشيء ويَغُمُّه، ومنه غَمْرة الحُبِّ واللَّهو، والموت، والشَّباب، وغير ذلك، وهو اسمُ موضعٍ من أعمال المدينة، على طريق نجد، أغزاه النبيُّ (١) ﷺ عُكَاشةَ بن مِحْصَن (٢). وقال نصر: غَمْرةُ: جبلٌ، يدلُّ على ذلك قول الشَّمَرْدَل بن شُريك (٣): سَقى جَدَثاً أعرافُ غمرة دونَهُ … ببيشة ديَماتُ الرَّبيع هوَاطِلُه الغُمُوض، بالضَّمِّ، وبالضَّاد المعجمة: أحدُ حصون خيبر، وهو حصنُ بني الحُقَيْق، ومنه أصاب رسول الله ﷺ صفية (٤) بنت حُيَي بن أخطب، فاصطفاها لنفسه، وقيل: الحصن قَمُوص، بالقاف والصاد المهملة، وهو أقرب إلى الصواب، والله أعلم. غَمِيْسُ، بالفتح، كأمير، والسِّين مهملة: موضعٌ بين المدينة وبدر، سلكه النبي ﷺ قال ابن إسحاق-في غزاة بدر (٥) -: مرَّ النبيُّ ﷺ على تُربان، ثمَّ على مَلَل، ثمَّ على غَميس الحمام. كذا ضبطه.

стр. 986

قال الأعشى (١): ما بكاءُ الكبير في الأطلال … بسؤالي، وما يَرُدُّ سؤالي دِمْنةٌ قَفرةٌ تَعاورَها الصَّيـ … ـفُ برِيحينِ، من صَباً وشَمالِ لات هنّا (٢) ذكرى جُبيرة أو مَن … جاء منها بطائفِ الأهوالِ حَلَّ أهلي بطنَ الغَمِيس فبادَوْ … لى وحَلَّتْ عُلويةً بالسِّخالِ الغَميم، بالفتح: الكلأ الأخضرُ تحت اليابس، والغَميمُ: المغمومُ، فَعيلٌ بمعنى مفعول. والغميمُ: موضعٌ قرب المدينة، بين رابغ والجُحفة (٣). قاله نصر. قال كُثيِّرٌ (٤): قُمْ تأمَّلْ فأنتَ أبصرُ منِّي … هل ترى بالغَميمِ من أجمالِ؟ قاضياتٍ لُبانةً من مُنَاخٍ … وطَوَافٍ، وموقفٍ بالخيالِ فسَقى اللهُ مُنتوى أُمِّ عَمْروٍ … حيثُ أمَّتْ به صدورَ الرجالِ أقطعه رسول الله ﷺ أوْفى بن موألة (٥)، وشرط عليه إطعامَ ابن السَّبيل

стр. 987

/٣٨٨ [مكرر] والمنقطع، وكتب له كتابا، في أديم أحمر. وسُمِّي بالغُميم، برجلٍ اسمه الغميم. غَيْقَةُ، بالفتح، ثمَّ السُّكون، ثمَّ قاف، وهاء. والغَاقُ من طير الماء، وغاقِ غاقِ حكايةُ أصواتٍ الغربان، فيحتمل أَنَّه سُمِّي به لكثرة أصوات الغربان هناك. قال أبو محمد الأسود: إذا أتاك غيقة في شعر هُذَيل فهو بالعين المهملة، وإذا أتاك في شعر كُثيِّرٌ فهو بالغين المعجمة (١). وهو موضعٌ في ساحل بحر الجار، قربَ المدينة، وفيه أوديةٌ، ولها شُعبتان، إحداهما: يرجع فيها، والأخرى في يَلْيَلٍ، وهو بوادي الصفراء. وقال ابنُ السِّكِّيت: غيقةُ: أحساءٌ (٢) على شاطئ البحر فوق العُذيبة. وقال غيره: هو موضعٌ بظهر حَرَّةِ النَّار، لبني ثعلبة بن سعد بن ذبيان. وقيل: غيقة مويهة عليها نخل بطرف جبل جهينة. وغَيْقَة أيضاً: سُرَّةُ (٣) وادٍ لبني ثعلبة. قال كُثيِّرٌ (٤):

стр. 988

عَفَتْ غيقةٌ من أهلها فجنوبُها … فَرَوضةُ حَسْنى قاعُها فكثيبُها منازلُ من أسماءَ لم تعفُ رسمَها … رياحُ الثُّريا خِلفَةً فضَرِيبُها خِلفة، أَيْ: ريحٌ تخلف أخرى، والضَّريب: الجليد. * * *

стр. 989

باب الفاء فارِعٌ، بالرَّاء والعين المهملتين، مثال صاحب، مِنْ: فَرَعَ: إذا علا، والفارعُ: المرتفع العالي، الحسن الهيئة، وعدَّه ابنُ الأعرابيُّ في الأضداد (١). وقال: الفارع العالي، والفارع المستفل، مِنْ: فَرَعَ: إذا صعد، وفَرَعَ: إذا نزل. وفارع: أُطُمٌ من آطام المدينة. وقال بعضهم: فارعٌ: حِصنٌ بالمدينة. قال ابن السِّكِّيت: وهو اليوم دار جعفر بن يحيى (٢). قال كُثيِّرٌ (٣): رَسا بينَ سَلْعٍ والعقيقِ وفارعٍ … إلى أُحُدٍ للمُزْن فيه غَشَامِرُ وفارعٌ أيضاً: قريةٌ بأعلى سايةَ، بِها نخلٌ كثيرٌ، وعيونٌ تجري تحت الأرض. كان رجلٌ من الأنصار قتل هشام بن صُبَابة (٤) خطأً، فقدم أخوه مِقيَس ابن

стр. 990

صبابة (١)، على النبي ﷺ مُظهراً الإسلام، وطلب دية أخيه، فأعطاه رسول الله ﷺ ، ثمَّ عدا على قاتل أخيه فقتله، ولحق بمكة فقال (٢): شفا النَّفسَ أن قد باتَ بالقاعِ مُسنداً … تُضَرِّجُ ثوبيه دماءُ الأخادعِ وكانت همومُ النَّفس من قبل قتْلهِ … تُلِمُّ فتحميني وِطاءَ المضاجعِ /٣٨٩ حَلَلْتُ به وِتْري، وأدْرَكتُ ثُؤْرَتي … وكنْتُ إلى الأوثانِ أوَّلَ راجعِ ثأرتُ به فِهْراً وحَمّلْتُ عَقْلَهُ … سَراةَ بني النَّجّارِ، أربابَ فارعِ [فَاضِجَةُ (٣)]، بكسر الضَّاد المعجمة، وفتح الجيم: أُطمٌ من آطام بني النَّضير بالمدينة. قاله ياقوت (٤). والصَّوابُ: فاضجةُ اسمُ مالٍ بالمدينة، كان فيه أُطُمٌ لبني النضير عامة (٥)، وهو اليوم خرابٌ، وفي مكانه حديقةٌ ذات نخيل تعرف بالفاضجة، وهي بالجفاف وراء العوالي. [فاضِحٌ (٦)]، بكسر الضَّاد المعجمة، بعدها حاءٌ مهملة: جبلٌ قرب رئم، وهو الوادي المعروف قرب المدينة، يصبُّ فيه وَرِقان-وقد تقدَّمَ في الراء. وفاضِحٌ أيضاً: موضعٌ قرب مكَّة عند أبي قُبيس، كان النَّاس يخرجون إليه لحاجاتهم، سُمِّي بذلك لأنَّ بني جُرْهم وقطوراء تحاربوا عنده، فافتضحت

стр. 991

قطوراء عنده يومئذ، وقتل رئيسهم السميدع (١)، فسمِّيت بذلك. وقيل: غير ذلك. وفاضحٌ أيضاً: وادٍ بالشُّرَيف، شُرَيف بني نمير، قيل لأعرابيٍّ حين رأى قومه قد جمعوا سلاحهم: أين سيفُك؟ فقال -مشيراً إلى عصاه - هذا، وأنشد (٢): فإنْ لا يكنْ سيفاً فإنَّ هِرَاوةً … مُقَطَّطةً عَجْراءَ من طَلْحِ فَاضح مُقطَّطة: مُقطَّعة. عَجْراء: ذات عُجَر (٣). [فَجُّ الرَّوْحاء (٤)]، بفتح الفاء: كان طريقَ رسول الله ﷺ لما سار من المدينة إلى بدر، وإلى مكة عام الفتح، وعام حجة الوداع. [فَحْلَان (٥)]، بلفظ تثنية الفحل: موضعٌ في جبل أحد. قال القَتَّال الكلابيُّ (٦):

стр. 992

عبدَ السَّلامِ! تأمَّلْ هل ترى ظُعُناً … إنِّي كَبِرْتُ، وأنتَ اليومَ ذو بَصَرِ لا يُبْعِدُ اللهُ فتياناً أقولُ لهمْ … بالأبرَقِ الفَرْدِ لمَّا فاتهم نَظَري: يا هل تراءى بأعلى عاسِمٍ ظُعُنٌ … نكَّبْنَ فَحْلَين، واستقبلْنَ ذا بقَرِ صَلَّى على عَمْرَةَ الرَّحمنُ وابنَتِهَا … ليلى، وصلَّى على جاراتها الأُخَرِ هُنَّ الحرائرُ، لا رَبَّات أحمِرَةٍ … سُودِ المحاجرِ، لا يَقرأنَ بالسُّوَرِ [الفَحْلَتان] (١): قُنَّتان مرتفعتان، على يوم من المدينة، تحتها صحراء، ولها ذكر في غزاة زيد بن حارثة (٢) إلى بني جُذام. قدم رفاعة بن زيد إلى رسول الله ﷺ فشكا ما صنع بهم زيد بن حارثة، وكان رفاعة بن زيد (٣) قد أسلم، ورجع إلى قومه فأنفذ رسول الله ﷺ إلى زيد، وينْزع ما في يده ويد أصحابه، ويردَّه إلى أربابه، فسار إلى القوم /٣٩٠ فلقي الجيش بفيفاء الفحلتين، فأخذ ما في أيديهم، حتى كانوا ينزعون لَبِيدَ الرَّجل من تحت المرأة (٤). فَدَكُ، بفتح الفَاء والدَّالِ المُهملة، بعدها كافٌ: قريةٌ على يومين من المدينة، أفاءها (٥) الله على رسوله في سنة سبعٍ صُلْحاً، وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ لما

стр. 993

نزل خيبر، وفتح حصونها، ولم يبق إلا ثلاث، فاشتدَّ بهم الحصار، راسلوا رسول الله ﷺ يسألونه أن يُنْزلهم على الجَلاء وفعل، وبلغ ذلك أهل فدك، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ وسألوه أنْ يُصالحهم على النِّصف من ثمارهم وأموالهم، فأجابهم إلى ذلك، فهي ممَّا لم يُوْجَفْ (١) عليه بِخَيْل ولا ركاب، وكانت خالصةً لرسول الله ﷺ ، وفيها عينٌ فَوَّارة، ونخيلٌ كثيرة. وهي التي قالت فاطمة ﵂: إنَّ رسول الله ﷺ نَحَلْنِيها (٢)، فقال أبو بكر ﵁: أريد بذلك شهوداً. فشهد لها عليُّ بن أبي طالب ﵁، فطلب شاهداً آخر، فشهدتْ لها أُمُّ أيمن (٣) مولاةُ النبيِّ ﷺ ، فقال: قد علمتِ يا بنتَ رسول الله أنَّه لا يجوز إلا شهادة رجل و (٤) امرأتين. فانصرفت (٥). ثمَّ أدَّى اجتهاد عمر بن الخطاب ﵁ بعده لما وُلي الخلافة، وفُتحت الفتوح، واتَّسعت على المسلمين، أن يردّها إلى ورثة رسول الله ﷺ ، وكان عليُّ بن أبي طالب، والعَّباس بن عبد المطلب ﵄ يتنازعان فيها، وكان عليٌّ ﵁ يقول: إنَّ النبيَّ ﷺ جعلها في حياته لفاطمةَ ﵂، وكان العباس ﵁، يأبى ذلك ويقول:

стр. 994

هي ملكٌ لرسول الله ﷺ ، وأنا وارثه. فكانا يختصمان إلى عمر ﵁، فيأبى أن يحكم بينهما، ويقول: أنتما أعرف بشأنكما، وأما أنا فقد سلّمتها إليكما فافتصلا، فما (١) يؤتى واحدٌ منكما من قلَّة معرفة. فلمَّا ولي عمر بن عبد العزيز (٢) ﵁ الخلافة، كتب إلى عامله بالمدينة، يأمره بردِّ فَدَك إلى ولد فاطمة ﵂، فكانت في أيديهم أيام عمر بن عبد العزيز، فلمَّا ولي يزيد بن عبد الملك (٣) قبضها، فلم تزل في أيدي بني أمية، حتى ولي أبو العباس السَّفَّاح (٤) الخلافة، فدفعها إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان هو القَيِّمَ عليها يُفَرِّقُها في ولد عليِّ بن أبي طالب، فلمَّا ولي المنصور، وخرج عليه بنو حسن قبضها عنهم. فلمَّا ولي المهدي بن المنصور الخلافة، أعادها عليهم، ثمَّ قبضها موسى الهادي (٥) ومَنْ بعده إلى أيام

стр. 995

المأمون (١)، فجاءه رسولُ بني عليٍّ، فطالب بها، فأمر أن يسجل لهم بها، فكُتب السِّجِّل (٢)، وقرئ على المأمون، فقام دعْبلٌ (٣) وأنشد: /٣٩١ أصبحَ وجهُ الزَّمانِ قد ضَحِكا … برَدِّ مأمون هاشمٍ فَدَكا قال ياقوتٌ (٤): وفي فَدَك اختلافٌ كثير في أمرها بعد النبي ﷺ وأبي بكر وآل رسول الله ﷺ ، ومن رواة خبرها، بحسب الأهواء، وطلب المراء، وأصحُّ ما ورد عندي في ذلك ما ذكره أحمد بن جابر البلاذريُّ في كتاب (الفتوح) (٥) له، فإنَّه قال: بعث رسول الله ﷺ مُنصرفَه من خيبر إلى أرض فَدَك محيصة بن مسعود (٦)، ورئيسُ فدك يومئذ يوشعُ بن نون اليهوديّ، يدعوهم إلى الإسلام، فوجدهم مرعوبين خائفين لما بلغهم من أخذ خيبر، فصالحوهم على نصف الأرض، فقبل ذلك منهم وأمضاه رسول الله ﷺ ، وصار خالصاً له، لأنَّه لم يُوجف عليه بخيلٍ ولا ركاب، وكان يصرف ما يأتيه منها في أبناء السبيل، ولم

стр. 996

يزل أهلها بها حتى أجلى عمر ﵁ اليهودَ، فوجَّه إليهم مَنْ قَوَّمَ نصف التربة بقيمة عدل، فدفعها إلى اليهود، وأجلاهم إلى الشَّام. وكان لما قُبض رسول الله ﷺ قالت فاطمة لأبي بكر ﵄: نَحَلْنِيها رسول الله ﷺ ، ولم تجد لذلك شاهدين-كما تقدَّم-. وروي عن أمِّ هانئٍ (١) أنَّ فاطمة أتت أبا بكر ﵃، فقالت له: مَنْ يرثكَ؟ فقال: ولدي وأهلي. فقالت: فما بالك ورثت رسول الله ﷺ دوننا؟! فقال: يا بنت رسول الله، ما ورثت ذهباً ولا فضة ولا كذا ولا كذا. فقالت: سهمنَا بخيبر، وصدَقَتنا بفَدَك. فقال: يا بنت رسول الله، سمعت رسول الله ﷺ يقول (٢): «إنَّما هي طُعمةٌ أطعمنيها الله تعالى حياتي، فإذا متُّ فهي بين المسلمين». وعن عروة بن الزَّبير ﵁ قال: إنَّ أزواج رسول الله ﷺ أرسلن عثمان بن عفان إلى أبي بكر ﵄، يسألن ميراثهنَّ من سهم رسول الله ﷺ فقال [أبو بكر] (٣) ﵁: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «نحن معاشرَ الأنبياء لا نُورث، ما تركناه صدقة، إنَّما هذا المال لآل محمدٍ

стр. 997

لنائبتهم وضيفهم، فإذا متُّ فهو إلى والي الأمر بعدي» (١) فأمسكن. فلمَّا ولي عمر بن عبد العزيز ﵁ خطب النَّاسَ وقصَّ قصَّةَ فَدَك، وخلوصها لرسول الله ﷺ ، وأنَّه كان ينفق منها، ويضع فضلها في أبناء السبيل، وأنه ﷺ لما قُبِض فعل أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. فلمَّا ولي معاويةُ ﵁ أقطعها مروان بن الحكم، وإنَّ مروان وهبها لعبد العزيز (٢) ولعبد الملك ابنيه، ثمَّ إنَّها صارت لي، وللوليد وسليمان، وأنَّه لما ولي الوليد/٣٩٢ سألتُه حصَّتَه فوهبها لي، وسألتُ سليمان حصَّته فوهبها لي أيضاً فاستجمعتها، وأنه ما كان لي مال أحبَّ إليَّ منها، وإني أشهدكم أني رددتُها على ما كانت عليه في أيام النبيِّ ﷺ وأبي بكر، وعمر وعثمان وعلي ﵃. فكان يأخذ مالها هو ومن بعده فيخرجه في أبناء السبيل. فلما كانت سنة عشرين ومائتين، أمر المأمون بدفعها إلى ولد فاطمة ﵃، وكتب إلى قُثَم بن جعفر (٣) عامله بالمدينة: أنَّه كان رسول الله ﷺ أعطى ابنته فاطمة ﵂ فدك، وتصدَّق بِها عليها، وأنَّ ذلك كان أمراً ظاهراً معروفاً عند آله ﵈، ثمَّ لم تزل فاطمة ﵂ تدَّعي منها بما هي أولى، وأنَّه قد رأى ردَّها إلى ورثتها وتسليمها إلى

стр. 998

محمد (١) بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ليقوم بِها لأهلها، فلما استُخلف جعفر المتوكِّل (٢) ردَّها إلى ما كانت عليه في عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز ومَنْ بعده من الخلفاء ﵃. واشتقاقُ فَدَك مِنْ: فدَّكتُ القُطن تفديكاً: إذا نفشتَه، أو لأنَّه نزلها فدك بن حام، أوَّلُ مَنْ نزل، فسمَّيت به. قال زهير (٣): لئنْ حللتَ بِجَوٍّ في بني أسدٍ … في دِيْنِ عمرو، وحالَتْ بيننا فَدَكُ ليأتينَّكَ مني مَنْطِقٌ قَذِعٌ … باقٍ كما دَنَّسَ القُبطِيَّةَ الوَدَكُ الفُرَاء، بالرَّاء والمدِّ، كَغُراب: جبلٌ عند باب المدينة قربَ خَاخٍ، وثنية الشَّريد. الفُرْس، بضمِّ الفاء وقيل: بكسرها، والسين مهملة: وادٍ بين المدينة وديار طيء على طريق خيبر (٤) بين ضرغد وأَوْل.

стр. 999

الفُرْع، بضمِّ أوَّله، وسكون ثانيه وآخره عين مهملة، وقال السُّهيليُّ (١): هي بضمتين. وهو جمعٌ إمَّا للفَرْع، مثل: سَقْفٍ وسُقْف، وهو المال الطائل المُعَدُّ. وإمَّا جمع الفارع، مثل: بازل وبُزل، وهو العالي الحسن من كلِّ شيء. وإمَّا جمع فَرَع، محرَّكةً، كفَلَك وفُلْك، كانت الجاهلية إذا تمَّت إبلُ أحدهم مائة قدَّم منها بَكراً فنحره لصنمه، فذلك الفُرع. والفُرع أيضاً: طول الشَّعر. والفُرعُ: قريةٌ من نواحي الرَّبذة عن يسار السُّقيا، بينها وبين المدينة ثمانية بُرُد (٢)، على طريق مكة، وبِها منبرٌ ونخلٌ ومياهٌ كثيرة، وهي قريةٌ غنَّاءُ كبيرةٌ، وأجلُّ عيونها عينان غزيرتان، إحداهما الرَّبَضُ، والأخرى النَّجَف تسقيان عشرين ألف نخلة. وبين الفُرع والمُرَيسيع ساعةٌ من نهار. وهي كالكُورة، وفيها عدة /٣٩٣ قُرى ومنابر ومساجد للنبي ﷺ . قال ابنُ الفقيه: فأمَّا أعراض المدينة فأضخمُها الفرع، وبه منْزل الوالي، وفيه مسجد صلى فيه النبي ﷺ . قال السُّهيليُّ (٣): يُقال: هي أوَّلُ قريةٍ مارت إسماعيلَ وأُمَّهَ التمر بمكَّة. وروى الزُّبير أنَّ رسول الله ﷺ نزل الأكمة من الفُرع فقال في مسجدها الأعلى، ونام فيه، ثمَّ راح، فصلَّى الظهر في المسجد الأسفل من الأكمة، ثمَّ استقبل الفُرع فبرَّكَ فيها.

стр. 1000

وكان عبد الله بن عمر (١) ﵄ ينزل المسجد الأعلى فيقيل فيه، فيأتيه بعض نساء أسلم بالفراش، فيقول: لا، حتى أضع جَنبي حيث وضع رسول الله ﷺ جنبه، وأن سالم بن عبد الله (٢) ﵄، كان يفعل ذلك. فُرَيْقات، على جمع تصغير فِرقة: اسم موضعٍ بعقيق (٣) المدينة. قالوا: وإياها عنى كُثيِّرٌ حيث يقول (٤): ألا ليتَ شِعري هل تَغَيَّرَ بعدنا … أراكٌ بقُصْوَى فرقةٍ، وتُنَاضِبُ؟ وتناضب: ذُكِرَ في التاء. الفَضاء، بفتح الفاء والضاد المعجمة، وبالمدِّ، وقال الصَّاغانيُّ (٥): بالقصر: موضعٌ بالمدينة. فَعْرَى، بسكون العين المهملة، كَسَكْرى، وقيل: بكسر الفاء: وهو جبلٌ

стр. 1001

يصبُّ في وادي الصفراء. وقال (١) في موضعٍ آخر: فِعْرَى جبلٌ تصبُّ شِعابه في غَيقةَ. قال كُثيِّرٌ (٢): وأتْبَعْتُها عَينيَّ حتى رأيتُها … ألمَّتْ بفِعْرَى، والقَنانُ تزورُها القَنَان: جبلٌ فيه ماءٌ يدعى العُسَيلة، وهو لبني أسد. الفَغْوَة، بسكون الغين المعجمة: قريةٌ في لِحْفِ (٣) جبل آرة، بين مكَّة والمدينة، وإلى المدينة أقرب. وآرة تقدَّم ذكرها. الفَقير، ضدُّ الغنيِّ: اسمٌ لموضعين قرب المدينة، يقال لهما: الفقيران. وعن جعفر بن محمد الصادق ﵄ قال (٤): إنَّ النبيَّ ﷺ أقطع عَلِيّاً ﵁، أربع أرضين: الفقيرين، وبئر قيس، والشجرة. وأقطعه عمر ﵁ ينبع، وأضاف إليها غيرها. وقيل: الفقيرُ: اسمُ بئر بعينها. وقال الأديبيُّ (٥): الفقيرُ: رَكِيٌّ (٦) بعينه، وقيل: مفازة (٧). قال (٨):

стр. 1002

/٣٩٤ ما ليلةُ الفقيرِ إلا شَيطانْ … مجنونةٌ، تُؤذي قرِيحَ الأسنانْ لأنَّ السير فيها مُتْعِبٌ. فُقَير، مثال زُبير: موضعٌ قرب خيبر. فِلَاج، ككتاب، آخره جيم، جمع فِلْج بالكسر، كقِدْح وقِدَاح، أو جمع فَلْج بالفتح، كزَنْدٍ وزِنَاد (١): وهي رياضٌ بنواحي المدينة، جامعةٌ للناس أيام الربيع، وبِها مَسَاكٌ (٢) كبيرٌ تجتمع فيه مياه المطر، ويكتفون به صيفهم وربيعهم إذا مُطِروا، وليس بِها آبار ولا عيون، منها غديرٌ يقال له: المختَبي (٣)، لأنَّه بين عِضاهٍ وسَلَم وسِدْرٍ وخِلَاف (٤)، وإنَّما يُؤتى من طرفه دون جنبيه؛ لأنَّ له حرفين لا يُقدر عليه من جهتهما، وإياهما عنى أبو وجزةَ (٥) بقوله: إذا تربَّعْتَ ما بين الشُّرَيقِ إلى … روضِ الفِلاجِ أُولاتِ السَّرْح والعُبَبِ واحتلَّتِ الجوَّ، فالأجراعَ من مَرَخٍ … فما لها من مُلاقاةٍ ولا طلبِ مَرَخ: وادٍ بين فَدَك والوابشية.

стр. 1003

فَلْجَة، بالفتح، وسكون اللام، وفتح الجيم: موضعٌ بعقيق المدينة بعد الصُّوَير. وفَلْجَة أيضاً: منْزلٌ على طريق مكَّة من البصرة، لبني البكاء، وقيل: بعد (١) الزُّجَيج (٢)، وماؤه مِلْح. فُلَيج، كَزُبير، تصغير فَلْج، أو فَلَج: من العيون التي تجتمع فيها فيوض أودية المدينة، وهي: العقيق، وقناة، وبُطحان، قال هلال بن الأشعر المازني (٣): أقولُ وقد جاوزتُ نُقمى وناقتي … تحنُّ إلى جَنْبَيْ فُليجٍ مع الفجرِ سَقى الله يا ناقُ البلادَ التي بِها … هواكِ وإنْ عَنّا نأتْ سُبلُ القطرِ وقال سعد بن ناشب المازني (٤): تغَيَّرَتِ المعارفُ من فُليجٍ … إلى وَقْبَانَ بعدَ بني عياضِ هُمُ جَبلٌ تليدٌ (٥) به الأعادي … ونابٌ لا يُفَلُّ من الغماضِ

стр. 1004

كأنَّ الدَّهرَ من أسفٍ سليمٌ … أصمُّ حين يَسؤر وهو قاضي فَنْدٌ، بالفتح، وسكون النُّون، ودالٍ مهملة: اسم جبلٍ بعينه بين المدينة ومكة. فَنِيق: بالفتح وكسر النون ثمَّ ياء مُثنَّاة تحتيةٍ وقاف، وأصلُ معناه الجملُ الفحل: اسمُ موضعٍ قرب المدينة. الفُوَيْرع: أُطمٌ من آطام المدينة، لبني غَنْم بن مالك. /٣٩٥ فَيْفاءُ الخَبار، بالعقيق. ذكرناه في الخاء. * * *

стр. 1005

باب القاف القَائم، كصاحب: مالٌ كان بالمدينة لبعض بني أُنيف (١). القَارُ: قريةٌ من قرى المدينة الشريفة. قاله الصَّاغاني في (العباب) (٢). القَاحَةُ، بفتح الحاء المهملة بعدها هاءٌ بمعنى الباحة، وقَاحَةُ الدَّار وباحتُها: وسطها، وهي اسمُ مدينةٍ على ثلاث مراحل من المدينة قبل السُّقيا بنحو ميلٍ. قال عرَّام (٣): وفي ثافل الأصغر -وهو جبلٌ- (٤): في جوفه دوَّار يقال له: القاحة، وفيها بئران عذبتان غزيرتان. وروي بالفاء وبالجيم. وفي حديث الهجرة (٥): القاحة والفاجة، والقاف أشهر وأكثر. القاعُ: ما انبسط من الأرض الحُرَّةِ (٦) السَّهلة الطين، وهي مستويةٌ ليس بِها احديدابٌ ولا تطامن (٧)، وهي بالمدينة الشريفة أُطُمٌ من آطامها يقال له:

стр. 1006

أُطم البلويين، وعنده بئرٌ تعرف ببئر عذق (١). وقاعٌ أيضاً: منْزلٌ (٢) بطريق مكة قِبلَ العَقَبة لمَنْ يتوجَّه إلى مكَّة. وموضعٌ آخرُ في ديار سُليم. وموضعٌ باليمامة. قال يحيى بن طالب (٣): أيا أثلاتَ القاعِ من بطن تُوضِحٍ … حنيني إلى أظلالكنَّ طويلُ قباء، بالضَّمِّ والقصر، وقد يُمدُّ، وأنكر البكريُّ القصر (٤)، ولم يحك القاليُّ (٥) سوى المدِّ. وقال الخليل (٦): هو مقصورٌ: قريةٌ قبلي المدينة.

стр. 1007

[وقال] (١) ابن جبير (٢): كانت مدينةً كبيرةً متصلة بالمدينة المقدَّسة، والطريقُ إليها من حدائق النخل. قلتُ: وهي في الأصل اسمُ بئرٍ هناك عُرفت القرية بها. وهي مساكنُ بني عمرو بن عوف من الأنصار. وألفه واوٌ، ويُمنَع ويُصَرف، ومَنْ قصر كأنه جعله جمعَ قَبْوة، وهو الضَّمُّ والجمُع في لغة أهل المدينة، وقد قَبَوْتَ الحرف: إذا ضممتَه، ومنه القباء من الثياب، والقَبْوَةُ: انضمامُ ما بين الشَّفتين. قال النُّحاةُ: لم تُجمع فَعْلة على فُعَل مما لامه حرف علة إلا بَرْوَةٌ وبُرَى التي تجعل في أنف البعير، وقرية وقرى، وكَوَّة وكوى، وقَبْوة وقباء - فيما ذكره ياقوت (٣). وهي على ميلين من المدينة على يسار القاصد مكة بها أثر بنيان كثير. وهناك المسجد الذي أُسس على التَّقوى، وهو مسجد مربَّع مستوي الطول والعرض، وفيه مئذنةٌ طويلة بيضاء تظهر على بُعد، وفي وسط المسجد مَبْرَك الناقة /٣٩٦ بالنبي ﷺ ، وعليه حظيرةٌ قصيرةٌ شبهُ روضةٍ صغيرة يُتبَّرك بالصلاة فيه، وفي صحنه مما يلي القِبلة شبهُ مِحراب على مصطبة، هو أولُ موضع ركع فيه النبي ﷺ ، وفي قبلته محاريب. قاله ابن جبير (٤).

стр. 1008

وكان عبد الله بن عمر ﵄ إذا دخله صلى إلى الأسطوانة المخلَّقة، وكان ذلك مصلى رسول الله ﷺ . وله باب من جهة الغرب، وهو سبع بلاطات في الطول ومثلها في العرض، وفي قبلة المسجد دار بني النَّجَّار، وهي دار أبي أيوب الأنصاريُّ (١) ﵁، وفي الغرب من المسجد رحبةٌ فيها بئر. وهي منبع عين الأزرق التي تُسمِّيها العامَّةُ العينَ الزَّرقاء، وعليها حديقة أنيقة. وإلى جانبها على مقدار رمية بحجر بئرُ أريس التي تفل فيها النبي ﷺ فَعَذُبَتْ بعد أن كان ماؤها أُجاجاً، وفيها وقع خاتمه ﷺ من يد عثمان ﵁، والحديث مشهور (٢). وبإزائها دار عمر، ودار فاطمة، ودار أبي بكر ﵃. قال ابن جبير: وفي آخر قرية قباء: تَلٌّ مُشرفٌ يُعرف بعرفات يدخل إليه على دار الصُّفَّة حيث كان عمار وسلمان وأصحابهما المعروفون بأهل الصُّفَّة، وسُمِّي ذلك التَّلُ عرفات؛ لأنَّه كان موقفَ النبي ﷺ يوم عرفة، ومنه زويت له

стр. 1009

الأرض فأبصر الناس بعرفات (١). قاله أبو الحسين محمد بن أبي جعفر الكناني البلنسي الأديب في (رحلته). قال البشاريُّ (٢): وبِقباء مسجدُ الضِّرار يتطوَّع العوامُّ بهدمه. قال أحمد بن جابر (٣): كان المتقدِّمون في الهجرة من أصحاب رسول الله ﷺ ومَنْ نزلوا عليه من الأنصار بنوا بِقباء مسجداً يصلُّون فيه الصَّلاة سَنةً إلى بيت المقدس، فلمَّا هاجر رسول الله ﷺ ، وورد قباء صلى بِهم فيه وأهل قباء يقولون: هو المسجد الذي أُسس على التَّقوى من أوَّل يوم. قلتُ: اختلافُ المفسرين مشهورٌ في ذلك. وقال السُّهيليُّ (٤): هذا المسجد أوَّلُ مسجدٍ بني في الإسلام، وفي أهله نزلت ﴿فيه رجالٌ يحبُّون أَنْ يتطَهَّروا﴾ (٥) فهو على هذا المسجدُ الذي أُسِّس على التقوى، وإِنْ كان قد رُوي عن أبي سعيد الخدريِّ (٦) ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ سُئل عن المسجد الذي أُسِّس على التَّقوى فقال (٧): «هو مسجدي هذا».

стр. 1010

وفي روايةٍ أخرى قال (١): «وفي الآخر خيرٌ كثير». وقد قال ﷺ لبني عمرو بن عوف حين نزلت: ﴿لمسجدٌ أُسِّسَ على التقوى (٢)﴾: «ما الطُّهور الذي أثنى الله به عليكم؟». فذكروا له الاستنجاء بالماء، بعد /٣٩٧ الاستجمار بالحجارة. فقال: «هوذاكم فعليكموه» (٣). وليس بين الحديثين تعارضٌ، كلاهما أُسس على التَّقوى. غير أن قوله تعالى: ﴿من أوَّل يوم﴾ يقتضي مسجد قباء؛ لأنَّ تأسيسه كان في أول يوم من حلول رسول الله ﷺ دارَ هجرته والبلد الذي هو مهاجره، وفي قوله سبحانه: ﴿من أوَّل يوم﴾ وقد علم أنَّه ليس أول الأيام كلها، ولا أضافه إلى شيء من اللفظ الظاهر، فيه من الفقه صحَّةُ ما اتفَّق عليه الصَّحابة مع عمر ﵁، حين شاورهم في التَّاريخ، فاتفَّقَ رأيُهم أن يكونَ التَّاريخ من عام الهجرة؛ لأنَّه الوقت الذي عزَّ فيه الإسلام، والحين الذي أمن فيه النبي ﷺ وأسس المساجد، وعَبَدَ الله آمناً كما يحب، فوافق رأيهم هذا ظاهر التَّنْزيل، وفهمنا الآن بفعلهم أنَّ قوله سبحانه: ﴿من أوَّلِ يومٍ﴾ أنَّ ذلك اليوم هو أوَّلُ يوم التاريخ الذي يُؤرَّخ به الآن، فإنْ كان أصحاب رسول الله ﷺ أخذوا هذا من الآية فهو الظنُّ بِهم وبأفهامهم؛ لأنَّهم أَعلمُ النَّاس بتأويل كتاب الله وأفهمهم بما في القرآن من إشارات إفصاح، وإنْ كان ذلك منهم عن رأي واجتهاد فقد علم الله ذلك منهم قبل أنْ يكونوا، وأشار إلى صحته قبل أن يفعل، إذ لا يعقل قول

стр. 1011

القائل: فعلْتُه أول يوم إلا بإضافةٍ إلى عام معلوم، أو شهر معلوم، أو تاريخ معلوم، وليس هاهنا إضافة في المعنى إلا إلى هذا التاريخ المعلوم، لعدم القرائن الدَّالة على غيره من قرينة لفظ أو قرينة حال، فتدَّبْره ففيه مُعْتَبرٌ لمن ادَّكر، وعلْمٌ لمن رأى بعين فؤاده واستبصر، والحمد لله. وليس يُحتاج في قوله: ﴿من أوَّل يوم﴾ إلى إضمارٍ، كما قدَّره بعض النُّحاة: من تأسيس أول يومٍ، فراراً من دخول (مِنْ) على الزَّمان. ولو لُفظ بالتَّأسيس لكان معناه: من وقت تأسيس أوَّل يوم. فإضماره للتأسيس لا يفيد شيئاً. و (مِنْ) تدخل على الزمن وغيره، ففي التَّنْزيل: ﴿من قبلُ ومن بعدُ﴾ (١) والقَبْل والبَعْدُ زمان. وفي الحديث (٢): «ما من دابَّةٍ إلا وهي مُصيخةٌ يوم الجمعة من حين تطلعُ الشَّمس إلى أنْ تَغْرُبَ». قال النابغة (٣): تُورِّثْنَ من أزمانِ يومِ حليمةٍ … إلى اليوم، قد جُرِّبْنَ كل التَّجارِبِ وبين (مِنْ) الداخلة على الزمان، وبين (منذ) فرق بديع. انتهى (٤). عن عاصم بن سويد (٥) عن أبيه قال: كان مسجد قباء على سبع أساطين،

стр. 1012

وكانت له درجة لها قُبَّة يؤذَّن فيها يقال لها: النعامة، حتى زاد فيه الوليد بن عبدالملك. وعن ابن عمر ﵄ قال: إنَّ النبي ﷺ /٣٩٨ صلَّى في مسجد قباء إلى الأسطوانة الثَّالثة في الرَّحبة. إذا دخلتَ من الباب الذي بفناء دار سعد بن خيثمة (١). ودارُ سعد هذه أحد الدور التي قِبل مسجد قباء يدخلها النَّاسُ للزِّيارة والتَّبرُّك. وهناك أيضاً دار كلثوم بن الهدم (٢). وفي تلك العَرْصة كان رسول الله ﷺ نازلاً قبل خروجه إلى المدينة، وكذلك أهله وأهل أبي بكر ﵃، حين قدم بِهم عليُّ بن أبي طالب ﵁، بعد خروج رسول الله ﷺ من مكة وهنَّ: سَوْدة بنت زمعة (٣)،

стр. 1013

وعائشة (١) وأمُّها أمُّ رومان (٢)، وأختها أسماءُ (٣) وهي حامل بعبد الله بن الزُّبير (٤) ﵃، فولدته بِقباء قبل نزولهم إلى المدينة، وكان أوَّل مولودٍ ولد من المهاجرين بالمدينة، والمنازل المذكورة اليوم خَرابٌ ليس بِها إلا حيطان مكتومة، وآثار بنيان متهدِّمة، تُزار معاهدها، ويتبرَّك بمواقعها ومعاقدها. وأقام رسول الله ﷺ لما هاجر بِقباء يوم الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وركب يوم الجمعة يريد المدينة، فجمَّعَ في مسجد بني سالم ابن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج (٥)، فكانت أوَّل جُمعةٍ جُمِّعتْ في الإسلام. وقد جاء في فضل مسجد قباء أحاديث عدة. منها ما رواه الشَّيخان في

стр. 1014

(صحيحيهما) عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يزور قباء راكباً، وماشياً، فيصلي فيه ركعتين (١). وفي روايةٍ (٢) أنه كان يأتي مسجد قباء كل سبت ماشياً وراكباً. وكان عبد الله ﵁ يفعله. وفي روايةٍ أن ابن عمر ﵄ كان يأتي قباء كلَّ سبت. وفي لفظٍ: كان يأتيه راكباً وماشياً. وعند النَّسائيِّ عن سهل بن حُنيف ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من خرج حتى يأتي هذا المسجد مسجد قباء فيصلي فيه، فإن له كعدل عمرة» (٣) وعند الترمذيِّ، عن أُسيد بن ظُهير ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: «الصلاة في مسجد قباء كعمرة» (٤). وذكر ابن هشام (٥) أن رسول الله ﷺ أسس مسجد قباء لبني عمرو بن عوف، ثمَّ انتقل إلى المدينة. قلتُ: ذكر بعضُ العلماء أنَّ الموضع الذي بني فيه منارة المسجد بقباء

стр. 1015

كان أُطُماً لبني عمرو بن عوف وكان يدعى عزة، فهدم وبني منارة المسجد مكانه. وروى الزُّبير عن سعيد (١) بن عمرو بن سليم الزُّرقي قال: كان رسول الله ﷺ يركب حماراً له ويمشي حوله الصحابة ﵃ ويأتي مسجد قباء كلَّ سبت. /٣٩٩ وعن زيد بن أسلم (٢) ﵁ قال: الحمد لله الذي قرَّبَ منا مسجد قباء، ولو كان بأفق من الآفاق لضربنا إليه أكباد الإبل. وعن ابن عمر ﵄: لو يعلم الناس ما في مسجد قباء لضربوا إليه أكباد الإبل. وعن عمر بن الخطاب ﵁ (٣): لو كان مسجد قباء بأفق من آفاق الأرض لضربنا إليه أكباد الإبل. وعن شيخٍ من أهل قباء قال: أتانا عمر بن الخطاب ﵁ بقباء فقال لخياط بِسُدَّةِ الباب: انطلقْ فأتني بجريدةٍ، وإياك والعَواهنَ (٤). قال: فأتاه بجريدةٍ فقشرها وترك لها رأساً، وجعل يضرب به قبلة المسجد حتى نَفضَ عنه

стр. 1016

الغبار، وقال: لو كنتَ بأفقٍ من الآفاق لضربنا إليك أكباد الإبل. وذكر ابن أبي خيثمة (١) أن رسول الله ﷺ حين أسسه كان هو أوَّلَ [مَنْ] وضع حجراً في قِبلته، ثمَّ جاء أبو بكر ﵁ بحجر فوضعه، ثمَّ جاء عمر ﵁ بحجرٍ فوضعه ثمَّ إلى حجر أبي بكر ﵁، ثمَّ أخذ النَّاس في البنيان. وروى الخطابيُّ (٢) عن الشَّموس بنت النعمان (٣) قالت: كان رسول الله ﷺ حين بنى مسجد قباء يأتي بالحجر قد صَهَره إلى بطنه فيضعه، فيأتي الرجل يريد أن يُقِلَّه فلا يستطيع حتى يأمره أن يدَعه، ويأخذ غَيره. يقال: صهره وأصهره: إذا ألصقه بالشيء، ومنه اشتقاق الصِّهْر في القرابة. وروى الزبير بن بكَّار (٤) عن عتبة بن وديعة (٥) عن الشَّموس بنت النعمان، وكانت من المبايعات، قالت: «رأيت رسول الله ﷺ يؤسس المسجد

стр. 1017

بقباء، فيأتي بالصخرة أو الحجر فيحمله بيده حتى أنظر إلى بياض التراب على سُرَّته أو بطنه (١)، فيأتي الرجل من قريش أو الأنصار فيقول: يا رسول الله، أعطني الحجر أحمله فيقول ﷺ : لا، خذ حجراً مثله». قالت: وكأني أنظر إلى بياض التراب على سُرة النبي ﷺ وبطنه، ويقولون: تراءى (٢) له حتى أمَّ له القبلة. قال: فنحن نقول: ليس قِبلة أعدلَ منها، هذا من قول عتبة. قال الزُّبير: وكان سعد (٣) بن عبيد بن قيس بن النعمان يُصلِّي في مسجد قباء في عهد رسول الله ﷺ ، وفي زمان أبي بكر ﵁، فتوفي في زمان عمر بن الخطاب ﵁، فأمر عمر مُجمِّعَ (٤) بن جارية أن يصليَّ بِهم بعد أن ردَّه وقال له: كنتَ إمام مسجد الضّرار. فقال: يا أمير المؤمنين: كنتُ غلاماً حَدَثاً. وممَّن يُنسب إلى قباء: أفلح بن سعيد القبائي (٥). روى عنه أبو عامر العَقَديُّ (٦) وزيد/٤٠٠ بن الحُباب (٧).

стр. 1018

وعبد الرحمن بن عيَّاش الأنصاري القباءئي (١). ومحمد بن سليمان المدني القباءئي (٢)، من أهل قباء، يروي عن أبي أُمامة ابن سهل بن حنيف (٣). روى عنه عبد العزيز الدَّرَاوَرْدي (٤)، وحاتم بن إسماعيل (٥)، وعبد الرحمن بن أبي الموالى (٦)، وزيد بن الحباب (٧)، وغيرهم. وأمَّا أبو المكارم رزق الله بن محمد القباءئي (٨)، وشيخ الصوفية

стр. 1019

إبراهيم بن علي ابن الحسين القباءئي (١)، فهما منسوبان إلى قباء مدينة كبيرة قرب الشاش من ناحية فرغانة (٢). وقباء أيضاً: موضعٌ بين مكَّة والبصرة. وفي قباء طيبةَ يقول السَّريُّ بن عبد الرحمن بن عتبة بن عويم بن ساعدة الأنصاريُّ (٣): ولها مَرْبَعٌ بِبُرْقَةِ خَاخٍ … ومَصِيفٌ بالقصرِ قصرِ قباء كفِّنوني إنْ متُّ في درعِ أَروى … واغسلوني من بئرِ عروةَ مائي سخنةً في الشتاءِ باردةً في الصيفِ … سِراجٌ في اللَّيلة الظَّلماءِ قال الزُّبير: كان بِقباء بنو القَصيص، وكان لهم الأُطم الذي في شرقي مِرْبد مُسلم بن سعيد بن المولى (٤). وكان بِقباء رجلٌ من اليهود يقال له: المعترض بن الأشوس. يقال: هو من بني النَّضير. وكان لهم أطم يقال له: عاصم، كان في دار توبة (٥) بن

стр. 1020

الحسين بن السائب ابن أبي لبابة، وفيه البئر التي يقال لها: قباء. وكان لهم أطم يقال له: الأعنق، كان في المال الذي يقال له: البردعة. وكان له أطم يقال له: صيصة، كان موضعه في المال الذي يقال له: السمنة، فصارت هذه الآطام الثلاثة لسلمة (١) بن أمية أحد بني عمرو بن عوف. وكانت بنو ناعصة (٢) بِقباء، ولا يعلم لهم مكانُ أُطُم، وقيل: كانت ناعصة وهي حيٌّ من اليمن، وكانت منازلهم في شِعْب بني حرام حتى نقلهم عمر بن الخطاب ﵁ عن بني حرام إلى مسجد الفتح، وآثارهم هنالك. ولهذا الفصل تتمةٌ سُقناها في باب المساجد، عند ذكر مسجد قباء، فلينظر هناك إن شاء الله تعالى. القبابَة، بالضَّمِّ كصُبابة: أُطمٌ من آطام المدينة. قال الصَّاغانيُّ (٣): هو قباب بزِنَة غُراب. وقال ياقوت (٤): والقبابة في الأصل: اسمٌ لضرب من السمك يشبه الكنعد (٥). قلتُ: القباب للسَّمك إنما هو بكسر القاف، فلا مدخل له فيما نحن فيه.
следующие страницы →