← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11732

من قضايا التربية الدينية في المجتمع الإسلامي

كمال الدين عبد الغني المرسي

Полный текст (250 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المرحلة الثالثة: مرحلة الطفولة والصبا آداب استقبال المولود: وجَّه الإسلام الآباء إلى استقبال ميلاد الطفل بتكبير الله وتوحيده، فيلقى في أذن المولود اليمنى ألفاظ الأذان بصوت منفخض, ويلقى في الأذن اليسرى ألفاظ الإقامة, ليكون ذلك عهدٌ بالإيمان, وليكون أول ما يقرع سمع المولود كلمات الأذان المتضمنة للتوحيد؛ لأن سماع هذه الكلمات من جانب المولود يضعف تأثير الشيطان عليه، وقد رتَّبَ الإمام الغزالي في آداب الولادة خمسة أمور: أولها: أن لا يكثر فرح الزوج بالذكر عن الأنثى, فإنه لا يدري الخيرة له في أيهما، فكم من صاحب ابن يتمنى أن لا يكون له، أو يتمنى أن لا يكون بنتًا، وقد قال رسول الله ﷺ : $"من كان له أمة فأحسن تأديبها, وغذاها فأحسن غذاءها, وأسبغ عليها من النعمة التي أسبغ الله عليه, كانت له ميمنة وميسرة من النار إلى الجنة"٢. وروي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من كانت له ثلاث بنات أو أخوات فصبر على لأوائهن وضرائهن, أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهن، فقال رجل: وثنتان يا رسول الله؟ قال: ثنتان، فقال رجل: أو واحدة؟ فقال: وواحدة"٣.

стр. 107

ثانيها: أن يؤذن في أذن المولود، فقد رى رافع عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ قد أذن في أذن الحسين حين ولدته فاطمه ﵂, ويستحب أن يلقنه أول انطلاق لسانه: لا إله إلّا الله؛ ليكون ذلك أول حديثه، ثم الختان في اليوم السابع. ثالثها: أن يسمي الوالد ابنه اسمًا حسنًا، فذلك من حق الوالد, وقال ﷺ : "إذا سميتم فعبدوا", وقال ﷺ : "أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن"، كما قال أيضًا: "تسمَّوا باسمي ولا تكنوا بكنيتي" , وقال أيضًا: "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم"١. رابعها: أن يذبح له احتفاءً بمقدمه وتكريمًا لوفادته وشكرًا لله على هديته ومنِّه، فقد ورد في الخبر أن الرسول ﷺ عَقَّ عن الحسن بشاة, وروت عائشة أن رسول الله ﷺ , أمر في الغلام أن يعق بشاتين مكافئتين وفي الجارية بشاة"٢. ومن السنة أيضًا أن يتصدق بوزن شعره ذهبًا أو فضةً لما ورد في الخبر من أنه ﵇ أمر فاطمة ﵂ يوم سابع حسين أن تحلق شعره, وتتصدق بزنة شعره فضة"٣. وليس من السنة ما نرى عليه الناس من عادة إقامة "السبوع"؛ حيث يوضع الطفل في غربال ويدق الهون عند أذنه مع رش الملح وتوزيع الحمص والحلوى, وما إلى ذلك من مظاهر ليست من الدين في شيء. خامسها: أن يحنكه بتمرة أو حلاوة، فقد روي عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: ولدت عبد الله بن الزبير بقباء، ثم أتيبت به رسول الله ﷺ , فوضعه في حجره, ثم دعا بتمرة فمضغها, ثم تفل في فيه" فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ , ثم حنكه بتمرة, ثم دعا له وبرك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة, ففرحوا به فرحًا شديدًا؛ لأنهم قيل لهم: إن اليهود قد سحرتكم فلا يُولَدُ لكم٤.

стр. 108

ختان المولود: الختان شعار الإسلام وعنوان الشريعة, وبه يتميز المؤمن من الكافر، ولذلك يجب تختين المولود لما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي بسنده عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال النبي ﷺ : " إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل" ١, ولما جاء في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من الفطرة الختان" ٢, ولما جاء في الحديث الصحيح أيضًا, عن عطية القرظي قال: كان بالمدينة خافضة يقال لها: "أم عطية", فقال لها رسول الله -صلى الله عليه سلم: " أشمي ولا تنهكي, فإنه أسرى للوجه، وأحظى للزوج" ٣ وللختان حكم دينية عظيمة, وفوائد صحية لعل أهمها عدم الإصابة بالأمراض الفاتكة؛ كالسيلان والزهري والسرطان.

стр. 109

العناية بالرضاع: ثم دعا القرآن الكريم إلى اعطاء الطفل حقه كاملًا من الرضاعة فقال سبحانه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ , فقد أودع الخبير العليم الرءوف الرحيم في صدر الأم الغذاء المثالي الكامل لتغذية أطفالها دون ما نفقات أوأعباء, ونحن نستأنس بقول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ إلى ندب الأمهات بإرضاع أولادهن بألبانهن التي خلقها الله في صدروهن, من أجل المحافظة على الصحة النفسية والعقلية والجسمية لأطفالهن, وإلى عدم اللجوء إلى التغذية بالألبان الصناعية كلما أمكن ذلك؛ حيث أثبت كبار أطباء العالم المتحضر أن الرضاعة بالألبان الصناعية تؤدي إلى تخلف الأطفال في نموهم, وبصفة خاصة النمو العقلي, إذا ما استمرت حتى الفطام؛ لأنها ألبان لم تخلق لتغذية أطفال بني الإنسان١. وإذا ما اختير للمولود مرضعة غير أمه وجب أن تكون سليمة العقل والجسم, وفي ذلك يقول الرسول الكريم -عليه أفضل الصلاة وأزكى التحية وأتم التسليم: "لا تسترضعوا الحمقاء ولا العمشاء, فإن اللبن يعدي" وأن تكون المرضع كذلك ذات تقى وخلق حسن, فإن من رضع لبن امرأة غلب عليه طبعها وخلقها٢. ونحن إذا ما ذهبنا نتحدث عن حق الطفل في الإنفاق عليه, أو في رعايته دينيًّا وجسيمًّا وفكريًّا ونفسيًّا, أو في توجيهه وتزويده بالمعارف النافعة, إلى غير ذلك من حقوق كثيرة, لطال بنا المقام دون أن نستوفي الحقوق التي أوجبها الإسلام الذي سبق الدنيا الحديثة في وجوب رعاية الأطفال وحماية الطفولة بما أنزل الله من تشريعات, وبما ألزمنا به من واجبات قبل نابتة البلاد.

стр. 110

تأديب الولدان ... تأديب الوالدان: ولقد أحكم الرسول الكريم -عليه أفضل الصلاة وأزكى التحية وأتم التسلم- بيان ذلك في أوجز عبارة فقال: "أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم" ابن ماجه عن أنس. وإكرام الأولاد يتحقق بأداء حقوقهم والقيام بما يجب لهم من غذاء وكساء وإيواء وهواء وصيانة وتعليم, على ألّا تحملنا الشفقة عليهم والحب لهم إلى الاكتفاء بأداء هذا الواجب الماديّ, مع إهمال تقويمهم وترك تأديبهم, لذا فقد قال رسول الله -صلى الله عليه سلم: "أحسنوا أدبهم", أي كفوا أنفهسم عن المعاصي والمحرمات وطهروها عما لا يليق من سيء العادات، وقبيح الألفاظ والعبارات, وعودهم على التزام مايحمد قولًا وعملًا مما شهدت الشريعة بحسنه, فإن من لَازَمَ الآداب الشرعية حسنت حركته وسكونه ونطقه وصمته وعادته وعباداته ومعاملاته, ويقول رسول الله ﷺ : "كل ما صنعت إلى أهلك فهو صدقة عليهم" الطبراني في الكبير, عن عمرو بن أمية١. أي: كل معروف أديته إلى أهلك قصد الاحتساب, فإنك تثاب عليه ثواب الصدقة ولو كان عملًا واجبًا حتمًا عليك أداؤه. وهاء هو رسول الله ﷺ يدعونا إلى تشئة الصغار على القيم التي تبث التعاليم والفضائل الإسلامية في نفوسهم منذ الطفولة المبكرة, وتربيتهم على أداء العبادات والتمسك بالأداب منذ نعومة أظفارهم؛ ليشبوا ممارسين لها متمرنين على القيام بها, فيقول: "مروا أبنائكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين, واضربوهم عليها وهم أبناء عشر, وفرقوا بينهم في المضاجع" , أي: فرقوا بين البنين منهم والبنات في

стр. 111

فراش المبيت, وكذا بينهم وبين آبائهم وأمهاتهم في أماكن النوم. وإذا بلغ الطفل أربع سنين عودناه ألا يدخل بيتًا, وألا يفتح بابًا حتى يستأذن, فإن أذن له دخل, وإلّا فليرجع, كما علينا أن نحفظهم قدرًا من سور القرآن الكريم لتصح بقراءتها صلواتهم, وتستقيم بتلاوتها ألسنتهم, وتسلم بالعمل بما فيه آخرتهم, وحتى تتفجر في قلوبهم ينابيع الإيمان واليقين -وترتاح نفوسهم إلى العمل بشريعة خاتم المرسلين, وتمتزج أرواحهم بهداية القرآن الكريم، فإن الصغير إذا بدأ في حفظ القرآن الكريم ومعرفة تعاليم الدين- اتطلت هذه التعاليم بشخصيته كلما نما وبلغ مبلغ الرجال, فتمتد البواعث الدينية في نفسه مع البواعث الشخصية على مدى الزمن. إننا في سباق مع الإلحاد, فإذا لم نحط أولادنا من الآن بسياجٍ من الإيمان والقرآن, فنحن إذن معشر الآباء أساس الداء, مصدر الوباء, ومبعث البلاء, ولا عذر لنا يوم البعث العظيم, يوم يقوم الناس لرب العالمين١.

стр. 112

التلطف بالصبيان: التلطف بالصبيان من عادة رسول الله ﷺ ، وكان إذا قدم من سفرٍ يتلقاه الصبيان, فيقف عليهم, ثم يأمر بهم فيرمغون إليه, فيرفع منهم بين يديه ومن خلفه, ويأمر أصحابه أن يحملوا بعضهم" فربما تفاخر الصبيان بعد ذلك فيقول بعضهم لبعض: حملني رسول الله -صلى الله عليه سلم- بين يديه وحملك أنت وراءه، ويقول بعضهم: أمر أصحابه أن يحملوك وراءهم، وكان يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبكرة وليسميه, فيأخذه فيضعه في حجره, فربما بال الصبي فيصيح به بعض من يراه فيقول: لا تزرموا الصبي بوله, فيدعه حتى يقضي بوله, ثم يفرغ من دعائه له

стр. 113

وتسميته, ويبلغ سرور أهله فيه لئلَّا يروا أنه تأذّى ببوله, فإذا انصرفوا غسل ثوبه بعده١. كما كان رسول الله ﷺ يحمل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع, وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ وهي صبية فيصلي بها, وهي على عاتقه يضعها إذا ركع, ويعيدها إذا قام, حتى قضى صلاته بعد ذلك بها٢. وقد كان رسول الله ﷺ يلاطف الصغار ويداعبهم؛ ليدخل على نفوسهم البهجة, كما كان يشفق عليهم غاية الشفقة. رُوِيَ عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ ليخالطنا حتى يقول لاخٍ لي صغير: "يا أبا عمير: ما فعل النغير؟ " ٣, وروي أيضًا عن أنس ﵁, أن النبي ﷺ سمع صوت صببي وهو في الصلاة, فظننا أنه خفَّفَ الصلاة رحمة للصبي من أجل أن أمه كانت في الصلاة٤. ورأى الأقرع بن حابس النبي ﷺ وهو يُقَبِّلُ ولده الحسن، فقال: "إن لي عشرةً من الولد ما قَبَّلْتُ واحدًا منهم، فقال ﵊: "من لا يرحم لا يرحم" , وقالت عائشة ﵂: قال صلي رسول الله ﷺ يومًا: "اغسلي وجه أسامة, فجعلت أغسله وأنا أنفة, فضرب يدي, ثم أخذه فغسل وجهه"٥.

стр. 114

وتعثَّر الحسن والنبي -صلى الله عليه سلم- على منبره, فنزل فحمله, وقرأ قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ١. وقال عبد الله بن شداد: "بينما رسول الله ﷺ يصلي بالناس إذ جاءه الحسين فركب عنقه وهو ساجد، فأطال السجود بالناس حتى ظنوا أنه قد حدث أمر، فقال:"إن ابني قد ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته" ٢. وفي ذلك معنًى عظيم للرفق بالولد وتعليم لأمته.

стр. 115

مداعبة الأطفال واللعب معهم: إن من أهم أبواب التربية الإسلامية التلطف بالأولاد ومجاراتهم في لعبهم ومداعبتهم، لإدخال الفرحة والسرور على نفوس الأطفال، إذ اللعب يفيد في تنشئة الصبيّ على الثقة بنفسه, والتعبير عن ذاتيته, وإظهار مهارته، وكان الرسول ﷺ يشجع على هذا الأمر، فقد روي عن أبي هريرة أنه قال: كان الحسن والحسين يصطرعان، ورسول الله ﷺ يقول: "هي حسن هي حسن" فقالت فاطمة: لم تقول هي حسن؟ قال -صلى الله عليه سلم: إن جبريل يقول: "هي حسين"١. كما كان الحسن والحسين يركبان فوق ظهر النبي ﷺ ويقولان: حَلْ حَلْ، ويقول النبي -صلى الله عليه سلم: " نِعْمَ البعير بعيركما"٢ وأثر عن إبراهيم النخعي٣ قوله: كانا يرخصون للصبيان في اللعب كله إلّا اللعب بالكلاب. كما أثر عن هشام بين يحيى الغساني عن أبيه أنه قال: لا تحزنوا بنيّ, إن الفرحة تشيب الصبي.

стр. 116

ويجب توزيع وقت الصبي بين الجد والترفيه واللعب حتى ينشأ الصبي في جوٍّ صحيٍّ ملائم, بعيد عن اليأس والملل, قريب من الطمأنينية والثقة بالنفس، ويجب أن يلاحظ ذلك الآباء والأمهات لما يصدر أحيانًا من الأولاد مما قد يثير غضبهم, أو يهيج انفعالاتهم ضد بنيهم, فيغتاظون منهم مما يتسبب في اتخاذ مواقف شديدة, ربما تترك في نفس الأولاد ضغائن وآثار سلبية سيئة لا تغادر أذهانهم, ولا تنمحي من ذاكرتهم في مستقبل أيامهم. ويجدر بالآباء أن يتحلوا بالصبر والأناة وكظم الغيظ, ومحاولة علاج الأمور بالملاينة في غير ضعف, وبالحزم في غير سخط، ولنا في سلفنا الصالح خير المثل, ولنستمع إلى ما قاله يزيد بن معاوية حين أغضب أباه معاوية, حتى لم يذق معاوية طعم النوم ليلته, فلما أصبح أرسل في طلب الأحنف بن قيس لعله يخفف غضبه على ابنه يزيد: قال يزيد بن معاوية: أرسل أبي إلى الأحنف بن قيس, فلما وصل إليه قال: يا أبا بحر, ما تقول في الولد؟ قال: يا أمير المؤمين, ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة, وسماء ظليلة، وبهم نصول على كل جليلة, فإن طلبوا أعطهم, وإن غضبوا فارضهم, يمنحوك ودهم ويحبوك جهدهم، ولا تكن عليهم ثقلًا ثقيلًَا، فيملوا حياتك، ويودوا فواتك, ويكرهوا قربك. فقال له معاوية: لله أنت يا أحنف لقد دخلت علي وأنا مملوء غضبًا وغيظًا على يزيد، فلما خرج الأحنف من عنده رضي عن يزيد, وبعث إليه بمائتي ألف درهم ومائتي ثوب، فأرسل يزيد إلى الأحنف بمائة ألف درهم ومائة ثوب, فقاسمه إياها على الشطر١.

стр. 117

ويروى أنه كان لشريح١ القاضي ابن يدع الكتاب ويذهب يلعب مع الصبيان والكلاب يهارش بها, فدعا شريح بداوة وصحيفة فكتب إلى مؤدبه: ترك الصلاة لأكلب يسعى لها ... نحو الهراش مع الغواة الرجس فإذا أتاك فخصَّه بملامة ... وعظه موعظة الأديب الأكيس وإذا هممت بضربه فبدرة ... إذا ضربت بها ثلاثًا فاحبس واعلم بأنك ما أتيت لنفسه ... مع ما يجرعني أعز الأنفس وروى أبو الحسن الشيباني عن شيخ من أهل الكوفة قال: رأيت ابنًا لمسعر بن كدام٢ حدثًا وثب على مسعر، فعضَّ يده حتى تلوّى الشيخ من عضته، ثم رأيته من غدٍ متنكبًا فرسًا له مع شباب أهل الكوفة، فمرَّ بمسعر فقال مسعر: "لقد صنع بي بالأمس ما رأيتم، وما نفس أعز عليّ منه". ويروى عن الأشجعي قال: كنا مع سفيان الثوري٣, فمر ابنه سعيد فقال: ترون هذا, ما جفوته قط، وربما دعاني وأنا في الصلاة غير مكتوبة فأقطعها له.

стр. 118

الإحسان إلى اليتيم: ولم يهمل الإسلام حق اليتيم في الرعاية والتعليم، وإنما نجد القرآن في آيات كثيرة يحض على الإحسان إلى اليتيم, ويوصي المسلمين بتعهده بالعناية وصيانة حقوقه حتى يشب ويكبر, ضمانًا لسلامة نوازعه, وحرصًا على طهارة نفسه من الحقد والضغينة والعقد النفسية الضارة, وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ . عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه سلم: "من أحسن إلى يتيم أو يتيمة كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، وقرن بين إصبعيه" ١. قال الحكيم الترمذي: إنما فاق هذا سائر الأعمال؛ لأن اليتيم افتقد برّ أبيه ولطفه وتعاهده، والله تعالى وليّ ذلك كله، يجريها على الأسباب، فإذا قبض أبوه فهو الولي لذلك اليتيم في جميع أموره, يبتلي به عبيده لينظر أيهم يتولى ذلك. قال موسى ﵇: "يا رب أيتمت أبَوَى الصبي ومن لا حيلة له وتدعه هكذا؟ قال يا موسى: أما ترضى بي كافلًا, فاليتيم كافله خالقه؛ لأنه قطع عنه من كان قيض له، وطوع عنه أسبابه، فمن عمد إلى كفالته فإنما ذلك عمل يعمله عن الله تعالى، لا عن نفسه، كما أن الرسل ﵈ يعملون عن الله تعالى، يؤدون عنه حججه إلى خلقه، وبيانه، وهدايته، والذي يكفل اليتيم يؤدي عن الله تعالى ما تكفل به, فلذلك صار بالقرب في الدرجة في ذلك الموقف، وليس في الجنة بقعة أروح ولا أطيب ولا أنور ولا آمن من البقعة التي يكون بها الرسل ﵈، فإذا نال كافل اليتيم القرب من تلك البقعة سعد جده، وأما سائر الأعمال سوى الجهاد، يعمله العمال عن أنفسهم، والجهاد فيه ذب عن الدين, وإعلاء كلمة الله, فهم على أثر الأنبياء ﵈ يومئذ بالقرب منهم"٢.

стр. 119

المرحلة الرابعة: مرحلة الشباب الباكر إلى الرجولة الارتقاء في أسلوب التربية: بعد مرحلة الصبا تأتي مرحلة البلوغ والشباب الباكر، حيث تتغير الطباع وتنمو الغرائز وتظهر علامات الرجولة وعلامات الأنوثة, إذ لم يعد هو الطفل الذي كان بالأمس القريب غارقًا في أحلام طفولته، ولم يعد ليقبل من الآخرين معاملتهم السابقة له, إنما هو يريد أن يعامل على أنه إنسان كبير، يعامل على أنه رجل إذا كان رجلًا، وعلى أنها امرأة إذا كانت أنثى. إن الشخصية في تلك المرحلة تترسب في كيان الفتى كما تترسب في كيان الفتاة, إنها مرحلة المراهقة والنضوج والحمية والحماس، والنشاط والعنفوان، وعندها يجب أن يتغير أسلوب التدليل إلى أسلوب الملاطفة، وأسلوب البنوة إلى أسلوب الصداقة, وهنا تظهر الفائدة الكبرى لما سبق أن تعاطاه الشاب أو الفتاة من آيات القرآن الكريم, ومن الذي لقن من الحديث النبوي الشريف أيام الصغر, وبما يحفظ من الآداب التي تلقاها في أيام طفولته السابقة في مرحلة التأديب، فمهما كان التغيير الذي يطرأ على حياة الشباب من الأحوال الجسمية والعقلية, فإن السلك يكون راشدًا طالما أن مرحل الطفولة تَمَّ تأسيسها على القاعدة الصلبة التي هي العقيدة الإسلامية الراسخة, وعلى الأب أن يتخذ من ولده في هذه المرحلة صديقًا يرافقه في رحلاته, وينيبه عنه في بعض أعماله، وعلى الأم أن تعين زوجها على ذلك, فترشد ولدها إلى ما تراه مفيدًا، تنصحه بالبعد عن مصاحبة الأشرار ورفاق السوء، وبأن يصاحب كل ذي دين ومروءة, ولتذكره بقول الرسول الكريم ﷺ : "المرء على دين خليله, فينظر أحدكم من يخالل" فإن الأخذ بهذه التوجيهات الكريمة يصلح من حال الأولاد, وينصلح حال المجتمع بصلاحهم.

стр. 120

تعليمه حقوق الأخوة الإسلامية: وفي هذه المملكة الصغيرة -أعني البيت المسلم- ينشأ ناشئ الفتيان, فيتعلم آدابًا ثريةً بالحكمة, غنية بالمروءة؛ فهو يتعلم أن الدين بالجماعة, وأن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، فالمعرفة والإسلام يوجبان معنى الأخوة, وقد قال الحق ﵎: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ١. ثم يفصل الشرع له أمر الأخوة في الحقوق الواجبة على المسلم تجاه أخيه المسلم، فيعلم جملة ذلك مما يلي: - أن تسلم على أخيك المسلم إذا لقيته. - أن تجيبه إذا دعاك. - أن تشمته إذا عطس. - أن تعوده إذا مرض. - أن تشهد جنازته إذا مات. - أن تبرّ قسمه إذا أقسم عليك. - أن تنصح له إذا استنصحك. - أن تحفظه بظهر الغيب إذا غاب عنك. - أن تحب له ما تحب لنفسك.

стр. 121

- أن تكره له ما تكره لنفسك. فهذه عشر خصال تضم حقوق المسلم على أخيه المسلم، وقد ورد في معناها كثير من الأحاديث النبوية توضح للمسلم في جلاء، وفي بلاغة، معنى الأخوة الإسلامية كما في قوله ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائره بالحمى والسهر" ١ وهكذا ينشأ الفتى عارفًا بأصول الدين من خلال تعليمه تلك الآداب, ويشعر بأن الجميع أخوته وأحباؤه, فيحرص عليهم ويحرصون عليه.

стр. 122

تعليمه حقوق الجوار: من أعظم الحقوق على المسلم حق الجار لقول الرسول ﷺ : " خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره" ١, وقد أفرد الإمام أبو حامد الغزالي في الإحياء بابًا في حق المسلم والرحم والجوار, فكان من حقوق الجار قوله: حقوق الجوار: "اعلم أن الجوار يقتضي حقًّا وراء ما تقتضيه أخوة الإسلام, فيستحق الجار المسلم ما يستحقه كل مسلم وزيادة؛ إذ قال النبي -صلى الله عليه سلم: "الجيران ثلاثة: جار له حق واحد, وجار له حقان, وجار له ثلاثة حقوق، فالجار الذي له ثلاثة حقوق الجار المسلم ذو الرحم؛ فله حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم, وأما الذي له حقان فالجار المسلم؛ له حق الجوار وحق الإسلام، وأما الذي له حق واحد, الجار المشرك"٢.

стр. 123

فانظر كيف أثبت للمشرك حقًّا بمجرد الجوار، وقد قال -صلى الله عليه سلم: "أحسن مجاورة من جاورك تكن مسلمًا" ١, وقال النبي ﷺ : "مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" ٢, وقال ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره" ٣, وقال ﷺ : "لا يؤمن عبد حتى يأمن جاره بوائقه" ٣, وقال -صلى الله عليه سلم: "أول خصمين يوم القيامة الجاران" ٥, وقال ﵊: "إذا أنت رميت جارك فقد آذيته", ويروى أن رجلًا جاء إلى ابن مسعود ﵁ فقال له: إن لي جارًا يؤذني ويشتمني ويضيّق عليّ, فقال: اذهب فإن عصى الله فيك فأطع الله فيه، وقيل لرسول الله ﷺ : "إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وتؤذي جيرانها, فقال ﷺ : "هي في النار" ٧، وجاء رجل إليه ﵇ يشكو جاره, فقال له النبي ﷺ : "اصبر" , ثم قال له في الثالثة أو الرابعة: "اطرح متاعك في الطريق" , قال: فجعل الناس يمرون به ويقول ما لك؟ فيقال: آذاه جاره, قال: فجعلوا يقولون لعنه الله, فجاءه جاره فقال له: رد متاعك فوالله لا أعود"٨, وروى الزهري أن رجلًا أتى النبي ﵇, فجعل يشكو جاره, فأمره النبي ﷺ أن ينادي على باب المسجد ألا إن أربعين دارًا جار"٩, قال الزهري: أربعون هكذا, وأربعون هكذا, وأربعون هكذا, وأربعون هكذا, وأومأ إلى أربع جهات.

стр. 124

كما جاء في حقوق الأقارب والرحم عند الغزالى ... كما جاء في حقوق الأرقارب والرحم عند الغزالي: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: أنا الرحمن, وهذه الرحم شققت لها اسمًا من اسمي, فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته" ١ وقال ﷺ : "من سره أن ينسأ له في أثره ويوسع عليه في رزقه فليصل رحمه" ٢، وفي رواية أخرى: "من سره أن يمد له في عمره ويوسع له في رزقه فليتق الله ليصل رحمه"، وقيل لرسول الله ﷺ : أي الناس أفضل؟ قال: "أتقام لله أوصلهم لحرمه وآمرهم المعروف وأنهاهم عن المنكر" ٣، وقال أبو ذر ﵁: "أوصاني خليلي ﵇ بصلة الرحم وإن أدربت، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرا"٤، وقال ﷺ : "إن الرحم معلق بالعرش وليس الواصل المكافئ، ولكن الواصل الذي إذا انقطع رحمه وصلها" ٥، وقال ﵇: "إن أعجل الطاعة ثوابا صلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونون فجارا فتنمو أموالهم ويكثر عددهم إذا وصلوا أرحامهم" ٦، وقال زيد بن أسلم: لما خرج رسول الله ﷺ إلى مكة عرض له رجل فقال: إن كنت تريد النساء البيض والنوق الأدم فعليك ببني مدلج، فقال ﵇: "إن الله قد منعني من بني مدلج بصلتهم الرحم"٧، وقالت أسماء بنت أبي بكر ﵄: قدمت عليَّ أمي فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت علي، وهي مشركة أفأصلها؟ ٨، قال: "نعم"، وفي رواية: أفأعطيها؟ قال: "نعم صليها"، وقال ﵇: "الصدقة على المساكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان" ٩، ولما أراد أبو طالحة أن يتصدق بحائط كان له يعجبه عملا بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ١٠ قال: يا رسول الله هو في سبيل الله ولفقراء المساكين، فقال ﵇: "وجب أجرك على الله فاقسمه في أقاربك"، وقال ﵇: "أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح".

стр. 125

حقوق الوالدين والولد: لا يخفى أنه إذا تأكد حق القرابة والرحم، فاخص الأرحام وأمسها الولادة فيتضاعف تأكد الحق فيها، وقد قال ﷺ : "لن يجزئ ولد الده حتى يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه" ١، وقد قال ﷺ : "برالوالدين أفضل من الصلاة والصدقة والصوم والحج والعمرة الجهاد في سبيل الله" ٢، وقد قال ﷺ : "من أصبح مرضيا لأبويه أصبح له بابان مفتوحان إلى الجنة، ومن أمسى مثل ذلك، وإن كان واحد فواحدا وإن ظلما وإن ظلما، ومن أصبح مسخطا لأبويه أصبح له بابان مفتوحان إلى النار وأن أمسى مثل ذلك إن كان واحدًا فواحدًا وإن ظلما وإن ظلما إن ظلما" ٤، وقال ﷺ : "إن الجنة يوجد ريحها من مسيرة خمسمائة عام ولا يجد ريحها عاقٌّ، ولا قاطع رحم"٥، وقال صلى الله عليه سلم: "بر أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك" ٦، ويروى أن الله تعالى قال لموسى ﵇: "يا موسى إنه من بر والديه وعقني كتبته بارا، ومن برني عق والديه كتبته عاقا"، وقيل: لما دخل يعقوب على يوسف ﵉ لم يقم له، فأوحى الله إليه: أتتعاظم أن تقوم لأبيك؛ وعزتي وجلالي لا أخرجت من صلبك نبيا، وقال ﷺ : "ما على أحد إذا أراد أن يتصدق بصدقة أن جعلها لوالديه إذا كانا مسلمين فيكون لوالديه أجرها ويكون له مثل أجورهما من غير أن ينقص من أجورهما شيء"٧، وقال مالك بن ربيعة: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله هل بقي علي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد وفاتهما؟ قال: "نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ

стр. 126

عهدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما"١. قال ﷺ : "إن من أبر البر أن يصل الرجل آل ود أبيه بعد أن يولي الأب"٢، وقال ﷺ : "بر الوالدة على الولد ضعفان"٣. وقال ﷺ : "دعوة الوالدة أسرع إجابة"، قيل: يا رسول الله ولم ذلك؟ قال: "هي أرحم من الأب ودعوة الرحم لا تسقط"٤. وسأله رجل فقال: يا رسول الله من أبر؟ فقال: "بر والديك" فقال: ليس لي والدان، فقال: بر ولدك كما أن لوالديك عليك حقا كذلك لولدك عليك حق"٦، أي لم يحمله على العقوق بسوء علمه. وقال ﷺ : "ساووا بين أولادكم في العطية"، وقد قيل: ولدك ريحانتك تشمها سبعا وخادمك سبعا ثم عدوك أو شريكك. وقال أنس ﵁: قال النبي صلى الله عليه سلم: "الغلام يعق عنه يوم السابع ويسمى ويماط عنه الأذى فإذا بلغ ست سنين أدب، فإذا بلغ تسع سنين عزل فراشه، فإذا بلغ ثلاث عشرة سنة ضرب على الصلاة فإذا بلغ ست عشر سنة زوجه أبوه ثم أخذ بيده، قال: قد أدبتك وعلمتك وأنكحتك، أعوذ بالله من فتنتك في الدنيا وعذابك في الآخرة"٧. ولم تغفل الملة الإسلامية حقوق الآخرين بل إن هذه الحقوق مذكورة في كتب السنة وفي الشروح التي ألفت لتفصيل ما أجمل فيها من الأحاديث النبوية فهي ثروة نبوية في الآداب الآخلاق لا تجدها في أي أمة من الأمم بهذا التفصيل؛ ولقد أفرد الإمام البخاري كتابا اسمه الأدب المفرد يضم الآداب التي يجب على المسلم أن يتحلى بها حتى يفي بحق نفسه حقوق الآخرين في مراتبهم. ومجمل القول : "إنها تربية تشمل المراحل الخطرة في حياة النشء. ففي الصبا تكون الملاعبة والمداعبة وحرارة الحضن الدافئ

стр. 127

والنزول إلى الطفل؛ لنعلب معه ونقدم له التحفة واللعبة، ونملأ الجو من حوله بالحب والحنان والرعاية من الأبوين والأسرة كلها، وتشمل هذه المرحلة السنين السبع الأولى من حياة الطفل. فإذا ما بلغ عمره سبع سنين بدأت مرحلة جديدة هي مرحلة فيها شيء من الأدب والتأديب والحزم والتوجيه والتربية حتى يتعلم، وترتسم في نفسه ووجدانه قيم التربية السلمية في توجيه صادق ومتابعة وحزم، وأخذ الناشئ بشيء من القسوة أحيانا؛ ليزدجر وينتهي عن السوء والفحش: ... .. ... ومن يك حازما ... فليقس أحيانا على من يرحم وفي هذه المرحلة يتدرب على الصلاة ثم الصوم، وكل ما في أسفار الأخلاق من مبادئ ومثل. فإذا بلغ الرابعة عشرة بدأت مرحلة جديدة، مرحلة فيها تغيير كامل في سماتها وخصائصها ومنهجها، إنه يكن قد بلغ مرحلة يصح أن يصاحبه أبوه في رحلاته، ويتخذه صديقا يقربه منه ويستدنيه، ويعلمه مسالك الحياة وطرائقها، يغرس فيه غير قليل من الثقة في الغد وحسن التعامل مع الناس، كما يعلمه فنون الإعاشة من تجارة وصناعة وصيد وعلوم ومعارف، إنها مرحلة النضج وهي في حاجة إلى صديق، والأب لا بد أن يكون صديقا، ويكون قريبا من نفس ابنه ووجدانه؛ ليبنيهما بناء متوازنًا. وإذا تعدى الناشئ هذه المرحلة آن لنا أن نثق فيه، وأن نتركه يشق طريقه في الحياة في اتزان وثقة، نراقبه من بعيد ونوجهه وننصحه إذا رجع إلينا، ونمده بالخبرة نجنبه المزالق إذا أراد وإذا رغب. لقد أصبح رجلا يستطيع أن يدرك أمور نفسه ويعيها ويتبصرها، ويعرف ما يضره وما ينفعه، ويمز تمييزا جيدا بين ما يستطيع أن يتوجه إليه وما يمتنع عنه وأن يتسلح بالثقة والشجاعة الإقدام والعزم"١.

стр. 128

الفصل الرابع: وسائل تطبيق المنهج الإسلامي في التربية مدخل ... الفصل الرابع: وسائل تطبيق منهج الإسلام في التربية يحتاج منهج التربية الإسلامية إلى تطبيق عملي في حياة المرء المسلم حتى يكون خلقا معتادا وطبيعة تلقائية لا تكلف فيها، فهو في مراحل حياته الأولى من الطفولة إلى الصبا يكون تأثره بالأبوين في محيط الأسرة أقوى وألزم؛ لقول رسولنا الكريم ﷺ : "كل مولود يولد على الملة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يشركانه"١. وهذا التأقلم بالأبوين يكون أقوى تأثيرًا وأعظم ترسيخا في نفس الولد في مراحل حياته الاولى، ولذلك كان لا بد في البداية من حسن الاختيار للزوجين اللذين يتناولان تربيته. ثم يأتي بعد ذلك دور المربي أو المؤدب في المدرسة، وهو لا يقل خطرا في تنشئة الأولاد في سن الإلزام، بل يكون للتربية في المدرسة أثر يمتد إلى البيت عن طريق الولد، كأن ينقل الولد بعض الأفكار والمسائل التي يتعلمها في المدرسة لم يجدها في بيته ولم يتعود عليها في محيط أسرته، ويحمل إلى البيت معلومات لم يسمع عنها من أبويه وعشيرته، ومثل هذا كثير. ولذا كان لا بد من تعاون الأسرة مع المدرسة في الوصول إلى أسلوب أمثل للتربية مع تطبيقه عمليا على حياة الولد ذكرًا كان أو أنثى، ومن هنا يبرز دور المعلم وتظهر خطورة دوره في التربية، وأول ما يطلب من أن يكون قدوة صالحة لأبنائه الطلاب الذين ينشدون فيه نور الهداية والرشاد، فما هي الوسائل التي يتبعها المربي أو المؤدب في سبيل الوصول إلى التأثير المباشر في سلوك الولد بما يتمشى مع منهج الإسلام في التربية؟ هناك أكثر من وسيلة تتبع في تربية الولد؛ لإعداده عقيديا وخلقيا وتكوينه نفسيا وعلميا اجتماعيا حتى يصير فتى أو تصير فتاة، ويبلغا الدرجة العليا في النضج والاتزان، نذكرها فيما يلي:

стр. 129

التربية بالتلقين والتعويد مدخل ... أ- التربية بالتلقين والتعويد: والتلقين بمعنى التحفيظ، وهو من آكد الوسائل في التربية والتعليم، حيث يقوم المربي بتحفيظ الأولاد آيات القرآن الكريم بأن يتلو عليهم آيات القرآن المرة تلو الأخرى ثم هم يرددون وراءه التلاوة، وهكذا بالنسبة للحديث النبوي أو الشعر العربي المختار، ويا حبذا لو كان التلقين بالطريقة الجماعية، فإن صوت الجماعة له تأثير قوي في نفوس المتعلمين، وله صدى يملأ الاسماع والصدور، ويساعد على تنمية ملكة حفظ العلم، وكلما كان الطالب صغيرا كلما كان ذلك أجدى له، وهذ الطريقة الناجحة في التربية والتعليم هي التي خرجت الأعلام، فما من عَلَم مشهور في تاريخ الثقافة والفكر إلا وكان سبب تفوقه التلقين الذي تم تعويده عليه في صغره، أيام الكتاب وأيام المدراس القديمة التي انتهجت هذه الطريقة في تعلم الأولاد بحيث إذا قلبنا صفحات التاريخ وقرأنا تراجم الشخصيات الكبرى في ساحة الثقافة والفكر وجدنا أن تعليمهم كان بطريقة التلقين والتعويد، وبهذه الطريقة حفظوا القرآن والحديث والشعر والتاريخ والسير وقواعد اللغة، فلما صاروا كبارا كانت صدورهم كتبا محفوظة منقوشة في قلوبهم يستعيدونها وقتما شاءوا ويسترجعون منها ما أرادوا أن يستشدوا به في أمور حياتهم، ونذكر من هذه الشخصيات الإسلامية:

стр. 130

رفاعة بك رافع الطهطاوي: "هو الكاتب الأديب المترجم السيد رفاعة بك الحسيني الطهطاوي شيخ الترجمة وإمام النهضة الحديثة. ولد بطهطا من أسرة شريفة افتقرت بعد غنى، فتنقل به والده في بعض بلاد مديريته قنا بضع سنين تعلم في أثنائها القرآن الكريم، ودرس مبادئ العربية، وحفظ كثيرا من المتون على أخواله، ثم انتخب إماما لبعض فرق الجيش، ولم يلبث أن اختاره المرحوم محمد علي باشا إماما ومعلِّما لأول بعث علمي أرسل إلى فرنسا سنة ١٢٤١، فراقته علوم أوربه وعظمتها، فأكب بنفسه على تعلم الفرنسية حتى أجادها فهما وإنشاء وإن لم يجدها نطقا وارتجالا، وكتب في أثناء إقامته بباريس كتاب رحلته إلى أوربه، وترجم قلائد المفاخر، في غرائب الأوائل والآواخر، فسر بذلك محمد علي باشا فلما عاد إلى مصر سنة ١٢٤٧هـ اختاره رئيسا للترجمة بمدرسة أبي زعبل، فترجم بها كثيرا من الكتب الدروس، واشترك هو وأستاذه الشيخ حسن العطار في اقتراح إنشاء الوقائع المصرية وتحريرها، ثم انتقل إلى مدرسة المدفعية "الطبجية" بطرة لترجمة الكتب الهندسية، ثم صار مديرا لمدرسة الألسن والترجمة، فبلغ عدد تلاميذها ٢٥٠ تلميذًا، تم على أيديهم ترجمة أكثل ما نقل من علوم أوربه الحديثة إلى العربية زمن محمد علي باشا إسماعيل باشا، ولما ألغيت مدرسة الألسن زمن عباس باشا الأول، وتقلب في عدة مناصب، ثم بقي مدة بلا عمل إلى أن أعيد زمن إسماعيل باشا إلى نظارة قلم الترجمة، وانتخب عضوا بلجنة المدارس، وتولى إدارة مجلة روضة المجال، وعكف على الترجمة والتأليف حتى توفي سنة ١٢٩٠هـ تاركا لمصر كتبا ورجالا هم أركان النهضة الحديثة"١.

стр. 131

عبد الله باشا فكري: "هو الكاتب الشاعر الاديب أحد أركان النهضة الأدبية في الديار المصرية. كان أبوه محمد بليغ أفندي ضابطًا بالجيش المصري وهو ابن الشيخ عبد الله أحد علماء الأزهر. ولد سنة ١٢٥٠ وتوفي والده وهو في سن الحادية عشرة، فكفله بعض أقاربه، فعلمه القرآن، وبعث به إلى الأزهر فأكب على تعلم علومه مشتغلا أيضا باللغة التركية واستخدم من أجلها مترجما للعربية والتركية في عدة مناصب آلت إلى نقله إلى حاشية سعيد باشا ثم إسماعيل باشا، فعهد إليه بتأديب بنيه الكرام وغيرهم من أمراء بيت الملك"١.

стр. 132

علي مبارك باشا: "هو أبو المعارف المصرية العالم المؤرخ المؤلف المترجم المربي العظيم علي بن مبارك بن سليمان بن إبراهيم، مصلح العلم والإدارة بالديار المصرية، ومؤسس دار العلوم ودار الكتب المصرية. ولد سنة ١٢٣٩ بقرية برنبال الجديدة من مديرية الدقهلية وكان والده الشيخ مبارك من أهل الفقه والعلم ببلده، فضاق به العيش، فانتقل إلى مديرية الشرقية، وشغل بالمعاش عن تربيته بنفسه، فكان يرسله إلى معلم قاسٍ يتعلم عليه القرآن الكريم، فحفظه وهرب من المعلم؛ لقسوته وضربه، وأحذ يتعلم الكتابة على بعض كتاب المراكز والقرى، ويفر من قسوة هذا إلى ظلم ذاك، حتى عثر في بعض خرجاته بتلاميذ ذاهبين إلى مدرسة أبي زعبل فصحبهم ودخل المدرسة. ثم اختير في جملة من تلاميذها لمدرسة قصر العيني وسنه ١٢ سنة، ودرس الرياضة فبرع فيها، فانتخب طالبا بمدرسة الهندسة، فأكمل في خمس سنوات درس فن الهندسة، وأرسل إلى أوربه سنة ١٢٦٠ ليتمم دراسته بها، فمكث نحو أربع سنوات درس فيها فن الهندسة والحرب، ثم عاد إلى مصر ضابطًا بالجيش، ثم قدم لعباس باشا الأول مشروعا

стр. 133

بنظام المدراس المصرية، فأعجبه فعهد إليه في رياسة ديوانها، وألف بعض الكتب الدراسية، فكان أول من نظم المدارس المصرية، وفي زمن سعيد باشا وُشي به إليه فساء حظه، وبعث إلى البلاد العثمانية في الحملة التي وجهت لمحاربة روسيا، فعاد منها بعد أهوال، وبقي يعتزل الخدمة طورًا ويخدم آخر، ويتجر أحيانا ويعلّم أخرى، حتى كان زمن إسماعيل باشا فألحقه بحاشيته وتلقد عدة مناصب هندسية جرى على يده فيها عظيم الأعمال. ثم عين سنة ١٢٨١ وكيلا لديوان المدراس وسافر إلى فرنسا لمهمة فأحسن أداءها وأنعم عليه برتبة الباشا "الميرميران"، وتزاحمت عليه المناصب فكان مديرا للسكك الحديدية، وناظرًا للمعارف وللأشغال للأوقاف والقاطر الخيرية فقام بذلك في آن واحد خير قيام. ومن أعماله العظيمة إنشاء دار الكتب، وإنشاء مدرسة العلوم؛ ليوفق بين طلبة العلم القديم وطلبة العلم الحديث، ويحسن تعليم العربية فجاءت هذه المدرسة بأحسن ما يطلب منها. ومنها تجديد مدينة القاهرة وأمهات مدن القطر بإنشاء شوارعها وميادينها العظيمة، وإنشاء كثير من الترع والجسور كترعة الإبراهيمية والإسماعيلية، وبقي يتقلب في النظارات ووكالتها حتى جاءت الثورة العرابية، فكان من شيعة توفيق باشا، ثم قلد نظارة المعارف وغيرها حتى اعتزل الأعمال قبيل وفاته سنة ١٣١١. وله مؤلفات جليلة منها الخطط التوفيقية في عشرين جزءًا وكتاب علم الدين وكتاب نخبة الفكر في تبدبير نيل مصر، وكتاب الميزان في الأقيسة والأوزان، وكتاب الهجاء والمسامرات وغيرها"١.

стр. 134

الشيخ محمد عبده: "هو المصلح الكبير، والمجتهد الخطير، والكاتب البليغ، والخطيب المصقع، الأستاذ الإمام الحكيم الشيخ محمد عبده أحد أركان النهضة العربية، ومؤسسي الحركة الفكرية. ولد بإحدى قرى مديرية الغربية نشأ بين أسرته بمحلة نصر من مديرية البحيرة وترك بلا تعليم حتى ناهزت سنه العاشرة ثم رغب في التعلم، فحفظ القرآن الكريم، وطلب العلم بالجامع الأحمدي، ثم انتقل إلى الأزهر ونبغ في علومه. ولما قدم مصر السيد جمال الدين الأفغاني سنة ١٢٨٦، وأعاد إلى مصر دراسة الفلسفة وعلوم الحكمة والكلام بعد نضوب معينها عدة قرون لزمه هو وطائفة من نابغي الأزهر كانوا يعدون ألسنة الفصاحة وأئمة الحركة الفكرية، وكان الشيخ محمد عبده أنبغ تلاميذه، وأحرصهم على ملازمته والاستفادة منه، ونال درجة العالمية سنة ١٢٩٤ واختير سنة ١٢٩٥ مدرسا للأدب والتاريخ العربي بدار العلوم ومدرسة الألسن، ثم فصل منها ولزم بلده إلى أن أشير على رياض باشا باختيار المترجم لإصلاح لغة الوقائع المصرية ثم صار رئيس تحريرها، وفي هذه المدة جعله رياض باشا مراقبا على كتابة الجرائد وتحريرها. وحدثت عقب ذلك الثورة العرابية فاشترك فيها، ونفى من مصر فذهب إلى سورية، وتولى التدريس بمدراسها، ثم انتقل إلى أوربه فالتقى بالسيد جمال الدين بباريس فأنشأ جريدة العروة الوثقى، ثم عاد إلى مصر ورضي عنه الخديو توفيق باشا فجعل قاضيا بالمحاكم الأهلية، وبقي مدة طويلة مثلا للعدل إلى سنة ١٣١٧ فأسند إليه منصب إفتاء الديار المصرية، وتولى التدريس بالأزهر، وما زال كذلك حتى توفي سنة ١٣٢٣. وكان ﵀ من خير من ظهر في مصر من شيوخ العلم

стр. 135

منذ قرون ويعتبر باجتهاده في كثير من مسائل العلم من أئمة الدين، كما يتعبر بكتابته البليغة من فحول الكتاب. وله القدم الراسخة في كتابة الجدل والنقد، ولم يترك الشيخ كأستاذه كثيرًا من المؤلفات؛ لكثرة مشاغله بالمناصب العلمية والإدراية ولمناهضة الخصوم له أكثر حياته. ومن مؤلفاته: رسالة التوحيد، وشرح نهج البلاغة، وشرح مقامات بديع الزمان، وأملى تفسير سورة البقرة وآل عمران والنساء بطريقة لم يسلكها مفسر في انطباقها على مقاصد الإسلام، وكتب تفسير جزء عم وجزء تبارك"١. وهكذا كان كل الأعلام من أمثال محمود سامي الباروي، وحفني ناصف ومن بعدهما شوقي وحافظ إبراهيم والعقاد وطه حسين، وغيرهم من أعلام العصر الحديث كان أول تعليمهم القرآن وسنة النبي ﷺ والشعر العربي ونحو اللغة وصرفها. وطريقة التلقين طريقة إسلامية بحتة، ولا تزال هذه الطريقة متبعة في مدارس الأزهر الشريف ومعاهده العلمية، ولذلك يعتبر الأزهر القلعة العلمية الحصينة؛ لأن علوم الدين محفوظة في قلوب أبنائه على مدى الزمان، ولعلنا نلمس ذلك في لجوء الناس إلى علماء الأزهر؛ ليسمعوا منهم العلم والفتوى إذا حزبهم امر أو أصابتهم فتنة استعصى عليهم مجابهتها. ومن أهم ما يلقن الصبي أيضا الدعاء؛ لأنه مخ العبادة؛ لقول رسول الله ﷺ : "الدعاء مخ العبادة"٢، ولقوله ﷺ : "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم

стр. 136

وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير كلم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم يضربا أعناقكم؟ "، قالوا: بلى، قال: "ذكر الله"١. وللدعاء فوائد جمة، إذا ما من أمر من أمور الدنيا إلا وقد خصص له رسول الله ﷺ دعاء يجدر بالمسلم أن يقوله حتى يذهب الله عنه الضر إن كان في موطن الضر، أو يجلب لصاحبه النفع إن أراد لنفسه النفع؛ لقوله ﷺ : "ما من أحد يدعو بدعاء إلا أتاه الله ما سأل أو كف عنه من سوء مثله، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم"٢. وللدعاء آداب ينبغي معرفتها وهي مذكورة في أبواب الدعوات في كتب الحديث، وليس بدعا من القول أن نقول: إنه سلاح ماضٍ من الأسلحة التي ينبغي للمسلم أن يتسلح بها، وهذا المعنى قد يخفى على كثير من الناس ينبغي للمسلم أن يتسلح بها، وهذا المعنى قد يخفى على كثير من الناس في هذه الأيام؛ لطغيان المادة على معظم البشر، وكيف بنا إذا علمنا أن رضى الله إنما يكون بدعائه، فإن استغنى الإنسان عن الدعاء عرض نفسه؛ لهلاكها؛ لأن الرسول الكريم صلى الله عليه سلم يقول: "إنه من لم يسأل الله يغضب عليه"٣.

стр. 137

ب- التربية بالقدوة: والقدوة الأولى لنا هو رسول الله ﷺ فهو المثل الأعلى وهو خير خلق الله على الإطلاق، ونحن مأمورون بالاقتداء به والسير على نهجه بنص القرآن: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ودراسة سيرته مطلوبة لكل مؤمن، حتى يتخلق الإنسان بخلقه ويسير على نهجه، وفي تعلم أخباره وتفهم مواقفه كثير من الحكمة، وقد قال عز من قائل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ . وقد جعل الله في شخص رسولنا الكريم الصورة الكاملة للمنهج الإسلامي في التربية والتعليم؛ ليكون للناس على مدار التاريخ القدوة الصالحة وللبشرية في كل مكان النور الهادي إلى سواء السبيل، ومنه تعلم الصحابة صغارا وكبارًا كل معاني العفة والطهارة والصدق والأمانة والشجاعة والطاعة والعبادة، واكتسبوا منه كل الأعمال الصالحة حتى كان منهم رجال أنزل الله فيهم قرآنا، وتحققت فيهم تربيته حتى وصف القرآن حال صحابته صلى الله عليه سلم بقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] . امتدحهم الحق من فوق سبع سماوات بقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] ، وبقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] . فيكفيهم بذلك فخرا وخلودا أن ذكرهم الله في كتابه الذي تعهد بحفظه على مدى الزمان. "هذا غيض من فيض مما نزل في كريم مآثرهم، وجميل محامدهم، وقد تحقق بهم فعلا إقامة المجتمع الفاضل الذي كان حلم المفكرين، وأمنية الفلاسفة منذ القدم ... وكيف لا؟! والقاضي يجلس بينهم سنتين ولا يتخاصم إليه إثنان؟ ولماذا يتخاصمون وبين أيديهم القرآن؟ ولماذا يختلفون وهم يحبون لإخوانهم ما يحبون لأنفسهم؟ ولماذا يتاغضون والرسول ﷺ أمرهم بالمحبة والإخاء،

стр. 138

وحضهم على التعاطف والإيثار؟ "١. "وإليكم ما قاله الصحابي الجليل "عبد الله بن مسعود" ﵁ في تعداد محامدهم وفضائلهم، ووجوب التأسي بأفعالهم الحميدة، وأخلاقهم الكريمة: "من كان متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا.. اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، وابتعوهم في آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. وما زالت الأجيال المسلمة في كل زمان ومكان يرون من صحابة رسول الله ﷺ القدوة الصالحة في العبادة والأخلاق، الشجاعة الثبات، والعزم والمضاء والتعاطف والإيثار، والجهاد ونيل الشهادة.. وما زال شباب الإسلام في كل عصر يستقون من معين فضائلهم، ويستضيئون بنور مكارمهم، وينهجون في التربية نهجهم، ويسيرون في بناء المجد سيرهم؛ لكونهم خير القرون هديا، وأفضل العصور قدوة. وصدق رسول الله ﷺ القائل فيما رواه البيهقي والديلمي: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم". من هذه القدوة الصالحة التي تجسدت في صحابة رسول الله ﷺ من تابعيهم بإحسان.. انتشر الإسلام في كثير من الممالك النائية، والبلاد الواسعة البعيدة في شرق الدنيا وغربها. والتاريخ يسطر بملء الافتخار والإعجاب أن الإسلام وصل إلى جنوب الهند وسيلان، وجزر لكديف ومالاديف في المحيط الهندي،

стр. 139

وإلى التيبت، وإلى سواحل الصين وإلى الفلبين، وجزر أندونسيا، وشبه جزيرة الملايو.. ووصل إلى أواسط أفريقيا في السنغال، ونيجيريا، والصومال، وتنزانيا، ومدغشقر، وزنجبار، وغيرها من البلاد، وصل الإسلام إلى كل هذه الأمم بواسطة تجار مسلمين، ودعاة صادقين أعطوا الصورة الصادقة عن الإسلام في سلوكهم وأمانتهم، وصدقهم ووفائهم ثم أعقب ذلك الكلمة الطبية، والموعظة الحسنة، فدخل الناس في دين الإسلام أفواجا٦. ولقد تعلم من صحابة رسول الله ﷺ التابعون، ونقلوا إلى الدنيا صورة القدوة العظيمة في صحابة رسول الله ﷺ الذين تأسوا بأسوته واهتدوا بهديه، وفي حسن اقتدائهم بالصحابة صاروا أمثلة عليا في عصورهم، وقدوة أيضا لمن جاء من بعدهم من أجيال أتباع التابعين، ولا تزال هذه السيرة العطرة تنتقل من جيل إلى جيل، وكلهم من رسول الله ﷺ ملتمس، لذلك كان كل من يقتدي بمعلمه كأنما يرتشف من علم المصطفى ﷺ ؛ فالقدوة تتمثل في كل مربٍّ سار على النهج القويم الذي كان عليه الرسول الكريم ﷺ في كل عصر ومصر. ويرى الإمام أبو حامد الغزالي أن المتعلم لا يغنيه كثيرة ما حصل من علم بل إن عليه أن يقتدي بمعلم مربٍّ مرشد يستطيع أن يخرج الأخلاق السيئة من تلميذه بطريقة التربية، ويستبدل ذلك بالأخلاق الفاضلة، فقال لتلميذه بعد ان اطمأن لحفظه القرآن وتحصيل قدرٍ لا بأس به من علوم الشريعة: " ... اعلم أنه ينبغي للسالك "الطالب" شيخ مرشد مربٍّ؛ ليخرج الأخلاق السيئة منه بتربيته، ويجعل مكانها

стр. 140

خلقًا حسنًا"١. ثم يوضح الغزالي له معنى التربية بقوله: "ومعنى التربية يشبه فعل الفلاح الذي يقلع الشوك، ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع؛ ليحسن نباته، ويكمل ريعه٢، ولا بد للسالك من شيخ يربيه ويرشده إلى سبيل الله تعالى؛ لأن الله أرسل للعباد رسولا للإرشاد إلى سبيله، فإذا ارتحل صلى الله عليه سلم فقد خلف الخلفاء في مكانه، حتى يرشدوا إلى الله تعالى"٣. والتلميذ في مدارسنا يحتاج إلى نموذج عملي وقدة يراها متمثلة في شخص معلمه مربيه، ثم هو يأخ التقليد والمحاكاة أكثر مما يأخذ بالنصح والإرشاد، وعلى هذا فإن نجاح العملية التعليمية يتوقف إلى حد كبير على المعلم أو المربي الذي يقوم بالتعليم والتربية، والذي يحقق بسلوكه وممارساته التربوية الأسوة المطلوبة لتحقيق المنهج التربوي، وهذا المبدأ قد قرره القرآن، فقد أمر الله تعالى نبيه أن يقتدي بهدي من سبقه من الرسل قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] . كما أمر الله المؤمنين بالاقتداء برسوله ﷺ فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] .

стр. 141

التربية بشغل أوقات الفراغ وتنظيم الأوراد مدخل ... ج- التربية بشغل أوقات الفراغ وتنظيم الأوراد: ليس لدى المؤمن وقت فراغ؛ لأن الوقت عنده ثمين وهو محسوب عليه، وقد سئل رسول الله ﷺ : يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: "من طال عمره وحسن عمله"، وسئل: فأي الناس شر؟ قال: "من طال عمره وساء عمله" ١. وروى عن ابن عمر أنه قال: أخذ رسول الله ﷺ ببعض جسدي فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعُد نفسك من أهل القبور" ٢. والمؤمن الحق هو الذي يشعر بأنه موصول دائما بالله، وأن الله معه في كل حين، وأن الله ناظر إليه أينما حل، وهذا المعنى دقيق، وقلما تجده متحققا في الناس في هذه الأيام؛ نظرا لما عليه حالة العصر من الزخام وتعقد المصالح وتعدد الأمور، وسطحية التربية في المنازل والمدراس، وكثرة موارد اللهو والغناء وانتشارها. ووقت الفراغ غير وارد في حياة المسلم إذا عاش هذا المعنى؛ أي إذا أحس أنه دائما موصول بالله؛ لأنه يكون مشغولا دائما بطهارة نفسه؛ عملا بقول رسول الله ﷺ : "استحيوا من الله حق الحياء" قلنا: يا رسول الله إنا نستحي والحمد لله، قال: "ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى ولتذكر الموت البلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء ... " ٣.

стр. 142

يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي "ت٧٩٥": "جعل الله في كل يوم وليلة لعباده المؤمنين وظائف موظفة عليهم من وظائف طاعته فمنها ما هو فرض كالصلوات الخمس، ومنها ما يندبون إليه من غير افتراض كنوافل الصلاة والذكر وغير ذلك، وجعل في شهور الأهلة وظائف موظفة أيضا على عباده كالصيام والزكاة والحج ومنه فرض مفروض عليهم كصيام رمضان وحجة الإسلام منه ما هو مندوب كصيام شعبان وشوال والأشهر الحرم وجعل الله سبحانه لبعض الشهور فضلا على بعض كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ ، وقال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ، وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ﴾ ، كما جعل بعض الأيام والليالي أفضل من بعض، وجعل ليلة القدر خيرا من ألف شهر، وأقسم بالعشر وهو عشر ذي الحجة على الصحيح، وما من هذه المواسم الفاضلة موسم إلا ولله تعالى فيه وظيفة من وظائف طاعاته يُتقرب بها إليه، ولله فيها لطيفة من لطائف نفحاته يصيب بها من يشاء بفضله ورحمته عليه فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات، فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات، وقد خرَّج أبن أبي الدنيا والطبراني وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعا: "اطلبوا الخير دهركم وتعرضوا لنفحات رحمة ربكم فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، وسلوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم"، وفي رواية للطبراني من حديث محمد بن مسلمة مرفوعا: "إن لله في أيام الدهر نفحات فتعرضوا لها؛ فلعل أحدكم أن تصيبه نفحة فلا يشقى بعدها أبدا". وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن

стр. 143

مجاهد قال؟: "ما من يوم إلا يقول: ابنَ آدم قد دخلت عليك اليوم ولن أرجع إليك بعد اليوم، فانظر ماذا تعمل في فإذا انقضى طواه ثم يختم عليه فلا يفك حتى يكون الله هو الذي يفض ذلك الخاتم يوم القيامة، ويقول اليوم حين ينقضي: الحمد لله الذي أراحني من الدنيا وأهلها. ولا ليلة تدخل على الناس إلا قالت كذلك"، وبإسناده عن مالك بن دينار قال: كان عيسى ﵇ يقول: "إن هذا الليل والنهار خزانتان فنظروا ما تضعون فيهما"، وكان يقول: "اعملوا الليل لما خلق له، واعملوا النهار لما خلق له"١.

стр. 144

رياضة الباطن: وعلى الإنسان المسلم أن يروض نفسه على الطاعات، ولا يحصل ذلك إلا بدوام الفكر في الله تعالى وفي صفاته، ويذكره سبحانه تعالى، ولن يتيسر دوام الذكر والفكر إلا بوداع الدنيا وشهواتها والاجتزاء منها بقدر الضرورة، والاكتفاء منها بقدر الحاجة، وكل ذلك لا يتم إلا باستغراق أوقات الليل والنهار في وظائف الأذكار، ولكن النفس لا تصبر على فن واحد لما جلبت عليه من السآمة والملال، بل إنها إذا ردت على نمط واحد أظهرت الملا والاستثقال، وأن الله تعالى لا يمل حتى يمل الإنسان، فلا بد للإنسان أن يتلطف بنفسه بأن يروح بها من فن إلى فن ومن نوع إلى نوع، فذلك نوع من الرياضة النفسية لتطهير نوازع النفس وتطهير الأبدان من كل ملال. وعلى قدر الاستطاعة يحاول أن يستغرق كل أوقاته التي يفرغ فيها من عمله وسعيه في تأدية العبادة المتنوعة بحسب الأوقات المختلفة، فالله يقول لرسول ﷺ : ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] ، وقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ

стр. 145

السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] ، وقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] ، وقال: ﴿وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠] ، وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ، وللإمام الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين باب في فضيلة الأوراد وترتيبها وأحكامها، رتب فيه للمسلم الراغب في رضى الله ، والراغب في دخول جنته والبعد عن حر ناره الأوقات؛ أوقات النهار وأوقات الليل، ووزع له العبادات التي تتم في اليوم والليلة بحيث لا نجد وقتا خاليا من عبادة أو تبتل، وفي ذلك نفع عظيم للمسلمين؛ لأن ذكر الله دائما يستوجب رحمته ويدفع غضبه، وكيف يغضب المولى على قوم يذكرونه آناء الليل وأطراف النهار؟! ومع ذلك فإن المسلم لا ينسى حظه من الدنيا فلا تمنعه أوراده عن العناية بجسمه والاهتمام بأمر نفسه فيزاول من رياضة الأبدان ما يتفق مع ميوله وكفاياته، فإن ذلك يعنيه على أمر العبادة.
следующие страницы →