← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11732

من قضايا التربية الدينية في المجتمع الإسلامي

كمال الدين عبد الغني المرسي

Полный текст (250 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

التربية بشغل أوقات الفراغ وتنظيم الأوراد مدخل ... ج- التربية بشغل أوقات الفراغ وتنظيم الأوراد: ليس لدى المؤمن وقت فراغ؛ لأن الوقت عنده ثمين وهو محسوب عليه، وقد سئل رسول الله ﷺ : يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: "من طال عمره وحسن عمله"، وسئل: فأي الناس شر؟ قال: "من طال عمره وساء عمله" ١. وروى عن ابن عمر أنه قال: أخذ رسول الله ﷺ ببعض جسدي فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعُد نفسك من أهل القبور" ٢. والمؤمن الحق هو الذي يشعر بأنه موصول دائما بالله، وأن الله معه في كل حين، وأن الله ناظر إليه أينما حل، وهذا المعنى دقيق، وقلما تجده متحققا في الناس في هذه الأيام؛ نظرا لما عليه حالة العصر من الزخام وتعقد المصالح وتعدد الأمور، وسطحية التربية في المنازل والمدراس، وكثرة موارد اللهو والغناء وانتشارها. ووقت الفراغ غير وارد في حياة المسلم إذا عاش هذا المعنى؛ أي إذا أحس أنه دائما موصول بالله؛ لأنه يكون مشغولا دائما بطهارة نفسه؛ عملا بقول رسول الله ﷺ : "استحيوا من الله حق الحياء" قلنا: يا رسول الله إنا نستحي والحمد لله، قال: "ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى ولتذكر الموت البلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء ... " ٣.

стр. 142

يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي "ت٧٩٥": "جعل الله في كل يوم وليلة لعباده المؤمنين وظائف موظفة عليهم من وظائف طاعته فمنها ما هو فرض كالصلوات الخمس، ومنها ما يندبون إليه من غير افتراض كنوافل الصلاة والذكر وغير ذلك، وجعل في شهور الأهلة وظائف موظفة أيضا على عباده كالصيام والزكاة والحج ومنه فرض مفروض عليهم كصيام رمضان وحجة الإسلام منه ما هو مندوب كصيام شعبان وشوال والأشهر الحرم وجعل الله سبحانه لبعض الشهور فضلا على بعض كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ ، وقال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ، وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ﴾ ، كما جعل بعض الأيام والليالي أفضل من بعض، وجعل ليلة القدر خيرا من ألف شهر، وأقسم بالعشر وهو عشر ذي الحجة على الصحيح، وما من هذه المواسم الفاضلة موسم إلا ولله تعالى فيه وظيفة من وظائف طاعاته يُتقرب بها إليه، ولله فيها لطيفة من لطائف نفحاته يصيب بها من يشاء بفضله ورحمته عليه فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات، فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات، وقد خرَّج أبن أبي الدنيا والطبراني وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعا: "اطلبوا الخير دهركم وتعرضوا لنفحات رحمة ربكم فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، وسلوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم"، وفي رواية للطبراني من حديث محمد بن مسلمة مرفوعا: "إن لله في أيام الدهر نفحات فتعرضوا لها؛ فلعل أحدكم أن تصيبه نفحة فلا يشقى بعدها أبدا". وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن

стр. 143

مجاهد قال؟: "ما من يوم إلا يقول: ابنَ آدم قد دخلت عليك اليوم ولن أرجع إليك بعد اليوم، فانظر ماذا تعمل في فإذا انقضى طواه ثم يختم عليه فلا يفك حتى يكون الله هو الذي يفض ذلك الخاتم يوم القيامة، ويقول اليوم حين ينقضي: الحمد لله الذي أراحني من الدنيا وأهلها. ولا ليلة تدخل على الناس إلا قالت كذلك"، وبإسناده عن مالك بن دينار قال: كان عيسى ﵇ يقول: "إن هذا الليل والنهار خزانتان فنظروا ما تضعون فيهما"، وكان يقول: "اعملوا الليل لما خلق له، واعملوا النهار لما خلق له"١.

стр. 144

رياضة الباطن: وعلى الإنسان المسلم أن يروض نفسه على الطاعات، ولا يحصل ذلك إلا بدوام الفكر في الله تعالى وفي صفاته، ويذكره سبحانه تعالى، ولن يتيسر دوام الذكر والفكر إلا بوداع الدنيا وشهواتها والاجتزاء منها بقدر الضرورة، والاكتفاء منها بقدر الحاجة، وكل ذلك لا يتم إلا باستغراق أوقات الليل والنهار في وظائف الأذكار، ولكن النفس لا تصبر على فن واحد لما جلبت عليه من السآمة والملال، بل إنها إذا ردت على نمط واحد أظهرت الملا والاستثقال، وأن الله تعالى لا يمل حتى يمل الإنسان، فلا بد للإنسان أن يتلطف بنفسه بأن يروح بها من فن إلى فن ومن نوع إلى نوع، فذلك نوع من الرياضة النفسية لتطهير نوازع النفس وتطهير الأبدان من كل ملال. وعلى قدر الاستطاعة يحاول أن يستغرق كل أوقاته التي يفرغ فيها من عمله وسعيه في تأدية العبادة المتنوعة بحسب الأوقات المختلفة، فالله يقول لرسول ﷺ : ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] ، وقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ

стр. 145

السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] ، وقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] ، وقال: ﴿وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠] ، وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ، وللإمام الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين باب في فضيلة الأوراد وترتيبها وأحكامها، رتب فيه للمسلم الراغب في رضى الله ، والراغب في دخول جنته والبعد عن حر ناره الأوقات؛ أوقات النهار وأوقات الليل، ووزع له العبادات التي تتم في اليوم والليلة بحيث لا نجد وقتا خاليا من عبادة أو تبتل، وفي ذلك نفع عظيم للمسلمين؛ لأن ذكر الله دائما يستوجب رحمته ويدفع غضبه، وكيف يغضب المولى على قوم يذكرونه آناء الليل وأطراف النهار؟! ومع ذلك فإن المسلم لا ينسى حظه من الدنيا فلا تمنعه أوراده عن العناية بجسمه والاهتمام بأمر نفسه فيزاول من رياضة الأبدان ما يتفق مع ميوله وكفاياته، فإن ذلك يعنيه على أمر العبادة.

стр. 146

رياضة البدن: إن العناية بجسم الإنسان وبصحته ومظهره من أهم الأمور التي عنى بها الإسلام؛ لأن الجسم أداة الاتصال بين العالم الروحي والعالم الأرضي، فالإسلام يهدف إلى بناء المسلم الصحيح القوى المعافى، يقول الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف" ١. ولذلك يضع الإسلام الأسس الفعالة لسلامة بدن الإنسان من الأسقام والأمراض وتنشيطه بالتربية الرياضية العمل والحفاظ عليه من كل ما يؤذيه أو يعرقل نموه.

стр. 147

إن صحة الأجسام وجمالها ونضرتها من الأمور التي وجه الإسلام إليها عناية فائقة، واعتبرها من صميم رسالته، ولن يكون الشخص راجحًا في ميزان الإسلام إلا إذا تعهد جسمه بالتنظيف والتهذيب، وكان في مطعمه ومشربه وهيئته الخاصة، بعيدًا عن الأدران، وليست صحة البدن وطهارته ماديًّا فقط، بل إن أثرها عميق في تزكية النفس، وتمكين الإنسان من النهوش بأعباء الحياة، وما أحوج أعباء الحياة إلى الجسم الجلد والبدن القوى الصبور"١. وإذا كانت الحواس المعروفة قنوات أساسية في المعرفة تعلما وتعليما تصبح صحتها وتدريبها سلامتها ورعايتها شرطا جوهريًّا لإمكان التعلم والتعليم كما أن حسن القيام بكثير من العبادات الإسلامية يتوقف على مدى ما يتمتع به الجسم من صحة وسلامة مثل الصيام والحج. وحرصا على البدن وسلامته، فإن التربية الإسلامية تعمل على أن تعلم الإنسان كيف يعتدل في إشباع حاجاته الجسمية، يقول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] ، ويقول الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه المقدام بن معدي كرب ﵁: "ما ملأ ابن آدم وعاءًا شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لامحالة فاعل فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه"٢. وكي يكون سلوك الجسم صائبا وسليما لا بد أن يتعود الإنسان على ممارسة الرياضة في جميع صورها التي تقوي الجسم وترفع من شأنه وكفاءته٣.

стр. 148

التربية بالقصة والعظة مدخل ... د- التربية بالقصة والعظة: من أظهر الأساليب في التأثير في النفس، القصص الحكايات، ولذلك فإن القصة من أنجح الوسائل في التربية، والقرآن أتى بكثير من القصص والأمثال؛ لما فيها من الهداية والإيمان والعظة والتدبر، وينبغي للمؤدبين والمربين أن يحببوا إلى الناشئين والناشئات أسلوب الموعظة القصصية؛ لما في ذلك من فوائد جليلة في الاستفادة من هدي القرآن. وتمتاز قصص القرآن بسمو الغاية، وشريف المقاصد، ولها مسلك عظيم في التوجيه والإرشاد يدعو الناس إلى العظة والتدبر، فقد حوت كثيرا من تاريخ الرسل مع أقوامهم، والشعوب مع حكامهم، وبرزت فيها شخصيات عرفت بالخير والهداية، وشخصيات عرفت بالشر والضلال، وأقوام سلكوا طريقة النور، وأقوام تاهوا في دياجير الظلام. ونحن في هذه الأيام نجد الناس قد انصرفوا عن قصص القرآن وما فيها من العظات البالغات، إلى قصص المؤلفين من الكتاب والأدباء، والتي يمتزج فيها الحق بالباطل، وأقبلوا على ما يعرض من المسلسلات والمسرحيات على الشاشة الصغيرة، واتخذوا القرآن مهجورا، وغيره لا يربي ولا يفيد. وفي ذلك خطر على التربية كبير، وفساد لنفوس فتياننا وفتياتنا عظيم. والقرآن قد استخدم القصة في التربية والتوجيه والتعليم على أبدع ما يكون، نجد ذلك في قصة يوسف مع أخوته، وقصة أصحاب الكهف، وقصة صاحب الجنتين، وقصة موسى مع الخضر ﵉، وقصة ذي القرنين مع يأجوج ومأجوج، وقصة صاحب ياسين، وكثير من القصص الأخرى التي تمدنا بأمثلة عالية في تحقيق الموعظة واكتساب الأخلاق الحميدة، وإلى ما في أنواع القصص المذكورة من فوائد تاريخية واجتماعية وعلمية.

стр. 149

ولعل من أمتع ما نجده في تفسير بعض الآيات التي وردت مجملة في القرآن، ذلك التفسير المأثور عن رسول الله ﷺ أو عن صحابته أو عن التابعين ومما يثير في النفوس دوافع الإعجاب والتعجب في الوقت نفسه أن هذه الآيات أو تلك كانت معلومة لدى العارفين بالقرآن على نحو قصصي واقعي مفصل كما جاء مثلا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] . فهذا الأمر من الله في الآية أن يقص النبي ﷺ على الناس خبر ذلك الرجل الذي أضله الله على علم ولم ينفعه علمه فصار مثلا يضرب للناس، وكان عبرة لمن ذكب بآيات الله فما الذي تعلمه صحابة رسول الله من هذه القصة؟ يقول ابن عباس: هو رجل من المتقدمين في زمن بني إسرائيل يقال له: بلعام -وكان يعلم اسم الله الأكبر- ولما نزل موسى بالجبارين ومن معه، أتاه -يعني بلعام- بنو عمه فقالوا: يا بلعام، إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة وإنه إن يظهر علينا يهلكنا، فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه، قال: إني إن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، فسلخه الله ما كان عليه. وروى ابن كثير بسنده عن سالم أبي النضر أنه حدث أن موسى ﵇ لما نزل في أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعام إليه فقالوا له: هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل قد جاء يخرجنا من

стр. 150

بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل وإنا قومك وليس لنا منزل، وأنت رجل مجاب الدعوة فاخرج فادع الله عليهم قال: ويلكم نبي الله معه الملائكة والمؤمنون كيف أذهب أدعو علهيم وأنا أعلم من الله ما أعلم؟ قالوا له: ما لنا من منزل، فلم يزالوا به يرفقونه يتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن فركب حمارة له متوجها إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل وهو جبل حسبان، فلما سرا عليها غير كثير ربضت به فنزل عنها فضربها حتى إذا أزلقها قامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت به فضربها حتى إذا أزلقتها أذن لها، فكلمته حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعام أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا؟ تذهب إلى نبي الله والمؤمنين؛ لتدعو عليهم؟ فلم ينزع عنها فضربها فخلى الله سبيلها حين فعل بها ذلك فانطلقت به حتى إذا أشرفت به على رأس حسبان على عسكر موسى وبني إسرائيل جعل يدعو عليهم ولا يدعو عليهم بشرٍّ إلا صرف الله لسانه إلى قومه: أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا قال: فهذا ما لا أملك، هذا شيء قد غلب الله عليه، قال: واندلع لسانه، فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة ولم يبق إلا المكر والحيلة فسأمكر لكم وأحتال، جملوا النساء وأعطوهن السلع، ثم أرسلوهن إلى المعسكر يبعنها فيه، ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها فإنهم إن زنى رجل منهم واحد كفيتموهم. ففعلوا فلما دخل النساء العسكر مرَّت امرأة من الكنعانيين اسمها كستبي -ابنة صور رأس أمته- برجل من عظماء بني إسرائيل، وهو زمرى بن شلوم رأس سبط بني شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، فلما رآها أعجبته، فقام، فأخذ بيدها، وأتى بها موسى وقال: إني أظنك ستقول: هذا حرام عليك لا تقربها؟ قال: أجل هي حرام عليك، قال: فوالله لا أطيعك في هذا فدخل بها قبته فوقع

стр. 151

عليها، وأرسل الله الطاعون في بني إسرائيل، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى وكان غائبا حين صنع زمرى بن شلوم ما صنع فجاء والطاعون يحوس فيهم، فأخبر الخبر، فأخذ حربته وكانت من حديد كلها ثم دخل القبة وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء والحربة قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحيته وكان بكر العيزار، وجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك، ورفع الطاعون فحسب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمرى المرأة إلى أن قتله فنحاص فوجدوه قد هلك منهم سبعون ألفا، والمقلل لهم يقول عشرون ألفا في ساعة من النهار، فمن هنالك تعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها الرقبة والزراع واللحى والبكر من كل أموالهم وأنفسهم؛ لأنه كان بكر أبيه العيزار، ففي بلعام بن باعور أنزل الله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ ، إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١. وقصة بلعام تتضمن الكثير من الفوائد التي تنهض بمستوى التربية إلى أعلى درجة، وليس من ذلك شيء عند المناهج التربوية الحديثة فإنها لا تذكر مثل هذه القصص كما رواها لنا القرآن، ولعل الدرس النفيس الذي نجنيه من وراء هذه القصة هو أن العلم ليس بكثرة التحصيل، ولكن العلم إنما يكون بالعمل. وقد قال الإمام الشافعي في هذا المعنى: "ليس العلم ما حفظ، العلم ما نفع"٢. يندرج تحت هذا المعنى فوائد عظمى، منها:

стр. 152

- أن العلم ليس كما يظن كثير منا لناس الآن من حيث هو العلم الكوني، ولكن العلم الذي يصح أن يطلق عليه هذا اللفظ على الاطلاق هو العلم الديني. - أن العلم الديني يبلغنا الغاية وهو معرفة الحقيقة التي هي معرفة اسم الله الأعظم الذي يستطيع من يعرفه أن يحرك به الجبال وأن يكونبه عبدا ربانيا يقول للشيء كن فيكون. - أن الله يدافع عن الذين آمنوا فمهما حاول الكفار والمشركون هلاك المؤنين بعلومهم رد الله كيدهم في نحورهم. - أن في الطاعة البعد عن المعاصي حفظا وصيانة لمجتمع المؤمنين، فإن ظهرت فيهم المعصية ولم ينكروها يقضوا عليها فلاحفظ لهم ولا صيانة من الله تعالى. والمنهج الإسلامي يضع في الاعتبار أن النفوس تسأم كما تسأم الأجسام وأنه لا بد لها من الترويح عنها بتسليتها برواية القصص والأشعار؛ لما في ذلك من تجديد الهمم واستعادة النشاط، فنجد إلى جانب القصص القرآني قصص رواها النبي ﷺ ، والقصص التي رواها العرب وغير العرب عن الحوادث التي كانت تقع مع الصالحين والطالحين والملوك والسلاطين، ومنها ما حدث في الواقع، ومنها ما أضيف إليه شيء من التأليف، وهي في عمومها يلتمس منها العظة والدرس، نذكر منها على سبيل المثال:

стр. 153

قصة جريج العابد: عن أبي هريرة قال: قال ﷺ : "كان جريح رجلا عابدا فاتخذ صومعة، فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلي فقالت: ياجريح، فقال: يا رب أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي فقالت: يا جريح، فقال: يا رب أمي وصلاتي، "أيهما أجيب وأيهما أفضل"١ فأقبل على صلاته فانصرفت فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريح. فقال: يا رب أمي وصلاتي فأقبل على صلاته. فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات. فتذاكر بنو إسرائيل جريحا وعبادته. وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها "جمالها" فقالت: إن شئتم لأفتننه. فتعرضت له فلم يلتفت إليها، فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها فوقع عليها فحملت فلما ولدت قالت: هو من جريح. فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي فولدت منك. قال: أين الصبي؟ فجاءوا به فقال: دعوني حتى أصلي، فصلى، فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه، وقال: يا غلام من أبوك؟ قال: فلان الراعي، فأقبلوا على جريح يقبلونه ويتمسحون به، وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا أعيدوها من طين كما كانت ففعلوا". "رواه البخاري ومسلم". ويؤخذ من هذه القصة: ١- أن حق الأم عظيم وأنها يستجاب لها في ولدها إذا تغير قلبها عليه، فجريح مع عبادته واعتزاله تغير قلب أمه إذ دعته لم يجبها؛ لأنه كان في صلاته فدعت عليه فاستجيب لها فما الظن بمن تدعو عليه لإهانتها. ٢- إن الالتجاء إلى الله بصدق ينفع عند وقوع الشدائد كما التجأ جريح، وليس بينه وبين الموت إلا سويعات فأنطق الله له الرضيع: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ . ٣- قوة الإيمان صدق التوكل تصدر عنهما العجائب كما أنطق الله الرضيع لهذا الرجل المبارك. ٤- نهاية الكذب والزور الفشل والغيبة كما حصل لهذه المرأة٢.

стр. 154

قصة التائب قاتل المائة: قال ﷺ : " كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ على راهب، فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة؟ فقال: لا. فقتله فكمل به مائة ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُل على رجل عالم فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم. ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء. فانطلق حتى إذا نصف الطريقَ أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط. فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم حكما، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسموا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة". "متفق عليه" وفي وراية في الصحيح: "فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها"، وفي رواية في الصحيح: "فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقاربي، وقال: قيسوا ما بينهما فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له".

стр. 155

ويؤخذ من هذا الحديث: ١- أن العباد بغير علم يضر نفسه وغيره. ٢- فيه قبول توبة القاتل عمدا، وهو مذهب جمهور العلماء فيه، وإن كان شرعًا لمن قبلنا فقد قرره شرعنا؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ﴾ ، وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ فمعناه أن جهنم جزاؤه وقد يجازى بها قد يجازي بغيرها وقد يعفى عنه. ٣- وفيه مقاطعة إخوان السوء ما داموا على حالهم، ومخالطة أهل الخير ومن ينتفع بصحبته. ٤- وفيه تحكيم الخصمين عند الخلاف من يفصل بينهما. ٥- وفيه أن الذنوب وإن عظمت فعفو الله أعظم وإن صدقت توبته حقت رحمته"١.

стр. 156

شجاعة غلام: ١ الحجاج بن يوسف الثقفي "وكان معروفا بالظلم والقسوة والقتل" بينما كان جالسا في منضرة له وعنده وجوه أهل العراق أتي بصبي من الخوارج عليه له من العمر نحو بضع عشرة سنة، فلما أدخل عليه لم يعبأ بالحجاج بن يوسف ولم يكترث به، وإنما صار ينظر إلى بناء المنظرة وما فيها من العجائب، ويلتفت يمينا وشمالا، ثم اندفع يقول: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ وكان الحجاج متكئا فاستوى في مقعده، وقال: يا غلام إني أرى لك عقلا وذهنا أحفظت القرآن؟ فقال الغلام: أو خفت عليه من الضياع حتى

стр. 157

أحفظه وقد حفظه الله تعالى! قال الحجاج: أفجمعت القرآن؟ قال: أوَكان مفرقا حتى أجمعه! قال الحجاج: أفأحكمت القرآن؟ قال الغلام: أليس الله أنزله محكمًا! قال الحجاج: أستظهرت القرآن: فقال الغلام: معاذ الله أجعل القرآن وراء ظهري! فقال الحجاج -وقد ثار غضبًا: ويلك قاتلك الله ماذا أقول؟ قال الغلام: الويل لك ولقومك، قل أوعيت القرآن في صدرك، فقال الحجاج: فاقرأ شيئا من القرآن، فاستفتح الغلام: "بسم الله الرحمن الرحيم إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس "يخرجون" من دين الله أفواجًا ... " فقال الحجاج: ويحك إنهم يدخلون! فرد عليه الغلام قائلا: كانوا يدخلون أما اليوم صاور يخرجون. فقال الحجاج: ولماذا؟ قال الغلام: لسوء فعلك بهم. قال الحجاج: يلك يا غلام! أتعرف من تخاطب؟ قال الغلام: نعم شيطان ثقيف الحجاج، فقال الحجاج: ويلك! من رباك؟ قال الغلام: الذي زرعني. قال الحجاج: فمن أمك؟ قال الغلام: التي ولدتني، قال الحجاج: فأين لدت؟ قال: في بعض الفلوات. قال الحجاج: أمجنون أنت فأعالجك؟ قال: لو كنت مجنونا لما وصلت إليك ووقفت بين يديك. وقال الحجاج: قال: فما تقول في أمير المؤمنين؟ قال الغلام: رحم الله أبا الحسن ﵁ وأسكنه جنان خلده. قال الحجاج: ليس هذا ما عنيت إنما أعني عبد الملك بن مروان. قال الغلام: على الفاسق الفاجر لعنة الله. قال الحجاج: ويحك؟ بم استحق اللعنة أمير المؤمين؟ قال الغلام: أخطأ خطيئة ملأت ما بين السماء والأرض، قال الحجاج: ما هي؟ قال الغلام: استعماله إياك على رعيته تستبيح أموالهم وتستحل دماءهم ... ١. فالتفت الحجاج إلى جلسائه وقال: ما تشيرون في هذا الغلام؟ قالوا: اسفك دمه فقد خلع الطاعة وفارق الجماعة. فقال الغلام: يا حجاج

стр. 158

جلساء أخيك فرعون خير من جلسائك؛ حيث قالوا لفرعون عن موسى وأخيه: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ ، وهؤلاء يأمرون بقتلي إذن والله تقوم عليك الحجة بين يدي الله ملك الجبارين ومذل المستكبرين، فقال له الحجاج: هذب ألفاظك وقصر لسانك فإني أخاف عليك بادرة الأمر، وقد أمرت لك بأربعة آلاف درهم. فقال الغلام: لا حاجة لي بها، بيض الله وجهك وأعلى كعبك؟ فالتفت الحجاج إلى جلسائه وقال: هل علمتم ما أراد بقوله: بيض الله وجهك وأعلى كعبك؟ قالوا: الأمير أعلم. فقال الحجاج: أراد بقوله: بيض الله جهك العمى والبرص، وبقوله أعلى كعبك: التعليق والصلب. ثم التفت إلى الغلام وقال له: ما تقول فيما قلت؟ قال الغلام: قاتلك الله ما أفمهك. فامتزج الحجاج غضبًا وأمر بقتله، وكان الرقاشي حاضرًا فقال: أصلح الله الأمير هبه لي. قال: هو لك لا بارك الله لك فيه. فقال الغلام: والله لا أدري أيكما أحمق من صاحبه ألواهب أجلا قد حضر أم المستوحب أجلا لم يحضر؟ فقال الرقاشي: استنقذتك من القتل وتكافئني بهذا الكلام! فقال الغلام: هنيئا لي الشهادة إن أدركتني السعادة، والله إن القتل في سبيل الله أحب إلي من أن أرجع إلى أهلي صفر اليدين، فأمر له الحجاج بجائزة، وقال يا غلام: قد أمرنا لك بمائة ألف درهم وعفونا عنك؛ لحداثة سنك وصفاء ذهنك وحسن توكلك على الله، وإياك والجرأة على أرباب الأمر فتقع مع من لا يعفو عنك, فقال الغلام: العفو بيد الله لا بيدك، والشكر له لا لك، ولا جمع الله بيني وبينك، ثم هم بالخروج فابتدره الغلمان فقال لهم الحجاج: دعوه فوالله ما رأيت أشجع منه قلبا ولا أفصح منه لسانًا، ولعمري ما وجدت مثله أبدًا، وعسى هو لا يجد مثلي، فإن عاش هذا الغلام ليكونن أعجوبة عصره. "قيل إنه أمر بعض رجاله بأن يدس له السم فقتله"١. مثل هذه القصص تربي في النفس ملكة الفهم والفطنة وتثري الذهن بجليل الزكانة والحكمة، والتراث الإسلامي العريض فيه مالا يحصى من مثل هذه القصص التي حرم منها الاولاد في العصر الحديث وفيها كما ترى من العظة والتأمل والتدبر ما يرقى بالنفوس ويهذب من الخصال.

стр. 159

التربية بالعقوبة مراعاة طبيعة الطفل المخطئ في استعمال العقوبة ... التربية بالعقوبة: يأخذ الإسلام بمبدأ الثواب والعقاب في التربية بعد تقديم النصح الإرشاد بطريقة الترغيب والترهيبن فالثواب لكل من أحسن العمل والعقاب لمن أساء العمل. وعندما يخرج الولد عن المسار الصحيح للدين يأتي دور العقاب ليعيده إلى المسار الصحيح، وطريقة الإسلام في ذلك تنتهج الخطوات التالية. ١- مراعاة طبيع الطفل المخطئ في استعمال العقوبة: الأولاد يتفاوتون فيما بينهم ذكاء ومرونة واستجابة.. كما أن أمزجتهم تختلف على حسب الأشخاص، فمنهم صاحب المزاج الهادئ المسالم، ومنهم صاحب المزاج المتعدل. ومنهم صاحب المزاج العصبي الشديد.. وكل ذلك يعود إلى الوراثة، وإلى مؤثرات البيئة، وإلى عوامل النشأة والتربية. فبعض الأطفال ينفع معهم النظرة العابسة للجر والإصلاح، وقد يحتاج الطفل آخر إلى استعمال التوبيخ في عقوبته، وقد يلجأ المربي إلى استعمال العصا في حالة اليأس من نجاح الموعظة، واستعمال طريقة التوبيخ والتأنيب. وعند كثير من علماء التربية الإسلامية ومنهم ابن سينا والعبدري وابن خلدون -أنه لا يجوز للمربي أن يلجأ إلى العقوبة إلا عند الضرورة.

стр. 160

القصوى، وأن لا يلجأ إلى الضرب إلا بعد التهديد والوعيد وتوسط الشفعاء.. لإحداث الأثر المطلوب في إصلاح الطفل، وتكوينه خلقيًّا ونفسيا١. "ويحدثنا الغزالي عما يسميه علماء النفس بتدعيم السلوك الحسن أو أسلوب التدعيم والتعزيز من خلال مكافأة الأطفال وإثابتهم على السلوك الحسن، يقول الغزالي في ذلك: "ثم مهما ظهر من الصبي خلق جميل، وفعل محمود، فينبغي أن يكرم عليه ويجازى عليه بما يفرح به، ويمدح بين أظهر الناس، فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة، فينبغي أن يتغافل عنه، ولا يهتك ستره، ولا يكاشفه ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسر أحد على مثله، ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه، فإن إظهار ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة، فعند ذلك إن عاد ثانيا، فينبغي أن يعاتب سرًّا، ويعظم الأمر فيه، ويقال له: إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا"٢. وقد قرر ابن خلدون في مقدمته أن القسوة المتناهية مع الطفل تعوده الخور، والجبن، والهروب عن تكاليف الحياة، فمما قاله: "من كان مربَّاه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم، سطا به القهر، وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، حمله على الكذب والخبث خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة، ولذلك صارت له هذه عادة وخلقًا وفسدت معاني الإنسانية له". وقد أسهب ابن خلدون في توضيح ما ينشأ من الأثر السيء، والنتائج الوخيمة، بسبب القهر واستعمال الشدة والعنف في الولد.

стр. 161

فقال: "إن من يعامل بالقهر يصبح حملا على غيره، إذ هو يصبح عاجزًا عن الذود عن شرفه وأسرته لخوله من الحماسة الحمية على حين يقعد عن اكتساب الفضائل الخلق الجميل.. وبذلك تنقلب النفس عن غايتها ومدى إنسانيتها". وهذا الذي ذكره ابن خلدون يتفق كل الاتفاق مع التوجيه النبوي الذي سبق ذكره في الملاطفة والرفق واللين، وينسجم تمامًا مع المعاملة الرقيقة الرحيمة التي كان النبي ﷺ يعامل عليها الأولاد جميعًا، ويتلاءم أيضا مع المعالجة الحكيمة التي كان ﵊ يعالج بأسلوبها مشاكل الناس، وأبناء المجتمع على اختلاف أعمارهم، وتباين طبقاتهم.. بل كان رجال السلف وأصحاب المناصب العالية يأخذون أولادهم بالحكمة والرفق واللين.. ولا يلجؤون إلى العقوبة الشديدة إلا بعد اليأس من استعمال أسلوب الموعظة والتأنيب. ومما ترويه كتب التاريخ أن الخليفة الرشيد طلب إلى "الأحمر" مؤدب ولده ألا يدع ساعة تمر دون أن يغتنم فائدة تفيده من غير أن تحزنة فتميت ذهنه، وألا يمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، ويقومه ما استطاع بالقرب والملاينة، فإن أباهما فعليه بالشدة والغلظة.. والأمثلة على ذلك كثيرة ومستفيضة. الذي نخلص إليه بعدما تقدم أن على المربي أن يكون حكيمًا في استعمال العقوبة الملائمة التي تتفق مع ذكاء الطفل وثقافته ومزاجه، كما عليه ألا يلجأ إلى العقوبة إلا في مرحلتها الأخيرة.

стр. 162

التدرج في المعالجة من الأخف إلى الأشد ... ٢- التدرج في المعالجة مع الأخف إلى الأشد ١: مما نوَّهنا عنه قبل قليل أن العقوبة التي يجريها المربي للولد يجب أن تكن في مرحلتها الأخيرة، ومعنى هذا أن هناك مراحل من المعالجة. والتأديب يجب أن يمر عليها المربي قبل اللجوء إلى التسرب؛ لعلها تؤدي إلى الغرض في تقويم اعوجاج الطفل، ولعلها تصلح من شأنه، وترفع من مستواه الأخلاقي والاجتماعي، وتجعله إنسانًا سويًّا!!.. لأن المربي كالطبيب -كما يقول الإمام الغزالي- كما أن الطبيب لا يجوز أن يعالج المرضى بعلاج واحد مخافة الضرر، كذلك المربي لا يجوز أن يعالج مشاكل الأولاد، ويقوِّم اعوجاجهم بعلاج التوبيخ وحده مثلا مخافة ازدياد الانحراف عند البعض، أو الشذوذ عند الآخرين، ومعنى هذا أن يعامل كل طفل المعاملة التي تلائمه، ويبحث عن الباعث الذي أدى إلى الخطأ، وعن عمر المخطئ وثقافته، والبيئة التي يكتسب منها.. كل ذلك مما يساعد المربي على فحص علة الانحراف في الولد، وتشخيص مرضه.. ليصف له العلاج الذي يناسبه. ومتى عرف المربي مكمن الداء، وشخص موضع العلة يستطيع أن يصف له العلاج الملائم، وسلك معه الأسلوب الأفضل.. حتى يصل بالولد في نهاية الشوط إلى روضة الأصحاء، وشاطئ المتقين. ولا شك أن المربي حين يعاقب الولد المسيء أمام إخوته أو أقرانه.. فإن هذه العقوبة تترك الأثر الأكبر في نفوس الأولاد جميعًا. ويحسبون ألف حساب لعقوبات تنالهم، أو إساءات يفعلونها!! وبهذا يعتبرون ويتعظون.. وهناك عقوبة قطع اليد للسارق وعقوبة الجلد لشارب الخمر أو القاذف وعقوبة النفي، أو القتل لقاطع الطريق وهكذا كما أوضحته الشريعة في أبواب الحدود للجنايات التي يرتكبها المسلم.

стр. 163

شبهة "حقوق الإنسان" التي تنادي بها منظمة اليونسكو: "يتحدث الناس اليوم عن حقوق الإنسان التي تتحدث عنها المنظمات السياسية العالمية على نحو يدعو إلى التصور بأنها أمر استحدثه الغرب وحقق به العدل والإخاء والمساواة، مع أن حقوق الإنسان عرفها الإسلام وقدمها للبشرية وطبقها قبل أربعة عشر قرنا، وقبل ما استحدثته بعض المنظمات العالمية في العقود الأخيرة. شهد بذلك علماء الغرب أنفسهم في عديد من مؤتمراتهم وكتبهم ومنهم على سبيل المثال: الدبلوماسي الألماني مراد هوفمان إذ قال: إن الشريعة الإسلامية قد تضمنت قوانين مختلفة تكفل توافر الحقوق، وبخاصة حق الحياة وسلامة الجسد والحرية والمساواة في المعاملة، وحق الملكية الخاصة والزواج وحرية الضمير، وبراءة المتهم حتى تثبت إدانته، وحق اللجوء، وكذلك عدم الحكم إلا بعد سماع أقوال الطرفين، وهذه الحقوق جميعها قد كفلها الإسلام منذ كان تشريعه"١. وإذا كان كلام الدبلوماسي الألماني هوفمان واضحا في أن شريعة الإسلام قد كفلت للإنسان جميع الحقوق التي تضمن له حق الحياة الآمنة الكريمة وهذه شهادة نعتز بها؛ لأنها وردت من جانب أجنبي تكلم من وجه الإنصاف بما قد علم من شرائع الدين الإسلامي الحنيف، هذه حقيقة يعلمها علماء الغرب والشرق على حد سواء، وكان من المفيد بعد هذا التصريح أن تترجم حقوق الإنسان التي تحدثت عنها الشريعة الإسلامية إلى جميع لغات العالم، وتوزع على الدول لمن شاء لكن المنظمات الدولية لا سيما تلك المنظمات التي نشأت في الدول

стр. 164

المسماة بالدول المتقدمة لم تشأ أن تنسب حقوق الإنسان إلى شريعة الإسلام، بل أرادت أن تنبثق من التشريع الدولي حتى لا يذكر اسم الإسلام ولا تنسب إليه هذه الحقوق حتى تتقوى ظاهرة العلمنة وتكتسب صفة السبق إلى الدعوة لخير البشرية فأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من ديسمبر ١٩٤٨ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ومنذ هذا اليوم والاجتماعات تتوالى في اليونسكو لتنمية العمل نحو تقنين حقوق الإنسان وجعلها دعوة عالمية تنطلق منها القرارات والبنود المؤيدة والمشرعة لحقوق الإنسان على النحو الذي تراه هيئة اليونسكو لا كما تراه شريعة الإسلام. والتقنين الذي ترتضيه هيئة اليونسكو تفرضه على الدول الأعطاء فتكون هذه الدول ملزمة بتطبيق قرارات اليونسكو في هذا الشأن. وتلقف الباحثون التربويون هذا العنوان "حقوق الإنسان"، وصاروا يروجون له على نحو واسع كأنهم قد وجدوا متسعا عريضا لإظهار الهمة وإجراء البحوث التربوية، وحولوا ذلك إلى قضية كبرى جعلوا يروجون لها حتى الآن وصلت إلى أن طالبوا فهيا بوجوب تدريس مواد القانون العالمي لحقوق الإنسان في المدارس والمعاهد والجامعات، ورأوا أن في ذلك ضرورة تفوق كل الضرورات الاجتماعية، وكأن هذا القانون العالمي هو الذي سينقذ البشرية من الوهدة التي تردت فيها من الظلم الاجتماعي لدى شعوب العالم المختلفة. "ولقد دعا المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان الذي عقدته اليونسكو سنة ١٩٧٨ إلى نشر برامج بث الوعي لدى التلاميذ منذ التحاقهم بالمدارس والمتعلقة بحقوق الإنسان وحرياته ونشر مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في كل مراحل التعليم"١.

стр. 165

ومنذ ذلك الحين والتربويون عندنا في مصر وفي غيرها من البلاد العربية والإسلامية يتبارون في إنشاء البحوث وعقد الندوات والمؤتمرات للترويج للقانون العالمي الصادر من اليونسكو ويرون أن ذلك أمرا في منتهى الخطورة وعظم الشأن، وصل إلى درجة أن السيد الدكتور وزير التربية والتعليم طرح أمام المؤتمر العام لليونسكو المنعقد في ٣٠/ ١٠/ ١٩٩٣ بباريس أفكار رئيسية لتطوير التعليم وتجديد التربية منها: ضرورة الرؤية الشاملة للمستقبل واستراتيجية الإصلاح التربوي، وأن مصر تحرص على تحديث مناهج التعليم بإدخال التربية الدولية وتدريس مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان"١. التربية الدولية تصلح لنا حقوق الإنسان ويتم تدريسها في مدراسنا! وأين التربية الدينية؟! وأين شريعة الله؟ وأين آداب رسول العالمين؟ هل نتعلم حقوق الإنسان من الديقراطية؟ لله الأمر من قبل ومن بعد.. إن شريعة الإسلام كلها منصبة على تحقيق حقوق الإنسان التي أمر الله بها أوضحها لنا رسوله الكريم ﷺ .. أفنترك ما قال الله، وما قال الرسول إلى ما قال "دور كايم"، و"جان جاك روسو" وغيرهما؟! وسرعان ما ظهرت مواد القانون العالمي لحقوق الإنسان في كتب المدراس؛ ليتم تدريس شريعة اليونسكو في المواد الدراسية: كتب اللغة العربية، كتب التربية الدينية الإسلامية، والتربية الدينية المسيحية، والدراسات الاجتماعية، والتربية الوطنية، ووجد التربويون ضالتهم المنشودة في ترجمة الأبحاث المتعلقة بحقوق الإنسان في نشاط منقطع النظير.. وكلها في الحقيقة عبارت جوفاء ومعدلات وهمية، والأمر في النهاية يزيد التعليم تعقيدا وتجهيلا. ألم يكن من الأفضل

стр. 166

تدريس كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري على مراحل التعليم قبل الجامعي وفيه كل الحقوق الواجبة للمسلم وغير المسلم، وأفنترك الحقوق التي ذكرها الإمام أبو حامد الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين ونضرب بها عرض الحائط وندرِّس لأبنائنا قرارات اليونسكو؟! إن هذه الشبهة كلمة حق أريد بها باطل". وإذا كان الله قال في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ ، وقال أيضا: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ . نترك كلام الله ونلجأ إلى تعاليم اليونسكو، وكلها جدل واهم وكلام من صنع البشر!!

стр. 167

خصائص منهج التربية الدينية الإسلامية تقود إلى السيادة مدخل ... خصائص منهج التربية الدينية الإسلامية تقود إلى السيادة: إنه باستقراء المنهج الرباني المتكامل في التربية يتضح لنا في جلاء أنه يعمد إلى تقديم المواطن الصالح الذي بصلاحه يسعد المجتمع وأنه بسعادة المجتمعات تسعد البشرية، وليس هناك في الوجود ما يماثل هذا المنهج مهما اجتهد البشر في محاولة إيجاد مثيل له، ومن ثم نقول: إن المسلمين هم أصحاب هذا المنهج، وعليهم إعلانه وتبليغه لشتى الأمم في سائر الأرض؛ لأن مهمة تبليغ الإسلام إلى الناس اقتصرت على هذه الأمة دون غيرها، وعلينا أن نعلم أنه لا ينبغي لنا أن نتلمس طريق التقدم في غيره من المناهج الموضوعة بفعل البشر، ومن صنع أولئك المفكرين الذين يروج لهم الغرب أو الشرق على حد سواء، ولا يغرنا ما وصل إليه العلم الدنيوي في إتحافنا يوما بعد يوم بالجديد من الاختراعات في مجال الصناعة أو الزراعة أو الفكر البشري المستحدث؛ لأنه لا يأتي بجديد في الأخلاقيات بل ربما أفسد جانب الأخلاقيات. وكلنا نعلم علم اليقين أن الحضارة إنما تبنى على أساس الأخلاقيات، وقد علا نجم الدول

стр. 168

المسماة بالمتقدمة في سماء العلوم الدينوية، ولكنها قد خبا نجمها في سماء الأخلاقيات، والبقاء والخلود ولا يكون إلا للأخلاق، ولقد صدق شاعرنا المجيد شوقي أمير الشعراء في قوله: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا ومصير تلك الدول المتقدمة إلى الزوال لا محالة مهما طال الزمن؛ لافتقارها لعامل الأخلاق، والأخلاق لدينا في الدين، والدين باقٍ؛ لأن الله تكفل بحفظه، وطريق الدين يفضي إلى النصر وإلى السيادة، فمنهاجنا هو منهاج ما كان عليه الأنبياء، والأنبياء منصورون بنصر الله لهم، ولهذا ستبقى الحضارة الإسلامية وستنتصر بإذن الله ويعلو نجمها مرة أخرى في سماء الإنسانية، ونحن في منهج التربية الدينية نتمثل أخلاق نبينا ﷺ وجميع الأنبياء والصالحين، لذلك فسبلينا سبيل الريادة والسيادة، والمنهج موجود لكنه يحتاج إلى بذل المجهود، مجهود الحكام والمحكومين، ومجهود الأمراء والعلماء، وهناك خصائص بعينها يختص بها المنهج الإسلامي في التربية يجب تذكُّرها دائمًا، ونحن نمضي نحو تطبيق منهج الله نوجزها فيما يلي:

стр. 169

أ- الأصالة: تتميز التربية الإسلامية بأصالتها الواقعية المستمدة من الكتاب والسنة وهدي الصحابة والتابعين، وتعبر عن هذه الأصالة الآية الكريمة: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] . والآية: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] . وجملة ما في القرآن تتناوله السنة بالشرح والتوجيه إلى كل ما يصلح الإنسان في جميع أمور حياته. فإن المنهج الإسلامي في التربية يرتكز أساسا على توجيه الفطرة السليمة إلى إحكام تربية قدرات الإنسان الصالح، وإيجاد مكونات العمل الصالح، فالعمل الصالح هو مقياس الإنسان الصالح؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] . "وإن من أخطر الأخطار التي تواجه أمتنا الإسلامية فقدان الأصالة في المجتمع الإسلامي، وأن نتنازل عن الصفات المميزة لنا يومًا بعد يوم نتيجة غزو أسلوب العيش الغربي لنا، وسيطرة القيم والوافد على سلوكنا بعد سيطرتها على ثقافتنا"١.

стр. 170

ب- الشمولية والتكامل: لقد كان من أكبر الأخطاء التي ارتكبها الفكر التربوي غير الإسلامي إيمانه بالجانب المادي من الإنساني والحياة دون أدنى تشوف إلى الجانب الروحي، إذا كان المنهج التربوي الغربي لا يقيم للعقيدة وزنا ولا للمثل والأخلاق اعتبارا، وهدفه الوحيد بناء الفرد والمجتمع على أساس المحسوسات والماديات حيث نتج عن ذلك سيطرة الغرائز وفقدان الوازع الديني الموجه الأساسي لكل سلوك بشري واضطراب مفهوم القيم والمثل العليا، فإن المنهج الإسلامي في التربية عكس ذلك؛ إنه ينظر إلى الدين والإنسان المجتمع نظرة كلية وشاملة؛ إذ إن الإسلام الذي تقوم على أساسه التربية الإسلامية شمولي في اهتماماته وفلسفة تفسيره للوجود والكون والحياة مؤكدا التصور الجامع بين الروح والمادة وبين النفس والجسم وبين الفرد والجماعة، وبالتالي بين الدنيا والآخرة. وإذا كانت التربية الحديثة بفضل تجاربها المتواصلة والمتعاقبة قد توصلت في بعض البلدان الغربية إلى ضرورة تأكيد نزعة الشمول التي تتعلق بتكوين شخصية الفرد في شتى الجوانب الإنسانية وهو منزع جاء به الإسلام كما هو معلوم منذ أربعة عشر قرنا، فإن نتائج تجربتها هذه لم تثمر الغاية المنشودة؛ لأن نسق الفكر الغربي مهما حال الالتفات -بصعوبة وعلى مضض- إلى الجانب الروحي في مجال التربية فإن عدم إيمانه بأن أساس كل ذلك ترسيخ عقيدة الإيمان بوجود الله ووحدانيته والعبودية له جعل كل محاولة في هذا الاتجاه تبوء بالفشل الذريع"١.

стр. 171

ج- الأخلاقية: إن الأخلاقية التي يدعو إليها الإسلام في السلوك التربوي تقوم على أساس أن المسلم يربي روحه ونفسه على الخلق الإسلامي الجميل موجها عقله إلى التدبر في سنن الله الكونية والتأمل في حقائق الوجود، أما المناهج التربوية غير الإسلامية فهي تقوم على تربية الفرد وفق سنن وقوانين الطبيعة كما يسمونها بمعزل تام عن الإيمان بالوحي والغيب والفضيلة، فما كان أنصار المؤسسات التربوية الحديثة تفرز إنسانا لا يتصف بأية ضوابط أخلاقية ولا مقاييس اجتماعية وهو -في أحسن أحواله- يكون محايدًا أخلاقيًّا؛ أي لا هو إلى جانب الأخلاق ولا هو ضدها، وإنما يتصرف طبقًا لما تمليه رغباته، ومصالحه المتلونة الموقوتة. إن من وسائل التربية الإسلامية في تنمية قدرات النشء الأخلاقية والاجتماعية توفير القدوة الصالحة والمثل الأعلى؛ لأنه بذلك يتم توفير المناخ المناسب لتقوية الوازع الديني الخلقي في جميع الأوساط التي يتفاعل معها النشء، والمثل الأعلى في منهاج التربية الإسلامية الذي يقابله في منهاج التربية الحديثة ما يعرف نظام القيم أي نموذج الحياة التي يراد للفرد المسلم أن يحياها، وقد قرر القرآن الكريم أن الله وحده هو

стр. 172

الخالق المصمم لصورة الإنسان الصالح المصلح، وأنه لا يمكن أن يشاركه أحد في تحديد المثل الأعلى. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] . ويتمثل الدور الذي تقوم به التربية الإسلامية في تنشئة الفرد المسلم على تعشق المثل الأعلى وتجسيده في حياته من خلال تثبيت أسس ودعائم فقه السير "أي سير الأنبياء وأبطال الإسلام والعلماء ورجالات الفكر"، وعلى رأس ذلك كله سيرة الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- لما في ذلك من بعث وإحياء للروح الخيرة في الناشئة والتي تجسد قيم معاني الاخلاق الفاضلة والمثل العليا المبادئ السامية مما يساعد على تطبيق السلوك الأخلاقي والاجتماعي والتربوي. ولعل في افتقاد القدوة المثالية والأسوة الحسنة في البيت والمجتمع ما جعل كثيرًا من شبابنا يلتجئون إلى التماس القدوة في رموز غربية وافدة زينها الغرب في نفس المسلمين، ففرضت فيها تأثيرا أقوى من تأثير الأقلام والخطب، وإذا كنا نطمح إلى إيجاد المثل الأعلى في الساحة التربوية الإسلامية، فيجب على المربين والمعلمين أن يتصفوا بالقيم الفاضلة والمثل الرفيعة والعمل الجاد مما يهيئ المجال لانتشار القدوة الحسنة والمثل الأعلى وبخاصة في واقع الحياة، وبذلك نستطيع ضمان طرح البديل الإسلامي لما يعاني منه الشباب المسلم من ضياع واستلاب فكري تربوي وافتقاد للقدوة الحسنة المتميزة. إن ربانية الفكر التربوية الإسلامي تجعل الأخلاقية من أهم خصائصه وركيزة أساسية في بناء شخصية الفرد المسلم الملتزم القادر على مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية١.

стр. 173

د- الواقعية وقابلية التطبيق: "لما كانت مبادئ التربية الإسلامية مستوحاة من الكتاب والسنة كان من المحتوم بُعدها عن الخيال والتخبط، وسلوكها منهجا عمليا واقعيا يناسب الفطرة الإنسانية، ويلائم الظروف والإمكانات المتاحة لكل من الفرد والمجتمع؛ فالله لما شرع للإنسان المسلم أسس دعائم المنهج التربوي في الإسلام أرساه على شكل قواعد متينة تحقق أهدافا واقعية ممكنة التطبيق في عموميتاتها في كل زمان ومكان. تعتبر مبادئ التربية الإسلامية الواقعية أبعد ما تكون عن مجرد شعارات ترفع وتردد كما هو الحال في كثير من الفلسفات التربوية الوضعية كما أنها أبعد ما تكون عن المثالية التي لا إمكانية لتطبيقها في واقع الحياة. فالتربية الإسلامية منهجا ومبادئ هي أقرب ما تكون قابلة للتطبيق في ظل ظروف المجتمع الفاضل الصالح المتماسك والقائم على أساس من الدين والأخلاق والذي يتحقق في أجوائه العدل والتعاون بين مختلف فئات المجتمع وأفراده. لعل في خاصية الواقعية التي تميز الفكر التربوي الإسلامي ما يجعل الأخلاق الإسلامية متمشية مع إمكانات الإنسان البشرية، ومسايرة ومطابقة تماما لفطرته السلمية، ومن مظاهر هذه الواقعية التوفيق بين مطالب الروح الجسد معا، وعدم تكليف الإنسان ما لا يطيق أو يفوق قدراته وإمكاناته"١.

стр. 174

هـ- الثبات والخلود: "مما لا شك فيه أن الله تعالى حينما رسم للإنسان طريق الفلاح والسعادة، وشرع له سبل وأسس التربية الناجحة قدر لها التوافر على عنصر لثبات حتى لا تكون خاضعة للتغيير والتبديل مع تقلبات الهوى كما كتب لها الخلود وصلاحية التطبيق في كل زمان ومكان ارتضى لها مسايرة التطور بمرونة ويسر. فإذا كانت حضارات قديمة وحديثة عدة قد تعارفت على آداب للسلوك ومفاهيم للتربية والأخلاق فإن أهم ما يؤخذ عليها أنها خضعت لمنطق البيئة، وتطورت مع تطور الحضارات حتى وصلت في عصر المدنية الحديثة إلى ما وصلت إليه من تنكر صارخ لكل القيم والمثل العليا والتحلل من كل نور الفضيلة والعفة والفطرة السليمة فأباحت الكذب والفسق والغدر، وجعلت غاية الحياة مبنية على المتعة واللذة بما يعتبر دعوة إلى الانحلال الخلقي والانفلات من آداب الفطرة والتربية الخلقية السليمة، ولقد كان في مقاطعة دول إسلامية ومعارضة أخرى بناء لكل تلك البنود التي تمس الأخلاق النبيلة والفضائل السامية مما يعزز خاصية الثبات والخلود في الفكر التربوي الإسلامي؛ إذا إنه على الرغم من موجات التحرر والانحلال الخلقي وإهدار القيم الأخلاقية مما تعاني منه المجتمعات غير الإسلامية فإن الموقف الإسلامي في شأن الأخلاق والتربية يبقى موحدًا وثابتًا، فقوانين الفطرة السليمة تلتزم تربية الإنسان على حياة الطهارة والعفة والشرف والفضيلة. ولا يمكن أن يفهم من خاصية الثبات جمود التربية الإسلامية في أهدافها ومناهجها وطرقها فذلك ما لا يقول به من له أدنى إحاطة بفلسفة الفكر التربوي الإسلامي؛ فالتجدد والتطور باستمرار وقابلية التغير هي من خصائص التربية الإسلامية أيضا، لكن في إطار الثوابت من أصول الإيمان والقواعد الكلية للدين، فاحتياجات الزمان والمكان لمقتضيات التطور والتغير الاجتماعيين ولمصالح الفرد والجماعة التي تقوم على مراعاتها الشريعة الإسلامية تفرض التجدد والتطور ومسايرة العصر دون افتقاد لأي من المقومات والدعائم الثابتة في إطار الشريعة الإسلامية"١.

стр. 175

الفصل الخامس: الجهات المسئولة عن التربية مدخل ... الفصل الخامس: الجهات المسئولة عن تطبيق المنهج الإسلامي في التربية مسئولية التربية: تقع مسئولية التربية في الإسلام على جهات معينة منوطة بتطبيق ما جاء به الدين الحنيف من الآداب والأخلاق، وهي تنحصر في: الأسرة، المدرسة، المسجد، المجتمع. وتبدأ تربية الأولاد أول ما تبدأ في البيت، فالوالدان يهضان سويا بمسئوليات الأولاد ويعملان معا على تكوين الأسرة المسلمة التي هي في الحقيقة النواة الأولى لبناء المجتمع الفاضل. وقد حدد الإسلام مسئولية كل من الزوج والزوجة وبين كل منهما حقوقه واجباته، كما بين للأولاد حقوق الوالدين وحضهم على البر بهما، ورفع من منزلتهما إلى درجة سامية تكون بعد عبادة الله وتوحيده. وقد فطر الله قلب الوالد والوالدة على الرحمة بالأولاد والرأفة بهم، وكان رسول الله صلى الله عليه سلم مثال الرحمة والرأفة بولده وبأولاد المسلمين. وهذا الشعور النبيل بالعطف على الأبناء له في تربية الأولاد أثر عظيم. وشريعتنا الغراء قد رسخت في القلوب خلق الرحمة وحظت الكبار من آباء ومعلمين ومسئولين على التحلي بها والتخلق بآدابها. ولكن هذه الرحمة وهذا العطف الحنان نحو الأولاد ينبغي ألا تطغى عليه الجهاد في سبيل الله تبليغ الدعوة إلى الله؛ لأن مصلحة الإسلام في ذلك فوق كل اعتبار، يقول الحق ﵎ في محكم التنزيل: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ . وروى البخاري ومسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده والناس جميعا"، يجب أن تمتد جسور من التعاون بين الأسرة والمسجد والمدرسة والمجتمع حتى تحقق الثمرة المرجوة من التربية الدينية، ويطهر العالم الإسلامي من أدران الفتن وأمراض العصر التي تتزايد فيه يوما بعد يوم. على نحو ما سنناقشه في السطور التالية.

стр. 176

أولا: الأسرة تعويد الطفل على الخصال الحميدة ... أولا: الأسرة تقع المسئولية العظمة على الوالدين في تربية الولد أنهما معا يمثلان البنية الألى في تنشئة الطفل، ولذلك أولى الإسلام عناية كبيرة للزواج ووضع الضوابط لدقيقة والمعايير السليمة التي تحقق للناس أسرًا قوية متماسكة البنيان تبدأ بحسن الاختيار لكلا الزوجين أولا وقبل كل شيء، وتنتهي بتطبيق الآداب التي شرعها الإسلام للمعاشرة، وتحقيق ما قال الله والرسول في أمور حياتهما. تعويد الطفل على الخصال الحميدة: "الأسرة هي أول وحدة اجتماعية تحيط بالطفل منذ ولادته، وهي الوحدة التي يبدأ فيه الطفل تكوين ذاته وتكوين اتجاهاته الفكرية والخلقية والاجتماعية عن طريق التنشئة الاجتماعية وتعليمه نماذج السلوك وأوجه التصرف المقبولة لدى المجتمع. ولا شك أن الوالدين "الأم والأب" يتحملان المسئولية في عملية التنشئة هذه. ويؤكد الغزالي أن التنشئة الاجتماعية للطفل ليست عملية سهلة أو بسيطة، بل تتطلب١ كثيرًا

стр. 177

من الجهد والصبر والعناية. يقول الغزالي: "اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها، والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة، خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل نقش ومائل إلى كل ما يمال به إليه"، وما دام الطفل قابلا لكل ما يقال إليه من جهة الأبوين فهما المسؤولان عن تصرفاته وعن نمط شخصيته في لمستقبل، ولهذا فإن الغزالي يخاطب المربين وبخاصة الوالدين بقوله: "إن الطريق لتربية الأطفال وتهذيبهم وتحين أخلاقهم وتعويدهم الخصال الحميدة مسئولية كبرى تقع على عاتق الوالدين وكل من يوكل إليه أمر الطفل والاهتمام به وبتربيته؛ لأن الطفل أمانة في عنق والديه، فالأم والأب مسئولان إلى حد كبير عن حسن تربيته أو سوئها، وعن انحرافاته الخلقية والاجتماعية أو عن تعاونه ومحبته للآخرين أو عن انحرافه أو إصلاحه. والمتأمل في الفكر الاجتماعي التربوي المعاصر، يرى أن كثيرا من الأفكار الاجتماعية التربوية منسجمة إلى حد كبير مع أفكار المفكر العربي المسلم "أبو حامد الغزالي"؛ فهناك نفر من العلماء التربويين والاجتماعيين يرى أن تصرفات الأبناء تعكس إلى حد كبير شخصيات الآباء، وأن تصرفات الأبناء هي المفتاح لفهم شخصيات الآباء، ومن علماء الاجتماع المحدثين من يقول: "إن جعل الطفل كائنا اجتماعيا يعتمد بصورة متزايدة على نمط العلاقات الشخصية التي يخلقها الوالدان بطريقة غير مباشرة". وهذا يعني أن الوالدين في نظر الطفل٢ هما مثله الأعلى الذي يقتدي به. فإذا كانا يتصرفان تصرفات سليمة صحيحة، فإنه سيتصرف تصرفات صحيحة وسليمة قياسًا لما يراه في أسرته، فهو يحاكي ويقلد أفعالهما وأعمالهما؛ لأنه يثق ويحسن الظن بهما.

стр. 178

تجنيب الطفل العادات السيئة: "ولا يكتفي الغزالي بالإشارة إلى العادات الحسنة الواجب إكسابها للطفل بل يتحدث أيضا عن العادات السيئة الواجب تجنيبه إياها، مثل كثرة النوم والأكل وحب الذهب والفضة، يقول في ذلك: "وينبغي أن يمنع من النوم نهارًا؛ فإنه يورث الكسل، ولا يمنع منه ليلًا، ولكن يمنع الفرش الوطيئة "اللينة" حتى تتصلب أعضاؤه، ولا يسمن بدنه، فلا يصبر عن التنعم، بل يعوَّد الخشونة في الفرش والملبس والمطعم". ويقبح الغزالي للصبيان حب الذهب والفضة والطمع فيهما، ويحذر منهما أكثر مما يحذر من الحيات والعقارب؛ "فإن آفة حب الذهب والفضة والطمع فيهما أضر من آفة المسموم على الصيان بل على الأكابر أيضا". هنا نلاحظ أن الغزالي يحذر من ظاهرة خطيرة متفشية الآن في مجتمعنا وربما كانت متفشية في عصر الغزالي، وهي ظاهرة حب المال، والاتجاه المادي عند الناس. ورأى أنه يجب أن لا يغرس في نفوس الأطفال حبهما أو الطمع فيهما؛ نظرا للأثر السيء الذي تتركه هذه التنشئة، على أهدافهم، وسلوكهم في المستقبل، وتنسجم هذه الأفكار التربوية مع الحديث النبوي الشريف الذي رواه أبو موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "حرم لبس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم". رواه الترمذي، وقال حديث حسن١.

стр. 179

حال الأسرة المسلمة في عصرنا الحاضر: تعرض حال الأسرة المسلمة في العصر الحاضر لهزات شديدة أمام تفوق الغرب المتغطرس على بلاد الإسلام في المجال الصناعي، ومع الصراع ضد التخلف والدعوة للخروج من هذه الأزمة المستحكمة ومجابهة التغلغل الفكري الغربي ضعفت قوة التماسك الأسري في البيت المسلم ... " وحينما ننظر إلى واقع الأسرة المسلمة الآن نجدها قد تعرضت لموجات من الفتن والمغريات العصرية التي هبت على ديار المسلمين ووفدت إلى مجتمعاتهم باسم المدنية في صورة ألوان من الخلاعة والابتذال والسفور وكلها عوامل تنذر بالانحلال والذوبان، وعليه فقد اندفع الغيورون على دينهم وأوطانهم على معالجة هذا القصور والتصدي لتيارات التغريب والعلمانية والحداثة لحماية الأسرة العربية والبيت المسلم من الدخول في متاهات النظم الغربية التي ينطلي زيفها على الناس، ولنا أن نقول: إن واقع النظام الأسري لدى غير المسلمين، يشير إلى أن نظرة تلك المجتمعات على اختلاف مللها ونحلها على مر العصور نظرة تتسم بالعنف والعسف والقسوة، كما أضحت الأسرة في المجتمعات الحديثة مفككة الأوصال؛ لأن الحرية تحولت فيها إلى استهتار بالقيم الإنسانية واستخفاف بالكرامة فانتشرت الفاحشة وعمت صور الطلاق والمخادنة وفوضى الإجهاض. أما عن واقع النظام الأسري لدى المسملين فنجد المرأة وقد تبوأت مكانة لم تحظ بمثلها في أي نظام اجتماعي آخر، حيث تمثل نصف المجتمع، فتح الإسلام أمامها أبواب المثل العليا والأخلاق الرفيعة ومن خلال العلاقة الزوجية كما أقرها الإسلام، فإن الإنسان ينعم بتكوين شخصيته تقوية روابط الأخوة وحماية المجتمع من التلوث وصيانة الأنساب وتحصيل الأجر من الله"١.

стр. 180

"وانشغال الأسرة علن تربية أبنائها وتنشئتهم التنشئة السليمة يؤدي إلى خواء البناء، فيصبح عرضة للتصدع وقابلا للانهيار من أول آفة تنهش فيه، وللأسف الشديد تعدد الآفات التي تستهدف النيل من أمن واستقرار المجتمع بقدر تزايد سخط الحاقدين على ما تنعم به مصر من أمان واستقرار ووحدة وطنية وانسجام بين جميع أبنائها، بل ما تضطلع به مصر من دور قيادي في الدفاع عن حقوق الأمة العربية ومملتكاتها وإصرارها على استعادة كل الأراضي العربية المحتلة بغير تنازل أو تفريط. والطريق إلى ذلك بداية هو الطريق الذي يبدأ أولا من الأسرة وتتلى الدور الأسري وكلما كانت الأسرة عمودها وقوامها الحب والتوافق كلما أفرزت عقولا مستنيرة وأبناء يتباهي بهم الوطن في الداخل والخارج، فالثورة الحقيقية للأم لا تعكسها ثروات الأرض أو البحر، إنما تتجسد من خلال عقول أبنائها ورصيدهم والتقدم القدرة على بناء الوطن والمحافظة على ازدهاره. وإذا كانت الأسرة هي الخلية الأولى لعملية التنشئة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، فهل آن الأوان لأن نعطيها المزيد من الاهتمام لأنه من خلالها تنمو الثقافة العامة والخاصة للأفراد وتتحدد هويتهم تتشكل شخصيتهم"١.
следующие страницы →