ويرى السوفييت أن السبق الصحفي عادة برجوازية سيئة. ويعلل جوكوف -نائب رئيس تحرير البرافدا- سبب التأخر في النشر والتعليق على بعض الأحداث العالمية يومين أو ثلاثة بقوله: "إن النجار الماهر يقيس سبع مرات ويقطع مرة واحدة"١ فليس غريبا أن تقبع البرافدا في مكان هادئ بمبناها الضخم المرتفع، ولا يسمح للأجانب بالصعود إليها إلا بإذن خاص، ولا حتى للسوفيتي نفسه، إلا بعد تقديم بطاقته إلى الحارس الرسمي.
والحقيقة أن الصحافة السوفييتية قد تعرضت لنقد عنيف في المقال الذي نشرته مجلة الحزب القومية "كوميونست" بقلم ستربيوكهوف وهو من الموظفين البارزين في إدارة الإعلام والدعاية المركزية للحزب الشيوعي، وقد جاء فيه: "إن الصحف السوفييتية جامدة مملة، ذات طابع واحد، وسطحية، وضعيفة من وجهة النظر الأيديولوجية. وإننا لو نظرنا إلى مجموعة من الصحف والمجلات الصادرة لما أمكن التفريق بينهما إلا بالنظر إلى أسمائها".
وتطالعنا جريدة "البرافدا" في الخامس من مايو سنة ١٩٥٦-وهو يوم الصحافة السوفييتية- بمقال جاء فيه: "إن تقرير اللجنة المركزية إلى المؤتمر العشرين أبرز أهمية توجيه عناية خاصة إلى تدعيم دور الصحافة في جميع الميادين السياسية والتنظيمية والأيديولوجية. وعلى ذلك يجب إدخال تحسينات جوهرية على طريقة تحرير الصحف وإزالة الأخطاء التي جعلت من الصحافة شيئا غير مستساغ، وتعالج موضوعات مكررة لا معنى لها".
وقد امتدح "بولن" -مساعد رئيس تحرير الأزفستيا- الصحافة الغربية، ونصح الصحفيين بمحاولة إرضاء أذواق القراء. ولقد أعرب إيفار سبكتور٢ عن هذه الحقيقة بقوله: "إن الروس الذين يقرءون الصحف الأمريكية محقون في إبداء دهشتهم، عندما تفاجئهم هذه الصحف بأخبار الحوادث والجرائم وحالات الطلاق والزواج وغيرها من أخبار المجتمع، وهم يدهشون كذلك عند رؤيتهم قسما خاصا
стр. 107
بالرياضة يحتل جزءا كبيرا من الصحف اليومية العادية، فمثل هذه الموضوعات أهملتها الصحافة السوفييتية فهي لا تنشر إلا أنباء مختصرة عن النواحي الرياضية الأخرى مثل مباريات الشطرنج أو كرة القدم".
وذكر الكسي أدجوبي -زوج ابنه خروشوف- رئيس تحرير أزفستيا أنه عندما نشرت صحيفته خبرا عن طلاق مارلين مونرو، احتج القراء السوفييت على نشر هذا الخبر الذي أسموه "هراء! " وقد وجدت صحيفة "البرافدا" في تطور الصحافة السوفييتية وخروجها عن المألوف بنشر الصور والمقالات المسلية والرسوم الفكاهية، أن الصحافة قد صارت مقلدة "لجرائد الفضائح"، كما نددت بالإعلانات وقالت إها تقليد للطريقة المتبعة في الصحافة البرجوازية. وذهبت إلى أنه من الخطأ إرضاء القارئ على حساب الحد من الدعاية الأيديولوجية.
стр. 108
من الخبر الجاد إلى الخبر الخفيف:
وقد كانت الأخبار السياسية والاقتصادية هي الطابع الغالب على صحافتنا المصرية منذ صدورها سنة ١٨٢٨. وحتى الصحافة الشعبية نفسها كانت تنظر إلى الخبر على أنه موضوع سياسي وعلمي تجاري، كما يتضح من نص طلب الترخيص الذي تقدم به سليم تقلا لشرح قصده من إصدار صحيفة الأهرام؛ إذ يقول: "والإفادة من ذلك أن الجريدة الملتمس إنشاؤها في الإسكندرية تحتوي على التلغرافات والمواد التجارية والعلمية والزراعية والمحلية وكذلك طبع الكتب".
والحقيقة أن الأخبار كانت تدور في مجملها حول الثناء على ولي النعم، وبيان نشاط الحكومة في ترقية الأحوال، وكذلك فيما يحدث في سائر أنحاء العالم، غير أننا نلمح أحيانا بعض الأخبار الطريفة في صحيفة الوقائع المصرية، وهي أخبار مترجمة عن الصحف الأجنبية، وهي في الغالب فرنسية. ويبدو أن رفاعة رافع الطهطاوي -محرر الوقائع الأول- قد تعلم في فرنسا شيئا عن المعالجة الإنسانية للأخبار، والابتعاد عن الموضوعات الجافة. ومن الواضح أن الصحفيين كانوا يؤثرون نشر الأخبار الأجنبية؛ لأن نشر الأخبار المحلية كان
стр. 109
يعرضهم لضيق الحكام وتبرمهم، وربما إثارة سخطهم وتعرضهم للعقوبات الأليمة.
ومن الغريب أن تطالعنا جريدة الأهرام على صفحتها الأولى بعددها الصادر في ١٠ إبريل سنة ١٨٨٩ بمسألة فكاهية تقول فيها: "أجب يا من لك إلمام بأوليات الحساب عن عدد قيمته ٤٥ طرح من عدد آخر قيمته ٤٥ فكانت قيمة الباقي ١٥ وجنس الأعداد واحد من المطروح والمطروح فيه -كاتبه أسعد حداد". وجاء جواب هذه المسألة في العدد التالي "لقد استقبلنا حل هذه الفزورة في وقت واحد بقلم حضرة الخواجة جرجس ملك وقلم حضرة الخواجة يوسف إلياس وكلا الحلين متفقة".
وقد رأينا كيف انتقلت الصحافة الغربية من النقيض إلى النقيض. فبعد أن كانت جادة كل الجد، عابسة كل العبوس، أصبحت في مطلع القرن العشرين تافهة كل التفاهة، ماجنة كل المجون. فقد أصبحت الأخبار تافهة هشة، تطفح بأخبار الجريمة والفضيحة والعنف. ولا شك أن اهتمام الصحافة بالربح ورفع التوزيع واحتواء القراء الجدد من البسطاء والعمال قد دفع الصحافة إلى هذا التيار. بل إنها أخذت تبتدع الأخبار وتختلقها اختلاقا فإذا شحت الأخبار، أوحت الجريدة -كما فعلت الديلي ميل- إلى مغامرة الرياضيين أو السباحين بعبور بحر المانش مثلا.
وقد انزلقت صحيفة أخبار اليوم المصرية إلى هذا النوع من الصحافة فأخذت تنشر أخبار الجريمة في شيء من التفضيل المثير، وخاصة تلك الجرائم الجنسية البشعة. كما استخدمت بعض الفتيات للاتصال بكبار رجال الفكر والأدب بالتليفون ثم نشر موضوع المكالمة في العدد التالي لتكون مثيرة طريفة. كما سارت في سبيل اختلاق الأخبار المصنوعة إلى آخر الشوط فأجرت المسابقات حول اختيار البطريرك الجديد، أو مسابقة الطيران الشراعي.
وقد كتبت إحدى الصحف تقول: إذا كان المخبر الصحفي تعوزه المعلومات الأساسية التي تحيط بالأحداث سواء أكان اكتشافات أو مخترعات فكيف
стр. 110
يستطيع هذا الصحفي أن ينقل الأخبار ويجعلها مفهومة للقراء؟ لا شك أنه يضطر إلى معالجة الموضوع بخفة، فيكتب عن الجوانب التافهة، ويهمل الجوانب الجادة.
ولكن يتفادى الصحفي التجريد وبرودة الموضوعات الصعبة والمجردة، يحاول إيجاد الصورة أو الشخصية التي تجسد آراءه ويتعامل مع الصورة الشخصية عوضا عن الفكرة، مما يسمح له بالوصول إلى عقلية الجماهير وأفهامهم العادية. وهكذا نجد أن الطابع الشخصي أوالتجسيد يغلبان على التفكير والتجريد. وهكذا تتغلب المغامرات الغرامية، والأخبار الخفيفة، وترديد النماذج المألوفة بدلا من التصدي الحقيقي الجاد لواقع الحياة.
إن الأخبار التي تدور حول شخصية علمية مثلا كأينشتين تنزلق إلى معالجة سطحية لأطواره الغريبة، فيقال إنه يكره صابون الحلاقة، ويفضل تسريحة شعر معينة، ويرتدي ملابس قديمة، وكل ذلك على حساب مؤلفاته وأفكاره، التي لا يشار إليها إلا بمجرد اللمحات البسيطة.
стр. 111
كيفية الحصول على الأخبار:
تعتبر وكالات الأنباء العالمية والإقليمية والمحلية من أهم مصادر الأخبار وكذلك يعتبر قسم الاستماع الإذاعي مصدرا غنيا بالأخبار غير أن هذين المصدرين -على أهميتهما- لا يميزان صحيفة عن أخرى؛ لأنهما مورد شائع لجميع الصحف والمجلات. ولو وقف الأمر عند هذا الحد وكانت الصحف تعتمد فقط على وكالات الأنباء والإذاعات لما كان لصحيفة ميزة على الأخرى من الوجهة الإعلامية، ولما برزت شخصية صحيفة معينة وظهر تفوقها على الأخرى. حقيقة أن فن الصياغة والعرض الفني يلعبان دورا هاما، ولكن اختلاف المصادر هو الذي يجعل الصحيفة ذات شخصية فريدة.
ومن هنا كان لا بد من الاعتماد على المصادر الخاصة كالشخصيات الكبيرة التي يلتقي بها الصحفيون، وسفراء الدول الأجنبية، ورجال السلك السياسي، وكبار المفكرين، والوزراء والقادة. ومع أن الوزارات والمصالح والشركات قد
стр. 112
أنشأت إدارات متخصصة للعلاقات العامة؛ لنشر الأخبار على الصحفيين، فإن المخبرين الناجحين لا يعولون على هذا المصدر العام وحده، ويحاولون دائما الحصول على الأخبار من مصادرها الأولى.
ولكن ليس معنى هذا أن يلجأ الصحفي إلى طرق غير مشروعة لاستقاء الأخبار. فالسرقة والتساهل في العرض والشرف وخراب الذمم والتضليل والغش والخداع والرشوة ليست من فنون الصحافة في شيء. وإذا كان التاريخ قد حفظ لنا نموذجا لخداع المستعمر، عندما نجح الشيخ علي يوسف في الحصول على أخبار الحملة المصرية على دنقلة، عن طريق الاتصال بتوفيق أفندي كيرلس الموظف بمكتب بريد الأزبكية -وهو المكتب الذي كان يتلقى البرقيات الخاصة بالحملة، فإن هذا المسلك كان طبيعيا، ما دام الإنجليز قد حرموا صحيفة المؤيد من الأخبار، بينما أغدقوا بها على صحيفة المقطم التي كانت تتحدث بلسانهم. لقد كان الأمر مكيدة مدبرة، والحرب خدعة، وهذا ما فعله الشيخ علي يوسف فاستحق إعجاب الشعب المصري الذي هتف بحياته وحمله على الأعناق.
وقد تلعب المصادفة دورا هاما في الحصول على الأخبار. وقد اطلع الشعب المصري يوما في جريدة الأهرام على خبر زواج توفيق نسيم باشا رئيس مجلس الوزراء، وهو في السبعين من عمره، من فتاة نمساوية في السابعة عشر من عمرها، وكانت جريدة الأهرام أولى الجرائد المصرية التي سبقت إلى نشر هذا الخبر الذي شغر بال الرأي العام في مصر مدة غير قصيرة. "وفي ذلك الوقت الذي اشتعل فيه الغرام بين السياسي العجوز والشابة النمساوية مر المرحوم الأستاذ جبرائيل تقلا بقرية من القرى، وأراد أن يبقى فيها ليلة واحدة، وبينما هو يسجل اسمه في دفتر الفندق لاحظ صاحبه أنه كتب أمام جنسيته أنه مصري، فأخبره بأن بين نزلاء الفندق مصريا آخر كبيرا اسمه توفيق نسيم، وإن هذا السياسي الكبير سيتزوج من ابنته، وأحس الأستاذ جبرائيل تقلا بأنه وقع على نبأ هام. نبأ لا بد أن يحدث دويا في مصر، وأمسك الأستاذ تقلا بالورقة التي سجل عليها اسمه فشطب ليلة واحدة، وكتب عدة ليالي. فقد شعر بأن مكانه
стр. 113
كصحفي في هذا الفندق حيث تولد قصة صحفية ضخمة، وبالفعل كانت القصة من الضخامة بحيث شغلت قراء الأهرام عدة أشهر"١.
غير أن عنصر المصادفة وحده لا يجدي ما لم يقترن بذكاء الصحفي وحصافته، وتخطيطه وتدبيره. ويروي لنا الأستاذ جلال الدين الحمامصي عدة قصص لنماذج ممتازة للحصول على الأخبار. منها مثلا أن صحفيا أمريكيا استطاع أن يحصل على أخبار خطيرة عن توقف بريطانيا عن دفع ديونها لأمريكا في أعقاب الحرب العالمية الأولى. لقد بدأ الصحفي يدرس عادات وتصرفات رئيس الوزراء البريطاني مستر رامزي مكدونالد، فعلم أنه اعتاد على الخروج من منزله في ١٠ داوننج ستريت في الساعة السادسة والنصف من صباح كل يوم، وقبل تناول طعام الإفطار، في جولة على الأقدام، يقف خلالها ليطعم البط في بحيرة من البحيرات الصناعية في حديقة من حدائق لندن "هايد بارك"، ولهذا قرر ببيرهس -وهذا هو اسم الصحفي الأمريكي- أن يقلد رئيس الوزراء البريطاني: يقوم كل يوم صباحا ويطعم الطيور، وهذا أمر لم يكن يفعله في حياته على الإطلاق.
وهكذا توطدت الصداقة بينهما حتى جاءت اللحظة المناسبة التي عرف فيها الصحفي حقيقة النبأ وأبرق به إلى وكالته.
وقد استطاع مدير وكالة أنباء الشرق الأوسط سنة ١٩٥٦ أن يسبق جميع وكالات العالم بحيلة طريفة، فقد كان يسجل خطبة الرئيس جمال عبد الناصر في غرفة من غرف البرلمان حيث كان يخطب رئيس الجمهورية، وينقل بالتليفون فقرات الخطبة أولا بأول، فتسجلها الوكالة وتذيعها هي الأخرى أولا بأول. وعندما انتهى المؤتمر الصحفي، وغادر الرئيس مكان الاجتماع، الذي كان قد أحكم غلق أبوابه، انطلق الصحفيون إلى مكاتبهم، كل يحاول أن يبعث بنتائج المؤتمر قبل غيره، دون أن يعرفوا أن وكالة أنباء الشرق والأوسط قد انتهت من مهمتها بالكامل.
стр. 114
فن استقاء الأخبار:
ويمكن للصحفي أن يستدرج البسطاء حتى يدلوا بكل ما لديهم من أخبار. لقد أثار اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون في الفترة ما بين الحربين العالميتين ضجة عالمية كبرى، وكانت صحيفة التيمس تحتكر نشر هذه الأخبار نظير مبلغ مائة ألف دولار من أجل الانفراد بالقصة. غير أن صحفيا أمريكيا اقترب ذات يوم من أحد المصريين العاملين في المقبرة وبادره بسؤال "هل يمكن أن تحكم في خلاف شديد استحكم بيني وبين زملائي؟ " وعندما أظهر المصري استعداده لذلك سأل ويليمز -وهذا هو اسم الصحفي- عما إذا كان هناك تابوت واحد أم تابوتان؟ فأجابه المصري بكل بساطة: تابوت توت عنخ آمون؟ هل هذا ما تقصده. إن خاتم الملك على التابوت، وهو بحالة جيدة. ولدينا من الأسباب ما يجعلنا نعتقد بوجود الجثة في التابوت. وهكذا هدم ذكاء الصحفي احتكار التيمس والمائة ألف دولار.
وحدث أن كان اللواء محمد نجيب يلقي بحديث هام في مجلس قيادة الثورة لمحطة إذاعة أمريكية، فاقترب أحد الصحفيين المصريين من المهندس الأمريكي الذي كان يشرف على الصوت، وسأله عن الأجهزة، وأوهمه بعدم المعرفة، فأخذ المهندس الأمريكي يشرح له، وحانت الفرصة للصحفي أن يضع السماعات على أذنيه ويسمع حديث الرئيس كلمة كلمة، وينقله إلى صحيفته فينفرد بسبق عظيم.
وحدث أن كان أحد عمال اللاسلكي يقضي جزءا من وقت فراغه في مخزن وكالة الأنباء في بوسطن بأمريكا، عندما كان يحرك مفتاح جهاز راديو بهدف التسلية فاستمع إلى دقات تطلب النجدة من البحرية الأمريكية، ولما فهم مضمون الرسالة جيدا صاح قائلا: "لقد اصطدمت الباخرة تيتانيك بجبل ثلجي عائم في المحيط، إنها تطلب النجدة، وقد سمعتها الآن".
وبالفعل تأكد الخبر، وكان نتيجة مصادفة من جهة ومجازفة من جهة أخرى؛ إذ صدق مراسل وكالة الأنباء ما قاله العامل!
стр. 115
ويقول أحد الصحفيين أن هناك مفاتيح للشخصيات لا بد للصحفي أن يعرفها لكي يصل إلى الأخبار ... مثلا كان يهمني أن أعرف أن نوري السعيد -رئيس وزراء العراق الأسبق- يكون في أسعد حالاته النفسية عندما كان يوجد مع حفيدته وزوجة ابنه، ومن هنا كنت أحرص على أن لا أسأل نوري السعيد في السياسة، إلا إذا رأيته في منزلة محاطا بأحد أحفاده أو بزوجة ابنه "صباح".
وكذلك كان يهمني أن أعرف أن مفتاح الدخول إلى قلب توفيق السويدي -أحد ساسة العراق السابقين- هو الحديث عن الاقتصاد والبنوك وأسهم البنك العربي. وبعد ذلك يفتح السويدي لي كل ما عنده من الأسرار. أما توفيق أبو الهدى -أحد ساسة الأردن السابقين، فقد كانت ابنته "سعاد" هي مفتاح أسراره، ومن هنا كنت أستعين بسعاد على أبيها، أو أستعين بأخبار سعاد وقصصها لكي أدخل إلى قلب أبيها بلا استئذان.
وكانت قصص الصيد والبنادق، ورحلات الصيادين هي مفتاح الدخول إلى قلب كميل شمعون، رئيس جمهورية لبنان الأسبق، أما سلفه الشيخ بشارة الخوري فقد كان أديبا، واسع الاطلاع، يعتني باللفظ والعبارة، وكانت أخبار ولده الشيخ خليل تحتل حيزا كبيرا في قلبه. ومن هنا كان مفتاح الدخول إلى قلب الشيخ بشارة أما الحديث في الأدب، أو في الشيخ خليل.
وكان صالح جبر -أحد رؤساء وزارات العراق- يكره نوري السعيد، فكان كل همي لكي أرطب لصالح جبر أعصابه، وأحصل منه على الأسرار أن أبدأ الحديث بصب اللعنات على نوري السعيد.
أما المرحوم هاشم الأتاسي، رئيس جمهورية سورية السابق، فقد كان يهوى حيث الذكريات عندما كان "قائم مقام تركيا" في عكا عام ١٩٣٢ ميلادية كان المرحوم يعتقد أنه في ذلك المنصب قد بلغ أوج العظمة والمجد، وعندما كنت أقابله في قصر "المهاجرين" بدمشق، كان الحديث يبدأ بذكريات عكا، وينتهي بذكريات عكا، وخلال الذكريات تتسرب الأسرار.
وكان "عبد الإله" وصي عرش العراق ثم ولي عهده، يحب الحديث عن الكلاب، وكان صبري العسلي -أحد رؤساء وزارات سوريا السابقين- مغرما
стр. 116
بالحصول على أخبار نادى الشرق، ومن ربح في "اللعب" ومن خسر؟ ومن كان هناك، ومن لم يكن.
وكان رشيد كرامي زميلا لأخي الصغير بالقاهرة فكنت لا أبدأ حديثي معه إلا بالحديث عن الأخ الصغير.
وكنت أعلم أن زعيما عربيا كبيرا في دمشق يشكو من مرض معين فكنت أحرص على أن أمده بآخر أخبار الأدوية لهذا المرض.
وعندما كنت في مدينة برلين وطلبت تحديد موعد لي أقابل فيه رئيس البلدية وحاكمها "ويلي برانت" قيل لي إن ذلك ممكن بشرط أن أنتظر عشرة أيام. فأبرقت إلى ويلي برانت أقول له: "أنا على موعد غدا مع مستر أولبرخت ولا أريد أن أقابله قبل أن أقابلك، وأفهم منك حقيقة الموقف".
والمعروف أن أولبرخت هو زعيم ألمانيا الشرقية.
وبعد ساعة واحدة كنت مع ويلي برانت في مكتبه ببرلين الغربية.
ويروي أحد الصحفيين المصريين١ أنه حاول عبثا مقابلة الدالاي لاما ولكن كل جهوده ضاعت سدى، فلم يجد بدا من أن يربط أجزاء جسمه بالضمادات والقطن والشاش، ثم يطلب أن يحمل على "نقالة"، ويطاف به أمام مقر الدالاي لاما طلبا للشفاء، وبذلك حرك مشاعر هذا الزعيم المعبود، وطلب من حاملي النقالة أن يحضروه إليه، فتمت المقابلة.
стр. 117
أساليب الحصول على الأخبار:
ويمكن القول بوجه عام أن أهم أساليب الحصول على الأخبار هي الصداقة وتقديم المعونة والإيهام بالعلم والجرأة ودقة الملاحظة واستكناه الأحداث وتوقعها. ولا شك أن تكوين المصادر عن طريق الصداقة أمر معروف، حتى إن بعض وكالات الأنباء العالمية تصر على أن يكون المراسلون أعضاء في الأندية العامة، التي يتردد عليها الوزراء والمسئولون، وتذهب إلى حد سداد جميع الاشتراكات للمراسلين. ويتطلب الحفاظ على الصداقة احترام آداب المهنة وعدم إفشاء الأسرار التي يدلي بها المصدر إلى الصحفي. ومعنى ذلك أنه لا ينبغي للصحيفة -حرصا على ما يسمى بالسبق الصحفي- أن تستهين بهذه الأمانة، أو تعبث بسرية الأخبار.
"حدث في أمريكا أن اختطف طفل رضيع من عربته الصغيرة، ووضع الخاطف ورقة صغيرة يطلب الفدية، وأبلغ الحادث إلى البوليس الذي رأى من المصلحة إذ ذاك عدم إذاعة الخبر إلى أن يعاد الطفل إلى والديه، ووعدت الصحف بعدم النشر، إلا صحيفة واحدة رأت في الموضوع خبرا مثيرا للقراء، فنشرت الخبر، وتبعتها الصحف الأخرى في ذلك بعد أن أصبح الخبر معروفا. وكان لذلك أن فشلت خطة رجال البوليس، وعثر على الطفل الذي كان وحيد والديه بعد أيام جثة هامدة، وضاع كل أثر من آثار هذه الجريمة! وهكذا أفسد هذا السبق الصحفي الذي حرصت عليه الصحيفة خطة البوليس للتعرف على الجناة، وانحطت قيمة الصحيفة التي سعت إلى ذلك"١.
ويستطيع الصحفي أن يقدم بعض المعونات أو الخدمات للمصدر، مثل بيان أعماله الجليلة وشرح موقفه، دون إسراف أو مبالغة، مع الالتزام بالصدق في الرواية. ويسعد رجال الشرطة النابهون برؤية أسمائهم وصورهم في أعمدة الصحف، ولا بأس من ذلك ما دام معتمدا على الحقيقة الموضوعية. ولكن ليس معنى ذلك التستر على الأخطاء، أو استغلال الصحيفة للدعاية الرخيصة. ولا بأس أيضا من تقديم الهدايا في المناسبات كأعياد الميلاد وغيرها، دون مبالغة في ذلك. وقد لا يتعدى الأمر دعوة المصدر إلى تناول طعام الغذاء أو الغشاء أو مصاحبته إلى إحدى دور السينما أو المسرح أو تقديم بعض الهدايا للمصدر أو أسرته في المناسبات السعيدة كالنجاح أو الخطبة أو الزواج وكذلك مواساة المصدر في المناسبات الأليمة كوفاة أحد الأقارب مثلا.
стр. 118
وقد يجد الصحفي أن أسلوب الإيهام بالعلم، وذكر بعض المعلومات، قد يستدرج المصدر إلى تصحيح تلك المعلومات، والإدلاء بالحقائق. ولكن هذا الأسلوب لا يصلح إلا مع المصادر الحديثة العهد بالصحفيين، أما القدامى والمتمرسون فكثيرا ما يفطنون إلى هذه الحيلة. والحق أن بعض الشخصيات تحاول أن تتظاهر بالعلم، وأنها عالمة ببواطن الأمور، فتدلي بما لديها من معلومات لتصحيح الأخطاء، وهذه فرصة ذهبية للصحفي يستقي منها الأخبار.
والجرأة من صفات المخبر الصحفي والمراسل الناجح. وقد رأينا أن بعض المراسلين العسكريين يغامرون بأرواحهم في سبيل الحصول على الأخبار، ومنهم من يشترك مع فرق الصاعقة والمظليين فيهبطون معهم بالمظلات. وقد يغامر البعض وبنضم إلى بعض الرحالة في رحلاتهم الخطيرة للوصول إلى قمم الجبال أو بلوغ المناطق القطبية، أو عبور البحار والمحيطات في سفن صغيرة مثل السفينة رع وغيرها. وقد تصل الجرأة إلى حد الاختفاء تحت منضدة أو أريكة في المؤتمرات الدولية الخطيرة. ومن المأثور عن الزعيم الألماني المستشار بسمارك أنه كان يفتش تحت مائدة المفاوضات ليتأكد أنه لا يوجد صحفي تحتها. ويروى أن أحد المترجمين الفوريين قد أحس، وهو جالس في كابينة الترجمة بصوت غريب، فالتفت تحت كرسيه، فوجد صحفيا قابعا يستمع إلى كل ما يدور من مناقشات باللغة التي يعرفها، من المترجم الفوري! ومثل هذا العمل لا يستطيع أن يقوم به إلا صحفي يتصف بالمخاطرة والجرأة الشديدة. وفي تاريخ الصحافة أمثلة لهؤلاء الذين وصلوا إلى أسرار المؤتمرات الدولية عن هذا الطريق.
ولا شك أن دقة الملاحظة واستكناه الأحداث وتوقعها، ومراقبة تحركات رجال السياسة والمسئولين، والربط بين الخيوط، وملاحقة أبطال القصة الأخبارية من أهم أساليب الوصول إلى الخبر الخطير. "ففي خلال أزمة ٤ فبراير سنة ١٩٤٢، التي أحاطت فيها الدبابات البريطانية قصر عابدين وأجبرت الملك فاروق على تعيين مصطفى نحاس باشا رئيس للوزراء، كان المندوب السياسي لإحدى الصحف المصرية يوشك أن يأوي إلى فراشه عقب عمل كثير شاق خلال النهار، عندما اتصل به رئيس تحرير الجريدة وقال له: "في الجو إشاعات عن أزمة سياسية" ثم طلب منه أن يتحرى الأمر.
стр. 119
وبدأ هذا الصحفي يفكر من أين يبدأ وفي هذا الوقت المتأخر من الليل.
كانت الساعة إذ ذاك توشك أن تقترب من العاشرة مساء، ورئيس الوزراء -المرحوم حسين سري باشا- كان قد اعتاد أن يأوي إلى فراشه في منتصف العاشرة، ثم هو مع هذا اعتاد ألا يتحدث إلى الصحفيين، بل كانت هناك شبه خصومة بينه وبين الصحافة.
وكان السفير البريطاني في رحلة صيد خارج القاهرة، ورئيس الديوان الملكي ليس في منزلة، أو هكذا قيل للمندوب السياسي.
وفجأة طرأت له فكرة وهو يرتدي ملابسه باحثا عن نقطة البداية. وإذا كانت هناك أزمة، فلا يعقل أن يكون رئيس الوزراء قد نام فعلا، فلماذا لا يتجه إلى منزله؟ أو بمعنى آخر لماذا لا يحاول؟
واستقل سيارته، واقترب من بيت رئيس الوزراء، فوجد الأنوار كلها. مطفأة! أو لعل الستائر كانت تخفي الأضواء داخل المنزل، ووقف يفكر قليلا، وكاد أن يمضي بسيارته إلى "المجهول" لولا أن لمح من على بعد سيارة قادمة في اتجاه منزل رئيس الوزراء. لقد كانت سيارة السفير البريطاني الرولز رويس، المميزة بلونها الأصفر، ووقفت السيارة عند الباب، ونزل منها السفير البريطاني لورد كيلرن بقامته الضخمة وأسرع إلى داخل البيت، ولمح الصحفي المصري على الباب رئيس الوزراء وهو يستقبله. وتنصرف بعد ذلك سيارة السفير، ويعود الهدوء إلى المكان في لحظة.
كل هذا لم يستغرق أكثر من دقيقة، ومع هذا فقد كانت دقيقة غالية الثمن، وأطفأ الصحفي نور سيارته، ووقف إلى مكان قريب من المنزل يراقب.
ومضى الوقت حتى اقتربت الساعة من منتصف الليل، وكان الصحفي يتصور رئيس التحرير وهو ينتظره في مكتبه أو يبحث عنه في كل مكان. ولكنه مع هذا فضل أن ينتظر. لقد كان موقنا أن انتظاره لن يذهب سدى لإحساسه الجازم بأن هناك أزمة فعلا. وأن عناصر هذه الأزمة موجودة في هذا الاجتماع.
стр. 120
فهذه المقابلة التي تتم قبل منتصف الليل، وعودة السفير البريطاني من رحلة الصيد التي بدأها صباح نفس اليوم. وقيل في الصحف أن السفير ينوي قضاء عطلة الأسبوع بطولها في أكياد. كل هذا يدل دلالة قاطعة على أن هناك أزمة بالفعل.
ولمح الصحفي سيارة السفير عائدة. ثم فتح باب منزل رئيس الوزراء وخرج السفير البريطاني وانطلق بسيارته، ومن ورائه صاحبنا الصحفي المصري، وكانت وجهة السفير دار السفارة، وكانت مكاتبها كلها مضاءة والحركة فيها على أشدها. وعاد صاحبنا إلى مكتبة ليحاول الاتصال برئيس الديوان الملكي، وهنا تدخل الخط ليساعد في استكمال عناصر النصر الصحفي إذ رد أحمد حسنين باشا بنفسه المكالمة وسمعه الصحفي يسأل "أهو قصر عابدين الذي يتكلم؟ " وسأله الصحفي "ولماذا تطلب قصر عابدين في هذه الساعة المتأخرة؟ " ولم ينتظر الصحفي الجواب بل بادر فأفرغ ما عنده من أخبار في أذن رئيس الديوان. قال له: إن السفير البريطاني اجتمع برئيس الوزراء فترة طويلة، وإن النشاط على أشده في دار السفارة، وإن هناك ما يؤكد "مولد أزمة ضخمة".
وعلى أساس معرفة الصحفي المصري بما يقرب من كل شيء، تكلم رئيس الديوان الملكي كلاما يكمل القصة الصحفية الضخمة، بعضه سمح المصدر بنشره، والبعض لم يسمح به.
وخرجت الجريدة المصرية الصباحية في اليوم التالي، وفي صفحاتها النبأ الكبير تحت عنوان "ماذا في الجو؟ السفير البريطاني يقطع إجازة نهاية الأسبوع ويعود إلى القاهرة للاجتماع برئيس الوزراء قبيل منتصف الليل".
وفي نفس اليوم الذي نشرت فيه هذه القصة الكبيرة، وقع حادث ٤ فبراير وخرج السفير البريطاني من مكتبه في موكب الدبابات لينذر الملك السابق بقبول مصطفى النحاس رئيسا للوزراء١.
стр. 121
ويجد الصحفيون لذة في خداع زملائهم والانتصار عليهم في معركة الحصول على الأخبار. ومن تلك الخداع ما عمد إليه أحد الصحفيين الإنجليز في إثيوبيا من تعطيل سيارته -وكان الطريق ضيقا- لكي تعترض مرور سيارات زملائه وكانوا في طريقهم إلى مكتب التلغراف بعد أن حصلوا على أخبار سياسية هامة حول مسألة معينة. وكان هذا الصحفي قد بعث ببرقية إلى صحيفته في وقت مبكر بواسطة رسول خاص. ونجحت هذه الحيلة وانفردت الصحيفة التي يعمل فيها هذا الصحفي بتلك الأخبار، ولم تتمكن الصحف الأخرى من نشرها إلا في اليوم الثاني.
وقد يكون الصحفي أشد قسوة وفظاعة فيفرغ إطار سيارة زميله من الهواء، فيعطله عن أداء مهمته، بل إنه قد يقطع سلك التليفون عمدا، أثناء إملاء الصحفي المنافس لأحد الأخبار، فيحرمه من جني ثمار جهده الطويل. وهناك صحفي ماكر كان يعرف موعد عودة المسئول إلى الوزارة فيحتفظ به سرا في نفسه، ثم يقوم بتوديع زملائه الصحفيين، وقد يخرجون معه إلى بيوتهم، ثم يعود هو -وحده- لكي يحصل على الخبر وينفرد به.
وقد سبق القول أن هذه الألاعيب والخدع ليست من الفن الصحفي في شيء، بل إن الصحافة الحديثة تعتمد على دستور آداب المهنة وأخلاقها، وتصر على أن تكون المنافسة بين الصحفيين شريفة وعادلة.
стр. 122
معايير الحكم على الخبر:
والآن، بعد أن يصل الخبر إلى الصحيفة، ويتسلمه سكرتير التحرير المختص، وهو عادة إنسان ذواقة، يحكم على صلاحية الخبر للنشر، ويعرف المكان اللائق به، ابتداء من الصفحة الأولى والصفحات الداخلية إلى سلة المهملات. ولكن هل هذا الحكم الذي يصدره سكرتير التحرير مجرد إحساس ذاتي غامض، أم هو حكم مبني على أسس ومعايير وضوابط؟ الحقيقة أن هناك عدة معايير أو مقاييس تحدد قيمة الخبر، ومبلغ صلاحيته للنشر.
ومن أهم هذه المعايير: الصدق، والدقة، والحالية، والقرب، والضخامة. والقابلية للنشر، والاتفاق مع سياسة الصحيفة، والتشويق، والإثارة، والروعة، الطرافة.
ويعتبر الصدق أهم هذه المعايير جميعا، بل إنه الأساس الذي ينبني عليه الخبر الصحفي. ويتصل بعامل الصدق عدة مسائل منها: الكذب المباح "الأكاذيب البيضاء"، والشك في صحة الخبر، والخطأ في الاقتباس، وتلوين الأخبار، وتكذيب الأخبار، والرقابة على الأخبار، وتأثير المعلنين على الناشرين. ومع أن الصدق هو القاعدة الأساسية العامة، إلا أن لها استثناءات بالضرورة. فهناك حالات يباح فيها الكذب إلى حد ما في رواية الأخبار الصحفية، ولا تتقيد الصحيفة بقاعدة الصدق المطلق، وإنما قد تقضي المصلحة العامة بعدم ذكر الحقيقة كاملة، وهذا ما اصطلح عليه باسم الأكاذيب البيضاء. ومثال ذلك حالات الأوبئة والحرب. فليس من الحكمة في شيء نشر أخبار الأوبئة التي تورث الذعر بين الناس. بل ينبغي أن يكون النشر بحكمة وروية. وكذلك أخبار الحرب والخسائر لا بد وأن يراعى فيها جانب الدقة ومدى تأثيرها على الروح المعنوية للقوات المسلحة وللشعب. ومن هنا كانت البلاغات الرسمية أصول إعلامية ينبغي إتقانها؛ حفاظا على روح الأمة، وجمع الصفوف بين العسكريين والمدنيين على السواء.
وقد درجت الدول على عدم نشر أخبار مرض رؤساء الدول والقادة بطريقة فجة تثير الخوف أو الذعر، بل ينبغي أن تكون التقارير الطبية مطمئنة للناس، ما استطاع الأطباء ذلك. ولكن ليس معنى هذا الكذب أو عدم النشر في حالات الخطر المحقق.
أما الأخبار المشكوك فيها، والتي تذكر في عبارات غامضة مثل "لم يتأكد بعد" أو "يتكهن به المراقبون"، فإنها قد تعرض الصحفي الناجح لأخطاء كثيرة. ولا ينبغي للصحفي أن يؤرخ للغد، أو يعتمد على الحدس والتخمين، أو يكتب عن أمور متوقعة. وفي هذا يقول صحفي من رجال المدرسة الكلاسيكية وهو إسبندر١: "لا تعمل اليوم أبدًا ما تستطيع أن تطرحه حتى الغد لكي تتفادى
стр. 123
التعليقات غير الناضجة والتي يتضح فيما بعد أنها على غير أساس"، وقد دأبت بعض الصحف على كتابة أوصاف مسهبة لزيارة رئيس الوزراء مثلا لمنطقة معينة، ثم تنشرها فعلا بالعبارات التقليدية المألوفة، ولكن يتضح بعد ذلك أن رئيس الوزراء قد ألغى رحلته، وهنا تقع الصحيفة في خطأ بالغ، ويسخر منها القراء.
حدث مرة أن تناقلت وكالات الأنباء نبأ قالت فيه: "إن سلطان باشا الأطرش قد مات" وتسابقت الصحف المصرية في نشر هذا الخبر، عدا صحيفة الأهرام. فلما سئل أنطون الجميل رئيس تحرير الصحيفة يومئذ عن سبب ذلك أجاب بقوله متهكما: "من لم يمت في الأهرام، فإنه لم يمت"، وبالفعل أذاعت وكالات الأنباء في اليوم التالي خبرا قالت فيه: "إن الذي توفي هو والد سلطان باشا وليس هو سلطان باشا نفسه".
وقد ينجم الخطأ عن اقتباس مغرض يجترأ من حديث أدلى به مسئول، وينتزع انتزاعا قسريا من أجل تاكيد فكرة تريد الصحيفة أن تؤكدها. ولا شك أن الصحف الحزبية تعمد إلى اقتباسات تؤيد وجهة نظرها، وكذلك تفعل الصحف من خلال الإعلام الدولي، وفي خضم الحرب الباردة، بحيث يسوق كل فريق مجموعة من الاقتباسات التي تعزز سياسته.
ولا شك أن تلوين الأخبار، والمبالغة في المواقف، وصياغة الموضوعات الأخبارية بطريقة أدبية، وإثارة شعور القراء من خلال الوصف الذاتي، ويجعل القراء غير قادرين على الفصل بين حدود الحقيقة والخيال. وقد سبق أن قلنا إن جوهر الفن الصحفي يكمن في موضوعيته، أما نشر التقارير الخيالية، والإمعان في الإثارة والمبالغة، فإنه لا يدخل في صميم الفن الصحفي.
ولا ينبغي نشر الأخبار جزافا اعتمادا على أن مبدأ النشر لذاته هو الأساس، وأن وظيفة الصحافة هي محض النشر، ثم تكذيب ما نشر؛ لأن الوظيفة الحقيقية للصحافة هي تحري الدقة في نشر الأخبار.
стр. 124
وقد تكون الرقابة الحكومية سببا في إطلاق الشائعات، وخاصة وقت الحرب، ولكن كثيرا ما يكون المعلن سببا آخر في عدم ذكر الحقائق؛ احتراما لمركزه المالي، وحفظا لإيرادات الصحيفة. وهناك أمثلة تاريخية تدل على تأثير المعلنين على أصحاب الصحف، فقد ارتكب أحد المعلنين من سكان مدينة فيلادلفيا جريمة بمدينة نيويورك، ولم تنشر صحف فيلادلفيا حرفا واحدا عن الجريمة بالرغم من أن صحف نيويورك ظلت تنشر عن الحادث طوال أسبوعين كاملين. وحدث مثل هذا أيضا بالنسبة لأحد المعلنين بإحدى الولايات الغربية، وكان قد قدم للمحاكمة بتهمة رشوة حاكم الولاية، ولم تنشر الصحف المحلية شيئا عن هذه الجريمة مجاملة للمعلن. ويمكن القول أن جريمة الصهيونية في فلسطين لا يكتب عنها لأن المعلنين اليهود من أصحاب رءوس الأموال يضغطون على الصحف، التي تخشى من نشر الأخبار الحقيقية، حفاظا على المعلنين.
стр. 125
الدقة والحالية والقرب والضخامة:
والدقة في نشر الخبر من الأمور بالغة الأهمية، وهي عامل مكمل للصدق. فقد يكون الخبر صحيحا، ولكن لا تراعى الدقة في نشره بالطريقة التي تحفظ عليه صدقه وصحته، ويكون من نتيجة ذلك بطبيعة الحال إما سوء الفهم أو أن يفقد الخبر قيمته عند النشر. وفي ذلك يقول بوليتزر١: "إن الدقة للصحيفة كالعفة للمرأة".
ولذلك تعنى الصحف الكبرى التي تسير على نهج صحفي فني دقيق، بمراعاة الدقة عند النشر مراعاة تامة. وصحة الخبر وصدقه لا تكتمل إلا بالدقة في الإلمام بأطراف الخبر، والأرقام، والبيانات، والصور. وعندما يتطرق الشك إلى القارئ في عدم دقة الخبر المنشور أو أنه معدل تعديلا بفقده أهميته، حينئذ يفكر القارئ في قراءة جريدة أخرى. وعندما يفقد القارئ ثقته في الجريدة يبدأ توزيعها في الانخفاض.
стр. 126
وهكذا تختلف الصحف من بلد إلى آخر. فبعض الصحف تهتم بالسبق الصحفي أكثر من الدقة والبعض الآخر يهمها الدقة أكثر من السبق الصحفي، فهي تهتم بثقة القراء أكثر ما تهتم بأولوية الخبر في النشر١.
والحالية أو الجدة الزمنية من أهم صفات الخبر الصحفي. فالصحافة تهتم دائما بموضوعات الساعة، أو الماجريات الأخبارية، وكلما كان الخبر جديدا، كان اهتمام القراء به عظيما. وهناك مثل أمريكي يقول: "ليس هناك أقدم من صحيفة الأمس". وقد ساعدت الاختراعات الحديثة على سرعة النشر. فعندما تكون هناك مباراة لكرة القدم تذهب في العادة سيارة إذاعية يصف منها الصحفي المباراة وينقلها في الحال إلى الصحيفة، بل إنها تنقل الصور أيضا عن طريق التليفون، ويستطيع الخارجون من المباراة أن يقرءوا في الصحيفة وصفا دقيقا ومصورا للمباراة التي كانوا يشاهدونها.
ولكن ينبغي أن ندرك أهمية معالجة الموضوعات القديمة معالجة جديدة. فظهور وثيقة من الوثائق التاريخية التي تغير فهم الناس للتاريخ والحقائق، كما فعل الاتحاد السوفييتي عند نشره للمعاهدات السرية في الحرب العالمية الأولى يعتبر تجديدا والتزاما بمبدأ الحالية أو الجدة.
وكما أن الخبر لا بد وأن يكون قريبا من حيث الزمان، فإنه لا بد وأن يكون قريبا من حيث المكان. فمن الثابت أن أحداثا تقع في مصر تهم المصريين أكثر مما تهم سكان أمريكا الجنوبية مثلا، والعكس صحيح. ويذهب بعض الصحفيين في ذلك إلى حد القول بأن حادثا لسيارة أو قطار في المدينة يظفر بالنشر أكثر من مذبحة أو حرب في الهند، بالرغم من أن ضحايا الحادث يعدون على الأصابع، في حين أن ضحايا المذبحة أو الحرب يعدون بالآلاف!
غير أن القرب ليس مكانيا فحسب، وإنما هو قرب نفسي بالدرجة الأولى. فما يحدث لطلبتنا في الخارج قريب إلى نفوسنا، ولذلك يظفر بالنشر، وما يحدث لسفير من سفرائنا في الخارج، مهما بعدت المسافات، يتصل بحياتنا ويصبح
стр. 127
موضوعا رئيسيا للنشر، وتراعي الصحف هذه الصفة من صفات الخبر مراعاة دقيقة، وتفرق من أجل ذلك بين الطبعة التي توزع في العاصمة، وتلك التي توزع في الإسكندرية، وكذلك طبعة الأقاليم، فإذا وقعت الحادثة في العاصمة عنيت بها الطبعة التي توزع في العاصمة عناية تامة، وقلت هذه العناية بالقياس إلى طبعة الأقاليم أو المدن.
ومما لا شك فيه أن التقدم العلمي والتكنولوجي في العالم المعاصر قد ربط بين أواصر الكرة الأرضية وجعل من كوكبنا وحدة متماسكة من ناحية الأخبار، كما أن فكرة الرأي العام العالمي قد أخذت تتحقق بفضل الإعلام الدولي من جهة والمنظمات السياسية الدولية كالأمم المتحدة والوكالات الدولية المنبثقة عنها، وهكذا أصبح الاهتمام الدولي، وتأثر الناس بالأحداث العالمية أمرا واقعا، يشهد به تأثير أحداث فيتنام على الرأي العام العالمي، وكذلك ما تمخضت عنه مشكلة الشرق الأوسط، ومشكلة الحرب الباكستانية الهندية من آثار بعيدة المدى على بلاد مختلفة، بعيدة إلى حد كبير عن مسرح الحوادث.
وأما عنصر الضخامة فلا يعني مجرد التهويل أو المبالغة، وإنما يعني أن حادثا يجرح فيه شخص جرحا طفيفا لا يستحق النشر كخبر، أما الحادث الذي يذهب ضحيته عدد كبير من الناس فإنه يظفر بالنشر في مكان بارز من الصحيفة. ثم إن مرض إنسان عادي من عامة الشعب لا يصنع خبرا صحفيا، ولكن مرض فنان عظيم، أو أديب مشهور، أو سياسي كبير، لا بد وأن يصنع خبرا صحفيا، يهتم به الناس، وقد يتحدثون عنه وقتا طويلا، فكل ما يصنعه رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو الوزراء أو كبار الأدباء والعلماء والفنانين وقادة الرأي ونجوم المجتمع لا بد وأن يعطينا أخبارا هامة. وقد تنصرف الأهمية إلى موضوع الخبر نفسه كأن يكون مشكلة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية خطيرة، أو كشفا علميا أو اختراعا عظيما.
فإذا اجتمعت أهمية شخصية من الشخصيات مع أهمية الموضوع وضخامة عدد المهتمين به، فلا بد أن يكون الخبر صالحا للنشر في الصفحة الأولى، أو في إحدى الصفحات ذات الأهمية الكبيرة.
стр. 128
سياسة الصحيفة وفنون التشويق:
والقابلية للنشر مقياس آخر للخبر الجيد. والصحفي الناجح يدرك بحسه ومرانه أن خبرا من الأخبار له أحقية وأولوية على خبر آخر. والحقيقة أن المشكلة التي تواجه صحافة اليوم ليست في ندرة الأخبار أو قلة الموضوعات، كما كان الأمر قديما. وإنما مشكلة هي في الانتفاء والاختيار من الأعداد الهائلة من الأخبار والمعلومات والصور التي تأتي إلى الصحيفة من أماكن شتى. على أن القابلية للنشر ترتبط بقوانين المطبوعات، وقوانين النشر من سب وقذف وغيرها، كما يتصل باهتمام الرأي العام في مرحلة معينة، فضلا عن الذوق العام الذي قد يرفض موضوعا من الموضوعات حتى ولو كان هاما وتتوفر فيه كافة مقاييس الخبر الناجح.
ويجب أن يتفق الخبر مع السياسة العامة لتحرير الصحيفة سواء من حيث الموضوع أو اللغة أو طريقة العرض. وعلى هذا الأساس قد يكون خبر ما عن جريمة من الجرائم والبشعة أو الأخلاقية صالحا لصحيفة معينة ولكنه لا يصلح لغيرها. ومن المعروف أن هناك صحفا رفيعة المستوى وأخرى متوسطة، كما أن هناك صحفا شعبية تتحدث إلى الجماهير العريضة. ومن الصحف ما تعتمد على الإثارة، ومنها ما ترفض هذا المبدأ رفضا تاما. وقد تكون الصحيفة شيوعية أو يسارية أو يمينية، فتعتمد في اختيار أخبارها على لونها السياسي. فليس غريبا أن تكون أخبار الشيوعية وأحزابها في العالم أهم الموضوعات في الصحافة الشيوعية، في حين أن الموضوعات الدينية تظفر باهتمام الصحف الدينية.
وسياسة الصحيفة هي التي تستطيع أن تتحكم في اختيار الخبر ومقوماته فتقدم واحدا على غيره أو تهمله إهمالا تاما. وقد رأينا أن الصحافة الشيوعية تقلل من نشر أخبار أمريكا بل إنها ترفض نشر انتصاراتها العلمية في عالم الفضاء.
وتذهب بعض الصحف إلى أن عناصر التشويق والإثارة والطرافة والروعة من أهم سمات الخبر الجيد. وهناك تعريف للنبأ يقول إنه ما يخرج عن المألوف.
стр. 129
فيصبح نابيا أو بارزا. وفي ذلك يقول الصحفي المشهور نورثكليف: "في شارع تسكنه مائة أسرة وأسرة لا يلتفت الناس إلى مائة أسرة تعيش عيشة مألوفة هناك بينما يلتفتون إلى أسرة واحدة يكون لها حالة شاذة كحالة طلاق أو جريمة أو نحو ذلك.
ويلاحظ أن عنصر التشويق ينطوي على الابتعاد عن الموضوعات الجافة المجردة، وقد ترتد الصحيفة إلى البدائية من أجل التشويق فتنشر أخبار الجن والعفاريت، وتتحدث عن شيخ مر عليه القطار ولم يمت، وعن تحضير الأرواح بطريقة شعبية في المنزل، وعن عالم الغيب بأسلوب ساذج بسيط. وشعار هذا النوع من الصحافة "قدم لقرائك ما يحبونه فقط، وما يدر عليك الربح الوفير".
غير أن جوهر الفن الصحفي يكمن حقيقة في تقديم الخبر الجاد، والموضوع المفيد، والمعلومات الدقيقة، بأسلوب شيق ممتع مفهوم، مثير للفكر، وليس مثيرا للغرائز الدنيا، وذلك يتطلب -بطبيعة الحال- تنوع الموضوعات وشمولها حتى تجد كل فئة من الفئات القارئة بغيتها. وقد قلنا إن فن مسرحة الأحداث والمعلومات يقربها من الأفهام فأسماء الزعماء، والبلاد، والقوانين والأنظمة والمشكلات السياسية والاجتماعية، يمكن عرضها من خلال الأسلوب المشوق.
ويقدم لنا الأستاذ جلال الدين الحمامصي١ مجموعة من المعادلات الطريفة التي تبين عناصر الغرابة والإثارة في الخبر فيقول: "رجل غربي تزوج من غير أن يطلق زوجته السابقة ثم يستمر بعد ذلك في عملية الزواج من واحدة بعد الأخرى حتى يصبح عدد زوجاته "أربعا"، ثم ينكشف أمره وتقف زوجاته الأربع أمام المحكمة شاكيات خروجه على الدين والقانون. مثل هذا الخبر يتطور في صحافة الغرب ليصبح قصة يتحدث عنها الناس جمعيا، ويقاد صاحبها إلى المحاكمة وتتوسع الصحف في النشر عنها، بينما مثل هذا الخبر في أي بلد يدين أهله بالدين الإسلامي لا قيمة له لأن القانون والدين يبيحان للزوج أن
стр. 130
يتزوج أربعا! ولكن إذا حدث في بلد إسلامي وجود مثل هذا الرجل المزواج وزاد عدد زوجاته عن العدد الذي يسمح به الشرع فأصبح العدد خمسا أو أكثر هنا يمكن أن يتطور الخبر ليصبح قصة صحفية تهم القراء!
ومعادلة أخرى: نبأ عن صراف + زوجة + ٧ أولاد= صفرا.
بينما أن نبأ عن صراف بنك - ١٠آلاف جنية من الخزينة= خبرا.
أو نبأ عن صراف بنك + زوجة + عشيقة - ٣٠ آلاف جنية= خبرا
أكثر أهمية.
ومعادلة ثالثة: نبأ عن رجل عادي عمره ٨٠ سنة + حياة عادية= صفرا.
ونبأ عن رجل عادي عمره ٨٠ سنة + رحلة مغامرة= خبرا.
رجل عادي ٨٠ سنة + زوجة شابة ١٨ سنة= خبرا.
رجل عادي ٨٠ سنة + زوجة شابة ١٨ سنة + ٣ توائم= خبرا أكثر أهمية.
ومن المعروف أن القبض على سكير في الشارع ليس خبرا. ولكنه إذا كان هذا السكير رئيس جميعة منع المسكرات صارا خبرا. وقصة القروي الذي باع ترام العباسية لمصري من أقاصي الصعيد قصة خبرية طريفة. ووجه الغرابة فيه مرجعه إلى ذكاء القروي، وغباء القادم من أقاصي الصعيد. وطبيعي أن للقصة ذيولا كأن يركب الصعيدي الترام ويحاول الحصول على الإيراد من الكمساري. ومثل هذا النوع من القصص الطريفة لا يمكن أن يهمل بمجرد اختفاء العناصر الأخبارية الأخرى، بل يكفي أن يكون "غريبا" لكي يكون "خبرا" بل إن مثل هذا الخبر قد يعيش في أذهان جمهور القراء أكثر مما يعيش خبر استقالة موظف كبير بسبب خلافه مع بعض زملائه في العمل! ١.
стр. 131
ويلاحظ أن هناك محاور عامة تدور حولها الأخبار الطريفة وأهمها: الجنس وأخبار الغراميات وقضايا الزواج والطلاق وقد تتخصص صحف بعينها في هذا النوع مثل صحيفة نيوز أوف ذي ورلد١ الإنجليزية التي يصل توزيعها إلى خمسة ملايين نسخة يوميا، وكذلك أخبار المال مثل الكسب المفاجئ لأوراق اليانصيب والسرقات والثراء المفاجيء والخسارة الفادحة. وهناك أيضا الجمال ومسابقاته وأخبار الفنانات وصورهن. وتلعب أخبار الحيوان دورا أساسيا في الصحافة الأجنبية وقد تكون صورة الغلاف لقط أو كلب. وكذلك يكون الأطفال موضوعا إنسانيا للأخبار، وهناك صحف مخصصة لهم أو عنهم. ولا شك أن الصراع موضوع يجعل الأخبار نابضة القوة والحياة، سواء أكان الصراع حربا أو مباراة أو مسابقة أو نقاشا. وقد تدور الأخبار حول الشيوخ والمسنين كما تدور حول الأطفال فتبدو طريفة كل الطرافة.
ومسرحية الحياة كثيرا ما تظهر أيضا في شكل رواية كوميدية مضحكة، وإذ ذاك تكون الحوادث الطريفة التي تتألف منها القصة المضحكة بمثابة التوابل على مائدة الصحيفة. ومن الأمثلة على ذلك: حكاية الغزال الهارب من حديقة الحيوان، وحكاية الجمل الذي فر من صاحبه حتى وصل إلى باب قصر عابدين، وحكاية الثور الذي وصل إلى المجمع اللغوي. ولعل هذه الأمثلة توضح عنصر الغرابة في الأخبار: قصة الطفل الذي يولد في طائرة، وصياح الديك الذي تسبب في موت أسرة كاملة، وخبر الرجل الميت الذي نهض من نعشه، وحكاية الرجل الذي باع الأراضي في القمر، وحكاية الصعيدي الذي اشترى الترام في مصر، وقصة الشحاذ الذي عثر فجأة على عقد من الماس.
стр. 132
الأخبار الخارجية:
وهكذا نرى أنه يمكن تقسيم الخبر إلى عدة أنواع. فهناك الأخبار الجادة التي تتصل بالنواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ونعني بها الصحافة الجادة أو الرفيعة مثل صحف التيمس١ البريطانية، والنيويورك تيمس الأمريكية٢، ولوموند٣ الفرنسية وغيرها. وهناك الأخبار الهشة أو الخفيفة وتعنى بها الصحافة الشعبية، ومن الأمثلة على ذلك صحف ديلي ميرور٤ ونيوز أوف ذي ورلد٥ وغيرها.
وتقسم الأخبار بوجه عام إلى قسمين: الأخبار الخارجية، والأخبار الداخلية. وهذه الأخيرة تشتمل على الأخبار السياسية والحكومية، والأخبار الاقتصادية والمالية، والأخبار الزراعية، والأخبار العمالية، والأخبار التعليمية وأخبار المدارس والمعاهد والجامعات، والأخبار العالمية والأدبية والفنية، والأخبار الاجتماعية والأخبار الرياضية، وأخبار الحوادث والجرائم.
ولا شك أن نشر الأخبار الخارجية قد ازدادت أهميته منذ الحرب العالمية الثانية وتأسيس الأمم المتحدة بأجهزتها ووكالاتها كمجلس الأمن والجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية ومنظمة اليونسكو ومنظمة الأغذية والزراعة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ومجلس الوصاية وغيرها.
وقد اهتم معهد الصحافة الدولي بزيوريخ بدراسة الأخبار الخارجية وأثرها على القراء، ودورها في دعم السلام وتكوين الرأي العام. ولاحظ المعهد أن معظم الأخبار التي تنشر ليست سوى قشور وأنها لا تعطي للقارئ فكرة متكاملة عن أحداث العالم. ويرى المعهد الدولي أن الأخبار الخارجية التي ترد من وكالات الأنباء تكون عادة ملونة بمصالح الدول التي تصدر عنها وكالات الأنباء. كما أن الأخبار العالمية تفتقر إلى عنصر التفسير والتوضيح والشرح، وهذه من أهم مستلزمات الصحافة الحديثة، وخاصة في حالة الأخبار المركبة والمعقدة، وما أكثرها في العصر الحاضر.
ولا شك أن نشر الأخبار باقتضاب دون شرح أو تفسير يجعلها غير مفهومة للسواد الأعظم من الشعب، مما يؤدي إلى تثبيط الهمم، فضلا عن أن الصحافة
стр. 133
الشعبية قد عودت الجماهير على الأخبار الإنسانية والأخبار الطريفة كالحوداث والمباريات والأسماء اللامعة. والحقيقة أن رؤساء أقسام الأخبار الخارجية لا يجدون في صحفهم إلا مساحة صغيرة محدودة لا تسمح بإعطاء فكرة سليمة أو كاملة عن الأحداث الدولية.
وتتكلف أقسام الأخبار الخارجية في الصحف الحديثة الشيء الكثير من المال، وذلك لأنها تتطلب عددا كبيرا من الأشخاص الذي يتقاضون مرتبات ضخمة، ولا بد لهؤلاء الصحفيين أن يتنقلوا باستمرار وأن تكون لهم اتصالات عديدة. ومن المعتاد أن تحتوي كشوف مصروفاتهم أرقاما مرتفعة، ويندر أن ترفق بها ما يؤيدها من أسانيد أو فواتير؛ إذ إنهم لا بد وأن ينقلوا أخبارهم بأسرع الوسائل، وهذا يعني بأكثر الوسائل تكاليفا، فمصروفات التليفون والتلغراف في صحيفة باريسية كبرى تصل وحدها إلى عدة ملايين من الفرنكات في السنة١.
وإذا أرادت صحيفة ما أن تستخدم وسائلها الخاصة فقط في الحصول على الأخبار فسوف تنوء ميزانيتها بهذا العبء، حتى ولو كانت في أعلى درجات النجاح. لذلك نجد أن كل الصحف مضطرة إلى الاستعانة بوكالة أو أكثر من وكالات الأنباء العالمية والإقليمية والمحلية، وبذلك يمكن توزيع تكاليف الأخبار بين عدد من المستفيدين. وتعتبر وكالة الأنباء في كل بلاد العالم عنصرا جوهريا في الصحافة والمعاصرة، كما أنها ضرورية للصحف الصغيرة وخاصة لصحف الأقاليم.
ولكن على الرغم من أن الوظيفة الأساسية لوكالات الأنباء هي الإعلام والأخبار كما يفهم من اسمها، إلا أن الدول تستطيع أن تستغل هذه الوسيلة في الدعاية السياسية، فتقدم الحكومة بتوجيه تلك الأنباء وجهه معينة وتدس دعايتها من خلال الأنباء التي ترسلها إلى جميع أنحاء العالم بواسطة وسيلة التحكم فيما تذيعه الوكالة من أنباء كالرقابة والحذف والإضافة.
стр. 134
الأخبار الداخلية:
ولا شك أن الأخبار الداخلية تمثل الاهتمام المباشر للقارئ. وقد سبق أن بينا عنصر القرب كعامل من عوامل نجاح الخبر الصحفي. ويقول علماء النفس إن الطفل حين يولد يهتم بجسمه ويمص أصابعه ويحرك قدميه وينظر بعينيه، ثم يكبر ويهتم بالأشياء المحيطة به فيعرف والديه وأسرته ولعبه، ثم يختلط بالناس من أصدقائه وأقرانه وزملائه في المدرسة. فالأخبار المحلية هي الأخبار التي تثير الاهتمام قبل غيرها. وليس غريبا أن نجد في الخارج أخبارا للأحياء في المدن، وللقرى في الأقاليم. بل إن المزارع الجماعية "الكولوخوزات" والمصانع في الاتحاد السوفييتي، وكذلك الكوميونات في الصين الشعبية لها صحفها المحلية الخاصة بها.
وتعتبر الأخبار السياسية والحكومية من أهم الأخبار التي يدلي بها المسئولون من رؤساء الجمهوريات ورؤساء الوزارات والوزراء والمسئولون عن المؤسسات والهيئات والمصالح. ومن هنا جاءت ضرورة تمثيل الصحف بمندوبين في هذه الجهات. ومما يساعد المندوبين على عملهم أن يعقد المسئولون مؤتمرات صحفية بين الحين والآخر، كما أنهم ينشئون مكاتب للعلاقات العامة، أو يعينون سكرتيرين صحفيين لهم.
والأخبار الاقتصادية والمالية لها أهميتها الكبرى، ولا بد أن تتسم بالموضوعية وهناك وكالات أنباء تفرد نشرات اقتصادية ومالية تشمل أسعار الفتح والقفل في الأسواق العالمية وخاصة القطن والذهب والفضة والبلاتين والمعادن، وأسعار الأسهم والسندات، وأسعار العملة الأجنبية، ولوكالة رويترز البريطانية قسم خاص بذلك يسمى "الكومتيل".
غير أن التقارير السنوية للبنوك المحلية والشركات الصناعية والتجارية وشركات التأمين والنقل والجمعيات التعاونية والغرف التجارية والصناعية، وقانون ربط ميزانية الدولة التي تعده وزارة الخزانة، وكذلك القوانين المختلفة التي تصدرها الدولة والمتعلقة بإنشاء شركات جديدة أو تأميم بعض الشركات
стр. 135
القائمة أو الصناعات، واجتماعات كبار رجال البنوك والشركات في مجالس الإدارة وفي الاتفاقيات الاقتصادية كل ذلك يعتبر مصدرا هاما للأخبار الاقتصادية والمالية.
وتعالج الصحف الشئون الزراعية وأخبارها، فتهتم بأسعار الغلال والخضر والفواكه والسلع الغذائية، مع بيان صادراتها ووارداتها، وتقدم معلومات عن الثروة الحيوانية وطرق العناية بها، فضلا عن نشر التشريعات والقوانين والقرارات الزارعية، المتصلة بالإصلاح الزراعي والجمعيات التعاونية والمستحضرات الكيمائية، ومشروعات الري والصرف، وبعض البحوث العلمية المتعلقة بالتربة والمواسم الزراعية والبذور المنتقاة، ورعاية النباتات، ومقاومة الآفات.
ومع التقدم الاشتراكي أصبحت أخبار العمال وتشريعاتهم، والضمان الاجتماعي، والتأمين ضد الحوادث، وأخبار النقابات، والترفيه عن العمال، وتثقيفهم، ووسائل رفع الإنتاج، وغيرها من أخبار الكفاية الإنتاجية وتحسين ظروف العمل، والانتخابات العمالية لمجالس الإدارات والنقابات، هذه الأخبار تنشر بالصور والرسوم الموضحة وتشكل جزءا هاما من الصحيفة في المجتمع الاشتراكي.
وتدور الأخبار التعليمية حول المدارس والمعاهد والجامعات، ولا شك أن هذه الأخبار تتصف بالحساسية لأنها تتصل بالرأي العام، وبمستقبل الأبناء والأجيال المستقبلة. وتخصص الصحف المصرية صفحات كاملة لنشر أخبار المدارس والجامعات، إما بشكل أبواب ثابتة للأخبار والمعلومات، أو بشكل تحقيقات صحفية في مناسبات افتتاح المدارس والجامعات، وكذلك مواسم الامتحانات وغيرها.
وقد سبق القول أن أخبار العلم والفن والأدب والثقافة بوجه عام قد أصبحت ضرورة في مجتمعنا الحديث، والفن الصحفي الحقيقي هو الذي يحاول أن يجعل هذه الأخبار -رغم صعوبتها- في متناول أفهام القراء العاديين، وذلك عن طريق التفسير والتوضيح، واستخدام اللغة الصحفية الناجحة، مقترنة بالصورة والرسم البياني والتوضيحي.
стр. 136
أما الأخبار الاجتماعية فهي تتراوح بين الأخبار الجادة حول وصول وسفر رجال السلك السياسي وممثلي النقابات والهيئات، وكذلك أخبار عقد القران والزفاف والمواليد والترقيات والتنقلات، كما تلعب أخبار الوفيات دورا رئيسيا في حياتنا، يندر أن تجد مثيلا له في صحف العالم. غير أن الأخبار الاجتماعية قد تهبط إلى مستوى الفضائح، ونشر أسرار الفنانين والفنانات وفضائح الممثلين والممثلات والمطربين والمطربات، وتناول حياتهم الخاصة بتفصيلات مثيرة وغريبة.
وتهتم الصحافة بأخبار الرياضة اهتماما كبيرا. وقد جاءت الإذاعة والتليفزيون لتعميق الوعي الرياضي بين أفراد الشعب، وأصبحت الصحف -بالضرورة- مسئولة عن تزويد هذا الشعب الواعي بأنباء الرياضة ومبارياتها معبرة عن ذلك بالكلمة المطبوعة والصورة الفوتوغرافية المعبرة. بل إن بعض العناوين الرئيسية في الصفحة الأولى قد تكون حول مباريات رياضية، وخاصة إذا كانت المباراة دولية أو متصلة بالدوري العام لكرة القدم مثلا.
стр. 137
أخبار الجريمة:
وتعتبر أخبار الجريمة آفة من آفات الصحافة الحديثة. ويرى بعض العلماء أن نشر أخبار الجريمة ضرورة للمجتمع؛ لأن الصحيفة مرآة ينعكس عليها الواقع ولا بد للجمهور أن يعرف الحقائق المحيطة به، وأن يعرف الأشرار وألاعيبهم ودور رجال الشرطة في القبض على المجرمين، وكشف أخلاقهم للناس، فإذا ما عرفوا وسائل المجرمين في السرقة والاحتيال، أصبحوا محصنين ضدها، كما أن الخبر الصحفي قد يساعد رجال الشرطة في البحث عن المجرم ومطاردته.
غير أن فريقا آخر من العلماء يعارض نشر أخبار الجريمة ويعتبر أنها ضارة بالمجتمع، وخاصة إذا ما ظهر المجرم بصورة بطل محبوب، كأبطال الروايات والمسرحيات. فبدلا من نشر خبر الجريمة وتقبيحها، وتحليل أسبابها، وطرق القضاء عليها، نجد أن الصحف تسلي القراء بأخبارها، وتظهر المجرمين بطريقة تدعو إلى الإعجاب. كما أن هذا النشر قد يحيط المجرمين علما بخطوات رجال الشرطة وأساليبهم، فيتعلم المجرم كيف يتفاداها وينجو منها، هذا فضلا عن
стр. 138
أن نشر محاكمات المجرمين قد يتخذ شكلا مسرحيا يطمس الحقائق، ويؤثر على سير المحاكمة. والحقيقة أنه لا يجوز للصحافة أن تسلب الأشخاص المتهمين حقهم في محاكمة عادلة.
وكثيرا ما تنشر الصحف صورا تدعو للاشمئزاز وخاصة في الجرائم الجنسية والخلقية، وحوادث التصادم والقتل. كما أن نشر الأسماء وصور المتهمين فيه تجريح للأشخاص قبل إدانتهم، والمعروف أن نشر أخبار الجريمة يؤثر على الشباب والمراهقين تأثيرا سيئا، كما أنه يؤذي الذوق العام، ويهدد السلامة النفسية والاجتماعية للأمة. ويتفق العلماء على ضرورة الحد من نشر أخبار الجريمة وبيان أسبابها وعللها وطرق تجنبها، وتذهب بعض الدول -في الكتلة الشرقية- إلى حظر نشر أخبار الجريمة باعتبار أن هذا النشر ضار بالمجتمع.
стр. 139
فن صياغة الخبر:
لقد رأينا من قبل أن للفن الصحفي لغته الخاصة التي تمتاز بالجمل القصيرة ذات الحيوية الإيقاعية، مع استخدام الألفاظ العادية، واصطلاحات الحياة اليومية، بدلا من الاصطلاحات العلمية المجردة، كما أن الجمل القصيرة تفضل على الجمل الطويلة، مع ضرورة استخدام الألفاظ المألوفة للقراء. وقديما كان الصحفيون يستعينون بالحكم والأمثال والشعر والآيات القرآنية، غير أن الصحفيين المحدثين يستعينون الآن بالأرقام والأشكال البيانية والصور والرسوم وغيرها.
وكانت الأخبار في القرن الماضي تروى بالطريقة الأدبية، فيسير الكاتب القصة رويدا رويدا نحو حل العقدة في نهاية الخبر. ولكن الخبر الصحفي الحديث له قوالبه الجديدة، القائمة على السرد المباشر، وإعطاء كل الحقائق في أقصر عبارات ممكنة، والابتداء بالعقد، أو أهم عناصر الخبر في البداية مباشرة وهذا ما يسمى بأسلوب الهرم المقلوب.
стр. 140
فالخبر الصحفي يبدأ بالعنوان الدال على الخبر والمطابق لحقيقته، ولكنه لا بد وأن يكون مثيرا للانتباه، دون تهويش أو خداع. وقد يكون للخبر أكثر من عنوان. ومع ذلك فإن العنوان ينبغي أن يكون قصيرا ودالا وأمينا. ولقد كانت الأخبار تنشر في الماضي تحت عناوين عامة مثل: تلغرافات رويترز أو تلغرافات هاواس أو أخبار الدواوين أو أخبار خارجية أو أخبار حكومية. ولكن الصحافة الحديثة تفضل إبراز موضوع الخبر وتحديده في العنوان. ويفضل الصحفيون الابتعاد عن العناوين السلبية التي تعبر عن النفي أو التساؤل مثل "لا ينتظر صدور القانون اليوم" أو "هل قتل الفدائي رئيس الوزراء؟ ".
وفي جميع الأحوال يعتبر الأحوال الخبر الصحفي إجابة عن ستة أسئلة١: منها خمس شقيقات والسادسة غير شقيقة. أما الشقيقات الخمس فهن: من؟ وماذا؟ ومتى؟ وأين؟ ولماذا؟ وأما الأخت السادسة غير الشقيقة فهي كيف؟ والإجابة عن من؟ تعبر عن شخصية أو عدة شخصيات صنعت الخبر، وتجيب ماذا؟ عن الشيء الذي حدث، أما متى؟ فلبيان وقت حدوث الخبر كما تبين أين؟ مكان وقوعه ثم يأتي السبب لإجابة السؤال الخامس وهو لماذا؟ وتبقى الأخت السادسة وهي كيفية وقوع الحادث وملابساته وظروفه. ولكن ليس معنى ذلك أن ترد الإجابات عن الأسئلة الخمسة بهذا الترتيب الذي ذكرناه، بل لا بد وأن يختار العنصر الهام والأساسي أولا، كما أنه ليس من الضروري الإجابة عن الأسئلة جميعا في بداية الخبر، وإلا تعرضت المقدمة للحشو المفتعل.
فالغرض من القالب الصحفي هو نشر الأخبار بوضوح ودقة تساعد القارئ على الفهم. ولذلك فإن الخبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي: العنوان والمقدمة وجسم الخبر. وفي جميع الأحوال، يعبر الصحفي عن الحقيقة الموضوعية ويبتعد تماما عن الذاتية في اختيار الألفاظ أو في بناء الخبر والإجابة عن الأسئلة الستة التي سبق بيانها، والمهم أن يكون العنوان صادقا وجذابا، وأن تحتوي
стр. 141
المقدمة على عناصر الخبر الرئيسية. ثم تأتي العناصر الأخرى مرتبة حسب أهميتها. ومن هنا جاءت تسمية الشكل الصحفي بالهرم المقلوب.
والقاعدة في صياغة الخبر هو البدء بالعناصر المهمة أولا، وهذه تتطلب حاسة صحفية ذواقة وتدريب ومران طويلين. ولا بد أن تحرك هذه البداية انتباه القارئ وأن تثير اهتمامه. والفرق بين المحرر الناجح والمحرر الفاشل يكمن في هذا الاختيار الدقيق لمقدمة الخبر. فقد يكون هناك تناقض في موقف إنساني مثير كالرجل الذي يلقى القبض عليه ليلة زفافه، أو العالم الذي يموت قبل استلامه جائزة الدولة التقديرية بعدة أيام. وهناك المقدمة التي تحتوي على تصريح مقتبس من رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء.
وعلى ذلك فالمحرر الصحفي بإزاء الأسئلة التقليدية المعروفة -الشقيقات الخمس والأخت السادسة- يفاضل بسرعة بين إجاباتها، ويعمل ذوقه الفني وحسه الصحفي في هذه المفاضلة. فالاسم اللامع المشهور يظفر بالإجابة عن السؤال من. والوفاة أو الانتحار أو الانفجار يكون إجابة عن ماذا، وغرابة الزمن كمقابلة تتم بين السفير ورئيس الجمهورية بعد منتصف الليل أو قبيل الفجر تصبح مثيرة، كما أن وجود رجل دين في ملهى ليلي يجعل المكان في مقدمة الخبر. وانتحار أول رجل من فوق برح القاهرة كان خبرا جديدا يجيب عن السؤال كيف.
والمهم أن المقدمة لا بد وأن تتصف بالمرونة الكافية بحيث تتشكل وفقا لنوع الحادث أو الخبر، مع الحذر من الحشو بالتفاصيل، وإرجاء ذلك إلى جسم الخبر نفسه في الموقع المناسب لذلك. وقد تكون المقدمة اقتباسية تحتوي على عبارة جرت على لسان مسئول كبير مثل "قرارنا هو القتال". وقد توجه المقدمة إلى القارئ نفسه مثل "أنت الآن مطالب بضريبة جديدة". وهناك المقدمة التساؤلية مثل "هل تستأنف أمريكا تجاربها الذرية؟ " أما المقدمة الساخنة فهي تحتوي على معلومات مثيرة تخطف الأبصار، وتجعل القارئ مشوقا إلى متابعة الخبر.
стр. 142
ويقسم الأستاذ جلال الدين الحمامصي الأنباء الصحفية التي يمكن صياغتها بطريقة الهيكل الهرمي إلى عدة أقسام منها: الأنباء المتعلقة بوقائع والأنباء المتعلقة بأعمال أو أحداث أو حركات ثم الأنباء المتعلقة بالتصريحات والأقوال المنسوبة للأشخاص. وقد يكون الخبر مركبا فيتخذ شكلا هرميا يبدأ بمقدمة شاملة ثم تحليل للزوايا المختلفة وفقا لأهميتها. وهناك المتابعة الأخبارية التي تتخذ شكلا هرميا أيضا.
أما قالب الوقائع البسيطة فيبدأ بالعنوان ثم المقدمة ثم ترتيب الوقائع حسب أهميتها مع الربط بينها ربطا متجانسا بحيث يخرج النبأ في النهاية مستكملا كل الاعتبارات التي أشرنا إليها من قبل. أما هيكل القصة المتعلقة بحركة فهو كما يلي:
المقدمة:
"أطلق مجهولون قبل ظهر اليوم الرصاص مع مدافع رشاشة على زيد الرفاعي "٣٦ سنة" سفير الأردن في لندن في محاولة لاغتياله وهو داخل سيارته التي كان يستقلها من منزلة إلى دار السفارة في حي كينزنجتون "حي السفارات".
الواقعة الثانية:
وقد حطمت الطلقات زجاج السيارة، وأصابت السفير في يده اليمنى -طبقا لبيان إدارة سكوتلانديارد- أما سائق السيارة فلم يصب بجراح وتمكن من الانطلاق بالسيارة إلى "مستشفى ماري أبوت" مباشرة، حيث أجريت للسفير الإسعافات الأولية ثم نقل بعد ذلك إلى مستشفى "فيتزروي نافيلد" حيث تقرر أن تجرى له عملية جراحية.
الواقعة الثالثة:
وأعلنت منظمة "أيلول السوداء" التي قتلت وصفي التل رئيس وزراء الأردن في القاهرة منذ ١٧ يوما، مسئوليتها عن الحادث، وكان المتهمون الذين
стр. 143
ألقى القبض عليهم في القاهرة قد اعترفوا بأن هدف المنظمة الأساسي هو اغتيال المسئولين عن المجازر التي حدثت ضد الفلسطينيين في الأردن.
وهكذا يمضي الخبر في شرح الواقعة، ومن الطبيعي أن يصاحب الخبر صورة للسفير الأردني.
وهو هيكل يشتمل على وقائع وأحداث مثيرة، وفيه وصف لأشخاص، وبعد ذلك شهادة شهود، وبيانات أخرى تفصيلية. ومثل هذه الموضوعات تختتم عادة بفقرة تتضمن البيانات عن الشخصيات المتعلقة بالحادث.
أما الأخبار الخطب والبيانات والرسائل والتصريحات والأقوال ونحوها فتتخذ شكل المستطيلات المتتابعة في إيقاع يبدأ بالمقدمة ثم ملخص ثم اقتباس من الكلام المنقول ثم ملخص آخر يليه اقتباس، وهكذا إلى آخر البيان أو الخطبة. ولا بد للصحفي أن يبذل جهدا لكي يستخلص النقط الأساسية التي تهم القراء فيبرزها، فالخطبة إذن لا تقدم بنصها كما هي، وإنما تجزأ وفقا للمعنى، وتلخص، مع إيراد النصوص التي تعزز التلخيص.
ولهذا السبب، فإن بعض الصحف لا تكتفي فقط بتقديم هذا الهيكل الهرمي للبيان وإنما يورد نص البيان بعد الانتهاء من وضع البيانات الهامة في صورة الهيكل الهرمي، وعلى هذا الأساس فهناك حالتان:
الأولى: أن تقدم الهيكل الهرمي من غير نص البيان، وفي هذه الحالة يتحتم أن يكون الهيكل وافيا.
والثانية: أن تقدم البيان مع الهيكل الهرمي، وعندئذ فإن مقدمة الهيكل الهرمي تكون ملخصة ومركزة منعا للإطالة والتكرار.
стр. 144
الموضوعات المركبة ومتابعة الأخبار:
إن النبأ الصحفي الذي يشتمل على الوقائع وحدها، أو الحركة وحدها، أو تصريحات مقتبسة ومنسوبة إلى مسئولين أو أفراد عاديين، ولو أنها تختلف
في نوع المادة "إلا أنها في تكوينها -كما رأينا- تتفق في طريقة الشكل الهرمي أو الهيكل من "القمة" إلى "القاعدة" من حيث التسلسل.
فالنبأ المتعلق بالوقائع يبدأ بالمقدمة عن الواقعة الهامة ثم الواقعة الثانية والثالثة وهكذا، والنبأ الخاص بالحركة أو الحادث يبدأ بمقدمة شاملة لما وقع ثم تعود فتعيد نشر التفاصيل لما اشتملت عليه المقدمة من وقائع هامة وهكذا. والنبأ المتضمن أقوالا مقتبسة يبدأ بمقدمة فيها بيان محدد مختصر عن الموضوع ثم الأقوال المقتبسة وهكذا.
على أنه كثير ما يحدث أن يكلف صحفي بتغطية موضوع شامل لكل هذه الأنواع الثلاثة. وفي هذه الحالة فإن التكوين الهرمي يتطور إلى تكوين معقد بعض الشيء، ولكن من المؤكد أن في استطاعتنا تطبيق نفس المبادئ. فيحتوي هذا النبأ مثلا على المقدمة فالجملة الانتقالية فالحدث فواقعتان من الوقائع، ثم بعض الأقوال المقتبسة.
وهناك الموضوعات المركبة ذات الزوايا المتعددة. وتكون هذه الأخبار متشابكة ومتعددة الأماكن والنواحي. وهذه الأخبار يغطيها أكثر من مندوب ثم يأتي المحرر ويجمع هذه المعلومات من زواياها المختلفة في خبر واحد. ويراعى عند كتابة هذه القصة الانتقال من المقدمة إلى إبراز النقط الهامة التي جاءت في المقدمة نقطة نقطة، ثم نعود إلى إبراز التفصيل الكامل لكل نقطة من هذه النقط، ففي حادث مصرع وصفي التل مثلا، يذهب فريق إلى فندق شيراتون، وفريق آخر إلى المستشفي، وفريق ثالث إلى السفارة الأردنية، وفريق رابع إلى المحقق، وفريق خامس إلى شقة المتهمين بالاغتيال في الزمالك، وبعد تجميع هذه المعلومات من كل فريق، يجرى صياغتها بطريقة المقدمة التي تتعلق بزاوية هامة ثم ملخص الزوايا الأخرى الأقل أهمية، ثم الزوايا الأخرى وهكذا.
ولمتابعة الموضوعات الصحفية يحتاج الأمر إلى مقدمة تلخيصية للربط بين ما سبق نشره بالأمس مع زاوية جديدة في الموضوع. ويتحتم بعد الانتهاء من تسجيل هذه المقدمة، أن نحرص حرصا شديدا على أن تكون الفقرة التي تلي هذه
المقدمة "ربطا" بين الجديد والقديم، بتلخيص ما حدث في اليوم السابق في سطور قليلة ومركزة ووافية، وذلك لعدة أسباب: أولها وأهمها أننا نفترض دائما أن القارئ لم يقرأ ما سبق نشره، وثاني هذه الأسباب أن القارئ الآخر ضعيف الذاكرة ونسي ما سبق نشره. ثم ننتقل بعد ذلك إلى التطورات الجديدة ويلاحظ أن تكون فقرة الربط خالية من الحشو والتعقيد، حتى ينتقل القارئ إلى التطور الجديد في الموضوع بسهولة ويسر.
стр. 145
الماجريات البرلمانية:
كانت صحيفة الوقائع اليومية التي أصدرها يوليوس قيصر سنة ٥٩ قبل الميلاد أول صحيفة خطية يصدرها الرومان، وتحتوي إلى جانب الأخبار على تسجيل نشاط مجلس الشيوخ وعرض أعمال أعضائه وأقوالهم على الجمهور. وقد أراد يوليوس قيصر بهذا العمل أن يسلط الأضواء على تصرفات أعضاء المجلس حتى يسلكوا سبيلا يليق بهم ويتناسب مع النشر والإذاعة على الناس، وبهذه الطريقة يحرز المحسن ثناءه، ويلقى المسيء جزاءه.
وكانت أول صحيفة إنجليزية تنشر الأخبار الداخلية ومحاضر الجلسات البرلمانية صحيفة صدرت في نوفمبر سنة ١٦٤١ باسم "ملخص الإجراءات في البرلمان الحاضر"١. وكان يصدرها توماس٢ في ثمان صفحات. وفي سنة ١٦٤٢ تطور اسم الدورية فأصبح "اليومية الكاملة لإجراءات البرلمان"٣، وكان يحررها صموئيل بيك٤، وقد نجحت هذه الدورية الأسبوعية رغم اسمها يومية لأن كلمة يومية معناها هنا تفاصيل إجراءات البرلمان نجحت في إلهاب ميول الجماهير القارئة لمتابعة البرلمان في وقت كان فيه مجلس