← Адаб

Адаб · id 11735

دراسات في الفن الصحفي

إبراهيم إمام

Полный текст (364 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قد تجاوزت ذلك إلى الرياضة والشطرنج والمسرح الفني التشكيل وشئون إدارة الاقتصاد المنزلي وغيرها. ولم يعد التوجيه والإرشاد مجرد مقالات بلاغية، أو خطب منبرية، بل إنه على العكس من ذلك يتطلب منهجا خاصا في التحرير يقوم على الدليل والبرهان، ويعتمد على الحقائق والأرقام والبيانات والصور والإحصاءات الدقيقة، وهذه هي وسائل الإقناع والتوجيه والإرشاد، وهي التي تعطيه من القوة والتأثير ما لا يمكن أن تحققه الألفاظ الضخمة الجوفاء. وتنطوي وظيفة التوجيه والإرشاد على مهمة أساسية من مهام الصحافة، ألا وهي القيادة. فالمفروض أن تكون الصحافة بمثابة المعلم أو الرائد أو القائد، فهي التي تأخذ بيد الجماهير، وتساعد الناس على حسم الأمور، فتقضي على التردد، وتحذر من الارتباك، وتحمل المشعل في مقدمة الجمهور لكي تنير له الطريق. وعليها أن تقف دوما في جانب الحق والعدل والخير والفضيلة. فالصحافة هي حارس الأمة الأمين. فمن الذي يعلم الوطني حقوقه؟ ومن الذي يرشده إلى واجباته؟ ومن الذي يكون له عونا في المعترك الذي يلقي بنفسه فيه، ومن الذي يدرأ عنه عادية كل من أراد به سوءا؟ إنها الصحافة وهي دون غيرها على الدوام. وإذا لم يكن هناك صحافة أصبحت الشجاعة الأدبية أمرا من الأمور الشاذة، بل أصبحت في حكم المستحيل، وكذلك شأن الشجاعة الحربية، فإن الجندي لا يرمي نفسه فوق الخطر، ولا يقدم على المهالك، إلا عندما ترمقه أعين زملائه ويشجعه صوت الطبول ورائحة البارود! ولأجل أن يتكون الرأي العام، وتتوطد دعائمه، يجب أن يوجد ذلك الصوت العظيم -صوت الأمة- الذي يعطي كل ذي حقه، فيثني في كل يوم على العاملين، ويؤنب المقصرين، ويذكر الناس بالمنافع العامة المشتركة، وبالمبادئ الاجتماعية، ويؤازر بقوته كل حق من حقوق الأفراد.

стр. 72

ويقول هارولد لاسكي في كتابه "محنة الديمقراطية": "إن القدرة على توجيه الأخبار وجهة معينة هي نفسها القدرة على حرمان القراء من أن تصل إليهم المادة التي يستطيعون بها أن يكونوا لأنفسهم رأيا في كل مشكلة. وأن من يوازن بين الطريقة التي عالجبت بها الصحافة البريطانية موضوع نزع السلاح في وقت انعقاد مؤتمر جنيف سنة ١٩٣٢، والطريقة التي عالجت بها تلك الصحافة أخبار السلوك الجنسي عند رجال الدين الإنجليز، في الفترة نفسها، ليشهد أن الصحافة الإنجليزية أولت كل اهتمامها للموضوع الأخير بقصد إهمال الموضوع الأول برغم أنه خطير. وهنا لا يجد القارئ صعوبة ما في اكتشاف الطريقة التي يتكون بها الرأي العام في بلد من بلاد الديمقراطيات الرأسمالية الغربية كإنجلترا". ولا شك أن سلطة الصحافة في ممارسة النقد والتوجيه جعلها بمثابة السلطة الرابعة إلى جانب السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية. وقد قال توماس جيفرسون: إذا خيرت بين صحافة بلا حكومة أو حكومة بلا صحافة لفضلت الأولى على الثانية دون تردد. وكان الإمبرطور الألماني غليوم الثاني يرى أن الصحفيين قادة يوجهون الشعب، وأنهم بمنزلة كبار الضباط بالنسبة للجيش. ويقول جيمس برايس: إن الصحيفة هي التي جعلت الديمقراطية أمرا ممكنا. ولقد قالها أرسطو منذ عدة قرون أنه إذا كان على المواطنين أن يختاروا حكامهم بالطرق الديمقراطية، وأن ينتخبوا زعماءهم بالأساليب الشعبية عن طريق الاقتراع، فلا بد لهم أن يعرفوا الكثير عن هؤلاء الحكام وأولئك الزعماء أو القادة. ولا شك أن الصحافة تقوم بمهمة التوجيه والإرشاد حتى يحسن الجمهور اختيار حكامه. ويخطئ من يظن أن مهمة التوجيه والإرشاد مقصورة على المجال السياسي وحده؛ لأن الصحف تقدم للقراء توجيهات أدبية بالنسبة لقراءة الكتب والمقالات الجديدة، وكذلك توجيهات فنية بالنسبة للمسرح والفن والموسيقى والسينما

стр. 73

وسائر الفنون الأخرى. وقد تقدم نقدا مدروسا لأوجه النشاط الفني المختلفة وتفرد لها أبوابا ثابتة. ومن واجب الصحافة أن لا تكتفي بالنشر والإعلان في ميدان الثقافة، بل تنهض أيضا جهة النقد والتوجيه، كما تفعل في المسائل السياسية والاقتصادية ذلك لأن الثقافة غذاء روحي لا يقل أهمية عن غذاء البطون، وقد يكون منه النافع كما يكون منه الضار، ولذلك تعتبر مهمة النقد الأدبي والفني جزءا من رسالة الصحافة. وقد تفسد الناحية التجارية مهمة النقد النزيه بسبب تدخل الإعلانات، ولكن المهم أن نعرف من الصحافة شيئا عن الأفلام مثلا، حتى يمكننا أن نستعين به لنقرر مشاهدة تلك الأفلام أو عدم مشاهدتها، أو لكي نسمح لأطفالنا وشبابنا بمشاهدتها أو نمنعهم من ذلك. ويذهب البعض إلى أن التوجيه والنقد قد يتضمن التعريف بعقدة الفيلم أو المسرحية، فيفسد على المشاهدين عناصر المفاجأة والترقب والانفعال، ولكن هذا الرأي ليس في الواقع صحيحا على إطلاقه، وذلك بدليل أن الكثير من الأفلام تعرض قصصا معروفة ومكتوبة أو متداولة بين القراء. وكذلك نجد أن الكثير من المسرحيات الناجحة يكون معروفا للقراء كمسرحيات شكسبير وأحمد شوقي مثلا. بل إن تاريخ المسرح اليوناني نفسه، يثبت أنه قد تناول الأساطير الدينية وغير الدينية بالمعالجة الدرامية الناجحة. ومن ذلك مثلا قصة أوديب وغيرها، ولكن ذلك لم يمنع المشاهدين من الاستمتاع بها، إن عظمة سوفوكليس الحقيقية هي في تناول الموضوع الأسطوري وعلاجه علاجا دراميا. وقصة كليوباترا معروفة تاريخيا، ومع ذلك فقد عالجها شكسبير ودرايدن وكثير من الكتاب الفرنسيين وأحمد شوقي، ولم تكن معرفة الحقيقة التاريخية عائقا للفن المسرحي بحال من الأحوال. وفضلا عن ذلك فإننا نلاحظ أن كثيرا من المشاهدين في المسارح الأوروبية الكبرى لا يكتفي بأن يقرأ بعض المسرحيات قبل مشاهدتها، بل ويصطحب معه نص المسرحية المطبوع ويحاول

стр. 74

أن يتابعه أثناء المشاهدة دون أن يفقده ذلك لذته الخاصة في مشاهدة التمثيلية. وإذن فحجة العدول عن التعريف والنقد بدعوى أن هذه العملية تذهب بعنصر التشويق حجة واهية لا يمكن أن تثني الصحافة عن واجبها في إرشاد الجمهور نحو الصالح وغير الصالح والجميل والقبيح من الأفلام والمسرحيات، لتتركهم يجازفون بوقتهم ومالهم بل وأحيانا بمشاعرهم الخاصة أو مشاعر ذويهم من أطفال ونساء عندما يقدمون على مشاهدة فيلم أو مسرحية قبيحة أو فاشلة أو شريرة، وذلك بينما تستطيع الصحافة أن تقوم بما قد تعجز عنه الحكومات بقوانينها وتشريعاتها ورقبائها وموظفيها في توجيه الانتاج التلقائي والفني الوجهة السليمة النافعة -على حد قول الدكتور محمد مندور- وذلك لأن بالنقد والتوجيه النزيهين ستنزل أكبر عقاب، أو جزاء لتجار الفكر والعاطفة الإنسانية إذ ترزأهم بالخسارة المادية وتضيع عليهم أكبر ما يحرصون عليه وهو الربح المادي الآثم. لقد أصبحت الصحافة العربية تتولى في هذه الأيام مهمة كبيرة في توجيه الثقافة والأدب والفن، وهي لا تزال تواجه في أداء هذه المهمة عدة مشاكل لا بد أن تبت فيها برأي، ثم توجه الأمة نحوه، وتأتي هذه المشاكل من عدم تحديد موقف ثقافي واضح بين الشرق والغرب، وبين الحديث والقديم، وبين الترجمة والإنتاج الذهني، ولكن لا بد لكل صحيفة أن تختار لها منهجا قويما ترتضيه، وفقا لما تراه خيرا لها وللعالم العربي. وفي كل ذلك لا ينبغي أن يكون حكم الصحافة حكما جزافيا نزقا، بل ينبغي أن يكون حكما واضحا قائما على التعليل وقابلا لشرح والتفسير، ومبنيا على الحجج والبراهين، وهكذا يكون التوجيه والنقد إرهاصا بفن المستقبل المرتجى. وفضلا عن ذلك فإن الصحافة الحديثة قد أصبحت تقوم بتوجيه الطفل والمرأة وخاصة بعد أن تركت المرأة البيت إلى العمل في المصنع والحقل والمدرسة والمستشفى والجامعة وفي كل مكان. إن الصحافة -والإعلام بوجه عام- يقدم للطفل من الأخبار والمعلومات والقصص والتسلية ما كانت تقدمه ربة البيت أو الجدة حتى الأمس القريب، بل إن فنون تربية الطفل، وإعداد المائدة، وحتى طهو الطعام، وتنسيق الأثاث، وزخرفة المنزل، وفنون التجميل، وتفصيل الأزياء وحياكتها، أصبحت موضوعات شيقة في صحافة اليوم. وهكذا نرى أن المجتمع الحديث المعقد قد ترك للصحافة وظائف جديدة، كان يقوم بها آخرون من قبل، عندما كان المجتمع بسيطا متماسكا ساذجا.

стр. 75

وظيفة الإمتاع والتسلية: أما الوظيفة الرابعة من وظائف الفن الصحفي فهي الإمتاع أو التسلية، وهي وظيفة قديمة قدم البشرية نفسها، عندما كان المغني والمنشد والراوية يقوم بالتسرية عن الناس، وإمتاعهم برواية القريب والطريف والعجيب من القصص الواقعية والخيالية على السواء. وقد ورثت الصحافة هذه المهمة الخطيرة التي يرى ماكدوجال١ أنها تخفف العبء عن النفوس والعقول، وتجعل الحياة محتملة رغم ما فيها من متاعب، وهكذا تصبح التسلية ذات أثر نفسي حميد. ويذهب ستيفنسون٢ إلى أن الإمتاع والتسلية هما هدفان أساسيان للإعلام بوجه عام. ويرى أن ألوان المتعة القصصية قد أثرت على الجوانب الأخبارية والإعلامية نفسها، حتى أصبحت الأحداث السياسية تقدم بطريقة درامية، كما تطورت أساليب الكتابة الصحفية لتروي أخبار الجريمة والسياسة، وأنباء الفضاء والحرب والسلام بطريقة إنسانية تقرب من القصص الفنية أو الأدب. ويلاحظ سيفنسون أن الإيقاع الإعلامي يسير على أساس فترات من الأخبار تمثل التوتر، يعقبها فترات من الترفيه، تمثل الهدوء والاسترخاء. فإذا نظرنا إلى البرنامج الإذاعي الناجح لوجدنا أنه يحتوي على الأخبار السياسية والتعليقات حول الأحداث، بما يجري من حروب ومعاهدات وكوارث، ثم تأتي بعد ذلك

стр. 76

فترات الموسيقى وبرامج التمثيل والغناء. وفي الصحافة الحديثة أيضا نجد إلى جانب الأخبار والمقالات والأحاديث، رسوما شيقة، وصورا جذابة، وكاريكاتير ونكتا، وقصصا، وتمثيليات. وهكذا يبدد الإمتاع الترفيهي كل آثار الضعظ الأخباري، والتوتر العصبي. غير أن وظيفة الترفيه والإمتاع يمكن أن تتجاوز حدودها ويصبح ضررها أكبر من نفعها. ومن هنا جاءت نصيحة الفيلسوف اليوناني القديم أفلاطون، الذي طرد الشعراء من جمهوريته الفاضلة، حرصا على نفوس الشباب من المبالغة والتهويل والانحراف. ونذكر في القرآن الكريم الآية الكريمة: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ . إلى آخر الآية الكريمة التي تستثني من الشعراء الذين آمنوا؛ لأن وظيفة الشاعر قديما تشبه وظيفة الإعلامي الحديث، وخاصة من حيث جوانب الإمتاع. غير أن الفيلسوف اليوناني أرسطو يرى أن التنفيس عن المتاعب والآلام هو الهدف الرئيسي من الاستمتاع الفني. والترفيه عنده عملية تطهير للنفس، فعندما يشاهد المتفرج مسرحية مثلا، فإنه يعاني ما يعانيه البطل من آمال وآلام. وفي النهاية يفرج المشاهد كربته، وينفس عن آلامه ومتاعبه، فيشعر بالراحة النفسية، ويخرج من المسرح وقد أزاح عن كاهله أعباء الانفعالات المتراكمة والمشاعر المكبوتة. ومن هنا كان لفنون الترفيه -ومنها الفن الصحفي- أثر بالغ في شفاء الجماهير من عقدها النفسية. ولعل هذا يذكرنا بنظرية سيجموند فرويد المشهورة حول التحليل النفسي. وتقوم هذه النظرية على أساس النزعات التي صادفها الكبت، والتي تجد فرصة للظهور بعد أن ظلت مكبوتة في اللاشعور، ربما منذ الطفولة الباكرة. ويحاول الذين يعانون من تراكم هذه الرغبات المكبوتة، والعقد المختزنة في اللاشعور، أن ينفسوا عنها بالطرق الوهمية. فمن خلال الفن والترفيه، يمكن للإنسان أن يتقمص الشخصيات، ويمر بالعديد من التجارب والخبرات، مما يؤدي إلى الشعور بالراحة النفسية. ولا شك أن الفن الصحفي يقدم من العناصر الترفيهية ما يرضي الجمهور، ويسري عنه، ويخفف من متاعبه. فالتخيل وتقمص

стр. 77

الشخصية يؤديان إلى إطلاق النزعات المكبوتة -على حد قول فرويد. ومن الواضح أن نظرية أرسطو في التطهير النفسي عن طريق الدراما تقترب كثيرا من نظرية فرويد عن التنفيس، وتخفيف التوتر، وإطلاق الرغبات المكبوتة، عن طريق تقمص الشخصيات الوهمية، والتسرية عن النفس. ويذهب النقاد إلى أن وظيفة الترفيه قد تفسد الصحافة؛ لأنها تصرف الجماهير عن الأحداث الجادة، وتخلق جوا هروبيا يصيب النفس بالمرض. وقد تلجأ الحكومات الدكتاتورية إلى مثل هذه الصحافة الترفيهية لصرف أنظار الجماهير عن الأحداث الواقعية والمشكلات الحقيقية، وقتل روح النقد عن الناس. ويذهب هؤلاء إلى أن قصص ألف ليلة وليلة، مثلا، قد صدرت لمثل هذا الغرض. ويؤكد هؤلاء النقاد أن مهمة الترفيه قد تترك للسينما والتليفزيون، بل حتى للإذاعة نفسها، أما الصحابة فينبغي أن تركز جهودها في مهام أخرى كالأخبار والتعليق والتوجيه والنقد. والحقيقة أن الصحيفة كوسيلة إعلام ينبغي أن تتصف بالتوازن أو الاتزان، فلا تسرف في الجد إلى حد العبوس، ولا تتطرف في الترفيه إلى حد العبث. وإنما ينبغي أن تسد الحاجات الإنسانية بما فيها من جوانب جادة وأخرى ضاحكة. وقديما قال الأديب الفرنسي رابيليه: إن الضحك من أهم السمات المميزة للإنسان، كما أن المرح صفة هامة من صفاته، لتجديد نشاطه، واستمرار حيويته. غير أن الترفيه لا ينبغي أن ينحط إلى مستوى التهريج المسف وإلا كانت آثاره خطيرة على نفسية الشعب وقواه العقلية. ونحن نذهب إلى أن الترفيه المنحط يمكن أن يؤدي إلى تمزيق وحدة الشعب، والقضاء على تماسكه، وتدمير روحه المعنوية. وليس أدل على ذلك من أن الجيوش تتعرض إلى هجوم صحفي يتمثل في مجلات حقيرة مليئة بالصور العارية، والنكب الجنسية، والأخبار التافهة السخيفة، وذلك إمعانا في إفساد النفوس، وتسميم العقول، وتمزيق الصفوف، ويحرص الاستعمار دائما على إشاعة الفوضى والانحلال والفساد بترويج الصحف الصفراء، ذات المضمون المريض، لتخدير الشعب، وصرفه عن الواقع الأليم الذي يتردى فيه. وهكذا يتضح لنا أن وظيفة الترفيه سلاح ذو حدين، وقوة لا بد أن يحسن استخدامها.

стр. 78

وظيفة الإعلان والتسويق: والإعلان هو الوظيفة الخامسة من وظائف الفن الصحفي. وهنا أيضا نجد أن النشاط الإعلاني نفسه قد عرف منذ أقدم العصور، إلا أن الإعلان الصحفي لم يعرف إلا بعد اختراع الطباعة ونشأة الصحافة، كما أن الأسلوب الفني للإعلان الصحفي لم يظهر إلا بظهور الفن الصحفي نفسه. حقيقة أن بردية قديمة يرجع تاريخها إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة قد اكتشفت في طيبة وعليها إعلان يقول: إن عبدا اسمه "شيم" قد هرب من سيده الطيب "هابو" وهو يرجو من يجده أن يعيده إلى سيده "هابو" الخياط -الذي يفصل أرقى الملابس حسب رغباتك- وسوف يحصل من يرشد عن العبد على قطعة ذهبية مكافأة له! ولا شك الأغريق قد عرفوا الإعلان الشفوي، وكلمة "مناد" مثلا، كانت تطلق على البائع الصغير الذي ينادي على بضاعته في السوق، كما كانت تطلق على المنادي الرسمي الذي يذيع الأوامر والبيانات الحكومية. وكذلك كان المنادون في الحضارة الرومانية والحضارة الإسلامية يقومون بواجباتهم عن طريق النداء الشفوي، الذي كان يغني على طريقة التطريب الجميل، للإعلان عن البضائع أو المفقودين أو عن أوامر الحاكم ونواهيه. ويصف لنا "سينكا" الكاتب الروماني منظر الباعة المتجولين أو أصحاب الدكاكين وهم ينادون على بضائعهم ويطرونها ويغرون المارة بشرائها. كما يصف الخبازين وصانعي الحلوى وبائعي السجق وقد عرضوا بضائعهم على أبواب الحمامات العامة وهو ينادون عليها بصوت رخيم كالغناء الجميل. ولعل هذا الذي وصفه "سينكا" يقرب كثيرا من نداء الباعة في القرون الحديثة في العالم العربي وقد نجده حتى في أيامنا هذه. ولكن الإعلان الحديث -والإعلان الصحفي بوجه خاص- أخذ يأخذ مكانته الإعلامية في أعقاب الثورة الصناعية. والمعروف أن استخدام الآلة قد أدى إلى سرعة الإنتاج وزيادته الضخمة مع خفض التكاليف. وقد خلق هذا الإنتاج الكبير ضرورة استهلاكه على نطاق ضخم أيضا وبسرعة، حتى تستطيع المصانع المنتجة تصريف إنتاجها ولا تضطر إلى تخزينه، وإلا زادت النفقات.

стр. 79

ونتيجة لذلك ظهرت الحاجة إلى وجود شبكة كبيرة من الموزعين تتولى بيع المنتجات للجماهير في المستعمرات وغيرها، وإخبار المستهلكين الحاليين والمرتقبين بوجود السلعة وحثهم على شرائها وكان ذلك بواسطة الإعلان. وهكذا نرى أن الإعلان هو ثمرة للمجتمع الحديث. فبعد اختراع الطباعة، وانتشار التعليم، وتطور الإنتاج وزيادته، وظهور الصحافة الحديثة وما طرأ عليها من تطورات في الطباعة، ثم رقي الفن الصحفي وتعدد أساليبه في التحرر والتصوير والإخراج صادر الإعلان الصحفي فنا يدر على الصحافة أرباحها الرئيسية التي قد تصل إلى نسبة ٧٠% من إيراداتها. وقد قدمت لجنة التعريف لجمعية التسويق الأمريكية تعريفا للإعلان بأنه "تلك الجهود غير الشخصية التي يدفع عنها مقابل لعرض وترويج الأفكار أو السلع أو الخدمات بواسطة شخص محدد". فالإعلان ينشر في صحيفة عامة، وهي مؤسسة غير شخصية، ويدفع عنه الثمن نظير النشر، كما أن المعلن لا بد وأن يكون معروفا للناس، والغرض هو ترويج السلع والمنتجات. وتقول دائرة المعارف الفرنسية أن الإعلان "هو مجموع الوسائل المستخدمة لتعريف الجمهور بمنشأة تجارية أو صناعية وإقناعه بامتياز منتجاتها والإيعاز إليه بطريقة ما بحاجته إليها"١. فالإعلان هو الفن الذي يخلق حالة من الرضا العقلي نحو سلع المعلن. لذلك فإن قولنا بأن الإعلان يبيع السلع هو من قبيل المجاز؛ لأنه في حقيقة الأمر يهيئ المستهلك لتقبل السلعة، أي يجعله في حالة عقلية يستريح إليها.

стр. 80

الإعلان والصحافة: وأول إعلان ينشر في الصحافة التي صدرت في مصر كان قد ظهر في صحيفة "البريد المصري"١ لتحديد ثمن النسخة منها وشروط الاشتراك بها. ثم نشرت هذه الصحيفة في العدد التاسع منها إعلانا حكوميا عن إنشاء مصلحة التسجيل. ومع ذلك فإن هذين الإعلانين لم يأخذا طابع الإعلان التجاري ولكن ظهرت الإعلانات كثيرة بعد ذلك تعلن عن مصانع المشروبات الروحية والمكرونة والحمامات العامة، وعن بيع ممتلكات ضابط فرنسي سوف يغادر البلاد. ولكن هذه الإعلانات بدأت تنكمش بتحرج مركز الحملة الفرنسية حتى أصبحت الإعلانات مقصورة على ما تنشره الحكومة من بيانات وأوامر٢. وينبغي أن نفرق بين الإعلان الحكومي الرسمي والإعلان التجاري، وهنا نجد مرة أخرى أن الإعلان الرسمي يسبق الإعلان التجاري، كما سبق القول. وقد ظل الإعلان الحكومي مسيطرا على الصحافة، فكانت مصلحة السكك الحديدية تنشر إعلانات تتعلق بالقوانين والتنبيهات التي تخص السكك الحديدية، ثم أخذت المتاجر، وخاصة متاجر الأجانب، تعلن عن سلعها، وبدأت الأهرام تنشر كثيرا من إعلانات الأطباء وناشري الكتب الأوروبية والعربية والمسارح والملاهي والإعلانات القضائية. وبعد الحرب العالمية الأولى بدأت المصانع والبنوك وشركات النقل والتأمين في الإعلان، وكان معظمها مملوكا للأجانب. ولعبت المنافسة بين هذه الوحدات الاقتصادية دورا فعالا في تنشيط الحركة الإعلانية، وكانت الصحف حديثة العهد بالإيراد الضخم الذي تحققه من الإعلان، ووصل الأمر في بعض الأحيان إلى مهاجمة بعض الصحف للشركات التي كانت تعلن في صحف أخرى منافسة. ولم تكن مهنة الإعلان في ذلك الحين تحكمها قوانين واضحة فيما يختص بعلاقة المعلنين بوسائل النشر أو بتقاليد المهنة وكرامتها. وفي نفس الوقت اتجهت الصحافة الحزبية إلى الهجوم في مقالاتها من أجل ابتزاز الأموال والإعلانات من الحكومة والأحزاب والهيئات في داخل البلاد وخارجها. وقد فطنت الصحف بعد ذلك وفي مرحلة الاستقلال التي تأتي -كما سبق القول بعد مرحلة الصحافة الرسمية ومرحلة الصحافة الحزبية- إلى أن الاستقلال

стр. 81

الحقيقي إنما يتوقف على الأرباح التي تغطي تكاليف الإنتاج. ولما كان من النادر أن تكفي إيرادات التوزيع لسداد النفقات والتكاليف اللازمة لإصدار الصحيفة، فقد صار الإعلان مصدرا حيويا من مصادر إيراد الصحيفة، بل وشريان حياتها الأصلي والرئيسي لسد عجز إيراداتها، وذلك بدلا من الاعتماد على الحكومة أو الأحزاب السياسية أو المصروفات السرية لسد عجز الإيرادات. والواقع أنه منذ بداية القرن العشرين، أخذ الإعلان يلعب دورا هاما في حياة الصحف نتيجة لما أحرزه من تقدم كبير، ومجاراة لما طرأ على الحياة الاقتصادية من ازدياد في الإنتاج وارتفاع في الاستهلاك، وما صاحبها من رواج تجاري عظيم. والمعروف أن تكاليف إصدار النسخة الواحدة من الصحف اليومية يبلغ نحو أربعة أو خمسة أمثال الثمن الذي يباع به، ويغطي إيراد الإعلان ذلك الفرق بين التكاليف الحقيقية، وثمن البيع. وتعتبر الصحف من أقوى وسائل الإعلان؛ نظرا لتنوع مستويات الصحف فهناك الصحف الراقية، وهناك الصحف الشعبية، وهناك صحف الطبقات الوسطى. وحتى في المجتمعات الاشتراكية الحديثة مثل مجتمعنا، نجد أن هناك فرقا بين الأهرام والأخبار مثلا. فالأهرام يقرؤها جمهور كبير من أهل المدن، ومن كبار السن نسبيا، في حين أن الأخبار تنتشر في الأقاليم وبين الشباب. فالأهرام تجتذب الإعلان في العقارات والمزادات والعمارات والآلات الكهربائية والطبية والإعلانات الاجتماعية والوفيات، في حين تجتذب الأخبار الإعلان عن الأسمدة والآلات الزراعية والوظائف الخالية ودور السينما والأفلام والكتب والقصص. وتتمتع الصحافة بخاصية نفسية فريدة، فهي وسيلة الإعلام الوحيدة التي يدفع فيها القارئ ثمن اطلاعه على مادتها المقروءة، ويقوم بدفع هذا الثمن بدافع من رغبته وحدها، وكثيرا ما يستجيب للإعلان الصحفي لأنه يطرق تفكيره، وهو في حالة نفسية طيبة ومتأهب للعمل، في حين أن الإعلان الإذاعي أو التليفزيوني أو السينمائي أو إعلان الملصقات، تطرق ذهنه أثناء الاسترخاء. كما أن الصحافة

стр. 82

الجيدة تنشر إعلانات متخصصة في الصفحات المناسبة لها، كصفحة المرأة وإعلانات الأثرياء وأدوات التجميل، وصفحة الشباب وإعلانات الملابس الرياضية وهكذا. وقد رأينا أن أهم خصائص الصحافة هي: الحالية والدورية والمرونة والتنوع، ولا شك أن الإعلان الصحفي يستغل هذه الخصائص استغلالا مفيدا. وإذا كانت الجرائد تعجز أحيانا عن إتقان الإخراج لسرعة صدورها، كما أن جماهير الجريدة متسعة وعريضة، فضلا عن قصر عمرها، فإن المجلة تتلافى هذه العيوب؛ لأن المجلة تمتاز بالإخراج المتقن والطباعة الفاخرة، كما أن قراءها من فئات معينة كالشباب والنساء والمثقفين وغيرهم، فضلا عن أن المجلة تدوم وقتا أطول من الجريدة بطبيعة الحال. وتنقسم الإعلانات الصحفية إلى إعلانات عامة، تمتاز بحجمها الكبير وألوانها الجذابة الزاهية، وحروفها الواضحة، وإعلانات مبوبة أو إخبارية، تعتمد على الانتباه الإرادي الموجه إليها عمدا، وإعلانات اجتماعية تنشر معلومات عن الزواج والمواليد والنجاح والأسفار وغير ذلك، ثم إعلانات قضائية تحتم القوانين نشرها في الصحف وتنظم اللوائح أساليب النشر وعدد مراته.

стр. 83

فن الإعلان الصحفي: وفن الإعلان الصحفي يقوم على الكتابة الإعلانية التي تهدف إلى التأثير في نفس القارئ. وعلى المحرر الإعلاني أن يكتشف الفكرة التي سوف يتحدث عنها في الإعلان باحثا عن مزايا السعلة المعلن عنها وطرق أدائها لوظيفتها وأفضليتها على منافساتها، والأسلوب الإعلاني قد يكون منطقيا، ولكن أغلب الإعلانات ترتكز على استغلال الدوافع النفسية وتستخدم الأسلوب الوجداني. ولما كانت عملية الشراء هي عملية نفسية -أساسا- فإن المعلن يستخدم فنون جذب الانتباه، وإثارة الاهتمام، وخلق الرغبة، والإقناع بسلامة الشراء، وذلك بغية دفع القارئ إلى التنفيذ. فليس غريبا أن ينقسم الإعلان إلى عنوان رئيسي لجذب الانتباه، وعنوان فرعي أو ثانوي لاستثارة الاهتمام، ثم يأخذ

стр. 84

الإعلان بيد القارئ للاطلاع على بعض البيانات التي تتصل برغبات القارئ وأفكاره، ثم يبين فوائد السلعة وكيف توفر على صاحبها الوقت والجهد والمال -كالغسالات والثلاجات والمكانس وغيرها- وتأتي الخطوة الأخيرة لتحديد مكان البيع وسعره. وفي كل ذلك يعتمد فن الإعلان، على الفن الصحفي القائم على التبسيط والتحديد، وإثارة الانتباه، والاختصار، وسلاسة العبارة وسهولتها. غير أن فن الإعلان الصحفي هو مزيج من الكلمة والصورة، والعنوان والرسم واللون، وهذه جميعا تتضافر بطريقة فعالة لإبلاغ الرسالة الإعلامية إلى القارئ. ولا تنبت الإعلانات الجذابة المبتكرة من تلقاء نفسها، ولكنها في واقع الأمر نتيجة تفكير عميق، وتصميم دقيق. وهي أشبه بعمل المهندس المعماري الذي يبدأ بعمل تصميم عام للعمارة التي ينوي إقامتها ثم يأخذ في رسم تفاصيلها قطعة قطعة، حتى تصبح عملا فنيا متكاملا. فيبدأ إنتاج الإعلان بمرحلة التصميم والتفكير، ثم تأتي مرحلة إعداد الرسوم والصور. وفي المرحلتين يتضافر المحرر مع الفنان لإخراج إعلان جيد. وفي جميع الأحوال يلعب التجسيم دورا رئيسيا في الإبراز والتشويق، ولا بأس من الاستعانة بالرسوم البيانية، والصور الكاريكاتورية؛ لأنها من المعينات الأساسية للكلمة المطبوعة في الفن الصحفي. ومع أن للإعلان دوره في تسويق السلع والخدمات، فقد تعرض لهجوم شديد يوجه إليه.. فيقال مثلا إنك إذا صنعت مصيدة أفضل للفئران فإن العالم سوف يشق دربا إلى بابك، فالإنتاج الجيد يؤثر دون حاجة إلى إعلان. وبالرغم من أن عالم الاقتصاد الأمريكي المشهور الفريد مارشال١ لم يجد مكانا للإعلان في نظريته الاقتصادية إلا أنه اعترف بوجوده في العمل الصناعي والنقابي، وهو هنا يفرق بين الإعلانات البناءة التي تستخدم في تقديم المعلومات، والإعلانات الشرسة التي تحاول أن تقضي على المنافسين. وهو يرى أن الإعلانات القتالية مدمرة اجتماعيا.

стр. 85

ويعاب على الإعلان بأنه فاقد اقتصادي، وأنه يؤكد على الماديات، ويخلق شعورا بعدم الرضاء. وفي ذلك يقول أحد النقاد: "إنك تشتري أشياء لا تحتاجها بنقود لم تحصل عليها، محاولا أن تقلد أناسا لا تحبهم" ولعله يشير إلى إعلانات البيع بالتقسيط التي تحقق إشباعا ماديا دون هدف اجتماعي أو أيديولوجي. بل إن بعض النقاد يرون أن الإعلان يخلق حاجات زائفة غير حقيقية. ولعل المآخذ التي يأخذها البعض على تردي الذوق الفني، وإفساد الذوق العام للشعب، تعبر عن الاستياء من الاستخدام الرديء للأسلوب الصحفي، والهبوط به -في أيدي الأدعياء والدخلاء على المهنة- إلى درك يوصف بالغفلة والسذاجة. غير أن أعنف ما وجه إلى الإعلان هو أنه يمكن الاحتكارات السياسية والتجارية من السيطرة على الصحف، وجعلها أبواقا لها. ولعل التسلط الصهيوني على الصحافة العالمية من أنصع الأدلة على هذا الخطر. غير أن مؤيدي الإعلان الصحفي يؤكدون أن الإعلان يزيد الطلب على السلع، عن طريق أخبار المستهلكين بوجود السلعة ومميزاتها واستعمالاتها، ولولا ذلك لما أمكن التوزيع على نطاق واسع أو الإنتاج على نطاق واسع أيضا. أما من حيث تكاليف التوزيع والتي يوفر الإعلان جزءا منها، فيأتي عن طريق تخفيض العمولة التي يتقاضاها تجار الجملة؛ لأن السلع المعلن عنها أسهل في بيعها وأسرع من السلع غير المعلن عنها، ولو لم يستخدم الإعلان في بيع السلع لاستلزم ذلك استخدام مئات بل ألوف من مندوبي اليبع للقيام بمهمة التوزيع. فإذا قارنا بين نصيب الوحدة المباعة في تكاليف الإنتاج، ونصيبها في تكاليف مندوبي البيع لوجدنا أن نصيبها في الحالة الأولى أقل بكثير منه في الحالة الثانية. هذا إلى جانب سرعة عملية البيع في الحالة الأولى وبطئها في الثانية. ويلعب الإعلان دورا في النشاط الاقتصادي إذ إنه يقرب بين المنتجين والموزعين والمستهلكين. وله طائفه الإرشادية والإخبارية الهامة التي تشرح للجمهور مدى توفر السلع وكيفية الحصول عليها، وشروط شرائها، إلى جانب وظيفته التعليمية التي تهدف إلى تعريف الجمهور بحاجاته إلى السلع وكيفية استعمالها، ووظيفته التذكيرية التي تجعل السلع المنتجة عالقة بذاكرة الجمهور، وتبرز إلى عقله الواعي كلما أحس بحاجة تشبعها تلك السلع، ووظيفته الإعلانية التي تحيط الجماهير بالحقائق عن المنشآت والأجهزة التي تعمل في خدمتها. ومن هنا كان الإعلان ضرورة اقتصادية واجتماعية، حتى في المجتمعات الاشتراكية. ولكن مما لا شك فيه أن الإعلان لا بد وأن يرتكز على أسس سليمة من العلم والذوق والإخلاق.

стр. 86

وظيفة التثقيف والتنشئة الاجتماعية: والوظيفة السادسة للفن الصحفي هي التثقيف والتنشئة الاجتماعية. وقد قدم العالم الألماني أوتوجروت١ تعريفا للإعلام يقول فيه: "إنه التعبير الموضوعي عن عقلية الجماهير وروحها وميولها واتجاهاتها". بمعنى أننا إذا أخذنا صفحة من جريدة أو مجلة وأخضعناها للتحليل العلمي الدقيق لوجدنا أنها تنبض بما في الأمة التي صدرت عنها الجريدة أو المجلة من قيم ومبادئ وعادات وتقاليد. وفي هذا المعنى قال جلبرت مري٢ أستاذ التاريخ اليوناني في جامعة أكسفورد: "لو كان لليونان صحف، ولو أن صحيفة واحدة، أو حتى صفحة واحدة من صحيفة واحدة قد وصلت إلى أيدينا، لكانت معرفتنا بالتاريخ اليوناني أكثر حيوية وأعظم عمقا مما عليه الآن؛ لأن الصحيفة سجل نابض بالحياة، وانعكاس لثقافة الأمة، وتجسيد لإطارها الاجتماعي والثقافي". وقد سخر البعض من هذه الوظيفة الصحفية وقال بلهجة تهكمية: "إن الكتاب والفلاسفة هم أولئك الناس الذين تستأجرهم السلطة الحاكمة ليشعروا الناس أن كل شيء يسير على ما يرام"٣. والحقيقة أن الصحافة تقوم ببث الأفكار والمعلومات والقيم التي تحافظ على ثقافة المجتمع، وتساعد على تطبيع أفراده وتنشئتهم على المبادئ القويمة التي تسود في الحضارة. فوظيفة التنشئة

стр. 87

الاجتماعية تتصل بخلق الجو الحضاري الملائم للتقدم والنهضة عن طريق التوعية الشاملة بأهداف المجتمع وخططه. فالفن الصحفي يسعى لتكامل المجتمع، بتنمية الاتفاق العام، ووحدة الفكر، بين أفراده وجماعاته، ويقوم بتثبيت القيم والمبادئ والاتجاهات والعمل على صيانتها والمحافظة عليها، ويدخل في ذلك نوعية المواطنين بالسياسات والإجراءات، ودعم قوى الدفاع بإعلام المواطنين بالتهديدات الخارجية والداخلية على الأمن القومي، ويوسع مجال الحديث والمشاركة والمناقشة بترويج الاصطلاحات الجديدة المتعلقة بالنواحي التكنولوجية والثقافية، بطريقة التبسيط والتفسير. وإذا كان الصحافة تعمل على دعم العادات الاجتماعية السائدة، فإنها ترحب بالتعديلات والتغيرات التي يمكن للجماعة أن تطبقها وتقبلها. وهنا يكمن الفرق بين الفن التشكيلي وفن الأدب من جهة، والفن الصحفي من جهة أخرى. فالفنان التشكيلي قد يرسم صورة عارية، والأديب قد يصور حياة امرأة منحرفة؛ لأن الفن -وخاصة في العالم الغربي- قد يقف موقف الحياد الأخلاقي١ ولكن ليس كذلك الصحفي الذي لا بد وأن يلتزم بإخلاقيات المجتمع وعاداته وتقاليده وقيمه. إن الصحفي مثلا ملتزم بقضايا الساعة، وبموضوعات المجتمع السياسية والاقتصادية والثقافية، ولكن الأدب أو الفنان قد يتحرر من هذا الالتزام. وقد تكون رؤية الأديب أو الفنان للعالم وللقيم من خلال نظرته الذاتية، ولكن الصحفي ينظر إلى العالم نظرة موضوعية من خلال نظرة قرائه، ومن خلال قيم المجتمع ومبادئه. ويمكن النظر إلى الفن الصحفي على أنه ذلك الفن الذي يقوم ببث رسائل واقعية أو خيالية على أعداد كبيرة من الناس، يختلفون فيما بينهم اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. ويقصد بالرسائل الواقعية مجموعة الأخبار والمعلومات التي تدور حول الأحداث، وكذلك القصص والتمثيليات التي قد ترتكن إلى الواقع وتنسج منه صورة فنية. وفي جميع الأحوال، تراعي الصحافة أن المواد المنشورة تتفق مع الثقافة الشائعة والمعتقدات الدينية والمذاهب السياسية والمعايير الأخلاقية. فالصحافة الغربية تزخر بأخبار العنف والجريمة، وقصص رعاة البقر، والصور العارية، بل إن بعض الصحف تتخصص في نشر الفضائح الجنسية، كحادث الوزير البريطاني بروفيومو وعشيقته كريستين، في حين أن السوفييت يرفضون هذه الأساليب، ويمنعون نشر أخبار الجريمة في صحفهم.

стр. 88

القيم والقواعد السلوكية: فالصحافة تقوم بالتثقيف، وتطبيع الناس على عادات الأمة وتقاليد الحضارة وطقوسها وأنماط سلوكها، مما يهيئ للفرد أساليب التعامل مع الناس، والتكيف مع البيئة. فقد ثبت الآن بعد دراسات علم النفس الارتقائي، وعلم الإنسان "الأنثروبولوجيا" وعلم الاجتماع، أن التثقيف له أثره الكبير في تشكيل الاتجاهات النفسية والرأي العام. وكثيرا ما يمثل الإنسان بالمادة الخام والمنظمات الاجتماعية بالخزاف الذي يشكل المادة في يده تشكيلا يتفق مع عادات الجماعة وقيمها وتقاليدها. ويؤكد أوديجارد١ أنه من المستحيل فهم الرأي العام في أمة من الأمم ما لم ندخل في اعتبارنا تللك القرى المادية والأدبية التي تشكل شخصية هذه الأمة. ولكي نتعرف على اتجاهاتها وآرائها، يجب علينا أن نهتم بدراسة المنظمات الاجتماعية التي تعطي للفرد معتقداته وتشكل اتجاهاته. فالإنسان في المجتمع يتأثر بالأسرة والدين والتقاليد ونظام الدولة والأصدقاء والأقران، والجماعات ذات النفوذ كالنقابات والأحزاب والهيئات والصحف وأجهزة الإعلام الأخرى. وقد فطن خبراء الحرب النفسية إلى أهمية الصحافة في شن الدعاية السوداء، فاتخذوا من الصحف المشهورة والمجلات المحبوبة ستارا تتخفى الدعاية وراءه، عندما تستعير من الصحف الاسم والعناوين والإخراج وشكل الغلاف

стр. 89

وغيرها من المعالم الصحفية التي تعود عليها القارئ وأنس إليها، ثم أخذ من وراء هذا الستار تقطر سمومها لكي تصل إلى أغراضها. بل إن أسلوب الفن الصحفي في الكاريكاتور والنكتة والسخرية والترفيه، كثيرا ما يستخدم لتحقيق الأغراض الدعائية، وذلك على أساس ما للفن الصحفي من قوة في التأثير على الجماهير. إن وظيفة التثقيف والتنشئة الاجتماعية تنطوي على التوعية والإيقاظ والتنبيه، وبث روح المسئولية، والإيمان بالقيم والمبادئ، والشعور بالولاء العميق للأمة. وهنا يقوم الفن الصحفي بتجسيم الأهداف، وشرح الخطط، وإعداد المواطن للعمل في الحرب والسلم على السواء. إن الصحافة تقدم العديد من القواعد السلوكية من خلال الخبر والتعليق والمقال والتفسير والنكتة والقصة والكاريكاتور، ومن خلال الردود على أسئلة القراء. ومن هذه القواعد السلوكية أن الحب هو مفتاح النصر، ويكفي للمرء أن يحب لكي يقهر كل شيء، وتتردد هذه القاعدة -عادة- في ردود الخطابات، كما تتكرر في الأغاني والأفلام. وقاعدة أخرى هي أن العمل المتواصل لا بد وأن يؤدي إلى النجاح. هذا فضلا عن معاني الفضيلة والرذيلة، ومبادئ الثقة بالنفس والثقة بالجماعة والثقة بالله، والإيمان بالدين، والاعتقاد بالثواب والعقاب، ويرمز لها بالجنة والنار. وتلعب الأخبار نفسها هذا الدور عندما تتلقف الأحداث الإنسانية، وتصوغها وترويها بأسلوب صحفي جذاب. مثال ذلك زواج الممثلة جريس كيلي بالأمير رينييه١ حاكم موناكو، وهو موقف يصوره قوة الحب التي تجعل أمير الأحلام يتزوج من الشعب، كما فعل الملك إدوارد الثامن من قبل مع الليدي سمبسون. ولعل أسطورة سندريللا الإنسانية تعمق من قيمة الحب ومعجزته. ويحضرنا أيضا في هذا الصدد اهتمام الصحف بزواج الأميرة الإنجليزية مارجريت بالمصور أرمسترونج٢ وهو من الشعب بعد أن رفضت الأسرة المالكة زواجها من

стр. 90

رجل آخر لأنه مطلق. ومن ذلك أيضا أخبار السفاح الذي اهتمت به الصحافة المصرية، ثم كتب عند نجيب محفوظ وغيره من الكتاب قصصا تردد نفس الحادث وتعلق عليه، وإذا كان محمود سليمان هو السفاح الواقعي فقد نسج الفنانون حوله قصصا مليئة بالأحداث والقيم. وقد وجدنا من دراستنا لتحليل مضمون الصحف المصرية الحديثة، أن هناك نزعة لتفضيل البساطة، وتصويرها على أنها من أفضل قواعد السلوك، ويتخذ الكتاب من حياة الريف والأحياء الوطنية والبيئات العمالية نماذج لموضوعاتهم. ويحن بعض الكتاب إلى الأيام الخوالي باعتبارها تنطوي على البساطة، ويبشر البعض الآخر بمستقبل زاهر، ويؤكد أن الخير كل الخير في العمل المتواصل والإنتاج لتحقيق أهداف المجتمع الناهض. ووجدنا أيضا نزعة أخرى إلى التقليل من قيمة المال، والتهوين من شأن الثروة، وإعلاء شأن الحب والصحة والسعادة، كما وجدنا تأكيدا مستمرا على القيم الاشتراكية والدينية، وقد كان لهما صدى في الشعار الذي رفع أخيرا وهو "العلم والإيمان". وهكذا نجد أن هذه القيم تتردد في صحافتنا سواء في الأخبار أو الموضوعات أو التحقيقات أو الصور أو المقالات أو القصص.

стр. 91

التحليل الوظيفي للصحافة: والآن، بعد أن درسنا وظائف الفن الصحفي، ينبغي علينا أن نشير إلى أن هذه الوظائف يمكن أن تحدث آثارا عكسية، تتناقض مع الأهداف المنشودة أو الآمال المرجوة. فليس من الضروري أن تتطابق الأهداف مع النتائج. فإذا قامت وزارة الصحة مثلا بحملة صحفية من أجل حث الناس على الفحص الطبي لاكتشاف بعض الأمراض المعدية، فإن الروح المعنوية للعاملين بمكاتب الصحة قد ترتفع، لما يحظون به من اهتمام صحفي في عملهم اليومي. ولكن في الوقت نفسه، قد تخيف هذه الحملة كثيرا من الناس وتصيبهم بالذعر، وهنا تعتبر الحملة ذات نتائح عكسية أو سلبية لا تتفق مع الأهداف المرسومة لها.

стр. 92

وقد عكف تشارلس رايت١ على دراسة الآثار السلبية والإيجابية للصحافة وغيرها من وسائل الإعلام. يقول رايت إن لكل وظيفة من وظائف الصحافة آثارا إيجابية وأخرى سلبية. ويضرب لذلك مثلا، ذلك التصريح الأمريكي الذي أدلى به الرئيس الراحل كنيدي إلى أمته في أكتوبر سنة ١٩٦٢ حول حصار كوبا، فقد استقبل أغلب الأمريكيين هذا التصريح استقبالا طيبا، غير أن البعض منهم أحس بالخوف من أن يؤدي هذا الموقف إلى حرب ذرية، أما تأثير هذا التصريح على القراء السوفييت كما أطلقوا عليه في برافدا وازفستيا فقد كان سلبيا للغاية لأنه ينطوي على الإهانة والتحرش. ويتساءل رايت عن الآثار الإيجابية والسلبية لوظائف الفن الصحفي التي يجملها في أربع وظائف رئيسية هي: الأخبار ونشر المعلومات حول البيئة المحيطة بالفرد أو المجتمع الذي يعيش فيه، ثم وظيفة الإرشاد والتفسير والتوجيه التي تقوم بها المقالات والافتتاحيات وغيرها، وكذلك وظيفة نقل التراث الثقافي والتنشئة الاجتماعية، وأخيرا وظيفة الإمتاع أو التسلية أو الترفيه. وهكذا يتفق رايت مع لاسويل٢ في أن وظيفة الصحافة -كوسيلة إعلام- تتصل بمراقبة البيئة وجمع أخبارها، والربط بين أجزاء المجتمع لخلق الاتفاق العام أو الرأي العام، وكذلك نقل التراث الثقافي من جيل إلى جيل، ويضاف الترفيه أيضا إلى هذه الوظائف الثلاث. ولا شك أن خصائص الصحافة التي سبقت الإشارة إليها كالدورية والتكرار والاستمرار والانتظام والعلنية وسعة الانتشار، تجعل آثارها الوظيفية قابلة للدراسة المنهجية العلمية. وقد تصدى رايت لمهمة التحليل الوظيفي لبيان آثار الصحافة على الفرد والجماعة الفرعية والنظام الاجتماعي والنظام الثقافي بوجه عام. فهو يتساءل عن الآثار الإيجابية والنتائج السلبية الظاهرة والكامنة للصحافة وغيرها من وسائل الإعلام في قيامها بوظائفها من الأخبار إلى التفسير إلى الترفيه إلى التثقيف وذلك بالنسبة للفرد والجماعة الفرعية والمجتمع والثقافة.

стр. 93

العوامل السلبية والإيجابية في الصحافة: إن نشر الإخبار له طابع إيجابي لأنه يعطي تحذيرا من الخطر المحدق بالمجتمع سواء من الداخل أو الخارج، مما يساعد على درء الخطر في الوقت المناسب، كما أنه يتيح للأفراد -من خلال النشر العام- فرصة متساوية للإحساس بالخطر والاستعداد لمواجهته. هذا فضلا عن أن نشر الأخبار ضروري لتحقيق الاحتياجات اليومية للمؤسسات في المجتمع كأخبار البورصة والأوراق المالية والأرصاد الجوية والملاحة البحرية والجوية. وهنا نجد أن هذه الأخبار تخدم الفرد والمجتمع على السواء، ما دامت الرفاهية الفردية متصلة بالرفاهية الاجتماعية. والصحيفة مصدر للمعلومات اليومية العادية، كبرامج الإذاعة والتليفزيون، وأخبار المودات والأزياء، والوفيات والأخبار الاجتماعية وغيرها. ولا شك أن معرفة الأخبار تضفي هيبة واحتراما على الإفراد الذين يعرفونها، كما أن التركيز الصحافة على فرد من الأفراد كنشر صورته والتحدث عنه يضفي عليه هالة من الاحترام والتقدير. وهنا نجد أن الصحافة تلعب دورا خطيرا في محاسبة المنحرفين وكشف النقاب عن الخارجين على القانون والعرف والقيم، وإدانة المنتهكين للتقاليد والأخلاق. فكأن الصحافة تقوم بفضح السلوك المنحرف، وتنهض بمهنة الضبط الاجتماعي التي كان يقوم بها الاتصال الشخصي في المجتمعات الشفوية. غير أن معرفة الأفراد بالأخبار قد تؤدي إلى انتشار اللامبالاة؛ لأنهم قد يتعودون أن المعرفة وحدها كافية، وأنه غير مطلوب منهم القيام بأي نشاط إيجابي فتنتشر السلبية بين الأفراد، وهذه ما تسمى أحيانا بظاهرة التخدير. وقد تؤدي الأخبار إلى تلقين المنحرفين أساليب السلوك العادي للمجتمع.

стр. 94

وإذا كانت الأخبار تعطي المعلومات للجماعات الفرعية كالجماعات السياسية الحاكمة، وتساعدها في محافظتها على السلطة، فإنها قد تؤدي من جهة أخرى إلى تقليل نفوذ تلك الجماعة الحاكمة، إذا ما تضاربت الأخبار عن الخسائر في وقت الحرب أو ادعاءات القادة بالنصر، أو حينما تهدف دعاية الأعداء عمدا إلى التهوين من شأن القادة والتقليل من قيمتهم في نظر شعوبهم. والحقيقة أن نشر الأخبار قد ينطوي على خلق تطلعات جديدة وتوقعات مبالغ فيها كما حدث في ثورة التطلعات في العقد الخامس في هذا القرن، ثم تلتها حالة من التذمر والإحباط بعدما ثبت أن من الصعب سد هذه الاحتياجات وإرضاء تلك التطلعات والآمال. وقد يكون وقع الأخبار سيئا للغاية عندما يتكرر التحذير فيصاب الناس بالذعر، كما أن الفرد قد يتحول باهتماماته إلى حياته الخاصة، ويولي ظهره تماما للأخبار العامة، إذا ما كانت مبالغة في كميتها بحيث تغرق الفرد في بحر هائل من المعلومات التي لا يستطيع أن يفعل حيالها شيئا. وهنا تنشأ حالة من التبلد الذهني والوجداني؛ إذ يكتشف الفرد أن كل ما يطلب منه هو أن ينفعل دون أن يفعل شيئا، وهذا هو جوهر الشخصية السلبية. ولا شك أن للأخبار آثارها الحميدة في نقل الثقافة من مجتمع إلى آخر بغية التنوع والإثراء الحضاري، غير أن الأخبار التي تترك دون رقابة أو عناية قد تؤدي في نهاية الأمر إلى نوع من الغزو الثقافي، واجتثاث للثقافة الأصلية المضيفة للثقافة الوافدة. وتأتي وظيفة التفسير والتوجيه لمساعدة الفرد على تجنب المبالغة في تقويم الأحداث، وكذلك في الإسراف الشديد في الحساسية. فالصحفي الحديث يعرف أنه مسئول عن وضع الأحداث في نسبها الحقيقية، وإعطاء الأخبار وزنها النسبي السليم. ومن الثابت أن أحكامنا السياسية والعامة لا تصدر نتيجة تأثرنا بالواقع الموضوعي وحده، وإنما تصدر أيضا عن فهمنا وتصورنا لهذا الواقع الموضوعي من خلال تأثرنا بالصحافة وغيرها من وسائل الإعلام. فالمؤثرات التي تحيط

стр. 95

بالإنسان لا تكون السبب المباشر في الاستجابة للبيئة، ولكن معنى هذه المؤثرات، أو صورتها في ذهن الإنسان، هي التي تحدث الاستجابة. وقد تكون الأحداث أو الحقائق من الصعوبة بحيث لا تفهم إلا بعد تبسيطها وشرحها وتفسيرها، وهذا ما تقوم به الصحافة كوظيفة من أهم وظائفها. غير أن تفسير الأخبار وتوجيه السلوك قد تكون له آثار سيئة؛ لأنه ربما يؤدي إلى التقليل من قيمة النقد الاجتماعي، وإلا تعرض النقاد لعقاب من الحكومة. وفي المجتمعات التجارية الرأسمالية ينأى النقاد عن أي توجيه إيجابي حرصا على عدم إغضاب أي فئة من الفئات الاجتماعية؛ خوفا من التأثير الاقتصادي السيئ كالمقاطعة مثلا. وقد يتأثر الفرد نفسه تأثير سيئا نتيجة للتعرض المستمر لوجهات النظر الموجهة، حتى يتعود على التلقي السلبي للمعاني، دون أن يعمل فكره، فتقتل حاسة النقد فيه.

стр. 96

نظرية التحليل الوظيفي للفن الصحفي: وقد رأينا أن عملية التنشئة الاجتماعية تساعد على استمرار التراث الثقافي، ونقل القيم والخبرات المشتركة. ولا شك أن الصحافة عامل هام في عملية التطبيع إلى جانب الأسرة والمدرسة والدين، ولكن كثيرا ما ينجم عن نشر الثقافة من العاصمة قضاء على الثقافات المحلية أو الأقليمية. ومن هنا جاءت ضرورة إنشاء الصحافة الأقليمية وغيرها من وسائل الإعلام المحلية كالإذاعات ومحطات التليفزيون الإقليمية والمحلية. غير أن العناصر الدرامية في الصحافة والإعلام قد تؤكد على العلاقات الجنسية والعنف بطريقة ضارة بالشباب، مما يشجع على السلوك المنحرف. كما أن الإعلان الرديء في المجتمعات الرأسمالية التنافسية قد يخلق روحا فظة غليظة وذوقا عاما رديئا. بل إن العالم الفنان هربرت ريد١، يذهب في كتابه "معنى الفن" إلى أن التنشئة الاجتماعية السيئة قد تكون سببا في خلق

стр. 97

الشخصيات المريضة التي تستمتع بالقسوة، وتتلذذ بسفك الدماء. ويرى أن مثل هذه الظروف هي التي تخلق جو القرن العشرين المفعم بالكآبة والسوداوية وحب الانتقام. فإذا كانت التنشئة الاجتماعية تؤدي إلى اكتساب ثقافة الجماعة وأساليب سلوكها. وزيادة التآلف الاجتماعي بين أفرادها، وتوسيع قاعدة الأساليب الشائعة والخبرة فيما بينهم، مما يقلل من الاتجاهات الانقسامية والتمزقية، ويشيع القيم السائدة، والاندماج الاجتماعي، فإنه في الوقت نفسه قد يساعد على خلق المجتمع الجماهيري، ويقلل من الخصائص الفردية. ونجد في كتابات علماء الإعلام المتخصصين في الدول الحديثة شكوى مريرة من المجتمع الجماهيري الضخم الذي يصبح فيه الفرد متعرضا للتشكل عن طريق أجهزة الإعلام وأدوات التأثير في الجماهير وخاصة الإعلان والدعاية والعلاقات العامة. وإذا أتينا إلى وظيفة الترفيه، وجدنا أن الإمتاع والتسلية من الوظائف التي تعمل على إراحة الجماهير نفسيا، وإعطاء فرصة للانتعاش بعد العمل الطويل، ولكن الترفيه قد يتردى إلى الهبوط بمستوى الأذواق، كما أنه قد يخلق الفرص لظهور الاتجاهات الهروبية في القصص الخيالية، والدراما الرومانسية، والمعالجات البعيدة عن الواقع ومشاكله. ولا شك أن في ذلك إضعافا للمستويات الجمالية والثقافية الرفيعة، كما أنه قد يعطي للسلطة الحاكمة فرصة لصرف أنظار الشعب عن مشكلاته وواقعه. ويمكن تلخيص نظرية التحليل الوظيفي للفن الصحفي في النقاط الأربع التالية: فبالنسبة لوظيفة الأخبار نجد أنها تعمل على تحذير المجتمع من الأخطار الطبيعية مثل الهجوم أو الحرب أو الوباء، وتنقل معلومات نفعيه كالأخبار الاقتصادية والجوية والتموينية. ولكنها تهدد المجتمع بمقارنات بمجتمعات أخرى أفضل مما يخلق ثورة التطلعات. ومن ناحية أخرى قد تؤدي الأخبار إلى ظهور حالة من الذعر أو الخوف. وتعطي الأخبار للفرد معلومات مفيدة، وتضفي عليه هيبة واحتراما، وتمكنه من ممارسة قيادة الرأي، ولكنها قد تسبب في زيادة الإحساس بالفقر والحرمان وتخلق روحا من اللامبالاة والتخدر.

стр. 98

وللأخبار فائدة محققة للطبقة الحاكمة لأنها تعطيه معلومات مفيدة لزيادة نفوذها وتقويته، والكشف عن المنحرفين، والتأثر على الرأي العام عن طريق المراقبة والسيطرة واختفاء الشرعية على السلطة، ولكنها قد تهدد الطبقة الحاكمة عندما تتكشف نواحي الضعف، وتظهر الأحوال الحقيقية، التي قد يسهم الأعداء في نشرها. وإذا كانت الأخبار عاملا مساعدا لنشر الثقافة العامة، فإنها قد تتيح الفرصة لغزو ثقافي. ولا شك أن وظيفة التفسير والتوجيه تساعد على التعبئة والتوعية، وتقف في مواجهة التهديدات التي قد تعصف بالاستقرار الجماعي، وبذلك تمنع انتشار الذعر، ولكنها قد تؤدي إلى الخضوع الاجتماعي، وتعرقل التغيير، وتعطل النقد. وتعمل هذه الوظيفة على تقليل التوتر بين الأفراد وتبسيط المعلومات واستيعابها، ولكنها قد تؤدي إلى زيادة السلبية، وضعف القوى النقدية لدى الفرد. ولا شك أن التفسير والتوجيه يساعدان الجماعات الفرعية الحاكمة مثلا على الاحتفاظ بالسلطة، ولكنها في الوقت نفسه تحملها مسئوليات ضخمة. أما بالنسبة للثقافة فإنها تعرقل الغزو الثقافي، وتحقق المحافظة على التراث القومي، ولكن ذلك ينطوي أيضا على خطر التقوقع، وعرقلة النمو الثقافي، والابتعاد عن كل ما قد يؤدي إلى إثراء الثقافة عن طريق الانفتاح على الخارج. وقد رأينا أن وظيفة الترفيه ذات أثر نفسي حميد للتنفيس عن المتاعب والآلام، ولكنها قد تجعل المجتمع غارقا في الأوهام وبعيدا عن الواقع، مما يزيد السلبية، ويتيح الفرصة لظهور الاتجاهات الهروبية. وقد سبقت الإشارة إلى أن هذه الأوضاع ربما توفر وسيلة للسلطة الحاكمة للسيطرة على الحياة السياسية والاجتماعية. فضلا عن أن الترفيه قد يهبط إلى مستويات ضارة بالذوق العام. ولا شك أن مهمة التنشئة الاجتماعية لها آثارها الحميدة لتكامل المجتمع ووضوح أهدافه، واندماج فئاته وتنشئة شبابه وخلق الوحدة الفكرية والوجدانية. ولكنها قد تؤدي إلى خلق المجتمع الجماهيري الذي يصبح الفرد فيه

стр. 99

مجرد وحدة خاضعة لأسلوب حياة نمطي عام. حقيقة أن التنشئة الاجتماعية تعمل على تقليل الاتجاهات الانحرافية، وتمنع التمزق، وتصون القيم، ولكنها في الوقت نفسه قد تمكن السلطة الحاكمة من البقاء في السلطة والاعتماد على روح المحافظة دون أي تغيير، وذلك يقضي على ضرورة النمو، إن التماثل والمحافظة على القيم من الأمور المرغوب فيها، ولكن التغيير والنمو من سمات الحيوية والتطور لبلوغ الآفاق الجديدة في الحياة.

стр. 100

الباب الرابع: فن الخبر الصحفى مدخل ... الباب الرابع: فن الخبر الصحفي لا شك أن الخبر قديم قدم البشرية؛ لأنه يتصل بحياة الإنسان، وهو ينشأ بالضرورة في كل مجتمع من المجتمعات مهما كان بسيطا أو بدائيا، ولكننا نهتم هنا بفن الخبر الصحفي، أي فن الخبر المطبوع في الصحف المنشورة، ولا يعنينا في هذا الصدد فنون الخبر الشفوية التي كانت -ولا زالت- تعرف في المجتمعات البدائية. وكذلك نمر مر الكرام على الخبر المخطوط أو المنسوخ، الذي عرف قبل اختراع المطبعة، وإن كان قد ظل معروفا للناس حتى بعد ظهور الصحف المطبوعة. غير أن الخبر المخطوط أو المنسوخ لم يستطع أن يصمد أمام الخبر المطبوع لرخص ثمن الأخير وسعة انتشاره وانتظام صدوره وخاصة بعد أن انشئت مكاتب البريد في القرن الخامس عشر. ومن الطريف أن الخبر الصحفي ظهر متأثرا بالخبر الشفوي والخبر المخطوط فكان بشكل أغنية أو صورة شعرية أو نثرية. وقد اتخذت الدوريات التي كانت تعرف باسم الجازيتات -ولعلها نسبة إلى الجازيتا وهي عملة إيطالية- عناوين طويلة لأخبار مبالغة وشاذة عن خوارق الطبيعة. ثم أخذت الأخبار تتنوع بعد ذلك، وتبتعد عن الصورة الشعرية وتقترب من شكلها الواقعي الموضوعي الحديث.

стр. 101

ماهية الخبر الصحفي: وقد اختلف الباحثون والعلماء حول تعريف الخبر. فيقول تشارلس دانا١: "إن الخبر هو كل ما يهم الجماهير العريضة من الناس ويلفت أنظارهم" ويقول البعض إنه الشيء الجديد الذي يتلهف القراء على معرفته بمجرد نشره في الصحيفة وقد جاء في كتاب تاريخ التيمس -وهي صحيفة إنجليزية مشهورة- إن الخبر هو تسجيل لمحاولات الفرد المثابرة نحو اختراق رداء ذلك الغموض بعيد المدى الذي يكتنف أفقه. ولا شك أن هذا التعريف يوضح مدى فضول الناس وحبهم الغريزي للاستطلاع وخوفهم من المجهول وميلهم إلى مراقبة البيئة والاطمئنان إلى كل ما يحدث فيها. وقد رأينا أن الفضول والقلق والخوف من أهم العوامل التي تساعد على ظهور الأخبار وانتشارها. ويرى تشيلتون بوش٢ الأستاذ بجامعة ستانفورد أن الخبر هو تقرير عن حادث يستطيع القارئ أن يفهمه. وفي تعريف آخر٣ أن الخبر هو كل جديد يهم أكبر عدد ممكن من الناس. أما كيرتيس ما كدوجال٤ فيرى أن الخبر هو تقرير عن أحداث يجد الصحفي الممتاز أنها صالحة للتحرير النشر. ويعرف ولزلي وكامبل٥ الخبر بأنه تقرير عن فكرة أو حادث أو صراع له صفة الحالية أو الجدة ويهم المستهلكين "القراء". وترى الصحافة الرأسمالية أن الخبر هو تقرير عن حادث معين ترى الصحيفة في نشره وسيلة للربح المادي. غير أن سام باكلي الذي أصدر أول صحيفة إنجليزية سنة ١٧٠٢ وهي "ذي ديلي كرانت" كتب يقول: إن أهم ما يتصف به الخبر هو الحيدة التامة وعدم المحاباة. وهناك تعريف آخر يقول إن الأخبار هي بعض أوجه النشاط الإنساني التي تهم الرأي العام وتوجهه وترشده وتسليه وتعلمه.

стр. 102

وقد عقدت مجلة كوليير الأسبوعية الأمريكية ندوة جمعت إليها عددا كبيرا من محرري الصحف في أمريكا لكي يمدوا المجلة بتعريف صحيح للخبر الذي ينشر في الصحف، ولكن أعضاء الندوة اختلفوا اختلافا كبيرا في ذلك. فظهرت المجلة وبها عدد كبير من التعريفات. ومنها على سبيل المثال. ١- الخبر هو كل ما يهم القراء أن يعرفوا عنه شيئا ما. ٢- الخبر هو كل شيء يرغب عدد كاف من الناس في قراءته بشرط ألا يكون خارجا على قواعد الذوق العام، وقوانين السب والقذف. ٣- الخبر هو كل شيء يحدث ويهتم به الناس. ٤- الخبر هو كل ما قد يتحدث عنه الناس، وكلما كان الاهتمام الذي يثيره فيهم أكبر كانت قيمته أعظم. ٥- الخبر هو الاستطلاع الدقيق للأحداث الإنسانية، والكشوف والآراء فيما يهم الناس ويؤثر فيهم. ٦- الخبر هو كل ما يحدث وكل ما توحي به الأحداث وكل ما ينجم عنها. ٧- الخبر هو الوقائع الأساسية التي تتعلق بأي حدث أو مناسبة أو فكرة تستحوذ على اهتمام الناس، وتؤثر على الحياة وعلى السعادة البشرية. ٨- الخبر قائم في أساسه على الناس، ويجب أن يكون محدودا بما يعنيهم، وما يرضيهم دائما. ٩- الخبر يشمل كل أنواع النشاط الجاري الذي يستحوذ بصفة عامة على اهتمام الناس، وأحسن الأخبار ما أثار اهتمام أكبر عدد من القراء. ١٠- الخبر كل ما يتعلق بالصالح العام، وكل ما يهم القراء أو يترك أثرا في علاقاتهم ونشاطهم وآرائهم وأخلاقهم وسلوكهم.

стр. 103

وقد قال اللورد نورثكليف -منشئ الصحافة الإنجليزية الحديثة- أن الشيء الوحيد الذي يساعد على زيادة توزيع الجريدة هو الخبر، والخبر هو كل ما يخرج عن محيط الحياة العادية المألوفة، ويكون مدار حديث العامة والخاصة١. وهناك تعريف آخر يقول٢: إن الخبر الصحفي هو كل خبر يرى رئيس التحرير أو رئيس قسم الأخبار في جريدة ما أنه جدير بأن يجمع ويطبع وينشر على الناس لحكمة أساسية هي أن الخبر في مضمونه يهم أكبر جمع من الناس ويرون في مادته أما فائدة ذاتية أو توجيها هاما لأداء عمل أساسي أو تكليفا بواجب معين إلى آخر ما يراه الناس واجبا يتحتم على الصحافة كأداة من أدوات الإعلام أن تؤديه نحوهم. ومن هنا نستطيع أن نفرق بين الأخبار العادية التي تتداولها بعض الألسنة، والأخبار الصحفية التي تتداولها كل الألسنة.

стр. 104

الخبر الصحفي بين الشرق والغرب: على أننا ينبغي أن نفرق بين مفهوم الخبر في الحضارة الغربية ومفهومة في الحضارة الاشتراكية الشرقية، فالصحافة الغربية تجد أن نشر الأخبار غاية في ذاتها. ولعل نورثكليف هو صاحب القول المأثور: "إن كلبا عض رجلا ليس خبرا يستحق النشر، ولكن رجلا عض كلبا هو الخبر الذي يستحق النشر"، بالرغم من أن مثل هذا الخبر يخلو تماما من الدلالة أو القيمة للصالح العام. وقد ذكرنا أن الصحافة الصفراء -صحافة الجنس والعنف والإثارة- قد نجمت عن الرغبة في إثارة الجماهير العريضة، ونشر الأخبار التافهة. وقد ارتبطت هذه الصحافة في أمريكا باسم بولتزر وهيرست١ عندما أصبح التهويل والمبالغة طابعا عاما للصحافة الصفراء من أجل رفع التوزيع وزيادة الأرباح. وأخطر من ذلك عناية هذه الصحف عناية عجيبة بنشر أخبار الجريمة، مما أثار القادة وأرباب

стр. 105

الأقلام والمصلحين. وقد ارتبطت هذه الصحافة الصفراء بالعناوين العريضة "المانشيتات" والمبالغة في استخدام الصور والألوان الزاهية، والإسراف في الرسوم والصور الكاريكاتورية١. وتعمد الصحافة الصفراء إلى الإكثار من النكت والفكاهات والمداعبات، كما أنها تبتكر الشخصيات، وتخترع المواقف المسرحية الدرامية، وكأنها تدافع عن الصالح العام، في حين أنها تجري وراء الأخبار الشخصية والفضائح، حتى ولو كان ذلك على حساب الأسر المرموقة والشخصيات المحترمة. غير أن القراء في نهاية الأمر، يرفضون هذا النوع من الصحافة، ويسعون وراء الدقة والعناية بالجوهر. ولعل هذا الشعور هو الذي أفضى بجريدة لابرس٢ الفرنسية -وهي من الصحف الصفراء- إلى التوقف عن الصدور، سنة ١٩٢٧، عندما بالغت في التغرير بالجمهور. فقد نشرت هذه الجريدة نبأ وصول طيارين مغادرين إلى نيويورك بعد أن عبروا المحيط الأطلنطي لأول مرة، ثم تبين فيما بعد أن الطائرة سقطت في المحيط. أما الصحافة في العالم الاشتراكي كالاتحاد السوفييتي مثلا، فإنها تنظر إلى الخبر من ناحية وظيفته الاجتماعية. فالسبق الصحفي لا يقصد لذاته، ولا ينشر خبر من الأخبار إلا بعد التأكد من فائدته للحزب وللمجتمع. فمثلا، لقد ألقى إيزنهاور خطبة هامة طالب فيها بعقد اتفاق عالمي للسلام، وكان ذلك في السادس عشر من إبريل سنة ١٩٥٣، غير أن الصحافة السوفييتية لم تنشره إلا في الخامس والعشرين من نفس الشهر. كما أن أخبار انتخاب نيكسون مثلا لم تجد طريقها إلى الصحف الاشتراكية إلا بعد فترة من الزمن. وكان الخبر بسيطا في ذيل عمود في آخر الصفحات. بل إن أخبار أبوللو ١٢ و١٣ و١٤ ووصول رواد الفضاء إلى القمر لم تجد طريقها للنشر. وهناك تعريف للخبر يقول: "إن الخبر هو ذلك الشيء الذي يخدم مصالحنا! ".

стр. 106

ويرى السوفييت أن السبق الصحفي عادة برجوازية سيئة. ويعلل جوكوف -نائب رئيس تحرير البرافدا- سبب التأخر في النشر والتعليق على بعض الأحداث العالمية يومين أو ثلاثة بقوله: "إن النجار الماهر يقيس سبع مرات ويقطع مرة واحدة"١ فليس غريبا أن تقبع البرافدا في مكان هادئ بمبناها الضخم المرتفع، ولا يسمح للأجانب بالصعود إليها إلا بإذن خاص، ولا حتى للسوفيتي نفسه، إلا بعد تقديم بطاقته إلى الحارس الرسمي. والحقيقة أن الصحافة السوفييتية قد تعرضت لنقد عنيف في المقال الذي نشرته مجلة الحزب القومية "كوميونست" بقلم ستربيوكهوف وهو من الموظفين البارزين في إدارة الإعلام والدعاية المركزية للحزب الشيوعي، وقد جاء فيه: "إن الصحف السوفييتية جامدة مملة، ذات طابع واحد، وسطحية، وضعيفة من وجهة النظر الأيديولوجية. وإننا لو نظرنا إلى مجموعة من الصحف والمجلات الصادرة لما أمكن التفريق بينهما إلا بالنظر إلى أسمائها". وتطالعنا جريدة "البرافدا" في الخامس من مايو سنة ١٩٥٦-وهو يوم الصحافة السوفييتية- بمقال جاء فيه: "إن تقرير اللجنة المركزية إلى المؤتمر العشرين أبرز أهمية توجيه عناية خاصة إلى تدعيم دور الصحافة في جميع الميادين السياسية والتنظيمية والأيديولوجية. وعلى ذلك يجب إدخال تحسينات جوهرية على طريقة تحرير الصحف وإزالة الأخطاء التي جعلت من الصحافة شيئا غير مستساغ، وتعالج موضوعات مكررة لا معنى لها". وقد امتدح "بولن" -مساعد رئيس تحرير الأزفستيا- الصحافة الغربية، ونصح الصحفيين بمحاولة إرضاء أذواق القراء. ولقد أعرب إيفار سبكتور٢ عن هذه الحقيقة بقوله: "إن الروس الذين يقرءون الصحف الأمريكية محقون في إبداء دهشتهم، عندما تفاجئهم هذه الصحف بأخبار الحوادث والجرائم وحالات الطلاق والزواج وغيرها من أخبار المجتمع، وهم يدهشون كذلك عند رؤيتهم قسما خاصا

стр. 107

بالرياضة يحتل جزءا كبيرا من الصحف اليومية العادية، فمثل هذه الموضوعات أهملتها الصحافة السوفييتية فهي لا تنشر إلا أنباء مختصرة عن النواحي الرياضية الأخرى مثل مباريات الشطرنج أو كرة القدم". وذكر الكسي أدجوبي -زوج ابنه خروشوف- رئيس تحرير أزفستيا أنه عندما نشرت صحيفته خبرا عن طلاق مارلين مونرو، احتج القراء السوفييت على نشر هذا الخبر الذي أسموه "هراء! " وقد وجدت صحيفة "البرافدا" في تطور الصحافة السوفييتية وخروجها عن المألوف بنشر الصور والمقالات المسلية والرسوم الفكاهية، أن الصحافة قد صارت مقلدة "لجرائد الفضائح"، كما نددت بالإعلانات وقالت إها تقليد للطريقة المتبعة في الصحافة البرجوازية. وذهبت إلى أنه من الخطأ إرضاء القارئ على حساب الحد من الدعاية الأيديولوجية.

стр. 108

من الخبر الجاد إلى الخبر الخفيف: وقد كانت الأخبار السياسية والاقتصادية هي الطابع الغالب على صحافتنا المصرية منذ صدورها سنة ١٨٢٨. وحتى الصحافة الشعبية نفسها كانت تنظر إلى الخبر على أنه موضوع سياسي وعلمي تجاري، كما يتضح من نص طلب الترخيص الذي تقدم به سليم تقلا لشرح قصده من إصدار صحيفة الأهرام؛ إذ يقول: "والإفادة من ذلك أن الجريدة الملتمس إنشاؤها في الإسكندرية تحتوي على التلغرافات والمواد التجارية والعلمية والزراعية والمحلية وكذلك طبع الكتب". والحقيقة أن الأخبار كانت تدور في مجملها حول الثناء على ولي النعم، وبيان نشاط الحكومة في ترقية الأحوال، وكذلك فيما يحدث في سائر أنحاء العالم، غير أننا نلمح أحيانا بعض الأخبار الطريفة في صحيفة الوقائع المصرية، وهي أخبار مترجمة عن الصحف الأجنبية، وهي في الغالب فرنسية. ويبدو أن رفاعة رافع الطهطاوي -محرر الوقائع الأول- قد تعلم في فرنسا شيئا عن المعالجة الإنسانية للأخبار، والابتعاد عن الموضوعات الجافة. ومن الواضح أن الصحفيين كانوا يؤثرون نشر الأخبار الأجنبية؛ لأن نشر الأخبار المحلية كان

стр. 109

يعرضهم لضيق الحكام وتبرمهم، وربما إثارة سخطهم وتعرضهم للعقوبات الأليمة. ومن الغريب أن تطالعنا جريدة الأهرام على صفحتها الأولى بعددها الصادر في ١٠ إبريل سنة ١٨٨٩ بمسألة فكاهية تقول فيها: "أجب يا من لك إلمام بأوليات الحساب عن عدد قيمته ٤٥ طرح من عدد آخر قيمته ٤٥ فكانت قيمة الباقي ١٥ وجنس الأعداد واحد من المطروح والمطروح فيه -كاتبه أسعد حداد". وجاء جواب هذه المسألة في العدد التالي "لقد استقبلنا حل هذه الفزورة في وقت واحد بقلم حضرة الخواجة جرجس ملك وقلم حضرة الخواجة يوسف إلياس وكلا الحلين متفقة". وقد رأينا كيف انتقلت الصحافة الغربية من النقيض إلى النقيض. فبعد أن كانت جادة كل الجد، عابسة كل العبوس، أصبحت في مطلع القرن العشرين تافهة كل التفاهة، ماجنة كل المجون. فقد أصبحت الأخبار تافهة هشة، تطفح بأخبار الجريمة والفضيحة والعنف. ولا شك أن اهتمام الصحافة بالربح ورفع التوزيع واحتواء القراء الجدد من البسطاء والعمال قد دفع الصحافة إلى هذا التيار. بل إنها أخذت تبتدع الأخبار وتختلقها اختلاقا فإذا شحت الأخبار، أوحت الجريدة -كما فعلت الديلي ميل- إلى مغامرة الرياضيين أو السباحين بعبور بحر المانش مثلا. وقد انزلقت صحيفة أخبار اليوم المصرية إلى هذا النوع من الصحافة فأخذت تنشر أخبار الجريمة في شيء من التفضيل المثير، وخاصة تلك الجرائم الجنسية البشعة. كما استخدمت بعض الفتيات للاتصال بكبار رجال الفكر والأدب بالتليفون ثم نشر موضوع المكالمة في العدد التالي لتكون مثيرة طريفة. كما سارت في سبيل اختلاق الأخبار المصنوعة إلى آخر الشوط فأجرت المسابقات حول اختيار البطريرك الجديد، أو مسابقة الطيران الشراعي. وقد كتبت إحدى الصحف تقول: إذا كان المخبر الصحفي تعوزه المعلومات الأساسية التي تحيط بالأحداث سواء أكان اكتشافات أو مخترعات فكيف

стр. 110

يستطيع هذا الصحفي أن ينقل الأخبار ويجعلها مفهومة للقراء؟ لا شك أنه يضطر إلى معالجة الموضوع بخفة، فيكتب عن الجوانب التافهة، ويهمل الجوانب الجادة. ولكن يتفادى الصحفي التجريد وبرودة الموضوعات الصعبة والمجردة، يحاول إيجاد الصورة أو الشخصية التي تجسد آراءه ويتعامل مع الصورة الشخصية عوضا عن الفكرة، مما يسمح له بالوصول إلى عقلية الجماهير وأفهامهم العادية. وهكذا نجد أن الطابع الشخصي أوالتجسيد يغلبان على التفكير والتجريد. وهكذا تتغلب المغامرات الغرامية، والأخبار الخفيفة، وترديد النماذج المألوفة بدلا من التصدي الحقيقي الجاد لواقع الحياة. إن الأخبار التي تدور حول شخصية علمية مثلا كأينشتين تنزلق إلى معالجة سطحية لأطواره الغريبة، فيقال إنه يكره صابون الحلاقة، ويفضل تسريحة شعر معينة، ويرتدي ملابس قديمة، وكل ذلك على حساب مؤلفاته وأفكاره، التي لا يشار إليها إلا بمجرد اللمحات البسيطة.
следующие страницы →