← Адаб

Адаб · id 11735

دراسات في الفن الصحفي

إبراهيم إمام

Полный текст (364 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المقدمة على عناصر الخبر الرئيسية. ثم تأتي العناصر الأخرى مرتبة حسب أهميتها. ومن هنا جاءت تسمية الشكل الصحفي بالهرم المقلوب. والقاعدة في صياغة الخبر هو البدء بالعناصر المهمة أولا، وهذه تتطلب حاسة صحفية ذواقة وتدريب ومران طويلين. ولا بد أن تحرك هذه البداية انتباه القارئ وأن تثير اهتمامه. والفرق بين المحرر الناجح والمحرر الفاشل يكمن في هذا الاختيار الدقيق لمقدمة الخبر. فقد يكون هناك تناقض في موقف إنساني مثير كالرجل الذي يلقى القبض عليه ليلة زفافه، أو العالم الذي يموت قبل استلامه جائزة الدولة التقديرية بعدة أيام. وهناك المقدمة التي تحتوي على تصريح مقتبس من رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء. وعلى ذلك فالمحرر الصحفي بإزاء الأسئلة التقليدية المعروفة -الشقيقات الخمس والأخت السادسة- يفاضل بسرعة بين إجاباتها، ويعمل ذوقه الفني وحسه الصحفي في هذه المفاضلة. فالاسم اللامع المشهور يظفر بالإجابة عن السؤال من. والوفاة أو الانتحار أو الانفجار يكون إجابة عن ماذا، وغرابة الزمن كمقابلة تتم بين السفير ورئيس الجمهورية بعد منتصف الليل أو قبيل الفجر تصبح مثيرة، كما أن وجود رجل دين في ملهى ليلي يجعل المكان في مقدمة الخبر. وانتحار أول رجل من فوق برح القاهرة كان خبرا جديدا يجيب عن السؤال كيف. والمهم أن المقدمة لا بد وأن تتصف بالمرونة الكافية بحيث تتشكل وفقا لنوع الحادث أو الخبر، مع الحذر من الحشو بالتفاصيل، وإرجاء ذلك إلى جسم الخبر نفسه في الموقع المناسب لذلك. وقد تكون المقدمة اقتباسية تحتوي على عبارة جرت على لسان مسئول كبير مثل "قرارنا هو القتال". وقد توجه المقدمة إلى القارئ نفسه مثل "أنت الآن مطالب بضريبة جديدة". وهناك المقدمة التساؤلية مثل "هل تستأنف أمريكا تجاربها الذرية؟ " أما المقدمة الساخنة فهي تحتوي على معلومات مثيرة تخطف الأبصار، وتجعل القارئ مشوقا إلى متابعة الخبر.

стр. 142

ويقسم الأستاذ جلال الدين الحمامصي الأنباء الصحفية التي يمكن صياغتها بطريقة الهيكل الهرمي إلى عدة أقسام منها: الأنباء المتعلقة بوقائع والأنباء المتعلقة بأعمال أو أحداث أو حركات ثم الأنباء المتعلقة بالتصريحات والأقوال المنسوبة للأشخاص. وقد يكون الخبر مركبا فيتخذ شكلا هرميا يبدأ بمقدمة شاملة ثم تحليل للزوايا المختلفة وفقا لأهميتها. وهناك المتابعة الأخبارية التي تتخذ شكلا هرميا أيضا. أما قالب الوقائع البسيطة فيبدأ بالعنوان ثم المقدمة ثم ترتيب الوقائع حسب أهميتها مع الربط بينها ربطا متجانسا بحيث يخرج النبأ في النهاية مستكملا كل الاعتبارات التي أشرنا إليها من قبل. أما هيكل القصة المتعلقة بحركة فهو كما يلي: المقدمة: "أطلق مجهولون قبل ظهر اليوم الرصاص مع مدافع رشاشة على زيد الرفاعي "٣٦ سنة" سفير الأردن في لندن في محاولة لاغتياله وهو داخل سيارته التي كان يستقلها من منزلة إلى دار السفارة في حي كينزنجتون "حي السفارات". الواقعة الثانية: وقد حطمت الطلقات زجاج السيارة، وأصابت السفير في يده اليمنى -طبقا لبيان إدارة سكوتلانديارد- أما سائق السيارة فلم يصب بجراح وتمكن من الانطلاق بالسيارة إلى "مستشفى ماري أبوت" مباشرة، حيث أجريت للسفير الإسعافات الأولية ثم نقل بعد ذلك إلى مستشفى "فيتزروي نافيلد" حيث تقرر أن تجرى له عملية جراحية. الواقعة الثالثة: وأعلنت منظمة "أيلول السوداء" التي قتلت وصفي التل رئيس وزراء الأردن في القاهرة منذ ١٧ يوما، مسئوليتها عن الحادث، وكان المتهمون الذين

стр. 143

ألقى القبض عليهم في القاهرة قد اعترفوا بأن هدف المنظمة الأساسي هو اغتيال المسئولين عن المجازر التي حدثت ضد الفلسطينيين في الأردن. وهكذا يمضي الخبر في شرح الواقعة، ومن الطبيعي أن يصاحب الخبر صورة للسفير الأردني. وهو هيكل يشتمل على وقائع وأحداث مثيرة، وفيه وصف لأشخاص، وبعد ذلك شهادة شهود، وبيانات أخرى تفصيلية. ومثل هذه الموضوعات تختتم عادة بفقرة تتضمن البيانات عن الشخصيات المتعلقة بالحادث. أما الأخبار الخطب والبيانات والرسائل والتصريحات والأقوال ونحوها فتتخذ شكل المستطيلات المتتابعة في إيقاع يبدأ بالمقدمة ثم ملخص ثم اقتباس من الكلام المنقول ثم ملخص آخر يليه اقتباس، وهكذا إلى آخر البيان أو الخطبة. ولا بد للصحفي أن يبذل جهدا لكي يستخلص النقط الأساسية التي تهم القراء فيبرزها، فالخطبة إذن لا تقدم بنصها كما هي، وإنما تجزأ وفقا للمعنى، وتلخص، مع إيراد النصوص التي تعزز التلخيص. ولهذا السبب، فإن بعض الصحف لا تكتفي فقط بتقديم هذا الهيكل الهرمي للبيان وإنما يورد نص البيان بعد الانتهاء من وضع البيانات الهامة في صورة الهيكل الهرمي، وعلى هذا الأساس فهناك حالتان: الأولى: أن تقدم الهيكل الهرمي من غير نص البيان، وفي هذه الحالة يتحتم أن يكون الهيكل وافيا. والثانية: أن تقدم البيان مع الهيكل الهرمي، وعندئذ فإن مقدمة الهيكل الهرمي تكون ملخصة ومركزة منعا للإطالة والتكرار.

стр. 144

الموضوعات المركبة ومتابعة الأخبار: إن النبأ الصحفي الذي يشتمل على الوقائع وحدها، أو الحركة وحدها، أو تصريحات مقتبسة ومنسوبة إلى مسئولين أو أفراد عاديين، ولو أنها تختلف في نوع المادة "إلا أنها في تكوينها -كما رأينا- تتفق في طريقة الشكل الهرمي أو الهيكل من "القمة" إلى "القاعدة" من حيث التسلسل. فالنبأ المتعلق بالوقائع يبدأ بالمقدمة عن الواقعة الهامة ثم الواقعة الثانية والثالثة وهكذا، والنبأ الخاص بالحركة أو الحادث يبدأ بمقدمة شاملة لما وقع ثم تعود فتعيد نشر التفاصيل لما اشتملت عليه المقدمة من وقائع هامة وهكذا. والنبأ المتضمن أقوالا مقتبسة يبدأ بمقدمة فيها بيان محدد مختصر عن الموضوع ثم الأقوال المقتبسة وهكذا. على أنه كثير ما يحدث أن يكلف صحفي بتغطية موضوع شامل لكل هذه الأنواع الثلاثة. وفي هذه الحالة فإن التكوين الهرمي يتطور إلى تكوين معقد بعض الشيء، ولكن من المؤكد أن في استطاعتنا تطبيق نفس المبادئ. فيحتوي هذا النبأ مثلا على المقدمة فالجملة الانتقالية فالحدث فواقعتان من الوقائع، ثم بعض الأقوال المقتبسة. وهناك الموضوعات المركبة ذات الزوايا المتعددة. وتكون هذه الأخبار متشابكة ومتعددة الأماكن والنواحي. وهذه الأخبار يغطيها أكثر من مندوب ثم يأتي المحرر ويجمع هذه المعلومات من زواياها المختلفة في خبر واحد. ويراعى عند كتابة هذه القصة الانتقال من المقدمة إلى إبراز النقط الهامة التي جاءت في المقدمة نقطة نقطة، ثم نعود إلى إبراز التفصيل الكامل لكل نقطة من هذه النقط، ففي حادث مصرع وصفي التل مثلا، يذهب فريق إلى فندق شيراتون، وفريق آخر إلى المستشفي، وفريق ثالث إلى السفارة الأردنية، وفريق رابع إلى المحقق، وفريق خامس إلى شقة المتهمين بالاغتيال في الزمالك، وبعد تجميع هذه المعلومات من كل فريق، يجرى صياغتها بطريقة المقدمة التي تتعلق بزاوية هامة ثم ملخص الزوايا الأخرى الأقل أهمية، ثم الزوايا الأخرى وهكذا. ولمتابعة الموضوعات الصحفية يحتاج الأمر إلى مقدمة تلخيصية للربط بين ما سبق نشره بالأمس مع زاوية جديدة في الموضوع. ويتحتم بعد الانتهاء من تسجيل هذه المقدمة، أن نحرص حرصا شديدا على أن تكون الفقرة التي تلي هذه المقدمة "ربطا" بين الجديد والقديم، بتلخيص ما حدث في اليوم السابق في سطور قليلة ومركزة ووافية، وذلك لعدة أسباب: أولها وأهمها أننا نفترض دائما أن القارئ لم يقرأ ما سبق نشره، وثاني هذه الأسباب أن القارئ الآخر ضعيف الذاكرة ونسي ما سبق نشره. ثم ننتقل بعد ذلك إلى التطورات الجديدة ويلاحظ أن تكون فقرة الربط خالية من الحشو والتعقيد، حتى ينتقل القارئ إلى التطور الجديد في الموضوع بسهولة ويسر.

стр. 145

الماجريات البرلمانية: كانت صحيفة الوقائع اليومية التي أصدرها يوليوس قيصر سنة ٥٩ قبل الميلاد أول صحيفة خطية يصدرها الرومان، وتحتوي إلى جانب الأخبار على تسجيل نشاط مجلس الشيوخ وعرض أعمال أعضائه وأقوالهم على الجمهور. وقد أراد يوليوس قيصر بهذا العمل أن يسلط الأضواء على تصرفات أعضاء المجلس حتى يسلكوا سبيلا يليق بهم ويتناسب مع النشر والإذاعة على الناس، وبهذه الطريقة يحرز المحسن ثناءه، ويلقى المسيء جزاءه. وكانت أول صحيفة إنجليزية تنشر الأخبار الداخلية ومحاضر الجلسات البرلمانية صحيفة صدرت في نوفمبر سنة ١٦٤١ باسم "ملخص الإجراءات في البرلمان الحاضر"١. وكان يصدرها توماس٢ في ثمان صفحات. وفي سنة ١٦٤٢ تطور اسم الدورية فأصبح "اليومية الكاملة لإجراءات البرلمان"٣، وكان يحررها صموئيل بيك٤، وقد نجحت هذه الدورية الأسبوعية رغم اسمها يومية لأن كلمة يومية معناها هنا تفاصيل إجراءات البرلمان نجحت في إلهاب ميول الجماهير القارئة لمتابعة البرلمان في وقت كان فيه مجلس

стр. 146

العموم البريطاني قوة مرهوبة الجانب تحارب الملك وتنتصر عليه وعلى أعوانه. على أن أهم تجديد ابتكرته "اليومية الكاملة" هو نشر عدة رسوم مختلفة تمثل أعضاء مجلس العموم أثناء انعقاد الجلسات، وكانت هذه الخطوة الجريئة وثبة رائعة في الشجاعة السياسية من جهة وفي الفن الصحفي من جهة أخرى. ولا شك أن انتشار الصحافة البرلمانية في تلك الحقبة كان يقصد منه تعبئة الجماهير ضد الملكية، وانتهى الأمر بأن قدمت "اليومية الكاملة" تقريرا صحفيا عن إعدام الملك شارل الأول سنة ١٦٤٩، بفصل رقبته عن جسده بالبلطة التي أهوى بها الجلاد، والملك راكع فوق صخرة الإعدام. ولم يكد ينتصر كرومويل في ثورته ضد الملك، حتى قلب ظهر المجن للصحافة، وأخذ يضيق على حريتها، وأصبح نشر المحاضر البرلمانية محظورا، وذلك حتى القرن الثامن عشر، عندما استطاع الصحفي الإنجليزي ويلكيز أن يحبط محاولة أعضاء مجلس العموم لمعاقبة الصحفيين واضطهاد الطابعين. وقد وصل هذا الصحفي إلى منصب "عمدة مدينة لندن" وأعلن أن القبض على رجال الصحافة يعد خرقا لحقوق الأفراد، والامتيازات المرعية التي يتمتع بها كل مواطن. وقد حذا أعضاء مجلس مدينة لندن حذو زميلهم ويلكيز عندما عرضت عليهم قضايا الصحفيين، فتقرر حبس اثنين منهما في قلعة لندن، حيث أحاطهما الشعب بالتكريم والتأييد والهتاف، فأقيمت الحفلات وأعدت الولائم، وقدمت الهدايا، فكان ذلك انتصارا للصحافة وتمجيدا لها وتأكيدا لحريتها في نشر الماجريات البرلمانية ونقد الحكومة. والحق أن ويلكيز كان يؤمن إيمانا راسخا بحرية الصحافة. فهو يكتب في صحيفة "ذي نورث بريتون"١ أن حرية الصحافة حق طبيعي لكل مواطن؛ لأنها أقوى دعامة لحماية الحريات في البلاد، وكم أفزعت الصحافة الوزراء المفسدين، وكشفت خططهم الخطيرة، ومؤامراتهم الدنيئة، وتخاذلهم وخداعهم! إن الصحافة تستطيع أن تكشف النقاب عن هذه الأشياء جميعا، وتعرض أعمال

стр. 147

الوزراء على الرأي العام، لكي يقول كلمته فيها، فتثير كراهية الشعب ضد الفساد والبطش والضعف والطغيان. وقد كان الصراع بين الصحافة والحكومات من أجل نشر محاضر جلسات البرلمان والمحاكم والهيئات السياسية جزءا لا يتجزأ من ملحمة الحرية الصحفية في مصر. فقد كانت الحكومات ترى في نشر هذه المحاضر تحقيرا لها وافتئاتا على حقوقها. وقد كان الدكتور محمود عزمي مندوبا برلمانيا لجريدة السياسة. وكان الدكتور عزمي يرسم بقلمه صورا ساخرة للنواب المصريين، ويضع يده على كثير من مواطن الضعف فيهم، ولعل ذلك يذكرنا بما كان يفعله الصحفيون الإنجليز من استخدام الرمز الجريء المكشوف لنقد أعضاء مجلس العموم البريطاني، وخاصة الأديب المشهور الدكتور جرنصون. ويبدو أن الدكتور عزمي قد أثار سخط النواب عليه فقرر أعضاؤه إذ ذاك أن يطردوه من المجلس، وأن يحرموه من الجلوس في شرفة الصحافة، ويحرموا جريدة السياسة من نشر محاضر جلسات البرلمان. ووقف عزمي وحده في شرفة الصحافة يواجه ضجة المجلس، وفي اليوم التالي ظهرت جريدة السياسة وفيها مقال عنيف بقلم الدكتور محمود عزمي ضد مجلس النواب المصري. وفيها كذلك وصف دقيق لما ورد في الجلسة التي حرم منها. واستمرت جريدة السياسة تنشر وصفا لهذه الجلسات التي يعقدها البرلمان حتى هاج المجلس مرة أخرى، وطالب بإجراء تحقيق مع مندوبي الصحف، وموظفي المضبطة، لمعرفة الموظف الذي يمد جريدية السياسة بأخبار هذه الجلسات. فن صياغة الماجريات: ويمكن القول بوجه عام أن تحرير الماجريات البرلمانية والقضائية والدبلوماسية والدولية، يشبه إلى حد كبير طريقة كتابة الخبر ذي الأقوال المقتبسة. فالمحرر يضع بعد العنوان مقدمة يلخص فيها أبرز ما جرى في تلك الجلسات، ويثبت أهم النتائج، ثم إنه إذا أتى إلى صلب الخبر أو جسمه أخذ يوجز ثم يفصل من الأقوال ما يفسر الإيجاز. وهناك طريقة تعتمد على الإيجاز

стр. 148

والتركيز لإعطاء القارئ فكرة صحيحة عن الحوادث التي وقعت والقرارات التي اتخذت دون ما دخول في التفاصيل الدقيقة. وهنا يكون على الصحفي أن يقوم الحقائق والأحداث، ويجهد نفسه للتفرقه بين الغث والسمين، ولا يكترث للحوادث الصغيرة أو الأحاديث العابرة التي لا تؤثر على المجرى العام لسير الجلسة. وهناك طريقة أخرى تقوم على الإسهاب والتفصيل، فيحرص الصحفي على تسجيل كل شيء، حتى وصف الملابس وحركات الجسم، وطريقة الكلام، والهدوء أو العصبية. ولا شك أن الصحفي العظيم يستطيع أن ينقل من خلال هذه التفاصيل روح الجلسة، فيفهم القراء من بين السطور، ما لا يستطيع أن يفصح عنه من خلال السطور نفسها. غير أن ظروف الصحافة الحديثة، وغلاء أسعار الورق، وكثرة الإعلانات، قد أدت إلى ابتكار طريقة وسط بين الطريقتين، بحيث يوجز الصحفي في البداية، ويعطي صورة للجلسة وما حدث فيها بوجه عام، وبعد ذلك يورد بعض العبارات وأقوال الأعضاء أو الشهود بنصها، مع حذف التفاصيل التي لا ضرورة لها. وهذه الطريقة لها خطرها؛ لأنها تتطلب صحفيا أمينا يتحمل المسئولية بضمير حي، ولا يستغل الحذف للتشويه أو الانحياز لفريق دون الآخر، فالموضوعية في نشر الماجريات القضائية والبرلمانية والسياسية والدولية من أهم معالم الصحافة الجيدة. وقد أصبح من المقرر الآن أن الجمهور من حقه أن يعرف كل شيء مما يجري في المحاكم أو البرلمان أو المؤتمرات السياسية أو المنظمات الدولية. غير أن من واجب الصحيفة أن تراعي منتهى الدقة في نشر أخبار المحاكم ومحاضر جلساتها، ولا بأس من تحليل العوامل النفسية عن طريق الحركات والإشارات، وكذلك تفسير المواد القانونية للجمهور العام، ولكن من الخطأ الانحياز إلى جانب أو آخر، أو إلحاق الضرر بالمتهمين. وقد أصبح نشر الماجريات السياسية والدولية عن المؤتمر والمفاوضات والاتفاقيات من أهم الموضوعات الصحفية. بل إن ظروف مصر الحقبة الأخيرة

стр. 149

وعرض قضية الشرق الأوسط على الأمم المتحدة في الجمعية العامة أو مجلس الأمن، وكذلك مناقشتها في الاجتماعات الرباعية لممثلي الدول الكبرى، قد جعل من متابعة هذه الأخبار ضرورة يحس بها القراء، ويتوقون إليها. غير أن متابعة الماجريات السياسية والدولية تتطلب صحفيين أذكياء مثقفين، على درجة عالية من الوعي والمسئولية، وإتقان اللغات الأجنبية. هذا فضلا عن أن تدخل الصحافة في هذه الأمور -بعد أن كان ذلك محظورا من قبل- في عصور الدبلوماسية الهادئة، والمفاوضات السرية، قد ألقى على عاتق الصحفيين مهمة الاتزان، والابتعاد عن الإثارة، والموضوعية في نقل الأحداث والخطب والأقوال؛ لأن هذه القضايا تتصل بالحرب والسلام.

стр. 150

الباب الخامس: فن التحقيق الصحفى مدخل ... الباب الخامس: فن التحقيق الصحفي يبدأ فن التحقيق الصحفي -عادة- من النقطة التي ينتهي عندها الخبر الصحفي. فقد رأينا أن الخبر الصحفي يجب أن يحتوي على إجابات لخمسة أسئلة تقليدية، أما التحقيق الصحفي فينهض للإجابة عن سؤال أساسي هو: لماذا؟ وذلك ليس بالسؤال الهين، بل ربما كانت علوم الفلسفة كلها منذ نشأة التفكير المنهجي تحاول الإجابة عن هذا السؤال الجذري. فليس غريبا أن يسمى التحقيق الصحفي في بعض الدول العربية استطلاعا، ويفهم في كثير من الدول الأجنبية على أنه دراسة، ذلك أن روح التحقيق الصحفي تتسم بالدراسة والاستطلاع والبحث وتقصي أسباب الحقائق ومعرفة الزوايا المتعددة للحقيقة الواقعة. وكثيرا ما يتصل التحقيق الصحفي بالأحداث الجارية، ويرتبط بالأفكار الحية في حياتنا، ولذلك فإنه يتسم بالواقعية والحالية، حتى ولو كان الموضوع تاريخيا، بمعنى أن الزاوية الجديدة، أو النظرة المكتشفة حديثا، أو التقييم الجديد للحقائق التاريخية والشخصيات تعطي معاني وأبعادا غير معروفة من قبل. فالتحقيق الصحفي ينطوي على المعلومات والبيانات والتعليقات والمعاني والأبعاد الكامنة وراء الأخبار والمفاهيم السائدة، فهو عمل ابتداعي خلاق. وقد يقال إن التحقيق الصحفي يتناول أحيانا موضوعات تاريخية كعصر إسماعيل أو الثورة العرابية أو حتى التاريخ الفرعوني القديم، وهذا صحيح، غير أن الزاوية الجديدة، والرؤية المبتكرة، والوثائق المكتشفة حديثا، هي التي تجعل الموضوع التاريخي جديرا بالمعالجة الصحفية. فهنا لا بد وأن تتوفر عناصر

стр. 151

الجدة والطرافة؛ لأن التحقيق الصحفي لا يهدف إلى مجرد التسجيل، بل يهدف كذلك إلى الإعلام والتفسير والتوجيه والترفيه والتسويق والتنشئة الاجتماعية. وقد يكون التحقيق إعلاميا أو تفسيريا أو توجيهيا أو ترفيهيا أو تعليميا أو إعلانيا، غير أنه في معظم الأحيان يحقق أكثر من هدف واحد من تلك الأهداف. والمهم أن يكون التحقيق موضوعيا سلسا في أسلوبه، مشوقا في معلوماته، جذابا في معالجته، وقبل كل شيء يتسم بالوضوح والجلاء والتحقيق الصحفي يرتبط ارتباطا وثيقا بفن المجلة، "وهذه مشتقة من مادة جلا أو جلاء أو ظهر ووضح، ومنها جلية الأمر أي ما ظهر حقيقة أي الخبر اليقين. والمجلة هنا بمعنى أنها استجلاء حقيقة من العالم"١. ولا نبالغ إذا قلنا إن خير تعريف للتحقيق الصحفي نفسه أنه استجلاء حقيقة من العالم المحيط بنا، ومعالجتها بأسلوب واقعي مشوق جذاب. ويقسم الإنجليز الفن الصحفي إلى قسمين رئيسين: أما القسم الأول فهو الأخبار، أما القسم الثاني فهو المعالم، وهذا القسم الثاني يهتم بتوضيح معالم الأنباء والأفكار، فالخبر يعطي الحقيقة مجردة، أما المعالم فتفسر ما وراء الخبر. فرواية خبر من الأخبار كحادث قتل في وقت معين ومكان محدد مع ذكر اسم القاتل والقتيل وغير ذلك من التفاصيل يدخل في باب الخبر، ولكن القارئ يحب -عادة- أن يعلم شيئا عن حياة القتيل وسيرة القاتل، ويورد أن يعرف شيئا عن دوافع الجريمة، وربما دوافع الجرائم بصفة عامة، وهنا تأتي وظيفة المعالم في التفسير والشرح والتعليق والإيضاح. إن فن التحقيق الصحفي هو فن التنوير والتثقيف بأسلوب جديد يصل إلى كافة الأفهام. وهو فن يختلف عن فن الكتاب العادي؛ لأنه ينطوي على تحرير صحفي, وفن تصويري، وتجسيد للمعاني، وتبسيط للحقائق، مع استخدام

стр. 152

الصور الفوتوغرافية، والرسوم الإيضاحية، والخرائط التفسيرية، والنماذج التي تيسر الفهم لكافة المستويات الثقافية. ولذلك فإننا قد نتحدث عن "إنتاج" التحقيق الصحفي، ولا نكتفي بمجرد كتابته أو تحريره، علما بأن التحقيق يتضمن الحوار والمناقشة والحديث الصحفي والاستقصاء والبحث والدراسة، بشرط أن يتم كل ذلك في إطار الواقع العملي، ويعبر عنه باصطلاحات مفهومة للجميع، مع الابتعاد عن المصطلحات العلمية والفنية المجردة. وما أقرب فن التحقيق الصحفي من فن الفيلم التسجيلي السينمائي! فإذا كانت جريدة الأخبار الناطقة في السينما تناظر الجانب الأخباري من الصحافة، كما أن الأفلام الدرامية تناظر الجوانب القصصية والترفيهية من الصحافة، فلا شك أن الفيلم التسجيلي هو ما يناظر فن التحقيق الصحفي. وكلاهما -الفيلم التسجيلي والتحقيق الصحفي- لا بد وأن تتوفر فيه عناصر الواقعية والصدق والتغطية الكاملة من زوايا متعددة، فضلا عن التشويق والتحليل والتبسيط وإثارة انتباه القارئ أو المشاهد بما وراء الأخبار من خلفيات وشخصيات -على أن يتم ذلك كله بطريقة فنية خلاقة، وهذا هو التناول الإبداعي للواقع -على حد قول جريرسون١. وإذا كان ثمة فن من الفنون الصحفية يستطيع أن يقف صامدا في مواجهة الإذاعة والسينما والتليفزيون، فهو فن التحقيق الصحفي، إذا أحسن إنتاجه، وأتقنت لغته وعباراته. وعالم اليوم يفكر بأسلوب بصري جديد، وهناك عدد كبير من المتعلمين الجدد الذين يريدون أن يدخلوا عالم الثقافة من خلال التعبير المصور، والأسلوب المبسط، والألوان الزاهية المعبرة، وهكذا يدخل فن التحقيق الصحفي لكي يعلم ويثقف ويوجه ويرشد ويفسر ويمتع. وفي عصرنا الذي يسوده التخصص الضيق، يستطيع هذا الفن أن يربأ الصدع، ويملأ الثغرات الفاصلة بين شتى التخصصات في المجتمع.

стр. 153

ماهية التحقيق الصحفي: لقد رأينا أن الجاحظ يعتبر -في نظر المؤرخين- صحفيا؛ لأنه أديب موسوعي العلم والمعرفة، واقعي الأسلوب، سلس العبارة، يرفع الكلفة بينه وبين القارئ، ويعبر عن خصائص عصره وسمات بيئته. فهو يمتاز بأنه لم يترك موضوعا عاما إلا وكتب فيه رسالة أو كتابا. "ومن يرجع إلى رسائله وكتبه يجده قد ألف في النبات وفي الشجر وفي الحيوان وفي الإنسان وفي الجد والهزل، وفي الترك والسودان، وفي المعلمين والقيان، وفي الجواري والغلمان. وفي العشق والنساء، وفي السنية وفي الشيعة والعباسية والزيدية والرافضة، وفي حيل لصوص النهار وحيل سراق الليل وفي البخلاء واحتجاج الأشحاء، وفي هذا ما يدل على أن الجاحظ خطا بالكتابة الفنية عند العرب خطوة جديدة نحو التعبير عن جميع الموضوعات في خلابة وبيان عذب. كان يفهم الكتابة الأدبية على أنها معان تنسق في موضوع خاص مما يتصل بالطبيعة أو الإنسان، وكان لذلك صبغة في كتابته، فإنها كانت ذات موضوع قبل أن تكون ذات أسلوب، وليس معنى ذلك أنه كان يهمل ألفاظه وتراكيبه، بل لقد كان يعنى بها عناية شديدة"١. لقد كان الجاحظ لسان عصره، لا يتستر ولا يتخفى، يعبر عن الواقع بلهجة عادية بالنسبة لأهل زمانه، يحكي ويصور ويمثل تمثيلا دقيقا ينبض بالحيوية، وقد نجح في نقل صور الحياة في بيئته العباسية عبر القرون بكل صدق وأمانة. لقد كان مصورا عظيما، ينقل المشاهد بحذافيرها وبدقائقها وتفاصيلها. وفنه هذا ينم عن قوة ملاحظة فائقة، يحسده عليها كل صحفي حديث. لقد تفوق الجاحظ في فن الإبانة، وأتقن التصوير والتجسيم، مهما كان الموضوع الذي يتناوله، إنه رجل شديد الانغماس في المجتمع، يهتم بالمسائل العامة -كما يقول المحدثون- وهو غزير الإنتاج إلى درجة تلفت الأنظار، وهو صورة دقيقة لما يحيط به من تلك البيئة العباسية من دين وسياسة وثقافة وأدب وعادات وتقاليد اجتماعية راقية غير راقية.

стр. 154

وهكذا نجد أن وظيفة التحقيق الصحفي الحديث هي تقديم صورة مدروسة للواقع، كما فعل الجاحظ بالنسبة لعصره، وإذن فوظيفة التحقيق -التي هي مدعاة وجود فنه الذي لا يعمل في فراغ- تالية للخبر، ومعنى ذلك أنها تضيف إلى الواقع أبعاده، وتسبغ عليه معناه، وتقدم للجماهير مغزاه. فالتحقيق يشرح ويفسر ويعلق، ويبين الأسباب النفسية والعوامل الاجتماعية والخلقية والمادية، وهو في نهاية الأمر يقترح اقتراحات إيجابية فعالة. فليس التحقيق الصحفي مجرد صورة جميلة كتلك التي يصورها الأديب، ولكنه دراسة واعية هادفة. فلا يكفي أن تقدم المعلومات التقريرية السطيحة، وإنما ينبغي البحث عن المسببات ذات المعنى. إن الوظيفة الأولى هي أن يقدم من المعلومات أكثر مما قدمه محرر الأخبار. فإذا جاز القول أن المخبر الصحفي هو بصرنا الذي نبصر به وسمعنا الذي نسمع به وحواسنا التي نحس بها، وهو يعرف جيدا أن عليه أن ينقل إلينا جميع ما رأى وما سمع دون أن يقحم فيها شيئا من ذاتيته أو تأملاته أو إيحاءاته، فإن فن التحقيق الصحفي يقوم على التفسير الاجتماعي للأحداث، والتفسير النفسي للأشخاص الذين اشتركوا في هذه الأحداث. غير أن ذلك لا يعني أن التحقيق فن ذاتي. فليس من وظيفة المحقق الصحفي أن يعرض رأيه الذاتي أو وجهة نظره الخاصة، بل إنه على العكس من ذلك، مطالب بالبحث والدراسة وجمع الآراء والاتجاهات على كافة أنواعها. إنه يلقي الضوء على الأحداث والأشخاص فيزيدنا علما، ويثري ثقافتنا، ويبين الأبعاد العميقة للخبر. فالأخبار تنتشر على المساحة السطحية، ولكن التحقيقات تتعمق في الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية جميعا. ويظن البعض أن التحقيق الصحفي طرز أدبي يستطيع كاتبه أن يستخدم فيه الأسلوب الإنشائي، والأسلوب الذاتي. ولكن الحقيقة أن هذا الفن الصحفي لا بد وأن تتوفر فيه سائر الصفات الفنية الصحفية، كالحرص على استخدام الألفاظ المألوفة، وتجنب الألفاظ العلمية والاصطلاحات النادرة، مع الحذر من الانزلاق إلى العامية المبتذلة، واللفظ الدقيق، والعبارة السليمة الموجزة.

стр. 155

والاقتصاد في الكتابة مع البعد عن الحشو والإسهاب، والموضوعية في نقل الآراء والاتجاهات، والأمانة في تصوير أبعاد المشكلات. حقيقة أن التحقيق الصحفي يحتاج إلى الاستعانة بآراء الخبراء، ووجهات نظر المتخصصين والفنيين، مما يتطلب إجراء أحاديث ومقابلات معهم، غير أن وظيفة الفن الصحفي، لا تكون هي مجرد النقل أو الاقتباس، إنما التحويل من التخصص الدقيق إلى التعبير العام الشامل الذي يفهمه الناس، وهنا تلعب الصورة دورا في التعريف والإبانة والتصوير؛ لأن الموضوعية والأمانة في النقل هما أساس ذلك الفن "التسجيلي" -فن التحقيق الصحفي. لذلك فإنه يندر نشر تحقيق صحفي بدون صور فوتوغرافية، ورسوم بيانية، وخرائط إيضاحية، ونماذج تفسيرية. ولا يوجد مثل التحقيق الصحفي كفن يطبق فيه مبدأ العامل السيني١ أو التأثير الثالث، وهو إشراك القارئ مشاركة إيجابية في فهم المضمون الصحفي وتصوره واستيعابه، ولا يتم هذا التأثير إلا بتفاعل الألفاظ والصور تفاعلا تاما يلقي الضوء على المضمون الصحفي. والمعروف أن الألفاظ رموز أو صور مرئية للكلام المسموع، فكأن العين حين تقرأ الألفاظ تنقل إلى المراكز السمعية في المخ صورا للألفاظ الصوتية. أما الصور، فإنها رموز مرئية خالصة تعبر عن موضوعات مرئية أصلا. وعلى ذلك فإننا نستغل قوى السمع والأبصار عندما ننشر مادة صحفية بالألفاظ والصور، مما يؤدي إلى تصوير الأحداث تصويرا ينبض بالحياة والواقعية. ويستفيد الفن الصحفي الحديث من تفاعل العبارات اللفظية والصور لخلق إحساس واقعي يقترب كثيرا من الحادث الأصلي، وينقله بأمانة موضوعية. ولا بد أن تتوافق الصور والكلمات توافقا فنيا يشبه التوافق الموسيقى بين أجزاء اللحن لخلق نغمة واحدة. ولا غنى عن التعبير اللفظي حتى في حالة الصورة المفردة؛ إذ لا يمكن للصورة وحدها أن تدل على اسم صاحب الصورة، أو اسم المكان، أو الزمان. هذا فضلا عن النواحي الفكرية والعاطفية التي لا يتم التعبير عنها في وضوح إلا بالعبارة اللفظية مقترنة بالصورة.

стр. 156

تطور فن التحقيق الصحفي: فليس غريبا أن يرتبط ازدهار التحقيق الصحفي بظهور الصورة الصحفية، والفنون التسجيلية الأخرى كالرسوم والخرائط وفنون صناعة الكليشيهات "الأنماط". لقد كانت صحيفة العشرية المصرية١ التي أصدرتها الحملة الفرنسية على مصر تحتوي على تحقيقات صحفية منذ صدورها في أكتوبر سنة ١٧٩٨، كما كانت بريد مصر٢ الصادرة في أغسطس سنة ١٧٩٨ تحتوي على وصف لساحات القتال، وللحفلات التي حضرها نابليون. كما كانت تعنى بنشر تفاصيل زيارات بونابرت العلماء المصريين ورجال دينهم كزيارته للسيد السادات في مولد السيدة زينب، وهذا ما يسمى الآن بالتحقيق الصحفي الموسمي أو تحقيق المناسبات، بل إن الصحيفة أسهبت في وصف المأكل والمشرب في شهر رمضان، وأوردت ما دار من جدل بين بونابرت والمشايخ حول القرآن الكريم، وقد استغرق ذلك صفحتين كاملتين. على أن التطور الملحوظ في الأسلوب والموضوع يبدأ من العدد الخامس من صحيفة لوكورييه "البريد المصري"٢ فقد أذاعت على قرائها أنها ستنشر ما يفيد قراءها الأوروبيين ويطلعهم على عادات المصريين وتقاليدهم، وأكدت أنه لن ينشر شيء إلا على أساس تصوير لحالة من الحالات أو بعد دراسة مستوفاة. وهذا في نظرنا هو جوهر التحقيق الصحفي الذي ينقل بأمانة وموضوعية صورة من الصور، أو أن يقوم بدراسة مستوفاة لمشكلة من المشكلات. وفضلا عن ذلك قامت الصحيفة بنشر ما يسمى الآن بالتحقيقات الصحفية الطريفة ذات الموضوع الإنساني مثل عادات الزواج والطلاق، والأخذ بالثأر بين الأسر والجماعات. وقد كان رفاعة الطهطاوي -أول محرر للوقائع- قد عرف فن التحقيق الصحفي في فرنسا، فأخذ يبذر بذوره الأولى في تلك الصحيفة الرسمية، كما استطاع السوريون واللبنانيون القادمون من بلاد الشام أن يجلبوا معهم هذا الفن

стр. 157

الذي تعلموه من البعثات التبشيرية وأساتذة الجامعة الأمريكية، وخاصة ما يتصل بالعلوم والفنون. ومن ذلك مثلا تاريخ أهرام الجيزة الذي نشر في جريدة الأهرام بعددها الأول الصادر في ٥ أغسطس، ومن ذلك أيضا تحقيقات بشارة تقلا عن رحلته في الأستانة. غير أن تطور الصحافة المصورة بمجلاتها الجديدة مثل الهلال واللطائف وسركيس والحكمة والثريا والأرغول والكشاف قد استطاعت أن تقفز بفن التحقيق الصحفي عدة خطوات إلى الأمام. وقد كانت التحقيقات تدول حول الأخبار الجديدة مثل هزيمة أتباع المهدي وفرار التعايشي إلى كردفان. وتحتوي التحقيقات على عناصر التشويق المختلفة بأسلوب سهل مألوف للقارئ العادي. ومن الطريف أن مجلة اللطائف الصادر سنة ١٨٨٦ قد تخصصت كما يتضح من اسمها في نشر التحقيقات الطريفة، "لاحتوائها على كل لطيفة" على حد قول صاحبها شاهين مكاريوس. ولكن ليس معنى هذا أنها كانت مجرد تحقيقات خفيفة هشة، بل لقد كانت معظمها، في حقيقة الأمر، مبنية على دراسة جادة، ومدعمة بالصور. ويبدو أن كاتب التحقيق، كان يدرك منذ البداية أن فنه فن موضوعي وليس فنا ذاتيا، فلا ندهش من أنه ما كان يوقع باسمه على التحقيق إلا نادرا. ثم جاءت القفزة الثانية لفن التحقيق الصحفي بازدهار فن طباعة الرتوجرافور أو فن الطباعة الغائرة الملونة. فكانت مجلة اللطائف المصورة الصادرة سنة ١٩١٥، ومجلة المصور الصادرة سنة ١٩٢٤، والبلاغ الأسبوعي المصورة الصادرة سنة ١٩٢٦، والجديد الصادرة سنة ١٩٢٨، والدنيا المصورة ومصر الحديثة المصورة الصادرتان سنة ١٩٢٨ أيضا، طلائع رائعة لرقي فن التحقيق الصحفي. وتطالعنا مجلة المصور في عددها الأول الصادر في ٤ أكتوبر سنة ١٩٢٤ بافتتاحية تؤكد فيها أنها تطبع صور الأشخاص والحوادث والمشاهد بطريقة متقنة للغاية وكأنها صور فوتوغرافية، وهي إشارة إلى فن طباعة الروتوجرافور،

стр. 158

فضلا عن الاهتمام بالجوانب المشوقة والإنسانية من الفكاهات والنبذ المفيدة -على حد قول المجلة. من ذلك مثلا موضوعات عن ابن فلاح يعتبر أغنى رجل في العالم، وتساؤل حول من الأبرع في النشل الرجال أم النساء؟، وغرائب الفرار من السجن. وقد كان المصور المشهور رياض شحاتة من الرعيل الأول الذين أسهموا في تصوير بعض التحقيقات عن ارتياد الصحراء، وقد كانت الموضوعات المنشورة تتخذ عنوانا لها كلمة "جولة" أو "رحلة" أو "بحث" أو "دراسة" كما شنت مجلة المصور عدة حملات على شكل تحقيقات مصورة١، دارت حول "مشروعات بمئات الألوف من الجنيهات تفشل أو لا تنجح فمن المسئول"، وتناولت فيها موضوع سكة حديد السويس، وموضوع الخطوط التليفونية الأرضية بين مصر والإسكندرية، وقد تكلف هذه المشروع ٢٤٠.٠٠٠ جنيه. ويلاحظ أن الصحافة المصرية في الثلث الأول من القرن العشرين كانت تشير إلى التحقيق بألفاظ متعددة منها: البحث والدراسة والجولة والرسالة والمشاهدات والنقدات والملاحظات، وهي جميعا تدل على حس صحفي سليم لفهم طبيعة التحقيق الصحفي ووظيفته. وفي ٤ أغسطس سنة ١٩٣٩، نجد المصور يستخدم لأول مرة عبارة التحقيق الصحفي٢، بعنوان "مملكة الريف ودولة الأقاليم". ومن الطريف أنه تحقيق جماعي اشترك فيه عدد من مندوبي المصور، بالإضافة إلى أبحاث "البارزين من حكام المديريات وأبنائها" -على حد قول المصور.

стр. 159

الصحافة الحديثة وفن التحقيق: وهكذا نرى أن فن التحقيق الصحفي قد أخذ يتطور تدريجيا كفن مستقل منذ ظهور المجلة المصورة، ثم جاءت أحداث الحرب العالمية الثانية، وتطور فنون الاتصال التليفوني والتلغرافي ونقل الصور بسرعة، وتعطش الناس إلى معرفة الأخبار وتحليلها، ودراسة أبعادها وآثارها، فكان لا بد من الاعتماد على التحقيق الصحفي لسد هذه الحاجات الجديدة. ولا شك أن الصحافة الحزبية قد تنافست لاجتذاب القراء عن طريق هذا الفن الصحفي الجديد، وخاصة بعد تفوق جريدة السياسة تفوقا عظيما في هذه المضمار. ولذلك "رأى سعد زغلول أن يجمع شبان حزبه أمثال علي الشمسي وواصف غالي والنقراشي وأحمد ماهر ليفكروا معه فيما يجب أن يفعله هذا الزحف الصحفي، لكن أحدا من هؤلاء لم تكن له خبرة صحفية، وكان حافظ عفيفي هو الذهن الصحفي وراء الجريدة الجديدة.. قرأ كثيرا عن الصحافة ودرس جريدة التيمس الإنجليزية وحاول أن ينشئ جريدة تعتمد على الخبر أولا ثم على الرأي ثانيا، فجاءت السياسة شيئا جديدا لا يمكن أن يقاومه صحفيو الوفد، كان العقاد وعبد القادر حمزة كاتبين عظيمين.. كان المقال الذي يكتبه العقاد مثلا يهز الحكومة.. يزلزل الرأي العام.. لكن العقاد لم يكن يستطيع أن يكتب خبرا أو تحقيقا صحفيا أو يحاول أن يقوم بسبق صحفي، وكذلك كان عبد القادر حمزة أستاذا في كتابة المقال القصير.. أكبر عدد من المعاني في أقل عدد من الألفاظ.. ولكنه كان متأثرا بمدرسة المقال أكثر من تأثره بمدرسة الخبر والتحقيق الصحفي.. وبهذا بدأ تفوق جريدة السياسة الضخم على صحف الوفد جميعها.. شعر سعد زغلول الصحفي بأنه سينهزم في معركة الصحافة! شعر أنه ليس بين أنصاره أو أصدقائه الصحفي بمعنى الكلمة الذي يستطيع أن يحول الجريدة السياسية إلى جريدة خبر ورأي وتحقيق وكاريكاتور في وقت واحد"١. والواقع أن الخبر والتحقيق الصحفي يمثلان مع الصورة والرسم والكاريكاتور جوهر الفن الصحفي الحديث. ومنذ أن بدأ الشيخ علي يوسف اهتمامه بالخبر في صحيفة المؤيد الصادرة في أول ديسمبر سنة ١٨٨٩، ثم

стр. 160

جاءت اللواء والجريدة والصحف المستقلة لتعميق هذا الاهتمام بالخبر، أصبح الطريق مفتوحا أمام جريدة السياسة سنة ١٩٢٢، لبدء عصر جديد من الصحافة الحديثة التي تضارع الصحافة الأوروبية. ثم كان المرحلة السابقة على الحرب الثانية ابتداء من سنة ١٩٣٦ من معالم التطور الجديد في الفن الصحفي، الذي ازدهر ازدهارا عظيما خلال فترة الحرب وما بعدها. وقد رأينا أن هذا الفن ما كان يمكن أن يتطور لولا التقدم العلمي في خدمة الطباعة والتصوير والرسم وصناعة الكليشيهات، فضلا عن التقدم الهائل في فن التصوير الصحفي. وفي هذه الظروف بالذات تطور فن المجلة ليصبح مجالا خصبا لفن التحقيق الصحفي، فخرجت صحافتنا من المجال المحلي إلى المجال الدولي، وارتفعت أرقام التوزيع، كما زادت مساحات الإعلانات وإيراداتها، فدخلت الصحافة طور النضج والاستواء، وتنافست الصحف على تجديد الفن الصحفي وإتقانه، حتى ليمكن القول دون مبالغة أن الصحافة الحديثة تمتاز حقا بفن التحقيق الصحفي.

стр. 161

مصادر التحقيقات وخططها: يبني التحقيق الصحفي على مشكلة يتلقفها الكاتب من الوسط الذي يعيش فيه وينفعل به، وكلمة "مشكلة" هنا بالمعنى الواسع للكلمة فهناك مشكلات الصحة والتعليم والقفز والبطالة والجهل وغيرها ولكن هناك أيضا مشكلات تتطلب مهارات أو معرفة أو وصف. ولذلك فإن أساس التحقيق الصحفي في البداية هو فكرة أو خاطر أو انطباع أو ملاحظة وتتعدد مصادر التحقيق الصحفي من أخبار الصحف ومقالاتها، إلى الملاحظة الشخصية، إلى التجربة الإنسانية المباشرة، وكذلك الأحاديث الصحفية والنشرات والوثائق. والصحيفة سجل حافل بالموضوعات التي يمكن لكاتب التحقيق الصحفي أن يختار منها العديد من الزوايا. ولا نقصد الأخبار فحسب، بل إن هناك الأحاديث والإعلانات ورسائل القراء وصفحة الوفيات نفسها. وكثيرا ما يكون في النشرات العلمية، والمجلات الفنية المتخصصة معلومات هامة يقوم الصحفي

стр. 162

بتبسيطها وتقديمها للقراء بشكل واقعي مستساغ. كما أن الأبواب الثابتة الموجهة إلى الشباب أو النساء أو العمال أو الأطفال أو غيرهم من فئات الشعب قد توحي بموضوعات قيمة للتحقيقات الصحفية. وقد يجد الصحفي في الأخبار الاجتماعية كسفر الأطباء أو وصول الخبراء أو فوز العلماء في المسابقات العلمية والجامعية موضوعات جديرة بكتابة تحقيقات صحفية عنها، ولا شك أن الإعلانات الغريبة والطريفة قد توحي بموضوعات جذابة. فليس غريبا أن يقول كبار الصحفيين إننا نعثر على موضوعات التحقيق الصحفي في كل شيء من حولنا. والمهم أن يختار الصحفي زاوية قابلة للتنفيذ، ومثيرة لأفكار الجماهير ومشاعرهم، وفي نهاية الأمر يجب أن نتذكر وظائف الفن الصحفي من إعلام وتفسير وتوجيه وإمتاع وإعلان وتنشئة اجتماعية؛ لأن هذه جميعا أهداف يسعى التحقيق الصحفي إلى بلوغها. وفي جميع الأحوال لا يكتفي الصحفي بمجرد اختيار الموضوع المناسب بالنسبة إليه، بل لا بد من مراعاة اهتمام القراء بالموضوع، وموافقة الموضوع لسياسة الصحيفة أو المجلة، كما يتأكد الصحفي من توفر المصادر من كتب ومطبوعات وبيانات وشخصيات، يرجع إليهم ويحصل منهم على أحاديث تلقي الأضواء على الموضوع. فلا شك أن المكتبة الصحفية وأرشيف القصاصات وأرشيف الصور من المصادر الأساسية للتحقيقات الصحفية، ولكن لا بد من استكمال هذه العناصر بالمقابلات الشخصية والأحاديث والآراء من كافة الزوايا والاتجاهات. وقد تكون نشرات العلاقات العامة مفيدة، ولكنها لا تعتبر مصادر للحكم النهائي على المشكلات، وإنما هي تعطي نقط البدء والمناقشة؛ لأن نشرات العلاقات العامة غالبا ما تعطي وجهة نظر واحدة، هي وجهة نظر المؤسسة أو المنظمة التي تعمل إدارة العلاقات العامة لحسابها. ومن المهم يكون لدى الصحفي فكرة واضحة عن الصور والبيانات الإيضاحية البصرية لأنها تمثل عنصرا أساسيا في فن التحقيق الصحفي. ويخضع إعداد التحقيق الصحفي لأسلوب علمي قائم على جمع المعلومات والتخطيط وتحضير الأسئلة التي توجه للأشخاص، غير أن هذا التخطيط في

стр. 163

مجموعة لا بد وأن يكون مرنا، فقد يكتشف الصحفي موضوعا فرعيا يشعر أنه أخطر وأهم من الموضوع الأصلي فيوجه عنايته إليه. والواقع أن الصحفي في هذه الحالة كالمحلل النفساني والبائع الناجح والسياسي الماكر والصديق المخلص ووكيل النيابة اللبق١ يسعى لجمع كافة المعلومات ويقومها ويوازن بينها. وما أشبه هذا الصحفي بلاعب التنس الذي يتعلم كيف يرد الكرة فوق الشبكة، وكيف يدفعها بقوة وفجأة من زوايا مختلفة٢! وإذا كان الصحفي يتصدى لجمع الحقائق والمعلومات من السلطات الرسمية، فيجب عليه أن يكون ماهرا في إجراء الحديث، وأن يتقن الاستماع والتحدث جيمعا، وأن يتحمس للموضوع وينقل حماسة للآخرين في اتزان وتؤدة؛ لأن الشخصية غير المتحمسة تشعر المصدر بعد الاهتمام. وليس معنى ذلك أن يكون تحمس الصفحي ذاتيا، فنحن نذهب إلى أن التحقيق الصحفي فن موضوعي، ومن الخطأ أن يبدأ الصحفي بوهم معين أو شائعة من الشائعات، ظنا منه أنها فكرة جديدة، ثم يأخذ في جمع المعلومات والبيانات والأحاديث التي تثبت ذلك الوهم أو الشائعة. وكم من تحقيقات بنيت على آراء متطرفة، أو أفكار متعصبة، أو حملات شخصية متحيزة، يجهد فيها الصحفي نفسه ويلح على القارئ لإثبات أحكام مسبقة، بطريقة بعيدة كل البعد عن الأسلوب العلمي. ويلاحظ أن البكاء أو العويل، والمبالغة في التعبير، والسخرية المريرة، والمهاترة الفظة، والهجوم الشخصي المتطرف، ليس من الفن الصحفي في شيء. ولكن ليس معنى ذلك انعدام العاطفة، ففرق كبير بين التعبير الواقعي عن العاطفة، وبين الإغراق في الانفعال دون ضابط.

стр. 164

أنواع التحقيق الصحفي وموضوعاته: وتتنوع التحقيقات الصحفية بتنوع أهدافها وغاياتها، وهي في مجملها أهداف وغايات الفن الصحفي نفسه. فهناك تحقيقات إعلامية وأخرى تفسيرية. ومن التحقيقات ما هو توجيهي إرشادي، ومنها أيضا تحقيقات الإمتاع والتشويق فضلا عن التحقيقات التعليمية، وثمة تحقيقات إعلانية يستغلها المعلنون للإعلان عن بضائعهم وسلعهم، وخاصة في المجتمعات الرأسمالية. والتحقيق الإعلامي يرمي إلى إشاعة الحقائق والمعلومات بين الناس، كما يرمي التحقيق إلى تفسير هذه المعلومات وتبسيطها. ومصدر الصحفي في هذه الأحوال العديد من الصحف والمجلات العلمية والجامعية، وصحف النقابات الصناعية، وبيانات الهيئات والمجلات المختلفة، وكذلك نشرات مراكز الأبحاث العلمية والوزارات التي لها اتصال بالمجال العلمي، كوزارة التعليم العالي والجامعات والمعاهد العليا ووزارة التربية والتعليم ووزارة البحث العلمي. ولا شك أن وكالات الأنباء والإذاعات الداخلية والخارجية والمعارض مصادر غنية بالمعلومات في هذا الصدد. والمهم هو أن يختار الموضوع الذي يهم القراء، كالاكتشافات الطبية، والأدوية الحديثة، وعلاج الأمراض المستعصية، والخدمات الصحية، والآلات الحديثة، والأجهزة الإلكترونية، والآلات الحاسبة، والصحفي الماهر هو الذي يحول اصطلاحات العلوم الحديثة إلى لغة صحفية مفهومة لكافة الناس؛ لأن "اللغة التي يستعملها العلماء وأبحاثهم وتجاربهم والنتائج التي يصلون إليها لا تهم القارئ العادي في قليل أو كثير، إذا نقلتها الصحيفة كما هي؛ لأنها لغة علمية بحتة وأرقام لا يعرفها إلا العلماء"١. ولا شك أن تحويل هذه الموضوعات العلمية إلى موضوعات صحفية تتطلب كذلك إثارة اهتمام القارئ حتى يشعر أنها تهمه في حاضره ومستقبله وتتصل بصميم حياته. وهناك تحقيقات تدور حول الغريب والطريف من الموضوعات المشوقة مثل مقابلة مع ضرير استعاد بصره، وزيارة لمستشفى تعالج البدانة، واستعراض للأقزام في السيرك. ويمكن لهذه التحقيقات أن تزود القارئ -إلى جانب المتعة

стр. 165

والتسلية- بالمعلومات والمعارف. ولا بد أن تكون هذه التحقيقات ممتعة وجذابة تصلح للقراءة السريعة، يشغف بها القراء وتهز مشاعرهم. وتدور موضوعات هذا النوع من التحقيق المشوق حول جميع الأشياء الموجودة فوق الأرض.. من صعيد ثعبان البحر والدب الشاحب اللون إلى قفص الصقر الأسود والضفدع ذي القرون، ومن التوائم السيامية إلى قوائم لاتونا، ومن مناجم الذهب في جورجيا إلى خزائن الذهب في البنك.. ومن العزاب إلى الزوجات الهاربات١ ومهما كان الموضوع فإن أهم وصية يضعها الصحفي نصب عينيه هي: "لا تكن مملا". والتحقيق الإرشادي أو التوجيهي يتصدى لمعالجة المشكلات ويبحث عن حلول لها. ولا بد للصحفي أن يدرس أبعاد المشكلة التي يعالجها، وأن يكون أسلوبا موضوعيا، بمعنى أنه يجمع كافة المعلومات، ويتلقى جميع الآراء والاتجاهات، من المؤيدين والمعارضين على السواء. "ولا يكتفي كاتب التحقيق بقراءاته الخاصة حول الموضوع وإنما يستعين بطائفة من الأخصائيين أو الفنيين الذين لهم دراية كافية بالموضوع فيجري مع بعضهم أحاديث مختلفة، يستطلع فيها آراءهم ويدون هذه الأحاديث ليقارن بين مختلف الآراء ويستخلص منها أرجحها وأقربها إلى العقل". والمهم أن يصل التحقيق إلى نتائج إيجابية واضحة كاقتراحات لحل المشكلات، وإلا فإنه يقترب من أسلوب الحملات الصحفية. وفي رأينا أن الحملة الصحفية أقرب إلى فن المقال الصحفي منها إلى فن التحقيق الصحفي. فمقالات مصطفى كامل في الصحافة المصرية والفرنسية خلال شهري يونيو ويوليو سنة ١٩٠٦، وفي أعقاب حادثة دنشواي، وكذلك مقالات الشيخ علي يوسف في المؤيد والتي نشرت تباعا من ١٤ إلى ٢٠ أكتوبر سنة ١٩٠٦ تحت عنوان "قصر الدوبارة بعد الأربعاء". وغيرها من الحملات الصحفية الحديثة التي نجحت في فضح المستعمر وكشف ألاعيبه تدخل في فن المقال الصحفي. فمن المعروف أن أغراض الحملة الصحفية تكون معروفة مسبقا، وتجمع المعلومات

стр. 166

والصور لخدمة هذه الأغراض وترتب الحقائق من أجل تحقيق نجاح الحملة، بل إن المقابلات والأحاديث نفسها تخطط لنفس الغرض. وحتى الصور والألفاظ وأسلوب الكتابة تعمل متضافرة لإبراز موضوع الحملة الصحفية وضمان نجاحها. غير أن التحقيق الصحفي الأصيل ينطوي على روح الدراسة والبحث. فقد تكون الدراسة لشخصية من الشخصيات فتصبح بمثابة تحليل للجوانب النفسية لشخصية عظيمة أو مشهورة يهتم بها الرأي العام، ولا تكون الشخصية معاصرة بالضرورة، فقد يكتشف الصحفي جوانب جديدة، ومعلومات غير معروفة عن زعيم عاش منذ سنين طويلة كأحمد عرابي أو مصطفى كامل، أو نابليون بونابرت أو حتى قدماء المصريين بعد اكتشاف جديد لمقابرهم ومعابدهم. وحتى تحقيقات المناسبات في المواسم الدينية والقومية يمكن أن تتخذ بفضل ذكاء الصحفي وفطنته زوايا جديدة للدراسة تلقي أضواء مشوقة على الموضوعات المألوفة. وهنا أيضا تلعب المراجع والكتب والقصاصات والصور والمقابلات دورا رئيسيا في إنتاج التحقيق الصحفي الناجح. ولا شك أن روح الدراسة واكتشاف الجديد هي التي تمكن الصحفي من تحويل موسم الامتحانات، وموسم افتتاح المدارس، وموسم الإجازات -رغم تتابعها العادي الرتيب- إلى موضوعات طريفة جذابة، بشرط اختيار الزاوية الجديدة. ويستغل المعلنون فن التحقيق الصحفي لترويج سلعهم وخدماتهم، عن طريق التحرير الناجح والصياغة المشوقة، والعناوين المغرية، والصور الجذابة. وكثيرا ما يتخذ الإعلان شكل القصة أو الوصف، كما يستخدم العبارات الموحية، غير أننا نرى أن الإعلانات التي تتخذ شكل التحقيق الصحفي تعتمد على دراسة الدوافع الإنسانية، كما أنها تستغل حاجة الإنسان المعاصر إلى المعرفة السريعة، لإشباع فضوله والتأثير عليه. والحقيقة أن التحقيقات الصحفية لا تنقسم إلى أنواع محددة؛ لأنها تتداخل تداخلا يجمع بين أهدافها وفنونها، ولذلك فإن الخيط الفاصل بينها خيط وهمي رفيع، فكثيرا ما نجد التحقيق الصحفي إعلاميا ومشوقا وتوجيها وتفسيريا في وقت واحد. وثمة نزعة جديدة في التطبيق العملي لإنتاج التحقيق الصحفي وهي تجنيد فريق كبير من الصحفيين والمصورين للعمل معا لإنجاز تحقيق واحد، وخاصة عندما تكون المشكلة ذات صفة عاجلة أو متعددة الجوانب أو مترامية الأطراف. وهنا تتحقق مرة أخرى صفة الموضوعية التي لا بد وأن يتصف بها التحقيق الصحفي.

стр. 167

عناوين التحقيق الصحفي: ويبنى التحقيق الصحفي من عنوان ومقدمة ثم يأتي صلب التحقيق أو جسمه وأخيرا تأتي الخاتمة، وذلك فضلا عن الصور والرسوم البيانية والخرائط وغيرها من الوسائل الإيضاحية. وقد سبق القول أن التفاعل الناجح بين العناوين الجذابة والصور المعبرة، واللغة الصحفية النابضة بالحياة، والموضوع الشيق، هو أساس نجاح التحقيق الصحفي. ويلعب العنوان الرئيسي العريض مع الصورة أو مجموعة الصور دورا رئيسيا في إثارة اهتمام القارئ وجذب نظره. وهناك اتجاه يقول إن "ثلاثة أشياء تجذب القارئ إلى موضوع صحفي بالذات: أول هذه الأشياء العنوان، وثانيها طريقة إخراجه وثالثهما اسم كاتب التحقيق الصحفي١ غير أننا قد لاحظنا أن الاتجاه الحديث نحو موضوعية التحقيق، والعمل الجماعي بروح الفريق المتعاون من الصحفيين والمصورين، قد جعل اسم الكاتب يأتي في مرتبة أخيرة بعد المضمون والعنوان والصورة. ويشبه كاتب التحقيق الصحفي بالمشرف على الغرق الذي يبادر -حين يجد نفسه في خطر- بطلب النجدة. وهنا لا يكون النداء مجرد ثرثرة، بل لا بد أن يكون النداء صيحة قوية دالة تجذب الانتباه لنجدة الغريق من ورطته الخطيرة. إنه لا يعطي تفاصيل لا داعي لها، وإنما يحدد مكانه وموقفه وحالته بأدق العبارات وأوجزها. وهكذا يكون عنوان التحقيق الصحفي الرئيسي. أما العناوين الفرعية فهي تشير إلى تسلسل الأفكار وتتابعها، ولا بد أن تتصف هي الأخرى بالجاذبية والتشويق، والأخذ بيد القارئ للمضي في قراءة

стр. 168

التحقيق. وتعمل هذه العناوين كفواصل ذات تتابع إيقاعي بين الفقرات، دفعا للملل، ومساعدة للقارئ على التقاط أنفاسه أثناء القراءة. وقد يستعاض عنها برسوم كاريكاتورية أو صور صغيرة أو خطوط جذابة ملونة. ومجالات الخلق والابتكار هنا عديدة. وأنواع العناوين كثيرة. فمنها العنوان الدال، والعنوان الانتقائي، والعنوان الإيضاحي، العنوان الوصفي، والعنوان الاقتباسي، والعنوان الاستفهامي، والعنوان الخطابي وعنوان المفارقة. أما العنوان الدال فهو عنوان إخباري شامل يدل دلالة واضحة على مضمون التحقيق في جملة تلخيصية واحدة مكثفة مركزة مثل: "جرائم الثأر تزيد ٢٠% رغم التوسع في التعليم". والعنوان الانتقائي يعمل على اختيار فكرة معينة تمتاز بالجاذبية وخفة الظل أو الأهمية ووضعها في العنوان كجملة منتقاة مثل: "هيلانة جرجس تخرجت من الأزهر الشريف". أما العنوان الإيضاحي فهو عنوان صريح يعطي موضوع التحقيق بشكل عام وواضح مثل: "فساد النظام البيروقراطي في وزارة التربية والتعليم". ولكن العنوان الوصفي يميل إلى التبسيط والتحديد مثل: "الأمطار تحول شوارع العاصمة إلى أنهار" والعنوان الاقتباسي يختار جملة أو تصريحا أدلى به أحد الأشخاص مثل: "لا تقتل الخاطئة ولكن ادعها إلى طريق الله". والعنوان الاستفهامي يتضمن سؤالا يجتذب القارئ مثل: "كيف تزيد دخلك دون أن تخرج من منزلك؟ " والعنوان الخطابي يتحدث فيه الكاتب إلى القارئ مباشرة مثل: "أنت مدعو إلى رحلة حول العالم! " ثم يأتي عنوان المفارقة مثل: "دعوة إلى السلام لا صيحة للحرب! ". ومهما كان نوع العنوان، فإنه يجب أن يتصف بالإيجاز والوضوح والسلاسة. كما أنه يجب أن يكون دالا في صدق وأمانة عن مضمون التحقيق، مع اختيار الجوانب الطريفة والجذابة دون مبالغة، مع ملاحظة أن التكرار في العنوان قد يشير إلى إفلاس الكاتب، فيشتت انتباه القارئ ويشعره بالملل. ومن المستحسن أن تكتب الأعداد بالأرقام لا بالألفاظ فيما عدا الأعداد الصغيرة المفردة. والملاحظ أن كثيرا من الكتاب يؤثرون كتابة العنوان بعد الفراغ من كتابة التحقيق بأكمله، حتى يأتي معبرا تعبيرا صادقا وسليما عن مضمون التحقيق.

стр. 169

مقدمات التحقيق الصحفي: وبعد العنوان الرئيسي والعناوين الأخرى المساعدة تأتي المقدمة، وهي المدخل إلى الموضوع الرئيسي، كما أنها تستحوذ على اهتمام القارئ وتقوده إلى صلب التحقيق. وقد قسم توماس بيري١ المقدمات إلى أحد عشر نوعا وضرب مثالا لكل نوع منها. فمقدمة المفارقة تشتمل على معنى المقارنة والتناقض مثل: "إلى التسابق لفعل الخير ودعم السلم العالمي عن طريق نفوذ الزعماء الروحانيين بدلا من التسابق على التسلح للحرب". والمقدمة الاستفهامية تحتوي على سؤال مثل: "ما الذي ثلاثة شبان يطلقون النار على رجل فقير مسكين في السادسة والستين من عمره فيردونه قتيلا؟ ". أما المقدمة المثيرة فتحتوي على فكرة غريبة مثل: "اقترح أحد علماء الاجتماع اليوم أن يكف الناس عن الوقوع في الحب. وقال إنه ليس صحيحا أننا نقع في الغرام أو نحب من النظرة الأولى. وقال إن الحب ليس طارئا مفاجئا وليس صدفة ... ". وقد تكون المقدمة مثيرة للدهشة أو مثيرة للتشويق فيتصدر التحقيق موضوع مثل:

стр. 170

"كانت مشكلة أمام مسجل الفندق أن يأتي إليه خمسة أشخاص ويطلبون حجز غرفتين بسريرين مزدوجين وغرفة صالون. قال المسجل: "ولكن هذا لا يكفي لايواء خمسة أشخاص". ثم تطلع إلى بطاقات الحجز فوجد ... ". والمقدمة المجازية تستعير من فن الأدب أسلوبا للتعبير الجذاب مثل: "يخلع المطار كساء الخريف لكي يزدان لأعظم أيام تاريخه.. بأضخم استقبال مرح شهدته المدينة منذ ١٢ عاما". وقد تنطوي المقدمة على حكم أو تصريح فاصل مثل: "اللصوصية مهنة غير مجزية للإنسان في جميع الأحوال، فأجرها ضئيل واعتزالها يتم في سن مبكرة بسبب الموت أو الاضطرار للعيش وراء القضبان الحديدية. وإنها لتبدو على الورق مهنة يسيرة تسير هكذا: يتجه فريق من الرجال المختارين بعناية والمقنعين إلى حيث يكون عادة قدر كبير من المال، فيخيفون الحراس والناس، ويرهبونهم بأسلحتهم ويخرجون سالمين بغنيمة كبرى. وهذا هو ما حدث في مدينة.. منذ أسبوعين.. على نمط عمليات السطو". ومن الأدب أيضا، يستعير الفن الصحفي طابع المقدمة الجادة في مقام الهزل مثل: "تتميز ساعة الحائط في مكتب.. للشحن بأن لها وجها يشل الفتاة الجميلة عن العمل. إن الساعة الكهربائية بضوئها الساطع تسبب حساسية شديدة للسكرتيرة يجعلها غير قادرة على العمل لما يصيب عينها من هياج وحساسية. وهكذا إما أن يتوقف الزمن. أو تتوقف الفتاة الجميلة عن العمل". والمقدمة الاقتباسية تحتوي على نص جملة أو عبارة يفتتح بها التحقيق الصحفي مثل: "هذه هي الرأسمالية؟ " قالها خروشوف مشيرا إلى بطن رئيس مجلس إدارة أكبر شركات أمريكا للصلب وأردف يقول..

стр. 171

وقد تتضمن المقدمة حوارا طريفا يجذب أنظار القراء ويدعوهم لمتابعة التحقيق الصحفي مثل: - الرجل العصري هو الذي يساعد زوجته بعد أن خرجت للعمل. - تقولين إنه يكنس ويطبخ ويرعى الأطفال؟ - ولم لا؟ واحتدم النقاش بين زعيمة الحزب النسائي وبين أستاذ الشريعة في كلية الحقوق.. وقد تكون المقدمة بمثابة "برشامة" تحتوي على عديد من المعلومات المركزة مثل: "أصبح من المؤكد أن تتدفق الأسلحة الأمريكية على إسرائيل بعد أن تعهدت الولايات المتحدة الأمريكية علنا بالتزامها بتسليم ما قيمته ألف مليون دولار من الأسلحة الأمريكية إلى إسرائيل". وقد تحتوي المقدمة على عنصر التورية واللعب بالألفاظ، وهو فن النكتة المحبوب وخاصة في مصر مثل: "استطاعت الموسيقى الآسرة أن تأسر حقا الفتاة نانسي.. فبعد انصرافها من المدرسة توقفت في محل لبيع الأسطوانات والآلات الموسيقية.. واستغرقت في الاهتمام بالموسيقى.. حينما اقفل العمال أبواب المحل وذهبوا إلى بيوتهم. وقد اضطر البوليس إلى استدعاء الموظفين من بيوتهم لفك أسر نانسي الجميلة". وتعمل المقدمة على الربط بين العنوان وصلب التحقيق، كما أنها تثير الانتباه وتغري بالقراءة، ولذلك فإنه يراعى فيها الوضوح والجاذبية، مع الابتعاد عن الحشو، وتجنب التفاصيل التي لا داعي لها في المقدمة. ولذلك فإن الصحفي مطالب بالانتقاء والموازنة لاختيار المقدمة المناسبة للموضوع، حتى يهيئ القارئ للاطلاع على صلب التحقيق.

стр. 172

فن صياغة التحقيق الصحفي: أما صلب التحقيق الصحفي فيتخذ خمسة قوالب رئيسية١ هي: قالب العرض، وقالب القصة وقالب الوصف وقالب الاعتراف وقالب الحديث. ولعل قالب العرض هو أبسطها جميعا بشرط أن يكون جذابا، ويسوق فيه الكاتب طائفة من الآراء والمعلومات ثم يستخلص في النهاية نتائج دراسته بشرط أن يكون محايدا في عرض آراء المؤيدين والمعارضين. وقد تلعب عناصر الصراع بين الآراء دورا أساسيا في جذب الانتباه، وتسلسل الكتابة والموضوعات الفرعية. على أنه ينبغي أن يستخلص الصحفي نتائجه من المعلومات والآراء التي عرضها، ولا يقحم رأيه الخاص. وربما كان القالب القصصي هو الذي يميز فن التحقيق الصحفي عن فن الخبر بصورة واضحة. وقد رأينا أن صياغة الخبر تجعل المعلومات الهامة في المقدمة ثم تأتي المعلومات الأخرى مرتبة ترتيبا وفقا لأهميتها. فوظيفة المقدمة الخبرية أن تعطي القارئ أهم الحقائق بسرعة واختصار. أما القالب القصصي فإنه على العكس من ذلك، يبدأ فيه الكاتب بإثارة الاهتمام وجذب الانتباه ثم يتسلسل مع اهتمام القارئ صعودا إلى الذروة من خلال الحوار والحديث ورواية الأحداث. ولذلك فإن قالب السرد القصصي يمثل بهرم معتدل وليس مقلوبا كقالب الخبر. وعادة يبدأ الكاتب بمقدمة مثيرة للدهشة أو العجب، يدلف منها إلى بداية القصة، ويتسلسل منها حتى النهاية أو الذروة. غير أننا لا ينبغي أن نخلط بين القصة الخيالية والقصة الواقعية، فالأولى تعتمد على الإبداع الفني والأدبي، في حين أن الثانية ترتكز على أسس الفن الصحفي الواقعي. أما قالب الوصف فهو أكثر قوالب التحقيق الصحفي شيوعا وأقربها إلى الفن الصحفي، ويقدم الكاتب موضوعه عن طريق الوصف المباشر، مع إبراز الملامح الرئيسية أو المكان موضوع التحقيق الصحفي. ويعتبر وصف

стр. 173

الرحلات والبلاد المختلفة من أشهر الموضوعات الصحفية التي يصلح لها هذا القالب الفني. ونؤكد مرة أخرى أن أدب الرحلات الخيالي لا يدخل ضمن فن التحقيق الصحفي الوصفي. وأنجح التحقيقات ما يتصل بخبر جديد أو اكتشاف حديث، كما يحدث في التنقيب عن الآثار. ويحتاج الكاتب إلى إعداد الخلفية العلمية من المعلومات الضرورية لوصف المكان الذي يذهب إليه، كما ينبغي أن يكون قوي الملاحظة، يقظا، حاضر البديهة. وأهم من ذلك قدرة الكاتب على الوصف بالقلم، وبراعته في نقل ما يشاهده وكأنه يرسم لوحات حية. ويعقد الأمل على أن هذا النوع من التحقيقات يمكن أن يكون عاملا قويا في ربط أواصر الإنسانية عن طريق التفاهم بين البشر والتقريب بين عاداتهم وثقافاتهم ونظمهم السياسية والاجتماعية. وقالب الاعتراف يقدم صورا نابضة بالحياة، زاخرة بالمعاني، يرسمها الصحفي بغزارة المعلومات التي يدلي بها المصدر أدبيا كان أو زعيما أو فنانا أو بطلا رياضيا. ويعتمد هذا النوع من التحقيقات على الأمانة والصدق في نقل العبارات وكذلك على التصوير النفسي، والتحليل السيكولوجي. ولا شك أن الإنسان الذي اشترك في الأحداث بنفسه يستطيع أن يروي الأحداث بطريقته الخاصة التي تثير الاهتمام وتشوق القراء. ويحقق هذا القالب الصحفي وظائف الإعلام من أخبار وتسلية وإمتاع وإرشاد بطريقة غير مباشرة. أما قالب الحديث فهو من أهم القوالب الصحفية وأكثرها شيوعا. وهنا يكون للصحفي صفات البائع، فهو مضطر أن يذيب شخصيته في شخصية محدثة، وتلك صفة ضرورية لا يقصد بها الإقناع وحده، ولكنها ألزم ما تكون في الحقيقة لإيجاد المشاركة الوجدانية بينه وبين المتحدث. وقد كانت الصحافة في الماضي -حرصا منها على الدقة والأمانة والصدق- تنشر الأسئلة والأجوبة نشرا حرفيا دقيقا، ولكن الصحافة الحديثة عدلت عن هذه الطريقة، ووجدت فيها ما يبعث على الملل والسآمة، فاتخذت طريقا وسطا فيه تحليل للجو المحيط بالحديث، مما يضفي عليه حيوية ونضارة وبهذه الطريقة يلقي الصحفي الأضواء على شخصية محدثة. وقد يهدف الحديث إلى جمع الحقائق والمعلومات والأخبار،

стр. 174

ولكنه قد يكون حديثا لبيان الآراء والاتجاهات، وهناك أحاديث للإمتاع والتسلية، فضلا عن الأحاديث التعليمية التي تبين كيف تصنع الأشياء أو كيف تكتسب المهارات. ويلاحظ أن يكون التحقيق الصحفي إيقاعيا في تنوعه بين التلخيص والوصف ثم إيراد نص ما يقوله المتحدث وهكذا حتى ينتهي الحديث. غير أن على الصحفي أن يحذر من أن يصبح هو نفسه محور الحديث؛ لأن القراء يشغفون بحديث المصدر لا حديث الصحفي. وكثيرا ما يلجأ رجال السياسة والدبلوماسية المحتكون إلى الإجابات العامة المختصرة التي تنعدم فيها روحه الشخصية، فلا يظفر الصحفي من الحديث إلا بأسئلته هو. ويلاحظ أن التحقيق الصحفي ليس حديثا، وإنما هو صورة لشخصية من الشخصيات تظهر من خلال الحديث والتحليل.

стр. 175

خاتمة التحقيق الصحفي: وينبغي أن يكون للتحقيق الصحفي خاتمة قوية واضحة أشبه ما تكون بالكلمات النهائية في فن المسرحية. ولا تكون النهاية مسرفة في طولها. وإلا انعدم تأثيرها، ولكنها تتسم بالتوافق بين مساحتها ومساحة التحقيق الصحفي نفسه. وتعتبر الخاتمة بمثابة النتائج التي وصل إليها الصحفي من تحقيقه، ولذلك فإنها كثيرا ما تربط بالمقدمة نفسها وتكون صدى لها. ونجد أن بعض الصحفيين يجعلون الخاتمة تعبيرا عن رأيهم الذاتي، بصرف النظر عن المقومات الأخرى والآراء المختلفة والأفكار الشائعة في التحقيق. غير أن النهاية ينبغي أن تكون منطقية مع التحقيق الصحفي، ولا تلصق به كتذييل مقحم أو مفروض عليه. وفي رأينا أن الخاتمة تستمد خصائصها من طبيعة التحقيق الصحفي نفسه. فإذا كان التحقيق من نوع إعلامي تعرض فيه الحقائق والآراء المختلفة، فأنسب خاتمة هي تلك التي توجز مجموع الأفكار والآراء وتربطها ببعضها البعض وتستخلص منها النتائج المنطقية المترتبة على المعلومات والأحاديث والآراء. ولا ينبغي أن يفرض الصحفي أحكامه الذاتية الشخصية؛ لأن ذلك ميدانه فن آخر من الفنون الصحفية هو المقال أو العمود أو اليوميات.

стр. 176

ويرى بعض الصحفيين أن التحقيق الصحفي ينبغي أن يختم بنهاية سارة مثل المسرحيات والأفلام؛ لأن الخاتمة السعيدة تشيع البهجة والسعادة بين القراء، وخاصة بالنسبة للتحقيقات القصصية، والموضوعات الإنسانية. ولا شك أن مثل هذه النهاية لها تأثيرها الطيب في نفوس الجماهير، غير أن إقحام خاتمة سعيدة على كل موضوع بلا استثناء يحيل فن التحقيق الصحفي إلى ضرب من التسلية الرخيصة، ولذلك فإن الخاتمة السعيدة لا بأس بها -بشرط أن تكون هذه الخاتمة نتيجة منطقية لأحداث التحقيق وشخصياته. وخير خاتمة للموضوعات الدراسية، وتحقيقات البحث في المشاكل العامة، تلك التي تقدم حلولا واقتراحات إيجابية فيما يتصل بالمسائل العامة المطروحة للمناقشة والدراسة. ولا شك أن الصحافة بمثل هذه التحقيقات تؤدي رسالة هامة في النقد والتوجيه، كما أنها توجه الرأي العام إلى العناية بالشئون العامة سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية. وقد رأينا أن التحقيق الصحفي قد يمثل شريحة من شرائح الحياة، أو قطاعا من قطاعات المجتمع، أو صورة من الصور النابضة بالحياة. وهنا لا مكان للتوصيات أو الاقتراحات، وإنما تأتي الخاتمة بشكل صورة مصغرة للصورة العامة، كالفنان الذي يستطيع أن يرسم اللوحة الضخمة ملخصة في خطوط بسيطة، ولكنها قوية ومعبرة. ولا شك أن ذوق الصحفي، وقدرته على التعبير الفني، والتحليل النفسي -وخاصة في التحقيقات التي تدور حول الشخصيات، تعد -بحق- من أهم مميزات الفنان الصحفي المجيد. والمهم أن تكون الخاتمة جزءا جوهريا من التحقيق وليس مجرد إضافة يمكن الاستغناء عنها. دور التصوير في التحقيق الصحفي: وهكذا نرى أن بناء التحقيق الصحفي يتكون من عنوان ومقدمة وصلب للموضوع ثم خاتمة أو نهاية. وليس معنى قوالب العرض والقصة والوصف والاعتراف والحديث، أن كل نوع من هذه الأنواع منفصل تماما عن غيره، بل إننا كثيرا ما نجد التحقيق الصحفي الواحد وقد تضمن زوايا مختلفة من هذه

стр. 177

القوالب جميعا. وقد رأينا أن صياغة التحقيق الصحفي تقترب من الصياغة القصصية من حيث البداية المشوقة الجذابة، ثم الاستطراد من قمة الهرم نحو قاعدته -بعكس قوالب الهرم في الأخبار- بعبارات تؤدي إلى الذروة. ومثال ذلك هذه الافتتاحية المشهورة في تحقيق عن فائدة التأمين على الحياة: "إن الموت هو شيء طبيعي، ومن الممكن أن يحدث لك الآن، أو بعد قراءة هذا التحقيق، كما أنه من الممكن أن يكون كاتب هذا التحقيق في عداد الأموات حتى قبل أن تصل هذه الصحيفة إلى يدك". والمهم أن تنتقل من الافتتاحية إلى صلب الموضوع بسلاسة ولباقة تجعل القارئ يسترسل في القراءة، دون ملل. ولا بأس من استخدام الحوار تارة، وتصوير الشخصية تارة أخرى، وكذلك عرض نماذج من الآراء والاتجاهات المختلفة، مع مهارة فنية في التحرير، تجعل الكاتب محركا للأحداث دون أن يقحم نفسه عليها. حتى إذا جاءت الخاتمة كانت منطقية مع صلب التحقيق بآرائه ومعلوماته وحقائقه وصوره وشخصياته. ومن الواضح أن فن التحقيق الصحفي يرتبط بثلاث دوائر أو حلقات متشابكة هي: سياسة الصحيفة، والصياغة الإنسانية الجذابة، واهتمام القراء. ومهما كانت الفكرة أو الموضوع، فلا بد من الارتباط بسياسة الصحيفة من جهة ودائرة اهتمام القراء من جهة أخرى١. غير أن الصورة هي التي تعطي للتحقيق الصحفي الحديث وجهه الجديد المميز له عن سائر فنون الصحافة الأخرى حتى يقال إن كل ما هنالك من الفرق بين صحافة الأمس وصحافة اليوم يكمن في الصورة. كما يؤكد ذلك ما يذهب إليه علماء الصحافة المحدثون من أننا نعيش مرة أخرى في حقبة من الزمن هي حقبة الصورة. وقد ترك بعض علماء الأدب من أمثال مارشال ماكلوهان دراساتهم

стр. 178

الأدبية وتوجهوا إلى الفنون الإعلامية، وهم يرون أننا نعيش أساسا في حضارة بصرية. "فلقد دخل إلى حيز الوجود أدب بصري لم يسبق له مثيل يقرأ فيه الناس الصور كما لم يفعلوا من قبل ومنذ مئات السنين تاركين بذلك للألفاظ واجب نقل الأفكار المجردة غير القابلة للانتقال في أشكال مرسومة"١ ويذهب رأي آخر إلى حد القول بأن الصحافة هي الصورة التي قد تفوق في قيمتها قوة الخبر نفسه لأنها في تكوينها وإخراجها تعبر عن الحقيقة٢. والواقع أن تطور فن المجلة يعتمد في أساسه على تطور فن التصوير ولذلك فإن فن التحقيق الصحفي قد ارتبط ارتباطا وثيقا بتطور فن المجلة وازدهار فن التصوير. ولما كان الصدق والواقعية والموضوعية أهم خصائص التحقيق الصحفي الناجح، فإن المصورين يلعبون دورا أساسيا في التعبير الأمين عن مضمون التحقيق. ويظن البعض أن الصورة مجرد إضافة أو زخرفة للتحقيق الصحفي، ولكن الاتجاه الحديث يحتم أن تكون للصورة وظيفة محددة، وإلا فإنه من المستحسن الاستغناء عنها وإهمالها. وفي بعض الأحوال التي يتعذر فيها التصوير، تقوم الرسوم الكاريكاتورية والتصويرية بدور الصورة الفوتوغرافية، وهذا هو دور الرسم التسجيلي في المحاكم التي تمنع التصوير، أو في الظروف التاريخية التي يتعذر فيها التصوير الفوتوغرافي، كلحظة سفر الملك فاروق إلى الخارج بعد خلعه من الحكم. هذا فضلا عن أن الرسوم تستطيع أن تفسر وتشرح وتبسط بطريقة أكثر مرونة من الصورة الفوتوغرافية. التحقيق الصحفي وفن المجلة: وقد أصبح فن التحقيق الصحفي المصور سمة مميزة للصحافة الحديثة، كما تخصصت المجلات العالمية الكبرى لهذا النوع من الفن الصحفي مثل لايف

стр. 179

ولوك وتايم ونيوزويك وشتيرن وجوردي فرانس وباري ماتش وورلد سكالا١، وقد تخصصت هذه المجلات في دراسة فنون التأثير في الجماهير من خلال التحقيق الصحفي المصور، فكانت هذه المجلات حقولا للتجريب الحديث، حتى وصلت إلى قمة الفن الصحفي، وتوزع هذه المجلات ملايين النسخ في شتى بقاع العالم. وقد صدر بين سنتي ١٩٣٦ وسنة ١٩٥٠ نحو ٢٥١ مجلة عالمية مصورة، وهذه هي نفس الفترة التي بلغت فيها المجلة المصرية أيضا تفوقا عظيما، كما سبق القول، وقد ارتفع توزيع المجلات المصورة باطراد وخاصة في ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وصدور عدد من المجلات الشعبية المصورة في مدينة هامبورج وغيرها. ويكاد لا يصدر عدد واحد من هذه المجلات في أوروبا وأمريكا دون الاستعانة بالتحقيق الصحفي المصور. بل إن بعض هذه المجلات تكاد تتخصص في هذا الفن دون سواه. وقد ارتفع توزيع هذه المجلات العالمية من ٨٣.٢٣٥.٠٠٠ نسخة سنة ١٩٣٩ إلى ١٥٠.٦٢٨.٠٠٠ نسخة سنة ١٩٥٠ "٢"، بفضل التحقيق الصحفي. وتعتبر مجلات نويه اليستوريرتيه ودي تزايت ودير شبيجل وشتيرن٣ من أهم المجلات الألمانية المصورة التي خطت بفن التحقيق الصحفي خطوات قافزة إلى الإمام. وقد بدأ تأثير هذه المجلات العالمية على صحفنا ومجلاتنا في الظهور منذ الحرب العالمية الثانية، وكانت بعض مجلاتنا تنقل التحقيقات الصحفية بصورها وتترجم ألفاظها، ثم بدأت بعض المجلات المصرية والعربية الأخرى رسم سياسة ابتكارية للتحقيقات الصحفية، فتقدم هذا الفن تقدما عظيما بعد ظهور الصورة الملونة الجيدة. وقد أصبح الصحفي الفذ -ابتداء من العقد الخامس من هذا

стр. 180

القرن- هو المخبر وكاتب التحقيق بعد أن كان كاتب المقال قبل سنة ١٩١٩. فإذا قلنا إن صحافة هذا العصر هي صحافة التحقيق فلسنا مبالغين في شيء. غير أن هذه الصحافة الحديثة تواجه اليوم منافسة خطيرة من وسائل الإعلام المصورة، وخاصة التليفزيون والسينما. فبعد أن كانت الإذاعة تتميز بالسرعة والحالية في إذاعة الأخبار، وجدنا أن الصحافة المصورة كانت تكمل تلك الأخبار السريعة التي تأتي في النشرة الإخبارية. وبمعنى آخر، أصبح التحقيق الصحفي متخصصا في تفسير أبعاد الأخبار، وتقديم تفاصيلها المختلفة. غير أن المنافسة الحقيقة بين المجلة المصورة والسينما والتليفزيون قد أثرت بالفعل على توزيع الصحف، حتى قيل عن المجتمع الإنجليزي مثلا أنه تحول إلى مجرد مجتمع ذي عيون زجاجية تحدق في شاشة من الكريستال١. ولم يكن مصدر المنافسة هذه المرة سرعة النشر كالإذاعة بل كان "معالجة موضوعات عديدة عن طريق التليفزيون بطريقة أقرب إلى القلوب والعقول وأحب إلى الأذن والعين معا. ولن يكون بعيدا ذلك اليوم الذي نعالج فيه بطريق التليفزيون مختلف مشاكلنا الاجتماعية ونقضي على ما في مجتمعنا من رواسب الماضي وآفاته". ولا شك أن السر في تفوق التليفزيون يكمن في قدرته على نقل الحدث حين وقوعه بصورته وفي حركته. وهو لا يكتفي بمجرد التسجيل بل بإعادة العرض وإمكانية النقل فورا إلى داخل البيوت بصورة حية سريعة تساوي سرعة الضوء، ولا شك أن هذه المنافسة قد جعلت الصحف -وخاصة المجلات المصورة- تتجه إلى العناية بموضوعاتها وصورها، حتى تصمد أمام هذه المنافسة الخطيرة. ولا شك أن اختراع الأقمار الصناعية لنقل البرامج التليفزيونية عبر القارات -بل وعبر الكواكب أيضا- قد مهد الطريق لانتقال فنون الإعلام إلى عصر جديد.
следующие страницы →