ويرى بعض الصحفيين أن التحقيق الصحفي ينبغي أن يختم بنهاية سارة مثل المسرحيات والأفلام؛ لأن الخاتمة السعيدة تشيع البهجة والسعادة بين القراء، وخاصة بالنسبة للتحقيقات القصصية، والموضوعات الإنسانية. ولا شك أن مثل هذه النهاية لها تأثيرها الطيب في نفوس الجماهير، غير أن إقحام خاتمة سعيدة على كل موضوع بلا استثناء يحيل فن التحقيق الصحفي إلى ضرب من التسلية الرخيصة، ولذلك فإن الخاتمة السعيدة لا بأس بها -بشرط أن تكون هذه الخاتمة نتيجة منطقية لأحداث التحقيق وشخصياته.
وخير خاتمة للموضوعات الدراسية، وتحقيقات البحث في المشاكل العامة، تلك التي تقدم حلولا واقتراحات إيجابية فيما يتصل بالمسائل العامة المطروحة للمناقشة والدراسة. ولا شك أن الصحافة بمثل هذه التحقيقات تؤدي رسالة هامة في النقد والتوجيه، كما أنها توجه الرأي العام إلى العناية بالشئون العامة سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية.
وقد رأينا أن التحقيق الصحفي قد يمثل شريحة من شرائح الحياة، أو قطاعا من قطاعات المجتمع، أو صورة من الصور النابضة بالحياة. وهنا لا مكان للتوصيات أو الاقتراحات، وإنما تأتي الخاتمة بشكل صورة مصغرة للصورة العامة، كالفنان الذي يستطيع أن يرسم اللوحة الضخمة ملخصة في خطوط بسيطة، ولكنها قوية ومعبرة. ولا شك أن ذوق الصحفي، وقدرته على التعبير الفني، والتحليل النفسي -وخاصة في التحقيقات التي تدور حول الشخصيات، تعد -بحق- من أهم مميزات الفنان الصحفي المجيد. والمهم أن تكون الخاتمة جزءا جوهريا من التحقيق وليس مجرد إضافة يمكن الاستغناء عنها.
دور التصوير في التحقيق الصحفي:
وهكذا نرى أن بناء التحقيق الصحفي يتكون من عنوان ومقدمة وصلب للموضوع ثم خاتمة أو نهاية. وليس معنى قوالب العرض والقصة والوصف والاعتراف والحديث، أن كل نوع من هذه الأنواع منفصل تماما عن غيره، بل إننا كثيرا ما نجد التحقيق الصحفي الواحد وقد تضمن زوايا مختلفة من هذه
стр. 177
القوالب جميعا. وقد رأينا أن صياغة التحقيق الصحفي تقترب من الصياغة القصصية من حيث البداية المشوقة الجذابة، ثم الاستطراد من قمة الهرم نحو قاعدته -بعكس قوالب الهرم في الأخبار- بعبارات تؤدي إلى الذروة.
ومثال ذلك هذه الافتتاحية المشهورة في تحقيق عن فائدة التأمين على الحياة: "إن الموت هو شيء طبيعي، ومن الممكن أن يحدث لك الآن، أو بعد قراءة هذا التحقيق، كما أنه من الممكن أن يكون كاتب هذا التحقيق في عداد الأموات حتى قبل أن تصل هذه الصحيفة إلى يدك".
والمهم أن تنتقل من الافتتاحية إلى صلب الموضوع بسلاسة ولباقة تجعل القارئ يسترسل في القراءة، دون ملل. ولا بأس من استخدام الحوار تارة، وتصوير الشخصية تارة أخرى، وكذلك عرض نماذج من الآراء والاتجاهات المختلفة، مع مهارة فنية في التحرير، تجعل الكاتب محركا للأحداث دون أن يقحم نفسه عليها. حتى إذا جاءت الخاتمة كانت منطقية مع صلب التحقيق بآرائه ومعلوماته وحقائقه وصوره وشخصياته.
ومن الواضح أن فن التحقيق الصحفي يرتبط بثلاث دوائر أو حلقات متشابكة هي: سياسة الصحيفة، والصياغة الإنسانية الجذابة، واهتمام القراء. ومهما كانت الفكرة أو الموضوع، فلا بد من الارتباط بسياسة الصحيفة من جهة ودائرة اهتمام القراء من جهة أخرى١.
غير أن الصورة هي التي تعطي للتحقيق الصحفي الحديث وجهه الجديد المميز له عن سائر فنون الصحافة الأخرى حتى يقال إن كل ما هنالك من الفرق بين صحافة الأمس وصحافة اليوم يكمن في الصورة. كما يؤكد ذلك ما يذهب إليه علماء الصحافة المحدثون من أننا نعيش مرة أخرى في حقبة من الزمن هي حقبة الصورة. وقد ترك بعض علماء الأدب من أمثال مارشال ماكلوهان دراساتهم
стр. 178
الأدبية وتوجهوا إلى الفنون الإعلامية، وهم يرون أننا نعيش أساسا في حضارة بصرية. "فلقد دخل إلى حيز الوجود أدب بصري لم يسبق له مثيل يقرأ فيه الناس الصور كما لم يفعلوا من قبل ومنذ مئات السنين تاركين بذلك للألفاظ واجب نقل الأفكار المجردة غير القابلة للانتقال في أشكال مرسومة"١ ويذهب رأي آخر إلى حد القول بأن الصحافة هي الصورة التي قد تفوق في قيمتها قوة الخبر نفسه لأنها في تكوينها وإخراجها تعبر عن الحقيقة٢.
والواقع أن تطور فن المجلة يعتمد في أساسه على تطور فن التصوير ولذلك فإن فن التحقيق الصحفي قد ارتبط ارتباطا وثيقا بتطور فن المجلة وازدهار فن التصوير. ولما كان الصدق والواقعية والموضوعية أهم خصائص التحقيق الصحفي الناجح، فإن المصورين يلعبون دورا أساسيا في التعبير الأمين عن مضمون التحقيق. ويظن البعض أن الصورة مجرد إضافة أو زخرفة للتحقيق الصحفي، ولكن الاتجاه الحديث يحتم أن تكون للصورة وظيفة محددة، وإلا فإنه من المستحسن الاستغناء عنها وإهمالها.
وفي بعض الأحوال التي يتعذر فيها التصوير، تقوم الرسوم الكاريكاتورية والتصويرية بدور الصورة الفوتوغرافية، وهذا هو دور الرسم التسجيلي في المحاكم التي تمنع التصوير، أو في الظروف التاريخية التي يتعذر فيها التصوير الفوتوغرافي، كلحظة سفر الملك فاروق إلى الخارج بعد خلعه من الحكم. هذا فضلا عن أن الرسوم تستطيع أن تفسر وتشرح وتبسط بطريقة أكثر مرونة من الصورة الفوتوغرافية.
التحقيق الصحفي وفن المجلة:
وقد أصبح فن التحقيق الصحفي المصور سمة مميزة للصحافة الحديثة، كما تخصصت المجلات العالمية الكبرى لهذا النوع من الفن الصحفي مثل لايف
стр. 179
ولوك وتايم ونيوزويك وشتيرن وجوردي فرانس وباري ماتش وورلد سكالا١، وقد تخصصت هذه المجلات في دراسة فنون التأثير في الجماهير من خلال التحقيق الصحفي المصور، فكانت هذه المجلات حقولا للتجريب الحديث، حتى وصلت إلى قمة الفن الصحفي، وتوزع هذه المجلات ملايين النسخ في شتى بقاع العالم.
وقد صدر بين سنتي ١٩٣٦ وسنة ١٩٥٠ نحو ٢٥١ مجلة عالمية مصورة، وهذه هي نفس الفترة التي بلغت فيها المجلة المصرية أيضا تفوقا عظيما، كما سبق القول، وقد ارتفع توزيع المجلات المصورة باطراد وخاصة في ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وصدور عدد من المجلات الشعبية المصورة في مدينة هامبورج وغيرها. ويكاد لا يصدر عدد واحد من هذه المجلات في أوروبا وأمريكا دون الاستعانة بالتحقيق الصحفي المصور. بل إن بعض هذه المجلات تكاد تتخصص في هذا الفن دون سواه.
وقد ارتفع توزيع هذه المجلات العالمية من ٨٣.٢٣٥.٠٠٠ نسخة سنة ١٩٣٩ إلى ١٥٠.٦٢٨.٠٠٠ نسخة سنة ١٩٥٠ "٢"، بفضل التحقيق الصحفي. وتعتبر مجلات نويه اليستوريرتيه ودي تزايت ودير شبيجل وشتيرن٣ من أهم المجلات الألمانية المصورة التي خطت بفن التحقيق الصحفي خطوات قافزة إلى الإمام.
وقد بدأ تأثير هذه المجلات العالمية على صحفنا ومجلاتنا في الظهور منذ الحرب العالمية الثانية، وكانت بعض مجلاتنا تنقل التحقيقات الصحفية بصورها وتترجم ألفاظها، ثم بدأت بعض المجلات المصرية والعربية الأخرى رسم سياسة ابتكارية للتحقيقات الصحفية، فتقدم هذا الفن تقدما عظيما بعد ظهور الصورة الملونة الجيدة. وقد أصبح الصحفي الفذ -ابتداء من العقد الخامس من هذا
стр. 180
القرن- هو المخبر وكاتب التحقيق بعد أن كان كاتب المقال قبل سنة ١٩١٩. فإذا قلنا إن صحافة هذا العصر هي صحافة التحقيق فلسنا مبالغين في شيء.
غير أن هذه الصحافة الحديثة تواجه اليوم منافسة خطيرة من وسائل الإعلام المصورة، وخاصة التليفزيون والسينما. فبعد أن كانت الإذاعة تتميز بالسرعة والحالية في إذاعة الأخبار، وجدنا أن الصحافة المصورة كانت تكمل تلك الأخبار السريعة التي تأتي في النشرة الإخبارية. وبمعنى آخر، أصبح التحقيق الصحفي متخصصا في تفسير أبعاد الأخبار، وتقديم تفاصيلها المختلفة.
غير أن المنافسة الحقيقة بين المجلة المصورة والسينما والتليفزيون قد أثرت بالفعل على توزيع الصحف، حتى قيل عن المجتمع الإنجليزي مثلا أنه تحول إلى مجرد مجتمع ذي عيون زجاجية تحدق في شاشة من الكريستال١. ولم يكن مصدر المنافسة هذه المرة سرعة النشر كالإذاعة بل كان "معالجة موضوعات عديدة عن طريق التليفزيون بطريقة أقرب إلى القلوب والعقول وأحب إلى الأذن والعين معا. ولن يكون بعيدا ذلك اليوم الذي نعالج فيه بطريق التليفزيون مختلف مشاكلنا الاجتماعية ونقضي على ما في مجتمعنا من رواسب الماضي وآفاته".
ولا شك أن السر في تفوق التليفزيون يكمن في قدرته على نقل الحدث حين وقوعه بصورته وفي حركته. وهو لا يكتفي بمجرد التسجيل بل بإعادة العرض وإمكانية النقل فورا إلى داخل البيوت بصورة حية سريعة تساوي سرعة الضوء، ولا شك أن هذه المنافسة قد جعلت الصحف -وخاصة المجلات المصورة- تتجه إلى العناية بموضوعاتها وصورها، حتى تصمد أمام هذه المنافسة الخطيرة. ولا شك أن اختراع الأقمار الصناعية لنقل البرامج التليفزيونية عبر القارات -بل وعبر الكواكب أيضا- قد مهد الطريق لانتقال فنون الإعلام إلى عصر جديد.
стр. 181
وقد اتضح من البحوث العلمية أن التليفزيون قد أدى إلى نقص ساعات القراءة من ٢١ ساعة أسبوعيا إلى ١٨ ساعة فقط، كما أن ٤٩% من المقتنين لأجهزة التليفزيون قد توقفوا عن قراءة الكتب، ٢٤% توقفوا عن قراءة المجلات، ٣% عن قراءة جرائد يوم الأحد، ٢% عن قراءة الصحف الصباحية١. غير أن التليفزيون لا يؤثر على الصحافة التفسيرية التي تعطي خلفيات الخبر وتشرحه، أما الصحف الترفيهية فقد تأثرث بالتليفزيون إلى حد كبير.
إن فن المجلة المصورة يواجه منافسا قويا هو التليفزيون بلا شك، غير أن الصحافة تستطيع أن تنافس التليفزيون نفسه بالنسبة للموضوعات العميقة، ذات الأبعاد المتعددة، والتفاصيل الدقيقة. فهنا تتفوق الكلمة تفوقا كبيرا. وحتى الأفلام التسجيلية السينمائية نفسها لا تستطيع منافسة الكلمة المطبوعة في الصحف والمجلات من هذه الناحية؛ لأن العمق الفكري لا يمكن بلوغ أغواره بدون الكلمة. ويذهب علم النفس الحديث إلى أن استعمال اللغة استعمالا عقليا واعيا يخرج بالمدركات من مجال الغموض اللاشعوري إلى حيز الوضوح الشعوري ويتفق وارد٢ وستاوت٣ في إنجلترا، وبرجسون٤ في فرنسا، وكروتشي في إيطاليا، على أن اللغة هي مجموعة الرموز التي تنقل المعاني من إبهام الأحاسيس إلى نور الفكر. وفي رأيهم أن الرموز المصورة، لا يمكن أن تقوم مقام الأنماط اللغوية لأنها غامضة غير محدودة. وأن أدق الرموز للتعبير عن الأفكار هي الكلمات، إذا استعملت استعمالا عقليا واعيا.
وقد جربت مثلا فكرة إصدار مجلات مصورة بدون ألفاظ، ففشلت فشلا ذريعا؛ لأن الكلمة المقترنة بالصورة تتضافر لإبراز المعنى -وهذا هو جوهر
стр. 182
الفن الصحفي. لقد أدت الصورة خدمة عظيمة للصحافة، ولكنها لا يمكن أن تطغى على الكلمة أو تحل محلها. وسوف تظل الكلمة المطبوعة خير وسيلة للتعبير والإبانة والوضوح، وخاصة بالنسبة للموضوعات الجادة ذات التفاصيل المتشعبة، والأفكار الدقيقة ذات الجوانب المتعددة، والعواطف الكامنة في النفس الإنسانية، التي تنتظر الكلمة لبيانها والإفصاح عنها بوضوح وجلاء، تقصر عنها الصورة مهما بلغت من الروعة والإتقان. وفي رأينا أن فن التحقيق الصحفي المصور سوف يظل أهم ما يميز الصحافة الحديثة في مواجهة وسائل الإعلام الأخرى.
стр. 183
الباب السادس: فن المقال الصحفي
مدخل
...
الباب السادس: فن المقال الصحفي
"سارية الربيع والعمود" عنوان كتاب إنجليزي شهير كتبه موريس هويليت١ عن فن المقال، وفيه يعقد المؤلف مقارنة شيقة بين فن المقال الأدبي وفن المقال الصحفي. فقد شبه الأول بسارية الربيع، وهي ذلك العمود الكبير الذي يتخذه الإنجليز رمزا لعيد الربيع، يزينونه بالزهور البديعة من كل صبغ. والورود الجميلة من كل لون، فتبدو السارية وكأنها العروس في جلوتها. ثم شبه المقال الصحفي بالعمود العاري من جميع هذه الزينة. وقد استعار الكاتب كلمة "العمود" هنا للتورية، فلهذا اللفظ معنيان: أولهما العمود بالمعنى المادي المعروف، والآخر "العمود" بمعنى النهر الذي يكتب في صحيفة من الصحف. وينعى الكاتب على الصحافة نبذها لتلك الزخارف الأدبية الجميلة، ويتهم أسلوبها بالجدب والإمحال، ويحن حنينا شديدا إلى تلك الأيام الخوالي التي كان الإنسان ينعم فيها بالفراغ وقراءة المقالات الأدبية الطويلة الزاهية، لا تلك الأعمدة الجافة السريعة في أنهر الصحف.
ونجد في كتاب "الأدب البريطاني المعاصر"٢ نفس هذا المعنى؛ إذ يقول المؤلفون: "لقد أصبحت المشكلات التي يواجهها الأدباء خطيرة معقدة، بحيث
стр. 184
لا تترك مجالا، ولا متسعا من الوقت أو الجهد لكي ينتجوا أدبا متعدد الألوان كالذي يتاح للأديب الذي يجد كثيرا من الفراغ. من الثابت أن الأديب أمامه متسع من الوقت ليكتب ما يشاء، وينشره متى يشاء. أما الصحفي فإنه مقيد بالمطبعة ومرتبط بمواعيدها، فهي تلهبه بسوطها، وتوقظه من سباته وكسله، فالأديب قد ينتظر الإلهام، أما الصحفي فعليه أن يكتب بمنتهى السرعة، وفي مواعيد منتظمة انتظاما دقيقا.
ويقول الدكتور طه حسين في نفس المعنى: "ولا بد للأديب أن يروض نفسه، ويسوسها حتى تألف الجهد والعناء والمشقة. ونرى أنها أيسر ما يجب لإنتاج الأدب الرفيع الذي يستحق أن يسمى أدبا. ولا على الأديب أن يغضب أصحاب المطبعة إن أبطأ به الإنتاج عما ضربوا له من موعد، فذلك كله خير له من أنه يتعجل، فيرضي الصحيفة والمطبعة، ويسخط الفن ويفسد معه ذوق كثير من القراء. وهنا تفكر الصحف وتثور فهي لا تستطيع أن تنتظر الأديب حتى يتقن إنتاجه، ويصبح نشره شيئا لا حرج فيه. فمن أراد أن يكتب لها على شرطها فليعمل، ومن أبى إلا أن يكتب إلا على شرط الأديب فليلتمس لنفسه مذهبا آخر من مذاهب النشر"١.
وتتردد هذه المعاني أيضا في قول باحث مصري حديث إذ يقول: "وذهبت الصحافة بالفن الكتابي حتى أحالته إلى فن باهت اللون، لا حظ له من جمال الأصباغ التي تفتن العين. والسبب في ذلك أن الأديب يتاح له من الفراغ ما يجد له من أسباب التأنق والتحذق والتصنع والتفنن على حين أن الصحفي وراءه مطبعة تطالبه بغذائها كل يوم"٢.
فهل هناك حقا ما يدعو إلى هذا التحسر على بساطة فن المقال الصحفي ونبذه للألوان المزخرفة والمحسنات المبرقشة؟ أم أن فن المقال الصحفي هو في
стр. 185
الحقيقة فن يؤدي وظيفة أخرى مختلفة تماما عن فن المقال الأدبي؟ فإذا كانت الكتابة مضمونا وصياغة، فإن المقال الأدبي يضع الصياغة في المكان الأول، أما المقال الصحفي فإنه يهتم بالمضمون والفكرة التي يرمي إلى إيضاحها في يسر وجلاء. وإذا جاز لنا أن نشبه المقال الأدبي بلوحة زيتية متعددة الألوان، فإن المقال الصحفي صورة من اللونين الأبيض والأسود فقط، ولكنها تعبر عما تريد في وضوح وبساطة وقوة. بل إن المقال الصحفي أشبه شيء بفن الرسم الكاريكاتوري، الذي يعبر عن رأي ما في سرعة وسخرية، ولكن في قوة وحيويه، أما المقال الأدبي فهو صورة معبرة مليئة بالألوان. والواقع أن السرعة -وهي أهم مميزات الكتابة الصحفية- ليست هي المسئولية وحدها عن إخراج المقال الصحفي من حيز الأدب الخالد، إلى مجال الصحافة غير الخالد، بل السبب الأقوى هو أن المقال الأدبي يتصل بالأعماق البشرية، ومن هنا يمكن أن يكون أدبا عالميا يتجاوز الحدود المحلية والزمنية، في حين أن المقال الصحفي يرتبط بالأحداث الجارية والمشكلات الاجتماعية.
стр. 186
البيئة الأولى لفن المقال:
والحقيقة أن فن المقال الصحفي هو ثمرة للتقدم الحضاري، فهو بطبيعته لا يزكو إلا في بيئة يتكون فيها الرأي العام، ويتقدم فيها العمل السياسي، وتتصارع بها الآراء والاتجاهات، وينتشر فيها التعليم، وينهض الفنون، وتصبح الديمقراطية اتجاها مقبولا لدى الجميع، وينتقل التفكير من الذاتية والأسطورية إلى الواقعية والموضوعية.
فإذا نظرنا إلى فن المقال الأدبي نفسه لوجدنا أنه قد ظهر في بيئة ملائمة لنشأته، وجد فيها جوا صالحا للنمو والازدهار فمن الثابت أن فن المقال قد رأى النور في عصر النهضة الأوروبية١، حين كانت أوروبا تزيح عن كاهلها كابوس العصور الوسطى، بما فيها من تعصب ديني وضيق أفق وجهل مطبق. وقد
стр. 187
امتازت هذه الفترة بظهور مدارس فلسفية جديدة، اعترفت بقيمة الإنسان، وثارت على احتقاره والتقليل من شأنه، فمجدت الإنسانية وأقرت للبشر حق السعادة، وأنكرت تعاليم الكنيسة التي حضت على الزهد، وإنكار حق البدن وإذلاله إذلالا. وقد أعلنها الكاتب الفرنسي رابيليه١ مدوية: أن المرح أهم صفات الإنسان٢. أما الحزن والاكتئاب والعبوسي، وهي ما أرادته الكنيسة، فقد ولت أيامها بزوال لعصور الوسطى، وبزوغ فجر النهضة.
ومن الثابت أيضا أن تعاليم الإنسانيين٣ قد استمدت من الدراسات الكلاسيكية في الأدب والفلسفة، وخاصة ملاحم هوميروس وفلسفة أرسطو، فتفتحت العيون على انتصار أوليس٤ وهو يعلن ذاتيته الإنسانية أمام الآلهة، فكانت هذه الفكرة وأمثالها مما ألهب خيال بترارك وبوكاشيو وتشوسر٥ وغيرهم، وعندما ثار الإنسانيون على تعاليم الكنيسة، بتقديسها للفلسفة انتشرت مذاهب الشك والنزعات الفردية، كما نبذت الفلسفة المدرسية٦ المبنية على اليقين الديني، وحلت محلها فلسفة عقلية، أتاحت للفرد مجالا للتعبير الحر والبحث، فكانت نهاية للسلطة المطلقة والاستبداد الفكري، وتحطيما للأصنام الثابتة.
فأهم مميزات عصر النهضة -وهو الذي يمثل بيئة المقال الأصلية- نزعة التفكير الفردي والميل إلى المعرفة والرغبة في التجربة. وقد كانت أهم سمات العصر: حب الاستطلاع وتوسيع آفاق المعرفة البشرية، والتعطش إلى الارتباط بالمجهول، بدلا من الخوف منه والإعراض عنه، فخرج المغامرون يستكشفون الأقطار الجديدة في الأمريكتين، وأخذ الفلاسفة يفكرون في مجالات جديدة وبأساليب مبتكرة، كانت الكنيسة تحذرهم منها، وقد تكفل
стр. 188
البروتسنانت بتحطيم سلطان رجال الدين, وتحرير الفرد من طغيان الكنيسة، منادين بأن الإنسان خليق بعبادة ربه دون وساطه أحد، فلا يليق أن يقف القس بين العبد والرب.
وهكذا كانت بيئة المقال الأولى بيئة حرية وإنسانية وفردية في عصر النهضة، فتحرر الفرد من قيود العصور الوسطى بنظامها الاجتماعي الجامد، وبدأت حضارة جديدة بعد أن حلت التجارة محل الزراعة كأساس للنظام الاجتماعي، وبعد أن قامت مجتمعات جديدة مبنية على جهود الأفراد، وخاصة أثرياء الطبقة الوسطى. وخلاصة القول، أن عصر النهضة يمثل نهاية النظام الإقطاعي، القائم على تقديس السلطة، وتقييد حرية الفرد في الدنيا والدين، وعندما هبت نسائم النهضة في أوروبا استيقظت من سباتها، ورأت ألوان الحياة، وأحست بمتعة الحركة والكشف، دون خوف من الكنيسة، واستمتعت بمباهج الحياة الدنيا، بعد أن كانت الكنيسة لا تسمح للفرد إلا باستعداد للحياة الأخرى، وخرج المفكرون من المنهج اللاهوتي إلى المنهج التجريبي، وانتقل النظام الاجتماعي من جمود الإقطاع الزراعي إلى النشاط التجاري، ومن الحكم الاستبدادي المطلق إلى ظهور الطبقة الوسطى التي كانت لها اليد الطولى في جمع الثروة والاختراع والتأليف والتقدم ثم المطالبة بالاشتراك في الحكم.
وقد رأينا أن مميزات هذه البيئة هي نفسها مميزات فن المقال: فلولا الإيمان بعقل الإنسان، واحترام ذاتيته، وحب الاستطلاع، والرغبة في المعرفة، وحرية البحث ونشاط الفرد -وهي جميعا مميزات عصر النهضة- لما قدر لفن المقال أن يرى النور.
стр. 189
بيئة المقال الصحفي في مصر:
وفي مصر، كان ازدهار فن المقال معاصرا للنشاط الفكري والسياسي والعلمي والأدبي جميعا ولا شك أن اليقظة المصرية بدأت مع الحملة الفرنسية التي قادها بونابرت إلى الديار المصرية، كما أن ظهور محمد علي ومحاولته إنشاء الدولة الحديثة، وانفصاله عن الدولة العثمانية، وشعور المصريين بحاجتهم القصوى إلى تأييد اللغة العربية، وانتصار هذا التأييد في مواجهة اللغة التركية، قد كان له أبلغ الأثر في التمهيد لنشأة فن المقال.
لقد كانت الحملة الفرنسية عامل إيقاظ للمجتمع الشرقي من سباته، ولا ننسى أن تلك الحملة هي التي أتت إلى مصر بالمطبعة العربية، كما أنها هي التي جندت العلماء والباحثين لإصدار الكتاب الضخم المشهور "وصف مصر" في تسع مجلدات، معها صور وخرائط ولوحات تقع في أربعة عشر مجلدا أخرى. لقد كانت هذه الحملة بمثابة قرع شديد على أبواب المعرفة، أو هزة قوية شرع المصريون بعدها يعملون ويفكرون. وكما ارتبط فن المقال الصحفي الأوروبي بظهور القوميات المنسلخة عن العالم المسيحي الموحد، فقد كان فن المقال المصري مرتبطا -هو الآخر- بحركة انفصال القومية عن العالم الإسلامي المنضوي تحت راية الخلافة الإسلامية العثمانية.
وعندما بدأ محمد علي يرسل البعثات إلى الخارج سنة ١٨٢٦، وينشئ المدارس الحديثة، ويعتمد على حركة الترجمة، ويهتم بالعلوم الهندسية والطبية ويفتتح لها المدارس العليا، أخذت نسائم الثقافية الأوروبية تهب على مصر. من أجل ذلك نعمت مصر في أيام محمد علي بنهضة علمية مباركة التقى فيها التياران الشرقي والغربي، ومن التقائهما معا نشأ الأدب المصري الحديث والصحافة المصرية الحديثة في القرن التاسع عشر. وكان التيار الشرقي يتمثل في العلوم النقلية، وفي تعليم اللغة العربية، وفي بعض الكتب الأدبية القديمة، مثل مقامات الحريري، وبديع الزمان، ودواوين الشعراء الفحول كالفرزدق وجرير والمتنبي وأبي العلاء. ومثل ديوان الحماسة لأبي تمام ... إلخ.
"وكان التيار الأوروبي يتمثل في ترجمة كثير من الكتب التي احتاج إليها التعليم الحديث، وقام بتصحيحها الأزهريون كما ظهر التيار الأوروبي كذلك في ترجمة بعض الكتب الأوروبية إلى اللغة العربية. وكانت هذه الترجمات
стр. 190
ذات صبغة علمية في أكثرها أيام محمد علي، لحاجة المدارس الحديثة إلى ذلك، ثم أصبحت ذات صبغة أدبية في أكثرها أيام إسماعيل".
وقد لعب السوريون النازحون إلى مصر دورا لا يستهان به في نقل الثقافة الأدبية عن طريق المبشرين الأمريكيين والفرنسيين الذين اتخذوا من سوريا وجبل لبنان مراكز للتبشير والدراسات العلمية والأدبية. وقد كان جبرائيل وبشارة تقلا، وأديب إسحاق وسليم النقاش ويعقوب صروف وشاهين مكاريوس وفارس نمر وغيرهم ذوي فضل في نقل الحضارة الحديثة وخاصة بالنسبة للعلم والقصة والمسرح والمقال.
وبين مارس سنة ١٨٧١ وأغسطس سنة ١٨٧٩ ظهر في مصر فيلسوف الشرق جمال الدين الأفغاني، وقضى بها ثمان سنين، كانت من خير السنين بركة على مصر وعلى العالم الشرقي؛ "لأنه كان يغرس في الأرض بذورا تتهيأ في الخفاء للنماء، وتستعد للظهور ثم الازدهار. فكل الذي أتى بعدها من تعشق للحرية، وجهاد في سبيلها فهذا أصلها، وإن وجدت بجانبها عوامل أخرى ساعدت عليها وزادت في نموها"١.
وفي هذه الفترة بالذات، يمكن القول بأن الرأي العام المصري قد تكون، ولا شك أن إنشاء صندوق الدين سنة ١٨٧٦، وكذلك الرقابة الإنجليزية الفرنسية في نفس العام، وتأليف الوزارة المختلطة برئاسة نوبار باشا، ثم محاضرات جمال الدين الأفغاني في داخل الأزهر وخارجه، وكذلك التقاء التيار الأوروبي بالتيار الشرقي بالتيار السوري، بالتيار الذي أتى به جمال الدين الأفغاني، كل هذه العوامل قد هيأت الجو لظهور الرأي العام المصري، وتكوين العقل المصري الحديث. وفي رأينا أن هذه هي البيئة الفكرية والسياسية والاجتماعية الصالحة لظهور فن المقال بوجه عام، وفن المقال الصحفي بوجه خاص.
стр. 191
يضاف إلى ذلك أن الصحافة الشعبية الحقيقية قد بدأت في تلك الحقبة بالذات لأنه مما لا شك فيه أن جريدة وادي النيل الصادرة سنة ١٨٦٦ -في نفس السنة التي أنشأ فيها إسماعيل مجلس شورى النواب- كانت شعبية من حيث الشكل فقط، ولعل إسماعيل قد أوحى بإصدارها إلى عبد الله أبي السعود لكي يحارب بها التدخل الأجنبي والدولة العثمانية، ولكي يظهر بالمظهر الأوروبي الذي كان يفتخر به ويرنو إليه. وأبلغ دليل على ذلك أنه لم يطق جريدة نزهة الأفكار لعثمان جلال وإبراهيم المويلحي فأغلقها بعد صدورها مباشرة سنة ١٨٦٩. وأما جريدة الأهرام الصادرة سنة ١٨٧٥، وجريدة مصر لأديب إسحاق الصادرة بوحي من جمال الدين الأفغاني سنة ١٨٧٧، وجريدة التجارة لأديب إسحاق وسليم نقاش الصادرة في سنة ١٨٧٨، وجريدة التنكيت والتبكيت الصادرة سنة ١٨٨١ بقلم الصحفي الثائر عبد الله النديم -فهذه هي الصحف الشعبية الحقيقية التي فتحت صدرها لفن المقال الصحفي.
وفي أحضان تلك الصحافة الشعبية، وفي بيئة النهضة الفكرية والاجتماعية، ظهرت جرائد مصباح الشرق لإبراهيم المويلحي، والمؤيد للسيد علي يوسف، واللواء لمصطفى كامل، والجريدة لأحمد لطفي السيد، والأخبار لأمين الرافعي، كما ظهرت السياسة لمحمد حسين هيكل والبلاغ لعبد القادر حمزة، وفي هذه الصحف بلغ فن المقال الصحفي شأوا بعيد من الرقي والتقدم.
стр. 192
المقال في عصر النهضة والتنوير:
"لا بد أن تتغير بلادنا" هذه هي الصيحة التي ترددت في عصر التنوير المصري في القرن التاسع عشر. وكانت هذه الصيحة معاصرة تماما لظهور فن المقال الصحفي. ولعل منشئ هذا الفن في بلادنا وهو رفاعة الطهطاوي "١٨٠١-١٨٧٣" -صاحب تخليص الإبريز في تلخيص باريز- قد شغف بالعلوم الحديثة التي تعلمها في باريس على يد شومار وشواليه، وشهد ثورة الشعب الفرنسي ضد الملك شارل العاشر ووزيره بولنياك، فكره الحكم الاستبدادي، وعاد إلى مصر زعيما فكريا وثقافيا، ومعلما رائدا، وصاحب فضل في إنشاء فن المقال في جريدة الوقائع المصرية ومجلة روضة المدارس.
стр. 193
وفي عصر التنوير المصري، ترجم عبد الله أبو السعود صاحب جريدة وادي النيل أوبرا عايدة إلى اللغة العربية سنة ١٨٦١، وترجم ابنه محمد أنسي قصة جول بلاز١ وترجم محمد عثمان جلال صاحب نزهة الأفكار قصة يول وفرجيني وجعل لها عنوانا غريبا -وإن كان يتمشى مع لغة العصر- وهو "الأماني والمنه في حديث قبول وورد جنه". وترجم أديب إسحاق صاحب جريدة مصر وجريدة التجارة رواية أندرماك ورواية شارلمان وغيرهما.
ثم كان ظهور فن المجلة وخاصة مجلة الجنان لبطرس البستاني ثم المقتطف -التي انتقلت إلى مصر- ليعقوب صروف، واللطائف لشاهين مكاريوس، والهلال لجورجي زيدان والمشرق للأباء اليسوعيين وغيرهما من المجلات الأخرى التي أعطت لفن المقال الصحفي مجالا واسما للتطور والازدهار.
ولكن كيف تتغير بلادنا؟ هذا هو السؤال الملح الذي حاول المفكرون والمصلحون أن يجيبوا عنه في عصر التنوير. ولا شك أن "حديث عيسى بن هشام" التي نشرها المويلحي في شكل قصصي بجريدة مصباح الشرق كانت نقدا اجتماعيا غاص في أعماق المجتمع المصري، وجاء كتاب محمد فريد وجدي بعنوان "تطبيق الديانة الإسلامية على النواميس المدنية" وهو الكتاب الذي أعيد طبعه فيما بعد بعنوان "المدينة الإسلامية" دفاعا عن الإسلام، وتطهيرا له من البدع والخرفات. كما أن مقالات قاسم أمين ردا على دوق داركور الذي تعرض لذم الدين الإسلامي، وكذلك مقالات الشيخ محمد عبده ردا على هانوتو الذي هاجم الدين أيضا -كانت كلها في نفس الاتجاه الاجتماعي الإصلاحي.
ولا شك أن ترجمة أحمد فتحي زغلول لكتاب أدمون ديمولاند بعنوان: "بم تقوم أفضلية الإنجليز السكسونيين" سنة ١٨٩٩ -والذي نشر بشكل مقالات في جريدة المؤيد- على النحو الذي نشر به قاسم أمين كتابه تحرير
стр. 194
المرأة- قد أثر تأثيرا بالغا في نفوس المصريين. نحن نقرأ في مقدمة الكتاب: "نحن ضعاف أمام الغرب، ضعاف في الزراعة، ضعاف في الصناعة، ضعاف في التجارة، ضعاف في العلم، ضعاف في العزيمة، ضعاف في الألفة والمودة، ضعاف في النخوة والشعور الملي "يريد الديني"، ضعاف في الجامعة القومية، ضعاف في الخيرات، ضعاف في طلب الحقوق وأداء الواجبات، ضعاف في حفظ ما ترك الآباء، ضعاف في التحصيل، ضعاف حتى نرجو كل شيء من الحكومة.." ثم يختم كلامه قائلا "ودواؤنا في التربية وسلامتنا في نشر العلوم والمعارف".
وثمة كتاب آخر لفت نظر المستشرق هنري بيريس١، وهو كتاب "حاضر المصريين وسر تأخرهم" للكاتب المصري محمد عمر وقد صدر سنة ١٩٠٢، وكتب مقدمته أحمد فتحي زغلول نفسه، وفيه يقسم المؤلف المجتمع المصري إلى طبقات ثلاث: الطبقة الغنية، والطبقة المتوسطة، والطبقة الفقيرة، وذهب إلى أن لكل واحدة عيوبا تختص بها، وأخذ يذكر ما يره علاجا حاسما لكل عيب منها على حدة. ويتجه الكاتب اتجاها تحليليا فكريا مستعينا بالإحصاءات فيقول مثلا: "في القاهرة وحدها زاد عدد دور القمار في ثمان سنوات فقط إلى ٧٤٧٥ دار للعب، وكانت قبل ذلك ٣١٦ دارا فقط، أي أن الزيادة بلغت ٥١٦٩ دارا بالقاهرة". وقد أزعجت هذه الظاهرة جريدة المؤيد، فانبرى الشيخ علي يوسف يهاجمها، وطبع خطابات خاصة ملحقة بالجريدة، وطلب من القارئ أن ينزع الخطاب ويملأ البيانات المكتوبة ويوقعها باسمه، ويبعث بها إلى جريدة المؤيد أو إلى نظارة الداخلية، وكثرت الأصوات المطالبة بإغلاق دور القمار فاضطرت الحكومة إلى السعي حثيثا في ذلك.
وقد حركت تقارير اللورد كرومر واتهامه المصريين بالجهل والتعصب همم المصريين، وحفزتهم إلى العمل، وانبرى الكتاب يدافعون ويعلقون ويحللون، فكان ذلك نعمة على فن المقال الصحفي. فالشيخ علي يوسف مثلا يعارض اللورد كرومر في قوله إن الجامعة الإسلامية دعوة تعصب وإثارة للحروب الصليبية
стр. 195
ويعلق على ذلك قائلا: "الجامعة الإسلامية إذن ليست في الواقع إلا شعورا عاما لدى المسلمين جميعا بالظلم، وشكايات متكررة من وقع هذا الظلم، ورغبة عامة في النهوض بالأمم الإسلامية للتخلص من آثار الظلم إلى الأبد".
فلا شك -إذن- أن بيئة التنوير، وعصر النهضة الفكرية، وتفجير طاقات النقد والنقد الذاتي، والابتداع في التحليل والتشخيص، والاتجاه نحو الترشيد والعقلانية، وظهور الرأي العام المصري وتكونه من خلال الصحافة والتعليم، والتأثر بالتيارات الفكرية الحديثة، والرغبة في التغيير السياسي والاجتماعي كل هذه الظروف والعوامل قد هيأت الجو لظهور فن المقال الصحفي لأنه بطبيعته فن حضاري يزدهر في بيئة الفكر والعلم والنهضة والتنوير.
стр. 196
ماهية فن المقال:
وكلمة مقال١ ذاتها تعني محاولة٢ أو خبرة٣ أو تطبيقا مبدئيا٤ أو تجربة أولية٥. وقد رأينا أن روح عصر النهضة هي روح التجربة، والعناية بالخبرة الإنسانية، والاهتمام برأي الفرد، والإيمان بقدرته، فهناك تطابق تام بين طبيعة فن المقال، وروح عصر النهضة. فالمقال محاولة لاختيار فكرة من الأفكار، أو لتدبر رأي من الآراء، أو لتأمل اتجاه من الاتجاهات النفسية، والتعبير عنها بأسلوب سلس جذاب.
فليس المقال بحثا علميا، أو فصلا من فصول كتاب أدبي أو علمي ولا قصة ولا محاضرة من المحاضرات المنظمة ولا دراسة مرتبة ترتيبا منطقيا، وإنما المقال فكرة يتلقفها الكاتب من البيئة المحيطة به، ويتأثر بها -وفي هذا الجو الوجداني للتلقف يعبر الكاتب عن هذه الفكرة بطريقة ما، حظها من النظام قليل، وحاجته إلى الترتيب والتمحيص والتدقيق أقل، ذلك أن الكاتب لا يقصد إلى التعبير
стр. 197
بالمنطق الشكلي الجامد، وإنما بالمنطق النفسي الإنساني. فالمقال حديث يوشك أن يكون عاديا، يعرض الكاتب فيه على قرائه فكرة أو اتجاها، كما يعرض لموضوع من الموضوعات التي يزجي بها وقت الفراغ من بعض الجلساء.
أليست هذه الصفات تتطلب اعترافا بقيمة الفكر والرأي؟ أليست تتضمن احتراما لشخصية الكاتب والقارئ على السواء؟ أليست تنطوي على معنى الحرية والمناقشة والحوار؟ أنها تفتح مجالا للتفكير والمسامرة والتوجيه والإرشاد والترفيه والتسلية والتجربة والتعليم والتنشئة الاجتماعية -وهي جميعا- أهداف الفن الصحفي نفسه، كما سبق القول.
ولعل أشهر تعريف للمقال١ ما ذهب إليه الدكتور جونصون، وهو يتفق مع ما أشرنا إليه من قبل "المقال وثبة عقلية لا ينبغي أن يكون لها ضابط من نظام، وهو قطعة إنشائية لا تجري على نسق معلوم، ولم يتم هضمها في نفس صاحبها، أما الإنشاء المنظم فليس من المقال في شيء".
وفي تعريف آخر٢: "المقال هو الإنشاء المتوسط الطول، يكتب نثرا عادة، ويعالج موضوعا بعينه بطريقة بسيطة موجزة على أن يلتزم الكاتب حدود هذا الموضوع، ويكتب عنه من وجه نظره هو". وما كان المقال، الذي هو أصلا اتجاه ذاتي -عندما يكون المقال أدبيا- أو وثبة ذهنية أو وجهة نظر خاصة بصاحبها، أو مسامرة طريفة تنم على شخصية قائلها، ليجد بيئة أكثر ملاءمة من بيئة عصر النهضة. وليست كذلك مجرد صدفة أن يكون أول من يكتب في هذا الفن اثنان من أئمة عصر النهضة هما: مونتاني٣ وبيكون٤. كما وجدنا أيضا أن أئمة عصر التنوير المصري والنهضة السياسية والاجتماعية من أمثال رفاعة الطهطاوي والنديم ومحمد عبده وأحمد لطفي السيد وقاسم أمين ومحمد حسين هيكل هم أنفسهم أعظم كتاب المقال المصري.
стр. 198
مولد في المقال وخصائصه:
فليس غريبا -إذن- أن يكون مونتاني منشئ هذا الفن، وهو الفيلسوف الشاك، الذي قدر قيمة الفكر وذاتية الإنسان. وهو يذكر في مقدمة مقالاته التي صدرت في يونيو سنة ١٥٨٨: "أن ذاتي هو موضوع مقالاتي"١. وقد كانت هذه العبارة بحق إيذانا بمولد فن المقال، وثورة أدبية جديدة أحدثت انقلابا خطيرا في الموضوعات والأساليب على السواء. فالموضوعات قبل عصر النهضة وقبل مونتاني، كانت ملكا للجميع، ثابتة محددة، أشبه شيء بالمنهل العام الذي يغترف منه الأدباء والشعراء، وكانت الموضوعات محصورة في ثلاث اتجاهات هي: البطولة والشجاعة والحرب.
وأتى فن المقال -على العكس من ذلك- تعبيرا ذاتيا غير شائع، ووجهة نظر خاصة. ولا شك أن هذا الاتجاه الفردي يرتبط ارتباطا وثيقا بالاتجاه العام لروح عصر النهضة فنعتبره جزءا لا يتجزأ من هذه الروح. فكما كانت تعاليم الكنيسة مصبوبة في قوالب جامدة فثار البروتستانت -بتأثير من الفكر الإسلامي- عليها، وكما كان نظام الإقطاع محددا تحديدا متعسفا فحطمه المفكرون والطبقة الوسطى، وكما كانت ألوان فن التصوير محددة فأصر المصورون على تنوعها وتحررها، وكما كانت التقاليد الفلسفية تقاليد مدرسية شكلية، فاتجه الفلاسفة اتجاها عقلانيا حرا، وكذلك كانت الموضوعات الأدبية الآسنة سببا في ثورة مونتاني، فكان المقال -هو الآخر- تعبيرا عن الذاتية،
стр. 199
وانطلاق الذهن، فيتخذ مونتاني من نفسه موضوعا خاصة لأدبه يعبر عن رأيه واتجاهه وشعوره وإحساسه.
وقد يقال هنا أن رسائل شيشرون١ الروماني وخطبه، وخطابات سينيكا٢ إلى لوسيليوس٣ وتعاليم بلوتارك٤ الأخلاقية، والخطب والحكم العربية التي عرفت في عصر الجاهلية يمكن اعتبارها مقالات لاتجاهاتها الذاتية، ولكن هذا الزعيم غير صحيح لأنه يهمل بعض مميزات فن المقال للأسباب الآتية:
أولا: لا يمكن مقارنة هذه المؤلفات والأعمال الأدبية في تعبيرها الذاتي بفن مونتاني، فإذا كان هؤلاء قد تحدثوا عن أنفسهم، فقد كان ذلك عرضا وعلى نحو غير مقصود، وتعوزه روح الألفة، أما المقال فهو طراز فني يقصد منه اجتذاب نظر القارئ وإثارة تشوقه بالتحدث إليه مباشرة. فهو أقرب شيء إلى المحادثة المرسلة الحرة، فالكاتب يحدث صديقه القارئ على قدم المساواة دون إملاء أو استعلاء. فالفرق بين هذه المؤلفات وفن المقال، أن شخصية الكاتب في الأولى تكاد تكون مفروضة فرضا على القارئ، في حين أن شخصية كاتب فن المقال تصبح موضوعا طريفا محبوبا جذابا. وقد كان اتجاه مونتاني المشرب بالدعابة والاستخفاف وروح الألفة وعدم التكلف، والمصادقة والإيناس هو الذي أعطى لفن المقال طابعه المميز له. فهو يتحدث دون تكلف عن والده "الذي يكن له كل احترام وتبجيل"، ويقدم لنا كبار الأدباء والعلماء متحدثا عنهم بصراحة تامة ومبديا فيهم رأيه الخاص.
وهكذا أرسى مونتاني أهم قواعد فن المقال وهي نعمة المساواة بين الكاتب والقارئ التي تنم عن روح الصداقة غير المتكلفة. ومن ناحية أخرى، يكتب عن الموضوعات من وجهة نظره هو، وكأنه يعلنها مدوية: أنا مونتاني أتحدث
стр. 200
إليكم، أيها الأصدقاء، عن نفسي دون تكلف١، فنغمة المساواة التي تصطنعها الصحافة الحديثة في اليوميات وفي المقالات بعنوان "تعال معي" إنما تضرب بجذورها في القرن السادس عشر الذي عاش فيه مونتاني٢.
ثانيا: غير أن التحدث عن النفس أو الكتابة الذاتية، تستلزم في الواقع أسلوبا خاصا يتناسب معه، ويمتاز بالمرونة واليسر والبساطة وعدم التكلف لكي يعبر عن روح الألفة ونغمة المساواة، وعلى العكس من ذلك نجد أن مؤلفات القدماء من أمثال شيشرون وهوارس وبترارك، وحتى مذكرات أرازموس الهولندي قد كتبت باللغة اللاتينية، مما أفسد أهم مميزات المقال وهي صفة "العادية" أو الألفة وعدم التكلف.
ومن هنا كان مونتاني الرائد الأول لفن المقال لأنه أول من حطم الحاجز السميك بينه وبين القارئ، في المضمون والأسلوب على السواء، فاستطاع أن يعبر عن نفسه، وأن يعرض على القارئ أحاسيسة ومشاعره بصراحة ساخرة، متحدثا في موضوعات جذابة شائقة ومغامرات خاصة به، بأسلوب سلس مباشر، عادي صادق التعبير، لا تثقل فيه الزخرفة أو التنميق. وذلك يذكرنا بتطور فن المقال المصري الذي أخذ يتخلص من النشر التقليدي المحبوس في أورقة الأزهر، والموشى بالمحسنات اللفظية والبديعية، والموشح بالأشعار والحكم والأمثال، لكي ينطلق من الزخرف إلى العبارة الدالة، ومن أسار الموضوعات التقليدية إلى رحابة الموضوعات السياسية والاجتماعية العامة.
وهل كان مونتاني يستطيع الوصول وحده إلى فكرة التعبير الذاتي واحترام الفردية ونغمة الألفة وأسلوب الدعابة والخفة لولا أن هذه جميعا كانت صفات
стр. 201
عصر النهضة التي تجاوب معها القراء؟ وهل كان الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد، ومصطفى كامل صاحب اللواء، وأحمد لطفي السيد محرر الجريدة، ومحمد حسين هيكل محرر السياسة، وعبد القادر حمزة صاحب البلاغ وغيرهم أن يحرروا أسلوب فن المقال، لولا أن البيئة نفسها كانت مواتية للنهضة، ومهيأة لمعالجة الموضوعات السياسية والاجتماعية الجديدة، لما يغمرها من تيارات فكرية إسلامية وأوروبية وشرقية ومصرية؟
وهل كان مونتاني وحده يستطيع استعمال أسلوب اللغة القومية بدلا من اللاتينية، لولا أن هذه الحركة كانت أهم مميزات عصر النهضة الذي عاش فيه وهو عصر ظهور القوميات؟ وقد جاء عزوف الكتاب المصريين عن الأسلوب التقليدي متوافقا مع ظهور القومية المصرية التي تحدث عنها أحمد لطفي السيد بقوة وإقناع في "الجريدة" كما كان الاحتلال البريطاني نفسه دافعا قويا للتمسك بالقومية.
ثالثا: تعد النزعة العقلية من المميزات الأساسية لمقالات مونتاني، وسمة تميز فن المقال بوجه عام عن غيره من طرز الأدب الأخرى، والمقال اتجاه فكري أو وثبة ذهنية -كما يقول الدكتور جونصون- تعبر عن رأي صاحبها. والمعروف أن حركة العقلانية، والعزوف عن التفسير الديني أو الغيبي للحقائق والمشكلات، كانت أهم خصائص عصر النهضة الأوروبية، كما كانت أيضا أهم خصائص عصر التنوير في مصر، وقد قادها على الصعيد الأدبي الدكتور طه حسين وعلى الصعيد الاجتماعي قاسم أمين والشيخ محمد عبده نفسه، وعلى الصعيد السياسي أحمد لطفي السيد، وترددت هذه الاتجاهات العقلانية في جريدة "السياسة" بصورة رائعة.
стр. 202
خصائص فن المقال:
وينبغي على كاتب المقال ألا يسرف في عرض عواطفه عرضا مثيرا؛ لأن الاتزان والنضج والهدوء من أهم خصائص فن المقال. وإذا كان مونتاني قد اتخذ الميزان شعارا له. فإن ذلك يدل على مبلغ اهتمامه باختيار الحقائق بإنصاف وروية وهدوء واتزان. وإذا كانت المحاضرة أو الموعظة لا تتصل بفن المقال لأنها لا تلتزم بنغمة المساواة، وقد تحطم روح الألفة والصداقة بين الكاتب والقارئ، فإن الخطابة هي الأخرى ليس من فن المقال في شيء؛ لأن إثارة القارئ أمر لا يتلاءم مع طبيعة هذا الفن. لذلك نظر التاريخ إلى الشيخ علي يوسف أنه الكاتب الصحفي الذي عبر بهدوء عن أفكاره في مقالاته، فكان المؤيد يمثل عقل مصر المفكر، في حين أن الزعيم مصطفى كامل كان الخطيب السياسي الذي ألهب حماس الجماهير، فكان يمثل قلب مصر النابض. فصحافة المؤيد تؤثر في العقول وتعتمد على المنطق وتجري وراء الحجة والدليل، أما صحافة اللواء فتؤثر في العواطف، وتلهب المشاعر الوطنية، وهي من هذه الناحية أقرب ما تكون إلى الخطابة في جملتها.
وقد عبرت عن ذلك الأديبة الإنجليزية فرجينيا ولف١ بقولها: "إن المقال يجب أن يبدأ بداية تملك مشاعر القارئ، وتوقظه من سباته حتى يشارك الكاتب خبراته الشائقة المدهشة الغريبة، بل إن الكاتب قد يصطحب صديقه القارئ محلقين في عالم الخيال، أو أنهما قد يغوصان سويا باحثين عن درر الحكمة. ولكن على أيه حال لا يجوز إثارة القارئ إثارة ما ... ".
ويقول الدكتور زكي نجيب محمود٢: "حتى إذا تكاملت من هذه الخواطر المتقاطرة صورة، عمد الكاتب إلى إثباتها في رزانة، لا تظهر فيها حدة العاطفة، وفي رفق بالقارئ لا ينفر منه".
ويقول الدكتور عبد اللطيف حمزة٣ أيضا: "الهدوء: ونقصد به اعتدال الكاتب الصحفي في إظهار عواطفه للقراء، وقد سبق لنا القول كذلك أن هناك
стр. 203
فرقا من هذه الناحية بين الصحفي والخطيب. والآخر صاحب الحق في إثارة الجماهير، وتحريك مشاعرهم عن طريق الغضب أو الثورة. والأول -وهو الصحفي- لا يليق به أن يتخذ لنفسه موقف الخطيب في إقناع الجماهير، بل عليه أن يعتمد في ذلك على قدرته في الإتيان بطائفة من اللفتات الذهنية حينا، واللفتات الشعورية حينا، بحيث يتمثله القارئ رجلا هادئا".
ومن الطريف، أن الفن الإذاعي الحديث قد تأثر تأثرا بالغا بفن المقال الصحفي، فهو ينبذ اللهجة الخطابية، ويعتبرها مدمرة للفن الإذاعي الأصيل القائم على الإفضاء والمحادثة العادية الشيقة، حيث يكون المستمع للإذاعة أو مشاهد التليفزيون في خلوته أو في سيارة أو جالسا مع أسرته وأصدقائه، فيصبح الجو الخطابي المثير غريبا، ومنافيا لروح الألفة والإيناس التي هي روح فن المقال الصحفي والفن الإذاعي جميعا.
стр. 204
بيكون مؤسس فن المقال الإنجليزي:
كان طبيعيا، إذن، أن ينشأ فن المقال في عصر النهضة، وأن يظهر على يد فيلسوف شاك وإنساني مفكر شعاره "ماذا أدري؟ " وهو مونتاني، فلم يكن غريبا كذلك أن يكون منشئ فن المقال الإنجليزي أصدق الناس تمثيلا لعصر النهضة وهو السير فرانسيس بيكون "١٥٦١-١٥٦٢" المعاصر لشكسبير. وقد كلف السير سدني لي١ نفسه عناء كبيرا لكي يثبت أن ثمة علاقة كانت بين مونتاني وبيكون، ومفسرا ذلك بأن شقيق السير فرانسيس بيكون الأكبر -واسمه أنتوني بيكون-٢ عاش في مدينة بوردو الفرنسية، التي كان مونتاني يتولى منصب العمدية فيها بين سنة ١٥٨٣ وسنة ١٥٩١، وكان أنتوني يكتب خطابات إلى أخيه فرانسيس يحدثه فيها عن مقالات مونتاني.
стр. 205
ولكن هذه العلاقة العابرة وحدها لا يمكن أن تنهض دليلا مقنعا على سبب ظهور فن المقال في بريطانيا. "فمن الثابت أن مقالات مونتاني قد ترجمت إلى الإنجليزية في نفس السنة التي صدرت فيها، وذلك عندما منح التصريح إلى جمعية الناشرين١ لترجمتها ونشرها ولك -بطبيعة الحال- قبل ترجمة فلوريو المشهورة سنة ١٦٠٣ بعدة سنوات.
ولكن مجرد قراءة هذه المقالات ذاتها لا يكفي لتعليل نشأة فن المقال في بريطانيا، كما أن اطلاع رفاعة الطهطاوي على الصحافة الفرنسية ومقالاتها لم يكن كافيا لنشأة فن المقال في مصر. ولعل السبب الأصيل لظهور فن المقال الفرنسي، هو نفس السبب الذي ساعد على ظهور فن المقال الإنجليزي، وكذلك نفس السبب الذي ساعد على ظهور فن المقال المصري ألا وهو ملاءمة البيئة الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية لطبيعة فن المقال نفسه. والحق أنه ما من شخصية في بريطانيا مثلت عصر النهضة بخيره وشره تمثيلا صادقا مثل السير فرانسيس بيكون، صاحب الفضل في الطريقة الاستنباطية، ومحرر الفكر من قيود التقاليد، ومنقذ أسلوب الكتابة من قيود الغموض والإغراق في الزخارف اللفظية.
وقد كان بيكون عالما مغرما بروح التجريب والبحث والدراسة العلمية، وهي مميزات عصر النهضة الأوروبية، كما اهتم بأمور الدنيا متمتعا بلذاتها وأريج عطورها وجمال زهورها وبريق جواهرها. ثم إن فلسفة الانتهازية تعكس فلسفة ميكافيللي زعيم ساسة عصر النهضة في إيطاليا. وإذا كان الملك قد تغاضى عن وضاعة بيكون عندما امتدت يده إلى الرشوة، وانحطت نفسه إلى الوشاية والالتواء. فإن المؤرخين المحدثين يميلون إلى التغاضي عن ذلك أيضا. ولعله دأب الإنجليز عند المفاخرة بتراثهم.
غير أننا قلنا إن ظهور فن المقال يرجع إلى بيئة عصر النهضة المواتية والتي عبر بيكون بمقالاته عن روحها، فنحن لا ننكر كذلك أن بيكون قد تأثر
стр. 206
بمونتاني. وليس أدل على ذلك من أن المقال الأول الذي كتبه بيكون "عن الحقيقة"١ يحتوي على نبذة منقولة عن مونتاني، كما أن مقاله الثاني "عن الموت٢ كان من أهم الموضوعات التي كتب عنها الفيلسوف الفرنسي مونتاني.
وسواء كان التأثير مباشرا عن طريق النهضة أو غير مباشرة عن طريق مونتاني فقد كان بيكون له طريقته الخاصة في الكتابة، فهو بفلسفته التجريبية، وعقليته العلمية، كان لا بد أن يتخذ لنفسه أسلوبا يختلف عن أسلوب مونتاني الفيلسوف النظري الشاك. وبيكون عالم موسوعي المعرفة يذكرنا بأرسطو وبالجاحظ. وقد وجد هذا الفيلسوف في فن المقال خير مجال للتعبير عن أفكاره وخواطره، وإن كان قد لونه بشخصيته، وشكله بمزاجه.
وشتان بين أسلوب مونتاني الذاتي الخاص وأسلوب بيكون الذي يقترب من الحكم المتناثرة التي لا رابط بينها إلا الموضوع نفسه. ولعل هذا هو السبب الذي حدا ببعض الباحثين المحدثين إلى الزعم بأن فقر التوراة كسفر الحكمة، وسفر النساء الفاضلات تعد مقالات، باعتبار أن مجموعة الحكم حول موضوع معين تكون مقالا. وهم يضربون بذلك أمثلة مما جاء في مقالات بيكون في كتابه الأول الصادر سنة ١٥٩٧، وخاصة مقاله عن "الدراسة"٣ وكتابه الثاني الصادر سنة ١٦٢٥، وخاصة مقاله "عن الشدائد"٤.
غير أننا نتفق مع هذا الرأي لأن حكم التوراة، وتلك الحكم التي أثرت عن العصر الجاهلي، لا يمكن أن تعد مقالات. وذلك أنه فضلا عن اختلاف الأسلوب فنحن نجد أن صفة الذاتية والتعبير عن وجهة نظر الكاتب الشخصية كإنسان يروي خبرة معينة خاصة به تنعدم في هذه الحكم ذات الصبغة العامة. وعلى العكس من ذلك نجد أن مقالات بيكون، بالرغم من تناثر العبارات، تعكس نفسية الكاتب وذاتيته، وتعبر في وضوح وجلاء عن أفكاره الانتهازية التي يستحيل
стр. 207
أن تكون حكما عاما. فهو يرى -مثلا- أن الحرب نافعة ومفيدة لأنها تقوي روح الشجاعة والإقدام، وتنمي ملكات الناس وخصالهم. ويقول إنه يكفي مجرد الخوف من تسلط دولة على دولة لقيام الحرب بينهما، قبل إعلانها فعلا. وهو يرى أن غير المتزوجين هم أحسن الأصدقاء، كما أنهم خير السادة وأفضل الخدم، أما الزوجة والأولاد فأثقال ورهائن وأخطار. والبرلمانات -في نظره- هيئات استشارية، وليست حاكمة، وإذا حكم الملك وفقا للقانون، فهذا تنازل منه!
وتصطبغ هذه الآراء بصبغة الشخصية بلا شك، وإن كانت تعبر عن أحداث بعينها تعبيرا مباشرا، وتصور خبرات خاصة يرويها الكاتب للقارئ بطريقة المناجاة والإفضاء كما فعل مونتاني. ولعل السبب الذي جعل بيكون يكتب بطريقة العبارات المتناثرة هي رغبته في الابتعاد عن التكلف، أو أنه كان شديد العناية بأفكاره فكان يدونها كالمذكرات الخاصة، اعتقادا منه أنها دين عليه لا بد وأن يؤديه إلى الأجيال اللاحقة، فوجد في فن المقال قالبا صالحا لتسجيل أفكاره وخواطره، على نحو يشبه كثيرا تلك المذكرات الخاصة التي يكتبها الكاتب لنفسه، تعليقا على حادث خبره أو كتاب قرأه. ويقول ماكولي إن بيكون بلغ به الحرص على تدوين خواطره أنه أملى ذات يوم أطرف النكت التي يعرفها لأنه لم يكن ميالا للعمل الجدي بسبب مرضه، ولعل المقال الساخر -وخاصة في الصحافة- يضرب بجذوره العميقة حتى تلك الحقبة.
стр. 208
المقال بين الأدب والصحافة:
وهكذا نرى أن فن المقال قد ولد في بيئة النهضة الأوروبية، كما أنه انشعب إلى شعبتين: شعبة يغلب عليها الطابع الذاتي ويمثلها مونتاني، وشعبة أخرى تهتم بالموضوع من نواحيه المختلفة. والكتابة الذاتية تتخذ من موضوع المقال نقطة قفز إلى التعبير الذاتي، ويقول دريدن١ في مقدمة كتابه عن "القصص الخرافي": إن أهم خصائص المقدمة "وهي نوع من المقال" التجوال
стр. 209
بحيث لا تخرج عن الموضوع خروجا تاما ولا تظل مرتبطة به دائما، وقد تعلمت هذه الطريقة من مونتاني.
وتعد مدرسة مونتاني تعبيرا صادقا عن فن المقال الأوروبي، ولها أتباع وتلاميذ حتى يومنا هذا. ولا شك أن الكاتب الإنجليزي إبراهام كاولي١ "١٦١٨-١٦٦٧" يتقن فن المقال على طريقة مونتاني الذاتية، فكتب مقاله وكأنه صديق يسر إلى صديق، ويضع عنوانا له "عن نفسي" وقد جاء فيه:
"أعترف أنني أحب كل شيء صغير. فالمزرعة الصغيرة ممتعة، والبيت الصغير بهيج والأصدقاء لا بد وأن يكونوا قلائل، والوليمة الصغيرة لطيفة. وإذا قدر لي أن أعشق مرة أخرى "ولكن الحب عاطفة كبرى وعلى ذلك فإنني أرجو أن أتخلص منها سريعا" فلن أعشق إلا خفة الظل، ولن أميل إلا إلى الجمال المتواضع، لا الجمال الفاتن الجبار. والحقيقة أنني أكره العظمة والشموخ ... ".
وما أقرب هذا الفن الذاتي الرشيق من فن كاتبنا المصري إبراهيم عبد القادر المازني "١٨٨٩-١٩٤٩"، وذلك الكاتب المتواضع، خفيف الروح، وحتى عناوين مقالاته وكتبه مثل: حصاد الهشيم، وخيوط العنكبوت، وصندوق الدنيا، وفي الطريق، وقبض الريح، ومن النافذة، وع الماشي، تنبئ بتلك الروح وتعبر عنها. مثال ذلك مقدمة لكتاب صندوق الدنيا التي يبدؤها بقوله: "إلى التي منها معدني، وإليها المآل.. إلى أمنا الأرض".
ويقترب فن المقال عند الدكتور طه حسين من فن مونتاني. "فمن الصفات التي أعانته على النجاح في ميدان الصحافة صفة السهولة في التعبير، والواقعية في التصوير، والإيناس في إجراء الحديث، حتى ليشعر القارئ لمقال من مقالات هذا الأديب أنه إنما يجلس إلى صديق من أصدقائه، ويستمع إلى بعض أخواته،
стр. 210
يدور معه حيث يدور، ويدخل معه في شجون من الحديث لا يحب أن يصل إلى نهايتها"١.
وقد تلقفت الصحافة فن المقال الأدبي، واستثمرته كقالب جديد تصوغ فيه الأفكار، وتتخذ منه سلاحا ماضيا للنقد والتعقيب. وأداة فعالة للتوجيه والإرشاد. وقد أضافت مدرسة تصوير الشخصيات قوة جديدة إلى مدرستي مونتاني وبيكون، مستمدة من تحليل الشخصية وتصوير النماذج الإنسانية والاجتماعية تصويرا ساخرا فكها على طريقة ثيوفراست بأسلوب سلس جذاب، وحضور بديهة وقوة عارضة، ويذكرنا بكتابات الجاحظ في رسالة التربيع والتدوير التي أربت على خمسين صفحة من القطع الكبير، يصف فيها أحمد بن عبد الوهاب، وتفنن فيها الجاحظ ألوان كثيرة من التفنن في السخرية والنقد.
وقد نبغ في هذا الفن من كتابنا المحدثين إبراهيم المويلحي صاحب مصباح الشرق وعبد العزيز البشري في مجلة السياسة الأسبوعية، وفكري أباظة في مجلة المصور، وأحمد حافظ عوض في مجلة خيال الظل. يقول عبد العزيز البشري في وصف زيور باشا:
"الواقع أن زيور باشا رجل -إن صح التعبير- يمتاز عن سائر الناس في كل شيء. ولست أعني بامتيازه في شكله المهول طوله، ولا عرضه، ولا بعد مداه. فإن في الناس من أهم أبدن منه. وأبعد طولا، وأوفر لحما. إلا أن لكل منهم هيكلا واحدا. أما صاحبنا، فإذا اطلعت عليه أدركت -لأول وهلة- أنه مؤلف من عدة مخلوقات لا تدري كيف اتصلت، ولا كيف تعلق بعضها ببعض، ومنها ما يدور حول نفسه، ومنها ما يدور حول غيره، ومنها المتيبس المتحجر، ومنها المسترخي المترهل، وعلى كل حال لقد خرجت هضبة عالية مالت من شغافها إلى الأمام شعبة طويلة، أطل من فوقها على الوادي رأس فيه عينان زائغتان..".
стр. 211
ويستطرد الكاتب قائلا: "والظاهر أن زيور باشا برغم حرصه على كل هذه الممتلكات الواسعة عاجز تمام العجز عن إدارتها، وتوليها بالمراقبة والإشراف. وما دامت الإدارة المركزية فيه قد فشلت هذا الفشل، فأحرى به أن يبادر فيعلن إعطاء كل منها الحكم الذاتي..".
ويختتم المقال قائلا: "ولعل العضو الوحيد المقطوع ببراءته من كل ما ارتكب من الآثام هو مخ زيور باشا، فما أحسبه شارك ولا دخل في شيء من كل ما حصل"١.
ولا شك أن أسلوب السخرية الذي امتازت به مدرسة تصوير الشخصية، وهو الذي هيأ المقال لكي يكون أعظم ركن من أركان الصحافة، وخاصة منذ اكتشاف الفن في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في مصر. فقد أصبحت السخرية أمرا لازما للمقال الصحفي فلا ينبغي أن يخلو منه هذا العنصر المهم، ما دام الكاتب الصحفي في معرض النقد والتوجيه، "بحيث إذا خلا المقال الصحفي من هذه الحالة من السخرية الخفيفة أصبح لا غناء فيه"٢.
стр. 212
المقال الأدبي والمقال الصحفي:
وإذا كان عصر النهضة هو البيئة المواتية لظهور فن المقال الأدبي، فقد كان عصور التقدم العلمي، والتنوير الفكري، وتكون الرأي العام، وظهور الطبقة الوسطي التي تمتاز بعقلية واقعية، وتهتم بمشكلات المجتمع العملية من أهم عوامل ظهور فن المقال الصحفي. والواقع أن تقدم المجتمع، وتحرره من تقاليد الإقطاع، وانتصار الطبقة الوسطى التقدمية، والاعتراف بقيمة الإنسان، واحترام شخصيته، والكف عن إيلام الفرد، والبحث عن الحقيقة من أجل الحقيقة، وإجراء التجارب لغرض البحث، وإنشاء العلاقات الاقتصادية الجديدة
стр. 213
القائمة على التجارة والزراعة الحرة بدلا من الزراعة الإقطاعية، وتكوين الشركات والمصارف كل هذه العوامل الحضارية قد هيأت الجو لظهور فن المقال الصحفي.
ويلاحظ أن تطور الحماية الأدبية ورعاية الفنون عامة وانتقالها من طبقة إلى أخرى على مر العصور قد أثر تأثيرا قويا في شكل المقال وأسلوبه. فعندما كان المقال موجها إلى الارستقراطية والطبقة الوسطى المثقفة كمقالات أحمد لطفي السيد في الجريدة، ومقالات أديب إسحاق في مصر والتجارة، كان لا بد للكاتب أن يعنى بدقة اللفظ، ورصانة العبارة، وجمال الذوق في الكتابة. وعندما دالت دولة الارستقراطية بعد الثورة الفرنسية، وبعد الثورة المصرية في ٢٣ يوليه سنة ١٩٥٢، وبدأت عهود الديمقراطية، انتقلت الرعاية الصحفية إلى سواد الشعب، فكان لا بد لأسلوب الكتابة الصحفية أن يتغير ويشكل نفسه تشكيلا جديدا، يتلاءم مع عقلية السادة الجدد، وجلهم من العمال والفلاحين وصغار الموظفين.
وقد كان فن المقال الصحفي غير معروف في البداية، ولم يكن هناك فرق بين المقال الأدبي والمقال الصحفي. فكان المقال مقيدا بقيود الماضي، وبالطريقة الأدبية العالمية، حتى جاء الشيخ محمد عبده فأخذ يقترب شيئا فشيئا من لغة الصحف، ثم جاء السيد عبد الله النديم واقترب كثيرا منها، وأعانه على ذلك ميله الطبيعي إليها. وبدأت بوادر فن المقال الصحفي عند الابتعاد عن فن الأناقة الفنية المتكلفة، والزخارف المعقدة. ولم يكد ينتهي القرن التاسع عشر حتى أصبح للصحافة في مصر لغة خاصة بها، وظهر ذلك جليا في كتابات الشيخ علي يوسف السياسية في المؤيد، وكتابات مصطفى كامل في اللواء، ولطفي السيد في الجريدة، وعبد القادر حمزة في البلاغ وغيرهم من كتاب المقال الصحفي.
وفي رأينا أن فن المقال الصحفي يختلف عن فن المقال الأدبي اختلافا جوهريا، وذلك من حيث الوظيفة والموضوع واللغة والأسلوب جميعا. فمن الثابت أن المقال الأدبي يهدف إلى أغراض جمالية، ويتوخى درجة عالية من جمال العبارة، وذلك كما يتوخاها الأديب الذي يرى الجمال غاية في ذاته، وغرضا
стр. 214
يسعى إلى تحقيقه. أما المقال الصحفي فإنه يهدف أساسا إلى التعبير عن أمور اجتماعية وأفكار عملية، بغية نقدها أو تحبيذها. وهو على كل حال يرمي إلى التعبير الواضح عن فكرة بعينها. فكأن الوظيفة الاجتماعية الفكرية في المقال الصحفي تتقدم على أية ناحية أخرى كالمتعة الفنية مثلا.
حقيقة أن المقال الأدبي قد يتناول أحيانا موضوعات اجتماعية أو سياسية أو غيرها -وقد جاء هذا التطور الأدبي نفسه متأثرا بالصحافة- ولكن هذه الموضوعات لا تخرج عن كونها نقطا للارتكاز، ينفذ منها الكاتب نحو هدفه الأسمى، وهو التأثير الجمالي. وكذلك المقال الأدبي قد يكون جميلا -وهنا أيضا يبدو تأثره بالمقال الأدبي واضحا- إلا أن هدفه الأول ليس جماليا خالصا، وإنما هو بالدرجة الأولى اجتماعي فكري.
فالفرق بين المقال الأدبي والمقال الصحفي يتمثل في الفرق القائم بين الفن الجميل كالتصوير والنحت والزخرفة والشعر، والفن التطبيقي كالعمارة والأثاث والحفر وغيرها وكلاهما فن لا شك فيه، إلا أن الأول يستغل خامات اللون واللفظ للوصول إلى الجمال، أما الثاني فلا بد أن يدخل في اعتباره أمورا عملية فنية اجتماعية. فالمقال الأدبي كالفن الجميل لا يلقي بالا إلا إلى قواعد الإنتاج الفني الخالص، أما المقال الصحفي فلا بد أن يراعي أمورا متعددة كمستوى القراء وثقافتهم، وسياسة الصحيفة، وقوانين المطبوعات والرقابة والتعبير المبسط عن الأفكار المعقدة لتلائم السواد الأعظم من الشعب.
وبينما يكتب الأديب لطائفة من الناس تعشق فنه، في الوقت الذي يشاء، بغية التأثير تأثيرا جماليا، إذا بالصحفي يكتب لكل الناس، وفي كل وقت سواء راقه أو لم يرقه. ولعل أهم ما يميز الأديب عن الصحفي أن هذا الأخير يفترض دائما قارئا وهميا متوسط الثقافة عادي الذكاء، ويكتب بأسلوب يفهمه العامة ولا ينفر من الخاصة، ويتحدث إلى عقل القارئ مباشرة في وضوح ويسر، أما الأديب فلا حاجة له أن يتقيد بهذه القيود، فهو حر يكتب بالأسلوب الذي يجيده، ويتحدث بالطريقة التي يتقنها. ثم إنه غير مسئول بعد ذلك إذا عجز عن فهمه بعض الناس أو اقتصر تذوق أدبه على طائفة مثقفة دون غيرها.
стр. 215
من الأدب إلى الصحافة:
إن الأدب فن ذاتي، يتصل بالنفس البشرية، أما الصحافة، فهي فن اجتماعي يتصل بحياة المجتمع، فالمقال الأدبي يتصل بأعماق النفس والعواطف الإنسانية "فهو يعبر قبل كل شيء عن تجربة معينة مست نفس الأديب، فأراد أن ينقل الأثر إلى نفوس قرائه، ومن هنا قيل إن المقال الأدبي قريب جدا من القصيدة الغنائية؛ لأن كليهما يغوص بالقارئ إلى أعماق نفس الكاتب أو الشاعر، ويتغلغل في ثنايا روحه حتى يعثر على ضميره المكنون، وكل الفرق بين المقال الأدبي والقصيدة الغنائية هو فرق في درجة الحرارة، تعلو وتتناغم قصيدة، أو تهبط وتتناثر فتكون مقالا أدبيا١. أما المقال الصحفي فيتصل أكثر ما يتصل بأحداث المجتمع الخارجي عامة، كما يفترض وجود رأي عام يخاطبه ويتحدث إليه، وبمعنى آخر، يمكن القول أن المقال الأدبي يدخل في اعتباره عواطف الفرد ووجدانه، أما المقال الصحفي فيهتم بما يسمى "بالوجدان الجماعي".
فالصحافة مرآة تنعكس عليها مشاعر الجماعة وآراؤها وخواطرها. ومن هنا جاء تعريف أوتوجروت لها بأنها تجسيد لروح الأمة. أما الأدب فمرآة تنعكس عليها مشاعر الأديب وآراؤه وخواطره. وإذا كان المقال الصحفي يهتم بتفاصيل ما يجري من الأحداث اليومية في المجتمع، وبتسجيل الإحصاءات والأرقام التي جمعت والكلمات التي قيلت، والأحداث التي وقعت، كأنه يثبت جسم الحقيقة، فإن المقال الأدبي ينفذ إلى روح تلك الإحصاءات والأرقام والكلمات والأحداث. فالمقال الصحفي يهتم بالواقع والتفاصيل، أما المقال الأدبي فإنه يهتم عادة بالقيم٢. ولذلك فإن الفرق بين الأديب والصحفي في فن المقال هو في نزوع أحدهما إلى أعماق النفس البشرية ونزوع الثاني منزع الناقد الاجتماعي، أي أن الفرق بينهما كالفرق بين رجل يشرف على الحياة من أعلى الجبل ورجل يضطرب في الحياة نفسها، ويخالط الناس أنفسهم عند السفح.