ويستطرد الكاتب قائلا: "والظاهر أن زيور باشا برغم حرصه على كل هذه الممتلكات الواسعة عاجز تمام العجز عن إدارتها، وتوليها بالمراقبة والإشراف. وما دامت الإدارة المركزية فيه قد فشلت هذا الفشل، فأحرى به أن يبادر فيعلن إعطاء كل منها الحكم الذاتي..".
ويختتم المقال قائلا: "ولعل العضو الوحيد المقطوع ببراءته من كل ما ارتكب من الآثام هو مخ زيور باشا، فما أحسبه شارك ولا دخل في شيء من كل ما حصل"١.
ولا شك أن أسلوب السخرية الذي امتازت به مدرسة تصوير الشخصية، وهو الذي هيأ المقال لكي يكون أعظم ركن من أركان الصحافة، وخاصة منذ اكتشاف الفن في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في مصر. فقد أصبحت السخرية أمرا لازما للمقال الصحفي فلا ينبغي أن يخلو منه هذا العنصر المهم، ما دام الكاتب الصحفي في معرض النقد والتوجيه، "بحيث إذا خلا المقال الصحفي من هذه الحالة من السخرية الخفيفة أصبح لا غناء فيه"٢.
стр. 212
المقال الأدبي والمقال الصحفي:
وإذا كان عصر النهضة هو البيئة المواتية لظهور فن المقال الأدبي، فقد كان عصور التقدم العلمي، والتنوير الفكري، وتكون الرأي العام، وظهور الطبقة الوسطي التي تمتاز بعقلية واقعية، وتهتم بمشكلات المجتمع العملية من أهم عوامل ظهور فن المقال الصحفي. والواقع أن تقدم المجتمع، وتحرره من تقاليد الإقطاع، وانتصار الطبقة الوسطى التقدمية، والاعتراف بقيمة الإنسان، واحترام شخصيته، والكف عن إيلام الفرد، والبحث عن الحقيقة من أجل الحقيقة، وإجراء التجارب لغرض البحث، وإنشاء العلاقات الاقتصادية الجديدة
стр. 213
القائمة على التجارة والزراعة الحرة بدلا من الزراعة الإقطاعية، وتكوين الشركات والمصارف كل هذه العوامل الحضارية قد هيأت الجو لظهور فن المقال الصحفي.
ويلاحظ أن تطور الحماية الأدبية ورعاية الفنون عامة وانتقالها من طبقة إلى أخرى على مر العصور قد أثر تأثيرا قويا في شكل المقال وأسلوبه. فعندما كان المقال موجها إلى الارستقراطية والطبقة الوسطى المثقفة كمقالات أحمد لطفي السيد في الجريدة، ومقالات أديب إسحاق في مصر والتجارة، كان لا بد للكاتب أن يعنى بدقة اللفظ، ورصانة العبارة، وجمال الذوق في الكتابة. وعندما دالت دولة الارستقراطية بعد الثورة الفرنسية، وبعد الثورة المصرية في ٢٣ يوليه سنة ١٩٥٢، وبدأت عهود الديمقراطية، انتقلت الرعاية الصحفية إلى سواد الشعب، فكان لا بد لأسلوب الكتابة الصحفية أن يتغير ويشكل نفسه تشكيلا جديدا، يتلاءم مع عقلية السادة الجدد، وجلهم من العمال والفلاحين وصغار الموظفين.
وقد كان فن المقال الصحفي غير معروف في البداية، ولم يكن هناك فرق بين المقال الأدبي والمقال الصحفي. فكان المقال مقيدا بقيود الماضي، وبالطريقة الأدبية العالمية، حتى جاء الشيخ محمد عبده فأخذ يقترب شيئا فشيئا من لغة الصحف، ثم جاء السيد عبد الله النديم واقترب كثيرا منها، وأعانه على ذلك ميله الطبيعي إليها. وبدأت بوادر فن المقال الصحفي عند الابتعاد عن فن الأناقة الفنية المتكلفة، والزخارف المعقدة. ولم يكد ينتهي القرن التاسع عشر حتى أصبح للصحافة في مصر لغة خاصة بها، وظهر ذلك جليا في كتابات الشيخ علي يوسف السياسية في المؤيد، وكتابات مصطفى كامل في اللواء، ولطفي السيد في الجريدة، وعبد القادر حمزة في البلاغ وغيرهم من كتاب المقال الصحفي.
وفي رأينا أن فن المقال الصحفي يختلف عن فن المقال الأدبي اختلافا جوهريا، وذلك من حيث الوظيفة والموضوع واللغة والأسلوب جميعا. فمن الثابت أن المقال الأدبي يهدف إلى أغراض جمالية، ويتوخى درجة عالية من جمال العبارة، وذلك كما يتوخاها الأديب الذي يرى الجمال غاية في ذاته، وغرضا
стр. 214
يسعى إلى تحقيقه. أما المقال الصحفي فإنه يهدف أساسا إلى التعبير عن أمور اجتماعية وأفكار عملية، بغية نقدها أو تحبيذها. وهو على كل حال يرمي إلى التعبير الواضح عن فكرة بعينها. فكأن الوظيفة الاجتماعية الفكرية في المقال الصحفي تتقدم على أية ناحية أخرى كالمتعة الفنية مثلا.
حقيقة أن المقال الأدبي قد يتناول أحيانا موضوعات اجتماعية أو سياسية أو غيرها -وقد جاء هذا التطور الأدبي نفسه متأثرا بالصحافة- ولكن هذه الموضوعات لا تخرج عن كونها نقطا للارتكاز، ينفذ منها الكاتب نحو هدفه الأسمى، وهو التأثير الجمالي. وكذلك المقال الأدبي قد يكون جميلا -وهنا أيضا يبدو تأثره بالمقال الأدبي واضحا- إلا أن هدفه الأول ليس جماليا خالصا، وإنما هو بالدرجة الأولى اجتماعي فكري.
فالفرق بين المقال الأدبي والمقال الصحفي يتمثل في الفرق القائم بين الفن الجميل كالتصوير والنحت والزخرفة والشعر، والفن التطبيقي كالعمارة والأثاث والحفر وغيرها وكلاهما فن لا شك فيه، إلا أن الأول يستغل خامات اللون واللفظ للوصول إلى الجمال، أما الثاني فلا بد أن يدخل في اعتباره أمورا عملية فنية اجتماعية. فالمقال الأدبي كالفن الجميل لا يلقي بالا إلا إلى قواعد الإنتاج الفني الخالص، أما المقال الصحفي فلا بد أن يراعي أمورا متعددة كمستوى القراء وثقافتهم، وسياسة الصحيفة، وقوانين المطبوعات والرقابة والتعبير المبسط عن الأفكار المعقدة لتلائم السواد الأعظم من الشعب.
وبينما يكتب الأديب لطائفة من الناس تعشق فنه، في الوقت الذي يشاء، بغية التأثير تأثيرا جماليا، إذا بالصحفي يكتب لكل الناس، وفي كل وقت سواء راقه أو لم يرقه. ولعل أهم ما يميز الأديب عن الصحفي أن هذا الأخير يفترض دائما قارئا وهميا متوسط الثقافة عادي الذكاء، ويكتب بأسلوب يفهمه العامة ولا ينفر من الخاصة، ويتحدث إلى عقل القارئ مباشرة في وضوح ويسر، أما الأديب فلا حاجة له أن يتقيد بهذه القيود، فهو حر يكتب بالأسلوب الذي يجيده، ويتحدث بالطريقة التي يتقنها. ثم إنه غير مسئول بعد ذلك إذا عجز عن فهمه بعض الناس أو اقتصر تذوق أدبه على طائفة مثقفة دون غيرها.
стр. 215
من الأدب إلى الصحافة:
إن الأدب فن ذاتي، يتصل بالنفس البشرية، أما الصحافة، فهي فن اجتماعي يتصل بحياة المجتمع، فالمقال الأدبي يتصل بأعماق النفس والعواطف الإنسانية "فهو يعبر قبل كل شيء عن تجربة معينة مست نفس الأديب، فأراد أن ينقل الأثر إلى نفوس قرائه، ومن هنا قيل إن المقال الأدبي قريب جدا من القصيدة الغنائية؛ لأن كليهما يغوص بالقارئ إلى أعماق نفس الكاتب أو الشاعر، ويتغلغل في ثنايا روحه حتى يعثر على ضميره المكنون، وكل الفرق بين المقال الأدبي والقصيدة الغنائية هو فرق في درجة الحرارة، تعلو وتتناغم قصيدة، أو تهبط وتتناثر فتكون مقالا أدبيا١. أما المقال الصحفي فيتصل أكثر ما يتصل بأحداث المجتمع الخارجي عامة، كما يفترض وجود رأي عام يخاطبه ويتحدث إليه، وبمعنى آخر، يمكن القول أن المقال الأدبي يدخل في اعتباره عواطف الفرد ووجدانه، أما المقال الصحفي فيهتم بما يسمى "بالوجدان الجماعي".
فالصحافة مرآة تنعكس عليها مشاعر الجماعة وآراؤها وخواطرها. ومن هنا جاء تعريف أوتوجروت لها بأنها تجسيد لروح الأمة. أما الأدب فمرآة تنعكس عليها مشاعر الأديب وآراؤه وخواطره. وإذا كان المقال الصحفي يهتم بتفاصيل ما يجري من الأحداث اليومية في المجتمع، وبتسجيل الإحصاءات والأرقام التي جمعت والكلمات التي قيلت، والأحداث التي وقعت، كأنه يثبت جسم الحقيقة، فإن المقال الأدبي ينفذ إلى روح تلك الإحصاءات والأرقام والكلمات والأحداث. فالمقال الصحفي يهتم بالواقع والتفاصيل، أما المقال الأدبي فإنه يهتم عادة بالقيم٢. ولذلك فإن الفرق بين الأديب والصحفي في فن المقال هو في نزوع أحدهما إلى أعماق النفس البشرية ونزوع الثاني منزع الناقد الاجتماعي، أي أن الفرق بينهما كالفرق بين رجل يشرف على الحياة من أعلى الجبل ورجل يضطرب في الحياة نفسها، ويخالط الناس أنفسهم عند السفح.
стр. 216
والمقال الأدبي قد يكون خياليا أو مثاليا أو واقعيا تبعا لميول الكاتب وأغراضه، ومزاجه الشخصي، أما المقال الصحفي فإنه ينبغي أن يكون عقليا واقعيا، يعتمد على المنطق والأسانيد الواقعية الحسية، دون تحليق في عالم الخيال أو المثل. فالأديب حر في اختيار الموضوع الذي يشاء، أما الصحفي فهو مقيد باختيار الموضوعات العامة التي تهم أكبر عدد ممكن من القراء، تدور حول مسائل ومشكلات تهم الدولة والمجتمع.
وجمال المقال الأدبي يتحقق في ذاته لأنه لا يعتمد كثيرا على العناصر الخارجية كالظروف والمناسبات، ذلك أن الأديب يلتمس الجمال الحقيقي في العبارة عن طريق البراعة الفنية في الصياغة والأداء، أما الصحفي فعلى العكس من ذلك ترتبط كتابته دائما بالجو الاجتماعي، والظروف السياسية المحيطة به، حتى إننا لا نكاد نفهم هذه المقالات الصحفية في العصور الماضية دون الإحاطة التامة بالبيئة الاجتماعية، وخصائص العصر الذي كتبت فيه. ومن المعروف كذلك أن الآداب الخالدة، والمؤلفات الكبرى لا تتطلب في دراستها مثل ذلك العناء الذي تتطلبه القطع الأدبية التي يكتبها أدباء الطبقة الثانية؛ لأن الآداب العظمى الرفيعة تتصل بعواطف الإنسان الثابتة، وترتبط بعلاقات بشرية خالدة، أما الصحافة فإنها تدور حول أمور اجتماعية ومناسبات معينة، لذلك كانت كتابات الطبقة الثانية في الأدب والصحافة أيضا ذخيرة هامة للمؤرخ وعالم الاجتماع، تتفوق في قيمتها الاجتماعية ودلالتها التاريخية على الآداب الإنسانية الرفيعة التي يهتم بها الأدباء والنقاد وعلماء الجمال.
فبينما نجد أن الأديب يكتب ما يشاء مهما كان الموضوع دقيقا أو خياليا أو غريبا، ويحاول أحيانا أن يكتشف ما خفي عن أنظار غيره من الأدباء مستعينا في ذلك بخلق الشخصيات الخيالية والمواقف الوهمية، إذا بالصحفي مقيد بالحاضر لا يستطيع الفرار منه، وما فيه من أحداث فهو لا يستطيع أن يرخي العنان للخيال كما يفعل الأديب، ولا يستطيع أن يهمل الشخصيات الواقعية من أجل شخصيات خيالية، ولا يستطيع أن يسبح في أجواء الماضي أو يطير في خيال المستقبل كما
стр. 217
يفعل الأديب. فالصحفي مقيد بميول قرائه وسياسة صحيفته ورغبات المعلنين بل أوامر الحاكمين أيضا! ١.
والصحفي يعتمد على الواقع المحسوس، يشتق منه الدليل الذي يسوقه على صحة رأيه في مسألة من المسائل، ويتنكب طريق الأديب الذي يتسلق على كلام السابقين من مشاهير الشعر والحكمة والقصص. فالصحافة فن واقعي لصيق بالأحداث الجارية، والصحفي يشتق دليله من الحوادث، لا من بطون الكتب الأدبية أو الفلسفية، مع قدرته على الوصول إلى هذه الكتب والانتفاع بها والاستشهاد بكلام ذويها. وقد رأينا أن ديفو منشئ فن المقال الصحفي الإنجليزي، كان يجشم نفسه مصاعب الأسفار الطويلة في القرن الثامن عشر لجمع المعلومات والبيانات حتى تبنى مقالاته على الوقائع. ولا غرابة في ذلك، فإن عبقرية ديفو الواقعية هي التي حولت فن القصة نفسه من الرومانسية إلى الواقعية. وقد كان رفاعة رافع الطهطاوي منشئ فن المقال الصحفي في مصر مغرما بالرحلات، كلفا بالمشاهدات التي سجلها في "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" وكذلك في مقالاته.
стр. 218
لغة المقال الصحفي:
وكان لا بد أن يكون لفن المقال الصحفي لغته الخاصة، ذلك الأسلوب الذي وصفه ديفو بقوله: "إذا سألني سائل عن الأسلوب الذي أكتبه قلت إنه الذي إذا تحدثت به إلى خمسة آلاف شخص ممن يختلفون اختلافا عظيما في قواهم العقلية -عدا البله والمجانين- فإنهم جميعا يفهمون ما أقول".
ويقول عبد الله النديم في العدد الأول من صحيفة "التنكيت والتبكيت": إنه لا يريد منها أن تكون منمقة بمجازات واستعارات، ولا مزخرفة بتورية واستخدام، ولا مفتخرة بفخامة لفظ وبلاغة عبارة، ولا معربة عن غزارة علم وتوقد ذكاء، ولكن أحاديث تعودناها، ولغة ألفنا المسامرة بها، لا تلجئ إلى
стр. 219
قاموس الفيروزآبادي، ولا تلزم مراجعة التاريخ، ولا نظر الجغرافيا، ولا تضطر لترجمان يعبر عن موضوعها، ولا شيخ يفسر معانيها، وإنما هي في مجلسك كصاحب يكلمك بما تعلم، وفي بيتك كخادم يطلب منك ما تقدر عليه، "ونديم" يسامرك بما تحب وتهوى، وما أقرب فهم النديم لفن المقال من فهم مونتاني وبيكون له!
لقد كان أسلوب الصحافة المصرية متأثرا بأسلوب الهمذاني في إيثار السجع القصير الفقرات وهي الطريقة التي سار عليها عبد الله فكري. غير أن معظم الصحف تردى أسلوب كتابتها إلى مستوى خفيض أذهل الشيخ محمد عبده ودفعه إلى إصلاحه. مثال ذلك هذا الخبر العادي الذي نشر في جريدة الأهرام سنة ١٨٧٧: "في صبيحة يوم الثلثا من هذا الأسبوع شبت النار شبوبا مرهبا بمينا البصل في مخزن "شونة" من مخازن الوجيه جبرائيل أفندي مخلع الأفخم استيجار جناب الخواجا لورانس الذي دعى فيه كمية من القطن. لكن المخزن والقطن تحت دائرة السيكورتاه".
ويتحدث الشيخ محمد عبده عن أساليب الكتابة التي ثار عليها فيقول: كانت أساليب الكتابة في مصر تنحصر في نوعين كلاهما يمجه الذوق وتنكره لغة العرب: الأول ما كان مستعملا في مصالح الحكومة وما يشبهها، وهو ضرب من ضروب التأليف بين الكلمات رث خبيث غير مفهوم ولا يمكن رده إلى لغة من لغات العالم لا في صورته ولا في مادته.. والنوع الثاني ما كان يستعمله الأدباء والمتخرجون من الجامع الأزهر، وهو ما كان يراعى فيه السجع وإن كان باردا وتلاحظ فيه الفواصل وأنواع الجناس وإن كان رديئا في الذوق بعيدا عن الفهم ثقيلا على السمع غير مؤد للمعنى المقصود ولا منطبق على آداب اللغة العربية. ثم ورد علينا في أخريات الأيام ضرب آخر من التعبير غريبا في بابه وهو ما جاءنا من الأقطار السورية في جريدتي الجنة والجنان المنشأتين بقلم المعلم بطرس البستاني.. وبه أنشئت جريدة الأهرام في مصر١.
стр. 220
أما الأسلوب الصحافة الذي ثار عليه الشيخ محمد عبده فقد كان مزعجا حقا، فإذا ما رجعنا إلى افتتاحية العدد الأول من الوقائع المصرية وجدنا أنه عربي متترك تغلظ فيه ركاكة الترجمة الحرفية إلى درجة يمجها الذوق العربي، فإذا تجولنا بين أعداد الوقائع في عهودها الأولى وجدناها حافلة بالأخطاء اللغوية والنحوية مع ركاكة التأليف وتعثر الفكرة، حتى جاء رفاعة الطهطاوي، فألقي بعض الضوء في هذا الجو المظلم، وحتى صحيفة روضة المدارس -التي كتبت للمثقفين- كان أسلوبها ثقيلا متلبكا ركيكا، كما رأينا هذا الأسلوب نفسه في صحيفة وادي النيل -أول صحيفة شعبية تصدر في مصر.
ومن أسلوب الأهرام ما جاء سنة ١٨٧٨ تعليقا على السياسة الخارجية "مسألة شرقية وعقدة إبليسية عبث بها القلم زمنا فزادها تعقيدا فاعتيض عنها بالسيف. فيل يناظر سمكة وسمكة تباري فيلا. وكلاهما بعيدا مقرا.. ونحن بينهما هدف ترمي عليه أسهمهما فبئست حالنا"١.
والجريدة تقصد بالفيل روسيا، وتقصد بالسمكة إنجلترا، على نحو ما وصفهما بسمارك!
وقد رأينا أن الصحافة المصرية بدأت تتقدم أساليبها شيئا فشيئا منذ سنة ١٨٧٠ حيث بدأ التعليم ينتشر، والحضارة تزدهر، والعمران يتسع، والأسفار تكثر، والحياة تنتفض انتفاضة ثورية جديدة نحو التحرر. وبدأت ثمرات المفكرين من أمثال جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده ثم أحمد لطفي السيد تؤتي أكلها، وكانت قمة الأسلوب الصحفي الحديث عند الشيخ علي يوسف في صحيفة المؤيد.
وقد وصف عبد الكريم سلمان -وهو المحرر الثاني للوقائع بعد الشيخ محمد عبده- طريقة التخلص من الأساليب العتيقة بقوله: "وأما من عود نفسه على الطريقة العتيقة "طريقة القافية والتسجيع" فليس له من دواء إلا مطالعة كتب التاريخ ووسائل الإنشاء "ومنها صحف الأخبار العربية الجيدة" فإنها حاسمة لدائه، نافعة في تقدمه وترقيه إلى أعلى الدرجات في هذا الفن الجليل".
стр. 221
العلم والأدب والصحافة:
وخلاصة القول، أن الشيخ محمد عبده استطاع أن يكتشف فن المقال الصحفي، كما استطاع عبد الله النديم أن يقترب من الجماهير -ولكن من خلال العامية- أما علي يوسف فقد حقق بقلمه البداية الفاصلة بين فن المقال الصحفي وفن المقال الأدبي، فكان رائدا لمن أتوا بعده من كبار الصحفيين. مثال ذلك أن الشيخ علي يوسف -وهو صحفي بطبعه- اتخذ من مشاهدة البحر المتوسط موضوعا سياسيا تاريخيا. عالجه إذ ذاك بعقلية واقعية سياسية. وفي ذلك ما يدل على غلبة الصحافة على مزاج هذا الرجل قبل كل شيء. ولو أن كاتبا كالمويلحي أراد أن يتخذ من البحر موضوعا للكتابة لاتخذ موضوعا أدبيا خياليا خالصا، وذلك لغلبة المزاج الأدبي عليه. وقد كتب الشيخ علي يوسف هذه المقدمة وهو في عرض البحر المتوسط في طريقة إلى الأستانة وهو يقول فيها:
"إن للقطر المصري شأنا عظيما في مدينة البحر المتوسط الأولى، وفي تاريخ الديانات ووسائل انتشارها في أرجاء العالم، وفي عصور المنازعات والمنافسات بين ممالك الأدوار السابقة، وفي هذا العصر الحاضر سواء من جهة السياسة أو التجارة أو تأثير الدين".
إن الكاتب الصحفي ينفذ إلى المغزى والدلالة، في حين أن الكاتب الأدبي يهتم بالتعبير الجمالي والوصف ونقل المدركات المحسوسة. فالأديب يحاول أن ينقل لك البحر نفسه في مقاله الأدبي، أما الصحفي فلا يهمه من البحر إلا مغزاه الاجتماعي ودلالته السياسية وأهميته الاقتصادية. وقد وصف مصطفى كامل البحر١ فبدأ بتسع أبيات من الشعر، ثم أخذ يصف البحر وجلاله والباخرة وركابها وأسماها الجزيرة المتحركة والموج وهياجه والريح واضطرابها والجو وتقلبه.. فكانت صورة أدبية للبحر المتوسط تختلف عن تلك الصورة التي رسمها علي يوسف.
стр. 222
والفنان الأصيل لا يجرد الحقيقة كما يجردها الصحفي، ولكنه يدرك اللون ويعبر عن اللون، ويحيا في هذه الحياة خبرات معينة ليعبر عنها مباشرة ويقدمها في إطار جمالي دون أن يحولها إلى معان سياسية واجتماعية كما يفعل الصحفي. والفرق بين الأدب والصحافة أو بين المستوى الجمالي والمستوى الاجتماعي للغة، يقابله كذلك فروق أخرى بين كل من المستوى الأدبي والعملي والعلمي.
فجدول الماء مثلا يراه الأديب ويراه العالم. ولكن الأديب يصف شكله كما يحسه تماما ويتحدث عن ألوانه وألوان ما يحيط به من نبات وحيوان، ويصور خرير الماء أو هديره، وهدوء سطحه أو تموجاته وانكساراته على حالة الصخر، وتستطيع إذا قرأت كتابة فنية جميلة عن هذا الجدول أن تحس به، وترى أزهاره وتستمتع بضوء القمر الذي يغمره. أما العالم، حين ينظر إلى الجدول نفسه فإنه لا يرى فيه إلا جزئيات وذرات وبروتونات وإلكترونات، يراها تدور في أفلاكها المحددة ودوراتها المقدرة، ويعبر عن ذلك على أساس قوى الشد والجذب الأفقية والحركة العمودية ثم جاذبية الأرض وإشعاع الضوء وانكساره وتردد الصوت وقياسه وهكذا.. ويستحيل أن تعتبر هذه جميعا خبرات موضوعية عن جدول الماء، وإنما هي مسائل افتراضية قائمة على أسس علمية، ونظريات تصيب أو تخطئ تبعا لتطور العالم وتقدمه على توالي العصور والأزمان.
والأديب فنان يستعمل الألفاظ على النحو الذي يروقه أو يفضله على غيره، أما الصحفي فإنه يلتزم طريقة بعينها، قائمة على البساطة والوضوح، وتيسير الفهم على القارئ العادي، ولما كان الصحفي يعرض أفكارا وآراء، ويفسر اتجاهات ويشرح بيانات، فإن واجبه أن يتجنب أسلوب الأديب الذي يكون غالبا أسلوبا منمقا بالمحسنات اللفظية، موشى بالحيل البديعية، أو أن الصور البيانية تتلاحق فيه وفقا لذوق الكاتب وإدراكه لمعاني الجمال، الذي هو هدف المقال الأدبي. أما المقال الصحفي فلا يمكن أن يكون منمقا في لغته أو موشى في عباراته، ولا يجب أن تتراكم فيه الصور البيانية؛ لأنها ربما تعوق القارئ في فهمه لفكرة الكاتب في سرعة ووضوح ويسر.
стр. 223
فالصحفي يرى الأشياء من ناحية دلالتها العملية وتفسيرها الاجتماعي، حتى إن فوائد المدركات ونفعها أهم عنده من إدراكها لذاتها إدراكا فنيا خالصا كما يفعل الأديب والفنان. فالفرد العادي "ويمثله الصحفي بمستواه اللغوي العملي وبأسلوبه السريع" لا يرى الأشياء بعينه وإنما يدركها بعقله في سرعة من خلال ما تحدده له تربيته وخبرته وبيئته. أما الأديب أو الفنان فإنه يدرك الأشياء نقية خالصة. فقطعة الأرض الفضاء، مثلا، يرى فيها الفيلسوف ظواهر معينة، ويرى فيها العالم الجيولوجي مراحل وحقبا مرتبة ترتيبا زمنيا محددا، وقد يجد فيها المحارب فرصا للدفاع أو نقطة ارتكاز للهجوم، ويراها المزارع مجالا للزراعة والإنتاج والكسب. والشيء المدرك -في هذه الحالات جميعا- هو قطعة الأرض التي تتحول في غمرة الحياة الاجتماعية إلى مصالح مجردة ومنافع ذاتية. أما الأرض نفسها كشيء موضوعي له استطالته أو استدارته أو لونه أو جماله فإنها تنسى كخبرات في ذاتها، ويترجمها الإنسان العادي حالا إلى معان ويفسرها إلى أغراض. فالألوان مثلا لا ترى نقية خالصة؛ لأنها سرعان ما تستحيل إلى فوائد ودلالات: فاللون الأحمر بالنسبة للسائق لا يهمه كمدرك لوني، وإنما كمعنى للخطر. والزهرة الصفراء تعني الغيرة عند بعض الجماعات، ولكنها تدل على الأمل عند بعض القبائل الإسترالية. فاللون يكتسب معنى اجتماعيا ودلالة عملية بصرف النظر عن قيمته الموضوعية، كمدرك خالص.
وهكذا يطارد الماضي الحاضر، والمنفعة أو الدلالة تحل محل الحقيقة الموضوعية، والمغزى يمحو الواقع المحسوس، فلا يرى الشخص العادي في الأشياء إلا آمالا ورغبات وأماني ووعودا. وهذه تجعلنا نشاهد في المدركات التي نحسها طرزا ترتبط ارتباطا وثيقا بمصالحنا ومنافعنا الخاصة. أما الأشياء بشكلها الموضوعي الخالص المجرد، فلا شأن لنا بها، وإنما نرى مغزاها ومعناها، ونتائجها وآثارها، فنجد أنفسنا في النهاية غارقين في خضم ضخم من الخبرات عديمة الألوان. وما دام أسلوب المقال الصحفي هو الأسلوب العملي الاجتماعي، وما دامت طريقة الإدراك هي طريقة الرجل العادي، فإنه ينبغي على ذلك أن يكون المقال الصحفي عملي التعبير، واقعي الاتجاه.
стр. 224
الصحافة والرأي العام:
يرى الدكتور محمود عزمي أن الصحافة هي توجيه الرأي العام عن طريق نشر المعلومات والأفكار الناضجة معممة ومنسابة إلى مشاعر القراء خلال صحف دورية. ولا شك أن فن المقال الصحفي يلعب دورا رئيسيا في توجيه الرأي في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية وغيرها. وإذا صح تقسيم الصحافة إلى ثلاثة أنواع هي صحافة الجماعات١، وصحافة الجماهير٢، وصحافة الدولة أو الصحافة الرسمية٣ بحيث تعبر الأولى عن الأحزاب السياسية والنقابات والجماعات والهيئات المختلفة، بينما تنشر الثانية الأخبار سعيا وراء الربح المادي، كما أن صحافة الدولة هي لسان حال الهيئة الحاكمة، فمما لا شك فيه أن المقال الصحفي له تأثيره اللغوي القوي في مخاطبة عقول الناس وقلوبهم ووجدانهم بطريقة عادية تقرب من الإفضاء بين الصديق والصديق.
وتلعب الصحافة هذا الدور الخطير من خلال عنصر التكرار في المقالات الافتتاجية والأعمدة بوجه خاص، والصحيفة بهذا التكرار أشبه شيء بقطرات الماء التي تسقط تباعا وباستمرار على صخرة قوية، ولا بد لها يوما أن تخرق هذه الصخرة، وقد تصل إلى تحطيمها وتهشيمها في نهاية الأمر، ولسنا نذهب إلى أن الصحافة هي التي تصنع الرأي العام وحدها، بل إننا نعتقد أن الصحافة تأخذ من الرأي العام وتعطي له، تؤثر فيه وتتأثر به، تقود الشعب وتنقاد له، وتوجه الحكومات وتتلقى توجيهاتها منها..
فالصحافة -وخاصة عن طريق المقال الصحفي- تعمل على توجيه الأمة. وفي هذا المعنى قال الزعيم مصطفى كامل: "إذا كانت الصحافة في كل بلاد العام شديدة التأثير، عظيمة الفائدة، فإنها يجب أن تكون في مصر أشد تأثيرا،
стр. 225
وأكبر نفعا؛ لأن الأمم الحية غنية عن إرشاد الصحف في كثير من الشئون أما في مصر وبقية بلاد الشرق فوظيفتها أن تكون المهذبة المؤدبة، المنشطة المشجعة، القائمة مقام المجالس النيابية، حتى تترقى الأمة وتنال كل حقوقها".
والحقيقة أن الرابطة وثيقة بين الصحافة والرأي العام. فقد كان التدخل الأجنبي في مصر، واستبداد الحكم منذ تولاه محمد علي، والأزمة التي وقعت بين الخديو إسماعيل والباب العالي، وظهور الدستور العثماني سنة ١٨٧٦، وازدياد الحركة الفكرية في مصر بظهور السيد جمال الدين الأفغاني. من أهم العوامل التي أدت إلى ظهور الصحافة الشعبية والرأي العام في وقت واحد.
ومع أن التعبير عن الرأي العام كان تعبيرا كامنا في شكل جمعيات سرية مثل الجمعية السرية للضابط سنة ١٨٦٧، وهي الجمعية التي ارتبطت بالأمير حليم وانضم إليها علي الروبي وأحمد عرابي وعبد العال حلمي وعلي فتحي وغيرهم، ثم تحولت سنة ١٨٧٩ إلى الحزب الوطني -وهو غير الحزب المنسوب إلى مصطفى كامل، وانضم إليه شريف باشا وشاهين باشا وعمر لطفي باشا وراغب باشا ومحمد سلطان وغيرهم من قادة المعارضة في مجلس النواب، كما نشأت جمعية مصر الفتاة في الإسكندرية سنة ١٨٧٩، وجمعية المودة السرية لضباط الجيش، وجمعية المقاصد الخيرية وغيرها. غير أن الصحافة -وخاصة صحافة المقال- قد استطاعت أن تعبر عن الرأي العام العلني أصدق تعبير.
فليس من شك أن جميع هذه المنظمات السرية والعلنية تدلنا دلالة قوية على وجود الرأي العام، وقد استتبع ظهور هذه الجمعيات ظهور الأحزاب السياسية والصحافة الشعبية وخاصة صحف المقال. وهكذا كان الوعي بسوء الحالة والشعور بوطأة الظلم هو الذي هيأ الجو لظهور الصحف والأحزاب، وقد أعان هذا كله على نضوج الرأي العام.
стр. 226
موضوعات المقال الصحفي وأسلوبه:
ويلاحظ أن الصحافة المصرية كانت تقف موقف المعارض من السلطة الحاكمة، سواء السلطة الفعلية وهي الاحتلال أو السلطة الاسمية وهو الخديو. والحقيقة أن مقالات الصحف المعارضة تجد دائما صدى في نفوس القارئ لا تجده الصحف المؤيدة. وقد كان الشعب ينظر دائما إلى الحكومة نظرة الطير إلى الصائد لا نظرة الجيش إلى القائد، وذلك لأن أغلب الحكومات التي تعاقبت على حكم مصر لم تكن وليدة إرداة الشعب، وبالتالي لم تكن تحس إحساسا صادقا بالأمة وآمالها وتعمل على تحقيقها وعلاجها.
ولم تكن كراهية الشعب للحكومة راجعة إلى انعدام الوطنية عند الحكام في كل حين، ولكن الاستعمال حال دون الحكومات الوطنية ذاتها وخدمة الشعب خدمة حقيقية وكسب مجتمعه أو على الأقل ثقته وتجنب عداوته، حتى لقد خلق هذا الإحساس عند صحف المعارضة في كثير من الأحيان نوعا من روح البطولة والاستشهاد في سبيل الشعب ضد الطغيان.
فلم يكن غريبا أن تروج صحافة المعارضة، وأن يقبل الناس على قراءة مقالاتها السياسية، خاصة وأن المعارضة كانت تتحدث دائما على المثل العليا والأهداف السامية والآمال المرجوة، فهي متنفس للشعب الذي يتلمس فيها العزاء الروحي. وقد فطنت الصحف المؤيدة للأحزاب إلى هذه الحقائق، فأخذت تقلل من الإسراف في المديح، والمبالغة في التأييد. ولقد فطنت بعض الصحف العالمية الكبرى إلى هذه الحقيقة وراعتها حتى في منهج دعايتها الحزبية مثل صحيفة الديلي هيرالد١ التي اجتمع مجلس إدارتها بعد إنشائها بفترة وجيزة، وبعد أن لاحظ تدهور الجريدة وانكماش رواجها نتيجة لإسرافها في الدعاية الحزبية فاتخذ قرارا يقضي بأن لا تتجاوز هذه الدعاية ١٠% من مساحة الجريدة.
وعلى أثر هذه القرار انتعشت الصحيفة وراجت واطرد نجاحها حتى أصبحت من أوسع الصحف انتشارا ومن أقواها أثرا في نشر الدعاية لحزب العمال في
стр. 227
إنجلترا وفعلت جريدة المصري نفس الشيء عندما قللت من غلوائها في تأييد حزب الوفد، بل إنها ذهبت إلى حد انتقاده أحيانا أو على الأقل عدم تأييده تأييدا أعمى على طول الخط.
وقد ساعدت الصحافة المعارضة على ظهور فن المقال النزالي على الصعيد الأدبي أولا ثم الصعيد السياسي فيما بعد. فعلى صفحات "الجريدة" تناظر مصطفى صادق الرافعي عن الأدب القديم وطه حسين عن الأدب الجديد، ثم ما لبثت هذه المعركة أن انتقلت إلى صحيفة "السياسة الأسبوعية" ولعلها مستمرة حتى يومنا هذا. وتناظر العقاد مدافعا عن الأدب السكسوني ضد الأدب اللاتيني الذي دافع عنه طه حسين. وعلى الصعيد السياسي، كانت الحملات قاسية بل ضارية أحيانا، وبعض هذه الحملات أنقذ البلاد من نير الظلم، ونعني بذلك الحملة التي قادها علي يوسف ضد اللورد كرومر باسم مقالات "قصر الدوبارة بعد يوم الأربعاء". وعددها أربعة عشر مقالا، وأشهر منها مقالات مصطفى كامل ضد كرومر أيضا، وقد أطاحت به، وأبعدته عن الحكم في مصر.
ويخطئ من يظن أن المقال السياسي هو النوع الوحيد من المقالات الصحفية الذي تهتم به الصحافة، وإذا كان ذلك صحيحا بالنسبة للصحافة القديمة، فإن ذلك غير صحيح بالنسبة للصحافة الحديثة التي أصبحت موسوعية في اهتمامها ومقالاتها فهي تعنى بالاقتصاد والاجتماع والفن والأدب والرياضة والثقافة جميعا. وقد أصبح من الضروري أن يضم مجلس التحرير في الصحيفة نخبة من الخبراء والمتخصصين في السياسة والاقتصاد والزراعة والصناعة والتعليم والشئون الاجتماعية والعسكرية.
ولقد أصبح المقال الصحفي الحديث يمثل العقل الذي يفسر ويوازن ويحلل ويشرح، ولم يعد ذلك اللسان المتبرع بالمدح أو الذم وفقا للأهواء دون ما ضابط. والواقع أن المقال الصحفي أخذ يقترب كثيرا من الخبر والتحقيق الصحفي من حيث الموضوعية والدراسة، كما أن وظائف المقال أخذت تتضح في مجالات كثيرة أهمها الشرح والتفسير والتوجيه والإرشاد والتسلية والإمتاع.
стр. 228
وقد سبق القول بأن الموهبة الصحفية هي موهبة التبسيط والتجسيد والبعد عن المفاهيم المجردة. فالصحافة الحديثة لا يمكن أن تتجاهل عصر الفضاء وعصر الذرة، ولكنها لا تستطيع كذلك أن تستخدم اصطلاحات العلم المجردة. ومع هذا وذاك ينبغي للمحرر العلمي إدراك أن القارئ لا يضيره أن يقرأ لفظا علميا غريبا على مسامعه إذا دعت الضرورة إلى استعماله في المقال، بشرط أن يبسطه ويقربه إلى الأفهام. "ولا ينبغي للمحرر في هذه الحالة أن يعتذر عن استعمال هذا اللفظ، ولا أن يحاول أن يشرحه شرحا علميا مستفيضا؛ فله -مثلا- أن يستخدم لفظ الوحدة الحرارية، ولكن ليس عليه أن يشرح هذه الوحدة الحرارية من الوجهة العلمية. بل يقول مثلا: إن ثلاث قطع من السكر، أو قطعة صغيرة من الزبد تولد مائة وستين وحدة إذا كان يقوم بعمل مجهد"١.
والخلاصة أن المقال الصحفي يشتق بموضوعاته من الحياة الواقعية، وكذلك يشتق لغته من نفس تلك الحياة الواقعية، وينبغي أن يكتب باللغة التي يفهمها أكبر عدد ممكن من الشعب على اختلاف أذواقهم أو أفهامهم أو بيئاتهم وثقافاتهم، وهذه اللغة هي اللغة القومية في صورتها الدارجة وليست صورتها العامية لأنها تمتاز بالبساطة والوضوح والإيناس واللطف والرشاقة، وتنأى ما أمكن عن صفات التعالي على القراء والتقعر أو الغرابة في الأسلوب والمبالغة في التعمق الذي لا تقبله طبيعة الصحف بحال ما٢.
стр. 229
المقال بين التقليد والتجديد:
ويعتبر المقال الصحفي الافتتاحي أهم فنون المقال الصحفي، وهو فن خاص يعتمد على الشرح والتفسير والإيضاح، معتمدا على الحجج والبراهين، والإحصاءات والبيانات، للوصول في نهاية الأمر إلى إقناع القارئ وكسب تأييده. وكاتب المقال الافتتاحي ينبغي أن يكون ملما بالموضوع الذي يكتب فيه، وأن يقرأ عنه في الكتب والمجلات المصرية والأجنبية.
وليس المقال الافتتاحي تعبيرا عن الرأي الشخصي لصاحبه، وإنما هو في حقيقة الأمر تعبير عن سياسة الصحيفة. ولذلك فكثيرا ما يكون المقال الافتتاحي غفلا من التوقيع؛ لأنه منسوب إلى الصحيفة كهيئة إعلامية أكثر منه إلى الشخص نفسه. وفي الصحافة الحديثة، يختار مجلس التحرير موضوع المقال الافتتاحي، ويعهد بكتابته إلى المتخصص في ذلك الموضوع. ولم يعد المقال الافتتاحي مجرد تعبير عن الرأي بصورة قاطعة حاسمة، بل لقد أصبح هذا المقال نوعا من التحليل الدقيق المتوازن، الذي يسوق فيه الكاتب الحجج والبراهين لإثباته، في هدوء وروية. والحقيقة أن كاتب المقال في الماضي كان أشبه بالفارس الذي يخوض غمار معركة بسيفه وحصانه فهو يهاجم ويناور ويدافع، أما كاتب اليوم الذي يعبر عن مؤسسة كاملة، فإنه لا يستطيع أن يعبر تعبيرا ذاتيا أو انفعاليا، ولكنه ينقل المعاني في هدوء وروية وتؤدة.
غير أن هذا التعبير "اللاشخصي" ليس معناه الجفاف في التعبير أو الجفاء في موقف الكاتب من القارئ؛ إذ إن خاصية التبسيط في الحديث والإيناس في السرد، لا تزال أهم مميزات فن المقال الصحفي. فالكاتب يسعى لإثارة الانتباه، واجتذاب القراء، والتحدث إليهم حديث الند للند دون استعلاء. إنهما صديقان يتحدثان حديثا يهم كل واحد منهما بقدر ما يهم الآخر. والمقال الافتتاحي قائم على روح المشاركة، وهي روح الديمقراطية الحقة التي تفترض المساواة بين الجميع. ومن هنا كان هذا الفن متسما بالهدوء والابتعاد عن الاستعلاء أو الخطابة.
ذلك أن المقال الافتتاحي يهدف إلى الإقناع لا مجرد الاستمالة العاطفية. فالشواهد والأدلة والبراهين، سواء بالنصوص أو الإحصاءات أو المقارنات ضرورة لازمة للتعليق على الأخبار والمجريات. وكثيرا ما يكون المقال الافتتاحي بمثابة تعليق على الأخبار والأحداث الجارية، مع الاستشهاد -بطبيعة الحال- بأمثلة تاريخية وتقارير إخبارية، ولذلك فإن كاتب المقال الافتتاحي يعتمد اعتمادا كبيرا على الأرشيف الصحفي. وعلى مذكراته الخاصة، بالإضافة إلى ذاكرته القوية.
стр. 230
وقد كان المقال الافتتاحي في القرن الماضي يشغل الصفحة الأولى وبعض أجزاء من الصفحات الأخرى. واشتهر من كتاب المقال في بلادنا: محمد عبده، وأديب إسحاق، وعبد الله النديم، والزعيم مصطفى كامل، وأحمد لطفي السيد، وعبد القادر حمزة، وأمين الرافعي، وإبراهيم المازني، وحسين هيكل وغيرهم من أساطين الفكر والأدب والصحافة.
وفي الصحافة الإنجليزية لمعت أسماء كتاب المقال من أمثال ديفو وأديسون وستيل وجونسون وويلكيز وديكنز ولامب وبرنارد شو ووب وغيرهم. وكذلك كان كتاب المقال من الأمريكيين من ألمع رجال الفكر والسياسة والأدب ومنهم صمويل آدمز وجون آدامز وجوزيف وارن وصمويل كوبر ورالف إمرسون ووالتر لبمان وغيرهم.
وقد كان المقال الافتتاحي ينهض بمهمة القيادة والزعامة، وكان وسيلة التوجيه والإرشاد والتنشئة الاجتماعية، كما كان الوسيلة المؤثرة لتكوين الرأي العام. ولا يزال المقال الافتتاحي يلعب دورا رئيسيا في الصحافة الرفيعة أو صحافة الرأي العام المستنير كصحيفة التيمس الإنجليزية والنيويورك تايمس الأمريكية والموند الفرنسية وغيرها. بل إننا لا نبالغ إذا قلنا مقالات هذه الصحف قد تتجاوز في أهميتها وتأثيرها حدود البلاد التي تنشر فيها الصحيفة إلى بلاد أخرى.
غير أن هذا المقال التقليدي الطويل الذي قد يصل إلى أربعة آلاف كلمة مثل مقال الشيخ علي يوسف بعنوان "حفلة الوداع"١، قد أصبح اليوم مقالا قصيرا لا يزيد -بشكل عام- عن ستمائة كلمة على الأكثر. بل إن الصحف الحديثة قد درجت على تناول موضوعات متعددة في المقال الافتتاحي الواحد الذي يتخذ شكل ثلاثة أو أربعة مقالات افتتاحية قصيرة، كما تفعل جريدة التيمس الإنجليزية وصحيفة الجمهورية المصرية. ولا شك أن تنوع الموضوعات يؤدي خدمة جليلة للصحافة الحديثة، واسعة الانتشار، والتي يختلف قراؤها اختلافا كبيرا
стр. 231
في الأذواق والأمزجة. فهناك مقالات حول الرياضة وأخرى حول الفن بالإضافة إلى السياسة والاقتصاد والشئون العامة.
فكاتب المقال الافتتاحي يدرك تمام الإدراك أن صياغته للمقال ليست صياغة أدبية، ولا هي صياغة غير ملتزمة، وإنما هي صياغة ترتبط بسياسة الجريدة من ناحية، واهتمام القراء وميولهم من ناحية أخرى. لهذا نجد أن افتتاحيات الصحف الكبرى تحتوي على تعليق سياسي، وآخر اقتصادي، وثالث اجتماعي، ولا تهمل التعليق الطريف أو الخفيف الذي يقوم بالتسلية والنقد والسخرية في وقت معا.
وقد درجت الصحف الأوروبية والأمريكية الكبرى -وخاصة صحافة الصفوة- على نشر الافتتاحيات في صفحة القلب أو الصفحة الوسط كما تفعل التيمس والديلي تلجراف والفيجاور، في حين تنشر الصحف الشعبية افتتاحياتها على الصفحة الأولى إلى اليسار كما تفعل الديلي ميل والديلي إكسبريس.
стр. 232
موضوعات المقال الافتتاحي:
وقد أصبح المقال الافتتاحي في الصحف الحديثة أخباريا في جوهره، يعني أن ما فيه من رأي ومن توجيه ومن ترفيه يعتمد على الأخبار وتفسيرها واستغلالها في تأييد رأي سياسي أو آخر. ولذلك ينبغي أن يكتب المقال في حذر وعن بينة وموازنة بين المصالح المختلفة والآراء المتعارضة التي يمكن أن يمسها المقال فيرضي طائفة أو يسخط أخرى.
وكثيرا ما يتعرض محرر هذا المقال لمزالق خطره على الجريدة وقرائها حتى في القضايا البراقة التي لا يتبين الكاتب لأول وهلة ما فيها من مساس لمصالح طوائف من الشعب على حساب طوائف أخرى كقضية الإنتاج وضرورة تشجيعه وزيادته. فالصحفي غير اليقظ قد يتحمس لهذه القضية كثيرا غير مدرك ما قد يكون هناك من تعارض بين مصلحة المنتجين ومصلحة المستهلكين، مع أن المستهلكين طبقة أوسع من طبقات القراء. فتشجيع الإنتاج مثلا قد يدعو إلى
стр. 233
فرض ضرائب جمركية واقية أو مانعة، ونعني بالواقية التي يقصد منها حماية الإنتاج المحلي، ويترتب على ذلك أن يضطر المستهلك إلى أن يشتري السلع المحلية بدلا من السلع الأجنبية، مع أنها أقل جودة وأكثر ثمنا، وبذلك يضار المستهلك، وإن كان المنتج الوطني سيستفيد بالضرورة؛ إذ سيستطيع زيادة إنتاجه وتوزيع هذا الإنتاج في الأسواق المحلية على الأقل.
كما أن زيادة الإنتاج ليست هي المشكلة الاقتصادية الوحيدة التي يعانيها المجتمع، فإلى جانب الإنتاج تقوم مشكلة التوزيع ثم مشكلة التداول وأخيرا مشكلة الاستهلاك، وهذه المشاكل الأربعة: أي الإنتاج والتوزيع والتداول والاستهلاك كثيرا ما تتعارض مع مصالح القائمين بها من طبقات الشعب. فتعزيز الإنتاج مثلا قد يؤدي إلى مناصرة رأس المال ضد العمل وإلى فوز رأس المال بالنصيب الأكبر من ثمرات ذلك الإنتاج. ولذلك لا بد وأن يحسب بحساب دقيق مشكلة التوزيع، أي توزيع ثمرات الإنتاج بين العمل ورأس المال.
وليست كمية الإنتاج هي المشكلة الاقتصادية الوحيدة لأن تداول الثروات يعتبر هو الآخر أساسيا في الحياة الاقتصادية. وفي النهاية تأتي مشكلة الاستهلاك وارتباطها بعمليات الإنتاج والتوزيع والتداول. ومصالح المستهلكين قد تتعارض مع مصالح المنتجين، كما قد تتفق معها، وذلك لأن إنتاجا بغير استهلاك لا يمكن أن يستمر، ولا بد أن يصاب في النهاية بالكساد أو التوقف، ولذلك فمن مصلحة الإنتاج أن تزداد القوة الشرائية للمستهلكين وأن يكثر إقبالهم على الاستهلاك ليستطيع دولاب الإنتاج الاستمرار في عمله.
ومن هذا التحليل السريع للحياة الاقتصادية نتبين ما فيها من تيارات متعارضة ومصالح متضاربة لا بد للصحفي أن يفطن إلى كل منها، وأن يقدر عند كتابته الجمهور الذي يريد أن يرضيه أو أن يدافع عن مصالحه حتى يلقى ما يهدف إليه من استجابة.
ومسائل السياسة الداخلية يتوقف علاجها على وضع الصحافة القانوني والفعلي ومدى ما يتمتع به من حرية أو ما تخضع له من رقابة والتزامات. فالأمر
стр. 234
فيها ليس أمر رأي فحسب، بل أمر إمكانيات وإباحات ومحظورات أيضا، وهي تحتاج أحيانا إلى لباقة وتحاليل أكثر مما تحتاج إلى قوة رأي أو لسلامة قصد.
وقد يشقى بها الصحفيون شقاء مرا عندما يتعارض رأيهم مع الممكن وغير الممكن.. وقد يحملهم القراء أو المواطنون تبعات لا قبل لهم باحتمالها؛ إذ ينتظرون منهم ما لا تسعفهم به الممكنات من نقد أو توجيه أو معارضة أو تأييد، ولذلك لا تزدهر الكتابة السياسية إلا في ظل نظام تكفل فيه الحدود المقبولة لحرية الرأي والنقد والتوجيه. وفي مثل هذه الحالة تنمو الثقافة السياسية العامة للأمة بفضل الصحافة. وتتعارض الآراء وتتصارع لينتصر الأصلح في نهاية الأمر.
وأما السياسة الخارجية فقد تعقدت هي الآخرى لكثرة التيارات والمنظمات الدولية التي تعمل في العالم. ولا غنى للصحفي عن الإلمام بتلك النظم وطريقة عملها والهيئات التابعة لها واختصاصات كل هيئة ومدى تعلق مصالح بلاده بها. لأن الكثير من مسائل السياسة الدولية أصبح مرتبطا بهذه المنظمات كهيئة الأمم المتحدة بما فيها من جمعية عامة ومجلس أمن ومجلس اقتصادي واجتماعي وما إلى ذلك من وكالات متخصصة كاليونسكو ومنظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية وغيرها.
وهناك حركة التكتلات الدولية التي تسيطر الآن على سياسة العالم والتي تشعبت في اتجاهاتها على نحو لا تكاد الصحافة تنجح في ملاحقته. ففي كل يوم تنشأ أحلاف جديدة وتكتلات مشتركة متداخلة، حتى أصبحت السياسة الدولية مختلفة المعاني. وتتبع هذه الحركة يستلزم الاطلاع على الكثير من الوثائق الدولية التي تسجل هذه المواثيق. ومن حسن الحظ أن بعض شركات الأنباء أخذت تعنى بجمع هذه الوثائق ومد الصحف بها، إلى جانب نشراتها الأخبارية، وإن كانت صفحات الجرائد والمجلات كثيرا ما تضيق عن نشر هذه الوثائق، ولكن إدارات الصحف الكبرى تحتفظ بها في محفوظاتها ليستعين بها رئيس التحرير والمحررون المختصون في كتابة مقالاتهم الإيضاحية والإرشادية في السياسة الدولية.
стр. 235
محرر المقال الافتتاحي:
فكاتب المقال الافتتاحي هو ذلك الكاتب اليقظ الذي يستطيع أن ينفذ إلى مغزى الأخبار وما يحمله الخبر من المعاني والتنبوءات. وبهذه الطريقة يستطيع الأفراد -كما نستطيع الجماعات- أن تحل مشكلاتها التي تعرض لها، سواء كانت مشكلات نفسية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. ويكون الفضل في ذلك راجعا إلى الصحافة أو إلى الكاتب الذي انبرى للكتابة في الوقت المناسب.
ويرى الدكتور عبد اللطيف حمزة١ أن كاتب المقال الافتتاحي ليس كالأديب، وإنما هو شخص آخر لا يعبر عن آرائه الذاتية، بل يتقيد بآراء الصحيفة التي ينتمي إليها، أو الحزب الذي تدافع عنه الصحيفة. ولكي يكون هذا الكاتب ممتازا في هذا اللون من ألوان التحرير، يحسن أن يكون متمتعا بصفات منها:
أولا: أن يكون ذا حاسة صحفية دقيقة يذوق بها الأحداث الجارية في محيطه، والأحداث الجارية في خارج هذ المحيط. وعلى قدر حظه من هذه الحاسة دائما يكون نجاجه في كتابة المقال الافتتاحي، وخاصة في المجال السياسي.
ثانيا: أن تكون له حاسة تاريخية كذلك يستطيع بها ربط الماضي بالحاضر، وبها يستطيع أيضا أن يتكهن بالمستقبل، ومن ثم كان التاريخ عنصرا مهما من عناصر ثقافة الصحفي، وذلك ما تلاحظه معاهد الصحافة في العالم.
ثالثا: أن يكون ذا ثقافة عريضة، لا بأس أن تبدو في بعض مواضعها عميقة. فبهذه الثقافة -التي يعتبر التاريخ جزءا منها- يستطيع الصحفي
стр. 236
البارع أن يقف على المعلومات التي تمكنه من الحكم الصائب والنظر الصادق والتوجيه السليم.
وهنا نذكر -مع الأسف- أن أهم ما يميز الصحافة الأجنبية عن الصحافة المصرية إلى يومنا هذا إنما هو صفة التخصص. فالمقال الافتتاحي في صحيفة إنجليزية أو فرنسية إنما يكتبه رجل مختص في نوع الموضوع الذي يخوض فيه المقال الافتتاحي. فإن كان المقال اقتصاديا كتبه شخص اقتصادي، وإن كان سياسيا كتبه شخص سياسي.
رابعا: وهو خلاصة ما تقدم من الصفات، ينبغي أن يكون كاتب المقال الافتتاحي ذا حاسة اجتماعية مرهقة أو قدرة على الانغماس في المجتمع بالغة، وموهبة في الحديث والإيناس والملاطفة، ونحو ذلك من الخصال التي تمكنه من الوقوف على حقيقة الرأي العام.
ولم يعد كاتب المقال الافتتاحي رئيس التحرير، أو المحرر الأول كما كان الأمر في القرن الماضي والجزء الأول من هذا القرن، بل أصبح هذا المقال معبرا عن سياسة الصحيفة، كما أن اختيار الموضوع يتم في اجتماع مجلس التحرير، ثم يعهد إلى محرر متخصص أو أكثر بكتابة الافتتاحات التي قد تدور حول السياسة أو الفن أو الرياضة أو الاقتصاد أو الأدب، أو قد تكون مختارات منوعة من هذه الموضوعات جميعا.
стр. 237
فن العمود الصحفي:
نلاحظ في السنوات الأخيرة وجود الأعمدة المتعددة في الصحف الغربية عامة والصحف المصرية خاصة، وذلك لأن الصحف منذ انتشارها حتى أوائل القرن الحالي كانت تعتمد على المقال الافتتاحي، الذي كان طويلا في البداية ثم أخذ يقصر شيئا فشيئا، كما كانت موضوعات المقال الافتتاحي تدول حول موضوعات جادة في أغلب الأحيان، وإن كانت تتناول أحيانا بعض الموضوعات الطريفة غير أن الصحافة المصرية قد أخذت عن الصحافة الغريبة فن العمود الصحفي، وهو الفن الذي عرفته أوروبا وأمريكا بعد انتشار الصحافة الشعبية أو الصحافة العامة. فقد كانت أوروبا مقسمة في مجتمعاتها إلى طبقتين اجتماعيتين: طبقة عليا وطبقة دنيا تمثل عامة الشعب، وكانت الطبقة الأولى تسيطر على شئون السياسة والاقتصاد. وكذلك على فنون الأدب والمعرفة، ولم تكن للطبقة الشعبية أية إرادة. وقد رأينا أن الصحافة في بدايتها كانت تهتم بشئون الطبقة العليا، وترعى مصالحها، ولا يلقي بالا للطبقات الشعبية، وذلك في مرحلة الصحافة الرسمية، والصحافة الحزبية.
حتى إذا تطور المجتمع بعد الانقلاب الصناعي، وظهور الطبقة الوسطى، ثم طبقات العمال والفلاحين الذين اعترف بقيمتهم، استلزم الأمر ظهور أفكار اجتماعية وظواهر نفسية ترمي إلى تكتل الشعب في فئات متعددة كالنقابات والهيئات والفئات. لم تعد الرابطة التي تربط المجتمع رابطة تسلط طبقة عليا على طبقة دنيا. بل ظهرت روابط متعددة ثقافية وفنية وعمالية وروحية وما إلى ذلك من روابط اجتماعية ظهرت بظهور الترابط الاجتماعي متعدد الوجوه. لذلك بدأت الصحافة تتجاوب مع الطبقات الجديدة في المجتمعات المختلفة، وقد ساعد على ذلك ظهور ما يسمى بالصحافة المستقلة، التي ابتعدت عن السياسات الحزبية، وعن التملق الرسمي للسلطة، وأخذت تعتمد على الإعلان والتوزيع كموردين أساسيين لها. وفي تلك الفترة بدأ اهتمام الناس بالرياضة والفن والأدب الشعبي وغيرها من الموضوعات، كما أخذ المجتمع يخدم المرأة، ويقدر الطفل ويعطي له مكانته الطبيعية باعتباره رجل الغد وقائد المستقبل.
عندئذ تغير قراء الجريدة، وتعددت أذواقهم ومشاربهم ومستوياتهم، ولم يعد أبناء الطبقة العليا وحدهم قراء الصحف، بل أصبح الشعب بفئاته المختلفة -طبقيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا- هم قراء الصحف. وهكذا دخلت الصحافة حياة الناس، وتحولت من مجرد معلم إلى صديق، وكان لزاما عليها أن تتطور وأن تغير من أسلوب تحريرها واختيار موضوعاتها، وبدأت المقالات التي تهتم بمصالح الأفراد والجماعات المتعددة المذاهب والاتجاهات والأهداف. فنشأ فن المقال الافتتاحي القصير ثم فن العمود الذي أخذناه عن الصحافة الغربية.
стр. 238
فقد نشأت الأعمدة أولا في أمريكا سنة ١٨٢٣، بعد استقرار الأحوال في والولايات المتحدة، فأخذت كل ولاية تعنى بمشاكلها الخاصة. وقد وجدت الأعمدة صدى لدى القراء، وعرفت في إنجلترا وفرنسا بعد ظهور الصحافة الشعبية زهيدة الثمن في منتصف القرن التاسع عشر. وكانت الأعمدة تتوخى الحديث إلى القارئ كصديق، وبلغ كتاب الأعمدة في أمريكا سبعة آلاف كاتب. كما ظهرت وكالات متخصصة في نشر الأعمدة مثل وكالات الأنباء. وقد بدأ هذا النوع الجديد من المؤسسات في الظهور بأمريكا منذ الحرب الأهلية الأمريكية سنة ١٨٦١، وهي تزيد الآن عن مائتين وخمسين مؤسسة١. ومن أشهر هذه المؤسسات مؤسسة ماكلور٢، التي كانت في أول أمرها توزع حوالي خمسة آلاف كلمة في الأسبوع، ثم لم تلبث أن بلغ ما توزعه ثلاثين ألف كلمة في الأسبوع.
وهناك مؤسسة بوك الصحفية التي كانت تنشر العمود الأسبوعي للكاتب الأمريكي هنري وارد بيشر تعليقا على الأخبار. وقد رأت مؤسسة بوك أن خير وسيلة لجذب النساء لمطالعة العمود الصحفي أن تنشر عمودا خاصا بالأطفال ضمن الأعمدة التي تنشرها، وتبيع حق نشرها لجميع الصحف التي تطلب ذلك. ويؤخذ مما تقدم أن هناك مجالا إنسانيا كبيرا تسبح فيه الأعمدة الصحفية، وأن العمود الصحفي الإنساني هو الذي يمكن توزيعه على أكبر عدد ممكن من صحف العالم. ونحن نعلم أن الصحافة عمل اجتماعي محلي النزعة، ولكن العمود الصحفي بطابعه الإنساني يستطيع أن يصل بالصحافة إلى مرتبة الأدب؛ لأنه يتجه دائما إلى النفس البشرية، وإلى الاهتمامات العامة.
стр. 239
أسلوب العمود الصحفي وموضوعاته:
ومقال العمود حديث شخصي يومي أو أسبوعي لكاتب معين يوقعه باسمه وتحت عنوان ثابت مثل "نحو النور" أو "ما قل ودل" ويمكن أن نطلق عليه اسم النبذة اليومية أو الأسبوعية أو الكلمة الشخصية. ومن الطريف أن بعض الأعمدة في الصحف الإنجليزية تحمل اسم كاتبها في العنوان مثل عمود الفيلسوف الإنجليزي "دكتور جود"١ الذي ينشر تحت عنوان يحمل اسمه بخط كبير فيجتذب الناس على أساس قلم الكاتب نفسه. والغاية الأساسية من العمود هي ربط القارئ بالكاتب وبالصحافة لإرشاده وتسليته وتثقيفه بمادة خفيفة الظل. ويعتبر العمود رأيا شخصيا وكتابته ذاتية. ولذلك نرى كاتب العمود يختلف أحيانا في وجهة نظره عن سياسة الصحيفة في موضوع ما، ولا غبار عليه في انتهاج هذه الخطة.
غير أن بعض علماء الصحافة مثل ليبلنج٢ يرى أن كاتب العمود لا يختلف عن كاتب المقال الافتتاحي؛ لأنه يعرض وجهة نظر الصحيفة لا وجهة نظره هو، على أن معظم الصحف، ومنها صحف كبرى في العالم تؤثر إعطاء الكاتب حرية كافية للتعبير عن رأيه الشخصي في العمود الصحفي. ولكي يكون العمود الصحفي ناجحا ومقروءا، ينبغي ألا يهمل عاملا هاما، وهو اتصال الموضوع بالقارئ، من قرب أو بعد، فإن القارئ يشعر بالموضوع الذي يتصل به أكثر من الموضوع العام الذي لا يتصل بحياته اتصالا مباشرا أو غير مباشر.
وقد يتخذ العمود شكل سؤال وجواب، فيعرض الكاتب لسؤال القارئ، وقد يذكر اسمه أو يشير إليه بالأحرف الأولى، وفقا لرغبة صاحب السؤال، ثم يجيب على ذلك السؤال بما يرى، على أن اختيار كاتب العمود للأسئلة التي يوردها للقراء والإجابة عليها ينبغي أن يراعى فيها أن تكون ذات صفة عامة غالبا، أو إنسانية حتى يجد القارئ أنها ذات فائدة له، أو قد يكون العمود عرضا تحليليا لرسالة وردت إلى محرر العمود، وفي ذلك ما يجعله موضعا للنقد من القراء أنفسهم إذا لم يوفق إلى عرض تحليلي للرسالة أو الإجابة عن الأسئلة إجابة صحيحة.
وكثيرا ما يتضمن الرسائل الواردة موضوعات يمكن أن تكون ذات صبغة إنسانية، ومثل هذه الموضوعات ينبغي أن تبذل لها عناية أكبر من المشاكل
стр. 240
الخاصة لبعض القراء، والسبب في ذلك راجع إلى عامل نفسي وهو أنه كثيرا ما يحس القارئ بالشعور الذي ينتاب صاحب الرسالة إذا وقع في هذا المأزق أو الورطة التي لم يجد لها حلا، مما دعاه إلى أن يستفتي محرر العمود، وكثيرا ما يتصور القارئ نفسه مكان زميله القارئ الآخر في مشكلته فيحس بإحساسه، ولذلك وجب على كاتب العمود مراعاة ذلك كله عند كتابته حتى تكون هناك صلة أوثق بينه وبين قرائه وهو الأمر الذي تحرص عليه الصحيفة كل الحرص١.
ويصور العمود شخصية الكاتب وأفكاره وأحاسيسه وتأملاته، والكاتب يعتبر القراء بمثابة أصدقائه حين يفضي إليهم بكل ما خطر على باله أو ما يجيش في صدره من أفكار دون تكلف، ولا يضع كاتب العمود نفسه موضع المعلم أو الناصح أو المؤدب أو المترفع أو المتعالي، وإنما يخاطبهم مخاطبة الزميل لزميله أو الند للند. وكاتب العمود لا يتعمق في البحث كما يفعل المتخصصون، وإنما هو يكتب على سجيته كمواطن صالح مندمج في حياة الناس، وشاعر بآمالهم وآلامهم ومحاسنهم وعيوبهم، وعارف بمقاييس الخير والشر، كما أنه عارف بموازين الحق والباطل وبمعايير القبح والجمال، يستطيع أن يتهكم ويسخر في موضع التهكم والسخرية، ولكن بعبارات غير جارحة وإن كانت لاذعة.
ويمتاز العمود الصحفي بخفة الظل وسهولة الأسلوب، واستخدام الصيغ الاستفهامية والاستنكارية والتعجبية، كما أنه يمزج التعبير بالتهكم والسخرية مع الحكم والأمثال المتداولة، والنكات اللاذعة والاقتباسات الدالة، والنقد البناء. وبالرغم من أن العمود لا يتسع لأكثر من الكلام عن فكرة واحدة، أو خاطر واحد، فإن كاتبه مضطر كذلك -بحكم الحيز الذي خصصته الصحيفة للعمود- أن يوجز في عبارته، وألا يجنح إلى الإسهاب في هذه العبارة.
стр. 241
فن اليوميات الصحفية:
ومقالات "اليوميات" قريبة الشبه جدا من روح فن العمود من حيث التعبير الشخصي الذي ينم عن تفكير صاحبه، وروح المذهب الذي يعتنقه، ونظرته إلى الحياة، سواء كانت روحه ساخرة أو متواضعة أو مغرورة أو متكبرة. وقد تتناول اليوميات نقدا سياسيا أو اجتماعيا، والكاتب هنا يعبر عن وجهة نظره هو لا وجهة نظر الصحيفة.
ويرى بعض علماء الصحافة١ أن المحرر الصحفي ينبغي أن يترك آراءه الخاصة عند باب غرفة التحرير، ويخلعها دائما كما يخلع معطفه عند هذا الباب حتى إذا ما انتهى عمله، وعاد إلى معطفه عادت إليه آراؤه الخاصة التي يمكنه أن يحتفظ بها لنفسه. غير أن هذا الرأي لا يمكن أن ينطبق على كاتب اليوميات بصفة مطلقة، وذلك لأن اليوميات أشبه بالمقال الأدبي من حيث العناية باختيار الألفاظ، والاحتفاظ بطلاوة الأسلوب، بل لعلها أقرب إلى مقالات الاعترافات، بصفة خاصة، فهي تقدم صورا نابضة بالحياة، زاخرة بالمعاني. وهي تتطلب سيطرة تامة على اللغة والتعبير بالأسلوب السهل الممتنع، ولا شك أن طواعية اللغة لا تتيسر إلا للعارفين بها، والقادرين عليها.
ولعل الطريقة الجاحظية في الكتابة بخصائصها المعروفة من حيث الإسهاب والاستطراد واتساع العبارة وجذب القارئ وسحبه بلطف ومهارة، والقدرة على أن تؤدي أفخم المعاني بأيسر الألفاظ، والعناية بجرس اللفظ وموسيقى العبارة -كل هذه الخصائص تنطبق على فن اليوميات الحديثة.
وتقول باترسون٢ في مقدمة كتابها عن فن المقال الصحفي أن قراءة المذكرات واليوميات محبوبة لأنها تدور حول قصص وأحداث تعتبر أقرب إلى الواقع منها إلى أي شيء آخر. وقد يعترف الكاتب بأخطائه وبإخفاقه في بعض مراحل حياته، ولكنه يعلل لهذا الإخفاق، فيكون الضعف البشري موضوعا للمعالجة الفنية. وقد تتعرض اليوميات لبعض فئات المجتمع ولحالات غربية من حالاته أو بعض الأوضاع الشاذة. ولا شك أن ذلك يعود بالفائدة على القارئ،
стр. 242
ويساعده في حياته الخاصة، وسلوكه مع الأفراد والجماعات؛ لأنه يقتدي غالبا بكاتب هذا النوع من المقال في طريقة تغلبه على الصعاب.
ومن مميزات "اليوميات" تنوع موضوعاتها التي تصور الحياة الإنسانية بمعناها الواسع بخيرها وشرها، وتخلب العقل البشري والوجدان الإنساني، إلى جانب أنها قد تعالج السياسة والاقتصاد والمال والشئون الاجتماعية والعائلية. ويشترط في كاتب اليوميات أن يكون معروفا للناس من قبل بمؤلفاته أو بتقاريره الصحفية أو باتصالاته أو بأحاديثه في الإذاعة والتليفزيون أو بإنتاجه الأدبي، فكاتب "اليوميات" لا بد وأن يكون معروفا لدى القراء، الذين يتهافتون على قراءة يومياته لما تتصف به من خصائص الصدق في التعبير، والقدرة على التحليل النفسي. ويلاحظ أن كاتب اليوميات الناجح لا يكون منطويا على نفسه، بل كثيرا ما يكون منبسط النفس١، غير معقد، يستطيع أن يرفع التكلف بينه وبين القارئ، ويعرض أفكاره في بساطه ويسر. وما أقرب أسلوب اليوميات الصحفية من أسلوب مقالات مونتاني الذاتية الأولى التي ظهرت مع عصر النهضة الأوروبية! وهكذا نجد أن ثمة علاقة وثيقة بين فنون المقال منذ نشأتها الأدبية الأولى حتى تطوراتها الأخيرة في مقالات اليوميات الصحفية.
стр. 243
الباب السابع: فن الإخراج الصحفي
مدخل
...
الباب السابع: فن الإخراج الصحفي
لا يتحقق الفن الصحفي بالتحرير وحده أو بالصور فقط ولا بهما معا، وإنما يعتبر تصميم الصفحات وطريقة عرض الموضوعات وأساليب تنظيم المواد الصحفية من أخبار ومقالات وتحقيقات وإعلانات وصور ورسوم كاريكاتير وغيرها، جزءا مكملا للفن الصحفي. ولا يرمي الإخراج الصحفي إلى أغراض جمالية بحته؛ لأنه فن تطبيقي يحقق أغراض الصحافة الناجحة من حيث الوضوح والدقة والصدق في التعبير ويسر القراءة، وجاذبية الصحيفة للقراء١. وإذا كان التحرير يمثل المعنى أو المضمون. فإن الإخراج يمثل المظهر أو الشكل، غير أن العلاقة بينهما وثيقة، فلا بد للشكل أن يعكس المضمون بأمانة وصدق وجاذبية.
ويهدف الإخراج الصحفي إلى تحقيق أربعة أهداف رئيسية هي: الارتفاع بالانقرائية، وهي قابلية الصحافة لكي تكون مقروءة في يسر وسهولة دون أي عائق، وعرض الموضوعات المختلفة بطريقة تتفق مع أهميتها سواء بالنسة لحجمها أو عناوينها أو ترتيبها في أجزاء الصفحة الواحدة، وكذلك تصميم الصفحات بأساليب جذابة ومشوقة، ومحققة للمعاني المستهدفة، على أن يتم ذلك كله بطريقة مدروسة تخلع على الصحيفة سمات محددة تكون شخصيتها، وتميز
стр. 244
ملامحها، فيعرفها القارئ من أول وهلة، ويكون معها ما يشبه الصداقة والألفة، حتى إنه يؤثرها على غيرها، ولا يرضى عنها بديلا.
فالحروف والأنماط "الكليشيهات" هي العناصر الأولية أو المواد الطباعية التي يستخدمها المخرج الصحفي -أو سكرتير التحرير الفني- لتكوين صفحات جريدته أو مجلته. فإذا جاز لنا أن نشبه خطوات الإنتاج بإحضار مواد البناء كالطوب والأحجار والحديد والبلاط وغيرها، كان الإنتاج الصحفي الأول هو إعداد الحروف والصور والرسوم والإعلانات والموضوعات. ثم يقوم المخرج الصحفي بالإشراف على عملية بناء الصحيفة أو إخراجها وفقا لخطة يضعها مقدمة -وفقا لأسس فنية وعلمية- كما يضع المهندس الإنشائي والمهندس المعماري خطة البناء قبل تشييده.
وقديما كانت عملية الإخراج مماثلة تماما للنظم المتبعة في إخراج الكتب، بل إن الصحف نفسها كانت تسمى كتب الأخبار١ وكان يطلق على الصحفي نفسه اسم المؤلف٢، وظلت فكرة الناس عن الصحيفة مماثلة لفكرتهم عن الكتاب، فلم يكن غريبا أن تظهر الصحف بمظهر الكتب من حيث الإخراج والتبويب وطريقة الطبع وأسلوب الكتابة والتحرير وغير ذلك. فقد وجدنا مثلا أن رئيس التحرير كان يوقع باسمه في ذيل العمود الأخير من الصحيفة مثل أحمد عبد الرحيم أو عبد الكريم سلمان في الوقائع المصرية، وعبد الله النديم في التنكيت والتبكيت والطائف والأستاذ. وكان طبيعيا أن ترتبط فكرة الإخراج الصحفي بطريقة إخراج أقدس الكتب وأحبها إلى المخرج الصحفي ألا وهو القرآن الكريم. فإذا أراد الطابع أن يتأنق، أخرج الصحيفة في إطارات مزخرفة زخرفة إسلامية كالتي تستعمل في طباعة المصحف الشريف، كما يتضح من إخراج بعض أعداد الوقائع المصرية٣.
стр. 245
وليس أدل على التمثل بين مفهوم الصحيفة ومفهوم الكتاب من أن بعض الصحف والمجلات مثل الأستاذ، والتنكيت والتبكيت، والقطر المصري "التي كان يصدرها أحمد حلمي" وغيرها كانت تتسلسل أرقام صفحاتها من نهاية آخر صفحات العدد إلى بداية العدد التالي، على اعتبار أنها تكون في مجموعها كتابا واحدا متصلا. فلم يكن غريبا إذن أن يكون إخراج هذه الصحف الأولى مماثلا تماما لإخراج الكتب من حيث التبويب ونظام الأعمدة والصفحة الأولى أو الغلاف. وقد دأب المخرج الصحفي على وضع محتويات الصحيفة داخل إطار أسود أن نصف أسود أو ثلث وثلثين أو مزخرف أو مزدوج. وكان المحرر يستعمل عبارات للتقديم أو الافتتاح كالتي تستعمل في الكتب تماما، فهو يبدأ باسم الله الرحمن الرحيم أو بكلمة "تمهيد" أو "مقدمة" أو "استفتاح"١ غيرها.
وكانت هذه الصحف التي صدرت في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين تستخدم الحروف الكبيرة في الطباعة؛ إذ يتراوح حجم الحرف بين ستة عشر وأربعة وعشرين بنطا لصلب المادة الصحفية، وستة وثلاثين بنطا للعنوان. ويتضح من ذلك مرة أخرى أن هذه الحروف هي التي تستعمل أيضا في طباعة الكتب. ولم يكن هناك أي تنوع في أحجام الحروف كالذي نشاهده في الصحافة الحديثة، وكانت الموضوعات ترتب ترتيبا مسلسلا دون تقديم أو تأخير، وهذا هو طابع الكتب.
стр. 246
مولد الإخراج الصحفي:
والواقع أن هذا الأسلوب القديم في الأخراج كان مناسبا تماما لوظيفة الصحافة في مستهل ظهورها. وقد رأينا أن الصحافة بدأت رسمية حكومية، ثم اهتمت بالنشرات الإعلانية والاقتصادية لخدمة التجار، ثم تطورت بعد ذلك فأصبحت أدوات حزبية يستخدمها الساسة كأبواق للدعاية. وهكذا بقيت الصحافة محصورة في بيئات الطبقات الحاكمة من الساسة والتجار والخاصة من المثقفين. ولذلك لم يكن غريبا أن يظل الإخراج الصحفي وثيق الصلة بالكتاب، لا يحفل كثيرا بالعناوين، ولا يهتم بطرق استمالة القارئ واجتذابه. وذلك أن قراء الصحف -وهم قلة من المثقفين وأصحاب المصالح- كانوا يسعون إلى الصحافة سعيا، وكانت هي الأخرى تبدو في مظهر يليق بهذه الطبقات من الوقار والجد والاحتشام.
وفي أواخر القرن الثامن عشر بدأت الثورة الصناعية في أوروبا وأخذت تنتقل إلى شتى بقاع العالم، كما انتشرت بذور الديمقراطية ثم الأفكار الاشتراكية وما تضمنته من احترام للشعوب، واعترفت الدول بواجباتها الاجتماعية وحملت على عاتقها مهمة تثقيف الناس وتعليمهم والمحافظة على صحتهم، والارتفاع بمستواهم، وتحقيق أسباب الرفاهية لهم. فكان لا بد للصحافة أن تتأثر بهذه التيارات الجديدة، وتتوسع في وظيفتها لتخدم هذه الطبقات الناشئة، كما كانت تخدم الارستقراطية والطبقات الوسطى من قبل.
وهكذا ولدت الصحافة الشعبية لكي تساير العصر الجديد، وتتوجه إلى الكتل الشعبية التي تعد بالملايين. فرأينا في أمريكا -مثلا- صحفا جديدة زهيدة الثمن كصحيفة نيويورك صن١ وغيرها من الصحف التي بدأت في الظهور بعد سنة ١٨٣٠ واهتمت بالأخبار الخفيفة والحوادث الطريفة إلى جانب عنايتها بالنواحي السياسية والتجارية والاقتصادية الجادة. وحدث في بريطانيا نفس الشيء بعد إلغاء الضرائب على الصحف سنة ١٨٥٥ فظهرت صحيفة ديلي تلجراف٢ سنة ١٨٥٨، وصحيفة ديلي نيوز٣ سنة ١٨٦٨ وصحيفة ديلي كرونكل٤ سنة ١٨٧٧ وغيرها كثير. وكانت كلها صحفا زهيدة الثمن تباع ببنس واحد أو بنس ونصف بنس. وفي فرنسا ظهرت صحيفة "لابريس" في سنة ١٨٣٦، كما ظهرت صحيفة "لوسيكل" في نفس السنة، وهما من الصحف زهيدة الثمن أيضا.
стр. 247
وكان لا بد للصحافة الشعبية الجديدة أن تغري القراء بوسائل جديدة في الإخراج تتمشى مع مضمونها المتنوع. وقد اكتشف الصحفيون في أواخر القرن التاسع عشر أن الإخراج الصحفي القديم الذي كان يتناسب مع الموضوعات الجادة وطبقة القراء من الخاصة، لا يمكن أن يأتلف مع المضمون الأخباري المتنوع والموضوعات الخفيفة.
وفي سنة ١٨٩٠ بدأ أخطر انقلاب في فن الإخراج الصحفي، وكان يتجلى على وجه الخصوص في كل من صحيفة ورلد١ التي أصدرها بولتزر٢ وصحيفة جورنال٣ التي أصدرها هيرست٤ بمدينة نيويورك. وكان من أمارات هذا الانقلاب ظهور العناوين الكبيرة المنتشرة "المانشيت" على عرض الصفحة أو على عرض بضعة أعمدة. والتوسع في نشر الصور والرسوم، والمبالغة في الأخبار المثيرة من حيث التحرير والإخراج حول الحرب الإسبانية الأمريكية، وما لبث النقاد أن أطلقوا عبارة "الصحافة الصفراء" على هذه المحاولات الجديدة في الإثارة والمبالغة والإسراف في العناوين، والابتذال في العرض الرخيص.
وفي ٢٨ يناير سنة ١٩٠٤ نجحت تجربة نورثكليف الثانية عندما أصدر صحيفة ديلي ميرور٥، وكانت بحق أول تطبيق لفن الإخراج الصحفي الحديث بالنسبة للصحافة الخفيفة المصورة. وحقيقة أنه كانت هناك محاولات أخرى سابقة ظهرت في كل من صحيفة "الستراتيد" لندن نيوز٦، وصحيفة ويكلي جرافيك٧ وصحيفة ديلي جرافيك٨، ولكنها كانت جميعا نماذج تقليدية لا جديد فيها، ولم تستطع اجتذاب القراء كما اجتذبتهم صحيفة ديلي ميرور.
وظلت طريقة نورثكليف هي الطابع لعام لفن الإخراج الصحفي حتى سنة ١٩٣٣. وفي هذه السنة تولى آثر كرستيانسن٩ رئاسة تحرير صحيفة
стр. 248
ديلي إكسبريس١، فرأي بثاقب فكره وعظيم عبقريته أن طريقة نورثكليف مقيدة بنظام الأعمدة، وأنها بذلك تكبل نفسها وتحد من حرية المخرج الصحفي في العرض. ولأول مرة في تاريخ فن الإخراج الصحفي نجد أن كريستيانسن كان ينظر إلى الصفحة على أنها لوحة بيضاء يعرض عليها من المواد الصحفية ما يشاء دون التقيد بالأعمدة. وهكذا تحرر فن الإخراج الصحفي من أغلال الأعمدة، وأصبح المجال متسعا أمام المخرج والمصور والفنان لإخراج الصحيفة بصورة جذابة، تغري القارئ بشرائها واقتنائها.
ثم تطور أسلوب الإخراج الأفقي بعد ذلك تطورا كبيرا يختلف تمام الاختلاف عن الأسلوب العمودي التقليدي، وطبق تطبيقا مبتكرا في الصحف النصفية٢ التي أخذت تنتشر انتشارا كبيرا في أوروبا وأمريكا وغيرها.
стр. 249
شكل الصحيفة المصرية وإخراجها:
وقد تطور الصحفي مصر تطورا كبيرا منذ نشأة الصحافة حتى الآن. فكانت الوقائع المصرية -مثلا- في بدء صدورها لا تحتوي إلا على عمودين فقط في صفحتها الأولى، وكانت تصدر في الحجم النصفي، وتخلو من العناوين خلوا تاما، فإذا نشر خبر من الأخبار فإنه يسرد سردا كالقصة أو المقامة في أسلوب مسجوع بلا عنوان. وهذا مثل من أخبار الصفحة الأولى بالوقائع المصرية:
"قد ذكر في طي ما نشر من صحائف الوقائع المصرية، المنمرة فيما تقدم ينمرة ستمائة وأربعة، أن حضرة أفندينا العظيم الجاه، بلغه الله تعالى ما يترجاه، قد حل بالأقاليم البحرية ركابه العالي، وشرفها ستة وخمسين يوما على التوالي، وأعطى أهلها إعانة اثنين وأربعين ألف كيس عدا، وقواهم بالأدوات اللازمة لتكثير الزراعات، وغمرهم بعض مكارمه الجاري، حتى عمروا جميع الصحاري ... ".
стр. 250
"ولما حان توريد أصناف المزروعات من ذلك الموسم، التي هي عبارة عن القطن والأرز والسمسم، وكان قد آن الوقت الذي يتوجه فيه جنابه إلى أقاليم الوجه المذكور، لترتيب المواد الشتوية وغيرها من سائر الأمور، حرك من الإسكندرية ركاب جواده السمند، صبيحة يوم الخميس التاسع عشر من رجب الفرد، أحد شهور السنة العظيمة الميمنة، وسار على رجع السرعة، حتى نزل يقصر حضرة محرم بيك الكائن بشاطيء الترعة، وبعد أن جلس فيه جلسة خفيفة، انتقل منه إلى قنحته الشريفة، وما زال سائرا بعد ذلك إلى أن وصل ... وبات هناك ... ".
"وحيث إن التراخي الحاصل من محيي الدين أفندي كان سببا لعزله عزل ولقب إبراهيم أغا بدلا منه في محله، ولقن المدير إليه من الوصايا".
وهكذا كانت تنشر الأخبار دون ترتيب لعناصر المهمة، بل إن أهم عنصر في الخبر -وهو عزل الموظف وتعيين بدله- وقد جاء في نهاية الخبر، ويلاحظ أن السجع المتكلف هو طريقة التحرير العادية، ولم يكن يفصل بين الأخبار إلا فراغ أبيض، وحروف الطباعة كلها من نوع واحد يصل إلى بنط ٢٤، أما العناوين فقد كانت غير موجودة بالمرة ثم أخذت تتخذ شكلا عاما غير مخصص مثل: أخبار داخلية وأخبار خارجية وأدبيات ونسائيات والأقاليم وتلغرافات عمومية. وهكذا كانت العناوين كأسماء فصول الكتب أو أبواب المؤلفات دون تخصيص للمضمون خلافا لما تفعل الصحف الحديثة حين تبرز في العنوان ملخصا دالا على الخبر أو الموضوع.
ثم أخذت الصحف تبتعد تدريجيا عن إخراج الكتب عاما بعد عام، وأخذت الأعمدة تضيق وتتعدد. فكانت الأهرام مثلا تظهر في ثلاثة أعمدة عند بدء صدورها، ثم تطورت بعد ذلك وتعددت أعمدتها فأصبحت أربعة ثم خمسة سنة ١٨٨٦، ثم ستة في سنة ١٨٩٠، ثم سبعة في سنة ١٨٩٧ حتى وصلت إلى ثمانية أعمدة، وإن كانت قد عادت مرة أخرى إلى نظام السبعة سنة ١٩٣١.
ووتتجه الصحافة الحديثة إلى النمطية في شكلها وحجمها. فهناك الصحف العادية وهي ذات نمط واحد فيبلغ طولها نحو ٥٦ سم وغرضها نحو ٤٢ سم،