← Адаб

Адаб · id 11735

دراسات في الفن الصحفي

إبراهيم إمام

Полный текст (364 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

مولد الإخراج الصحفي: والواقع أن هذا الأسلوب القديم في الأخراج كان مناسبا تماما لوظيفة الصحافة في مستهل ظهورها. وقد رأينا أن الصحافة بدأت رسمية حكومية، ثم اهتمت بالنشرات الإعلانية والاقتصادية لخدمة التجار، ثم تطورت بعد ذلك فأصبحت أدوات حزبية يستخدمها الساسة كأبواق للدعاية. وهكذا بقيت الصحافة محصورة في بيئات الطبقات الحاكمة من الساسة والتجار والخاصة من المثقفين. ولذلك لم يكن غريبا أن يظل الإخراج الصحفي وثيق الصلة بالكتاب، لا يحفل كثيرا بالعناوين، ولا يهتم بطرق استمالة القارئ واجتذابه. وذلك أن قراء الصحف -وهم قلة من المثقفين وأصحاب المصالح- كانوا يسعون إلى الصحافة سعيا، وكانت هي الأخرى تبدو في مظهر يليق بهذه الطبقات من الوقار والجد والاحتشام. وفي أواخر القرن الثامن عشر بدأت الثورة الصناعية في أوروبا وأخذت تنتقل إلى شتى بقاع العالم، كما انتشرت بذور الديمقراطية ثم الأفكار الاشتراكية وما تضمنته من احترام للشعوب، واعترفت الدول بواجباتها الاجتماعية وحملت على عاتقها مهمة تثقيف الناس وتعليمهم والمحافظة على صحتهم، والارتفاع بمستواهم، وتحقيق أسباب الرفاهية لهم. فكان لا بد للصحافة أن تتأثر بهذه التيارات الجديدة، وتتوسع في وظيفتها لتخدم هذه الطبقات الناشئة، كما كانت تخدم الارستقراطية والطبقات الوسطى من قبل. وهكذا ولدت الصحافة الشعبية لكي تساير العصر الجديد، وتتوجه إلى الكتل الشعبية التي تعد بالملايين. فرأينا في أمريكا -مثلا- صحفا جديدة زهيدة الثمن كصحيفة نيويورك صن١ وغيرها من الصحف التي بدأت في الظهور بعد سنة ١٨٣٠ واهتمت بالأخبار الخفيفة والحوادث الطريفة إلى جانب عنايتها بالنواحي السياسية والتجارية والاقتصادية الجادة. وحدث في بريطانيا نفس الشيء بعد إلغاء الضرائب على الصحف سنة ١٨٥٥ فظهرت صحيفة ديلي تلجراف٢ سنة ١٨٥٨، وصحيفة ديلي نيوز٣ سنة ١٨٦٨ وصحيفة ديلي كرونكل٤ سنة ١٨٧٧ وغيرها كثير. وكانت كلها صحفا زهيدة الثمن تباع ببنس واحد أو بنس ونصف بنس. وفي فرنسا ظهرت صحيفة "لابريس" في سنة ١٨٣٦، كما ظهرت صحيفة "لوسيكل" في نفس السنة، وهما من الصحف زهيدة الثمن أيضا.

стр. 247

وكان لا بد للصحافة الشعبية الجديدة أن تغري القراء بوسائل جديدة في الإخراج تتمشى مع مضمونها المتنوع. وقد اكتشف الصحفيون في أواخر القرن التاسع عشر أن الإخراج الصحفي القديم الذي كان يتناسب مع الموضوعات الجادة وطبقة القراء من الخاصة، لا يمكن أن يأتلف مع المضمون الأخباري المتنوع والموضوعات الخفيفة. وفي سنة ١٨٩٠ بدأ أخطر انقلاب في فن الإخراج الصحفي، وكان يتجلى على وجه الخصوص في كل من صحيفة ورلد١ التي أصدرها بولتزر٢ وصحيفة جورنال٣ التي أصدرها هيرست٤ بمدينة نيويورك. وكان من أمارات هذا الانقلاب ظهور العناوين الكبيرة المنتشرة "المانشيت" على عرض الصفحة أو على عرض بضعة أعمدة. والتوسع في نشر الصور والرسوم، والمبالغة في الأخبار المثيرة من حيث التحرير والإخراج حول الحرب الإسبانية الأمريكية، وما لبث النقاد أن أطلقوا عبارة "الصحافة الصفراء" على هذه المحاولات الجديدة في الإثارة والمبالغة والإسراف في العناوين، والابتذال في العرض الرخيص. وفي ٢٨ يناير سنة ١٩٠٤ نجحت تجربة نورثكليف الثانية عندما أصدر صحيفة ديلي ميرور٥، وكانت بحق أول تطبيق لفن الإخراج الصحفي الحديث بالنسبة للصحافة الخفيفة المصورة. وحقيقة أنه كانت هناك محاولات أخرى سابقة ظهرت في كل من صحيفة "الستراتيد" لندن نيوز٦، وصحيفة ويكلي جرافيك٧ وصحيفة ديلي جرافيك٨، ولكنها كانت جميعا نماذج تقليدية لا جديد فيها، ولم تستطع اجتذاب القراء كما اجتذبتهم صحيفة ديلي ميرور. وظلت طريقة نورثكليف هي الطابع لعام لفن الإخراج الصحفي حتى سنة ١٩٣٣. وفي هذه السنة تولى آثر كرستيانسن٩ رئاسة تحرير صحيفة

стр. 248

ديلي إكسبريس١، فرأي بثاقب فكره وعظيم عبقريته أن طريقة نورثكليف مقيدة بنظام الأعمدة، وأنها بذلك تكبل نفسها وتحد من حرية المخرج الصحفي في العرض. ولأول مرة في تاريخ فن الإخراج الصحفي نجد أن كريستيانسن كان ينظر إلى الصفحة على أنها لوحة بيضاء يعرض عليها من المواد الصحفية ما يشاء دون التقيد بالأعمدة. وهكذا تحرر فن الإخراج الصحفي من أغلال الأعمدة، وأصبح المجال متسعا أمام المخرج والمصور والفنان لإخراج الصحيفة بصورة جذابة، تغري القارئ بشرائها واقتنائها. ثم تطور أسلوب الإخراج الأفقي بعد ذلك تطورا كبيرا يختلف تمام الاختلاف عن الأسلوب العمودي التقليدي، وطبق تطبيقا مبتكرا في الصحف النصفية٢ التي أخذت تنتشر انتشارا كبيرا في أوروبا وأمريكا وغيرها.

стр. 249

شكل الصحيفة المصرية وإخراجها: وقد تطور الصحفي مصر تطورا كبيرا منذ نشأة الصحافة حتى الآن. فكانت الوقائع المصرية -مثلا- في بدء صدورها لا تحتوي إلا على عمودين فقط في صفحتها الأولى، وكانت تصدر في الحجم النصفي، وتخلو من العناوين خلوا تاما، فإذا نشر خبر من الأخبار فإنه يسرد سردا كالقصة أو المقامة في أسلوب مسجوع بلا عنوان. وهذا مثل من أخبار الصفحة الأولى بالوقائع المصرية: "قد ذكر في طي ما نشر من صحائف الوقائع المصرية، المنمرة فيما تقدم ينمرة ستمائة وأربعة، أن حضرة أفندينا العظيم الجاه، بلغه الله تعالى ما يترجاه، قد حل بالأقاليم البحرية ركابه العالي، وشرفها ستة وخمسين يوما على التوالي، وأعطى أهلها إعانة اثنين وأربعين ألف كيس عدا، وقواهم بالأدوات اللازمة لتكثير الزراعات، وغمرهم بعض مكارمه الجاري، حتى عمروا جميع الصحاري ... ".

стр. 250

"ولما حان توريد أصناف المزروعات من ذلك الموسم، التي هي عبارة عن القطن والأرز والسمسم، وكان قد آن الوقت الذي يتوجه فيه جنابه إلى أقاليم الوجه المذكور، لترتيب المواد الشتوية وغيرها من سائر الأمور، حرك من الإسكندرية ركاب جواده السمند، صبيحة يوم الخميس التاسع عشر من رجب الفرد، أحد شهور السنة العظيمة الميمنة، وسار على رجع السرعة، حتى نزل يقصر حضرة محرم بيك الكائن بشاطيء الترعة، وبعد أن جلس فيه جلسة خفيفة، انتقل منه إلى قنحته الشريفة، وما زال سائرا بعد ذلك إلى أن وصل ... وبات هناك ... ". "وحيث إن التراخي الحاصل من محيي الدين أفندي كان سببا لعزله عزل ولقب إبراهيم أغا بدلا منه في محله، ولقن المدير إليه من الوصايا". وهكذا كانت تنشر الأخبار دون ترتيب لعناصر المهمة، بل إن أهم عنصر في الخبر -وهو عزل الموظف وتعيين بدله- وقد جاء في نهاية الخبر، ويلاحظ أن السجع المتكلف هو طريقة التحرير العادية، ولم يكن يفصل بين الأخبار إلا فراغ أبيض، وحروف الطباعة كلها من نوع واحد يصل إلى بنط ٢٤، أما العناوين فقد كانت غير موجودة بالمرة ثم أخذت تتخذ شكلا عاما غير مخصص مثل: أخبار داخلية وأخبار خارجية وأدبيات ونسائيات والأقاليم وتلغرافات عمومية. وهكذا كانت العناوين كأسماء فصول الكتب أو أبواب المؤلفات دون تخصيص للمضمون خلافا لما تفعل الصحف الحديثة حين تبرز في العنوان ملخصا دالا على الخبر أو الموضوع. ثم أخذت الصحف تبتعد تدريجيا عن إخراج الكتب عاما بعد عام، وأخذت الأعمدة تضيق وتتعدد. فكانت الأهرام مثلا تظهر في ثلاثة أعمدة عند بدء صدورها، ثم تطورت بعد ذلك وتعددت أعمدتها فأصبحت أربعة ثم خمسة سنة ١٨٨٦، ثم ستة في سنة ١٨٩٠، ثم سبعة في سنة ١٨٩٧ حتى وصلت إلى ثمانية أعمدة، وإن كانت قد عادت مرة أخرى إلى نظام السبعة سنة ١٩٣١. ووتتجه الصحافة الحديثة إلى النمطية في شكلها وحجمها. فهناك الصحف العادية وهي ذات نمط واحد فيبلغ طولها نحو ٥٦ سم وغرضها نحو ٤٢ سم،

стр. 251

أما الصحف النصفية فيبلغ طولها نحو ٤٢ سم وعرضها نحو ٢٨ سم. وهناك صحف يتوسط حجمها بين الحجم العادي والحجم النصفي مثل صحيفة "لوموند"١ الفرنسية. وقد أصبح عدد الأعمدة في الصحيفة العادية ثمانية أما في الصحيفة النصفية فيبلغ عدد الأعمدة خمسة، ولكن الصحافة النصفية تتحرر كثيرا في إخراجها وفي عدد أعمدتها، وفي استخدام الصور والعناوين. ويذهب البعض إلى أن الحجم النصفي للصحيفة قد جاء نتيجة لحاجة سكان المدن وإلى قراءة الصحف في السيارات العامة ومركبات الترام عند الذهاب إلى أعمالهم أو العودة منها، مما يتطلب حجما أصغر في هذه المواصلات المزدحمة، ولكن لا شك أن الأزمة الاقتصادية العالمية سنة ١٩٢٩ ثم الحرب العالمية الثانية سنة ١٩٣٩، مع هبوط عدد الإعلانات، وعدم وتوفر الورق وغلاء أسعاره، وقلة عدد الأيدي العاملة بسبب التجنيد كانت كلها عوامل هامة لانتشار الصحافة النصفية أو صحافة التابلويد٢، التي كانت قد بدأت في الظهور في لندن سنة ١٩٠٤ على يد نورثكليف في صحيفة الديلي ميرور، كما ظهرت في أمريكا في صيف سنة ١٩١٩ بمدينة نيويورك، وذلك بصدور صحيفة ديلي نيوز النصفية. وكما توحدت أحجام الصحف وأشكالها، توحدت أيضا مساحات الأعمدة، وهي الوحدات المكونة للصحيفة، فأصبح اتساع العمود ثابتا بمقدار ١١.٥ كور تقريبا. ويرجع ذلك إلى تعميم أنواع الآلات المستخدمة في الطباعة وقطع الغيار، وأنواع الورق المصنوع آليا أما بطريقة الطحن الميكانيكي أو المعالجة الكيميائية. وفي أوروبا وأمريكا ظهرت شركات توزع مقالات وموضوعات وتحقيقات مصورة ثابتة بالنسبة لعدد كبير من الصحف، وخاصة الصحف الإقليمية، كما كانت وكالات الإعلان تفعل نفس الشيء بالنسبة للإعلانات الموحدة التي توزع بشكل ثابت على عدد كبير من الصحف، فضلا عن توزيع مواد صحفية بشكل صفحات جاهزة مضغوطة على الصفحة الكرتونية

стр. 252

"الفلان"١ التي تعد للصب والطبع فورا. وهكذا دخل الفن الصحفي في طور الإنتاج الضخم المموحد، شأنه شأن الإنتاج الاقتصادي في معظم الشركات الكبرى. وقد كانت الصحف العربية الصادرة في العصر العثماني كالوقائع المصرية والزوراء العراقية وغيرهما نصفية الحجم، ولكن ذلك لم يكن سوى مظهر من مظاهر السذاجة في الإخراج، ثم جاءت الصحف الشعبية مقلدة لهذا الحجم النصفي في بادئ الأمر، وأخذت تتطور بعد ذلك حتى وصلت إلى الحجم العادي. وهناك بعض الصحف النصفية التي صدرت في فترة ما بين الحربين العالميتين مثل "السياسة الأسبوعية" التي ظهرت سنة ١٩٢٦، و"الصرخة" الصادرة سنة ١٩٣٣ عن حزب مصر الفتاة، الذي أصدر أيضا "الضياء" و"الثغر" و"مصر الفتاة" -وكلها صحف نصفية. وهناك أيضا "آخر لحظة" التي كانت ملحقا لمجلة آخر ساعة، وكانت ذات حجم نصفي منذ ظهورها سنة ١٩٤٩ ثم استقلت عن آخر ساعة وكانت تصدر مرتين فثلاث أسبوعيا. ويبدو أن الأحزاب السياسية قد اختارت هذا الحجم النصفي. فظهرت "الاشتراكية" عن حزب مصر الفتاة الذي تحول إلى الحزب الاشتراكي، و"اللواء الجديد" عن الحزب الوطني سنة ١٩٥١، و"الدعوة" عن الإخوان المسلمين، ويلاحظ أن الصحف الجامعية كانت تفضل هذا الحجم النصفي أيضا مثل صحيفة "صوت الجامعة" التي أصدرها قسم الصحافة بجامعة القاهرة سنة ١٩٥٦ وكتب مقالها الافتتاحي الأول الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وأخذت الكليات الجامعية الأخرى تقلد قسم الصحافة في نفس الاتجاه إلى الحجم النصفي. ومن الطريف أن بعض الصحف قد بالغ في كبر الحجم في وقت رخص فيه الورق، كصحيفة الأهرام التي بلغ طول صفحتها ٧٠ سم وعرضها ٥٢ سم، وذلك سنة ١٨٩٧. وذهبت بعض الصحف الأجنبية إلى حد المبالغة في الحجم مثل صحيفة "جورنال أوف كومرس"٢ الأمريكية التي كانت تصدر سنة ١٨٥٣ بمدينة نيويورك، وقد بلغ طول صفحاتها ١٢٥ سم وعرضها ٨٧.٥ سم، واستحقت هذه الصحيفة وأمثالها أن يطلق عليها اسم صحافة البطاطين٣. وقد وصل عدد الأعمدة في هذه الصحف إلى أكثر من أحد عشر عمودا.

стр. 253

فن إخراج العناوين: وقد رأينا أن الصحف الأولى لم تكن تستخدم العناوين إلا قليلا، كما كانت العناوين عامة وصغيرة على عمود واحد أو عمودين. غير أن تطور الصحافة نحو الشعبية والبساطة وسعة الانتشار جعل العناوين سمة ضرورية للصحافة الحديثة التي تعمل على اجتذاب القارئ وتشويقه وتثقيفه وإعلامه. فلم يعد العنوان صغيرا عاما بل أصبح عنوانا كبير الحجم موجز العبارة دال المعنى. وقد كانت العناوين قديما تجمع من ذات حروف المتن مع إظهارها بقوسين، أو جمعها بحروف أكبر قليلا من حروف المتن لإبرازها. أما الصحافة الحديثة فقد أخذت تتفنن في أشكال العناوين، وطرز حروفها، وكبر حجمها، وتنوع ألوانها، بل وتعدد أسطرها؛ إذ أصبح للموضوع الكبير عدة عناوين رئيسية قبل المقدمة، وهذا فضلا عن العناوين الفاصلة بين الفقرات. وعندما تتعدد أسطر العنوان الرئيسي، فإن المخرج الصحفي يهتم بتنويع الشكل وطراز الحروف أو الخط. فقد تتوالى أسطر العنوان لتشكل في مجموعها مثلثا قاعدته هي السطر الأعلى ومركزه السطر الثالث أو الرابع من العنوان. وقد يتخذ العنوان شكل المستطيل فتتابع الأسطر مع التنوع في الحجم واللون وزيادة السطر الأول فقط في الطول زيادة إلى اليمين أو اليسار من أجل لفت الأنظار. وهناك ترتيب أخر

стр. 254

للعناوين يجعلها تشبه درج السلم لأن كل سطر يدخل قليلا داخل الصفحة حتى تبدو النهايات والبدايات بشكل متدرج وقد تكون أسطر العنوان الرئيسي موحدة في بدايتها أو في نهايتها، والمرجع في ذلك كله إلى ذوق المخرج الصحفي وخبرته ونوع الصحيفة وطبيعة القراء. ولا شك أن أشكال العناوين وطرز حروفها وطريقة إخراجها تسهم إسهاما كبيرا في تحديد شخصية الصحيفة المتميزة. ولذلك دأبت الصحف الكبرى على قوائم ثابتة بمثابة "كتالوجات" لأنواع العناوين وأشكالها وطرز حروفها، ولا يسمح للمخرج الصحفي بالتصرف إلا في حدودها، محافظة على شخصية الصحيفة. ولكل صحيفة سياستها الإخراجية الخاصة التي تقوم على أساسها عملية التصحيف أو توزيع المواد المختلفة على الصفحات. فالصفحة الأولى من جريدة التيمس الإنجليزية كانت تحتوي على الإعلانات الصغيرة بدون صور، حتى حررها اللورد طومسون من هذا التقليد المحافظ الموغل في القدم. وقديما كانت الصحف الإنجليزية تتبع نفس الطريقة فلا تنشر في الصفحتين الأولى والأخيرة إلا الإعلانات. ولعل السر في ذلك أن الطباعة كانت بدائية عند ظهورها، ولذلك كانت الإعلانات تطبع أولا في الصفحة الأولى والصفحة الرابعة المقابلة لها لأنهما تتعرضان للاتساخ بالخبر، وتخصص الصفحتان الداخليتان النظيفتان للأخبار والمقالات. ورغم تقدم الطباعة، ظلت الصحف المحافظة متمسكة بتقاليدها القديمة محافظة على شخصيتها. وقد اتضح للورد طومسون -كما اتضح لغيره من أصحاب الصحف- أن العناوين الرئيسية والفرعية أساسية في الصفحة الأولى، بل والصفحات الداخلية أيضا، لجذب أنظار القراء وإثارة رغبتهم في الشراء، وإغرائهم بالاطلاع على أهم الأخبار والموضوعات. وقد وجد خبراء الصحافة أن العنوان الجيد هو الذي يدل على الخبر كله أو على الأقل يصور أبرز أجزائه، كما أنه يرد على أكثر الاستفهامات الستة التي سبقت الإشارة إليها في باب الخبر الصحفي. ويكتب العنوان بأسلوب شبه برقى بعد حذف الكلمات الزائدة وحروف الجر والعطف ما أمكن

стр. 255

ذلك، بشرط أن يؤلف العنوان جملة تامة. والعنوان الصحفي يمتاز بالقوة والجاذبية والوضوح والتركيز والإبانة، مع الحذر من المبالغة أو عدم مطابقة العنوان لمتن الخبر أو الموضوع. ويراعي المخرج الصحفي ضرورة التناسب بين طول العنوان وعدد كلماته وخاصة عند تعدد الأسطر، فلا يكون أحد الأسطر مزدحما بالكلمات والآخر قليل العدد منها. ولو أن الصحافة تستخدم أحيانا ألفاظا أشبه ما تكون بالصياح أو الصراخ مثل: الحرب أو المعركة أو الدم أو الانتقام وكثيرا ما تكون هذه العناوين باللون الأحمر على عرض الصفحة الأولى. وتدأب الصحف المثيرة أحيانا على نشر عناوين غامضة تصلح لكل شيء مثل: أسرار الموقف السياسي، وأسباب التدهور الاقتصادي. ولكن الحقيقة أن العنوان الجيد هو العنوان الدال المكون من جمل تامة الفائدة، مع مراعاة عدم التكرار في المعلومات الواردة في العنوان؛ لأن كل سطر، بل وكل كلمة ينبغي أن تكون ذات وظيفة أساسية، وإلا فإنه يجب الاستغناء عنها. ويتجنب الصحفيون العناوين الغامضة أو المضطربة؛ لأن الوضوح من أهم سمات الفن الصحفي، والتباس المعاني أخطر ما ينزلق إليه هذا الفن. وغني عن البيان أو الموضوع الجاد يتطلب عنوانا جادا، في حين أن الموضوع الخفيف أو الطريف يتطلب عنوانا خفيفا طريفا. وينأى الصحفي بطبيعته عن استخدام اللغة العامية في العناوين، وإن كان لا يمانع في استخدام لفظ أو عدة ألفاظ عامية في المتن إذا تطلب الموضوع ذلك، وخاصة عند الاقتباس أو الحوار. وكلما كان العنوان موجزا، كان أفضل من العنوان الطويل الممل. ويراعي المخرج الصحفي عدم قطع كلمات السطر في العنوان واستكمالها في السطر التالي؛ لأن ذلك يؤدي إلى الغموض واللبس أحيانا.

стр. 256

العنوان المنتشر "المانشيت ": ويعتبر العنوان المنتشر على عرض الصفحة أو "المانشيت" من معالم الصحافة الحديثة لجذب الأنظار وللتأكيد والإبراز. وقد ظهر هذا النوع منل العناوين لأول مرة في تلك الصحافة الأمريكية المثيرة المسماة "بالصحافة الصفراء" والتي انتشرت في أمريكا بين سنة ١٨٩٢ وسنة ١٩١٤، وهي الفترة التي شهدت الحرب الإسبانية، وارتفاع توزيع الصحف ارتفاعا هائلا، وتحقيق الأرباح، واستثمار رءوس الأموال الكبيرة. وقد لعبت هذه الصحافة الصفراء بعناوينها الضخمة الحمراء المثيرة، والإسراف في استخدام الصور الزائفة، والمبالغة في العناوين الخادعة على رأس موضوعات مثيرة مضللة، فضلا عن تملق الجماهير تملقا رخيصا. ولا شك أن هذه الصحافة قد أثرت أبلغ تأثير على فن الإخراج الصحفي، كما اهتمت بأخبار الرياضة، وأبرزت فن العمود الصحفي، وأصدرت الملاحق الملونة، والصور القصصية "الكارتون"، وترتبط الصحافة الصفراء بأسماء "راندورلف هيرست"١ و"سكريبس"٢ و"ماكري"٣ وغيرهم٤. وقد كانت أحداث الحربين العالميتين فيما بعد عاملا هاما في انتشار العناوين الضخمة بطريقة مثيرة في معظم بقاع العالم، غير أن تكرار العنوان المنتشر بصورة مستمرة، بسبب وبلا سبب، قد أفقده قيمته الحقيقية في الإثارة وجذب الأنظار. ومن المؤكد أن الفن الصحفي قد فقد كثيرا من مرونته نتيجة لثبات العنوان المنتشر، ولذلك فإن الاتجاه الحديث يرمي إلى الإقلال منه، وعدم استخدامه إلا عند الضرورة الحقيقة التي تستلزمه. وليست العبرة في منع هذا العنوان لذاته، وإنما العبرة في مطابقة العنوان المنتشر لمقتضى ظروف الأخبار والمعلومات. فقد كانت صحافتنا المصرية مثلا أثناء العدوان الثلاثي الغادر على مصر سنة ١٩٥٦ تنشر عناوين جريئة كبيرة متعددة على عرض الصفحة، بل لقد تعددت العناوين حتى ملأت الصفحة الأولى تقريبا، وكان ذلك مقبولا نظرا للظروف الاستثنائية التي كانت تمر بها البلاد، أما أن تنشر هذه العناوين بلا سبب وفي الظروف العادية فليس له ما يبرره.

стр. 257

ولقد عرفت صحافتنا المصرية العنوان المنتشر أول ما عرفته بطريقة طبيعية كانت تتطلب نشره فعلا، وذلك يوم ١١ فبراير سنة ١٩٠٨ بمناسبة هزت وجدان الشعب المصري من أعماقه، وهي وفاة زعيم من أعز زعمائه وهو مصطفى كامل. فكان طبيعيا أن تنشر اللواء على عرض صفحتها الأولى نبأ رحيل الزعيم بقولها "مصاب مصر والشرق بفقد المغفور له مصصفى كامل باشا صاحب اللواء". ولا شك أن هذا العنوان له دلالته وأهميته مما يبرر نشره على عرض الصفحة، ولكن الأمر يختلف بالنسبة للصحف الحديثة التي انزلقت في تيار الصحافة الصفراء، وأخذت تبالغ في استخدام العناوين الضخمة ذات اللون الأحمر، فأفقدت هذا العنوان قيمته، وأصابت القراء بنوع من التبلد وعدم الاحتفال بقيمة العنوان. وقد أتى على صحافتنا وقت كانت تتبارى فيه لإبراز العناوين الضخمة التي تحتشد بالتفاصيل، فانحرفت بذلك عن أصول الفن الصحفي والذوق السليم. غير أن المسئولين في صحفنا سرعان ما فطنوا إلى عيوب هذا الإسراف وتلك المبالغة وأخذوا يعملون على الحد منها، حتى تعود إلى العناوين قيمتها وفاعليتها. وما لبث هذا السبق المحموم نحو اللون الأحمر والعناوين الضخمة أن انقلب إلى سباق نحو الهدوء والاتزان والتعقل. وقد كانت صحيفة الجمهورية في مقدمة تلك الصحف التي حاولت سنة ١٩٥٨ معالجة الأمر بالاستغناء عن العناوين الحمراء العريضة، واستبدلت بها عناوين سوداء معتدلة. وحذت الأهرام حذوها سنة ١٩٦١، ومضت في هذا السبيل بنجاح، في حين أن الجمهورية نفسها لم تستطع مقاومة إغراء العناوين كثيرا. ويبدو أن جريدة الأهرام قد اختطت لنفسها هذه الخطة الهادئة الجديدة منذ سنة ١٩٦٣، فعدلت نهائيا عن السباق المثير المحموم. وقد كان بعض العناوين المنتشرة تملأ النصف الأعلى من الصفحة الأولى تقريبا، وكان لا بد للمخرج الصحفي أن يتفنن في عرض تلك العناوين بشتى الطرق، مثل استخدام الخطوط المتنوعة من ثلث ونسخ ورقعة وديواني وكوفي وفارسي وحر، فضلا عن التنوع في المساحة واللون، حتى لا تكون العناوين على وتيرة واحدة مملة، والمخرج الصحفي في مصر يستعيض عن حروف الطباعة الكبيرة بالأنماط الخطية "الكليشيهات" التي يتأنق الخطاط في إخراجها وتنوعها، كما يلجأ إلى الألوان وخاصة اللون الأحمر، بالرغم من عيوب هذه الطريقة من حيث البطء وارتفاع التكاليف والخروج عن أصول الذوق الفني السليم.

стр. 258

أجناس الحروف الإفرنجية: غير أن المخرج الصحفي المصري مضطر لذلك لما يشعر به من أزمة تضايقه كثيرا، نظرا للفقر المدقع في تنوع أشكال الحروف الطباعية وأنواعها. فبينما يتمتع المخرج الصحفي في أوروبا وأمريكا بثروة طائلة من حروف الطباعة التي تتعدد أشكالها حتى تربو على الألف، وتتنوع هذه الحروف من حيث درجات السواد أو ما يسميه الطابعون بالحروف البيضاء والسوداء فتبلغ أربع درجات في حروف الطباعة الأوروبية، نجد أن المخرج العربي محصور في درجتين فقط. ثم هناك التنوع من حيث عرض الحرف ودرجة انتشاره على السطر. فإذا كانت مشكلة المخرج الصحفي في أوروبا وأمريكا هي حيرته في الاختيار من بين مئات الأشكال والألوان، فإن مشكلة المخرج الصحفي في الشرق العربي هي الفقر المدقع في تنوع أشكال الحروف وأنواعها، سواء كان ذلك بالنسبة للعناوين أو المقدمات أو صلب الموضوعات. ولن يقيل المخرج الصحفي العربي من عثرته إلا الاهتمام بإثراء حروف الطباعة العربية. وأمامنا في تراثنا العربي المجيد ألوان متعددة من الخطوط الرائعة كالرقعة والنسخ والثلث والكوفي والفارسي والديواني والمزخرف والحر وغيرها. وأن زيادة واحدة قصيرة لدار الكتب المصرية لتعطينا فكرة كاملة مقنعة عن ثراء الخط العربي بأنواعه المختلفة الجميلة، وتعدد أشكاله وقواعده. وقد اعترفت الدول الأوروبية بجمال هذا الخط فأقامت له بعض المعارض الفنية في باريس وغيرها من العواصم الأوروبية. فما علينا إلا أن نختار وننقح ونلائم

стр. 259

بين هذا الفن الجميل والفن الطباعي التطبيقي لكي نظفر بأجمل الخطوط وأرشقها. ومخرج الصحف أو الكتب في أوروبا وأمريكا يعرف أن حروف الطباعة المتعددة المتنوعة تخدم أغراضه المختلفة؛ لأن كل نوع من الحروف يتناسب مع موضوع بعينه، فيزيد التعبير قوة وجمالا، ويلبس المضمون شكلا فصيحا مبينا. فحروف الطباعة تتدرج من الخشونة والقوة إلى الرشاقة والرقة في التعبير. والجنس الروماني القديم يمتاز بالخفة والرشاقة الزخرفية التي تجعله يتلاءم تماما مع الموضوعات النسائية، وأسرة الحروف المشهورة باسم جراموند١ على وجه الخصوص -وهي فرع من الجنس الروماني القديم- تعبر عن الأنوثة والخفة والجمال، فتستعمل بنجاح تعبيري فائق في إعلانات أزياء النساء وأدوات التجميل، وصفحات المرأة في الصحف والمجلات النسائية بوجه عام. والواقع أن حروف الطباعة تساير الأذواق المختلفة باختلاف الأمم والأزمان. وتنقسم حروف الطباعة الإفرنجية إلى خمسة أجناس رئيسية هي: الجنس القوطي القديم٢ والجنس الروماني٣ والجنس المائل٤ والجنس الخطي والنسخ٥ والجنس الفوطي الحديث٦. ولكل جنس من هذه الأجناس صفاته الخاصة المميزة عن الجنس الآخر. وحروف الجنس القوطي القديم تعد أقدم أنواع حروف الطباعة جميعا، وقد استخدمها جوتنبرج في طباعة إنجيله المشهور، ويمتاز هذا النوع بزخرفته الدينية، فكان يحاكي حروف المخطوطات القديمة التي ألفها الناس قبل اختراع الطباعة، ولذلك تقبله المثقفون والمحافظون الذين نظروا إلى فن الطباعة في بدايته على أنه فن حوشي شعبي لا يليق بالسادة. وينم الحرف القوطي القديم عن العراقة والوقار والجمال، وقد فتن الطابع الإنجليزي كاكستون به، واستخدمه الطابعون في الكتب الدينية والدعوات للاحتفالات الرسمية وحفلات الزواج وحفلات تتويج الملوك والرؤساء.

стр. 260

واشتهر الجنس الروماني في إيطاليا قبيل نهاية القرن الخامس عشر، وكان مبتدعة نيكولاس جنسون١ من رواد الطباعة الأوائل الذين قدموا للحركة الإنسانية وعصر النهضة حروفهم الجديدة التي كانت أيسر في القراءة وألطف في الشكل وأكثر جاذبية في تباين عناصرها بين الأصول الثقيلة والحروف المسننة الخفيفة التي تكون ظلالا بديعة الشكل. وقد جاء الطابع الإيطالي بودوني٢ بتطوير آخر للحروف الروماني، فقوى من التباين بين الأصول والأسنان. وابتكر مانوتيوس٣ الحرف المائل سنة ١٥٠١ فغير قاعدة الحروف العمودية إلى الحروف المائلة وهي تستخدم الآن لإبراز الكلمات أو تأكيد العبارات، وهكذا أصبح استخدامه مقصورا على لفت النظر والإبراز والتباين. أما الحرف الخطي والنسخ فهو يماثل خطوط النساخ في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وهو أقرب الخطوط جميعا إلى الخط اليدوي، ولذلك فإنه يستعمل في المطبوعات ذات الصبغة الشخصية كالدعوات إلى حفلات عيد الميلاد والزواج والحفلات الخاصة. وتستعمله الصحف في الإعلانات الخاصة بأزياء النساء والروائح العطرية ومنتجات التجميل. أما الجنس الخامس من حروف الطباعة الأوروبية وأحدثها تاريخيا فهو القوطي الحديث، الذي لا يحتوي على نهايات دقيقة مدببة، فيسمى بالحرف عديم الأسنان٤. ومن مميزاته انعدام التدرج بين الطلال الخفيفة والثقيلة بعكس الحرف الروماني. ويعد الحرف القوطي الحديث انعكاسا أمينا للحضارة الحديثة في الفن والهندسة، وهي الحضارة التي تؤمن بأن الوظيفة هي التي ينبغي أن تحدد الشكل٥ أو الصياغة في الفنون، ويبدو ذلك واضحا في هندسة المعمار الخاصة بالمستشفيات والمدارس والأندية والصحف. فوظيفة كل من هذه

стр. 261

المؤسسات تحدد الخصائص المعمارية والمميزات البنائية التي تقام على أسسها صروح الأبنية الحديثة، وحتى أجزاء البناء الواحد يتخذ كل منها شكله المنبثق من وظيفته المعمارية كدعائم حمل الأسقف وغير ذلك. وتمتاز الحروف القوطية الحديثة بالبساطة المتناهية وسهولة القراءة وجاذبية الشكل ولو أنها رتيبة. وتستخدم الصحف الشعبية هذه الحروف بكثرة، وخاصة في عناوينها المنتشرة والرئيسية، كما تستعمل في الإعلانات الضخمة والملصقات التجارية وينم هذا الجنس من الحروف عن القوة والخشونة ويمتاز من الناحية الفنية بالقدرة على المقاومة والاحتمال، ولعل مرجع ذلك إلى انعدام الأسنان الرفيعة التي تتعرض للكسر بسرعة. وقد ابتكر الطابعون والفنانون نوعا من الحروف القوطية ذات الأسنان السميكة بين سنة ١٨١٥ وسنة ١٨٤٠، وأطلقوا عليه أسماء الكرنك والقاهرة وممفيس١ وغيرها من الأسماء المصرية القديمة، فكما أن التمثال الفرعوني يمتاز بالقوة والبقاء والقدرة على الخلود ومقاومة عوامل الطبيعة المختلفة، فإن هذا الحرف هو الآخر يمتاز بالصلابة ومقاومة ضغط آلات الكبس والطبع الحديثة.

стр. 262

أسر الحروف وأشكالها: وكما تنقسم الحروف إلى أجناس خمسة رئيسية، فإن كل جنس من هذه الأجناس يتفرع إلى فروع كثيرة تسمى بالأسر. وتندرج تحت الجنس الروماني مثلا عدة أسر من الحروف مثل: كرلون وجراموند وتشلتنهام وجودي١ وغيرها كثير. وتشترك جميع هذه الأسر في المميزات الخاصة بالجنس الروماني الذي ينتمي إليه، كالتباين بين العناصر الثقيلة والخفيفة في الخطوط، واحتوائه على أسنان دقيقة وغير ذلك. يطلق عادة على كل أسرة اسم صاحبها أو مبتكرها،

стр. 263

ولكل أسرة أشكالها المختلفة وأحجامها التي تترواح بين بنط ٦ وبنط ٧٢ أو أكثر حتى بنط ١٤٤. ولكل أسرة نماذج خاصة بها تطبع في شكل قوائم ونشرات أو كتالوجات. وتنم حروف أسرة "كزلون"١ مثلا عن البساطة والوقار؛ لأنها طويلة جميلة، مفتوحة متباينة البياض والسواد، وسهلة القراءة، ومن هنا كان استعمالها لائقا بالكتب والنشرات والإعلانات الهادئة، ذات الصبغة الرفيعة. أما حروف أسرة جودي -وهي من الجنس الروماني القديم- فتمتاز بالرقة والخفة والرشاقة والجمال، ولذلك فإنها تصلح لطباعة المجلات النسائية وإعلانات الأزياء وغير ذلك من مستلزمات المرأة. وعلى العكس من هذه الحروف الرقيقة، نجد أن أسرة "بودوني"٢ تمتاز بالقوة التي تظهر في شكلها الهندسي الذي ينم عن معاني الرجولة، فليس غريبا إذن أن نجد الصحف تستعمل هذه الأسرة من حروف الطباعة في الإعلان عن ملابس الرجال، وفي المناسبات التي تتناسب مع شكل هذه المجموعة من الحروف المعبرة عن القوة والثبات. ولعل أقوى حروف الطباعة تعبيرا عن القوة والخشونة إلى حد كبير، تلك الحروف القوطية الحديثة، التي تصلح للإعلانات الضخمة والملصقات التي تعلق في الشوارع والطرقات، وتستخدمها الصحف في عناوينها المنتشرة "المانشيتات"، وخاصة الصحف الشعبية والصحف النصفية "التابلويد". هناك، إذن، مئات الأنواع من الحروف الإفرنجية، التي تكفل التنوع من جهة والتعبير المناسب للموضوع من جهة أخرى. فلفظ مثل "الذهب" في إعلان أو في عنوان ينبغي أن ينم عن معاني الجمال والبريق والعظمة التي تتبعث من هذا المعدن النفيس، في حين أن كلمة "التراب" في إعلان أو عنوان خبر أو قصة، لا بد وأن نختار لها طرازا من الحروف يترجم عن معنى هذا

стр. 264

اللفظ، وكثيرا ما يلجأ المخرج الصحفي العربي إلى فن الخط اليدوي للتعبير بالنقط الصغيرة المتقاربة عن معنى "التراب" مثلا. وباختصار يمكن القول أن المخرج الأوروبي لديه من حروف الطباعة ما يكفل له حسن التعبير بلغة طباعية ميسرة، في حين يفتقر المخرج الصحفي العربي إلى ذلك كله. أما آلات الجمع العربية فلا تحتوي إلا على حرف واحد فقط هو النسخ، كما أن الحجم نفسه محدود في الأنباط من ٩ و١٢، وإن كانت جريدة الأهرام قد أخذت تستخدم البنط ٧ في الأخبار المحلية وأنباء الأقاليم. وقد يكون المستقبل لهذا الحجم من الحروف نظرا لغلاء أسعار الورق، وارتفاع تكاليف الطباعة، وكثرة الأخبار العالمية والمحلية. وتستخدم الأنباط ١٦ و١٨ و٢٤ في العناوين، كما يستخدم البنط ١٢ في المقدمة. وقد تقدمنا بفضل جهود المهتمين بالطباعة فاستطعنا أن نضيف الأسود إلى جانب الأبيض من الحروف، ولكن آلات الطباعة الأوروبية قد نوعت من أشكال حروفها تنوعا كبيرا وخاصة بالنسبة لآلتي اللينوتيب والإنترتيب١. ويبذل المسئولون عن الطباعة العربية الحديثة جهودا مشكورة لتطوير الحرف العربي، وقد ساهم مجمع اللغة العربية في ذلك بالإعلان عن مسابقات يشترك فيها الفنانون والطابعون لهذا الغرض، غير أن الصعوبة هي في التبسيط مع المحافظة على شكل اللغة الجميل. حقيقة أن بعض المهندسين -مثل نصري خطار وغيره- قد نجحوا في عمليات التبسيط واختصار عدد الحروف وتيسير القراءة، ولكن ذلك النجاح جاء على حساب الشكل والمأثوري المألوف لحروف الطباعة العربية. وهناك جهود أخرى تبذلها الصحف بالاتفاق مع شركات الطباعة العالمية لاستخدام الآلات في جمع العناوين على طريقة "لدلو"٢، وقد نجحت الأهرام في ذلك، كما نجحت الصحف المصرية أيضا في اختصار حروف صندوق آلة الجمع الآلي منذ عام ١٩٦٠، هذا فضلا عن استخدام العقل الإلكتروني للجمع الآلي السريع دون أخطاء وبسرعة فائقة، وهو المشروع الذي بدأت الأهرام في تطبيقه بنجاح على المجلات التي تصدرها. وربما تستخدمه مستقبلا في جمع مواد الجريدة نفسها.

стр. 265

توزيع المواد على الصفحات: وقد رأينا أن الإخراج الصحفي قد تطور من مفهومه القديم للصحيفة ككتاب إلى المفهوم الجديد الذي يعتبر الصحافة فنا مستقلا قائما بنفسه له قواعده وأصوله. فبعد أن تحرر فن الإخراج الصحفي من قيود الأعمدة وأغلال الخطوط الرأسية، أصبحت عمليات الإخراج من العمليات الفنية التي تعتمد على الدراسات المختلفة في الفن التشكيلي وعلم النفس لدراسة نفسية القراء، وعلم وظائف الأعضاء لدراسة عملية الإبصار وعوائق القراءة. فكأن الحرية الجديدة التي أحرزها فن الإخراج الصحفي -شأن كل حرية جديدة- كانت تنطوي على مسئوليات خطيرة. فقديما كان المخرج الصحفي يملأ الأعمدة المحددة. أما الآن فقد أصبحت الصفحة الخالية كلوحة الفنان تتطلب دراية ومرانا وذوقا لكي توزع عليها المواد توزيعا فنيا جذابا. وإذا كانت الصحف القديمة قد دأبت على تخصيص الصفحة الأولى للمقالات والصفحة الأخيرة للإعلانات والصفحات الداخلية للأخبار المختلفة، فإن قليلا من الصحف الحديثة تتبع هذا الأسلوب، فالصفحة الأولى قد أصبحت بمثابة الواجهة أو اللافتة التي تجذب الأنظار، وتحاول الصحف الحديثة نشر أهم أخبارها في هذه الصفحة، ولا ترى الصحف الشعبية حرجا في تقديم الأخبار الخفيفة والطريفة في الصفحة الأولى مدعمة بالصور الخلابة والعناوين الجذابة. والواقع أن توزيع المواد على الصفحات المختلفة يعبر تعبيرا صادقا عن شخصية الصحيفة وطابعها العام. فلا بأس عند بعض الصحف، مثلا، من نشر أخبار الجريمة وأنباء الحب والزواج والطلاق وصور الممثلات في الصفحة

стр. 266

الأولى، وخاصة تلك الصحف النصفية الشعبية المثيرة كصحيفة "بلت" الألمانية وصحيفة "ديلي ميرور" الإنجليزية وصحيفة "ديلي نيوز" الأمريكية، وهي صحف توزع بالملايين. ولكن صحفا أخرى تفضل أن تنشر في هذه الصفحة أهم الأخبار ذات المغزى والتي تترتب علهيا نتائج خطيرة كأنباء السياسة الدولية والتطورات الاقتصادية والاختراعات العلمية والأخبار الداخلية الهامة وما شاكل ذلك. ويراعي المخرج الصحفي دائما أن الصحيفة يقرؤها أفراد الأسرة جميعا فلا يضع الأخبار التي يهتم بها النساء في نفس الصفحة التي تحتوي على أخبار تهم الرجال. فباب الرياضة وصفحة المرأة لا يقعان في مكان واحد، حتى إذا أخد الوالد أو أحد الأبناء ورقة من الصحيفة ليقرأ موضوعا سياسيا أو رياضيا، فإن الأم أو الابنة تستطيع أن تقرأ القصة أو الأخبار الاجتماعية أو صفحة المرأة في ورقة أخرى، ويحاول المخرج الصحفي أن يحقق لهم ذلك. ويلاحظ أيضا أن الصحف الرفيعة تنشر في صفحاتها الأولى أخبارا طويلة جادة؛ لأن قراءها متجانسون وهم غالبا من المثقفين الذين لهم جلد على قراءة الأخبار الجادة الطويلة، أما الصحف الشعبية التي تحاول اجتذاب أنصاف المتعلمين وغيرهم، فإنها تعرض الأخبار القصيرة المشوقة في الصفحة الأولى، حتى لا يضيق بها القارئ أو يمل فينصرف عنها إلى غيرها. وتعمد الصحافة الشعبية إلى الإكثار من الصور والرسوم تشويقا للقارئ، بينما نقل هذه الصور في الصحف الرفيعة. ويمكن القول بوجه عام أن الصحافة الشعبية الحديثة تحاول عرض أكثر عدد ممكن من أطراف الأخبار وأغربها في الصفحة الأولى، مع إحالة القارئ إلى الصفحات الداخلية لقراءة البقايا. وعندما يعد سكرتير التحرير الفني خطة الإخراج في الصحافة الحديثة نجد أنه يدخل في اعتباره عدة عوامل متشابكة أهمها عقلية القارئ ونفسيته، وسلوكه البصري أثناء القراءة، بالإضافة إلى تكوين الصفحات تكوينا فنيا جميلا يوضح الأخبار ويجذب الأقطار. فمما لا شك فيه أن للصحيفة مقوماتها الاقتصادية التي لا بد من العناية بها حتى تتمكن من أداء رسالتها الإعلامية والثقافية والاجتماعية. وما دامت هناك عدة صحف تتنافس لكسب ود القارئ واجتذابه بشتى السبل، فلا بد من العناية بكافة الدراسات والأساليب الفنية التي تؤدي إلى جمال العرض، وسهولة القراءة، وفن التنسيق، وعرض الأخبار والمعلومات بترتيب منطقي وفقا لأهميتها النسبية، مع مراعاة سياسة الصحيفة وميول القراء، وذلك فضلا عن المحافظة على شخصية الصحيفة وجاذبيتها.

стр. 267

المخرج الصحفي وواجباته: ولذلك فإن المخرج لم يعد مجرد طابع متمرس على فن الطباعة، وإنما هو شخص مثقف ثقافة عميقة ومتنوعة في فنون العرض والتشكيل وعلوم النفس والاجتماع ووظائف الأعضاء جميعا. وقد رأينا أن المخرج الصحفي لا بد وأن يعرف مضمون الأخبار والمقالات والتحقيقات والموضوعات المختلفة ويختار لها ما يناسبها من الشكل الطباعي والإخراجي المناسب لها. ومع أن رئيس التحرير هو المسئول الأول عن كل ما يصدر في صحيفته، فإنه لا يستطيع أن يفعل كل شيء بمفرده، وخاصة بعد أن أصبح الفن الصحفي متشعب الفروع ويتطلب تخصصا في كل فرع، ولذلك فإن مهمة الإخراج توكل عادة إلى أحد سكرتيري التحرير المتخصصين في هذه الفن. والمخرج الصحفي هو حلقة الاتصال بين أقسام التحرير من جهة وأقسام الطباعة من جهة أخرى، وعليه أن يتذوق الأخبار حتى يضع كل خبر في مكانه اللائق به وإخراجه بالطريقة التي تناسبه. وما دام النشاط الصحفي في جوهره سباقا مع الزمن؛ لأن القطارات والطائرات لا يمكن أن تنتظر الصحف المتأخرة، فلا بد أن يتقن المخرج الصحفي فن الإدارة حتى يتم كل شيء في موعده المحدد تماما، ومع حرصه الشديد على إعطاء القارئ أكبر قدر من الأخبار والمعلومات، فإنه لا ينسى أن يضعها في إطار جميل جذاب، يغري الناس بالقراءة واليسيرة السهلة، والفهم القائم على التبسيط المدروس.

стр. 268

وإذا كانت الصحف الكبيرة تخصص مخرجا صحفيا للإشراف على تحويل الأصول الخطية إلى مواد طباعية ثم عرضها وتنسيقها وفقا للأصول الفنية المرعية، فإن الصحف الصغيرة تسند هذه المهمة إلى سكرتير التحرير المركزي، الذي يقوم بمراجعة الأصول وإخراجها. وفي بعض الصحف، نجد أن المحرر يتعاون مع المخرج الصحفي في تصميم الصفحات، والإشراف على تنفيذها، فصفحة المرأة، وصفحة الجامعات، والصفحة الرياضية، وصفحة الأطفال، وصفحة الفنون، وصفحة الأدب، وغيرها من صفحات الأخبار السياسية الخارجية والداخلية والاقتصادية وغيرها، يشترك في إخراجها المحررون المتخصصون على اعتبار أنهم يعاونون في اختيار الشكل الأنسب للتعبير عن المضمون. وعندما ترد الأصول والصور والرسوم إلى مكتب المخرج الصحفي يقوم بتوزيعها على أقسام الجمع والحفر لصناعة أسطر الحروف والأنماط "الكليشيهات"، فيتولى رئيس أقسام الجمع الآلي توزيع الأصول في شكل تعيينات متساوية على العمال، يقوم كل عامل بجمع الجزء المنوط به على آلته في الحال، سواء بتحريك المفاتيح لسبك الحروف مباشرة، أو عن طريق تثقيب الشريط وإعداده للعمل في وحده السبك الآلي. وقد يستخدم العقل الإلكتروني في هذه المرحلة الأخيرة. وفي نفس الوقت يرسل المخرج الصحفي الصور والرسوم والخطوط إلى أقسام الحفر لتصويرها وحفرها كيمائيا على ألواح الزنك أو النحاس، أو باستخدام أجهزة الحفر الإلكتروني "الكليشوجراف" على ألواح النولار١ "وهو مادة تشبه البلاستيك"، ويقوم قسم التصحيح بعمل التجارب٢ وتصويب الأخطاء المطبعية. ويقوم المخرج الصحفي بتوزيع المواد على الصفحات وفقا للأصول الفنية التي سنشرحها فيما بعد، وبعد ذلك على نماذج تمثل الصفحات الحقيقية بحجمها الطبيعي أو بحجم مصغر. ويبدأ عادة بتوزيع الإعلانات الواردة إليه من أقسام الإعلانات ثم المواد الثابتة كالمقالات والتحقيقات والأركان المنوعة على مختلف

стр. 269

الصفحات, ولا شك أنه يفعل ذلك بناء على سياسة الصحيفة الإخراجية، ومبادئ فن الإخراج، إلى جانب خبرته الطويلة. وتنقسم النماذج إلى أعمدة عليها وحدات قياس طولية مرتبة ترتيبا تصاعديا في جانب وتنازليا في جانب آخر، حتى يسهل على المخرج قياس المواد بدقة، وخاصة الإعلانات التي تحسب بالسنتيمتر، وتتقاضى عنها الصحف مبالغ باهظة تمثل الإيرادات الرئيسية لها. ولا بد كذلك من إعداد خطة الإخراج واضحة على النماذج المخططة حتى يستطيع العمال أن يتعاونوا بسهولة في التنفيذ، فخطة الإخراج الصحفي تشبه إلى حد كبير خطة المهندس المعماري التي ينبغي أن تتم قبل تنفيذ عملية النباء. وفن الإخراج الصحفي هو عملية تخطيط صفحات الجريدة أو المجلة وتوزيع مواد التحرير من أخبار ومقالات وصور ورسوم وعناوين على هذه الصفحات وذلك بناء على الأسس الفنية والنفسية والصحفية في مراعاة ميول القراء وطبيعتهم البصرية والعقلية. على أن يكون ذلك كله منسجما مع سياسة الصحيفة في التحرير والإخراج معا. كما يشرف المخرج الصحفي بنفسه على تنفيذ الصفحات وقفل الأطواق وإعدادها للكبس على الورق الكرتون المكون من طبقات رقيقة من الوق والسيلولوز "لفلان"١ ثم سبك الصفحات بالرصاص المصهور على شكل نصف أسطوانة، وتركب هذه الأشكال الأسطوانية على محاور آله الطبع الدوراة "روتاتيف"٢ التي تدور بسرعة فائقة، وتزود بالحبر عن طريق مضخات خاصة، فيخرج الورق من النهاية الأخرى للمطبعة بعد مروره بين محاور الطبع كاملا ملونا بل مطويا في صورة معدة للتوزيع على القراء. وهكذا يتضح لنا أن المخرج الصحفي لا بد وأن يملك حاسة قوية لتقويم الأخبار وتقدير أهميتها، ومن ثم تحديد مكانها في الصحيفة، وذلك وفقا للسياسية الإخراجية، وتحت إشراف رئيس التحرير المسئول، كما يمتاز بخبرة واسعة بعمليات الإنتاج الصحفي من تحرير ومراجعة وجمع وحفر وطبع وغير ذلك، فضلا عن ذوق فني أصيل تعززه دراسات في الفنون عامة وفي الإخراج الصحفي خاصة، مع معرفة تامة بميول القراء ووسائل التأثير النفسي، وتحقيق أعلى مستوى من الانقرائية١، أي يسر القراءة وسهولتها.

стр. 270

الأسس الصحفية والنفسية لفن الإخراج الصحفي: ويقوم فن الإخراج الصحفي على أسس صحفية ونفسية وفسيولوجية وفنية. أما الأسس الصحفية فتتصل بتقويم الأخبار والموضوعات ودراسة أساليبها، وتقدير القيمة النفسية لها. وقد تعرضنا لهذه الدراسة في الأبواب السابقة من هذا الباب. وفي الصحف الأجنبية خبراء في تذوق الأخبار٢ تلقى على كواهلهم هذه المسئوليات، كما يقوم بهذه المهمة سكرتير التحرير المركزي، ولكن المخرج الصحفي لا بد وأن يكون قديرا هو الآخر في فن هذا الفن لأن العلاقة بين فن التحرير وفن الإخراج كالعلاقة بين المضمون والشكل في مختلف الفنون. وقد رأينا في الأبواب السابقة أن الفن الصحفي يعتمد على العلاقة الوثيقة بين الصحيفة والقراء، وأن للخبر مقاييس معروفة كالحداثة والقرب والضخامة والدلالة وسياسة الصحيفة واتجاهات الرأي العام وغيرها. والصحافة الشعبية الحديثة لا تفرض الأخبار على قرائها فرضا، ولكنها تدرس ميولهم دراسة دقيقة، وتنشر الموضوعات الصحفية التي تدور حول محاور الميول الإنسانية. وقد لاحظ الباحثون الصحفيون أن محاور الميول تتطور من عصر إلى آخر، فقد ازداد شغف الناس مثلا بالعلوم والفنون والمخترعات الحديثة، وأصبحت أنباء الفضاء والذرة والأخبار الاقتصادية والسياسية تحتل مكانة أعظم مما كانت تحتله من قبل. وبعد أن كان القارئ من قبل يمل قراءة الموضوعات الاقتصادية والسياسية، نجده اليوم شديد الاهتمام بالأخبار الخارجية والعلاقات الدولية ومعاني الإجراءات الاقتصادية كتخفيض قيمة الدولار أو إنشاء البنوك الدولية

стр. 271

وغيرها. على أن بعض الصحف تظن واهمة أن القراء يهتمون بحوادث القتل والجريمة والأخبار التافهة الغريبة أكثر من اهتمامهم بالموضوعات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية وغيرها، ولكن هذا الوهم يتبدد يوما بعد يوم. وليس معنى ذلك أن تنشر الصحف موضوعات علمية جافة أشبه بالرسائل العلمية أو تقارير اقتصادية وسياسية معقدة كتلك التي تكتب للخبراء والمسئولين، وإنما الفن الصحفي الحقيقي -كما رأينا من قبل- هو القدرة على تحويل تلك الموضوعات الهامة ذات المغزى الحقيقي، وذات الدلالة والخطر إلى موضوعات صحيفة جذابة، سهلة القراءة ومحببة إلى النفوس، ولا يتأتى ذلك -بطبيعة الحال- إلا بتضافر فنون الإخراج والتحرير والتصوير جميعا. وقد كان من الطبيعي أن تتأثر الصحافة بعلم النفس الحديث وتنتفع بأبحاثه ونتائجه كما تأثرت به سائر العلوم والفنون الأخرى. ولا شك أن الفن الصحفي يعتمد على أسس نفسية ودراسات تجريبية في هذا المضمار. ومن أهم العوامل النفسية المؤثرة في الصحافة: السن واتجاهات الرأي وأذواق القراء وعقلية الجماهير وثقافتهم والعادات القرائية ودور الألوان في التأثير والتبسيط والإقناع. فالشيوخ مثلا يفضلون الإخراج التقليدي العمودي المحافظ، في حين أن الشباب يميلون إلى الإخراج الأفقي الانسيابي، المدعم بالصور والألوان، وهذه في نظر الشيوخ بدع لا داعي لها، ويعلق أرنولد على اتجاه الصحافة المحافظة إلى الهجوم على التليفزيون والسينما واعتبارهما عوامل هدم الصحافة قائلا إنه بدلا من الشكوى والشتم والتهجم ينبغي على الصحافة أن تدرس كيف تجتذب الشباب والأطفال بالفن الصحفي الناجح، الذي لا يقوم على تقليد السينما أو محاكاة التليفزيون، وإنما بإنشاء فن صحفي مستقل قائم بذاته له القدرة على التأثير الإيجابي الفعال. وقد درجت الصحافة الحديثة على سبر غور الرأي العام وقياسه ومعرفة اتجاهاته نحو الموضوعات المختلفة التي تنشر، وينبغي أن تتكرر عملية قياس اتجاهات الرأي العام وتعديل السياسة الإخراجية بناء عليها. كما تختلف أذواق

стр. 272

القراء وفقا لأعمارهم وفئاتهم وثقافاتهم، فصحيفة الطبقة العامة تختلف عن صحيفة الفلاحين وتلك تختلف عن صحيفة الأطباء أو القضاة أو المثقفين. فقد تستخدم العناوين الكبيرة والصور الإيضاحية والرسوم والنماذج في صحيفة العمال أو الفلاحين، ولكن يمكن الإقلال من هذه العناصر في صحف المثقفين. ويعنى الإخراج الصحفي بمعرفة عادات الناس القرائية، فهناك فريق يكتفي بالمرور السريع على العناوين عامة ثم يتخير منها ما يهمه ليقرأه بإمعان، وهناك فريق آخر يطلع على المقدمات ويكتفي بها دون صلب الأخبار، وفريق ثالث يهتم بالنواحي الأدبية أو السياسية أو التجارية أو الفنية وهكذا.. فعلى قسم الأبحاث في الصحيفة أن يوالي دراسة عادات القراء، وتسجيل أي تغيير يطرأ عليها، حتى يتمكن المخرج الصحفي من تعديل خطته وفقا للنتائج التي يصل إليها، هذا مع العلم بأن المحافظة على البناء العام للصحيفة أمر جوهري للغاية لأنه يكون شخصيتها المألوفة لدى القراء. وتدرس الألوان من ناحية التأثير النفسي في القراء سواء في الإعلانات أو الأخبار أو الموضوعات، وبالنسبة لصحافة الأطفال وصحافة الشباب وصحافة المرأة وغيرها من أنواع الصحف. فمن الثابت أن الألوان تثير انتباه القراء وتخلق أثرا محببا لأول وهلة، وعندما تستعمل في الإعلانات تكسبها جمالا وواقعية وقدرة على التأثير. ولكننا نجد من جهة أخرى أن الإسراف في استخدام الألوان يؤدي إلى عكس الغرض المنشود. وقد أثبت لوكاس وبريت١ أن ازدحام الألوان يقلل من التباين والإبراز، وبذلك تنعدم قيمة التلوين، بل إن الإسراف في الألوان يجعل الطباعة السوداء أكثر لفتا للنظر. وقد وجد أيضا أن استعمال الألوان بكثرة في العناوين المثيرة وغيرها يكون أشبه شيء بالصخب المزعج الذي يثير إثارة غير هادفة ولا معنى لها، بل إنها تشبه بالصراخ الانفعالي العالي الذي لا لزوم له. والمخرج الصحفي الناجح لا يستعمل الألوان لغرض الإثارة في ذاتها، وإنما للإبراز والدلالة. أما إذا انتشرت الألوان

стр. 273

بلا ضابط فإن الصحيفة تفقد توازنها وتأثيرها. فالموسيقى الجميلة تبدأ هادئة وتحمل مشاعر المستمع في شوق حتى النهاية ويمكن حينئذ الارتفاع بطبقة النغم، أما إذا بدأت صاخبة واستمرت صاخبة فيستحيل الوصول بها إلى مواضع التأكيد والإبراز وغيرها. والطبيعة نفسها لا تسرف في الألوان. فقوس قزح لا نراه إلا نادرا، وإلى جانب كل زهرة زاهية اللون ملايين الزهور العادية والأوراق الخضراء. ولو طغت الزهور الزاهية على غيرها لما لفتت أنظارنا، وكذلك الألوان في الصحافة تفقد قيمتها عند الإسراف في استعمالها. ويعنى المخرج الصحفي كذلك بالارتباطات النفسية للألوان. فهو يعلم مثلا أن الألوان الحمراء والبرتقالية تنم عن معاني الدفء والعاطفة والحرب والخطر وغيرها. فالدم والنار لونهما أحمر. والشمس، وهي مبعث الدفء والضوء والحياة، كرة ملتهبة وضاءة غنية بالألوان الحمراء والبرتقالية. فلا غرابة، إذن، أن ترتبط الألوان الحمراء والصفراء والبرتقالية بالعاطفة والدفء والحياة. أما الألوان الزرقاء فتنم عن الهدوء والسكون والبرودة. فالماء لونه مائل إلى الزرقة وكذلك السحاب. فإذا اردنا استعمال الألوان في إعلان عن الثلاجات مثلا، وجب أن يكون اللون مائلا إلى الزرقة. أما إعلانات المدافئ مثلا فتناسبها الألوان الحمراء والصفراء والبرتقالية. والألوان البيضاء والزرقاء والخضراء تنم عن الطهر والنقاء، بينما تعبر الألوان الأرجوانية عن الخصوبة والرخاء. ولكن لا ينبغي أن يعتبر المخرج الصحفي هذه الارتباطات قوانين قاطعة بل لا بد أن يجرب ويختبر بنفسه.

стр. 274

الأسس الفسيولوجية لفن الإخراج الصحفي: والإخراج الصحفي فن تطبيقي له أغراضه النفعية. فالصحيفة تصدر ليقرأها الناس. ويعتبر مقياس الانقرائية -القابلية للقراءة السهلة- أهم مقاييس النجاح الصحفي. ولا بد أن يدخل المخرج الصحفي في اعتباره أن قارئ الصحيفة غير قارئ الكتاب؛ لأن الصحيفة تقرأ غالبا في ظروف غير مواتية لتيسير عملية القراءة. فهناك من يطلع على صحيفته في السيارة العامة أو أثناء تناول طعام الإفطار أو في محطة السكك الحديدية، وقد يكون الضوء غير كاف للقراءة. وقديما كانت الصحف تطبع بحروف كبيرة عندما كانت الأخبار قليلة والورق رخيصا، ثم تغيرت الأحوال بعد ذلك فارتفعت أسعار الورق وكثرت الأخبار بتقدم المواصلات والاعتراف بأهمية الصحافة، فأخذت الصحف تستعمل الحروف الصغيرة للاقتصاد فبلغت بنط ٥ في الصحف الأوروبية وبنط ٧ في الصحف العربية كالأهرام مثلا. ولكن تقدم البحوث الطبية والدراسات البصرية ألقى الضوء على مشكلات القراءة الصحفية وأثرها على العين. فمن الثابت أن الناس ينفقون من الوقت في القراءة أكثر مما ينفقون في الأكل مثلا، وأن الإخراج الصحفي الرديء قد يضر العين أبلغ الضرر. ومن هنا بدأت الدراسات الجادة في الأسس الفسيولوجية للإخراج الصحفي. وقد كان الناس يعتقدون قديما أن القارئ ينتقل من كلمة إلى أخرى حتى يستوعب السطر ثم يبدأ قراءة سطر آخر، ولكن الأبحاث الحديثة أثبتت خطأ هذا الاعتقاد. والعين لا تتحرك أثناء القراءة في خط مستقيم من كلمة إلى أخرى، وإنما تتحرك في فقرات بينها وقفات. وفي كل فقزة يدرك القارئ وحدة فكرية لا وحدة لفظية. وكلما زادت الوقفات كان ذلك دليلا على تعثر القراءة. وفي بعض الأحوال يضطر القارئ إلى الرجوع وإعادة ما قرأه. ولا شك أن هذه الرجعات تدل كذلك على صعوبة القراءة، فلا بد إذن من توفير الانقرائية وتيسير القراءة عن طريق تقليل الوقفات وخفض الرجعات إلى أدنى حد ممكن. والعين الطبيعية لا تستوعب في النظرة الأولى إلا سنتيمترين من الألفاظ تقريبا. ومعنى ذلك أنه إذا زاد طول السطر، استلزم ذلك تحريك حدقة العين أو الرأس تحريكا كثيرا قد يطول إلى حد التعب والملل. ولذلك أجريت عدة تجارب لمعرفة أطول الأسطر المناسبة للقراءة المريحة. ولا شك أن هناك علاقة وثيقة بين حجم الحروف وطول السطر. فكلما كبرت الحروف أمكن إطالة السطر، أما إذا كانت الحروف صغيرة فمن الواجب أن يكون السطر قصيرا.

стр. 275

ومن الطريف أن الطابعين القدامى قد استطاعوا الوصول إلى نتائج هامة في هذا الصدد تقترب كثيرا من النتائج التي وصل إليها علماء النفس والفسيولوجيا، فقد اعتاد هؤلاء الطابعون في الماضي أن يجعلوا طول السطر بالكور مساويا لحجم الحرف بالنبط مرة ونصف مرة. فإذا استعمل حرف حجمه عشرة أبناط وجب أن يكون طول السطر خمسة عشر كورا، وإذا استعمل حرف حجمه اثنا عشر بنطا وجب أن يكون طول السطر ثمانية عشر كورا وهكذا. ولنقارن ذلك ببعض النتائج التي وصل إليها العلماء من أمثال باترسون وتنكر١ وغيرهما: ومما سبق يتضح ضرورة جمع حروف المقدمة التي تكون عادة من بنط ٢٤ أو بنط ١٨ أو بنط ١٢ على عمودين أو ثلاثة. أما صلب الخبر وهو عادة من بنط ٩ فيكفي أن يكون على عمود واحد. ويحسن كذلك أن تجمع المواد التي يقرؤها غالبية الناس بحروف كبيرة نسبيا، أما المواد التي يقرؤها القليل من الناس كنتائج سباق الخيل أو أسعار البورصة مثلا فمن الممكن أن تجمع بحروف صغيرة. ولكن لا ينبغي أن يقف العامل الاقتصادي عائقا في سبيل الانقرائية. وعلى

стр. 276

المخرج الصحفي أن يختصر بعض التحقيقات المطولة والمواد المكررة والحشو وغير ذلك، لكي يضمن أن الصفحات مريحة للنظر سهلة القراءة، وذلك لأن القارئ غير ملزم بمتابعة ما يعرض عليه في الصحيفة، إذا وجد صعوبة في القراءة، فهو إذا لم يجد السبيل ميسرا أمامه لجأ إلى صحيفة أخرى أو مجلة أو أي وسيلة من وسائل الإعلام كالإذاعة والتليفزيون. ومن العوامل التي تساعد على يسر القراءة فراغ أبيض بين الكلمات والسطور. ولكن الإسراف في استعمال هذه الفراغات مثله مثل ازدحام السطور والكلمات قد يتعب النظر، ولا بد أن يستخدم الفراغ الأبيض بمهارة، كأن يأتي مثلا في نهاية فقرة ذات معنى واحد أو في آخر كل شهادة ترد في قضية من القضايا. أما إذا استعمل البياض بعد سطر واحد مثلا فقد يؤدي إلى التشويش على القارئ بإيهامه أن السطر يكون وحدة مستقلة. ووجد أيضا أن الفراغات البيضاء بين الأعمدة ضرورية للغاية ومريحة للنظر، ويجب إلا يقل عرض جسم الجدول بين كل عمودين عن ستة أبناط وقد وصل عرض أجسام الجداول أيام الحرب العالمية الثانية إلى أربعة أنباط بل وإلى بنطين أحيانا، وذلك للاقتصاد في الورق وتكاليف الطباعة، ولكن هذه السياسة خاطئة وتؤدي عادة إلى عكس الغرض المنشود. ويعتقد بعض الصحفيين أن الإسراف في استعمال الحروف "السوداء" يعين على يسر القراءة، ولكن الأبحاث العلمية أثبتت خطأ هذا الاعتقاد. فلا ينبغي الإسراف في استعمال الحروف "السوداء"، ويجب الاقتصاد في استعمالها على العناوين والمقدمات الأخبارية والعبارات والمراد إبرازها فقط، مع الاكتفاء باستعمال الحروف "البيضاء" في صلب الخبر. والعناوين الفرعية لا تساعد على ترتيب الأفكار فحسب، بل تساعد أيضا على تسهيل القراءة، فهي تريح العين عند النظر إلى الحروف في صورة فقرات منفصلة لا كتلة متماسكة سوداء، وينصح علماء الصحافة بوضع العناوين الفرعية بين كل مائتين أو ثلاثمائة حرف على الأكثر.

стр. 277

ويسرف بعض المخرجين الصحفيين في استعمال الحروف البيضاء على أرضية سوداء، ظنا منهم أن هذه الطريقة تسهل عملية القراءة وتساعد على الإبراز ولفت النظر، ولكن التجارب العلمية أثبتت أن الحروف البيضاء على أرضية سوداء تتعب نظر القارئ، وخاصة إذا كثر استعمالها. والقراءة بهذه الطريقة أعسر من قراءة الحروف السوداء على الأرضية البيضاء. وفي آخر الإحصاءات أن سرعة قراءة الحروف السوداء على أرضية بيضاء تزيد ١٠.٥%عن سرعة قراءة الحروف البيضاء على أرضية سوداء، ولا بد أن يراعى الاعتدال في ذلك لأنها متعبة لنظر القارئ رغم فائدتها المحققة في لفت الأنظار. وقد وجد أن اللون الأسود على أرضية الورق الأبيض هو أفضل الألوان بالنسبة لراحة العين، وقد يكون السبب في ذلك هو تعود القراء عبر مئات السنين على قراءة الحروف السوداء المطبوعة، غير أن الألوان الأخرى كالأحمر والأخضر والأصفر والبرتقالي والأخضر وغيرها تصلح لجذب الانتباه أكثر مما تصلح لطباعة المتن نفسه. ومما لا شك فيه أن توفير المساحة البيضاء المناسبة حول الحروف السوداء يؤدي إلى راحة العين ويسر القراءة. غير أن المساحة البيضاء نفسها ينبغي أن تتناسب مع حجم العنصر الطباعي ودرجة سوداه. فالحروف الكبيرة تحتاج إلى بياض أكبر، كما أن الحروف الداكنة السواد تتطلب بياضا أكبر من الحروف المتوسطة أو الرمادية. ولذلك فإننا نجد أن وجه الحرف يرتكز على قاعدة تزيد بمقدار بنط واحد على الأقل لتوفير البياض اللازم. ويستخدم البياض أيضا حول العناوين والصور والإطارات، كما يستخدم حول الجداول الفاصلة بين الأعمدة بحيث لا يقل عن ٦ أبناط لراحة العين. وتستخدم بعض الصحف مساحات من البياض الطولي بين الأعمدة بدلا من الجدول، كما تستخدم البياض نفسه للفصل بين الموضوعات في صفحة المقالات الافتتاحية. هذا فضلا عن استخدام المساحات البيضاء في الهوامش المحيطة بالصفحات، والمعروف أن هوامش الصحف أصغر من هوامش الكتب. مع ملاحظة أن الإسراف في المساحات البيضاء يمكن أن يتعب البصر كالإسراف في المساحات السوداء.

стр. 278

الأسس الفنية للإخراج الصحفي: يتجه فن الإخراج الحديث إلى اعتبار الصفحة لوحة بيضاء غير محددة بالأعمدة تحديدا جامدا، فيستطيع المخرج أن يعرض العناصر الطباعية المختلفة -من حروف إلى صور إلى رسوم إلى خرائط- بنفس الطريقة التي يعرض بها الفنان رسومه أو صوره. وعلى هذا الأساس أصبح التصميم الصحفي مبنيا على أسس مشابهة للتصميم الفني. وينظر المخرج الصحفي إلى الصحيفة التي يخرجها على أنها وحدة متكاملة من حيث الشكل العام والإخراج الفني، ومع أن كل خبر لا بد أن يقع في مكانه المخصص له واللائق به، فلا بد أن تنسجم العناوين والحروف والصور وغيرها من العناصر الطباعية لتكون فيما بينها وحده فنية تريح النظر وتمتع القارئ وتعينه على القراءة بيسر. ولا يمكن تحقيق هذه المميزات إلا إذا كانت الصفحة مكونة تكوينا فنيا. والتكوين الفني١ له أصوله وقواعده ولا بد أن يتوفر فيه عدة عناصر تتضافر جميعا للوصول إلى ذلك التكوين الجميل. ولعل أهم هذه الخصائص التوازن٢ الذي ينقسم إلى نوعين: توازن شكلي متماثل، وتوازن غير شكلي متباين. فإذا نظرت إلى صفحة متوازنة توازنا متماثلا وجدت أن النصف الأيمين من الصفحة ينطبق تمام الانطباق على النصف الأيسر منها، وذلك من حيث كافة العناصر الطباعية. ولكن هناك توازنا آخر أكثر حيوية، تتباين فيه العناصر الطباعية المكونة لنصفي الصفحة، بحيث إنك إذا رسمت خطا عموديا في منتصف الصفحة لما وجدت أن النصفين ينطبقان كما هو الحال في التوازن المتماثل. ومع ذلك فإن هذا التوازن المستتر يمكن إحساسه، وإن كان يصعب قياسه بالمسطرة، كما تستطيع أن تفعل في التوازن المتماثل. فالمساحة الصغيرة البعيدة عن المحور البصري للصفحة تتوازن مع مساحة أخرى كبيرة قريبة من هذا المحور. وكذلك المساحة الطباعية قاتمة اللون يمكن

стр. 279

أن تتوازن مع عدة مساحات أخف درجة وهكذا. ويعتمد هذا النوع من التوازن غير الملحوظ على نظرية الروافع التي تجعل التوازن بين الأثقال متوقفا على حجمها وبعدها أو قربها من نقطة الارتكاز، ولعل ميزان القبان هو خير مثال لذلك. وقد وجد أن التوازن غير الشكلي يعطي المخرج الصحفي حرية في التعبير والتنويع أكثر من التوازن الشكلي الهندسي المتماثل. ومن صفات التكوين الجميل أيضا الإيقاع١، وهو الذي يجعل التصميم نابضا بالحياة. فكما نسمع الأنغام الإيقاعية في الموسيقى، ونشهدها في الحياة بتتابع الليل والنهار والفصول والحياة والموت، فإنه من الممكن أن نلمس الإيقاع في الشكل الفني عندما تنتقل عين القارئ من عنوان إلى آخر ومن صورة إلى صورة، دون تعثر أو ملل، ولا شك أن الإخراج الأفقي الحديث قد منح الصحفي مجالا أوسع للتعبير بالإيقاع، فأصبح من السهل تكوين العناوين والصور بحرية تامة لا يتمتع بها المخرج في النظام العمودي التقليدي. وإذا كانت الخطوط العمودية تنم عن القوة والرسوخ والاستقرار والوقار، فإن الخطوط الأفقية والمائلة ترتبط بالحركة والحيوية والإيقاع وهي سمات فن الإخراج الصحفي الحديث. والتناسب٢ من أهم خصائص التكوين الجميل، ويقصد بالتناسب جمال العلاقات بين الأجزاء بعضها بالبعض الآخر وكذلك بالنسبة للشكل الكلي نفسه. ومع أن التناسب يكون نتيجة للإحساس والذوق العام فهناك بضعة إرشادات أيضا في هذا الصدد. فقد وجد اليونان أن التناسب لا يكون بالتماثل، فلا يعقل مثلا أن تكون الشجرة ذات الفروع والأغصان المتماثلة في السمك جميلة الشكل؛ إذ إنه لا بد من التدرج بنسب معينة. "والقاعدة الذهبية" التي وصل إليها اليونان تقول إن أجمل نسبة هي ٣: ٥ تقريبا، ويحسبها البعض حسابا دقيقا فيقولون إنها ١: ١.٤١٤ أو ٣: ٤.٢٤. ومع ذلك فإن المخرج الصحفي لا ينبغي أن يكون عبدا لهذه المقايسس الإرشادية النافعة.

стр. 280

فالهدف الأساسي للإخراج الفني هو الوصول إلى صفحة يسودها التوافق والانسجام١. فالعناصر الطباعية لا بد أن تنسجم لتكون صفحة متكاملة. ومع ذلك فإن المخرج الصحفي بحاجة إلى إبراز بعض العناصر كالأخبار والصور التي يرى أنها ذات قيمة أو خطر بحيث تستحق الإبراز٢. ويقوم هذا العنصر على أساس التباين في المساحة والدرجة والشكل واللون والفراغات البيضاء. فالمعروف أن العنوان أو الصورة الكبيرة تلفت الأنظار وخاصة إذا قيست بالنسبة للمساحة العامة للصفحة، كما أن الحروف السوداء والصور الداكنة تثير الانتباه أكثر من العناصر الطباعية العادية، وخاصة إذا كانت على أرضية بيضاء. وقد يكون العنوان هاما ومأخوذا من وثيقة خطيرة فيحاط بدائرة أو يوضع في إطار، وبذلك يلفت الأنظار عن بقية المواد. وقد رأينا أن الألوان تثير الانتباه بطبيعتها وخاصة إذا كانت زاهية، ومع ذلك فإن الإسراف في استعمالها لا يحقق الغرض المنشود. والفراغ الأبيض في الصحيفة يشبه الصمت في الخطابة، فإذا أراد الخطيب أو المتحدث أن يلفت الأنظار صمت برهة ليسترعى انتباه الجمهور. والموسيقى أيضا تعتبر فترات الصمت جوهرية للغاية. وقد استغلت الإعلانات تلك الفراغات استغلالا مثيرا فاحتجزت مثلا صفحة كاملة بيضاء لإعلان واحد كتب في وسطه سطر واحد بحروف صغيرة تقول: "هذه الصفحة غسلت بصابون ... " ومع ذلك، فالإسراف في استعمال المساحات البيضاء مثل الإسراف في استخدام الألوان يفسر الإخراج من النواحي الفنية والنفسية معا. وقد دأبت بعض الصحف الحديثة على استغلال خصائص الإبراز والتأكيد، ظنا منها أن ذلك يساعد على جذب الأنظار وارتفاع التوزيع، ولكن الحقيقة أن المبالغة في الإبراز لا ينجم عنها إلا التشويش على القارئ. فالعناوين الضخمة، والألوان الكثيرة المتعددة، والإطارات المتناثرة، والمساحات الداكنة، تبدو كلها وكأنها صرخات مدوية تفزع القارئ وتمسخ القيم الفنية، فلا يبدو الإبراز تأكيدا، بل إن الصحف الهادئة أصبحت أكثر جاذبية ولفتا للنظر من الصحف الصاخبة! والواقع أن تراثنا الصحفي الأصيل بعيد عن هذا الصخب الذي بدأ قبيل الحرب العالمية الثانية، عندما طبعت الأهرام جزءا من رأس صفحتها الأولى باللون الأحمر يوم ٧ يناير سنة ١٩٣١. وهناك أيضا الأرضية الحمراء الملونة للأهرام الثلاثة التي اتخذتها الجريدة شعارا لها سنة ١٩٣٣، كما اتخذت جريدة المصري العلم الأخضر شعارا لها منذ أكتوبر سنة ١٩٣٧. وبعد ذلك أخذت الصحافة المصرية تتبارى في إقحام الألوان بكثرة، وجربت الصور والرسوم ذات الألوان المتعددة، تمشيا مع الذوق البصري الذي خلفه عالم السينما والتليفزيون.

стр. 281

المذهب الكلاسيكي في الإخراج الصحفي: ويتراوح فن الإخراج الصحفي بين المذاهب التقليدية والمأثورية من جهة والمذاهب التجديدية الانطلاقية الحديثة من جهة أخرى. والتوازن المتماثل أسلوب تقليدي في الإخراج الصحفي لتكوين صفحة منسقة، وفيه يتماثل شقا الصفحة تماثلا تاما. وقد كان هذا الأسلوب سائدا في الصحافة المصرية والأجنيبة خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. ولا شك أن النفس البشرية ميالة بطبيعتها إلى التوازن والتماثل١. ويقول كتسون٢: أن الإنسان مخلوق متوازن الشكل بطبيعته، لذلك فإنه إذا رأى شيئا أحب أن يراه بشقي كيانه المتماثلين، ولا يتسنى له ذلك إلا إذا كان ما يراه متوازنا. ولا شك أن التوازن المتماثل أسلوب ناجح ينم عن الهدوء والوقار، ولذلك تتمسك به الصحف الرفيعة لأن قراءها يأنسون إليه. ولكن هذا الأسلوب في الإخراج الذي يعبر عن الأخبار العادية في الأحوال العادية، يصبح قاصرا إذا أردنا التعبير عن أخبار متفاوتة الأهمية؛ لأنها تتطلب إبراز عناصر معينة وتأكيدها دون غيرها. ومن عيوب الأسلوب المتماثل في الإخراج أنه هندسي شكلي، قد يبعث إلى الملل، مصطنع لا يتغير كالشعر ذي القافية الرتيبة، أو الموسيقى ذات الإيقاع الممل، ويضطر المخرج الصحفي في حالات كثيرة إلى تعديل الأخبار باختصارها

стр. 282

أو الإضافة إليها لكي يتم التماثل بين شقي الصفحة، ولا بد أن ينجم عن ذلك مبالغة في بعض العناوين وتصغيرا لبعض العناوين الأخرى، وهذا على حساب القيم الإخبارية الصحفية. أما إذا أراد المخرج أن يحتفظ بالقيم الإخبارية مع تمسكه بأسلوب التماثل الشكلي في الإخراج، فلا بد أن يلجأ إلى وضع بقايا الموضوعات في الصفحات الداخلية، غير أن كثرة البقايا، وإحالة القائ إلى الصفحات الأخرى، تتعب القارئ وتفسد الأسلوب الإخراجي. وقد علق أحد الصحفيين١ على هذا الأسلوب الشكلي معبرا عن الثورة عليه بقوله: إنني أريد أن أتحرر من هذا الأسلوب الجاف المصطنع، ولا أود أن تكون صحيفتي كحجرة استقبال من الطراز العتيق حيث يثبت كل مقعد في مكانه المحدود دون أن يطرأ عليه أي تغيير. ولكني أفضل أن تمتاز صحيفتي بشيء من التلقائية الطبيعية المحببة إلى النفس، حتى يشعر القارئ أنه يطلع على صحيفة واقعية، تعرض عليه الأنباء بالطريقة التي ينبغي أن تعرض بها دون مبالغة أو تهويل أو تقييد جامد في قوالب حديدية من التوازن المتماثل. وليس معنى ذلك أنني أدعو إلى التحلل من الأصول الإخراجية أو الدفاع عن الصحف الانطلاقية، وإنما أدعو إلى إخراج واضح يمتاز بالمرونة والتلقائية. وأسلوب كهذا في الإخراج قمين بدفع الملل وتبديد السأم بالإضافة إلى مرونته وإشباع ميول القراء في البحث عن كل جديد. لذلك بدأ المخرجون الصحفيون يتحررون من قيود التماثل الدقيق، ويأخذون بالتوازن المتحرر في أجزاء من الصحفة. فنجد أن صفحات تتوازن في سنة أعمدة ولا تتوازن بالنسبة للعمودين الآخرين وبذلك يتحرك المحور البصري للصفحة إلى اليسار مثلا. وقد يتم التوازن في أعلى الصفحة وفي أسفلها مع بقاء وسط الصفحة دون قيد التماثل. وقد يكون التوازن بعناصر طباعية مختلفة فيقابل العنوان صورة مثلا، كما يمكن تعدد المحاور البصرية في أجزاء الصفحة الأربعة مع تنوع العناصر الطباعية وفقا لذوق المخرج. وهكذا نجد أن هذا

стр. 283

الأسلوب غير الشكلي يتم فيه التوازن بتوزيع القوى وتعادلها حول المحور البصري للصفحة. فمساحة واحدة كبيرة على مقربة من المحور يمكن أن تتوازن مع مساحة صغيرة بعيدة عنه سواء كانت هذه المساحة صورة أو حروفا أو رسوما أو غير ذلك. أو أن مساحة داكنة كبيرة تتوازن مع بضع مساحات فاتحة صغيرة. وتوزع المساحات عادة على خطوط مائلة وعلى أبعاد متفاوتة. وهكذا يستطيع المخرج الصحفي أن يتجنب الرتابة والتزمت بالتحرر من قيود التماثل الهندسي الشكلي الدقيق، كما يمكنه أن يعرض الأخبار وفقا لأهميتها النسبية عن طريق التوازن المتباين١. ولكن المخرج الصحفي يواجه أحيانا بخبر هام تطغى قيمته الصحفية على سائر الأخبار الأخرى، ومن الطبيعي أن يلجأ إلى إبراز هذا الخبر وتأكيده مع الاحتفاظ بوحدة الصفحة واتساقها. وهو يستطيع أن يحقق ذلك إذا استعان بأسلوب الإخراج البؤري٢، وفيه يظهر عنوان كبير متوازنا مع عدة عناوين أخرى أصغر منه وأقل سوادا. فإذا كانت البؤرة البصرية فوق الربع العلوي الأيمن من الصفحة، كان لا بد من توزيع بقية المواد الطباعية متدرجة من أعلى اليسار إلى أسفل اليمين بطريقة تشبه الدعامة أو الرف، وهكذا يوجد إلى جانب البؤرة البصرية الأصلية بؤرة بصرية ثانوية تنتقل إليها العين بعد استيعاب الجزء الرئيسي الأول. وهنا تواجه المخرج الصحفي مشكلة أخرى هامة، فأي مكان من الصفحة يعتبر أكثر جذبا ولفتا للأنظار؟ إن علماء النفس المحدثين من أمثال هوجو مونستربرج٣ وغيره ممن عنوا بدراسة علم النفس الصحفي يؤكدون أن عين قارئ الصحيفة تتحرك من اليسار إلى اليمين "عند قراءة الصحيفة الأجنبية" حتى تصل إلى نهاية السطر في أقصى اليمين فتكون الوقفة، حيث "تهضم" العين ما قرأت، ويعي العقل ما استوعبه. ولذلك فإن الصحف

стр. 284

الأمريكية تفضل وضع الموضوعات الهامة في أقصى اليمين، وهذا على العكس من الصحف الإنجليزية التي لا زالت تضع هذه الموضوعات إلى اليسار. ويرى علماء النفس أيضا أننا إذا وضعنا الموضوع الهام في غير مكانه الطبيعي، فإننا نرغم العين على التوقف والتبصر إرغاما، فيتأثر العقل تأثرا لا شعوريا، يفسد عملية القراءة الطبيعية. ويهمنا أن نذكر بالنسبة للصحافة العربية أن أبحاثا قد أجريت منذ سنوات لدراسة سلوك القارئ، ومن نتائجها أن القارئ العربي يمر ببصره على السطر من اليمين إلى اليسار فتكون الوقفة في أقصى اليسار، حيث ينبغي أن توضع الموضوعات الهامة. فإذا طبقنا هذه النتيجة العلمية الهامة، كان لا بد للمخرج الصحفي العربي أن يحدث انقلابا في الإخراج مثل الانقلاب الذي حدث في الصحافة الأمريكية، فتنتقل الموضوعات الهامة من اليمين إلى اليسار كما انتقلت هذه الموضوعات في الصحافة الأمريكية من اليسار إلى اليمين. وإذا كان الإخراج البؤري يساعد على التعبير عن القيمة الإخبارية للمواد الصحفية، فإنه قد يفسد توازن الصفحة إذا لم يكن المخرج الصحفي شديد الحذر. فالمبالغة في العنوان البؤري قد تجعل مركز الثقل في مكان واحد فيختل توازن الصفحة، لكن المخرج الفنان يستطيع بمهارته أن يوزع العناوين توزيعا دقيقا على أجزاء الصفحة بحيث تشير جميعا إلى العنوان البؤري فتجذب النظر إليه، وتتوازن معه في الوقت نفسه فتخدم الوحدة الفنية للصفحة. فالمهم -إذن- هو أن تتساوى قوى الجذب والشد بحيث ينتج التوازن من تعادلها. والواقع أن المذهب الكلاسيكي في الإخراج الصحفي يهدف بأساليبه المختلفة إلى اتساق الصفحة وتكاملها، بحيث ينظر إليها القارئ على أنها وحدة فنية تتضافر أجزاؤها جميعا للتعبير عن شتى الموضوعات، وينبغي أن تتدرج العناوين والصور والحروف من حيث الحجم ودرجة السواد من أعلى إلى أسفل على أن يكون هذا التدرج غير مفتعل، وإلا اختل التوازن وأصبح الجزء العلوي أثقل بكثير من الجزء السفلي. أما إذا كانت العناوين متساوية السواد والحجم فإنها تبدو كالبقع أو كرقعة الشطرنج، كما أن الإسراف في الفراغات البيضاء يفسد الصفحة؛ لأن هذه الفراغات تتصل ببعضها وتكون أشكالا شاذة تفسد نظام الصفحة. ومن الخطأ وضع العناوين أو الصور على خط الطي "وهو وسط الصفحة التي تطوى عنده" ولكن ينبغي أن توزع العناوين والصور على جميع أجزاء الصفحة العليا الوسطى والدنيا لكي تتم الوحدة الفنية المتكاملة في تدرج واتزان.

стр. 285

المذهب الحديث في الإخراج الصحفي: وثمة مذهب آخر في الإخراج الصحفي لا يحفل بالقواعد التقليدية ولا يهتم بالقوانين الفنية المأثورة، بل إنه كثيرا ما يتعمد تخطي القواعد وتحطيم القيود. وينطوي هذا المذهب الحديث على الانطلاق والتحرر من أفكار التوازن بجميع أشكاله، وإهمال الوحدة الفنية التقليدية إهمالا مقصودا. ويمكن اعتبار المذهب الانطلاقي الحديث امتدادا طبيعيا للفنون الحديثة بمدارسها التجريدية والسيريالية والتكعيبية والتعبيرية والمستقبلية١ وغيرها. فالقواعد الكلاسيكية والنتائج الأكاديمية تحطم من أجل التعبير الحي والتجريب الجديد. وتتخطى الصحافة الانطلاقية قيود الإخراج الصحفي الكلاسيكي إمعانا في جذب الأنظار. وإبراز بعض النواحي الهامة من الأخبار، وجريا وراء الترويح وارتفاع التوزيع. فلا بأس من وضع العناوين الحمراء الضخمة إلى جانب العناوين السوداء العريضة والصور الداكنة والألوان الصاخبة. ولا بأس أيضا من استعمال بعض أنواع الخطوط التي قد لا تنسجم مع بعضها البعض، بل تتباين تباينا شديدا للإثارة ولفت الأنظار. ويدافع أصحاب المذهب الحديث في الإخراج عن أساليبهم قائلين إنها تتمشى مع روح العصر. فقد انتهى زمن الإخراج العمودي بانتهاء عصر العربات والخيول وشيوع السيارات والقطارات. وإذا نظرنا إلى سيارة حديثة وجدنا أنها
следующие страницы →