← Адаб

Адаб · id 11735

دراسات في الفن الصحفي

إبراهيم إمام

Полный текст (364 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

المذهب الكلاسيكي في الإخراج الصحفي: ويتراوح فن الإخراج الصحفي بين المذاهب التقليدية والمأثورية من جهة والمذاهب التجديدية الانطلاقية الحديثة من جهة أخرى. والتوازن المتماثل أسلوب تقليدي في الإخراج الصحفي لتكوين صفحة منسقة، وفيه يتماثل شقا الصفحة تماثلا تاما. وقد كان هذا الأسلوب سائدا في الصحافة المصرية والأجنيبة خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. ولا شك أن النفس البشرية ميالة بطبيعتها إلى التوازن والتماثل١. ويقول كتسون٢: أن الإنسان مخلوق متوازن الشكل بطبيعته، لذلك فإنه إذا رأى شيئا أحب أن يراه بشقي كيانه المتماثلين، ولا يتسنى له ذلك إلا إذا كان ما يراه متوازنا. ولا شك أن التوازن المتماثل أسلوب ناجح ينم عن الهدوء والوقار، ولذلك تتمسك به الصحف الرفيعة لأن قراءها يأنسون إليه. ولكن هذا الأسلوب في الإخراج الذي يعبر عن الأخبار العادية في الأحوال العادية، يصبح قاصرا إذا أردنا التعبير عن أخبار متفاوتة الأهمية؛ لأنها تتطلب إبراز عناصر معينة وتأكيدها دون غيرها. ومن عيوب الأسلوب المتماثل في الإخراج أنه هندسي شكلي، قد يبعث إلى الملل، مصطنع لا يتغير كالشعر ذي القافية الرتيبة، أو الموسيقى ذات الإيقاع الممل، ويضطر المخرج الصحفي في حالات كثيرة إلى تعديل الأخبار باختصارها

стр. 282

أو الإضافة إليها لكي يتم التماثل بين شقي الصفحة، ولا بد أن ينجم عن ذلك مبالغة في بعض العناوين وتصغيرا لبعض العناوين الأخرى، وهذا على حساب القيم الإخبارية الصحفية. أما إذا أراد المخرج أن يحتفظ بالقيم الإخبارية مع تمسكه بأسلوب التماثل الشكلي في الإخراج، فلا بد أن يلجأ إلى وضع بقايا الموضوعات في الصفحات الداخلية، غير أن كثرة البقايا، وإحالة القائ إلى الصفحات الأخرى، تتعب القارئ وتفسد الأسلوب الإخراجي. وقد علق أحد الصحفيين١ على هذا الأسلوب الشكلي معبرا عن الثورة عليه بقوله: إنني أريد أن أتحرر من هذا الأسلوب الجاف المصطنع، ولا أود أن تكون صحيفتي كحجرة استقبال من الطراز العتيق حيث يثبت كل مقعد في مكانه المحدود دون أن يطرأ عليه أي تغيير. ولكني أفضل أن تمتاز صحيفتي بشيء من التلقائية الطبيعية المحببة إلى النفس، حتى يشعر القارئ أنه يطلع على صحيفة واقعية، تعرض عليه الأنباء بالطريقة التي ينبغي أن تعرض بها دون مبالغة أو تهويل أو تقييد جامد في قوالب حديدية من التوازن المتماثل. وليس معنى ذلك أنني أدعو إلى التحلل من الأصول الإخراجية أو الدفاع عن الصحف الانطلاقية، وإنما أدعو إلى إخراج واضح يمتاز بالمرونة والتلقائية. وأسلوب كهذا في الإخراج قمين بدفع الملل وتبديد السأم بالإضافة إلى مرونته وإشباع ميول القراء في البحث عن كل جديد. لذلك بدأ المخرجون الصحفيون يتحررون من قيود التماثل الدقيق، ويأخذون بالتوازن المتحرر في أجزاء من الصحفة. فنجد أن صفحات تتوازن في سنة أعمدة ولا تتوازن بالنسبة للعمودين الآخرين وبذلك يتحرك المحور البصري للصفحة إلى اليسار مثلا. وقد يتم التوازن في أعلى الصفحة وفي أسفلها مع بقاء وسط الصفحة دون قيد التماثل. وقد يكون التوازن بعناصر طباعية مختلفة فيقابل العنوان صورة مثلا، كما يمكن تعدد المحاور البصرية في أجزاء الصفحة الأربعة مع تنوع العناصر الطباعية وفقا لذوق المخرج. وهكذا نجد أن هذا

стр. 283

الأسلوب غير الشكلي يتم فيه التوازن بتوزيع القوى وتعادلها حول المحور البصري للصفحة. فمساحة واحدة كبيرة على مقربة من المحور يمكن أن تتوازن مع مساحة صغيرة بعيدة عنه سواء كانت هذه المساحة صورة أو حروفا أو رسوما أو غير ذلك. أو أن مساحة داكنة كبيرة تتوازن مع بضع مساحات فاتحة صغيرة. وتوزع المساحات عادة على خطوط مائلة وعلى أبعاد متفاوتة. وهكذا يستطيع المخرج الصحفي أن يتجنب الرتابة والتزمت بالتحرر من قيود التماثل الهندسي الشكلي الدقيق، كما يمكنه أن يعرض الأخبار وفقا لأهميتها النسبية عن طريق التوازن المتباين١. ولكن المخرج الصحفي يواجه أحيانا بخبر هام تطغى قيمته الصحفية على سائر الأخبار الأخرى، ومن الطبيعي أن يلجأ إلى إبراز هذا الخبر وتأكيده مع الاحتفاظ بوحدة الصفحة واتساقها. وهو يستطيع أن يحقق ذلك إذا استعان بأسلوب الإخراج البؤري٢، وفيه يظهر عنوان كبير متوازنا مع عدة عناوين أخرى أصغر منه وأقل سوادا. فإذا كانت البؤرة البصرية فوق الربع العلوي الأيمن من الصفحة، كان لا بد من توزيع بقية المواد الطباعية متدرجة من أعلى اليسار إلى أسفل اليمين بطريقة تشبه الدعامة أو الرف، وهكذا يوجد إلى جانب البؤرة البصرية الأصلية بؤرة بصرية ثانوية تنتقل إليها العين بعد استيعاب الجزء الرئيسي الأول. وهنا تواجه المخرج الصحفي مشكلة أخرى هامة، فأي مكان من الصفحة يعتبر أكثر جذبا ولفتا للأنظار؟ إن علماء النفس المحدثين من أمثال هوجو مونستربرج٣ وغيره ممن عنوا بدراسة علم النفس الصحفي يؤكدون أن عين قارئ الصحيفة تتحرك من اليسار إلى اليمين "عند قراءة الصحيفة الأجنبية" حتى تصل إلى نهاية السطر في أقصى اليمين فتكون الوقفة، حيث "تهضم" العين ما قرأت، ويعي العقل ما استوعبه. ولذلك فإن الصحف

стр. 284

الأمريكية تفضل وضع الموضوعات الهامة في أقصى اليمين، وهذا على العكس من الصحف الإنجليزية التي لا زالت تضع هذه الموضوعات إلى اليسار. ويرى علماء النفس أيضا أننا إذا وضعنا الموضوع الهام في غير مكانه الطبيعي، فإننا نرغم العين على التوقف والتبصر إرغاما، فيتأثر العقل تأثرا لا شعوريا، يفسد عملية القراءة الطبيعية. ويهمنا أن نذكر بالنسبة للصحافة العربية أن أبحاثا قد أجريت منذ سنوات لدراسة سلوك القارئ، ومن نتائجها أن القارئ العربي يمر ببصره على السطر من اليمين إلى اليسار فتكون الوقفة في أقصى اليسار، حيث ينبغي أن توضع الموضوعات الهامة. فإذا طبقنا هذه النتيجة العلمية الهامة، كان لا بد للمخرج الصحفي العربي أن يحدث انقلابا في الإخراج مثل الانقلاب الذي حدث في الصحافة الأمريكية، فتنتقل الموضوعات الهامة من اليمين إلى اليسار كما انتقلت هذه الموضوعات في الصحافة الأمريكية من اليسار إلى اليمين. وإذا كان الإخراج البؤري يساعد على التعبير عن القيمة الإخبارية للمواد الصحفية، فإنه قد يفسد توازن الصفحة إذا لم يكن المخرج الصحفي شديد الحذر. فالمبالغة في العنوان البؤري قد تجعل مركز الثقل في مكان واحد فيختل توازن الصفحة، لكن المخرج الفنان يستطيع بمهارته أن يوزع العناوين توزيعا دقيقا على أجزاء الصفحة بحيث تشير جميعا إلى العنوان البؤري فتجذب النظر إليه، وتتوازن معه في الوقت نفسه فتخدم الوحدة الفنية للصفحة. فالمهم -إذن- هو أن تتساوى قوى الجذب والشد بحيث ينتج التوازن من تعادلها. والواقع أن المذهب الكلاسيكي في الإخراج الصحفي يهدف بأساليبه المختلفة إلى اتساق الصفحة وتكاملها، بحيث ينظر إليها القارئ على أنها وحدة فنية تتضافر أجزاؤها جميعا للتعبير عن شتى الموضوعات، وينبغي أن تتدرج العناوين والصور والحروف من حيث الحجم ودرجة السواد من أعلى إلى أسفل على أن يكون هذا التدرج غير مفتعل، وإلا اختل التوازن وأصبح الجزء العلوي أثقل بكثير من الجزء السفلي. أما إذا كانت العناوين متساوية السواد والحجم فإنها تبدو كالبقع أو كرقعة الشطرنج، كما أن الإسراف في الفراغات البيضاء يفسد الصفحة؛ لأن هذه الفراغات تتصل ببعضها وتكون أشكالا شاذة تفسد نظام الصفحة. ومن الخطأ وضع العناوين أو الصور على خط الطي "وهو وسط الصفحة التي تطوى عنده" ولكن ينبغي أن توزع العناوين والصور على جميع أجزاء الصفحة العليا الوسطى والدنيا لكي تتم الوحدة الفنية المتكاملة في تدرج واتزان.

стр. 285

المذهب الحديث في الإخراج الصحفي: وثمة مذهب آخر في الإخراج الصحفي لا يحفل بالقواعد التقليدية ولا يهتم بالقوانين الفنية المأثورة، بل إنه كثيرا ما يتعمد تخطي القواعد وتحطيم القيود. وينطوي هذا المذهب الحديث على الانطلاق والتحرر من أفكار التوازن بجميع أشكاله، وإهمال الوحدة الفنية التقليدية إهمالا مقصودا. ويمكن اعتبار المذهب الانطلاقي الحديث امتدادا طبيعيا للفنون الحديثة بمدارسها التجريدية والسيريالية والتكعيبية والتعبيرية والمستقبلية١ وغيرها. فالقواعد الكلاسيكية والنتائج الأكاديمية تحطم من أجل التعبير الحي والتجريب الجديد. وتتخطى الصحافة الانطلاقية قيود الإخراج الصحفي الكلاسيكي إمعانا في جذب الأنظار. وإبراز بعض النواحي الهامة من الأخبار، وجريا وراء الترويح وارتفاع التوزيع. فلا بأس من وضع العناوين الحمراء الضخمة إلى جانب العناوين السوداء العريضة والصور الداكنة والألوان الصاخبة. ولا بأس أيضا من استعمال بعض أنواع الخطوط التي قد لا تنسجم مع بعضها البعض، بل تتباين تباينا شديدا للإثارة ولفت الأنظار. ويدافع أصحاب المذهب الحديث في الإخراج عن أساليبهم قائلين إنها تتمشى مع روح العصر. فقد انتهى زمن الإخراج العمودي بانتهاء عصر العربات والخيول وشيوع السيارات والقطارات. وإذا نظرنا إلى سيارة حديثة وجدنا أنها

стр. 286

عرضية الشكل، أفقية التصميم، انسيابية الأجزاء، تتوازى مقابضها وأبوابها توازيا أفقيا مع سطح الأرض ولا تتعامد عليه، كما كانت هندسة العربات والسيارات العمودية في بداية ظهورها. وقد انتهى كذلك عصر الزخارف المعقدة، وجاء بدله عصر البساطة والوظيفية، فمظهر الشيء ينبغي أن يستمد من وظيفته دون تهويل زخرفي أو تعقيد لا داعي له. وهناك أسلوبان رئيسيان للمذهب الحديث في الإخراج الصحفي، أما الأول فهو الأسلوب الوظيفي التجريبي، وأما الآخر فيمكن أن نسميه بالأسلوب الانطلاقي العشوائي. فبينما يهدف الأسلوب الأول إلى التحرر من القيود على أسس علمية تجريبية لتحقيق الرسالة الإخراجية من تيسير القراءة ووضوح التعبير وتبسيط العرض وفاعلية الإعلام، نجد أن الأسلوب الآخر لا يلوي على شيء إلا الإثارة غير الهادفة. فالأسلوب الأول علمي مقصود، وأما الآخر فهو غير مقصود ولذلك يسمى بالعشوائي أو الارتجالي. ومن سمات الأسلوب الوظيفي الحديث تبسيط العناوين وإبرازها، واستخدام الفراغات البيضاء بدلا من الجداول بين الأعمدة، وإيثار الإخراج الأفقي على الإخراج العمودي، وجمع مواد الموضوع الصحفي على عمودين أو أكثر بدلا من جمعها في عمود واحد، والتجريب في وضع اسم الجريدة في رأس الصفحة بحيث يكون في الوسط أحيانا، وأحيانا أخرى إلى اليمين أو إلى اليسار، والتوزيع كذلك في أشكال العناوين والعناوين الفرعية. وتجري التجارب أيضا في وضع العناوين المنتشرة "المانشيتات" فقد تكون فوق اسم الصحيفة أو تحته، وقد تستعمل مجموعة من الصور المتجاورة بدلا من العنوان المنتشر "المانشيت". ويؤمن أصحاب المذهب التجريبي بضرورة الدراسات الإحصائية لفهم اتجاهات القراء على أسس نفسية وفسيولوجية، مع مواصلة التجريب وتعديل الخطة الإخراجية على هذه الأسس العلمية. وهناك تجربة إخراجية تتلخص في تبويب الصفحات تبويبا دقيقا بحيث تتجمع أخبار السياسة مثلا في مكان واحد وأخبار الجريمة كلها في مكان آخر.

стр. 287

وهكذا بالنسبة لأخبار الفن والرياضة والدين والأدب وغيرها، وعلى نحو ما تفعله مجلة تايم ومجلة نيوزويك الأمريكيتين. وبذلك تشبه الصفحة كتابا مبوبا منسقا. ويذكر نيل سوانسون١ سبع مزايا لهذا الأسلوب في الإخراج وهي: ١- أنه أكثر مرونة من الأسلوب التقليدي لأنه يسهل عملية التصحيف بالنسبة للأخبار التي ترد متأخرة. ٢- ينظم العمل في أقسام المراجعة وسكرتارية التحرير. ٣- اقتصادي في شغل الحيز المعقول دون إسراف. ٤- اقتصادي أيضا في عملية الجمع، وكذلك في الوقت والجهد المبذولين في عملية التصحيف؛ إذ إنه لا حاجة إلى جمع البقايا، ما دامت الأخبار تخرج إخراجا نوعيا. ٥- تكون الموضوعات المترابطة تحت عنوان واحد. ٦- ييسر القرءان لأن الموضوعات تدور حول محاور متجانسة بدون بقايا. ٧- طريقة ناجحة للتعبير عن وجهتي النظر في مكان واحد، بدلا من وضع وجهة نظر في صفحة ووجهة نظر أخرى في صفحة ثانية، فقد يقرأ القارئ. واحدة منهما دون الأخرى. أما الأسلوب الانطلاقي العشوائي فهو أسلوب ارتجالي لا يقوم على أسس تجريبية مقصودة، وإنما يهدف إلى الإثارة، بنشر العناوين الضخمة والمبالغة في التلوين والإبراز. ولا يدري المخرج الصحفي أن إعطاء الأخبار عناوين كبيرة متساوية الضخامة يؤدي إلى قتل بعضها البعض، والتشويش على القارئ، فإذا تصادمت العناوين الكبيرة والأنماط السوداء والصور الضخمة تشتت انتباه القارئ وكل بصره وشعر بالدوار من هذه الفوضى. فلا غرابة إذن أن يشبه علماء الصحافة هذا النوع من الإخراج بالسيرك! فيجب على المخرج الصحفي إدراك أن حروف الطباعة ما اخترعت إلا لتقرأ، وأن التكديس والازدحام والعناوين الثقيلة والجداول المعقدة المتراكمة والصور الداكنة القلقة، إذا ما حشدت حشدا مرتجلا لا تؤدي إلا إلى الملل والفوضى. ومن هنا كان على المخرج الصحفي أن يسأل نفسه عن الغرض من اتباع أسلوب معين في الإخراج وتفضيله على غيره، ومدى ملاءمته لمضمون التحرير. أما مجرد حشو الصحفحات بالعناوين والألوان والصور الضخمة دون هدف سوى الإثارة فلا ينجم عنه إلا الفشل.

стр. 288

تطور فن الإخراج الصحفي: وتعد سنة ١٩٣١ مفترق الطرق في تاريخ فن الإخراج الصحفي في مصر. فمنذ تلك السنة أخذت الصحف تعنى عناية فائقة بالتبويب والإخراج المدروس على أسس مقصودة لتيسير القراءة واجتذاب القارئ. وأخذ المقال يفقد مكانته العظيمة التي كان يحتلها في صدر الصفحة الأولى، وتبوأت الأخبار الهامة مركز الصدارة بدلا من المقال، وأصبح من تقاليد الصحافة المصرية أن توضع أخبار الدولة والأخبار الداخلية وأخبار المجتمع في صفحتي القلب، كما خصصت الصفحة الثانية للأخبار الخارجية، والصفحة الأخيرة للقصة الأدبية أو القصائد الشعرية أو الأركان المنوعة أو اليوميات أو الصور. ووزعت التحقيقات والأحاديث على الصحفة الثالثة وغيرها. ثم تتطور وظائف الفن الصحفي وتزيد أبواب الصحف، وتنشأ الأركان الجديدة كالآداب والفنون والعلوم، وتخصص صفحات للرياضة والمرأة والتجارة والمال، وتعنى الصحف بالتحقيقات والإحصاءات وتفرد لها أماكن بارزة. ويزيد عدد صفحات الجريدة حتى يبلغ عشرين صفحة قبيل الحرب العالمية الثانية، وتصدر الصحف أعداد خاصة تحتوي على ٦٤ صفحة كعدد الأهرام الزراعي "١٥ مايو سنة ١٩٣٥" وعدد الأهرام الصناعي "٤ إبريل سنة ١٩٣٦".

стр. 289

وتحتل الصور والخرائط أماكن كبيرة بارزة في معظم صفحات الجرائد، وتخصص صفحات بعينها للصور الإخبارية. وقد تأثر الإخراج الصحفي بالحرب العالمية الثانية، عندما نقص الورق وتوقف استيراد الحروف والآلات، وقلت الإعلانات، فتغيرت أساليب العرض، واختصرت الأبواب المختلفة، وألغيت التحقيقات المطولة. ومع ذلك فقد بذلت الصحف جهدا مشكورا للاحتفاظ بالمستوى الأخباري للصحافة، وأصبح من الضروري زيادة عدد السطور في الأعمدة، والإيجاز في تدوين الأخبار، وتلخيص البيانات والخطب تلخيصا وافيا لا يخل بمضمونها، واستلزم الأمر أيضا أن تتمسك الصحف بالبنط الصغير وهو البنط ٩. وقد كانت هذه الحقبة الصعبة ذات أثر بالغ في توجيه الفن الصحفي تحريرا وإخراجا وجهة جديدية، فأصبح الإيجاز والسرعة التي تعكس إيقاع الحياة الحديثة من أهم معالم الأسلوب الصحفي. وحتى بعد انتعاش الصحافة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ظلت الموضوعات القصيرة، والأسلوب التلغرافي، والتعبير بالرسم والصورة والخريطة، هو جوهر الفن الصحفي الجديد حتى بعد أن بلغت صفحات الجريدة اليومية ٩٢ صفحة في فبراير سنة ١٩٤٩. أما الإعلانات -وهي مصدر الإيرادات الأول للصحيفة- فإنها توزع على الصفحات توزيعا دقيقا وفقا لسياسة الصحيفة الإخراجية. فقد تلامس الإعلانات جوانب من مواد التحرير؛ لأن الإعلانات تستمد قيمتها من الإطار التحريري للمواد الصحفية، أو أنها قد تنشر في صفحات مستقلة، مما ييسر طبع نسخ من هذه الإعلانات وتوزيعها بمفردها. وتنتهج بعض الصحف سياسة إخراجية خاصة تقضي بنشر إعلانات الرياضة في صفحة الرياضة، وإعلانات السينما في صفحة الفن، وإعلانات الأزياء في صفحة المرأة، وهكذا تنشر الإعلانات في الصفحات المتصلة بموضوعاتها. وقد كان ذلك ميسرا في وقت الرخاء عندما كانت الجريدة تحتوي على ست عشرة أو عشرين صفحة، وحين كانت الأركان المختلفة والأبواب تنشر كل يوم. أما في ظروف التقشف الاقتصادي فلا تظهر

стр. 290

الأبواب إلا مرة في كل أسبوع بوجه عام، ولذلك يتعذر تخصيص الإعلانات لكل صفحة من الصفحات على أساس الموضوعات المتصلة بها. وإذا كان من حق المعلن أن تظهر إعلاناته في أماكن ملفتة للأنظار لكي تنجح رسالته الإعلانية، فإن من حق الصحيفة أيضا أن تتقاضى أجورا تتناسب مع أهمية المكان الذي يحتله الإعلان، فإذا نشر إعلان في صحيفة إلى جوار عمود يكتبه صحفي لامع، كان من حقها أن تتقاضى أجرا ممتازا. وهناك صفحات ملفتة للأنظار بطبيعتها كالصفحة الأولى والصفحة الأخيرة، وصفحتي القلب مثلا. وتتقاضى الصحف أثمانا خاصة لنشر الإعلانات في هذه الصفحات.

стр. 291

فن إخراج الإعلانات: والمرحلة الأولى من مراحل الإخراج الصحفي هي توزع الإعلانات توزيعا فنيا على الصفحات. ويتم ذلك بطبيعة الحال عن طريق قسم الإعلانات تنفيذا لرغبة المعلن. وهناك ستة أساليب لإخراج الإعلانات وهي: أولا: أسلوب نصف الهرم، وفيه ترتب الإعلانات في جانب واحد من جانبي الصحيفة بحيث تشغل الجزء السفلي ثم تتدرج إلى أعلى. وتوضع أولا الإعلانات الكبيرة ثم الأصغر فالأصغر كلما اتجهنا إلى أعلى؛ لأننا إذا وضعنا الإعلانات الصغيرة في أسفل الصفحة، أصبحت "مدفونة" لا تلفت الأنظار. وما دمنا نفضل دائما أن تمس الإعلانات جانبا من المواد التحريرية، فإن هذا الأسلوب نصف الهرمي خيرا ما يحقق ذلك، ويمتاز هذا الأسلوب أيضا بأنه يترك فراغا كبيرا في أعلى الصفحة يسمى بوضع العناوين الهامة سواء كانت منتشرة "مانشيت" أو عريضة على ثلاثة أو أربعة أعمدة فأكثر. وهو أسلوب اقتصادي من حيث الوقت والجهد لأنه يجعل شكل الصفحة منسقا جذابا، وفيه إرضاء للمعلن لأن إعلاناته تجذب الأنظار وتشجع على القراءة وتغري بالإطلاع ولا تبدو "مدفونة" أبدا١.

стр. 292

ثانيا: أسلوب نصفي الهرم، وفيه تعرض الإعلانات في أسفل الصفحة وكلا الجانبين معا في وقت واحد. ويلجأ المخرج إلى هذه الطريقة إذا كانت الإعلانات كثيرة. وتتدرج الإعلانات كذلك بنفس الطريقة، فتوضع الأكبر في أسفل الصفحة وإلى الداخل، ثم تتدرج الإعلانات الأصغر في أعلى الصفحة نحو الخارج، ويلاحظ أن هذا الأسلوب يسمح أيضا لأكبر عدد من الإعلانات بملامسة مواد التحرير، كما يترك الجزء الأعلى من الصفحة خاليا للعناوين المختلفة. ثالثا: أسلوب نصف الهرم والمستطيل، ويتبع هذا الأسلوب في حالة وجود مجموعة من الإعلانات المتساوية في العرض، بالإضافة إلى مجموعة أخرى متفاوتة. فتنظم المجموعة المتفاوتة على شكل هرمي والمتساوية على شكل مستطيل. وتقع مادة التحرير بين نصف الهرم والمستطيل. ومن عيوب هذا الأسلوب أن جانبا من الإعلانات في أسفل المستطيل يبقى "مدفونا" فلا يسترعي الأنظار. رابعا: أسلوب المستطيل، فإذا وجد إعلان كبير مستطيل أو عدة إعلانات صغيرة ذات عرض واحد، فلا مناص من عرضها بطريقة المستطيل في أحد الجوانب أو إلى أسفل، بشرط ألا يطغى الإعلان على مواد التحرير فيفسدها. ويحاول كثير من المعلنين شغل ثلاثة أرباع الصفحة مثلا للسيطرة على مساحة الصفحة بأسرها، غير أن بعض الصحف ترفض ذلك، إلا إذا تقاضت أجرا مناسبا لهذه التضحية، فمن الخطأ أن تبرز الإعلانات مساحة أو لونا على حساب المادة التحريرية. خامسا: أسلوب المستطيلين، وفيه ترتب الإعلانات ذات العرض الصغير فوق بعضها في جانب واحد، ثم ترتب الإعلانات ذات العرض الواحد الأكبر فوق بعضها في الجانب المقابل، فتقع مادة التحرير بين المستطيلين وتكون أشبه بالبئر، تختفي فيه الأخبار الصغيرة التي تأتي في أسفل الصفحة. ولا شك أن هذا الأسلوب في الإخراج يدفن بعض الإعلانات والأخبار على السواء، فيعتبر كثير العيوب، ولا يلجأ إليه المخرج الصحفي إلا مضطرا.

стр. 293

سادسا: الأسلوب العشوائي، وهو أسلوب ارتجالي تتناثر فيه الإعلانات بدون نظام، ويحول دون تنسيق الصفحة تنسيقا فنيا لأن الإعلانات والأخبار أو مواد التحرير الأخرى تكون مختلطة وغير واضحة المعالم، ولا ينبغي للمخرج الصحفي الكفء أن يلجأ إلى هذا الأسلوب مهما كانت الظروف لأنه يدل على الإهمال. ويلاحظ بوجه عام تنوع الأساليب في صفحات العدد مع مراعاة التوازن بين الصفحات المتقابلة. فإذا استعمل الأسلوب الهرم والمستطيل في الصفحة الثانية مثلا، فمن المستحسن استعمال نفس الأسلوب في الصفحة الثالثة. وتصر بعض الصحف على عدد نشر الإعلانات الداكنة أو ذات الألوان المتعددة، إذا كان نشرها "يقتل" إعلانات أخرى أو مواد تحريرية مجاورة. فالمبدأ العام هو اتساق مواد الصفحة الواحدة وانسجامها شكلا ومساحة ولونا، حتى لا تغطي عناصر معينة على الأخرى. فلا بأس من نشر الإعلانات القاتمة مع مواد تحريرية ذات عناوين ثقيلة وصور كبيرة لكي تتوازن معها ولا تطغى عليها، على أن تنشر الإعلانات المتوسطة الهادئة مع مواد التحرير المناسبة الهادئة أيضا. ولا تقتصر عناية المخرج الصحفي على الأجزاء العليا من الصفحة، حيث توجد العناوين الرئيسية والصور؛ إذ إنه يعنى أيضا بوسط الصفحة وأسفلها؛ لأن هذه الأجزاء محتاجة إلى الإبراز حتى لا تطغى عليها الإعلانات، كما يتجنب المخرج الصحفي وضع الصور والإطارات بجوار الإعلانات لأن ذلك قد يؤدي إلى "قتل" الإعلان، أو التشويش على القارئ، فيظن أن الصورة أو الإطار امتداد للإعلان. وينصح بازيل والترز١ أن تنظم العناوين والصور تنظيما إيقاعيا مع العناصر الطباعية الأخرى، بحيث يكون مرور العين عليها في خط مريح جذاب، وهذا لا يتأتى إلا بمراعاة الوحدة الفنية المتكاملة للصفحة. وللعناية بالأجزاء السفلية من الصفحات، يستحسن عدم تركها للبقايا، بل لا بد من العناية بها وذلك عن طريق عرض الصور والعناوين بها عرضا جذابا حيا، بوضعها في إطارات غير كاملة، أو بالإشارة إليها بالأسهم أو غير ذلك.

стр. 294

فن إخراج المقالات والتحقيقات: ويعتبر إخراج المقالات من أهم المشكلات التي توجه المخرج الصحفي في العصر الحديث؛ لأن اهتمام القارئ قد انتقل من المقالات إلى الأخبار. فقديما كانت الصحف أدوات للتعبير عن الرأي، وكانت المقالات أهم عناصر الصحيفة، في فترة عرفت في تاريخ الصحافة العالمية بالصحافة الشخصية، لأن كتاب المقالات كانوا من كبار الشخصيات الذين عبروا عن آرائهم. ثم تتطور الصحافة ويطغى الخبر على المقال، وتندثر الصحافة الشخصية، ويبدأ عصر المؤسسات الصحفية الكبيرة كأجهزة ضخمة غير شخصية، ويقفز الخبر إلى الصفحات الأولى ومعه الإعلان والصور، ويجد المخرج الصحفي نفسه مواجها بمشكلة انصراف الناس عن قراءة الموضوعات والمقالات، وهو مطالب مع غيره من الصحفيين المثقفين الذين يدركون عظم المسئولية الملقاة على عواتقهم إلى التفكير في إعادة التوازن بين الخبر والعناصر الثقافية الأخرى. ومما لا شك فيه أن الإخراج السيئ المنفر يعقد المشكلة ويزيد من انصراف الناس عن قراءة المقالات والتعليقات. وقد اتجهت عناية الصحفيين أخيرا إلى إخراج المقالات الافتتاحية إخراجا جذابا، فتجمع الأسطر على عرض عمودين أو عمودين ونصف على الأقل، وبذلك يبدو المقال قصيرا غير مسرف في الطول، ويحسن استعمال حروف من بنط ١٢ مثلا مع وضع رقائق بين الأسطر. ومن وسائل الترغيب أيضا وضع الكاريكاتور الجذاب، وخطابات القراء "إلى المحرر" في نفس الصحفة. وذلك لأنها عناصر مشوقة للقراء. والواقع أن عزوف الناس عن قراءة المقالات والموضوعات الثقافية مشكلة خطيرة لا يمكن أن يحلها المخرج الصحفي وحده. فالمحرر نفسه يحمل نصيبا كبيرا من المسئولية، ولا يستطيع أي مخرج صحفي أن يخلق من مقال فاشل مقالا ناجحا. ومع ذلك فقد أثبتت التجارب العلمية التي أجراها روبرت راند١ بمعهد ميديل للصحافة أن الإخراج الجيد يزيد عدد قراء المقالات الافتتاحية بنسبة ١٠.١%.

стр. 295

وتعنى الصحافة الحديثة أيضا بإخراج التحقيقات الصحفية المصورة إخراجا بديعا، ويقبل القراء عليها إقبالا يعوض انصرافهم عن المقالات. ولا شك أن إقبال القراء على التحقيقات راجع إلى بساطة العرض، واعتماد الصحفيين على أحاديث المسئولين والخبراء، فضلا عن الإحصاءات الحية وأساليب العرض الواقعية. كما تعتبر الصور والرسوم والألوان، والفقرات الخفيفة الممتعة، والعناوين الفرعية الجذابة. والفراغات البيضاء بين الفقرات، والجرأة في استخدام الإخراج الأفقي على عرض الصفحات المتقابلة، والاستفادة من ألوان الطباعة الحديثة وفنونها، ومن أهم العوامل التي تجذب القراء إلى الاطلاع على التحقيقات. وقد تأثر كتاب المقال الصحفي تأثرا كبيرا بأسلوب التحقيقات، حتى أصبح المقال الحديث مبنيا على تحليل الحقائق، وعرض المعلومات الواقعية بعيدا عن المبالغة أو التأثير الأدبي بالألفاظ. ويحسن أن نختتم هذا الباب بطائفة من الإشارات العامة بالنسبة للإخراج الحديث: ١- لا بد من وضع عنوان أو صورة في أعلى العمود، وقد يتعذر ذلك في بعض الأحيان، ولكن المخرج الفنان يضن بترك رأس العمود خاليا. ٢- لا تضع الصور والإطارات بجوار الإعلانات؛ لأن الصورة قد تقتل الإعلان لجاذبيتها، أما الإطار فقد يبدو امتدادا للإعلان. ٣- تجنب وضع أية صورة أو عنوان على خط الطي. ٤- تفضل بعض الصحف ألا تكون الصورة في الأعمدة الخارجية التي تقع على حافة الصفحة، ومن المستحسن أن تكون في العمود الثاني إلى الداخل على أقل تقدير. ٥- لا ينبغي الإسراف في استعمال العناوين المنتشرة "المانشيت" في الصفحات الداخلية، إلا في الأحوال التي تتطلب ذلك، كأن تخصص لخطاب رئيس الجمهورية، أو خطاب العرش، أو بيان هام، أو تصريح دولي، أو تقرير سياسي خطير.

стр. 296

٦- تجنب تكديس الصفحات بأسطر الحروف، ويستحسن تخفيفها بالصور أو العناوين الفرعية التي يجب أن تظهر بين الفقرات تيسيرا للقراءة. ٧- أن المبالغة في ملء الصفحة بالعناوين السوداء الداكنة المتعددة تؤدي إلى تشتيت الانتباه، كما أن المبالغة في تخفيف العناوين تجعل الصفحات باهتة منفرة، قليلة الجاذبية. ٨- من الأخطاء الشائعة إنهاء العمود بنهاية الفقرة؛ لأن هذه النهاية ربما توحي للقارئ خطأ أن هذه الموضوع قد انتهى. فعند إتمام عمود ببقية عمود آخر، يحرص المخرج الصحفي على الاحتفاظ بسطرين أو ثلاثة. أما الاكتفاء بالبقية منفصلة في وحدة منعزلة دون رابط، فقد تؤدي إلى إهمال القارئ لها، ولذلك فإنها تسمى -على سبيل السخرية- "بالأرملة"، أو "البقية اليتيمة". ٩- لا يجوز إكمال موضوع من عمود إلى عمود آخر إلا إذا كان العنوان على عرض عمودين أو ثلاثة ولا يجوز أن تكون البقية في مستوى أعلى من العنوان في العمود السابق. فمن الخطأ أن يكون العنوان في منتصف عمود ثم تأتي البقية في رأس العمود التالي. ويجب أن تكون البقية قريبة ومتصلة بالموضوع في العمود الأول، ويحدث أحيانا عند اتباع أسلوب نصفي الهرم في إخراج الإعلانات أن يبدأ الموضوع في العمود الأول إلى أن يصل إلى الإعلان، ثم يكمل هذا الموضوع في أسفل العمود التالي، تحت مستوى الإعلان الأول، فيحتار القارئ ولا يستطيع العثور على هذه البقية، فيتركها يائسا. ١٠- يجب تنسيق السياسة الإخراجية في سائر الصفحات، وخاصة إذا كان لكل صفحة سكرتير أو مخرج صحفي خاص بها، وذلك حتى لا تتكرر الموضوعات أو تتعارض، ولكي تنسجم جميع الصفحات من الناحية الفنية والإخراجية.

стр. 297

الباب الثامن: فن التصوير الصحفي مدخل ... الباب الثامن: فن التصوير الصحفي لقد أصبح الفن الصحفي الحديث فنا بصريا يعتمد على الصور والرسوم والخرائط، كما أصبحت الصورة تلعب دورا أساسيا في تحقيق أهداف الصحافة، في عصر تسوده لغة بصرية جديدة نشأت -بالضرورة- نتيجة للتفوق الهائل في فن السينما والتقدم الرائع في فن التليفزيون. ومع أن الصور قد استخدمت في الصحف منذ أكثر من قرن، فإن التوسع الكبير في استخدامها خلال السنوات الأخيرة كان أبلغ أثرا على الصحافة منه في أي وقت مضى. فحتى العقد الرابع من هذا القرن، لم تكن الصحف تحمل أكثر من صورة أو صورتين على صفحتها الأولى. وأكثر من عشرة صور في بقية صفحاتها، وكانت الصور في معظمها تتسم بالجمود والتصنع. أما الآن فإن التغير قد أصاب عدد الصور وحجمها وطبيعتها. لقد زاد عدد الصور، وخصصت لها صفحات كاملة، وأصبحت اللقطات الجديدة لموضوعات حية، وذلك بفضل ابتكار حاجب الضوء الأسرع حركة والفيلم الأنعم جزئيات والعدسات الأنقى خامة. ثم واكب ذلك تقدم سريع في فن صناعة الأنماط "الكليشيهات" وكذلك في طرق نقل الصور بسرعة مذهلة سلكيا ولاسلكيا. ومرة أخرى نجد أن ظهور الصحافة الشعبية زهيدة الثمن حوالي سنة ١٨٣٠، وانفراج أزمة الورق بعد اختراع آلة فوردرنييه١ التي تنتج الورق في صورة لغات كبيرة متصلة لا حد لطولها، وإقبال القراء على

стр. 298

الصحافة الجديدة المصورة، ونجاح المجلات الجديدة في اجتذاب القراء، كل هذه العوامل قد تفاعلت لإنتاج الفن الصحفي المصور. ولقد عرف الإنسان قيمة الصورة منذ فجر التاريخ، عندما سجل أنباء انتصاراته على جدران الكهوف والمغامرات في حياته البدائية. ولعل الحكيم الصيني كونفوشيوس١ هو الذي قال: إن الألف كلمة لا يمكن أن تتحدث ببلاغة كما تتحدث صورة واحدة. غير أن المربي المورافي كومنيوس٢ هو الذي اكتشف أهمية الصورة كوسيلة للإعلام والإيضاح والإقناع وذلك سنة ١٥٨٧. ومنذ ذلك الحين أخذت جهود العلماء والفنانين تتضافر في شتى أقطار العالم لمعرفة فن التصوير وطرق طبع الصور ونقلها بسرعة ودقة وسهولة. وقد اكتشف إقليدس اليوناني سنة ٣٥٠ قبل الميلاد أن الضوء يسير في خطوط مستقيمة، ولم يفت أرسطو ملاحظة أشعة الشمس وهي تنعكس على سطح الأرض بقعا ضوئية مستديرة بعد مرورها خلال الفتحات بين أوراق الأشجار، ويقال إنه قد عن له أن يأتي بورقة من البردي تلقى على صفحتها تلك البقع الضوئية المستديرة، ولاحظ أن حجم تلك البقع يختلف باختلاف المسافات بين الفتحات وورقة البردي. غير أن العرب هم الرواد الأوائل في علم الضوء ودراسة العدسات، ويعد الحسن بن الهيثم من أشهر علماء الضوء الذين احتفى الغرب ببحوثهم وساروا على منهجهم. وفي سنة ١٢٧٦ تحدث روجر بيكون٣ -وهو عالم إنجليزي أعجب بالعرب وتأثر بكتاباتهم- عن جهاز بصري ذي مرآة، يعده البعض إرهاصا بظهور آلة التصوير، لولا أن حديثه جاء غامضا. وقد أجرى ليوناردو دافنشي٤ تجارب عديدة على الصندوق المظلم، بيد أن التاريخ يشير إلى رجل آخر ويمنحه فضل اختراع آلة التصوير، وهذا الرجل هو جان بابتيست بورتا٥ وهو إيطالي من مدينة نابولي نشر كتابا له سنة ١٥٥٣

стр. 299

وهو لا يزال في الخامسة عشرة من عمره أسماه "السحر الطبيعي" وفيه يصف لنا بعض خواص الصندوق المظلم وتطبيقاته في فن التصوير الضوئي. ويرجع إلى دانييلا بربارو١ فضل استخدام العدسة المحدبة بدلا من الثقب، كما أوضح لنا قيمة استخدام العدسة البسيطة مع استعمال فتحة ضيقة، وذلك في كتابه "ممارسة المنظور"٢. ثم تطور فن التصوير على يد عالم فلكي يدعى يوهان كيبلر، استطاع أن يضيف معلومات كثيرة إلى ما اكتشفه بربارو من قبل، وقد نشر هذه المعلومات في كتاب له صدر سنة ١٦١١ وفسر فيه عمل العدسات البسيطة والعدسات المركبة.

стр. 300

اكتشاف السطوح الحساسة والأفلام: غير أن فن التصوير هو فن تدويني أصلا، يقوم فيه المصور بتسجيل ما يراه على سطح حساس للضوء. فبينما كان فريق من العلماء يبحث في تقدم صناعة العدسات وأساليب تحسينها، كان فريق آخر يبحث وسائل تسجيل الصور على سطوح حساسة. لذلك نجد أن معظم الباحثين في فن التصوير كانوا يولون اهتماما كبيرا إلى الدراسات الكيمائية وخاصة مادة نترات الفضة التي أخذوا يدرسون خواصها منذ القرن السادس عشر حتى وصلوا إلى خاصية تأثرها بضوء الشمس واكتسابها اللون القاتم. ومن هؤلاء العلماء يوهان شولز١ الذي أجرى تجاربه سنة ١٧٢١، وكارل وليم شيل٢ وهو عالم سويدي اكتشف أن الأشعة البنفسجية والزرقاء أسرع تأثيرا من الأشعة الحمراء على أملاح الفضة الحساسة مثل نترات الفضة أو كلوريد الفضة، وذلك سنة ١٧٧١. وقد أسهم العالم الإنجليزي توماس ويدجود٣ في أبحاث نترات الفضة أيضا في عام ١٨٠٢، واهتدى العالم ديفي في عام ١٨١٨ إلى أن أملاح كلوريد

стр. 301

الفضة أشد حساسية من أملاح نترات الفضة وبذلك تكون أكثر تأثرا بالضوء إلى أن حالف الحظ العالم الإنجليزي السير جون هيرشيل١ في التوصل إلى اكتشاف مادة كيمائية خاصة هو صوديوم ثيوسلفيت٢ ويطلق عليها هيبوسلفيت الصوديوم، وهو ملح يذيب أملاح الفضة مثل كلوريد الفضة ونترات الفضة التي لا تتأثر بالضوء، وبذلك يمكن تثبيت الصورة وحفظها من الزوال، وتم ذلك سنة ١٨١٩. ثم انصرف اهتمام العلماء بعد ذلك إلى ميدان آخر من ميادين فن التصوير وهو كيفية الحصول على مواد حساسة مختلفة تصلح لتسجيل صور ثابتة، واستطاع الكيمائي الألماني كريستيان فريدريش شوينباين٣ أن يذيب القطن في الكحول والأتير للحصول على الكلوديون الرطب الذي يعتبر أساس صناعة الأفلام، وخاصة في ذلك الوقت، كما يستخدم حتى الآن في الصحف لإنتاج أسطح حساسة لالتقاط صور الكليشيهات عليها. وجاء من بعده العالم فريدريك أسكوت آرشر٤ الذي اكتشف في عام ١٨١٥ أن إضافة اليود والبوتاسيوم إلى الكلوديون الرطب يجعل السطح الحساس المغطى بنترات الفضة أكثر حساسية ويساعد على إنهاء عملية التثبيت في غضون بضع دقائق. بيد أن أشهر التجارب في عالم التصوير هي تلك التي قام بها العالمان الفرنسيان نيبس٥ وداجير٦ للحصول على طبقات حساسة للضوء، وذلك ابتداء من سنة ١٨٢٩. ومن هذه التجارب مثلا طلاء لوح من النحاس بطبقة من الأسفلت ثم لصق ورقة شفافة مرسوم عليها صورة ثم تعريضهما معا لضوء الشمس حتى يتصلب الأسفلت المعرض للضوء، بينما تظل الأجزاء الباقية تحت الخطوط المعتمة كما هي أي أنها لا تتصلب وتبقى قابلة للذوبان في محلول خاص. واستطاع ليبس أن يزيل الأسفلت المتصلب، ويحفر اللوح النحاس بحامض

стр. 302

النيتريك فتبقى الخطوط واضحة عميقة مما يسهل تحبيرها بأي حبر، ومن ثم يتيسر طباعة أي عدد من النسخ من هذا اللوح، وقد أطلق على هذه الطريقة اسم طريقة الحفر الشمسي١، ولكنها كانت غير عملية لأن الأسفلت بطبيعته لا يمتاز بالحساسية الكافية إلى الدرجة المطلوبة. وبعد وفاة العالم نيبس في عام ١٨٣٣، واصل داجير إجراء أبحاثه وتجاربه حتى عثر في النهاية على سر جديد هو أن أبخرة الزئبق تسبب في إظهار الصورة المختفية على اللوح الحساس، وتسمى هذه الطريقة باسم ألواح الفضة واليود٢. وفي ١٩ أغسطس سنة ١٨٣٩ أمام أراجو اللثام عن أسرار فن التصوير الضوئي أمام أعضاء أكاديمية العلوم وأكاديمية الفنون الجميلة فسر لهم طريقة التصوير المسماة داجيروتيت. وأجريت التجارب باستخدام القار "الأسفلت" ومادة اليود مع الاستعانة بالزيت العطري٣ كما استخدمت بعض الدعامات الزجاجية لطلائها بتلك المادة الحساسة. وقد أثار هذا الاختراع الجديد اهتمام الرأي العام في ذلك العصر وأصبح حديث الناس، واهتمت الصحف بأخباره. من ذلك مثلا ما نشرته صحيفة جورنال دي ديبا٤ في عددها الصادر يوم الثلاثاء ٢٠ أغسطس سنة ١٨٣٩ أي اليوم التالي لعرض هذا الاختراع في الأكاديمية تقول: "إننا نؤكد أن هذا الاختراع الجديد يتفوق على كثير من الاختراعات التي تمت حتى الآن والتي يمكن أن يتصورها العقل البشري". ومن الطريف أن بعض الصحف أخذت تتحدث عن هذا الاختراع حديثا غامضا عجيبا حتى اعتبرته من عمل الجن أو الشياطين. وفي الوقت الذي ذاع فيه صيت داجير وفضله في فرنسا حوالي سنة ١٨٣٩، كان هناك عالم إنجليزي يدعى وليم هنري فوركس تالبوت٥ يجري تجاربه للحصول على طرق جديدة لطباعة الصور على ورق أبيض مغطى بطبقة من أملاح

стр. 303

كلوريد الفضة وأيوديد الفضة، وقد نجح هذا العالم في اكتشاف أول طريقة للحصول على صور إيجاببة تطبع من سالبية ورقية. ويلاحظ أن هذه خطوة جديدة لم يسبق لها مثيل في عالم التصوير؛ لأن صور داجير السابقة لم تكن إلا إيجابيات مباشرة يتعذر الحصول منها على نسخ متعددة، في حين أن تالبوت استطاع تحويل الصور المطبوعة على الورق المغطى بأملاح الفضة الحساسة إلى سالبية وذلك بطريقة العكس١، أي تحويل الأبيض إلى أسود، ولعلها تشبه السالبية التي نشاهدها اليوم، وذلك باستخدام مادة كيميائية خاصة تمنع تأثير الضوء على المادة الحساسة بعد نزعها من فوق اللوح المطلي، وبذلك أمكنه الاحتفاظ بالصورة المطبوعة على الورقة الحساسة.

стр. 304

تطور فن التصوير الضوئي: أما صاحب الفضل الأول في ابتكار الفيلم الحساس الجاف فهو العالم الإنجليزي مادوكس١ الذي استطاع في سنة ١٨٧١ أن يستبدل بالكلوديون الرطب الجيلاتين الجاف. وفي سنة ١٨٧٢، استطاع الكيمائي الألماني فوجل٢ أن يكتشف طريقة مبتكرة يجعل بها الفيلم حساسا لألوان الأشعة الضوئية فيما عدا اللون الأحمر، وذلك بإضافة صبغات معينة من ذات لون الأشعة إلى خامة الفيلم نفسه، وهذه هي الأفلام الأرتوركروماتيك. وعندما اهتدى تشارلس بنيت٣ إلى أن تسخين الجيلاتين أثناء تحضير الطبقة الحساسة يجعلها أكثر حساسية لألوان أشعة الضوء، كان ذلك بمثابة نهاية لعصر الفيلم الرطب وبداية لعصر الفيلم الجاف، وذلك سنة ١٨٧٩. وفي السنة التالية استطاع جورج إيستمان٤ أن يجعل من صناعة الأفلام الجافة تجارة واسعة الانتشار. وفي عام ١٨٨٧، استطاع القس الأمريكي هانيبال جودوين٥ أن يصنع الفيلم الشفاف الحديث لأول مرة. أما الفيلم القديم فلم يكن سوى شريط من

стр. 305

الورق يغطى بطبقة من الجيلاتين وأملاح الفضة الحساسة. وكان المعتاد آنذاك أن تنزع الطبقة الحساسة من فوق هذا الورق لاستعمالها كسالبية شفافة. ثم اكتشف بعد ذلك العالمان هنتر ودرفيليد١ العلاقة بين الحرارة والزمن في عملية التحميض لإظهار الصورة بصرف النظر عن مدة التعريض الأصلية، بشرط أن تكون الأفلام من نوع واحد، ثم اخترع جورج إيستمان بعد ذلك، لأول مرة، الفيلم الملفوف٢ وبذلك بدأت شركة كوداك المشهورة أعمالها على نطاق واسع. واستطاع الكيمائي الألماني كونيك٣ في سنة ١٩٠٥ أن يبتكر الفيلم الحساس لجميع الألوان وهو المسمى بانكروماتيك٤، وذلك باستعمال صبغات خاصة تضاف إلى خامة الفيلم نفسه. ويعتبر عام ١٩٣١ نقطة تحول هامة في تاريخ التصوير، عندما ابتكر عازف الكمان ليبولد جودسكي٥ بالاشتراك مع صديقه ليوبولد مانس٦ لأول مرة فيلما ملونا كان الأساس الذي بني عليه فيما بعد فيلم الكوداكروم والذي انتشر على نطاق واسع بعد سنة ١٩٣٥. وقد لعبت آلة التصوير الصغيرة "لايكا" دورا هاما في تطور فن التصوير، وكان مخترع هذه الآلة أوسكار بارناك٧ من كبار الباحثين الألمان الذين أجروا بحوثا عميقة عن الميكروسكوبات. وقد عن له أن يجري أبحاثا أخرى عن آلات التصوير الحديثة لاقتصاد الأفلام باستخدام أشرطة السينما المتبقية في عمل أفلام تصويرية بدلا من الألواح الزجاجية التي كانت تستعمل في آلات التصوير الكبيرة. ثم توقفت أبحاث بارناك عدة سنوات أثناء الحرب العالمية الأولى واستؤنفت بعد الحرب إلى أن كللت بالنجاح الباهر سنة ١٩٢٤، وانتجت آلات التصوير من طراز "لايكا" على نطاق تجاري واسع سنة ١٩٢٥. واستطاعت الصحافة أن تستغل هذه الآلة الحديثة أعظم استغلال لما تتوافر فيها

стр. 306

من مميزات كثيرة. فهي صغيرة الحجم، خفيفة الوزن، سهلة الحمل والاستعمال. ويتكون الفيلم فيها من ست وثلاثين صورة صغيرة، يمكن التقاطها بمنتهى السهولة، خاصة وأن الآلة مركبة تركيبا خاصا يجعل تعريض صورتين فوق بعضها مستحيلا. ويستطيع المصور أن يستعمل هذه الآلة وهو واقف وقفة طبيعية جدا؛ لأن وضع الآلة يكون أمام عينية مباشرة. والمصور بهذه الطريقة لا يلفت الأنظار لصغر حجم الآلة، وبذلك يتجنب حساسية الناس لآلة التصوير، تلك الحساسية التي تفقد الصور عناصر التلقائية والواقية والحيوية والحركة، وعندما اكتشفت مصابيح الإضاءة الوامضة سنة ١٩٢٩ أصبح الطريق ممهدا للتصوير الليلي السريع. ويرجع الفضل إلى هارولد إدجارتون١ في ابتكار جهاز خاص يعطي سرعات عالية للغاية في قافل آلة التصوير ويسمى بالإستروبوسكوب٢ وقد تصل سرعته أحيانا إلى ١/ ٥٠٠٠٠ من الثانية، بل قد تصل إلى جزء من مليون من الثانية بسهولة. ثم توالت الأبحاث الدقيقة لتجنب الانعكاسات الضوئية على سطح العدسة مما يقلل من مجموع الأشعة النافذة إلى السطح الحساس، فاستطاع أستاذ الفيزياء هاولي كارترايت٣ أن يغطي السطح الزجاجي للعدسة بطبقة من أبخرة الكالسيوم والمغنسيوم وغيرها من المواد بحيث لا يزيد سمك هذه الطبقة عن ٤ من مليون من البوصة، وذلك لتجنب انعكاس الأشعة الضوئية، كما سبق القول. وقد بلغ طموح الباحثين إلى حد أنهم أرادوا الحصول على صور مجسمة ذات أبعاد ثلاثة ملونة بالألوان، وقد تحقق لهم ذلك سنة ١٩٤٠، عندما اكتشف دوجلاس ونيك٤ طريقة خاصة لمعالجة الفيلم بالعدسات المقعرة، بحيث تساعد على تصوير الموضوعات للحصول على نتائح مجسمة بأبعادها الثلاثة في الصور الملونة وغير الملونة. أما عن إمكانية التقاط الصور وتحميضها وطبعها في وقت واحد فهو اختراع يرجع إلى سنة ١٩٤٧، عندما ابتكر إدوين لانت٥ آلة تصوير تلتقط الصورة وتحمضها على ورق حساس خاص، وتعدها للطبع مباشرة عندما يضغط المصور على زناد معين يجعل سائل التحميض يغمر السالبية ثم ترسب الفضة المعدنية بعد ذلك على ورق خاص فتخرج الصورة مبتلة نوعا ما، حيث تجف بعد برهة وجيزة.

стр. 307

فن إنتاج الأنماط "الكليشيهات ": وبينما تقدمت فنون التصوير الفوتوغرافي في القرن التاسع عشر على النحو الذي سبق ذكره، لم تكن الصحافة قد عرفت الوسائل الفنية الحديثة التي تمكنها من نشر الصور عن طريق صناعة الأنماط "الكليشيهات" المعدنية. ومع ذلك، فلم تقف الصحافة مكتوفة الأيدي، بل كانت تصنع أنماطا على طريقة الحفر الخشبي، وذلك برسم الصورة المراد طبعها على قطعة من الخشب، ثم حفر الأجزاء الواقعة بين خطوط الرسم حفرا غائرا، حتى يتسنى تحبيرها وطبعها على الورق. ومع أن هذه الطريقة في صناعة الأنماط المحفورة على الخشب لم تستطع مجاراة الصحافة في بادئ الأمر لأنها كانت محدودة النتائج، فقد استطاع توماس بويك١ أن يقفز بهذه الصناعة الخشبية قفزات سريعة إلى الأمام، عندما اكتشف في عام ١٨٢٠ أن القطاعات العرضية من أخشاب الشجر أصلح بكثير من القطاعات الطولية لحفر الأنماط الطباعية. وقد بلغت صناعة الأنماط الخشبية ذروتها سنة ١٨٥٠، عندما ابتكر تشارلس ويلز٢ طريقة جديدة لإنتاج الأنماط كبيرة الحجم بسرعة وسهولة، وبذلك ساير تقدم صناعة الأنماط ما بلغته الصحافة من رقي وانتشار٣. وتتلخص طريقة ويلز في وضع مجموعة من القطع الخشبية المتساوية الواحدة إلى جانب الأخرى لتكون فيما بينها سطحا واحدا متحدا. وكانت هذه القطع الخشبية

стр. 308

تربط من الخلف برتاج خاص لكي تثبت تماما. وبعد ذلك يقوم الفنان المصور برسم الصورة على السطح الكبير الذي هو في الحقيقة مجموعة سطوح القطع الخشبية. وبعد انتهاء عملية الرسم تفك القطع الخشبية وتفصل عن بعضها البعض، وتوزع على الحفارين لحفرها، وفي النهاية تجمع القطع وتضم إلى بعضها وتثبت بالرتاج أو بمسامير خاصة وتكون معدة للتحبير والطبع في الحال. وكانت صناعة الأنماط الخشبية متسقة تمام الاتساق مع فن الحصول على الأخبار من حيث الحداثة والسرعة والسبق. فإذا علمت الصحيفة بحادث حريق أو فيضان مثلا، بعثت إلى مكان الحادث مندوبيها الصحفيين ومعهم مصور خاص يرسم صورة هيكلية سريعة لمكان الحادث وبعض التفاصيل الهامة. وكأن هذا الفنان يقوم مقام المصور الفوتوغرافي في الصحافة الحديثة، أما عملية النقل إلى مجموعة السطوح الخشبية المتحدة فتشبه عملية التصوير على اللوح المعدني في الحفر الحديث. ولكن صناعة الأنماط الخشبية لم تحقق الأغراض التي كان يهدف إليها رجال الصحافة في القرن التاسع عشر، واتضح أنها طريقة متخلفة عن ركب التقدم الذي وصلت إليه فنون الصحافة الأخرى والطباعة وصناعة الورق غيرها. وأصبح من الضروري إجراء بحوث للوصول إلى طرق أفضل لصناعة الأنماط بسرعة وبساطة. ومن هذه المحاولات إنتاج الأنماط بطريقة السبك المعدني، وتتلخص هذه الطريقة في تغطية لوح من المعدن بمادة تشبه الطفل سمكها ١٦/ ١ من البورصة، ثم ترسم الصورة المطلوب طبعها على سطح هذه المادة الطفلية، وتأتي بعد ذلك مرحلة الحفر فتشق الخطوط في سطح المعدن، وأخيرا تأتي عملية السبك فيصب مصهور المعدن ليتخذ شكل الخطوط المحفورة، ويتم بذلك عمل نمط معدني بارز، غير أن هذه الطريقة كانت عقيمة بطيئة, ولم يقدر لها ما كان ينتظرها من نجاح، رغم قلة تكاليفها نسبيا. وأخذت بحوث العلماء تنتقل إلى التصوير الفوتوغرافي، إمكانية نقل الصور إلى السطح المعدني وحفرة بطرق ميكانيكية أو كيمائية. وقد رأينا أن

стр. 309

بحوث نيبس وداجير وتالبوت قد تقدمت خطوات عظيمة في هذا السبيل، وخاصة تالبوت الذي اكتشف سنة ١٨٥٢، أن الورق المشبع بمحلول بيكرومات البوتاسيوم يصبح صلبا إذا تعرض للضوء، ويعد هذا الاكتشاف حجر الزاوية في صناعة الأنماط المعدنية١، فالجيلاتين البيكروماتي يصبح غير قابل للذوبان في الماء إذا تعرض للضوء. وأهم مميزات هذه الطريقة أن أجزاء السطح البيكروماتي التي تتعرض للضوء تصبح صلبة ومقاومة للحامض، أما الأجزاء الأخرى التي لا تتعرض للضوء فإنها تذوب في الماء بسهولة تاركة سطح المعدن عاريا، ومعرضا لفعل الحامض. ويعد تالبوت أيضا صاحب الفضل في استخدام الشبكة لفصل سطح الصورة إلى أجزاء دقيقة أو نقط للحصول على الدرجات اللونية والظلال المتدرجة، وذلك بوضع شبكة زجاجية دقيقة بين السطح الحساس والإيجابية وتعريضهما للضوء. ولولا هذا الاختراع الخطير لما استطاع أحد أن ينتج أنماط الصور بتلك الدقة والواقعية التي نشهدها في هذه الأيام ولا سيما بعد إجراء التحسينات العديدة على مر السنين للحصول على أنواع مختلفة من الشبكات المناسبة لطرق الطباعة من جهة، وأنواع الورق من جهة أخرى. وهناك ثلاثة أنواع للطباعة يترتب عليها أيضا ثلاث طرق لإنتاج الأنماط. وهذه الأنواع هي: الطباعة البارزة، والطباعة الغائرة، والطباعة الملساء. وفي هذه الأنواع جميعا تتم عملية الطبع أو النقل على الورق بالتلامس أو الضغط، لكن الحبر قد يكون فوق سطح النمط المعدني أو قد يكون في ثنايا فجوات داخلية فيه.

стр. 310

إنتاج الأنماط البارزة: ولدراسة الأنماط البارزة، يمكن تقسيمها إلى قسمين رئيسين هما: الأنماط الخطية التي لا تستعمل فيها الشبكة، وهي أنماط الخطوط والمساحات المتجانسة، والأنماط الظلية التي لا بد من استعمال الشبكة في إنتاجها، وهي أنماط الصور ذات الظلال المستمرة التدرج من النور إلى الظل. كما أن هناك تقسيما آخر لدراسة الأنماط من حيث اللون، وهي تنقسم كذلك إلى قسمين: الأنماط ذات اللون الواحد، والأنماط ذات الألوان المتعددة. وهناك أربع مراحل رئيسية لإنتاج النمط البارز سواء كان خطيا أو ظليا، ذا لون واحد أو متعدد الألوان. وكل ما هناك من فرق هو أن النمط الخطي لا تستعمل فيه شبكة التصوير التي تستعمل في النمط الظلي، كما أن الأنماط الملونة تتطلب نمطا خاصا لكل لون من الألوان المطلوبة. ويبدأ المخرج الصحفي هذا العمل باختيار الصورة أو الرسم أو الفنون المطلوب وإرساله إلى قسم الحفر. وفيه تتم عملية الإنتاج على أربع مراحل رئيسية هي: أولا: التصوير الفوتوغرافي، وذلك بالتقاط الصورة على سطح حساس. وتستعمل الصحف المصرية طريقة الكلوديون الرطب لإعداد هذا السطح الحساس الذي تلتقط عليه صور الأصول الخطية والظلية على السواء، وبذلك يمكن عمل سالبيات لها. وتمتاز هذه الطريقة برخصها ووضوحها ودقتها، كما أن غشاء الكلوديون الحساس الذي يتكون على اللوح الزجاجي، يمكن تجفيفه بواسطة الحرارة ونزعه ثم تركيبه مع غيره من الأغشية على سطح زجاجي آخر. وتتبع هذه الطريقة توفيرا للجهد والمال بطبع جميع هذه السالبيات على لوح معدني واحد. وتيسر طريقة الكلوديون الرطب عملية علاج السالبيات وتحسينها للحصول على نتائج مرضية. أضف إلى ذلك أن الزجاج المستعمل في عمل السالبيات يمكن تنظيفه وإعادة استعماله لإنتاج سالبيات جديدة. ويتلخص التفاعل الكيمائي الذي يحدث عنه غمر لوح الزجاج المغطى بالكلوديون في حمام الفضة في اتحاد يودور الكادميوم وهو أحد مركبات محلول الكلوديون مع نترات الفضة مكونا يودور الفضة: يودور كادميوم + نترات فضة= يودور فضة + نترات كادميوم. ويلاحظ أن يودور الفضة هي المادة ذات اللون البني التي تتكون عند وضع الزجاج المغطى بالكلوديون في حمام الفضة، وهي لا تذوب في الماء وتكون السطح الحساس للضوء الأبيض، أما أملاح الكادميوم فتذوب في محلول نترات الفضة.

стр. 311

وبعد تكوين السطح الحساس يأتي دور التصوير لنقل صورة الأصل على اللوح الزجاجي الحساس وبذلك يتم عمل السالبية. ثانيا: طبع الصورة على اللوح المعدني، وذلك بتغطية سطح المعدن بطبقة غرائية بيكروماتية حساسة للضوء، ثم لصق السالبية على هذه السطح المعدني الحساس وتعريضهما معا لضوء أبيض ناصع يحتوي على كمية كبيرة من الأشعة البنفسجية وفوق البنفسجية. وتمتاز مصابيح الأقواس الكهربائية المقفلة بأنها ترسل كمية كبيرة من الأشعة فوق البنفسجية، أما المصابيح المفتوحة فلا ترسل كمية كبيرة من الأشعة فوق البنفسجية كالتي ترسلها المصابيح المقفلة، ولكنها غنية بالأشعة المنظورة، ولذلك فهي تصلح لتصوير الأصول الملونة. ولما كانت أجزاء الرسم في الأصل قد أصبحت شفافة في السالبية فإنها تسمح بمرور الضوء خلالها، ونتيجة لذلك تتصلب المواضع المقابلة لها من الطبقة الغرائية البيكروماتية، وتصبح غير قابلة للذوبان في الماء، أما الأجزاء البيضاء في الأصل والتي أصبحت معتمة في السالبية فإنها لا تسمح بمرور الضوء خلالها، وبذلك تحمي الطبقة الغرائية البيكروماتية المقابلة لها من التصلب بفعل الضوء، ومن ثم تكون قابلة للذوبان في الماء بسهولة. وعلى هذا الأساس تتحدد بدقة الأجزاء الطباعية التي تبقى بارزة، والأجزاء غير الطباعية التي تصبح منخفضة بفعل تآكل الحامض. ثالثا: عملية الحفر، وهي تتم بعد طلاء اللوح المعدني بالمادة المقاومة للحامض. وقد تكون هذه المادة في شكل مسحوق أحمر أو في شكل محلول "دم التنين"١، ثم يسخن اللوح المعدني ويبرد لتبدأ عملية الحفر الأول بواسطة حامض النيتريك بالنسبة لألواح الزنك أو بمحلول كلوريد الحديديك إذا استعملت ألواح النحاس. ويصبغ اللوح المعدني عادة بالصبغة البنفسجية لكي تظهر الأجزاء الطباعية بوضوح فيسهل مراجعتها على الأصل. على أن قسم الحفر لا يعتمد على تأثير الحامض وحده، وإنما يلجأ إلى استخدام الإبرة الميكانيكية لعمل اللمسات الأخيرة، كتعميق بعض الفراغات حتى لا تحمل الحبر أثناء عملية الطبع. رابعا: وبعد الانتهاء من عملية التهذيب تأتي مرحلة التجهيز النهائي بوضع اللوح على قاعدة معدنية أو خشبية، بحيث يكون ارتفاعها مساويا لارتفاع الحرف الطباعي.

стр. 312

إنتاج الأنماط الغائرة: أما طريقة إنتاج الأنماط بالحفر الغائر فترجع إلى القرن الخامس عشر، عندما كان الفنانون يحفرون الصور بالأزاميل المدببة وغيرها على ألواح النحاس. أما طريقة الحفر الغائر على الأسطونات النحاسية وهي المسماة بالروتوجرافور١. فلم تبدأ إلا حوالي سنة ١٨٩٣، عندما استطاع الفنان كارل كليتش٢ أن يطبق طريقة تالبوت ويجعلها مناسبة للطباعة الغائرة من سطوح أسطوانية نحاسية. ويمتاز الروتوجرافور الحديث أيضا بأنه يستخدم التصوير الفوتوغرافي في نقل الصور والرسوم وغيرها إلى السطح المعدني بحيث يبقى الحبر في الأجزاء المنخفضة فقط دون غيرها من الأماكن البارزة التي تنظفها شفرة الطبيب٣، وهي لا تتآكل بسرعة لأن الحبر يعمل بمثابة سائل للتشحيم. والواقع أن تطيبق الطريقة الأسطوانية في الطباعة الغائرة قد جعل طباعة الروتوجرافور من أسرع أنواع الطباعة وأنسبها للصحافة. وأهم خصائص الروتوجرافور أنها طريقة شبكية، تستخدم فيها الشبكة لتجزيء كل ما يطبع على سطح النحاس، ولا ينطبق ذلك على الصور الظلية فقط "كما هو الحال في الطباعة البارزة" وإنما يطبق كذلك على الأصول الخطية، بل وعلى الحروف ذاتها. وإذا كانت الخطوط الشبكية تكاد لا تظهر في طباعة الروتوجرافور، فمرجع ذلك إلى أن الشبكة المستعملة تكون عادة دقيقة للغاية،

стр. 313

كما أن الورق الذي يستعمل في طباعة الروتوجرافور يكون عادة من النوع القابل لامتصاص الحبر، فالأجزاء القائمة تلتقط كمية كبيرة من الحبر تكفي للانتشار وإخفاء معالم الخطوط الشبكية المجاورة. وغني عن البيان أن طباعة الروتوجرافور تصلح صلاحية كبيرة للأصول المصورة سواء كانت فوتوغرافية أو مرسومة بالفحم أو الزيت أو الألوان المائية وغيرها. ويستحسن بطبيعة الحال أن تكون هذه الأصول ظلية حتى يمكن الاستفادة من طبيعة الروتوجرافور الشبكية. وتتلخص طباعة الروتوجرافور في خمس خطوات رئيسية هي: أولًا: إعداد إيجابيات شفافة على أقلام، وتستخرج هذه الإيجابيات للصور والحروف أيضًا، ويلاحظ أن توزيع النور والظل في هذه الإيجابيات يكون مطابقًا لتوزيعهما في الأصل نفسه. ويراعى دائمًا إلى جانب الدقة وإظهار التفاصيل أن تكون الإيجابيات متساوية في الكثافة حتى يتسنى توحيد العلاج الكيمائي في الخطوات التالية بعد ذلك. ويلاحظ أيضًا أن تكون الإيجابيات هادئة، فلا يشتد التباين بين الظلال القائمة والأضواء العالية. وحتى الحروف نفسها لا ينبغي أن تتجاوز كثافتها ظلال الإيجابيات. وكثيرا ما تستخدم الرتوش للمساعدة على وضوح الشكل وفصل الدرجات اللونية وغير ذلك. ثانيًا: إخراج الصفحات وضبطها على لوح زجاجي كبير يطلق عليه "البنورة" وتعد كل ثمان صفحات مثلا على مستوى واحد. ولا بد أن يراعي المخرج الصحفي تطابق الصور وضبطها ولا سيما في الطباعة الملونة. ففي هذه الطباعة تعد إيجابيات خاصة لكل لون، كما يخصص لوح معدني لكل لون أيضًا. وإذا لم يضبط المخرج الصحفي مواضع الإيجابيات بمنتهى الدقة. طغت بعض الألوان على الأخرى، وأصبحت النتيجة غير موفقة. ثالثًا: تلتقط صورة واحدة لمجموعة الصفحات على الجيلاتين الحساس، كما تلتقط كذلك صورة لشبكة الروتوجرافور على نفس الجيلاتين. ويلعب هذا الورق دورًا مهمًا في طباعة الروتوجرافور، وهو يتكون من مواد عضوية ممزوجة

стр. 314

بمحلول بيكرومات البوتاسيوم كما يدخل في تكوينه مادة ملونة مثل أسود الكربون وكذلك بعض الأصباغ، ولذلك يسمى بالنسيج الكربوني١ أو الورق المصبوغ٢. وشبكة الروتوجرافور زجاجية. يبلغ عدد الخطوط. في البوصة الواحدة منها مائة وخمسين خطا، أي أن البوصة المربعة تحتوي على ٢٢٥٠٠ من المربعات السوداء المحددة بالخطوط الشفافة الرفيعة والمتقاطعة بزوايا دائمة، أما إذا استعملت الشبكة لتصوير الأصول ذات اللون الواحد، فإن زواية التقاطع تكون ٤٥ درجة فقط. وعند تصوير الشبكة على ورق الجيلاتين الحساس. تصبح الأجزاء التي تحت الخطوط الشفافة، والتي تعرضت للضوء. غير قابلة للذوبان في الماء، أما المربعات المعتمة الواقعة بين الخطوط، فإنها تحمي مناطق الجيلاتين الحساس المواجهة لها من التصلب بالضوء، فإذا صورنا الإيجابية الشفافة بعد ذلك على الجيلاتين الحساس، فإن الضوء يؤثر في المناطق المربعة المحصورة بين الخطوط المتصلبة، وتصبح هذه المناطق عير قابلة للذوبان في الماء بدرجات تتناسب مع كميات الضوء التي تخللت مناطق الشفافية والإعتام في الإيجابية. رابعًا: تلصق الأوراق الجيلاتينية على الأسطوانات النحاسية، ثم يكشط ظهر الورق بالماء لكي يبقى الجيلاتين على النحاس. ويلاحظ أنه عند استعمال الماء الساخن تذوب الأجزاء الجيلاتينية التي لم تتصلب بالضوء بينما تبقى الأجزاء المتصلبة فوق سطح النحاس. ويلاحظ أن أجزاء أخرى تذوب إلى حد يتناسب مع درجة تعرضها للضوء. خامسًا: وأخيرًا تأتي عملية الحفر، وفيه تتأكل الأجزاء العارية من النحاس وهي الأجزاء الطباعية، بينما تبقى الأجزاء التي يحميها الجيلاتين المتصلب، وبهذه الطريقة يصبح السطح المعدني معدًّا للطبع وذلك بعد تحبيره وامتلاء الفجوات بالحبر الذي يمتصه الورق.

стр. 315

إنتاج الأنماط الملساء: وإذا كانت عمليات إنتاج الأنماط البارزة والغائرة قد عرضت منذ القرن الخامس عشر، فإن الطباعة الملساء لم تعرف إلا في أواخر القرن الثامن عشر، وهي لذلك تعد أحدث الطرق المعروفة لإنتاج الأنماط. ويرجع الفضل في ابتكارها إلى الممثل والكاتب المسرحي سنفلدر١ الذى اكتشف طباعة الليثوجراف٢ "أي الطباعة على الحجر" في بافاريا سنة ١٧٩٨ ٣. وفي سنة ١٨٩٥، أمكن استعمال ألواح المعدن بدلا من الحجر، وجربت خامات مختلفة كان أكثرها نجاحًا الزنك والألمونيوم. وأخيرا استعمل النحاس المغطى بقشرة من النيكل أو الكروم. وفي سنة ١٩٠٦، ظهرت طريقة الأوفست لطباعة الأنماط الملساء. وبفضل هذه الطريقة الحديثة أمكن استعمال أسطوانة مغلفة بالمطاط تنقل عليها الصورة الطباعية من النمط المعدني إلى الورق. ولا شك أن اختراع هذه الطريقة غير المباشرة لنقل الصورة من السطح المعدني إلى الورق كانت بمثابة ثورة جديدة في عالم الطباعة والإنتاج الصحفي. وقد أمكن كذلك استخدام آلة التصوير لنقل الصور وطبعها على السطح المعدني. وهكذا تطورت الطباعة الملساء من الطبع اليدوي بالرسم إلى الطبع الآلي بالتصوير الفوتوغرافي. ولا زالت طريقة الرسم باليد على اللوح المعدني مستعملة في إنتاج أنماط الملصقات والإعلانات الكبيرة. وإذا كانت هذه الرسوم ملونة، وجب على المصور أن يعد لوحًا معدنيًَّا لكل لون من الألوان الرئيسية الأربعة وهو بذلك يقوم مقام المرشح في فصل الألوان. ويلاحظ أن المصور يستخدم أقلامًا خاصة ذات تأثير شحمي. ولطباعة مجموعة من الأصول بالأوفست، يتم إعداد السالبيات بالتصوير الشبكي على الأقلام. وهذا يطبق على الصور فقط، أما الحروف فلا داعي

стр. 316

لاستعمال الشبكة في تصويرها. ومن الواضح أن ذلك يختلف عن طباعة الروتوجرافور التي يتحتم فيها تصوير جميع الأصول من صور وحروف تصويرا شبكيا على الجيلاتين الحساس. ثم يأتي بعد ذلك دور التنسيق وضبط الصفحات، فيقوم المخرج الصحفي بتكوين الصحفات، وذلك بتوزيع السالبيات الشبكية والحروف وفقا للتصميم الهيكلي. فكأن هذه المرحلة شديدة الشبه بإعداد الصفحات في الطباعة البارزة، وتكوينها من الأنماط الشبكية والحروف المجموعة باليد أو الآلة ثم ربطها جميعا داخل الأطواق المعدنية، والواقع أن هناك نوعا من الورق الأصفر يعد خصيصا كقاعدة ترتكز عليها مجموعة السالبيات والحروف في الطباعة الملساء، وبذلك تقوم مقام الأطواق في الطباعة البارزة. وبعد ذلك تأتي عملية تنظيف اللوح المعدني وتحبيبه وتحسيسه. أما التنظيف فهو عبارة عن محو الآثار الطباعية السابقة بدعك اللوح ببودرة الخفاف وغسله بالبوتاسا الكاوية. وأما التحبيب فيتم عن طريق آلات خاصة تتحرك فيها كرات من الزجاج أو الصيني بسرعة تبلغ مائتي ذبذبة في الدقيقة الاهتزازية اللامركزية لسطح الزنك. وأخيرا تأتي خطوة التحسيس أي تحويل الزنك إلى سطح حساس للضوء، وذلك بتغطيته بالمواد المعروفة كالألبومين والبيكرومات، وبذلك يصبح لوح الزنك معدا لاستقبال الآثار الطباعية على سطحه. ثم يأتي بعد ذلك دور الطبع التصويري على السطح المعدني الحساس، وتتم هذه الخطوة بطريقة الالتصاق التام١ في جهاز خاص لتفريغ الهواء، وهي نفس الطريقة المتبعة للطبع بالالتصاق على الجيلاتين في الروتوجرافور. وعندما يمر الضوء خلال الأجزاء الشفافة من السالبيات، تتصلب الطبقة الحساسة فوق المعدن، وتصبح غير قابلة للذوبان في الماء، بينما تبقى الأجزاء الأخرى غير المتأثرة بالضوء على حالها الأصلي، أي قابلة للذوبان في الماء. وبعد ذلك يرفع اللوح المعدني من جهاز التفريغ، ويدهن جيدا بالحبر الأسود الشحمي، ثم يغسل

стр. 317

بالماء، وعنذئذ تذوب أجزاء الطبقة الحساسة "وهي التي تمثل المناطق غير الطباعية من الأصل" وتزول حاملة معها طبقة الحبر التي كانت تغطيها، أما الأجزاء الأخرى التي تصلبت بفعل الضوء "وهي التي تمثل المناطق الطباعية من الأصل" فإنها تبقى ملتصقة باللوح المعدني ومحتفظة بطبقة الحبر على سطحها. وهكذا تتم عملية التحميض أو الإظهار. ويلاحظ أن هذه الصورة المنطبعة على اللون المعدني معتدلة غير مقلوبة، فهي تشبه الأصل تماما، ما عدا لون الأرضية الذي يكون رماديا خفيفا بلون الزنك مثلا. وتعمل الأسطوانة المطاطية في طباعة الأوفست كحلقة الاتصال لنقل الصورة من النمط المعدني إلى الورق. ويلاحظ أن الصورة تكون معتدلة على السطح المعدني فتطبع مقلوبة على المطاط وأخيرا تنقل معتدلة على الورق. وتبدأ بعد ذلك عملية الحفر. والواقع أن كلمة "حفر" تستعمل تجاوزا في الطباعة الملساء؛ لأن الحامض المخفف الذي يستعمل لا يقوم بعملية حفر بالمعنى المفهوم في كل من الطباعة البارزة والغائرة، وإنما تكون وظيفته الأساسية جعل الأجزاء غير الطباعية من اللوح المعدني عديمة الحساسية للحبر، وإذا حدث بعض التآكل فهو طفيف للغاية. ويدهن اللوح المعدني أيضا بطبقة خاصة من الغراء السيلولوزي لحماية الأجزاء غير الطباعية وجعلها قابلة لاستقبال الماء. وعلى العكس من ذلك يستعمل محلول الأسفلت لتنظيف اللوح المعدني وجعل الأجزاء الطباعية من الصورة كالنقط والحروف والخطوط قابلة لالتقاط الحبر. والمعروف أن طباعة الليتوجراف أو الأوفست قائمة على أساس إعداد سطح واحد تتأثر بعض أجزائه بالحبر الشحمي وتطرد الماء بينما تصبح الأجزاء الأخرى قابلة للماء وطاردة للحبر الشحمي. ومن ثم فإننا نجد أن آلة طباعة الأوفست تتناوب التحبير والترطيب بالماء في كل دورة من دوراتها. وينبغي أن نشير في ختام دراستنا للأنماط المختلفة أن الخبراء المحدثين يواصلون جهودهم لاكتشاف خامات جديدة تصنع منها المطاط. وقد جربت أنماط البلاستيك والنولار بنجاح لحفر الصور مباشرة عن طريق الإبرة الإلكترونية في جهاز الكليشوجراف، واستعملت أيضا أنماط المطاط، وخاصة المطاط الصناعي، وهناك محاولات ناجحة لإنتاج الأنماط بالترسيب الكهربائي وغير ذلك من الطرق الحديثة التي تهدف إلى السرعة والبساطة والاقتصاد.

стр. 318

نقل الصور بالتليفون والراديو: وعندما اكتشفت فنون صناعة الأنماط المصورة، أخذ الصحفيون يوجهون اهتمامهم المتزايد إلى التقاط الصور وتحميضها وطبعها ونقلها إلى مسافات بعيدة عبر دول العالم بأقصى سرعة ممكنة ليتسنى لهم الظفر بالسبق الصحفي في التصوير، بنفس الطريقة التي يظفرون بها بالسبق الصحفي في الأخبار عن طريق استعمال التليفون والتلغراف والراديو. وفي سنة ١٨٢٨ أمكن الوصول إلى طريقة لنقل الصور سلكيا بتحويل القيم الضوئية في الصورة من ظلال وإنصاف ظلال متدرجة وأضواء إلى موجات كهربائية تتناسب مع الأشعة الضوئية. ويتركب جهاز استقبال الصور سلكيا من أسطوانة تلف حولها الصورة بعد التقاطها، وتدور الأسطونة المغلقة بالصورة حول نفسها ثم تنبعث أشعة ضوئية تنعكس على سطح الصورة فيكون الانعكاس الضوئي متناسبا مع الأضواء والظلال. وبقدر ما ينعكس من ضوء تحدث تغييرات مقابلة في التيار الكهربائي يمكن إرسالها خلال خط تليفوني عادي. ويستطيع المستقبل في نهاية الخط "أي الصحيفة" أن يتلقى هذه السيالات الكهربية ويحولها إلى ما يناظرها من قيم ضوئية، بعكس الطريقة التي استعملت في الإرسال. والمعروف أن جريدة الأهرام تستخدم هذه الطريقة لنقل الصور منذ سنة ١٩٦٤، وكانت أول صورة تنقل من أسوان بمناسبة انتهاء المرحلة الأولى من بناء السد العالي يوم ١٤ مايو من تلك السنة. أما نقل الصور بالراديو فقد أصبح من ضرورات الصحافة الحديثة بعد تقدم وسائل المواصلات الأخرى وربط القارات والدول المختلفة ربطا ماديا بالطيران الحديث وغيره من وسائل الاتصال، ونفسيا بالمنظمات الدولية المختلفة والهيئات العلمية والثقافية التي تعمل على نطاق عالمي. وقد كان للحرب العالمية الثانية أثر كبير في انتشار الصور المنقولة بالراديو، فلم يكن غريبا أن تتلقى جريدة الأهرام أول صورة تستقبل بالراديو في العالم العربي يوم ٧ مايو سنة ١٩٤٣، وهي الصورة التي أرسلت خصيصا لوزارة الاستعلامات البريطانية،

стр. 319

غير أن الأهرام استقبلت صورة أخرى أرسلت خصيصا لها في ٣١ مايو سنة ١٩٤٢، وكانت تصور اجتماع سفيري مصر وتركيا في مدينة لندن. كما كان للحرب أيضا أثرها البالغ في نشر الخرائط والرسوم الإيضاحية والنماذج المجسمة، وكانت هذه العناصر من أهم مكونات الفن الصحفي المصور. ثم تطورت بحوث نقل الصور بعد سنة ١٩٤٨ وأصبح التصوير الجوي متقنا غاية الإتقان. فالمصور الذي يريد التقاط صورة من الجو يقف عادة في نهاية الطائرة، وبعد الانتهاء من التصوير تجري عمليات الإظهار والتكبير والطبع وغيرها، وتعلق الأجهزة بلوالب خاصة لمنع الاهتزازات، وبذلك يتم العمل في دقائق معدودة. وبهذه الطريقة يمكن التقاط صور المباريات والاحتفالات وسباق الخيل وتحركات الجيوش وغيرها في سرعة وإتقان. ولا شك أن نقل الصور من الكواكب الأخرى كالقمر والمريخ والزهرة بالتليفزيون قد جعل من القرن العشرين عصر الصورة الكونية بالمعنى الصحيح، كما أصبح الرأي العام يطالب بالصورة كأساس للإعلام الحديث. فليس غريبا أن تنشأ مجلات أخبارية جديدة تعتمد على الفن الصحفي المصور مثل مجلة تايم سنة ١٩٢٣، ومجلة نيوزويك سنة ١٩٣٣، ومجلة لايف سنة ١٩٣٦، ومجلة لوك سنة ١٩٣٧. كما ظهرت وكالات متخصصة في الصور مثل الأسوشيتدبرس١ والإنترناشيونال برس بكتشورز سرفيس٢ وورلد وايد٣ ووكالة أكم نيوز بكتشورز٤ التي أسست سنة ١٩١٣ وأصبحت وكالة يونايتد برس فيما بعد. وهذا فضلا عن الوكالات الإقليمية والمحلية التي تتبادل الصور مع الوكالات العالمية وفيما بينها أيضا مثل وكالة الأنباء الألمانية ووكالة الأنباء اليوغوسلافية وغيرهما. وإلى جانب الوكالات العالمية ووكالات الصور توجد مصادر أخرى تعتمد عليها الصحف للحصول على الصور مثل وكالات الدعاية ومكاتب العلاقات العامة

стр. 320

فضلا عن المصورين المحترفين والهواة. وتحاول وكالات الدعاية ومكاتب الأنباء تزويد الصحف بالصور الممتازة فنيا حتى لا تجد الصحف أي عائق في نشرها. وتتلقى الصحف هذه الصور بطريقة دورية. وهناك مصورون محترفون لا يعلمون لحساب صحيفة بعينها، وإنما يقدمون إنتاجهم للعديد من الصحف. وقد تكون لصور هؤلاء المصورين الأحرار مميزات جيدة. أما المصورون الهواة فهم عموما من الأشخاص الذين يلتقطون الصور لمجرد المتعة والذين لا يقتصرون على الرغبة في بيع موادهم. وهم يصيبون أعظم النجاح عندما يحصلون على لقطة غير ميسورة. ومن أكثر الصور التي يبيعها المصورون الهواة شيوعا، صور الحوادث لحظة وقوعها أو بعد وقوعها فورا، وكذلك المواد التصويرية للتحقيقات الصحفية، والصور التي تلتقط في أماكن ممتنعة على المصورين المحترفين كالمؤتمرات السرية والاجتماعية المغلقة. وخلاف ذلك، تحصل الصحف على الصور من مصادر متنوعة، وأكثرها شيوعا عائلة الشخصية الجديرة برواية أنبائها وأصدقاء تلك الشخصية والمكتبات العامة وملفات الجمعيات التاريخية.
следующие страницы →