← Адаб

Адаб · id 11735

دراسات في الفن الصحفي

إبراهيم إمام

Полный текст (364 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

لاستعمال الشبكة في تصويرها. ومن الواضح أن ذلك يختلف عن طباعة الروتوجرافور التي يتحتم فيها تصوير جميع الأصول من صور وحروف تصويرا شبكيا على الجيلاتين الحساس. ثم يأتي بعد ذلك دور التنسيق وضبط الصفحات، فيقوم المخرج الصحفي بتكوين الصحفات، وذلك بتوزيع السالبيات الشبكية والحروف وفقا للتصميم الهيكلي. فكأن هذه المرحلة شديدة الشبه بإعداد الصفحات في الطباعة البارزة، وتكوينها من الأنماط الشبكية والحروف المجموعة باليد أو الآلة ثم ربطها جميعا داخل الأطواق المعدنية، والواقع أن هناك نوعا من الورق الأصفر يعد خصيصا كقاعدة ترتكز عليها مجموعة السالبيات والحروف في الطباعة الملساء، وبذلك تقوم مقام الأطواق في الطباعة البارزة. وبعد ذلك تأتي عملية تنظيف اللوح المعدني وتحبيبه وتحسيسه. أما التنظيف فهو عبارة عن محو الآثار الطباعية السابقة بدعك اللوح ببودرة الخفاف وغسله بالبوتاسا الكاوية. وأما التحبيب فيتم عن طريق آلات خاصة تتحرك فيها كرات من الزجاج أو الصيني بسرعة تبلغ مائتي ذبذبة في الدقيقة الاهتزازية اللامركزية لسطح الزنك. وأخيرا تأتي خطوة التحسيس أي تحويل الزنك إلى سطح حساس للضوء، وذلك بتغطيته بالمواد المعروفة كالألبومين والبيكرومات، وبذلك يصبح لوح الزنك معدا لاستقبال الآثار الطباعية على سطحه. ثم يأتي بعد ذلك دور الطبع التصويري على السطح المعدني الحساس، وتتم هذه الخطوة بطريقة الالتصاق التام١ في جهاز خاص لتفريغ الهواء، وهي نفس الطريقة المتبعة للطبع بالالتصاق على الجيلاتين في الروتوجرافور. وعندما يمر الضوء خلال الأجزاء الشفافة من السالبيات، تتصلب الطبقة الحساسة فوق المعدن، وتصبح غير قابلة للذوبان في الماء، بينما تبقى الأجزاء الأخرى غير المتأثرة بالضوء على حالها الأصلي، أي قابلة للذوبان في الماء. وبعد ذلك يرفع اللوح المعدني من جهاز التفريغ، ويدهن جيدا بالحبر الأسود الشحمي، ثم يغسل

стр. 317

بالماء، وعنذئذ تذوب أجزاء الطبقة الحساسة "وهي التي تمثل المناطق غير الطباعية من الأصل" وتزول حاملة معها طبقة الحبر التي كانت تغطيها، أما الأجزاء الأخرى التي تصلبت بفعل الضوء "وهي التي تمثل المناطق الطباعية من الأصل" فإنها تبقى ملتصقة باللوح المعدني ومحتفظة بطبقة الحبر على سطحها. وهكذا تتم عملية التحميض أو الإظهار. ويلاحظ أن هذه الصورة المنطبعة على اللون المعدني معتدلة غير مقلوبة، فهي تشبه الأصل تماما، ما عدا لون الأرضية الذي يكون رماديا خفيفا بلون الزنك مثلا. وتعمل الأسطوانة المطاطية في طباعة الأوفست كحلقة الاتصال لنقل الصورة من النمط المعدني إلى الورق. ويلاحظ أن الصورة تكون معتدلة على السطح المعدني فتطبع مقلوبة على المطاط وأخيرا تنقل معتدلة على الورق. وتبدأ بعد ذلك عملية الحفر. والواقع أن كلمة "حفر" تستعمل تجاوزا في الطباعة الملساء؛ لأن الحامض المخفف الذي يستعمل لا يقوم بعملية حفر بالمعنى المفهوم في كل من الطباعة البارزة والغائرة، وإنما تكون وظيفته الأساسية جعل الأجزاء غير الطباعية من اللوح المعدني عديمة الحساسية للحبر، وإذا حدث بعض التآكل فهو طفيف للغاية. ويدهن اللوح المعدني أيضا بطبقة خاصة من الغراء السيلولوزي لحماية الأجزاء غير الطباعية وجعلها قابلة لاستقبال الماء. وعلى العكس من ذلك يستعمل محلول الأسفلت لتنظيف اللوح المعدني وجعل الأجزاء الطباعية من الصورة كالنقط والحروف والخطوط قابلة لالتقاط الحبر. والمعروف أن طباعة الليتوجراف أو الأوفست قائمة على أساس إعداد سطح واحد تتأثر بعض أجزائه بالحبر الشحمي وتطرد الماء بينما تصبح الأجزاء الأخرى قابلة للماء وطاردة للحبر الشحمي. ومن ثم فإننا نجد أن آلة طباعة الأوفست تتناوب التحبير والترطيب بالماء في كل دورة من دوراتها. وينبغي أن نشير في ختام دراستنا للأنماط المختلفة أن الخبراء المحدثين يواصلون جهودهم لاكتشاف خامات جديدة تصنع منها المطاط. وقد جربت أنماط البلاستيك والنولار بنجاح لحفر الصور مباشرة عن طريق الإبرة الإلكترونية في جهاز الكليشوجراف، واستعملت أيضا أنماط المطاط، وخاصة المطاط الصناعي، وهناك محاولات ناجحة لإنتاج الأنماط بالترسيب الكهربائي وغير ذلك من الطرق الحديثة التي تهدف إلى السرعة والبساطة والاقتصاد.

стр. 318

نقل الصور بالتليفون والراديو: وعندما اكتشفت فنون صناعة الأنماط المصورة، أخذ الصحفيون يوجهون اهتمامهم المتزايد إلى التقاط الصور وتحميضها وطبعها ونقلها إلى مسافات بعيدة عبر دول العالم بأقصى سرعة ممكنة ليتسنى لهم الظفر بالسبق الصحفي في التصوير، بنفس الطريقة التي يظفرون بها بالسبق الصحفي في الأخبار عن طريق استعمال التليفون والتلغراف والراديو. وفي سنة ١٨٢٨ أمكن الوصول إلى طريقة لنقل الصور سلكيا بتحويل القيم الضوئية في الصورة من ظلال وإنصاف ظلال متدرجة وأضواء إلى موجات كهربائية تتناسب مع الأشعة الضوئية. ويتركب جهاز استقبال الصور سلكيا من أسطوانة تلف حولها الصورة بعد التقاطها، وتدور الأسطونة المغلقة بالصورة حول نفسها ثم تنبعث أشعة ضوئية تنعكس على سطح الصورة فيكون الانعكاس الضوئي متناسبا مع الأضواء والظلال. وبقدر ما ينعكس من ضوء تحدث تغييرات مقابلة في التيار الكهربائي يمكن إرسالها خلال خط تليفوني عادي. ويستطيع المستقبل في نهاية الخط "أي الصحيفة" أن يتلقى هذه السيالات الكهربية ويحولها إلى ما يناظرها من قيم ضوئية، بعكس الطريقة التي استعملت في الإرسال. والمعروف أن جريدة الأهرام تستخدم هذه الطريقة لنقل الصور منذ سنة ١٩٦٤، وكانت أول صورة تنقل من أسوان بمناسبة انتهاء المرحلة الأولى من بناء السد العالي يوم ١٤ مايو من تلك السنة. أما نقل الصور بالراديو فقد أصبح من ضرورات الصحافة الحديثة بعد تقدم وسائل المواصلات الأخرى وربط القارات والدول المختلفة ربطا ماديا بالطيران الحديث وغيره من وسائل الاتصال، ونفسيا بالمنظمات الدولية المختلفة والهيئات العلمية والثقافية التي تعمل على نطاق عالمي. وقد كان للحرب العالمية الثانية أثر كبير في انتشار الصور المنقولة بالراديو، فلم يكن غريبا أن تتلقى جريدة الأهرام أول صورة تستقبل بالراديو في العالم العربي يوم ٧ مايو سنة ١٩٤٣، وهي الصورة التي أرسلت خصيصا لوزارة الاستعلامات البريطانية،

стр. 319

غير أن الأهرام استقبلت صورة أخرى أرسلت خصيصا لها في ٣١ مايو سنة ١٩٤٢، وكانت تصور اجتماع سفيري مصر وتركيا في مدينة لندن. كما كان للحرب أيضا أثرها البالغ في نشر الخرائط والرسوم الإيضاحية والنماذج المجسمة، وكانت هذه العناصر من أهم مكونات الفن الصحفي المصور. ثم تطورت بحوث نقل الصور بعد سنة ١٩٤٨ وأصبح التصوير الجوي متقنا غاية الإتقان. فالمصور الذي يريد التقاط صورة من الجو يقف عادة في نهاية الطائرة، وبعد الانتهاء من التصوير تجري عمليات الإظهار والتكبير والطبع وغيرها، وتعلق الأجهزة بلوالب خاصة لمنع الاهتزازات، وبذلك يتم العمل في دقائق معدودة. وبهذه الطريقة يمكن التقاط صور المباريات والاحتفالات وسباق الخيل وتحركات الجيوش وغيرها في سرعة وإتقان. ولا شك أن نقل الصور من الكواكب الأخرى كالقمر والمريخ والزهرة بالتليفزيون قد جعل من القرن العشرين عصر الصورة الكونية بالمعنى الصحيح، كما أصبح الرأي العام يطالب بالصورة كأساس للإعلام الحديث. فليس غريبا أن تنشأ مجلات أخبارية جديدة تعتمد على الفن الصحفي المصور مثل مجلة تايم سنة ١٩٢٣، ومجلة نيوزويك سنة ١٩٣٣، ومجلة لايف سنة ١٩٣٦، ومجلة لوك سنة ١٩٣٧. كما ظهرت وكالات متخصصة في الصور مثل الأسوشيتدبرس١ والإنترناشيونال برس بكتشورز سرفيس٢ وورلد وايد٣ ووكالة أكم نيوز بكتشورز٤ التي أسست سنة ١٩١٣ وأصبحت وكالة يونايتد برس فيما بعد. وهذا فضلا عن الوكالات الإقليمية والمحلية التي تتبادل الصور مع الوكالات العالمية وفيما بينها أيضا مثل وكالة الأنباء الألمانية ووكالة الأنباء اليوغوسلافية وغيرهما. وإلى جانب الوكالات العالمية ووكالات الصور توجد مصادر أخرى تعتمد عليها الصحف للحصول على الصور مثل وكالات الدعاية ومكاتب العلاقات العامة

стр. 320

فضلا عن المصورين المحترفين والهواة. وتحاول وكالات الدعاية ومكاتب الأنباء تزويد الصحف بالصور الممتازة فنيا حتى لا تجد الصحف أي عائق في نشرها. وتتلقى الصحف هذه الصور بطريقة دورية. وهناك مصورون محترفون لا يعلمون لحساب صحيفة بعينها، وإنما يقدمون إنتاجهم للعديد من الصحف. وقد تكون لصور هؤلاء المصورين الأحرار مميزات جيدة. أما المصورون الهواة فهم عموما من الأشخاص الذين يلتقطون الصور لمجرد المتعة والذين لا يقتصرون على الرغبة في بيع موادهم. وهم يصيبون أعظم النجاح عندما يحصلون على لقطة غير ميسورة. ومن أكثر الصور التي يبيعها المصورون الهواة شيوعا، صور الحوادث لحظة وقوعها أو بعد وقوعها فورا، وكذلك المواد التصويرية للتحقيقات الصحفية، والصور التي تلتقط في أماكن ممتنعة على المصورين المحترفين كالمؤتمرات السرية والاجتماعية المغلقة. وخلاف ذلك، تحصل الصحف على الصور من مصادر متنوعة، وأكثرها شيوعا عائلة الشخصية الجديرة برواية أنبائها وأصدقاء تلك الشخصية والمكتبات العامة وملفات الجمعيات التاريخية.

стр. 321

من التصوير التسجيلي إلى التصوير الصحفي: ولعل دراستنا لفن التصوير الصحفي هي في الواقع دراسة لظهور الصور الأخبارية أو الصور الإعلامية بوجه عام. فقد تطور فن التصوير من المرحلة الجمالية إلى المرحلة الإعلامية بين سنة ١٩٢٥ وسنة ١٩٣٥. وقد رأينا أن فن التصوير كان قد بدأ في الانتشار على نطاق واسع في مدينة باريس سنة ١٨٣٩، عندما أخذ المصورون يلتقطون صورا فنية جميلة على غرار اللوحات الزيتية أو المائية التي كانت معروفة منذ العصور الوسطى، ويتضح ذلك بوجه خاص في المدرستين الكلاسيكية والرومانسية في فن التصوير. وفي عام ١٩٤٠ بدأت مرحلة التصوير الفوتوغرافي التسجيلي والأخباري، بمعنى أنه ظهر لأول مرة فريق من المصورين الذين وجهوا عنايتهم إلى الموضوعات التسجيلية أكثر من الموضوعات الجمالية، وتعتبر هذه المدرسة الأخيرة نواة فن التصوير الصحفي.

стр. 322

وقد كان المصور مورس١ "وهو مخترع التلغراف" الرائد الأول لهذا الفن التسجيلي، فقد التقط سنة ١٨٤٠ صورة تذكارية لزملائه الذين كانوا يتلقون العلم معه بجامعة بيل. وفي سنة ١٨٤١ ظهر المصوران النمساويان جوزيف ناترر ويوهان ناترر٢ اللذان التقطا صورة لحرس الإمبراطور جوزيف في مدينة فيينا. وفي عام ١٨٤١ أيضا أو لعله في العام التالي التقط المصور النمساوي رايسر٣ مجموعة مكونة من ١٤ صورة حول الاحتفالات العسكرية التي أقيمت بمدينة لينتز٤ بالنمسا، وهي مجموعة أخبارية من الطراز الأول. وفي سنة ١٨٤٢، التقط المصور الألماني هرمان بيو٥ مجموعة صور بلغ عددها ٤٦ صورة عن الحريق المدمر الذي شب في مدينة هامبورج. وفي سنة ١٨٤٩، قام الكاتب الروائي الفرنسي ذائع الصيت جوستاف فلوبير٦ ومعه المصور ماكسيم دي كامب٧ بزيارة مصر والسودان، حيث التقطا مجموعة من الصور الرائعة التي تبين عظمة الفن الفرعوني القديم. وتعتبر هذه الصور من الوثائق الهامة التي يعتز بها مؤرخ فن التصوير الصحفي، كما يلاحظ أن هذين الزائرين هما أول كاتب ومصور يعملان معا على النحو الذي نجده في الصحافة الحديثة عندما يقوم المخبر الصحفي والمصور معا بجلب الأخبار المصورة. وقد قام المصور الإسكتلندي بيازا سميث٨ برحلة إلى مصر سنة ١٨٩١، التقط أثناءها صورا بديعة للأهرام بآلة تصوير طريفة لعلها الأولى من نوعها، إذ تعد بحق أول آلة تصوير من النوع الصغير، وقد كانت سلبياته مغطاة بالكلوديون الرطب ومساحة الواحدة منها لا تزيد عن البوصة المربعة. أما العدسة المستعملة في آلته فقد كانت خالية من العيوب تقريبا، وبعدها البؤري ١٣/ ٤ بوصة وفتحتها ٤.٥. وبلغت براعة هذا المصور الفنان حدا رائعا؛ إذ إنه

стр. 323

ابتكر طريقة فذة تجعل القافل يعطي مدة تعريض سريعة للتصوير على غرار طريقة القافل الستاري الخلفي الحديث. وقد كانت محاكاة المصورين للوحات الزيتية التي رسمها كبار الفنانين التشكيليين مثلا أعلى يسعى إليه الجميع في كل المراحل السابقة. ومن الطريف أن هؤلاء المصورين التسجيليين والمحترفين كانوا يرسلون شعرهم طويلا ويلبسون ملابس زاهية الألوان، مقلدين في ذلك أهل الفن في زيهم كما كانوا يقلدونهم في فنهم. ويمكن القول بوجه عام أن الموضوعات الرئيسية التي كانت تدور حولها الصور الملتقطة في منتصف القرن التاسع عشر هي حوادث المصادمات بالسكك الحديدية وغيرها، وإطلاق البالونات، والحرائق الكبيرة وغيرها من الحوادث الهامة. ومن الجدير بالذكر أن المصور فنتون١ قام بالتقاط عدة صور عن حرب القرم، وقد نشرت هذه الصور في جريدة اللستريتيد لندن نيوز٢، كما قام المصور الصحفي برادي٣ بالتقاط عدة صور عن الحرب الأهلية في أمريكا وقد نشرت في مجلة هاربرز ويكلي٤، في ستينات القرن الماضي. ثم كان لاكتشاف صناعة الأنماط أثره البالغ في التصوير الصحفي، فقد أصبح المصور كالمندوب يعنى بالسبق ويفضل التقاط الصور بنفس المقاسات الصالحة للنشر حتى لا يضيع الوقت في التكبير أو التصغير. وبدأت بذلك مرحلة جديدة تحول فيها الاهتمام من النواحي الجمالية الخالصة إلى النواحي الإعلامية، فتلاحظ مثلا أن مشكلات التكوين والإضاءة والنسب وغيرها من المعايير الجمالية كانت تأتي في المرتبة الثانية بعد القيمة الأخبارية للصورة. وهكذا نستطيع القول أن هذا العصر قد شهد مولد الإحساس الإعلامي والقيم الصحفية للتصوير، يضاف إلى ذلك اهتمام المصور بالسبق الصحفي، مما كان يتطلب يقظة تامة وانتباها مركزا. غير أننا إذا دققنا النظر في صور ذلك العصر المتقدم وجدنا

стр. 324

أنها كانت تفتقر إلى الحركة، اللهم إلا إذا ساعدت الطبيعة نفسها على تصوير مناظر تأتي فيها الحركة عفوا، أو أن يكون الموضوع مليئا بالحركة، بحكم الضرورة، كحوادث المصادمات والحريق والفيضانات والزلازل وغيرها. وفيما عدا ذلك كانت الصورة جامدة تعوزها الحركة. وثمة ملاحظة أخرى على فن التصوير الصحفي في ذلك العصر، فقد دأب الصحفيون على تقليد بعضهم البعض حتى إن الصور ظلت مكبلة بأغلال التقاليد المتوارثة عاما بعد عام، فإذا أراد الصحفي أن يلتقط صورة معبرة عن بداية العام الجديد لجأ إلى نفس الحيلة المعهودة وهي تصوير طفل وليد ينظر من خلال نتيجة العام الجديد. وإذا أراد التقاط صورة لفريق كرة القدم لجأ إلى حيلة أخرى معروفة وهي تصوير أعضاء الفريق جميعا وهم واقفون بين ساقي رئيس الفريق في وسط الملعب. أما صور المجموعات، فقد كانت مصطنعة ومليئة بالجمود، فترى الأشخاص محملقين إلى العدسة بطريقة غير طبيعية. فلا ينخدع إلا أشد القراء سذاجة بالصورة المفتعلة التي تمثل أحد المشاهير يحيي جمهورا من المسئولين، أو أحد الرياضيين وهو يمسك الكرة بينما يتطلع بملء وجهه إلى عدسة جهاز التصوير، والفتاة الجالسة على كتلة من الثلج للفرار من حر أغسطس. وما أشبه هذه الصور التقليدية بالمحسنات البديعة المألوفة في التعبير اللغوي التي كان لا بد للفن الصحفي أن يتجاوزها إلى التعبير الواقعي الحي الأصيل.

стр. 325

تطور فن التصوير الصحفي: ولقد كانت ألمانيا على وجه التحديد هي المسرح الكبير الذي شهد نهضة فن التصوير الصحفي، وذلك في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وإذا كانت الحقبة الواقعة بين عامي ١٨٨٠ و١٨٩٠ قد شهدت حماسة الهواة الذين أولعوا ولعا شديدا بفن التصوير من حيث هو فن وليد، فإن الفترة المبتدئة بسنة ١٩٢٠ قد شهدت حماسة أخرى جديدة لفن التصوير الأخباري. ومن الجدير بالذكر أن البيئة الثقافية والاجتماعية قد أتاحت لفن التصوير الضوئي فرص التقدم والنجاح، فقد انتشرت في فترة ما بين الحربين العالميتين اتجاهات متعددة من

стр. 326

عدم المبالاة والتنكر للقيم والسخرية من المثاليات والتهكم بالمبادئ والدعوة إلى المتعة، كما ظهرت المدارس الفنية الحديثة كالمستقبلية والتكعيبية والدادية والسيريالية وغيرها من المدارس التي بعدت عن الطبيعة ونأت عن الواقع، مما أتاح للمصور الفوتوغرافي فرص التشبت بالطبيعة وترجمة الواقع والتعلق بالموضوعية ونقل الصور الواقعية التي هجرها الفنانون. وهكذا نستطيع القول أن أعراض الفنانين عن الطبيعة والواقع قد ترك فراغا في عالم الفن، كان لا بد للمصورين الفوتوغرافيين أن يقوموا بملئه. فلم يكن غريبا، إذن، أن نرى معظم صور هذه الفترة تسجل الطبيعة بأشجارها وسحبها ومياهها وقد سبحت فوقها السفن، كما انتشرت صور الأطفال والحيوانات وغيرها. وفي هذه الحقبة نفسها اشتهر المصور الفرد إيزنشتات١ بصوره الرائعة التي سجلت موضوعات طبيعية بأسلوب جمالي يحاكي نفس الأسلوب الذي هجره الفنانون المحدثون إلى التجريد والسيريالية، ثم شهدت سنة ١٩٢٥ مولد آلتين هامتين كان لهما أبعد الأثر في تطور التصوير وهما أرموناكس وليكا٢، وقد كانت الأولى تتطلب استعمال الألواح الحساسة التي تركب على حامل معدني "شاسيه" داخل الحجرة المظلمة فلم تصلح للعمل الصحفي، في حين أن الآلة الأخرى التي اخترعها أوسكار بارناك قد فتحت لفن التصوير الصحفي آفاقا جديدة وأتاحت له فرصا ذهبية. وقد اشتهر في عالم ما بين الحربين عدد كبير من المصورين الذين يعتبرون الرواد الأوائل لفن التصوير الصحفي، ومن هؤلاء المصور بول ولف٣ الذي التقط خمسة آلاف صورة في الفترة بين سنة ١٩٢٥ وسنة ١٩٤٣ وألف كتابا أسماه "سنواتي العشر مع آلة التصوير لايكا". ومن الرواد الأوائل أيضا الفرد إيزنشتات الذي عمل في مجلة درفلت شيجل٤ وفي صحيفة تاجي بلات٥. أما إيزيش سالومون٦ فهو صاحب الفضل الأكبر في تطور فن

стр. 327

التصوير الصحفي والوصول به إلى مرتبة المهن الرفيعة. وقد بدأ سالمون حياته محاميا، ثم انتقل في سنة ١٩٢٨ إلى مهنة التصوير، وكان يتقن سبع لغات ويكثر الأسفار والرحلات بين برلين وباريس وجنيف. وتعد صوره الصحفية الناجحة والمليئة بالحركة والحياة حجر الأساس الذي بني عليه فن التصوير الصحفي الحديث. وقد علم سالمون في عدة مؤسسات صحفية أهمها مؤسسة أولشتاين١ الألمانية التي كانت تملك عدة صحف ومجلات في برلين أهمها ألوستريرته تزايتونج٢ الأسبوعية المصورة التي بلغ توزيعها مليونين من النسخ، وكذلك مجلة دي دامي٣ النسائية الشهرية. ومن الرواد الأوائل أيضا مصور مجري يدعى مارتن موناكزي٤ الذي اشتهر في سنة ١٩٢٦، وأقام معرضا لصوره الرائعة سنة ١٩٣٤، وقد كان اهتمام هذا المصور موجها إلى عارضات الأزياء اللاتي التقط لهن صورا فنية بأسلوب صحفي جديد مليء بالواقعية والحيوية والحركة. وبفضل هؤلاء الرواد الأوائل استقل فن التصوير الصحفي عن فنون التصوير الجمالية والتسجيلية والتذكارية، على غرار أسلوب الكتابة الصحفية التي استقل عن الأسلوب الأدبي، واعترفت الصحافة بقيمة الصورة كعنصر أساسي لا يقل عن الخبر أو المقال أو التحقيق. وبينما كانت الصور من نوع اللقطات التقليدية الجامعة أو النوع الوضعي المدبر من قبل، فإن مزيدا من عنصر لقطات العدسة الواقعية الصادقة في النقل بدأ يظهر كذلك اتسع أفق الصورة بفضل ازدهار المجلات المصورة الكبرى مثل لايف ولوك وغيرهما في العقد الرابع من هذا القرن، فزاد عدد ما ينشر من صور حوادث الاصطدامات والمشاجرات وغير ذلك من المشاهد المماثلة التي كانت تعتبر غير لائقة في السابق. وقد اكتشفت الصحافة الحديثة أن الصورة تحقق وظائف الفن الصحفي من إعلام وتفسير وتوجيه وترفيه وتشويق وتنشئة اجتماعية، بمعنى أن المصور الناجح

стр. 328

يستطيع أن يتخير لقطات معينة تكون بمثابة مقالات مصورة تتحدث بروح الفكاهة أحيانا فتثير الضحك، وبروح الجد والإصلاح فتنقد الأحوال الاجتماعية، أو بروح التهكم الساخر فتوقظ النائمين من سباتهم. وقد كان للصحافة المصرية أيضا روادها الأوائل في فن التصوير منذ بداية القرن العشرين عندما كانت الصحف تعتمد على أستوديوهات التصوير التجارية كما كانت تسند إلى بعض المصورين العاديين بعض المهام الصحفية. ولعل المصور النمساوي ديتريش الذي عمل مصورا للقصر في عهد عباس سنة ١٩٠٥، هو من طليعة الرواد الأوائل في هذه الفن. وقد تتلمذ عليه طائفة من المصورين المصريين الذي نبغوا فيما بعد نبوغا عظيما، نذكر منهم المصور رياض شحاتة. ومن الطريف أن هؤلاء المصورين الأوائل من أمثال ديتريش النمساوي وبابازيان الأرمني ورياض شحاته المصري وغيرهم من المصريين والأجانب كانوا يستعملون في بداية الأمر آلات تصوير كبيرة من نوع المنفاخ مثل مقاس ٣٠×٤٠ سم و١٨×٢٤ سم. واشتهر المصور هانزلمان السويسري بصوره الناجحة، وإن كانت تعوزها الحركة، كما اشتهر المصور كانتي الإسباني بصوره الناجحة في مجلة اللطائف المصورة وغيرها من صحف دار الهلال مثل مجلة الدنيا المصورة ومجلة النيل وغير ذلك من المجلات التي كانت تظهر في ذلك الوقت. وقد رأينا أن جريدة الأهرام كانت أولى الصحف التي عنيت بفن التصوير الصحفي والاهتمام بالصورة الصحفية، وكانت أول صورة تظهر في صحافتنا يوم ٤ مايو سنة ١٨٨١ لفرديناند دي ليسبس ومعه طفلته على العمودين الأول والثاني من الصفحة الأولى من جريدة الأهرام. وتوسعت صحيفة الجريدة في نشر الصورة ابتداء من سنة ١٩٠٨، ثم تنافست الصحف في نشر أخبار الحرب العالمية الأولى مدعمة بالخرائط والرسوم؛ وخاصة المقطم والأهرام. وأخذ فن التصوير يتطور تطورا عظيما فظهر من مشاهير المصورين زخاري وميشيل نظر ومصرف ورياض إبراهيم وغيرهم. وقد نجح المصور ميشيل نظر نجاحا باهرا لأول مرة في الكشاف حوالي سنة ١٩٢٧ ثم انتقل إلى دار الهلال وظل يعمل بها حتى سنة ١٩٣١، كما اشتغل ابتداء من سنة ١٩٣٢ بجريدة الأهرام حتى تركها سنة ١٩٤٦ إلى شركة الإعلانات الشرقية. وقد كان

стр. 329

المصور صبحي رياض شحاته يمد الصحف والمجلات بالصور الصحفية الناجحة، كما حصل على توكيلات لمعظم الشركات الصحفية ووكالاتها في أوروبا وأمريكا لإمدادها بالصور الصحفية عن مصر. أما اليوم فقد أصبح فن التصوير الصحفي ركنا هاما من الصحافة المصرية الحديثة التي تعتمد على الصورة اعتمادا كبيرا، ولا تضن هذه الصحف بالمال الوفير للحصول على الأخبار والموضوعات المصورة، ومن المعروف أن المصورين المصريين يذهبون الآن في رحلات صحفية عالمية للحصول على الصور الصحفية اللازمة. كما تزود دور الصحف بمعامل فنية كاملة للتحميض والطبع والتكبير مجهزة على أحدث طراز يقترب كثيرا من نظائره في أوروبا وأمريكا. وقد اجتذب فن التصوير الصحفي طائفة من الشباب المثقف الذي يعمل في هذا الميدان الجديد تحت رعاية المصورين القدامى الناجحين وإشرافهم أمثال محمد يوسف الذي بدأ عمله منذ سنة ١٩٣٤ بمجلة روزاليوسف ثم دار الهلال وانتقل إلى دار أخبار اليوم منذ إنشائها، وهو يعمل الآن كبيرا للمصورين بتلك المؤسسة. أما عبده خليل فقد عمل بدار الهلال مدة طويلة مع محمد يوسف قبل انتقاله إلى الجمهورية، كما افتتح إرشاك مصرف في بدء حياته مكتبا خاصا يمد الصحف بما تحتاجه من صور وموضوعات فنية، فكان بمثابة وكالة صور على نطاق محدود. ومن الجدير بالذكر أن الصحف المصرية تعنى عناية فائقة بأرشيف الصور وحفظ الأفلام التي تم تصويرها وفقا لأحدث أساليب الحفظ بحيث يتسنى للباحث أن يحصل على ما يطلبه من صور في الحال، والمتبع عادة أن تسجل الأفلام تحت أرقام خاصة ثم يتفرع عنها أرقام أخرى بالنسبة لعدد الصور المكونة للفيلم الواحد. وتستعين الهيئات المختلفة من حكومية وأهلية بأرشيف الصور الذي تنظمه الصحف والمجلات.

стр. 330

خصائص الصورة الصحفية: ولعل أهم ما يميز التصوير أنه فن هادف له أغراضه المحددة، كما أنه يرتبط بالواقع، ويرمي إلى الخوض في الحقائق والمجريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية المحيطة بنا. وإذا كان الفنان ينظر إلى الصورة على أنها وسيلة من وسائل التعبير الجمالي، فإن الصحفي ينظر إليها على أنها وسيلة من وسائل الإعلام، وهي على ذلك تدخل في نطاق الفن التطبيقي لا الفن الجميل. فالقيم الجمالية المجردة التي تهم الفنان وتجعل من الصورة لوحة متكاملة فنيا قد تصبح بالنسبة للصحفي تزيد لا داعي لوجود، بل لا بد من الاستغناء عنه، حتى تتركز الصورة في القيم الإخبارية الصحفية دون غيرها. فالمنظر الخلفي أو الأرضية كالسماء الزرقاء أو الأشجار تؤدي وظيفة فنية في التصوير الجميل، ولكنها تعوق الوظيفة الإخبارية، مما يجعل المخرج الصحفي يبادر إلى قص هذه الزيادات والاستغناء عنها، حتى لا تشوش على القارئ أو تشتت انتباهه إلى نواحي أخرى لا لزوم لها. فالمصور الصحفي يتأكد دائما من أن كل تفصيل يسهم في المعنى المحوري للصورة، وبالتالي ينبغي أن يحذف كل تفصيل ينتقص من هذا المعنى المحوري. فإذا كانت هناك حاملة معاطف وراء منضدة الاجتماع، وجب أن تزال من مكانها، وإذا كانت على المنضدة مجموعة من الأوراق مستقرة بإهمال على طرفها، وجب دفعها إلى وسط المنضدة لإعطائها ما يوحي بأن استعمالها فوري وشيك، وإذا ما كانت في خلفية الصورة نافذة تكشف عن تفصيل يصرف النظر عن الموضوع الرئيسي، وجبت إزاحة المنضدة فورا حتى لا تظهر النافذة. وذلك أن التفصيلات كلها يجب أن تنطق بلسان واحد هو الفكرة الأساسية المحورية أو الموضوع المراد نقله إلى الجماهير. وغالبا ما يطرح المتهم بالتصوير هذا السؤال: ما الذي يجعل الصورة الصحفية ناجحة؟ ولما كان التصوير فنا ابتكاريا خلاقا، فإنه من الصعب الإجابة عن هذا السؤال بمجرد وضع مجموعة قواعد أو إيراد قائمة ببعض الخصائص. ولكن مما لا شك فيه أن هناك معايير إيجابية وموضوعية للصورة الصحفية الناجحة يمكن الوصول إليها من دراسة الصور المؤثرة بشكل حقيقي صادق. فأولا يجب أن يكون لكل صورة سبب وجيه في وجودها؛ لأن فن التصوير الصحفي فن وظيفي هادف، بمعنى أن كل عنصر يمكن إلغاؤه دون مساس بالجوهر يجب حذفه، حتى لا تترك شكا في ذهن القارئ حيال وجاهة وجود الصورة في الجريدة. فالقارئ لا بد أن يشعر أن كل صورة قد اختيرت نتيجة

стр. 331

دراسة وفحص دقيق لكثير من اللقطات. ولا بد كذلك من جعله يشعر أن كل صورة تملأ في الجريدة مكانا بحث أمره بعناية. ويجب ألا يساوره إطلاقا الشعور بأن الصور هي لسد الفراغ ليس إلا، وإنها زرعت كيفما اتفق في مختلف الصفحات. وقد قلنا إن تفاصيل الصورة لا بد وأن تؤكد الفكرة المحورية، ولا يجوز التقاط التفاصيل التي تشتت الذهن، كما ينبغي الابتعاد عن الصورة الجامدة المصطنعة المتكلفة. ويراعى دائما أن يكون الموضوع الرئيسي للصورة في محورها البصري، وبهذه الطريقة تبقى عين القارئ مثبتة على موضوع التأكيد والإبراز؛ إذ إن شرود عين القارئ إلى جنبات الصفحة وتشتيت ذهنه إلى نواحي أخرى يعد ضعفا في التصوير. وتستخدم عوامل التباين في الحجم والضوء لإبراز الموضوع الرئيسي. فإذا كانت ربة البيت ذات الذوق السليم قلما تفرش غرفة ما بأثاث أحمر اللون كليا مع "ديكور" أحمر كليا، وإنما تبذل جهدها لتحقيق مجموعات لونية متناسقة جذابة، فإن هذا المبدأ ينطبق أيضا على التصوير حيث لا يمكن للستارة البيضاء أن تقدم تباينا يذكر لصورة رجل بملابس فاتحة اللون. والوضوح من خصائص الصورة الصحفية، كما هو من خصائص الأسلوب الصحفي، فيجب على الصحفي أن يبدد كل شك أو لبس في المعنى المقصود. وهذا الوضع ينطوي على صعوبة خاصة عندما يقتضي الأمر إظهار شخص في صورة ما ومعه شيء صغير الحجم كقطعة مجوهرات مثلا. فالموظف الكبير الذي يهدى في حفل تكريمه، بمناسبة إحالته إلى المعاش، دبوسا ذهبيا، يجب ألا يظهره المصور وهو يحمل الدبوس لأن حجمه ولونه يجعلان ظهوره شيئا يقرب من المستحيل. وهنا يجب على المصور أن يلتقط صورة لشخص آخر يعلق له الدبوس في رابطة عنقه مثلا أو يقوم بأي حركة تنفق بتقديم الدبوس إليه في علبة فاخرة. وينبغي على المصور أيضا أن يتجنب ظهور أشخاص ثانويين بوجوه جانبية أو بأجزاء من وجوههم. فالهاوي هو الذي يجعل رءوس الجالسين في الصف الثاني ظاهرة في الصورة، أما المصور المحترف فلا يمكن أن يرتكب مثل هذا الخطأ. ولتقدير الفرق بين التصوير الفني الرفيع وعمل الهواة العاديين،

стр. 332

يمكن مقارنة الصور في صحيفة بارزة كبرى بالصور في صحيفة مدرسية أو غيرها من المطبوعات التي يفتقر فيها المصورون إلى الخبرة والموهبة. والدقة من أهم خصائص الصورة الصحفية وأصعبها، فلقد ولت أيام اللقطات المصطنعة والصور الزائفة، أما الصورة الجيدة فهي التي تنطوي على الواقعية والصدق، ويجب أن تبدو كأنها التقطت دون إنذار مسبق، أي أن المصور التقطها في اللحظة المناسبة تماما. إلا أن خاصية الدقة والصدق عسيرة التحقيق في الحالات التي تقتضي تصوير المواطن العادي. ومن الأمثلة على ذلك حالة زوجين مغمورين ربحا خمسة آلاف جنيه من شهادات الاستثمار وأرادت الصحيفة أن تنشر لهما صورة على ثلاثة أعمدة تعبر عن فرحتهما، ففي هذه الحالة يضطر المصور إلى أن يمضي ساعات دون أن يحصل على لقطة صالحة للنشر الصحفي إذا لم يكن الزوجان من أصحاب المواهب التمثيلية -ونادرا ما يكونان كذلك. وهكذا كم يتمنى المصورون المحنكون المنتدبون للقيام بمثل هذه المهمة أن يكون يومهم ذاك يوم عطلتهم الأسبوعية١. وينبغي كذلك أن يكون الصورة متفقة مع سياسة الصحيفة، فهناك صحف تنشر أخبار الطلاق مثلا على الصفحات الأولى مدعمة بالصور. في حين أن صحفا أخرى لا تنشرها إلا في صفحاتها الداخلية أو لا تنشرها إطلاقا. والصورة الصحفية الناجحة هي التي تثير انتباه القارئ، وتجعله يهتم بمحتوياتها دون أن تؤذي الذوق السليم. فالصور الفاضحة، وصور القتلى والجرحى والمشوهين تبعث على الاشمئزاز والنفور، والصحفي الناجح هو الذي يشعر بمسئوليته الكبرى إزاء الرأي العام وسلامة المجتمع الذي يعيش فيه. وقصارى القول، أن فن التصوير الصحفي الحديث ينبذ الأخيلة والأحلام ويتشبث بالواقع، أما الصور الخيالية فقد يكون مكانها معارض الفنون دون الصحف؛ لأن الصحافة تهتم بأمور الحياة اليومية الواقعية، فالصورة الصحفية

стр. 333

تشبه الخبر والمقال والتحقيق، أما الصورة الجمالية فهي تشبه الشعر والقصة الأدبية والمسرحية. فالتصوير الصحفي إذن فن واقعي يتصل بالقيم الاجتماعية ويؤثر في أفكار الناس ومعتقداتهم. وما دام الإنسان يثور بطبيعته ضد الظلم، فإنه يجد في آله التصوير ما يجده الكاتب في قلمه والفنان في فرشاته والمحارب في سلاحه، فرصا سانحة ووسائل طيعة للكفاح ونصرة الإنسان وتقدم الحضارة.. فالقاعدة الهامة في فن التصوير الصحفي أنه لا يصور مجرد أشباح أو مناظر فحسب، ولكنه يقوم بمهمة هادفة. أما الصور عديمة المغزى فلا تدخل في نطاق فن التصوير الصحفي.

стр. 334

مميزات المصور الصحفي: وقد رافق التغيرات التي أصابت التصوير الصحفي تغير في دور المصور. فلم يعد المصور ذلك الرجل الذي يلتقط الصور للصحيفة والذي كان ينظر إليه على أنه مخلوق يستأهل الحب ولكنه بطيء الفطنة والتفكير، كان خليقا بأن يكون مخبرا أو محررا لو كان يمتلك قسطا أكبر من الذكاء والموهبة والاقتدار. ومع أن هذا المفهوم كان له نصيب من الشعبية والانتشار يفوق نصيبه من الصحة، فإن الحقيقة الواقعية هي أن المصور قلما كان أكثر من عامل يعتمد على إدارة آلة التصوير. غير أن هذا المفهوم قد تغير تماما، وأصبح المصور الصحفي ليس مصورا فقط وإنما هو صحفي أيضا يتمتع بعدة مزايا أهمها الحس الفوتوغرافي والقدرة على التحليل والموازنة وإتقان فنون التصوير من تشغيل للآلات إلى استخدام للمعدات وكذلك عمليات التحميض والطبع والتكبير والتصغير وغيرها. هذا فضلا عن العناية بالقيم الأخبارية والدراية الواعية بأساليب معاملة الناس، مع إلمام بالنواحي القانونية المتصلة بالنشر وجرائم السب والقذف، ومقدرة فائقة على العمل في الظروف الصعبة. فليس المصور الصحفي مجرد صانع أو صاحب حرفة، ولكنه في حقيقة الأمر صحفي له رسالة فنان ينفعل بالأحداث ويتأثر بحسه المرهف، ويدرك المواقف ويقدرها تقديرا اجتماعيا بحسه الصادق. فإذا رأى منظرا مؤثرا

стр. 335

لا يكتفي بذرف الدموع، بل تتحرك يده إلى زناد آلته ليلتقط صورا صادقة يعلم بذكائه الصحفي أنها لا بد وأن تحرك مشاعر الناس كما حركت مشاعره. وقد يشاهد المصور منظرا مضحكا فلا يكتفي بالضحك بل تتحرك أصابعه لتلتقط صورا معينة من زوايا فنية تثير الضحك بين القراء. أما بليد الحس الذي لا ينفعل بالأحداث ولا تتحرك مشاعره بمآسي الحياة ومهازلها فإنه لا يصلح مصورا ولا صحفيا. فمما لا شك فيه أن قوة الخيال والحساسية وإدراك مزايا الصورة الجذابة وخصائصها هي أهم صفات المصور الصحفي. وإذا كان المصور يلتقط معظم الصور بموجب تعليمات من رئيس تحرير القسم المصور أو غيره من رؤسائه، فإن قراراته في ميدان العمل تظل هي القوة الحاسمة المقدرة للصورة الفعلية التي يلتقطها. وهذه هي المميزات التي تجعل مصورا صحفيا يمتاز على غيره، كما أن ذلك ما تشهده عندما نتوجه إلى معرض للصور الصحفية الناجحة. والحس الفوتوغرافي موهبة تصقلها الخبرة والدراسة بحيث تصبح الحياة بالنسبة للمصور سلسلة طويلة من الاحتمالات التي يمكن أن تلتقط بالعدسة. وهكذا ينظر إلى كل مجال وكل حدث وكل حركة من زاوية الصورة التي يمكن أن تعبر عنه. فمثلا يجب أن ينظر إلى الطفل الذي يحبو وراء أمه، والرجل المتكاسل على مقعده ينفث دخان سيجارته، والجمهور الذي يتدافع وراء أتوبيس مزدحم بالركاب، على أنها موضوعات قابلة للتصوير. وفي كل مناسبة يجب أن يفكر المصور في أفضل طريقة يلتقط بها الجوانب التصويرية التي تعبر عن جوهر المشهد. ولا يمكن أن يفعل ذلك إلا إذا أسعفته مقدرته على معالجة جهازه التصويري في يسر وبساطة. فالمصور الصحفي كالجندي لا بد وأن يعرف قيمة سلاحه ومداه وطرق استعماله، وهو في نهاية الأمر يستطيع أن يعمل بآلة التصوير والمعدات الأخرى كالعدسات الملحقة والفلاش والأفلام وكأنها جزء من نفسه. ويعرف المصورون الصحفيون أنهم كثيرا ما تضطرهم الظروف إلى التقاط الصور في الظلام الدامس دون الاستعانة بعود ثقاب أو حتى ضوء سيجارة. ففي الغارات الجوية مثلا تحظر الإضاءة بجميع أنواعها. وفي ظروف أخرى كتصوير الحرائق والحوادث المماثلة يقوم المصور الصحفي بالعمل في الظلام.

стр. 336

والمصور لا يستطيع أن يحقق نتائج طيبة إلا بالعلم والمران حتى يصل إلى التلقائية في العمل؛ لأن عملية التصوير ينبغي أن تتركز على الموضوع نفسه، لا على الآلة وغيرها من المعدات. ولا بد للمصور الصحفي أن يتقن فن معاملة الناس. وعلى العموم فإن الأشخاص المرشحين للتصوير يصنفون في ثلاث فئات: فئة قابلة للتعاون وفئة غير قابلة للتعاون، وفئة غير قادرة على التعاون. والفئة الأولى تتمثل في ثلاثة أنواع من الشخصيات: الفرد المغمور الذي يسره أن يجد صورته منشورة في الصحيفة، ونجمة الشاشة أو المسرح الراغبة في الدعاية لنفسها، والشخص المسهم في حملة يريد أن يروج لها. أما فئة غير القابلين للتعاون فيمكن تمثيلها بالشخص الذي اعتقل لجريمة ارتكبها، والإنسان الخجول الذي تزعجه الدعاية الشخصية حقا، والفرد الذي يضبط في ظروف محرجة. ويمكن تمثيل فئة غير القادرين على التعاون بشخصية المشترك في أحداث مشاجرة أو مباراة رياضية أو مصارع الثيران وهو المعمعة، أو رجل المظلات وهو يهبط بمظلته. والمشكلة التي يواجهها المصور هي مع الفئة الثانية، وهي تحتاج إلى براعة وكياسة في المعاملة. ويحذر المصور الصحفي دائما من الوقوع في شرك جرائم القذف والسب أو التشهير، شأنه في ذلك شأن الصحفي الذي يستخدم الكلمة، ولذلك كان عليه أن يدرس شيئا من قوانين النشر وجرائمه.

стр. 337

اختيار الصورة الصحفية وإخراجها: ولا شك أن اختيار الصورة الصالحة للنشر من بين عشرات الصور تعد مشكلة هامة يواجهها المخرج الصحفي كل يوم. وهناك مقاييس وإرشادات يهتدي بها المخرج الصحفي عند اختياره للصورة. أما المقاييس الصحفية فهي نفس المقاييس التي يبنى عليها اختيار الخبر للنشر وقد تحدثنا عنها في الباب الرابع. وأما النواحي الفنية فأهمها الحركة والحيوية والوضوح والقابلية للطبع، ولا يمكن أن تتم عمليات التصوير والحفر بنجاح إلا إذا كانت تفاصيل الأصل واضحة دقيقة. ومن أهم الشروط الفنية التي يجب توفرها في الصورة أن يكون

стр. 338

سطحها لامعا وأن تمتاز بالتباين بين ظلالها. وليس المقصود بالتباين مجرد تجاور المساحات البيضاء والمساحات السوداء، وإنما المقصود هو تدرج الظلال تدرجا دقيقا مع قدر من التفاوت بين البياض والسواد لإبراز ملامح الوجه وتفاصيل الأشياء المختلفة كالأبنية والملابس وغيرها. أما التباين الشديد بين الأضواء والظلال فلا يمكن أن يؤدي إلى صور واضحة والمخرج الصحفي يفضل عادة الصور ذات الدرجات المتوسطة على الصور السوداء الداكنة. ومن المستحيل أن تكون نسخة الصورة المطبوعة مساوية للأصل في الإتقان إذ لا بد أن تفقد النسخة شيئا من القوة والإتقان اللذين يتوفران في الأصل. ولذلك فإن المخرج الصحفي يصر دائما على الصور الممتازة المتقنة، ولا يقنع بالحصول على نسخ شبكية لأن إعادة تصوير النسخ يزيد من ضعفها. وعملية التكبير تفسد الصورة وتعطي نتائج رديئة فيجب تجنبها بقدر الإمكان، أما عملية التصغير فهي على العكس من ذلك تعطي نتائج طيبة. ومعظم الصور التي ترد إلى الصحف تكون كبيرة الحجم مصقولة السطح واضحة المعالم والتفاصيل متباينة الظلال لكي تصلح للطبع. ولا شك أن تحديد حجم الصورة النهائية يتوقف على عدة عوامل أهمها مضمون الصورة ودلالته، فإذا كان المضمون قويا وله قيمته الأخبارية وجب أن تكون الصورة كبيرة، بل إنها قد تصل إلى نصف صفحة أو صفحة كاملة، عند تولية ملك أو رئيس جمهورية أو مقتل زعيم عالمي الشهرة أو نشوب حرب أو غير ذلك. ولكن هناك حدا أدنى لصغر الصورة. فإذا كان عرض الوجه لصورة شخص يقل عن سنتيمتر وجب الاستغناء عنها لأنها لا تعطي نتائج طيبة. ولا توضح معالم الوجه بأي حال. والقاعدة المتبعة عادة هي أن تكون الصورة كبيرة واضحة المعالم والتفاصيل ثم تصغر إلى المساحة المطلوبة. ويستطيع المخرج الصحفي أن يستنبط مساحة الصورة بعد التصغير بالطريقة الحسابية أو بالطريقة الهندسية. وفي الأولى يعتمد على النسبة الثابتة بين الطول والعرض، فإذا كان عرض الصورة ٢٠ سنتيمترا ثم أراد تصغيرها بحيث يكون عرض الصورة على عمودين "حوالي سنتيمترات مثلا" فإن طول الصورة المصغرة

стр. 339

لا بد أن يكون ١٢.٥ سنتيمترا. أما الطريقة الهندسية لإيجاد طول الصورة بعد تصغيرها فتتلخص في توصيل ركني الصورة ثم إسقاط عمود من النقطة التي تحدد العرض المصغر على الوتر الموصل بين ركني الصورة. فيكون طول العمود هو طول الصورة المصغرة المراد معرفته. وقد أصبحت الصورة مع العنوان من أهم العناصر الطباعية في الإخراج الصحفي، والصورة تتوازن مع العنوان وتتباين في نفس الوقت، ولذلك فإنها كثيرا ما تستخدم للفصل بين العناوين المتشابهة حتى لا يقتل أحدهما الآخر١. ومن الطريف أن سلسلة الصور المتتابعة أفقيا يمكن أن تحل محل العنوان المنتشر "المانشيت" في ظروف معينة. ومع أن الصور تعرض مرتبطة بالمادة المتصلة بها، فإنها لا توضع وسط الموضوع لأن ذلك يفسد سياق الكلام، ويقطع تسلسل الأسطر داخل الأعمدة؛ إذ يضطر القارئ إلى القفز ببصره عبر الصورة أو الصور ليتم قراءة الموضوع، وذلك يتنافى مع أصول فن الإخراج الصحفي السليم. فالصورة إما أن توضع قبل الموضوع أو بعده أو إلى جواره ويمكن أن يأتي العنوان أعلى الصورة أو أدناها. وعند تعدد الصور يمكن ترتيبها طوليا أو أفقيا بشرط ألا توضع وسط الموضوع. وعند نشر الصور الصغيرة التي لا يزيد عرضها عن نصف عمود، والتي يكون عرض الأسطر المجاورة لها عمود ونصف عمود أو نصف عمود فقط، يستحسن أن تعرض بالتبادل، فإذا كانت الصورة على يمين العمود والكلام إلى يسارها، فيجب أن تكون الصورة التالية إلى اليسار والكلام إلى يمينها وهكذا. ولكل صورة شرح أو بيان ينشر معها بالكلمات٢ التي قد تأتي فوق الصورة أو تحتها أو إلى جوارها، أو أنها قد تحفر مع الصورة نفسها، والكلمات المصاحبة للصورة تكون عادة أكبر أو أثقل من حروف المتن. ويراعى عادة وضع الصورة في النصف الأعلى من الصفحة لأنها أكثر لفتا للأنظار من العناوين، ولا بأس من نشر الصور في أسفل الصفحة بحيث لا تطفي على النصف العلوي.

стр. 340

ولا شك أن التلازم المكاني والزماني بين الصور والألفاظ في التليفزيون هو الذي يؤدي إلى التصوير الواقعي الحي للأحداث، أما في الصحافة فلا يكون التلازم إلا في المكان فقط، أي في الحيز الذي يشغله الخبر والصورة مثلا. وهكذا يمكننا فهم صعوبة الصحافة إذا ما قورنت بالتليفزيون. ولكي ينجح المخرج الصحفي في هذا التعبير الشاق، ينبغي عليه أن يستغل التأثير الثالث أو العامل السيني الذي ينتج من تفاعل اللفظ والصورة. ففي هذه الحالة يمكن الاستفادة من القارئ نفسه وبما هو مختزن في ذاكرته ومخيلته ليكمل ما يعرض عليه من أخبار وصور. فإذا عرضنا على القارئ مجموعة من الصور مرتبة ترتيبا معينا أمكنه أن يفهم شيئا عن الحادث المراد تصويره، ولكننا إذا أضفنا إلى الصور شرحا لفظيا، فإن تصور القارئ للحادث يكون أنضج وأخصب؛ لأن الصور والألفاظ حين تتضافر لإثارة مخيلة القارئ وذاكرته تستطيع أن تستغل هذا التأثير الثالث أو العامل السيني الناتج من التزاوج الفني بين اللفظ والصورة، وهذا هو جوهر الفن الصحفي المصور الذي يتعاون فيه المندوب والمحرر والمصور والمخرج جميعا لتصوير الوقائع والحقائق تصويرا محكما متقنا مستساغا للجميع.

стр. 341

الباب التاسع: الكمبيوتر والفن الصحفي مدخل ... الباب التاسع: الكمبيوتر والفن الصحفي يقوم العمل الصحفي بطبيعته العصرية على السبق ويعطي للسرعة قيمة كبيرة. فالصحفيون يعملون في مناخ من السباق مع الزمن، ولا يمكن لصحيفة أن تهمل عامل الوقت إلا وكان هذا الإهمال علامة على الترهل الإعلامي والتدهور الاقتصادي، ولذلك أصبح الكمبيوتر الذي يعتبر آخر أدوات التقدم التكنولوجي جزءا لا يتجزأ من الجهاز الصحفي الحديث الذي أطاح بأدوات العمل الصحفي التقليدية ووسائله العادية المألوفة لكي يفتح بابا واسعا عريضا يؤدي إلى مستقبل جديد كل الجدة باعتماده على الفنون الإلكترونية العصرية. وقد أصبحت الصيحة الجديدة في عالم الفنون الصحفية هي التحكم الذاتي، وهي صيحة تقوم على مرتكزات علمية تقرب من المعجزات لأنها تنقل الأخبار بسرعة الضوء، فقد أصبح النظام الصحفي الجديد يعتمد على تكنولوجيا إلكترونية شاملة تربط الأخبار بالتحرير، ووكالات الأنباء بأقسام المعلومات "الأرشيف" بأقسام الجمع ثم بأقسام الطباعة. وحجر الزاوية في كل هذه الارتباطات الشاملة هو التحكم الذاتي إلكترونيا، ولا ينبغي أن تخلط بين الميكنة الآلية والتحكم الإلكتروني، وذلك أن الميكنة هي أن تعمل الآلات ما كان يعمله الإنسان بيديه، وهو أمر شائع منذ الثورة الصناعية الأولى. أما التحكم الذاتي فمعناه قيام جهاز إلكتروني بالتحكم في العمل وتعديله ذاتيا. وفقا لبرامج محددة أو تعليمات تودع في صلب الجهاز الإلكتروني وتعتبر جزءا لا يتجزأ من النظام الإلكتروني.

стр. 342

الصحافة والكمبيوتر: وقد يوصف الصحفي الناجح على سبيل المثال بأنه كمبيوبر، والبرمجة هنا تكمن في دخيلة الشخص نفسه وتتكون نتيجة الخبرات والمعارف، فهو يستقبل المعطيات ويقوم بمعالجتها وتشغيلها فرزا واختيارا ومقارنة وتحليلا وتنظيما ثم تصدر عنه المخرجات في شكل جديد وفق البرامج المحددة له. ومن المعروف أن العقل البشري يستطيع أن يختزن ١٠ مليون معلومة في مخ لا يزيد وزنه عن كيلوجرام وربع، في حين أن العقل الإلكتروني يستطيع أن يخزن ١٦ مليون معلومة ويتم ذلك في حيز يصل إلى مائة ضعف وقد وزن وقت المخ البشري، ولكن التطورات العصرية والاكتشافات الجديدة ولا سيما في مجال الترانزستور قد جعلت الكمبيوتر صغير الحجم إلى درجة مذهلة. فالكمبيوتر الذي كان يعمل بالصمامات الكهربية التقليدية كان يشغل مساحة لا تقل عن ٢٠٠ متر مربع، أما الآن فإن هذا الكمبيوتر في شكله الحديث لا يشغل مساحة أكبر من حجم رأس الدبوس. وقد رأينا في الصفحات الماضية أن الصحافة أخذت تستوعب منذ نشأتها كافة المبتكرات التكنولوجية لتحقيق أهدافها مثل الآلة الكاتبة والهاتف والبرق والراديو وآلات الجمع السطرية وآلات الجمع الحرفية على اختلاف أنواعها والمطابع السريعة الحديثة.

стр. 343

الصحافة بين التقليد والمعاصرة: ومن الطريف أن بعض الصحفيين القدامى كانوا لا يرحبون بالكمبيوتر منذ قدومه في الخمسينات من هذا القرن العشرين، كما أنهم لا يرتاحون إلى عملية التحكم الذاتي في مجال الصحافة. ولعل ذلك يرجع إلى أن الأجهزة الإلكترونية المستخدمة في الصحف كانت من قبل مستخدمة في مجالات أخرى من أجل الاقتصاد في النفقات ثم طورت تطويرا جديدة لكي تعمل في مجال الصحافة. وأخذ الصحفيون المخضرمون يترحمون على الأيام الخوالي التي كان فيها العمل الصحفي يتم بأدوات بسيطة كالقلم والمقص والصمغ، كما راحت شائعات ساذجة تحكي عن موضوعات بكاملها ابتلعتها أجهزة الكمبيوتر ولم

стр. 344

يعثر على أثر لها بعد ذلك، وكان الكمبيوتر غول مخيف لا يمكن السيطرة عليه، وبات من المستحيل استرجاع المواد التي دخلت في تلافيف الكمبيوتر كما رويت حكايات طريفة عن رسائل مضحكة موجهة من الرئيس الأمريكي رونالد ريجان تبدأ بعبارة: عزيزي السيد يونايتيد برس، وخطاب موجه إلى صحيفة نيويورك تيمس وقد جاء في ديباجته: السيدة نيويورك تيمس، وهي أقرب ما تكون إلى النكت المضحكة. وفي البداية كانت معظم التحولات مركزة في مجال الإنتاج، وبالذات في عملية تحويل النصوص المكتوبة إلى حروف طباعية، ولعل ذلك راجع إلى أن عملية الإنتاج هي أكثر العمليات تكلفة. وهناك أيضا عامل الاقتصاد في الوقت إلى جانب الاقتصاد في النفقات فكان لا بد من دخول الكمبيوتر في مجال استقاء الأخبار وتحريرها وإعداد الصحف وإخراجها أيضا. وتصدر الآن المؤلفات والمعلومات حول تطوير العمل الصحفي باستخدام الكمبيوتر بمعدل ٢٠٠ صفحة في الدقيقة من جميع أوقات الليل والنهار. إنها الثورة الصناعية الثانية أو الثورة الإلكترونية التي تكتسح العالم الحديث مقدمته مجال الصحافة والإعلام، وقد أصبح لزاما على الصحفي الحديث أن يلم بخطوات العمل وطبيعة الأداء الإلكتروني، إلى جانب الدراية الكاملة بأجهزة الكمبيوتر واستخدامها وخصائصها وتطبيقاتها في أقسام الأخبار والتحرير والجمع والإخراج والطباعة حتى تخرج الصحيفة إلى السوق، بل إن الكمبيوتر يعطينا معلومات مهمة وجوهرية عن التوزيع والإعلان ومدى تقبل القراء للموضوعات الصحفية. التحكم الذاتي: إن عملية المعالجة الإلكترونية بالتحكم الذاتي أصبحت تشمل العمل الصحفي من بدايته إلى نهايته، ابتداء بجلب الأخبار وكتابتها وتحريرها، وإعداد الموضوعات والمقالات والصور والتحقيقات، وحتى عمليات التصحيح واختيار العناوين والعناوين الفرعية واختيار أحجام حروف الطباعة وعرض الأعمدة وضبط نهايات السطور.

стр. 345

فهناك مثلا الجهاز رقم ٣٠١ من طراز "د. س. أ." التي تستطيع أن تحول مساحة عمود صحفي بطول ٥٢ سم إلى حروف مصححة ومضبوطة الهوامش في ظرف ١٧ ثانية. والمعروف أن آلة الجمع السطرية تنتج ٩٠٠ سطر من الحروف الطباعية في الساعة. أما الكمبيوتر فيستطيع أن ينتج ١٢٠٠٠ سطر في الساعة. وإذا كانت سرعة الكلام العادي في المحادثة ١٢٠ كلمة في الدقيقة، فإن الأجهزة الحديثة يمكن أن تنقل ٤٠٠٠ كلمة في الدقيقة، كما أن أساليب المسح الإلكتروني الحديثة تيسر قراءة النصوص بسرعة ٢٨٠٠٠ كلمة في الدقيقة. ومن أكثر الأجهزة شيوعا جهازان: الأول هو العين الفاحصة للحروف والآخر شاشة العرض التلفزيونية. والجهاز الأول يتطلب استخدام آلة كاتبة كهربية تنتج حروفا قابلة للمسح أي تقوم العين الفاحصة للحروف أو الماسحة لها بذلك عن طريق اثني عشر شعاعا تجعل الجهاز يتعرف على الحرف ويحوله إلى نبضة إلكترونية. ونتيجة لعملية المسح يحدث أحد شيئين: إما تخرين الحروف في ذاكرة الكمبيوتر، وإما إنتاج شريط مثقب يمكنه تشغيل آلة صب الحروف أو سبكها في الطباعة الساخنة أو تشغيل آلات الجمع الإلكتروني في الطباعة الباردة. التحرير والكمبيوتر: ويتطلب الوضع الأمثل توزيع نهايات طرفية ذات شاشات تلفزيونية على كافة الصحفيين، غير أن تزويد جميع المندوبين والمحررين بهذه الأجهزة أمسى باهظ التكاليف حتى بعد هبوط أسعار تلك الأجهزة وشيوعها، أما البديل فهو الاكتفاء بمجموعة محدودة من هذه الأجهزة التي ينتقل إليها الصحفيون والمحررون لتشغيلها. ويمكن تصور النهاية الطرفية ببساطة إذ إنها تتكون من جزأين الجزء الأول يشبه الآلة الكاتبة بمفاتيحها دون أن يستخدم أي ورق. فإذا ضغطت

стр. 346

مفاتيح الحروف ظهرت على شاشة شبيهة بشاشة التليفزيون، ويطلق على هذه الشاشة اسم أنبوبة أشعة المهبط الكاتودية. فالصحفي يطالع الحروف على الشاشة بنفس الطريقة التي يشاهد بها على الورق. ويمكن تحريك السفر إلى أعلى أو إلى أسفل باستخدام مفتاح معين، وبذلك يتسنى له مشاهدة ما يكتبه على الشاشة أولا بأول، كما يمكنه مشاهدة ما كتب أو بعضه إذا شاء ذلك. وإذا أراد الصحفي أن يحذف حرفا أو عبارة أو جملة أو فقرة فإنها تختفي من الشاشة ويتحول النص في الحال إلى الوضع الصحيح، وإذا أراد أن يضيف كلمة أو فقرة، فإن الجهاز يفتح أمامة مساحة كافية لذلك، كما أنه يعرض على الشاشة النص الكامل الجديد. وهكذا يظل النص دائما نظيفا وخاليا من علامات التصحيح والإضافة وغيرها. وعندما ينتهي الصحفي من عمله فإنه يرسله مباشرة إلى كمبيوتر آخر يقوم بعملية الجمع إما بالأحرف الساخنة أو بالأحرف الباردة. وفي الحالات المستحدثة يقوم الصحفي بتحويل مادته إلى ذاكرة الكمبيوتر الذي يختزن مواد الصحيفة المختلفة من أخبار وموضوعات ومقالات وإعلانات وصفحات منوعة وغيرها. ومن هذا الكمبيوتر المركزي استرجاع أي مادة على مكتب التحرير لمراجعتها وتزويدها بالعناوين ويكون النص النهائي منضبطا بمعنى أن تكون نهايات الأسطر متساوية تماما، كما تكون الهوامش متساوية تماما على اليمين وعلى اليسار. نظم التحرير الإلكتروني: وتختلف الأجهزة من نظم كاملة الاتصال سلكيا بمعنى أنها لا تستخدم أشرطة بالمرة. وذلك لأن المندوب يتصل بالكمبيوتر، ثم ينتقل من الكمبيوتر إلى المحرر. ومن المحرر إلى كمبيوتر مرة أخرى، ثم من الكمبيوتر إلى المطبعة. ويلاحظ أن الجهاز الطرفي الخاص بالمحرر أكثر تعقيدا من الجهاز البسيط الذي يستخدمه المندوب الصحفي لأن المحرر يقوم بعمليات كثيرة

стр. 347

لتصحيح النص وتحريره من كافة الأخطاء وإذا أرسل المندوب النص إلى الذاكرة فإن الكمبيوتر يعطي قائمة بالمواد المختزنة فيه. وإذا تطلب الأمر الحصول على صورة مطبوعة على الورق، تيسر ذلك باستخدام جهاز الطبع الملحق بالكمبيوتر. ويستطيع سكرتير التحرير أن يراجع قائمة الموضوعات ليسند إلى كل محرر الموضوع الخاص به ليقوم بتحريره على الجهاز المزود بالشاشة -التليفزيونية، وفي هذه الحالة يصبح النص النهائي نظيفا وخاليا من أية إشارات. وهناك علامات رمزية بمثابة تعليمات للكمبيوتر من أجل التحكم في عرض العمود أو حجم الحروف وأشكالها المختلفة وأحجامها. وإذا قام المندوب والمحرر بالعمل جيدا فإن النص النهائي يكون خاليا تماما من الأخطاء، ويمكن تحويله مباشرة إلى أقسام الجمع، ولا بد من التعاون بين الصحفي والكمبيوتر ليستطيع مراجعة المادة الصحفية في أي وقت يشاء باسترجاعها من الكمبيوتر. تكوين الصفحات: وقد أصبح الآن من الممكن تكون الصفحات وهي عملية تسمى التصحيف عن طريق الكمبيوتر الذي لا يقوم بإنتاج المادة الصحفية فحسب، بل يستطيع أيضا جمع الموضوعات والصور. فالمخرج الصحفي يجلس أمام الكمبيوتر ويستطيع أن يكون الصفحات عن طريق الشاشة التي أمامه، وهو يستطيع تحويل الصفات وتغييرها وتعديل أماكن المواد كما يشاء باستخدام الشاشة الإلكترونية التي تظهر عليها كافة المواد من حروف وصور وغيرها. وعند الانتهاء من عملية الإخراج على نحو ما يراه الصحفي ملائما فإنه يضغط على مفتاح معين فتصور الصفحة وتصبح جاهزة للطباعة. وهكذا يستطيع المخرج أن يرى الصفحات كاملة على نحو ما يراها القارئ تماما، دون استخدام الأوراق والصمغ ودون قص الأسطر فهذه العمليات التي كانت تتعرض للكثير من الأخطاء والنسيان وعدم الدقة قد ولى زمانها وأصبحت في خبر كان. وقد يسرت هذه الأجهزة الإلكترونية التحكم في المادة الصحفية وإخراجها في قاعة التحرير بعد أن كان الإخراج يتم داخل صالة الجمع.

стр. 348

التقدم التقني في الفن الصحفي: وقد أصبح من الميسور حاليا إضافة المادة الواردة من وكالات الأنباء العالمية والمحلية إلى الكمبيوتر المركزي مباشرة دون استخدام للأشرطة المثقبة أو الأشرطة المكتوبة، ومن الممكن حاليا أن يقدم الكمبيوتر قائمة الموضوعات التي تظهر على شاشة العرض لكي يختار منها المحرر ما يشاء من موضوعات. كما أنه من الممكن أيضا تخزين الموضوعات الواردة من الوكالات المختلفة في ذاكرة الكمبيوتر بانتظار فرزها واختيار ما يناسب منها وتجميع بعضها إلى بعضها الآخر وإضافة عناصر أخرى لتكوين الأخبار المتكاملة. كما تتوفر التعليمات للكمبيوتر لتغيير شكل الإخراج أو عرض الأعمدة أو مقاسات الحروف وأشكالها وفقا لما يراه المخرج الصحفي أو سكرتير التحرير ملائما، وباختصار، يمكن للمحرر أن يطوع المادة الصحفية الواردة من الوكالات على النحو الذي يرغبه. وكذلك ترد إلى الصحيفة موضوعات مختلفة تقدمها الهيئات والمؤسسات بالإضافة إلى المقالات والتحقيقات وتختزن جميعها في الكمبيوتر المركزي بانتظار سكرتير التحرير الذي يسترجعها ويوزع مسئولياتها على المحررين لمراجعتها كل فيما يخصه. وهناك أجهزة إلكترونية حديثة يستطيع المحرر الصحفي أن يملي إليها الصحفي ما يشاء أن يمليه شفاهة فتتحول المحادثة الصوتية إلى حروف مدونة إما على شكل أشرطة مثقبة أو أشرطة مطبوع عليها الكلمات التي أملاها للجهاز.

стр. 349

ويلحق بالكمبيوتر آلة طابعة وذلك للحصول على مواد مطبوعة للحفظ في الأرشيف أو للفحص أو لوضع العناوين المناسبة، كما تستخدم عند الضرورة في قضايا القذف أو السب، وهي قضايا يمكن أن تؤدي إلى خسائر فادحة على سبيل التعريض، وحكى تاريخ الصحافة قصصا عجيبة عن الصحف التي لقيت حتفها في قضايا التعويضات. العين الفاحصة للحروف: والعين الفاحصة للحروف تشكل مصدرا آخر للمدخلات في الكمبيوتر، وفي هذه الحالة يجب على الصحفي أن يستخدم آلة كاتبة كهربية مزودة بحروف قابلة للمسح وشريط كربوني يستخدم لمرة واحدة فقط وذلك للتقليل ما أمكن من أخطاء القراءة المسحية. ويجب كذلك استخدام ورق من نوع جيد لأن ورق الصحف الخشن لا يصلح إذ إن العين الفاحصة "تقرأ" كل شيء على سطح الورق بما في ذلك العيوب السطحية، فتظهر الحروف مشوشة. لذلك ينبغي استخدام ورق بوند أبيض جيد لأن حساسية العين الفاحصة شديدة للغاية، لذا ينبغي ألا تستخدم أية خطوط أو أية علامات بالقلم؛ لأن استخدام هذه الخطوط يؤدي إلى أن تقوم العين الفاحصة بشطب المادة، وكل شيء تظهره العين الفاحصة بما في ذلك بصمات الأصابع أو بقع القهوة أو الشاي أو أي ثقوب أو علامات مهما صغر حجمها أو تضاءل شكلها. وتكتب المادة المعروضة للمسح وبين أسطرها ثلاث مسافات لإفساح المكان المناسب للتصحيح. كما يتطلب الأمر تحضير الصفحة تحضيرا جيدا بحيث تكون المادة خالية من الأخطاء ليتسنى تخزينها في ذاكرة الكمبيوتر المركزي عن طريق العين الفاحصة للحروف. أما بالنسبة لحذف أية مادة فيجب استخدام قلم أسود خاص لوضع خطوط على المادة المطلوب حذفها، وعلى سبيل التيسير تقوم بعض الهيئات الصحفية والوكالات العالمية بإرسال المادة الصحفية بحيث تكون قابلة للمسح مباشرة.

стр. 350

إعداد المادة القابلة للمسح: ويلاحظ عند إعداد المادة القابلة للمسح ما يلي: أولا: يجب أن تكون الأسطر على مستوى أفقي تماما؛ لأن الأسطر غير المستوية تماما أو غير الأفقية بدقة تجعل عملية المسح غير متقنة. ثانيا: يجب أن يكون الورق ناعما ويلاحظ ألا يكون منبعجا أو به فقاعات. ثالثا: تترك مساحة بوصة من أعلى الصفحة ونصف بوصة في أسفلها وعلى الجانبين. رابعا: تترك ثلاث مسافات بين السطر والآخر لإفساح المجال للتصحيح. خامسا: يستخدم الشريط الكربوني مرة واحدة فقط ثم يستبدل به آخر. سادسا: التعليمات للتعديل والتصحيح توضع بين خطين مائلين. ويمكن استخدام هذه المستحدثات تدريجيا على مراحل، وعادة تستخدم هذه التقنيات المستحدثة لبعض الصفحات ولا سيما صفحات الرأي والمقالات والموضوعات الثابتة والزوايا والأركان. وفيما يلي عرض يبين أسعار هذه المواد التكنولوجية الإلكترونية: العين الفاحصة للحروف ٩٠.٠٠٠ دولار شاشة العرض ١٦.٠٠٠ دولار جهاز اختزان مركزي "٢ مليون حرف" ١٤٠.٠٠٠ دولار جهاز تكوين الإعلانات على الشاشة ٣٠.٠٠٠ دولار ومن الطبيعي أن تتحول طباعة الصحف من الطريقة الساخنة إلى الطريقة الباردة. أما جهاز الطبع السريع للمادة فثمنه ٥٠٠٠ دولار

стр. 351

إدماج مراحل الصحفي: وهكذا نرى أن النظام الإلكتروني الحديث يجمع كافة مراحل العمل الصحافي من كتابة ومراجعة وتصحيح في مرحلة أساسية واحدة. وبطبيعة الحال تصادف هذه الطرق الحديثة معارضة شديدة من الصحفيين التقليدين الذين يصفون العاملين في مجال الصحافة الحديثة بأنهم "عيال الكمبيوتر" كما يقال إن الشاشة تؤذي العين بالأشعة الضارة، مع أن نظام الجمع والتحرير والتصحيح في مرحلة واحدة يعد بلا شك تطويرا أساسيا في الإنتاج الصحفي. وفي بعض الدول التي تسمح بتكوين النقابات العمالية في مهنة الصحافة، يجد التحديث معارضة شديدة من النقابات لأن هذه التقنيات قد تؤدي إلى فصل العمال والاستغناء عنهم، ولكن هذه المشكلات تجد طرقا كثيرة لحلها مثل إعادة تدريب العمال على الأجهزة الجديدة، وكذلك إنهاء خدمات العمال بشكل عادي عند التقاعد. ومن الثابت أن النظام الإلكتروني الجديد يعطي للصحافة مجالا طيبا لرصد المعلومات ومعالجتها ووضعها في جداول مرتبة ترتيبا منطقيا. ولا سيما في ظروف الانتخابات والامتحانات، فقد انتهى عصر الأوراق والبطاقات والملفات، وحتى الأفلام الصغيرة للغاية "الميكروفيلم" ليحل محلها أسلوب الأشرطة والأسطوانات الحاملة للمعلومات. المكتبات والمعلومات: لقد كانت مكتبات الصحفي تتكون من صفوف فوق صفوف وأكوام فوق أكوام من المعلومات المرصوصة في دواليب مليئة بالملفات والمظاريف المكتظة بالقصاصات والصور والأكلشيهات الخاصة بالموضوعات والشخصيات، ومعظمها قديمة وغير مفهرسة فهرسة جيدة. ونتيجة لذلك تصبح الفائدة المرجوة من هذه الخزائن محدودة وبطيئة إذا ما قورنت باستخدام الأجهزة الإلكترونية التي تساعد على سرعة التخزين والمعالجة والاسترجاع للمواد الصحفية.

стр. 352

ولا شك أن الكمبيوتر قد جب الوسائل الأخرى مثل أجهزة الميكروفيلم التي تستطيع تخزين المواد الإعلامية في حيز صغير للغاية مثل ظفر الإصبع. وهذه الأفلام الصغيرة للغاية تركب على بطاقات ذات فتحات وهي قابلة للفهرسة والفرز والتصنيف بسهولة ويسر. وهناك تعليمات تدق على الآلة الكاتبة أو آلة الاسترجاع وبذلك يخرج الفيلم المراد مشاهدته، غير أن هذه الطريقة سرعان ما استبدلت بها طريقة أخرى هي التخزين على أسطوانات لتحل محل هذه البطاقات الكثيرة المتعددة. الحصول على المعلومات: وهناك طريقتان للاقتراب من المعلومات: إحداهما باستخدام مفاتيح النهاية الطرفية فتظهر المعلومات على شاشة أو الأنبوبة الكاتودية بدلا من الطريقة القديمة عند مخاطبة المكتبة تليفونيا لطلب المادة الصحفية، وذلك باستخدام كلمات معينة من الخبر أو العنوان أو الموضوع بحيث تكون كافية لاستدعاء الموضوعات والمعلومات المطلوبة، وهذه الكلمات الاستدعائية مسجلة على شريط واحد تكفي لتغطية معلومات العام بأكمله. فبالضغط على كلمات معينة تحتويها المادة المطلوبة يقوم الكمبيوتر بتقديم عدد الأخبار أو الموضوعات التي تحتويها هذه المادة، وإذا ما كانت المواد كثيرة للغاية أو أكثر مما يطلبه الصحفي، فإنه يضيف كلمات أخرى تقيد طلبه وتحدده وبذلك يحدد مجال ما يرغب في معرفته، وعندما يصل العدد إلى الحد المناسب فإن الكمبيوتر يصدر قائمة بالموضوعات المطلوبة. وقد وجد الباحثون أن استخراج المواد المطلوبة التي تحتويها أشرطة الميكروفيلم ثم قراءة المعلومات على تلك الأشرطة تستغرق وقتا يمكن اختصاره. ومن هنا جاءت الطريقة الأخرى التي تعتمد على أمناء مكتبات من نوع جديد. فهم متخصصون في علوم الكمبيوتر ولا سيما طرق تخزين المواد الصحفية واسترجاعها للصحفي مستعينين في ذلك بالمعلومات المختزنة إلكترونيا.

стр. 353

الكمبيوتر المركزي: الأفضل من ذلك كله استخدام الكمبيوتر المركزي الذي تتصل به الصحف المختلفة ووكالات الأنباء، وهي طريقة باهظة التكاليف ولكنها دقيقة وعملية، وذات فائدة كبيرة. ولا شك أن استخدام القمر الصناعي العربي للربط بين الصحف والوكالات وبين الكمبيوتر المركزي سوف يصبح من أهم تطورات الفن الصحفي في أواخر القرن العشرين. وهكذا يظهر لنا أن تلك الأيام التي كان فيها موظف الأرشيف مجرد إنسان لا عمل له، بل والذي كان فيه موضع سخرية وتندر قد ولت دون رجعة ليحل محله أشخاص على مستوى رفيع من التخصص. ولا شك أن توفير المادة التي تشكل خلفية الموضوعات "من حقائق وأرقام وصور ومعلومات سابقة، سوف يسهل تغذيتها للكمبيوتر، كما يصبح من اليسير استرجاعها. الثورة الإلكترونية: إن التطور في مجال الكمبيوتر يسير بإيقاع سريع للغاية حتى ليصدق ما يصفه البعض لهذا التطور بأنه ثورة إلكترونية وتفجر للمعلومات، وأصبحنا نسمع كل يوم عن تطورات جديدة، وتطبيقات إلكترونية مذهلة، ولكن ليس معنى ذلك أن التقدم التقني يعني تطور في الفن الصحفي، فالصحيفة المملة لا تحول صحيفة شيقة بمجرد استخدام التقنية الحديثة، والسخافات لا يمكن أن تتحول بالكمبيوتر إلى طرائق شيقة ومعلومات مفيدة. فسرعة الأداء والآلية الذاتية لا تعتبر بديلا للصحيفة الجيدة فأفكارها الرفيعة، وقيمها السامية بل إنها على العكس من ذلك قد تنحدر إلى ما هو أسوأ. خذ مثلا موضوعا جاهزا للمسح الإلكتروني من الناحية الآلية كاملا بلا عيب وخاليا من الأخطاء تماما، وسليما من كل نقص، وكل شيء جاهز بلا أخطاء طباعية أو هجائية أو لغوية، كما أن الورق أبيض وصقيل بحيث

стр. 354

يمكن للعين الفاحصة للحروف أن تحول الصفحة إلى لوح قابل للطبع في الحال. هنا يكون الإغراء شديدا للصحفي أو المحرر ألا يغير من الموضوع شيئا اللهم إلا بعض التحسينات التجميلية العابرة دون مساس بالموضوع تجنبا لإعادة كتابته وتحريره من جديد، وإلا كان هذا عودة إلى بدء، وتكرارا لعمليات الكتابة والتحرير وإعداد الموضوع من جديد. ولما كان العمل الصحفي اقتصاديا، فإن رؤساء التحرير والمديرين وغيرهم من المسئولين يفضلون عدم تغيير النص وإبقائه على ما هو عليه اقتصادا للجهد والنفقات والوقت، وقد يؤدي ذلك إلى تحقيق أرباح للمؤسسة الصحفية ولكن كله على حساب الفن الصحفي السليم والأصيل. وظائف الكمبيوتر: وقد رأينا كيف يساعد الكمبيوتر على ضبط السطور وتوزيع المسافات بين الكلمات بحيث تتساوى نهايات الأسطر وتكون الهوامش في الجوانب متساوية تماما، كما أن الكمبيوتر يعطي نتائج ممتازة في إعداد الإطارات والجداول الخاصة بالأسعار والسباقات الرياضية والأوراق المالية والسندات وتقلبات أسعار البورصة والانتخابات السياسية والانتخابات العامة والاستفتاءات على كافة الأصعدة المحلية والقومية وغيرها. كما أن الكمبيوتر يستوعب المدخلات المتنوعة الواردة من المندوبين والمراسلين ووكالات الأنباء والهيئات الصحفية والمؤسسات الأخبارية والإعلامية، وكلها تدخل إلى الكمبيوتر ويتم فهرستها وتلخيصها بطريقة تسهل عمل المحرر. فبضغطة واحدة على مفتاح معين يستطيع أن يسترجع أي مادة يريدها ويقرؤها على الشاشة الإلكترونية، وإذا كانت الصحيفة مشتركة في وكالة أنباء أو وكالتين أو أكثر فإنه يستطيع أن يستعرض على الشاشة كل خبر من الأخبار ليختار الأفضل بالنسبة لسياسة الصحيفة أو يدمج عناصر مختلفة من خبر إلى خبر ليكون خبرا مكتمل الأركان يظهر أمامه على الشاشة

стр. 355

الإلكترونية كما أنه يستطيع إجراء التعديلات اللازمة والتصحيح فتظهر النصوص النهائية على الشاشة بل إنه يستطيع بالضغط على مفتاح آخر الحصول على النص مطبوعا على الورق. وبإيجاز، يمكن القول أن سكرتير التحرير يعرف جميع الأخبار والموضوعات وشكل الصفحات قبل تحويلها للطبع كما يعرف المساحات الباقية بعد تركيب الصفحات ووضع الإعلانات والصور وغيرها. ويستطيع المخرج الصحفي تغيير أماكن الصور والموضوعات ليتبين الأشكال المناسبة، ويتم ذلك في قاعات التحرير. وهكذا ينتقل محور الإنتاج من قاعات التوضيب إلى صالات التحرير. وهكذا تصبح مراكز المعلومات أكثر مرونة وأفضل أداء للخدمة. أما بالنسبة للموضوعات المؤجلة ليوم قادم أو أسبوع قابل فإنه يحتفظ بها في ذاكرة الكمبيوتر لكي تظهر له في الوعد المحدد دون الحاجة إلى الأوراق والملفات التي تستخدم في الأحوال التقليدية. وفي حالة القضايا المنظورة أما المحاكم على اختلاف درجاتها أو التشريعات التي تصدرها المجالس النيابية والتشريعية، فإن جميع الأحكام تختزن أولا بأول مع تطوراتها وتعديلاتها. ويقوم الكمبيوتر بجميع العمليات الحسابية مهما كانت دقيقة، كما أنه يسجل جميع متطلبات الحسابات الضريبية وغيرها. سيطرة الكمبيوتر: ويقيس الكمبيوتر مدى انقرائية الموضوعات الصحفية وفقا لمعدلات الانقرائية، كما يمكنه تقديم المعلومات اللازمة عن أذواق الجماهير ومدى تقديرها للموضوعات المختلفة، وكذلك ما قد يطرأ على الأذواق من تحولات بالنسبة للإخراج الصحفي من تحقيقات وموضوعات وغيرها. ويحدد الكمبيوتر بدقة إنتاج كل صحفي، بل إن الجهد المتصل بعمليات التصحيح والمراجعة تتحول مباشرة إلى جهد إلكتروني يقوم به الكمبيوتر.
следующие страницы →