← Акыда

Акыда · id 117360

أهل الفترة ومن في حكمهم

موفق أحمد شكري

Полный текст (129 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أدلتهم: استدل هؤلاء الأئمة على ما ذهبوا إليه بما يلي: ١ - الحديث الذي أورده أحمد (١) في مسنده عن الأسود بن سريع (٢)، أن رسول الله ﷺ قال: "أربعة يحتجون يوم القيامة، رجل لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في الفترة. فأما الأصم فيقول: رَبِّ، قد جاء الإِسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول: رب، قد جاء الإِسلام والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول: لقد جاء الإِسلام وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب، ما أتاني كتاب ولا رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا" (٣). ٢ - الحديث الذي يرويه أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بأربعة يوم القيامة، بالمولود وبالمعتوه وبمن مات في الفترة وبالشيخ الفاني، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب ﵎ لعنق من النار ابرزي، فيقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلًا من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم، قال: ويقول لهم ادخلوا هذه، ويقول من كتب عليه الشقاء: أنى ندخلها ومنها كنا نفر؟! فيقول الله: فأنتم لرسلي أشد تكذيبًا. قال: وأما من كتب عليه السعادة فيمضي فيقتحم فيها، فيدخل

стр. 72

هؤلاء الجنة وهؤلاء إلى النار" (١). ٣ - عن أبي سعيد الخدري (٢) عن النبي ﷺ قال: يؤتى بالهالك في الفترة والمعتوه والمولود، فيقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول، ويقول المعتوه: أي رب، لم تجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًا، ويقول المولود: لم أدرك العمل قال: فيرفع لهم النار فيقال، رِدوها، أو قال: ادخلوها. فيدخلها من كان في علم الله سعيدًا أن لو أدرك العمل، قال: ويمسك عنها من كان في علم الله شقيًا أن لو أدرك العمل، فيقول الله ﵎: "إياي عصيتم، فكيف برسلي بالغيب؟ " (٣). ٤ - عن معاذ بن جبل (٤) أن رسول الله ﷺ قال: "يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلًا وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيرًا، فيقول الممسوخ عقلًا: يا رب، لو آتيتني عقلًا ما كان من آتيته عقلًا بأسعد مني، ويقول الهالك بالفترة: يا رب، لو أتاني منك عهد ما كان من أتاه عهد بأسعد بعبده مني، ويقول الهالك صغيرًا: لو آتيتني عمرًا ما كان من آتيته عمرًا بأسعد مني. فيقول الرب إن آمركم بأمر فتطيعوني؟ فيقولون: نعم وعزتك، فيقول اذهبوا إلى النار. فلو دخلوها ما ضرتهم. فيخرج عليهم قوابس (٥) يظنون أنها أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعًا فيقولون: خرجنا يا رب

стр. 73

نريد دخولها فخرجت علينا قوابس ظننا أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيأمرهم ثانية فيرجعون كذلك، فيقولون مثل قولهم، فيقول ﵎ قبل أن تخلقوا علمتُ ما أنتم عاملون وإلى علمي تصيرون. فتأخذهم النار" (١). المناقشة والترجيح: وبعد التأمل والنظر أرى أن أقرب الأقوال إلى الصواب هو القول الثالث وهو أن أهل الفترة يُمتحنون، ولا ينافيه ما استدل به أهل الفريقين الأول والثاني. أما ما استدل به الفريق الأول بما يفيد نفي العذاب عن أهل الفترة، فهذه الأدلة لا تدل على أنهم ناجون وأنهم في الجنة. وأما أهل الفترة فلا تشملهم هذه النصوص لأن هناك نصوص أخرى دلت على أنهم يُمتحنون في عرصات القيامة، وهي النصوص التي استدل بها أهل الفريق الثالث. والله أعلم. وأما ما استدل به الفريق الثاني من نصوص تفيد أنهم في النار فيُجاب عنها بأن هذه النصوص عامة ولم تخصص، وأما أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة فقد وردت فيهم نصوص تخصهم فيخرجون من هذا العموم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فمعلوم أن الحجة تقوم بالقرآن على من بلغه كقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، فمن بلغه بعض القرآن دون بعض قامت عليه الحجة بما بلغه من القرآن دون ما لم يبلغه، فكيف فيمن لم يبلغه جميع نصوص الكتاب فهذا من باب أولى" (٢). وأما الأحاديث التي احتجوا بها كحديث "استأذنتُ ربي" وحديث:

стр. 74

"إن أبي وأباك في النار" فهذه نصوص لا يحتجّ بها لأنها في غير محل النزاع، ولأنها محمولة على أن الدعوة قد بلغتهم، ومحل النزاع عندنا هو فيمن لم تبلغه الدعوة والله أعلم. وأما استدلالهم بالعقل فلا يصحّ لأن العقل لا يدرك به التكليف على انفراده. يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية: "والصواب أن معرفته بالسمع واجبة -التكليف- وأما بالعقل فقد يعرف وقد لا يعرف وليست معرفته بالعقل ممتنعة ولا هي واجبة" (١). وبعد عرضنا لأدلة كل فريق ومناقشتها يظهر لنا ترجيح القول الثالث بأن أهل الفترة يمتحنون، وهو اختيار أهل التحقيق من العلماء. قال الإِمام أبو محمَّد بن حزم ﵀: "إن النذارة لا تلزم إلا من بلغته لا من لم تبلغه، وأنه تعالى لا يعذب أحدًا حتى يأتيه رسول من عند الله، فصحّ بذلك أن من لم يبلغه الإِسلام أصلًا فإنه لا عذاب عليه، وهكذا جاء النص من عند رسول الله ﷺ فيوقد لهم نارًا يقال لهم ادخلوها فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا (٢). ويقول ابن القيم ﵀: "إن العذاب يستحق بسببين: أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بموجبها. والثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة العمل بموجبها. فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد، وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم الحجة بإرسال الرسل" (٣). ويقول ابن حجر: "فقد صحت مسألة الامتحان في حق من مات

стр. 75

في الفترة والمجنون" (١). ويقول الشيخ الشنقيطي: "والجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف لأن إعمار الدليلين أولى من إلغاء أحدهما, ولا وجه للجمع إلا بهذا وهو القول بالعذر والامتحان" (٢). التكليف في الآخرة: تنبني على هذه المسألة -مسألة امتحان أهل الفترة في الآخرة- مسألة أخرى وهي: هل الآخرة دار تكليف أم لا؟. للعلماء في هذه المسألة قولان: الأول: ذهب كل من شيخ الإِسلام ابن تيمية (٣)، وتلميذه الإِمام العلامة ابن القيم (٤)، والإِمام ابن حجر العسقلاني (٥)، والإِمام ابن كثير (٦)، والإِمام أبو محمَّد بن حزم (٧)، وغيرهم من العلماء إلى إثبات التكليف في الآخرة وأن كون الآخرة دار جزاء لا يتنافى ذلك من أن يكون تكليف في عرصاتها. الثاني: ذهب ابن عبد البر (٨) وجماعة من المالكية إلى أنه لا تكليف في الآخرة وأن الآخرة دار جزاء لا دار تكليف (٩).

стр. 76

أدلة الفريق الأول القائلين بالتكليف: استدل الفريق الأول بما يلي: أ- حديث الأسود بن سريع: "أربعة يحتجون يوم القيامة" (١). ب- حديث أنس (٢) ﵁: "يؤتى بأربعة يوم القيامة" (٣). ب- حديث معاذ بن جبل ﵁: "يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلًا" (٤). د- حديث أبي سعيد الخدري ﵁: "يأتي الهالك بالفترة" (٥). هـ - قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٢ - ٤٣]. وجه الدلالة في هذه الآية أن الله أخبر أنه يدعو أقوامًا إلى السجود يوم القيامة، وهذا تكليف. و- عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا" (٦).

стр. 77

ز- عن أبي هريرة، ﵁ قال: "قال النبي ﷺ .... فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك يجمع الله الناس فيقول من كان يعبد شيئًا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر ويتبع من كان يعبد الطاغوت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم، فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم ربهم في الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون أنت ربنا فيتبعونه، ويُضرب جسر جهنم، قال رسول الله ﷺ فأكون أول من يجيز ودعاء الرسل يومئذ اللهم سلم سلم، وبه كلاليب مثل شوك السعدان، أما رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله، فتخطف الناس بأعمالهم منهم الموبق (١) بعمله، ومنهم المخردل (٢) ثم ينجو. حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده، وأراد أن يُخرج من النار من أراد أن يخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله أمر ملائكته أن يخرجوهم فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من بني آدم أثر السجود فيخرجونهم قد امتحشوا (٣) فيُصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار فيقول يا رب قد قشبني (٤) ريحها، وأحرقني ذكاؤها (٥)، فاصرف وجهي عن النار فلا يزال يدعو الله فيقول لعلك إن أعطيتك أن تسألني غيره فيقول لا وعزتك، لا أسألك غيره، فيصرف وجهه عن النار ثم يقول بعد ذلك: يا رب قربني إلى باب الجنة، فيقول أليس قد زعمت أن لا تسألني غيره، ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، فلا يزال يدعو فيقول لعلّي إن أعطيتك ذلك تسألني غيره؟

стр. 78

فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، فيعطي الله ما شاء من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره، فيقربه إلى باب الجنة، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أن يسكت ثم يقول: رب ادخلني الجنة. ثم يقول أو ليس قد زعمت أن لا تسألني غيره، ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، فيقول يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك، فإذا ضحك منه أذن له بالدخول، فإذا دخل فيها قيل له: تمنَّ من كذا، فيتمنى، ثم يقال له: تمنَّ من كذا فيتمنى حتى تنقطع به الأماني، فيقول له هذا لك ومثله معه" (١). ووجه الدلالة في هذا الحديث الشريف أن الله عندما أخذ العهود والمواثيق عليه ألا يسأله غير الذي يعطيه، فخالف تلك العهود والمواثيق وغدر بها، بسؤاله بعد ذلك. فإن الله تعالى قد كلف هذا العبد وذلك بأخذ المواثيق والعهود منه وهذا تكليف واضح. ح- وحديث الصراط الذي هو جسر جهنم أحدّ من السيف وأدقّ من الشعرة، يمر المؤمنون عليه كل حسب عمله، فمنهم كالبرق وكالريح المرسلة وأجاويد الخيل والراكب منهم والساعي، ومنهم المكدوش ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبوًا (٢). يقول ابن عباس: "هو يوم كرب عظيم" (٣)، وذكر القرطبي في التذكرة: "هو مقام هائل يمتحن الله به عباده ليميز الخبيث من الطيب" (٤)، ويقول الطيبي (٥): "لا يلزم من أن الدنيا دار بلاء، والآخرة دار جزاء أن لا

стр. 79

يقع في أحدهما ما يختص بالأخرى، فإن القبر أول منازل الآخرة وفيه ابتلاء وفتنة بالسؤال وغيره" (١). أدلة الفريق الثاني القائلين بعدم التكليف: أ- استدلوا بالعقل وبأنه ليس في وسع المكلف الدخول في النار لأن دخول النار من التكليف بالمحال (٢). وقد أجاب الفريق الثاني على أدلة الفريق الأول القائلين بالتكليف بأن هذه الأدلة أدلة ضعيفة ولا يحتج بها (٣). وقد رد الفريق الأول بأن هذه الأحاديث منها ما هو صحيح ومنها ما هو حسن ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالحسن والصحيح، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متعاضدة متصلة على هذا النمط، فأدت الحجة عند الناظر فيها (٤). قال ابن القيم: هذه الأحاديث يشد بعضها بعضًا وتشهد لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونها مذهب السلف (٥). ويقول ابن حجر (٦): فقد ثبت بأحاديث صحيحة بأن الله يكلف عباده يوم القيامة في عرصات الآخرة، وأن التكليف في دار الدنيا، وأما ما يقع في القبر وفي الموقف فهي أثار ذلك التكليف (٧).

стр. 80

وقد أجاب الفريق الأول على أدلة الفريق القائل بعدم التكليف بأنه ليس في وسع المكلف الدخول في النار بما يلي: أ- بأن هذه النار هي في الحقيقة في رأي العين ومن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، كما ثبت ذلك بالأحاديث الآنفة الذكر. ب- إذا كان دخول النار سببًا في النجاة فلا مانع من التكليف بدخولها، فقد ثبت مثل ذلك من حديث الدجال في آخر الزمان "أن معه ماء ونارًا فناره ماء باردة، وماؤه نار" (١) فهذا الحديث يدل على أن من أدرك الدجال أمره الشارع أن يقع في ناره، وهذا تكليف بدخول النار, لأن وقوعه في النار سبب في نجاته. وبناءً على ما ورد من أدلة الفريقين: يتبين لنا أرجحية القول الأول على حسب ما ورد من نصوص صحيحة صريحة، وهو إثبات وقوع التكليف في عرصات القيامة وإنما ينقطع التكليف بدخول الجنة أو النار. هذا والله أعلم. ...

стр. 81

الفصل الثالث الملحقون بأهل الفترة المبحث الأول أطفال المشركين والمقصود بأطفال المشركين: الذين ماتوا ولم يبلغوا الحلم، أي لم تكن لديهم القدرة على فهم شيء من الأحكام لكونهم في سن الصغر، والصغر يعتبر من العوارض التي تعترض أهلية التكليف، أي يجعل صاحبه غير مكلف بشيء ما والله أعلم. وقد اختلف العلماء حول تكليف أطفال المشركين اختلافًا كثيرًا. نورد هنا الأقوال المشهورة ثم ترجيح ما يتقوى بالدليل الصحيح: ١ - إن أطفال المشركين في الجنة. ٢ - إن أطفال المشركين في النار. ٣ - إن أطفال المشركين يمتحنون في عرصات القيامة. ٤ - إن أطفال المشركين يجب التوقف في أمرهم. القول الأول: أنهم في الجنة. وممن ذهب إلى هذا القول:

стр. 82

المحققون البخاري (١) والنووي (٢) وابن الجوزي (٣) وابن حزم (٤). وهو قول لطائفة من المفسرين (٥) -وقاله ابن حجر العسقلاني (٦). وهو قول الجبائي (٧) من المعتزلة (٨). أدلتهم: استدل القائلون بأن أطفال المشركين في الجنة بما يأتي: ١ - عن ابن عباس ﵄ قال سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين فقال: "الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين" (٩). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن أطفال المشركين من يموت منهم صغيرًا فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (١٠). وجه الدلالة من هذين الحديثين الشريفين: عندما أخبرنا النبي ﷺ بقوله: "الله أعلم بما كانوا عاملين" هذا يعني إذا بلغوا وصاروا مكلفين، أما إذا لم يبلغوا فهم ليسوا بمكلفين فهم في الجنة.

стр. 83

٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" (١). وجه الدلالة من هذا الحديث الشريف: أن الله فطر خلقه على الإِسلام ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]. فإذا مات على تلك الفطرة أي قبل أن يهوِّده أو ينصِّره أو يمجِّسه أبواه مات مسلمًا ودخل الجنة. ٤ - عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "سألت ربي اللاهين من ذرية بني آدم أن لا يعذبهم فأعطانيهم" (٢). وجه الدلالة من هذا الحديث أن عدم تعذيبهم يدل على أنهم في الجنة. ٥ - عن سمرة (٣) بن جندب أنه قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، وأنه قال لنا ذات غداة: إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني وإنهما قالا لي انطلق وإني انطلقت معهما .... إلى أن قال فأتينا على روضة معتمة فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولًا في السماء، وإذا حول الرجل أكثر ولدان رأيتهم قط ....

стр. 84

إلى أن قال: فأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﵇ وأما الولدان الذين حوله فكل مولود يولد على الفطرة. قال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأطفال المشركين؟ قال: وأطفال المشركين" (١). وجه الدلالة من هذا الحديث الشريف أنه صريح في دخول أطفال المشركين في الجنة. ٦ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. ٧ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]. وجه الدلالة من هاتين الآيتين الكريمتين: أن الله أخذ على نفسه أن لا يعذب أحدًا إلا بعد إرسال الرسل لينذروهم ويبلغوهم ما أمر الله به، والأطفال ليسوا محلًا للتبليغ لأنهم غير مكلفين، لذا فهم في الجنة. والله لا يظلم عباده إلا بعد صدور الظلم منهم، والأطفال لم يصدر منهم الظلم فكيف يعذبهم، فهم في الجنة. ٨ - قوله تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]. ٩ - قوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. ١٠ - قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١]. ١١ - وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦].

стр. 85

١٢ - واستدلوا بالعقل: فقالوا لو كان يصح تعذيب أطفال المشركين لكان تعذيبهم: أ- إما مع تكليفهم بالإِيمان. ب- أو بدون تكليف. فالأول: محال لاستحالة تكليف من لا تمييز له ولا عقل. وأما الثاني: فيمتنع أيضًا للنصوص التي ذكرنا من أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه. ثم لو كان تعذيب أطفال المشركين لعدم الإِيمان وهو المانع من العذاب لاشترك معهم أطفال المسلمين لاشتراكهم في عدم الإِيمان الفعلي علمًا وعملًا. ثم لو قيل بأن أطفال المسلمين تبع لآبائهم بخلاف أطفال المشركين قلنا إن الله لا يعذب أحدًا بذنب غيره قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. القول الثاني: أنهم في النار. قال به الأزارقة من الخوارج (١). واختاره القاضي أبو يعلى (٢) وذكر أنه منصوص عن الإِمام أحمد وهو غلط عليه، وهو قول لجماعة من المتكلمين وأهل التفسير (٣). واستدلوا بما يأتي: ١ - قوله تعالى: حكاية عن نوح ﵇ ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى

стр. 86

الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٣٦ - ٣٧]. وجه الدلالة في هذه الآية الكريمة: أن الكافر لا يلد إلا كافرًا والكافر في النار فأطفال المشركين في النار. وقد أجيب عن هذا الدليل بأنه لا حجة لهم فيه, لأن هذه الآية خاصة بقوم نوح ﵇ وليس بكل كافر (١)، فعندما يئس نوح ﵇ من إيمان القوم دعا عليهم بهذا الدعاء. ٢ - الحديث الذي ورد في مسند أحمد عن عبد الله (٢) بن أحمد عن عثمان (٣) بن أبي شيبة عن محمَّد (٤) بن فضيل بن غزوان عن محمَّد (٥) بن عثمان عن زاذان (٦) عن علي (٧) قال: سألت خديجة ﵂ رسول الله ﷺ عن ولدين لها في الجاهلية فقال: هما في النار. فلما رأى الكراهية في وجهها قال: لو رأيت مكانهما أبغضتيهما. قالت: يا رسول الله فولدي منك؟ قال: في الجنة. قال ثم قال رسول الله ﷺ : إن المسلمين وأولادهم

стр. 87

في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار (١). ثم قرأ رسول الله ﷺ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]. ٣ - حديث عائشة ﵂ أنها ذكرت لرسول الله ﷺ أولاد المشركين فقال: "إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار" (٢). وجه الدلالة من هذين الحديثين أنهما صريحان بدخول أطفال المشركين في النار. وقد أجيب عن هذين الحديثين بما يلي: ١ - إن حديث خديجة (٣) ﵂ لا يحتج به، وذلك لأنه معلول من وجهين: أ- إن في سنده محمَّد بن عثمان وهو مجهول (٤)، وقال عنه الهيثمي: محمَّد بن عثمان غير معروف (٥). ب- إن في سنده زاذان عن علي، وزاذان هذا لم يدرك عليًا (٦). ٢ - وأما حديث عائشة ﵂ فقد ضعفه جمهور الأئمة

стр. 88

ويحيى بن معين (١). وذكر ابن القيم أن شيخ الإِسلام ابن تيمية حكم ببطلانه (٢)، وذلك لأن في سنده أبا عقيل يحيى بن المتوكل. ٤ - حديث احتجاج الجنة والنار الذي أخرجه البخاري أن النبي ﷺ قال: "اختصمت الجنة والنار إلى ربهما، فقالت الجنة: يا رب مالها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم. وقالت النار يعني أوثرت بالمتكبرين فقال الله للجنة أنت رحمتي وقال للنار أنت عذابي أصيب بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها قال فأما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدًا وأنه ينشىء للنار من يشاء فيُلقَون فيها فتقول هل من مزيد ثلاثًا فتمتلىء. ويضع بها قدمه ويرد بعضها إلى بعض وتقول قط قط قط (٣). وجه الدلالة من هذا الحديث أن قوله: "ينشىء للنار من يشاء فيلقون فيها" قال أصحاب هذا القول فهؤلاء ينشؤون للنار بغير عمل. "فلأن يدخلها من ولد في الدنيا بين كافرين أولى (٤) ". وقد أجيب عن هذا الحديث بأنه قد حصل فيه قلب من عند الراوي، وهذا يحدث عند رواة الحديث. وقال أبو الحسن القابسي (٥) المعروف في هذا الموضع "إن الله ينشىء للجنة خلقًا وأما النار فيضع فيها قدمه" ثم قال ولا أعلم في شيء من الأحاديث أنه ينشىء للنار خلقًا إلا هذا (٦). اهـ.

стр. 89

قال ابن القيم ﵀: هذا غير محفوظ وهو ممن انقلب لفظه على بعض الرواة (١)، فإن هذه اللفظة وقعت غلطًا وقد بينها البخاري في الحديث الآخر الذي يرويه أبو هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "تحاجت الجنة والنار فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم قال الله ﵎ للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار أنت عذاب أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منهما ملؤها، فأما النار فلا تمتلىء حتى يضع رجله فتقول قط قط قط، فهناك تمتلىء ويزوي بعضها إلى بعض ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشىء لها خلقًا آخر" (٢). فهذا الحديث روايته صحيحة وليس فيه قلب، أما الحديث الذي احتج به الفريق الثاني فكان مما غلط فيه بعض الرواة فرووه على غير الوجه الصحيح الذي ذكرنا آنفًا وبهذا فلا يكون حجة لهم. والله أعلم. القول الثالث: إنهم يمتحنون في عرصات القيامة ويُرسَل إليهم رسول وإلى كل من لم تبلغه الدعوة؛ فمن أطاع الرسول دخل الجنة ومن عصاه دخل النار. وممّن قال بهذا القول واختاره: شيخ الإِسلام (٣) ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم (٤). واستدلوا بما يلي: ١ - حديث الأسود بن سريع ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أربعة يحتجون يوم القيامة" الحديث (٥).

стр. 90

٢ - حديث أنس ﵁ "يؤتى يوم القيامة بأربعة" الحديث (١). ٣ - حديث معاذ بن جبل، يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلًا" الحديث (٢). ٤ - حديث أبي سعيد الخدري: "يؤتى الهالك بالفترة" الحديث (٣). وجه الدلالة من هذه الأحاديث السالفة الذكر بأن الأطفال يمتحنون في عرصات القيامة، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا ومن أبى بقي فيها. القول الرابع: التوقف فيهم حيث لا يحكم أنهم بالجنة أو بالنار، وممن ذهب إلى هذا المذهب الإِمام أبو حنيفة (٤) وأحمد في رواية وحماد (٥) ابن سلامة وابن المبارك (٦) وإسحاق بن (٧) راهويه (٨). أدلتهم: ١ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال النبي ﷺ : "ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه" (٩). ووجه الدلالة في هذا الحديث أنه دل على أن المولود يولد على

стр. 91

الفطرة، والفطرة هي معرفة الله والميل إلى الخير، وما دام أنه يولد على الفطرة فلا يُدرى ماذا سيعمل لو كبر، لذا يُتوقَّف فيه ويوكَل أمره إلى الله. ٢ - والحديث قالوا يا رسول الله: أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (١). ٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ في بعض مغازيه فسأله رجل قال: يا رسول الله، ما تقول في اللاهين؟ قال فسكت عنه رسول الله فلم يرد عليه بكلمة، فلما فرغ رسول الله من غزوة الطائف فإذا هو بغلام يبحث في الأرض، فأمر مناديه: أين السائل عن اللاهين؟ فأقبل الرجل إلى الرسول ﷺ ، فنهى رسول الله عن قتل الأطفال ثم قال: الله أعلم بما كانوا عاملين" (٢). ووجه الدلالة من هذين الحديثين أن قوله: "الله أعلم بما كانوا عاملين" يدل على التوقف في حكمهم. وقد أجيب عن استدلالهم بما يأتي: إن النبي ﷺ لم يتوقف في حكمهم، وإنما فوض علم ما كانوا عاملين لو عاشوا إلى الله , لأنه قد سبق في علم الله إيمان المؤمن وكفر الكافر لو عاشوا، قال ابن القيم ﵀: (إن كلام النبي ﷺ : "الله أعلم بما كانوا عاملين" إنما خرج هذا الجواب منه من وجهين: الأول: جواب لهم إذ سألوه عنهم ما حكمهم، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، وهو في هذا الوجه يتضمن أن الله يعلم من

стр. 92

يؤمن منهم ومن يكفر بتقدير الحياة، وأما المجازاة على العلم فلم يتضمنها جوابه ﷺ . الوجه الثاني: جواب لهم حين أخبرهم أنهم من آبائهم، فقالوا بلا عمل؟ فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، كما روى أبو داود (١) عن عائشة ﵂ قالت: "قلت يا رسول الله: ذراري المؤمنين؟ قال من آبائهم. قلت: يا رسول الله بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين" (٢). ففي هذا الحديث ما يدل على أن الذين يلحقون بآبائهم هم الذين علم الله أنهم لو عاشوا لاختاروا الكفر وعملوا به، فهؤلاء مع آبائهم، ولا يقتضي أن كل واحد من الذرية مع أبيه في النار، فإن الكلام في هذا الجنس سؤال وجواب، والجواب يدل على التفصيل، فإن قوله ﷺ الله أعلم بما كانوا عاملين يدل على أنهم متباينون في التبعية، بحمسب نياتهم ومعلوم الله فيهم. بقي أن يقال فالحديث يدل على أنهم يلحقون بآبائهم من غير عمل، ولهذا فهمت منه عائشة فقالت: بلا عمل؟ فأقرها عليه، فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين". ويجاب عن هذا بأن الحديث إنما دل على أنهم يلحقون بهم بلا عمل عملوه في الدنيا، وهذا الذي فهمته عائشة، وعائشة إنما استشكلت لحاقهم بهم بلا عمل عملوه مع الآباء، وأجابها النبي ﷺ بأن الله يعلم منهم ما هم عاملوه ولم يقل لها أنه يعذبهم بمجرد علمه فيهم. وهذا ظاهر لا إشكال فيه (٣).

стр. 93

الترجيح: وبعد عرض الأقوال مع الأدلة ومناقشتها أرى أن القول الأول وهو أنهم في الجنة هو القول الراجح من تلك الأقوال، ولا ينافيه ما ورد من أن المولود يمتحن مع صاحب الفترة والمجنون والشيخ الهرم، كما سبق في أدلة القائلين بالامتحان لأنها عامة مجملة، خصصتها وبينتها النصوص التي دلت على أنهم في الجنة، كما سبق في أدلتهم. ونكون بذلك عملنا بالأدلة من الجانبين "لأن إعمال الدليلين أولى من إسقاط أحدهما" ومن المتقرر في الأصول أن الخاص يقضي على العام كما هو مذهب الجمهور، والله أعلم.

стр. 94

الفصْل الثالث الملحقون بأهل الفترة المبحث الثاني المجانين وذوو العاهات قبل أن نبدأ الكلام في هذا البحث لابد لنا من تمهيد نبين فيه أهلية المجنون وذي العاهة للتكليف. فقد سبق أن ذكرنا أن من شروط التكليف أن يكون ذا أهلية تامة، وهذه الأهلية "صلاحية الإِنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه" (١). وملاك هذه الأهلية الذمّة، وهي خصوصية ميّز الله بها الإِنسان على غيره، وهذه الأهلية قد تعترضها عوارض، والعارض هو المانع حيث أنه إذا حصل مانع لا يستطيع الإِنسان أن يقوم بعمل من الأعمال. والعوارض نوعان:

стр. 95

أ- عوارض سماوية: وهي تكون من الله ولا دخل للإِنسان فيها مثال ذلك "الجنون". ب- عوارض مكتسبة: وهي تكون من الإِنسان ذاته ومثال ذلك "السكر". فقد عرفنا أن الجنون هو عارض سماوي أي ليس للإِنسان دخل فيه، فإذا حصل هذا العارض للإِنسان سقطت عنه التكاليف المشروعة التي عليه مثل الأحكام الشرعية إلى أن يرجع إليه رشده. والجنون: هو فقدان العقل، معنى ذلك أنه لا يدرك ولا يعي ما يقال له وما يؤمر به، فما حكمه في الآخرة هل هو مؤاخذ أم لا. تحرير محل النزاع: ١ - من كان في أول عمره مجنونًا ثم فاق، وهذا ليس محلًا للنزاع. ٢ - من كان في أول عمره عاقلًا ثم جن في آخره، وهذا كذلك ليس محلًا للنزاع. ٣ - من خلق مجنونًا ومات على ذلك، وهذا الأخير هو محل نزاع بين العلماء. اختلف العلماء في حكم هذه المسألة "مسألة المجنون" إلى قولين: أ- أنهم يمتحنون بنار توقد لهم يوم القيامة فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن أبى بقي فيها. وممن قال بهذا القول ابن حجر (١). ب- هم تبع لآبائهم. وممن قال بهذا القول شيخ الإِسلام ابن تيمية (٢).

стр. 96

أدلة الفريق الأول: ١ - حديث الأسود بن سريع: "أربعة يحتجون ... ورجل أحمق" (١). ٢ - حديث أنس بن مالك: "يؤتى بأربعة ... وبالمعتوه" (٢). ٣ - حديث أبو سعيد الخدري: "يؤتى بالهالك ... والمعتوه" (٣). ٤ - حديث معاذ بن جبل: "يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلًا" (٤). ووجه الدلالة من هذه الأحاديث أن المجنون يمتحن بنار في عرصات يوم القيامة. أدلة الفريق الثاني: استدل الفريق الثاني القائلون أنهم تبع لآبائهم بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]. ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة أن شرط التكليف: العقل، وهؤلاء المجانين لا عقل لهم، وليس لديهم أعمال لأن العمل مناط بالتكليف، لذا يلحقون بآبائهم. الترجيح: والناظر في أدلة الفريقين يرى أن أدلة الفريق الأول أكثر وضوحًا من أدلة الفريق الثاني، وذلك لأن النصوص التي استدلوا بها صريحة واضحة على أنهم يمتحنون. وقد ذكر ابن حجر ﵀ في الفتح (٥): "أنه قد صحت مسألة امتحان المجنون وصاحب الفترة". والله أعلم. ...

стр. 97

البَاب الثَالث حكم من لم تبلغهم الدعوة المحمدية ويشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول: في وجود أقوام لم تبلغهم الدعوة. الفصل الثاني: في من تقع عليهم مسؤولية عدم تبليغهم الدعوة. الفصل الثالث: الطرق المؤدية إلى إيصال الدعوة إلى جميع الناس.

стр. 98

الفصْل الأوّل في وجود أقوام لم تبلغهم الدعوة إن الإِنسان الذي يعيش في هذه الحياة بدون عقيدة صحيحة وبدون نور سماوي يهتدي به؛ لهو في أمسّ الحاجة إلى من ينقذه من هذا الضياع الذي يعيشه، فتراه ينسج في خياله أوهامًا لا وجود لها حتى يتخلص من هذا الضياع والفراغ الذي يعيشه، وهذا يحدث كثيرًا لمن انحرف عن العقيدة والفطرة السليمة. هذه العقيدة التي بها تحيا القلوب وتنير طريقها إلى خيري الدنيا والآخرة. ولابد لنا قبل أن ندخل في موضوعنا أن نتكلم ولو بإيجاز مبينين أن التوحيد أصلٌ في فطرة الإِنسان. فالله لما خلق الخلق آدم وذريته من بعده خلقهم حنفاء مسلمين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣].

стр. 99

وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]. وجاء في الحديث: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه" (١). وجاء في حديث آخر: "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمَتْ عليهم ما أحللتُ لهم" (٢) الحديث. قال ابن كثير: "إن الله استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو فطرهم وجبلهم على الإِسلام" (٣). فالتوحيد ميثاق معقود بين البشر وخالق البشر منذ تكوينهم الأول، فلا حاجة لهم في نقض الميثاق حتى ولو لم يبعث إليهم الرسل يذكِّرونهم ويحذِّرونهم، لكن رحمته وحدها اقتضت أن لا يكلهم إلى فطرهم هذه، فقد تنحرف، ولا يكلهم إلى عقولهم التي أعطاها لهم فتضلّ، وأن يبعثَ إليهم رسلًا مبشِّرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل" (٤). حتى توالت عليهم الأيام والأزمان فوقعوا فيما وقعوا فيه من الشرك ففسدت فطرهم، وأخذوا يشركون بالله وحاشاه عما يصفه به المشركون. يقول ابن عباس ﵄: "كان الناس على التوحيد مدة عشرة قرون، وكانوا كلهم على الإِسلام، وكان أول ما عُبدت الأصنام أن قومًا صالحين ماتوا، فبنى قومهم عليهم مساجد وصوروا صور أولئك فيها

стр. 100

ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم. فلما طال الزمان جعلوا أجسادًا على تلك الصور، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسمَّوها بأسماء أولئك الصالحين ودًّا وسواعًا ويغوثَ ويعوقَ ونسرًا، فلما تفاقم الأمر بعث الله -وله الحمد والمنة- نوحًا يأمرهم بعبادة الله " (١). فهذا الأثر الذي ينقله ابن كثير عن ابن عباس يدل على أن الشرك طارئ وحادث والأصل في الإِنسان التوحيد والإِيمان. فعندما فسدت الفطر وخلت العقول، وتاهت في متاهات الضلال والجهل والخرافات أرسل رسله وأنبياءه إلى أقوامهم كل رسول إلى قومه، وأرسل نبيّنا محمدًا ﷺ إلى البشرية جمعاء فبلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، وكان لهذه الدعوة الحظ الوافر من الاتساع والانبساط على سطح الكرة الأرضية بفضل الله الذي تكفل بحفظ هذه الدعوة وجعلها باقية إلى ما شاء، ثم بفضل الدعاة المخلصين الذين أخلصوا النية لله منذ ولادة هذه الدعوة. وهنا نصل إلى البحث في حكم وجود أقوام لم تبلغهم الدعوة، أو بَلَغَتْهم ولكن بَلَغَتْهم مشوهةً عن طريق الإِرساليات النصرانية الحاقدة على الإِسلام وأهله، والمستشرقين من اليهود، فشوّهوا الإِسلام تشويهًا حيث تنفر منه النفوس وهم عندما يقومون بهذا العمل الخبيث قصدوا إبعاد هذه الجماعات عن هذا الدين وصدِّهم عنه. فعلى سبيل المثال يذكر الأستاذ "إبراهيم النعمة" في رسالته "الإِسلام في إفريقيا الوسطى": "ترك المبشرون في الكاميرون وأذاعوا بينهم أن المسلمين إذا مرض أحدهم قاموا عليه فذبحوه، ثم سلخوا جلده ليستفيدوا منه في عمل التمائم التي تعلق على الناس والدواب.

стр. 101

وشاعت هذه الفرية وروج لها أعداء الإِسلام فانتشرف انتشارًا كبيرًا" (١). فهذه صورة من الصور التي يستعملها أعداء الإِسلام لكي يبعدوا ويصدوا الناس عن هذا الدين، ولكن هيهات هيهات أن يصيبوه بسوء، وقد تكفل الله بحفظه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. أما الأسباب التي أدّت إلى عدم وصول الدعوة إلى هؤلاء الأقوام والجماعات فيمكن أن نرجعها إلى الأمور التالية: أولًا: تفريط عامة المسلمين في تبليغ الدعوة الإِسلامية، وتقاعسهم عن أداء هذه المهمة الجليلة التي هي مهمة الأنبياء والمرسلين، وانشغالهم في سفاسف الأمور التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وتعلقهم بالدنيا وزخارفها بترك هذا الواجب العظيم. ثانيًا: إن العالم بمساحاته الواسعة وأفكاره المتشتتة واختلاف أجناس الناس فيه؛ له الأثر في عدم وصول الدعوة إلى هذه المجموعات البشرية. فاللغة واللسان لهما الأثر الكبير في تبليغ الدعوة إلى الناس، فهذه في الواقع عقبة كبيرة تقف أمام الدعاة لانعدام وسيلة التفاهم بين الداعي والمدعو غالبًا. ثالثًا: وهناك سبب آخر وهو باعتقادي السبب الرئيسي في هذه المشكلة في عدم وصول الدعوة إلى هذه الجماعات، وهو تفرق المسلمين دويلات صغيرة وعدم انضمامهم تحت لواء خلافة إسلامية، وعدم تحكيم شرع الله . كل هذا أنساهم الواجب الذي عليهم ألا وهو الدعوة إلى الله.

стр. 102

والحقيقة أننا لو قرأنا أو تصفّحنا تاريخنا الإِسلاميّ الحافل؛ لرأينا سلفنا الصالح الذي كان سائرًا على نهج الكتاب والسنة المطهرة، فكان الخليفة ﵀ من أولى واجباته الدعوة إلى الله، فكان الخليفة إذا أمر قواده وجنوده أن يتوجهوا إلى معركة ما من المعارك كان يوصيهم قبل القتال أن يعرضوا عليهم الإِسلام فإن أبوا فالجزية. هذا خلق الإِسلام في حروبه وغزواته مع أعداء الإِسلام وأعداء الدعوة. ولا ننسى أن هناك جماعات بدائية في تفكيرها موجودة على شكل أقليات هنا وهناك في شرق خليج البنغال وفي الغابات الجبلية من جزيرة الملايو، وهناك في جزيرة غينيا الجديدة، وهناك في سوريتام في أمريكا الجنوبية، وهناك في أوربا، وهناك في أستراليا، وهناك في إفريقيا وفي مجاهلها فما حكمهم وما مصيرهم؟. حُكم مَن لم تبلغه الدعوة: فهؤلاء والله أعلم يلحقون بأهل الفترة بالحكم وهو الامتحان في عرصات القيامة لاشتراكهم معهم في عدم وصول الدعوة إليهم. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإِسراء: ١٥].

стр. 103

الفصْل الثاني من تقع عليهم مسؤولية عدم التبليغ ؟ قبل الدخول في موضوعنا لابد لنا أن نبين أن الدعوة هي وظيفة الرسل والأنبياء، وماهية هذه الوظيفة تعريف الناس بألوهية الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. وقد منّ الله على هذه الأمة إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم هو نبينا محمد بن عبد الله ﷺ قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦] وقال تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧)﴾ [الحج: ٦٧] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧)﴾ [القصص: ٨٧] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦)﴾ [الرعد: ٣٦].

стр. 104

فالدعوة إلى الله من الأعمال الشريفة الجليلة التي أناطها الله بالرسل وبرسولنا ﷺ ، فأكرمه وجعل دعوته عامة للناس، وفضّله على سائر الأنبياء. ومن إكرام الله لهذه الأمة ونعمته عليها أن جعلها خير أمة تدعو إلى الله، وهذا دليل على تشريف هذه الأمة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. يقول الأستاذ عبد الكريم زيدان تعليقًا على هذه الآية: "إنها أفادت معنيين: أ- خيرية هذه الأمة. ب- أنها حازت هذه الخيرية لقيامها بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهي وظيفة رسول الله ﷺ والرسل قبله. ثم يقول: وأول ما يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الدعوة إلى الله وحده والبراءة من الشرك بأنواعه. ونرى القرآن الكريم جعل من صفات المؤمنين الدعوة إلى الله بخلاف المنافقين الذين يصدون عن سبيل الله" (١). وقال تعالىِ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] وقوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٦٧]. وها هو القرطبي (٢) ﵀ يقول في تفسيره عن الآيتين السابقتي الذكر: جعل الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقًا بين المؤمنين والمنافقين، فدل هذا على أن أخص أوصاف المؤمن: الأمر

стр. 105

بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها الدعوة إلى الإِسلام والقتال عليه. وليس من شرط الأمر بالمعروف أن يكون عدلًا عند أهل السنة، لأن العدالة محصورة في القليل من الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس (١). هنا يتقرر أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على كل مسلم ومسلمة من هذه الأمة كل بحسب حاله ومقدرته، والعلماء هم ورثة الأنبياء؛ عليهم النصيب الكبير بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: يقول الله لرسوله ﷺ آمرًا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله وطريقته ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله لا شريك له، يدعو بها إلى الله على بصيرة من ذلك ويقين، وبرهان عقلي وشرعي (٢). إن من اللوازم الضرورية لإِيمان المسلم أن يدعو إلى الله، فإذا تخلّف عن الدعوة دلّ تخلُّفه هذا عن وجود نقص في إيمانه يجب تداركه بالقيام بهذا الواجب (٣)، وإذا كان المسلم لا يقوم بهذا الواجب فمَن يقوم به إذًا؟!. إنما الواجب على كل مسلم أن يقف على ثغر من ثغور الإِسلام، وترك العمل للدعوة الإِسلامية يفتح علينا ثغرة كبيرة، وبالتالي تكون المسؤولية كبيرة والعاقبة وخيمة. ونرى شيخ الإِسلام ابن تيمية عندما سئل عن قوله تعالى: ﴿قل هذه سبيلي﴾ [يوسف: ١٠٨] فيقول الدعوة واجبة على كل من اتبع هذا

стр. 106

الرسول ﷺ وهم أمته، وعليهم أن يدعوا إلى الله كما دعا النبي ﷺ إلى الله، وكذلك يتضمن أمرهم فيما أمر به ونهيهم فيما نهى عنه، وهذا يتضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد وصف الله أمة محمد بأنها أمة آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وهذا الواجب واجب على مجموع الأمة وهو الذي يسميه العلماء فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، فالأمة كلها مخاطبة بفعل ذلك، ولكن إذا قامت به طائفة من الناس سقط عن الباقين قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ (١) [آل عمران: ١٠٤]. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمور التي لابد منها على كل مسلم ومسلمة إما بيده أو بلسانه أو بقلبه. ومن المعلوم أن الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحتاج إلى علم بما يدعو إليه كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] لا شك أن الدعوة إلى الخير وأعلاها الدعوة إلى الله مشروط لها العلم، ولكن العلم ليس شيئًا واحدًا لا يتجزأ ولا يتبعض، وإنما هو بطبيعته يتجزأ أو يتبعض؛ فمن علم مسألة وجهل أخرى فهو عالم بما علم وجاهل بالأخرى، ومعنى ذلك أنه يكون عالمًا بالمسألة التي علم بها، وبالتالي يتوفر فيه شرط وجوب الدعوة فيما علم دون ما جهل (٢). ومفهوم الكلام من هذا أن كل مسلم ومسلمة يجب عليه الدعوة ما دام شرط العلم موجودًا. وهذا الجصاص (٣) صاحب كتاب أحكام القرآن

стр. 107

يفرد بابًا في كتابه ويسميه باب فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم يذكر الآية القرآنية ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ثم يقول لقد حوت هذه الآية معنيين: أ- وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ب- أنه فرض على الكفاية وليس بفرض على كل أحد، إذا قام به بعض سقط عن الباقين، بدليل قوله: ﴿ولتكن﴾ (١). ويعلق الشاطبي (٢) ﵀ فيقول: إن فرض الكفاية قد قال به العلماء، وإنه متوجه للجميع لكن إذا قام به البعض سقط عن الباقين بدليل ﴿ولتكن﴾ (٣) ثم إن فرض الكفاية متوجه للجميع لتحقيق هذا الغرض، وأما القادر؛ فعليه أن يقوم بهذا الواجب مباشرة فيكون معنى الآية ﴿ولتكن منكم أمة﴾ وأن يقوم به المسلمون بإعداد هذه الأمة إلى الجماعة المتصدية للدعوة إلى الله، وأن يعاونوهم بكل الوسائل لتحقيق المقصود من قيامهم، وهو إقامة دين الله ونشر دعوته، فإن لم يفعل المسلمون ذلك أثم الجميع. لذا يجب على كل مسلم ومسلمة أن يقوم بهذا الواجب، كل حسب قدرته وعلمه وطاقته؛ أن يقوموا بالدعوة جهارًا نهارًا لصدّ التيارات الجارفة والجاهليات التي ملأت مجتمعاتنا والعالم يعيش في هاوية لا يدري أين يوجه سيره إلى هنا أو إلى هناك، إنه يعيش فراغًا قاتلًا، لذلك لابد من

стр. 108

دعوة تدعوهم إلى الإِيمان بالله، هذا الإِيمان الذي يملأ هذا الفراغ الذي يعيشه سواء في نفسه أو بيئته أو محيطه. إن الإِنسان اليوم ليعيش عيشة وهمية تلمؤها الوثنية والخرافات والشعوذات في كل أرجاء المعمورة ... لابد من دعوة نظيفة أصيلة تقضي على هذه الجاهليات. ولن تكون هذه الدعوة إلا الدعوة الإِسلامية، والدعاة هم المسلمون أتباع النبي محمد بن عبد الله ﷺ . والقيام بالدعوة لها آثارها في استقامة الأمة ودفع الشرور والفتن والمحن عنها. وقد أناط الله بهذه الأمة وألزمها بأن تقوم بالدعوة -خير قيام لتكون خير أمة أخرجت للناس- وذلك لأمور نوجزها هنا: أ- إن الله أرسل رسوله محمدًا ﷺ إلى الناس جميعًا ورسالته إلى الناس كافة باقية إلى قيام الساعة، ومقصد هذه الدعوة هداية الخلق إلى توحيد الله والتعريف بمنهجه وما يجب على عباده تجاهه ليفوزوا بالسعادتين في الدنيا والآخرة. ولذا كانت رسالة نبينا ﷺ عامة ورحمة للعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. فكان لزامًا على هذه الأمة المسلمة أن تنهض وتقوم من بعد النبي بوجوب التبليغ للدعوة للإِسلام إلى أهل الأرض جميعًا. وكيف لا يكون كذلك وقد قال الله عن هذه الأمة في محكم كتابه العزيز ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. ب- إن بقاء الشرك والكفر والجاهليات الأخرى في الأرض يؤثر تأثيرًا عاجلًا أو آجلًا على معاني الإِسلام القائمة في أي جانب من جوانب الأرض، ولذا ترى الإِسلام يمنع المسلم من البقاء في ديار الكفر بل يأمره بالتحول إلى ديار الإِسلام حتى لا يُفتتن في دينه، وعلى هذا فقيام المسلم

стр. 109

بدعوة أهل الشرك والكفر إلى دين الله يفيده ويقيه شرور الكفر ويقي مجتمعه (١). جـ- رفع الهلاك والعذاب عن المسلمين قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ [الأنفال: ٢٥]. يقول ابن عباس ﵄: أمر الله المسلمين أن لا يُقَرَّ المنكر بين أظهرهم فيعمَّهم العذاب الذي يصيب الصالح والطالح (٢). وجاء في صحيح البخاري عن زينب (٣) بنت جحش أنها سألت النبي ﷺ : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث" (٤). وبعد أن بينا أن الدعوة وظيفة الأنبياء المرسلين، وقد شرف الله هذه الأمة بهذا العمل وهو الدعوة إلى الله بتوحيده والسير على منهجه، وترك الشرك والوثنية، كل هذا يبين لنا مكان الدعوة في الإِسلام. ولماذا علق الله الدعوة بالمسلمين دون غيرهم؟. أما على من تقع مسؤولية عدم تبليغ الدعوة للأقوام الذين لم تبلغهم للآن في شتى بقاع المعمورة؟ لا شك أن المسؤولية تقع على كل مسلم، وهذه المسؤولية العظيمة نحن المسلمين مسؤولون عنها لأننا بحق فرطنا في كثير من مسائل ديننا ومنها الدعوة إلى الله، والإِسلام حُجب بأهله ويا للأسف، فلابد إذن أن نعيَ ونصحوَ وندعوَ بدعوة نبينا محمد بن

стр. 110

عبد الله ﷺ ، فإن هناك أقوامًا يعيشون في ظلمات الجهل والكفر والتيه والضلال، والمسلمون مسؤولون كلهم سواء حاكمًا أو محكومًا، ومن واجب الحاكم المسلم أن يوجه دعاته إلى هؤلاء الناس المتعطشين إلى عقيدة سليمة تقبلها الفطرة بكل رحابة صدر، وهذه العقيدة هي عقيدة الإِسلام قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]. والمسلم عليه أن يبلِّغ من العلم والدعوة ما يستطيع، جاء في الحديث الشريف: "فليبلِّغ العلمَ الشاهدُ الغائبَ" (١) ولكن يا للأسف إن أمر الدعوة قد هان لدى المسلمين فاضطرب ميزان الخير والشر، ثم استفحل الخطر فأمسى الضلال يركض في كل ناحية لا يجد عائقًا ولا ساخطًا، وهكذا ركدت ريح الدعوة إلى الله لأن هذه الأمة في عصورها الأخيرة قد فرطت الكثير في جنب الله ولم تخلُف رسولَها العظيم في طبيعة الإِشعاع والإِسعاد التي اقترنت ببعثته والتي جعلت منه صبحًا يجتاح الظلمات (٢). ...
следующие страницы →