على االناس وتوصيهم به (١).
إلا أن الروح الحرة لم تلبث أن انتصرت فَثَابَتْ الجامعة الأمريكية إلى نفسها ورأت، ولو بعد حين، وجه الصواب فتنازلت حينئذٍ عن رأيها الذي لم يكن من العلم في شيء، ولا من الحرية في شيء، ولا من الإنسانية في شيء.
لقد شاهدت الجامعة الأمريكية يقظة العرب على هذا التراب الطاهر في الشرق الأدنى، وشاهدت جميع الشرقيين والعرب يتجهون أفواجًا نحو هيكل العلم النبيل، في أفق يسع المشرق والمغرب ويسع الأديان كلها والألوان جميعها. فأي فضل للجامعة بعد ذلك إذا اعترضت هذا الموكب الفخم المهيب لتسوق جزءًا منه نحو الكنيسة البروتستانتية! أما حجتها فكانت أوهى من عملها. إنها احتجت بأن نفرًا من المتمولين الأمريكيين لا يعينون الجامعة بأموالهم التي جمعوها إلا إذا علموا بأنها تزيد عدد البروتستانت في الشرق. وهكذا حكمت الجامعة الأمريكية على نفسها بأنها مسوقة في تيار قوم آخرين، وأنها مستأجرة لتنفيذ رغبات لا تشرف صاحبها فضلاً عن منفذها.
• • •
على أن استغرابنا قد زاد عام ١٩٤٨ ولم ينقص. إن الجامعة الأمريكية تعترف بأنها بدأت تبشيرية ثم تخلت عن التبشير في عصر القومية الواسعة والتسامح العظيم والتعاون الشامل.
إلا أن الدكتور (ستيفن بنروز) - رئيس الجامعة الأمريكية السابق - قد أتى، مما هو ظاهر واضح في كتابه، بعقلية (دانيال بلس) لا بعقلية (بيارد ضودج) على الأقل: لَقَدْ جَاءَ مُبَشِّرًا لاَ مُعَلِّمًا. وَلَوْ أَنَّهُ جَاءَ مُعَلِّمًا لاَ مُبَشِّرًا لأرخ الجامعة الأمريكية في بيروت تأريخًا مختلفًا - من حيث الاتجاه والتوجيه على الأقل، لا من حيث المادة.
ولكننا نعود فنقول: إننا نحن نعرف الجامعة الأمريكية ونعرف الرجال العظام الذين نثرتهم في العالم العربي خاصة، فلا نحكم عليها بما فعل (دانيال بلس) ولا بما يقول (ستيفن بنروز). ولكننا كنا نود أن لو كان الذين تولوا أمر الجامعة أصدق في التعبير عن حقيقة أنفسهم وأبصر بمقام الجامعة الحقيقي.
لما صدر هذا الكتاب أثار ضجة شديدة في الجامعة الأمريكية خاصة. ولقد توجه
стр. 107
إلينا عتبان أساسيان، لا سيما ونحن مؤلفي هذا الكتاب، من خريجي الجامعة الأمريكية.
أما العتبان فهما:
١ - أننا حملنا من اللوم على الجامعة الأمريكية أكثر مما حملنا على الجامعة اليسوعية مثلاً.
٢ - أن الجامعة الأمريكية نشأت نشأة تبشيرية، ولكنها اليوم ليست مؤسسة تبشيرية.
أما العتب الأول، أو الاعتراض الأول على الأصح، فالرد عليه يسير جدًا. إن الكتب التي كتبها المبشرون الأمريكان أكثر من تلك التي كتبها المبشرون الفرنسيون. ومن هنا فقط جاء عدد الصفحات التي خصصنا بها الجامعة الأمريكية. هذا من ناحية. أما من الناحية الثانية فإن المادة التبشيرية التي جمعناها عن اليسوعيين لا تقل من حيث الأهمية ولا من حيث الأذى السياسي الذي نزل ببلادنا عن تلك التي جمعناها عن الأمريكان، بقطع النظر عن عدد الصفحات. وأما العتب الثاني فالكلام عنه أشد تعقيدًا.
لا شك في أن سياسة الجامعة الأمريكية اليوم تختلف عما كانت عليه في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. إن النظر إلى التبشير قد تبدل عند المبشرين أنفسهم. فليسمح لنا أصدقاؤنا في الجامعة الأمريكية في بيروت أن نضع أمامهم الحقائق التالية:
١ - هناك شاب من صيدا كان طالبًا في الجامعة الأمريكية في بيروت وتخرج فيها برتبة بكالوريوس علوم عام ١٩٤٣، وقد صبأ هذا الطالب إلى النصرانية في أثناء وجوده تلميذًا في الدائرة العلمية. هنالك شاب آخر من جنوبي لبنان [كان] طالبًا في الجامعة الأمريكية تخرج فيها برتبة بكالوريوس علوم ١٩٤٤ وبرتبة أستاذ علوم عام ١٩٤٧. وكان قد علم في الجامعة الأمريكية في بيروت من عام ١٩٤٤ إلى العام ١٩٤٧. ثم إنه نال شهادة الدكتوراه عام ١٩٤٩ من جامعة أدنبرة. ولقد صبأ أيضًا إلى النصرانية وهو اليوم أستاذ في الجامعة. هذان تلميذان في الجامعة الأمريكية في بيروت صَبَأَ صَبَأً! إلى النصرانية بالأمس القريب وبين جدران الجامعة، فقول القائلين بأن الجامعة تركت سياسة التبشير القديمة بين طلابها قول تقوم الشواهد على خلافه.
٢ - إن مفهوم التبشير قد تبدل الآن. في العاشر من تشرين الثاني عام ١٩٥٤، وكنت قد بدأت أنا والدكتور خالدي بجمع مَوَادَّ جَدِيدَةٍ للطبعة الثانية، كتبت إلى الدكتور (بنروز) رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت أسأله عما إذا كانت الجامعة الأمريكية مؤسسة علمية بحت أو أن لها طابعًا علميًا وتبشيريًا مَعًا. وقد أجابني الدكتور (بنروز) في الثاني من الشهر المذكور جوابًا مطولاً قال فيه: إن الجامعة الأمريكية في بيروت لم تكن
стр. 108
على الحصر مؤسسة «تبشيرية»، مع أن الإرسالية الأمريكية البروتستانتية هي التي أنشأت تلك الجامعة. ثم قال الدكتور (بنروز): إن جميع رؤساء الجامعة قبله كان قِسَسًا، أما هو شخصيًا فلم يكن قسيسًا، وأن أطروحته لنيل الدكتوه كانت في الفلسفة ولم تكن في الفقه أو اللاهوت.
أما فيما يتعلق بسؤالي عن الطابع التبشيري للجامعة فقد قال الدكتور (بنروز) في رسالته المذكورة إِلَيَّ: «إِنَّ الجَامِعَةَ ... لاَ تَقُومُ بِجُهْدٍ لِتَجْعَلَ الطُّلاَّبَ يَصْبَأُونَ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ ... إِنَّنَا عَلَى كُلِّ حَالٍ نَهْتَمُّ بِأَنْ نُثِيرَ فِي طُلاَّبِنَا الاِهْتِمَامَ بِالأُمُورِ التِي تَتَّصِلُ بِالدِّينِ عُمُومًا (لاَ بِدِينٍ خَاصٍّ) ... فَإِذَا كُنْتَ تُعِدُّ هَذَا نَشَاطًا تَبْشِيرِيًّا، وَجَبَ عَلَيَّ أَنْ أَقُولَ إِنَّنَا تَبْشِيرِيُّونَ وَلَكِنْ بِهَذَا المَعْنَى فَقَطْ ...».
ثم يقول الدكتور (بنروز): «إِنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُعَقَّدَةٌ، وَأُحِبَّ أَنْ لَوْ نَجْتَمِعَ لِنَبْحَثَ فِيهَا بِتَفْصِيلٍ أَوْفَى» .. ولكني أنا لم أجد ضرورة للإسراع بضرب موعد لكثرة العمل المدرسي في مطلع السنة الدراسية - تشرين الثاني. وَجَاءَ أَمْرُ اللهِ وتوفي الدكتور (بنروز) في التاسع من كانون الأول من العام ١٩٥٤ نفسه. وحاولت بعد ذلك أن أثير الموضوع مع بعض خلفه فلم أجد عنده قبولاً للخوض فيه. ثم باحثت الأستاذ (فؤاد صروف)، نائب رئيس الجامعة الأمريكية المولج بالصلات الاجتماعية، فأكد اهتمام الجامعة بإذكاء الحياة الروحية بين الطلاب.
ومما يتصل بموضوعنا هنا أن الجامعة الأمريكية في بيروت تحتضن حركتين متصلتين اليوم بالاستعمار اتصالاً وثيقًا: حلف بغداد (أو سياسة المعسكر الغربي) ثم الدعوة إلى اللغة العامية مكتوبة بالحروف اللاتينية. أما الدعوة العامية فالبحث فيها سيأتي في فصل يتلو. وأما سياسة المعسكر الغربي فمكان البحث فيها هنا.
تُجْمِعُ البلاد العربية، باستثناء حكومة العراق قبل تأميم قناة السويس، على أن سياسة الأحلاف الأجنبية أمر يجلب الأذى على العرب. ولكن الجامعة وأساتذة الجامعة - والمعنى واحد - تقف إلى جانب حلف بغداد لأنه أمريكي وتسفه رأي خصومه. وقد نشر (جورج كيرك)، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في الجامعة، مقالاً في " مجلة الكلية " يسفه فيه رأي العرب - أو مصر خاصة والعرب عامة - لأن العرب لما أيسوا من التسلح من دول الغرب التي سلحت اليهود وتسلح دولتهم اليوم بكل كرم وتعينها في اعتداءاتها المتكررة على تخوم البلاد العربية، بدأوا يعقدون صفقات لشراء أسلحة تشيكوسلوفاكية على أسس تجارية بحت. ولكن (جورج كيرك)، الأستاذ في الجامعة الأمريكية، نصب
стр. 109
نفسه هازئًا بالعرب وبقصر نظرهم في السياسة، ثم أخذ يهول على العرب بالنتائج الوخيمة التي ستنال العرب من جرأة صفقة الأسلحة هذه.
نحن لا نطلب من (جورج كيرك) أن يتبنى نظر العرب ولا أن يستيقظ ضميره من هول الجريمة البريطانية الأمريكية في فلسطين، ولكننا كنا ننتظر من أستاذ الجامعة الأمريكية أن يترك هذا الموضوع للجرائد وألا ينغمس هو فيه ويغمس معه الجامعة الأمريكية. على أن الجامعة الأمريكية ستقول إن (جورج كيرك) يمثل نفسه، وهو حر في أن يكتب ما يشاء ولا صلة للجامعة بما كتب. ولكن هذا القول مردود رأسًا. إن الجامعة الأمريكية لن تسمح لـ (جورج كيرك)، ولا لغيره (جورج كيرك)، من أساتذتها، بأن يشجبوا حلف بغداد وأعمال النقطة الرابعة أو أعمال لجنة الإغاثة أو أن يدللوا على جريمة الولايات المتحدة في خلق إسرائيل ومدها بأسباب الحياة، أو أن يكتبوا عن همجية الشعب الأمريكي في معاملته للأمريكيين الزنوج والحمر. إن الجامعة الأمريكية، وإن كل مؤسسة كالجامعة الأمريكية، مسؤولة عن رأي أساتذتها في الأمور العامة، وإلا فأي ضرورة تبقى لوجودها بعد ذلك؟.
حينما كنا طلابًا كنا نتخذ القرار بالإضراب السياسي في قلب الجامعة الأمريكية، وكانت المظاهرات تتحرك من الجامعة الأمريكية - معقل الوطنية - ثم كان الطلاب يعودون من المظاهرات ويدخلون إلى صفوفهم في اليوم التالي كَأَنَّهُمْ آتُونَ مِنْ عُطْلَةٍ أو راجعون من رحلة أو عائدون من مباراة في كرة القدم. وأذكر مرة أن طالبًا من ضعاف الإيمان لم يشأ أن يضرب في يوم إضراب فدخل إلى الصف. ولكن المعلم الأمريكي قال له: «اخْرُجْ إِلَى رِفَاقِكَ، إِنَّهُ عَارٌ عَلَيْكَ أَنْ تَدْخُلَ إِلَى الصَّفِّ وَهُمْ مُضْرِبُونَ». أما اليوم فإن الطلاب الذِينَ يُضْرِبُونَ يُعَاقَبُونَ وَيُطْرَدُونَ، لأن الإضراب اليوم في أكثر الأمور معناه الاستياء من السياسة الأمريكية في الشرق العربي
• • •
٤ - سَائِرُ المَدَرِاسِ الأَمِرِيكِيَّةِ:
إن الكلمة المفصلة التي سبقت في الكلام على الجامعة الأمريكية (والكلية السورية الإنجيلية سابقًا) تغنينا عن التفصيل في الكلام على المؤسسات التعليمية التي نثرها الأمريكيون في بلدان الشرق. وسنقتصر في هذا الكتاب على ذكر " كلية جيرارد " في صيدا في الجمهورية اللبنانية.
стр. 110
نشأت " كلية جيرارد "، أو كلية الأمريكان في صيدا (١) من حاجة تبشيرية خاصة. إن المبشرين الأمريكيين كانوا قد أدركوا، بعد خمس عشرة سنة من التجارب، أن المتخرجين من الكلية السورية الإنجيلية في بيروت لا يصلحون لأعمال التبشير في القرى، ذلك لأنهم يأتون عادة من بيئة بعيدة عن القرى ثُمَّ يَقْضُونَ سِنَّيْ تَعْلِيمِهِمْ وتدريبهم في بيئة حضرية. من أجل ذلك قرر المبشرون الأمريكيون إنشاء مدرسة عالية في مكان قريب من البيئة القروية لإعداد معلمين ومساعدين على التبشير في القرى نفسها (٢).
ومثل هذا يقال في الكليات الأمريكية المختلفة في خربوط وعينتاب ومرعش وطرسوس (٣)، وفي طرابلس والقاهرة وحلب وسواها.
٥ - " كُلِّيَّةُ غُورْدُنْ " فِي الخُرْطُومِ (الإِنْجْلِيزِيَّةِ):
ومن أطرف ما يمكن أن يستشهد به هنا موقف المبشر (هنري جسب) ورأيه في " كلية غوردن " في الخرطوم بالسودان المصري.
أسس الإنجليز عام ١٩٠٣ كلية في الخرطوم سموها " كلية غوردن " باسم ضابط إنكليزي هو (تشارلس غوردن)، ويعرف أيضًا باسم (غودرن باشا). وكان (غوردن) قد قُتِلَ فِي السودان لما استولى المهدي على الخرطوم عام ١٨٨٥.
عرض المبشر (جسب) لسياسة الحكومة الإنجليزية في هذه المؤسسة فسماها «فضيحة " كلية غوردن "» ثم قال: «إِنَّ الحُكُومَةَ الإِنْجْلِيزِيَّةَ لَمَّا قَرَّرَتْ فَتْحَ هَذِهِ الكُلِّيَّةَ جَمَعَتْ لَهَا مِائَةَ أَلْفَ جُنَيْهٍ مِنَ إِنْكْلِتْرَا، وَلَكِنَّهَا أَغْلَقَتْهَا فِي وَجْهِ التَّبْشِيرِ المَسِيحِيِّ». ثم يستغرب (جسب) كيف أن هذه الكلية تعلم القرآن ولا تعلم التوراة والإنجيل، ثم تفتح أبوابها يوم الأحد وتعطل دروسها يوم الجمعة. بعدئذٍ يتابع (جسب) حملته الشعواء فيقول: «وَمَا دَامَ (غُورْدُنْ) مَسِيحِيًّا فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الكُلِّيَّةُ التِي سُمِّيَتْ بِاسْمِهِ تَبْشِيرِيَّةً مَسِيحِيَّةً، لاَ أَنْ تَكُونَ حِجَابًا بَيْنَ السُّودَانِيِّينَ وَبَيْنَ التَّوْرَاةِ» (٤).
إن (جسب) يريد أن تكون المدرسة المسلمة بتلاميذها والمسلمة بالإدارة في بلادها، لأن
стр. 111
الحكم في السودان كان إنكليزيًا مصريًا (١) مؤسسة تبشيرية مسيحية، لأن الرجل الذي تحمل تلك الكلية اسمه كان مسيحيًا.
٦ - المُؤَسَّسَاتُ الفِرَنْسِيَّةِ:
تختلف المؤسسات الفرنسية عن المؤسسات الأمريكية في أنها تحمل اسمها على ثيابها، سواءً أكانت بروتستانتية أم كاثوليكية. وقد يجوز لنا أن نستثني المؤسسات العلمانية التي تهتم ببسط السياسة والثقافة الفرنسيتين أكثر من بسط المذهب الكاثوليكي أو البروتستانتي.
وإذا نحن اقتصرنا في الكلام على مؤسسة واحدة من هذه، على المؤسسة اليسوعية فإننا لا نعدو الصواب لأن هذه المؤسسات كلها توجه من مكان واحد، من رومية، ومن فرنسا أحيانًا: توجه توجيهًا دينيًا من رومية وتوجيهًا دينيًا سياسيًا من فرنسا.
كانت سورية على الأخص ميدانًا للسباق بين البروتستانت الأمريكيين وبين اليسوعيين ذوي اللون الفرنسي. ويظهر أن اليسوعيين بدأوا يتسربون إلى سورية منذ القرن الثامن عشر حينما أنشأوا مدرسة عينطورة في مقاطعة كسروان في جبل لبنان في عام ١٧٣٤ ثم تخلوا عنها للرهبان اللعازريين. وبعد مائة عام، بعد حملة إبراهيم باشا على سورية، عاد اليسوعيون إلى سورية بنشاط جديد، وأخذوا ينافسون البروتستانت منافسة شديدة (٢). ولقد اهتم اليسوعيون في أول أمرهم بالتعليم الديني لاعتقادهم أنهم إذا سيطروا على رجال الدين المسيحي، بأعدادهم في مدارسهم هم، استطاعوا أن يسيطروا على القرى النصرانية كلها (٣). وكان الاستعمار في التعليم اليسوعي ظاهرًا غير مستتر، كما كان عند منافسيهم. ولذلك بنوا برنامج مدارسهم منذ ١٨٦٤ على البرنامج الفرنسي رأسًا مع إضافة دروس اللغة العربية (٤). ولقد بسط هؤلاء غايتهم من ذلك فقالوا: إن اليسوعيين مبشرين يريدون أن يقدموا إلى تلاميذهم النصارى العلم مع التعليم، وفي الوقت نفسه يريدون أن يجعلوهم يعرفون فرنسا ويحبونها (٥).
стр. 112
ولقد كان اليسوعيون قد اختاروا بلدة " غزير " للتعليم، لما كان منافسوهم قد اختاروا بلده " عبيه " للغاية عينها. فلما انتقل الأمريكيون إلى بيروت لم تبق " غزير " في رأي اليسوعيين المركز الذي يمكن الكاثوليك من الدفاع عن عقائدهم في ميدان العلم والتعليم، ولذلك عزموا على نقل كليتهم من " غزير " إلى بيروت أيضًا (١). وَنَعَمَ اليسوعيون في القرن الأخير بامتيازات لم تتوفر للأمريكيين. أجل، إن الانتداب قد رفع الرقابة عن أعمال الأمريكيين وترك لهم الحرية في نشاطهم الديني، ولكن الانتداب نفسه قد سخر جيوشه ورجاله لخدمة اليسوعيين. قال اليسوعيون: «كَانَ المُبَشِّرُونَ اليَسُوعِيُّونَ فِي أَوَّلَ أَمْرِهِمْ (قَبْلَ الاِنْتِدابِ الفِرَنْسِيِّ عَلَى سُورِيَّةَ) يُنْشِئُونَ المَدَارِسَ فِي جَبَلِ الدُّروزِ ثَمَّ يُغْلِقُونَهَا إذَا قَصَّرَتْ مَوَارِدُهُمْ الاِقْتِصَادِيَّةُ عَنْ إِدَرَاتِهَا. وَلَكِنَّ التَّعْلِيمَ (التَّبْشِيرِيَّ) اليَوْمَ - أَيْ بَعْدَ الاِنْتِدابِ - وَخُصُوصًا فِي جَبَلِ الدُّروزِ يَقُومُ عَلَى تَعَاوُنٍ وَثِيقٍ بَيْنَ المُبَشِّرِينَ وَبَيْنَ السُّلُطَاتِ العَامَّةِ» (٢).
ولا نحب هنا أن نسهب في الكلام على المؤسسات اليسوعية ولا المؤسسات الشبيهة بها، فالغايات اليسوعية معروفة. ولكن الغريب أن اليسوعيين لا يزالون في لبنان وحده قوة تتحدى كل إصلاح في التعليم الرسمي. إلا أن هذا الكتاب ليس موضعًا لبحث ذلك.
علينا أن نقتدي بأمم الغرب التي لم تستطع بلادها أن تسير في معارج الاستقلال والرقي إلا بعد أن وضعت اليسوعيين خارج حدودها: يجب أن نتعلم من غيرنا ما ننفع به أنفسنا.
لقد تعثر الشرق في حياته السياسية والقومية لأن المدارس الأجنبية المختلفة قد فرقت أبناء الوطن الواحد طرائق مختلفة فشتتت أهدافهم وباعدت بين الطرق إلى تلك الأهداف. إن التعليم قوة توجيهية عظيمة، فلا يجوز أن تكون في أيد أجنبية تلعب بها وتستغلها لمآرب وأغراض أجنبية.
إن التعيم الوطني الموحد، ولو كان ناقصًا بعض النقص، أفضل من التعليم الأجنبي المتنافر، ولو كان كاملاً كل الكمال.
стр. 113
الفَصْلُ الخَامِسُ: السِّيَاسَةُ طَرِيقُ التَّبْشِيرِ:
١ - تَعَاوُنُ التَّبْشِيرِ وَالسِّيَاسَةِ:
لقد خابت الجمعيات التبشيرية في جهودها الفردية بين المسلمين: لقد تبين لهذه الجمعيات، لأسباب كثيرة، أن انتقال المسلم من الإسلام إلى النصرانية قد يتم في العام بعد العام. وهذا يعني أن الجهود التي يبذلونها لا تتناسب مع النتائج التي يجنونها، فيجب البحث إذن عن طريق أشد تأثيرًا وأكثر عائدة.
أما الأسباب الحقيقية التي تصرف المسلم عن هذا الانتقال - كما ذكرها المبشرون أنفسهم - فلن نتعرض لها، ذلك لأنها تثير مشكلة عظيمة بين مواطنين في الشرق يعيشون على الأخوة والوداد، وهذا أبعد شيء عن غايتنا في هذا الكتاب. إن لكتابنا هدفًا واحدًا: نحن نريد أن نبرهن على أن رجال الدين الأجانب هم المسؤولون عن نكبات الشرق السياسية والخلقية، وعن الفتن التي كانت تثور بين أهل الأديان والمذاهب، وأن أهل الوطن الواحد على اختلاف أديانهم ومذاهبهم كانوا دائمًا ضحايا بريئة.
ولما رأى المبشرون أن الجهود الفردية في نشر المذاهب المسيحية الغربية في الشرق وبين المسلمين خاصة، قليل الجدوى تلفتوا، منذ زمن قديم جِدًّا، إلى سبل أحسن تمهيدًا وأشد تأثيرًا فلجأوا إلى حكوماتهم. وبعد أن رضي المبشرون أَنْ يَجْعَلُوا أَنْفُسَهُمْ وَالدِّينَ آلَةً طَيِّعَةً فِي يَدِ دُوَلِهِمْ، انتهزت تلك الدول هذه الفرصة وجعلت تساعد المبشرين. إلا أنها في الحقيقة كانت تسعى إلى أهدافها السياسية والاقتصادية الخاصة باستغلال المبشرين والدين.
وللمدارس الفرنسية، مدارس الإخوان النصارى (الفْرِيرْ) والمدارس اليسوعية وما يتصل بها كلها من مدارس الراهبات وسواها، مشاكل خاصة ليست لمدارس
стр. 114
الأمريكيين والإنجليز في الشرق. إن المدارس الفرنسية تتبع سياسة واحدة دائمة وقيادة واحدة في الأكثر. هذه المدارس الفرنسية لا تسعى إلى استغلال النشاط القومي في تعليم أهل البلاد ولا هي تسعى إلى إبراز الخصائص الوطنية حيث تفتح أبوابها لأبناء البلاد التي تكون فيها، ولكنها تجهد في أن تجعل من أبناء البلاد الذين تعلمهم، سواء أكانت تلك البلاد مراكش أو مصر أو إيران أو الهند - الصينية، أشباهًا لأبناء فرنسا نفسها في المظهر واللغة وأسلوب التفكير والتعلق بِفِرَنْسَا المُسْتَعَمِرَةِ.
وللمدارس الفرنسية المذكورة منهاج خاص موحد تسير عليه مصنوع في غير البلاد التي تقوم فيها. إنه منهاج افرنسي استعماري في كل شيء. من المشهور أن طلاب المدارس الفرنسية يعرفون جغرافية فرنسا وتاريخها بتفصيل أوفى من التفصيل الذي يعرفون به بلادهم. إنهم يعرفون هضاب فرنسا وروافد أنهارها ويعرفون مفردات الصادرات منها والواردات إليها معرفة دقيقة، ثم هم يقرأون من تاريخ فرنسا ما لا يقرأون من تاريخ بلادهم. وإذا نحن استعرضنا الكتب التي تدرس في تلك المدارس ألفيناها الكتب التي تدرس في فرنسا نفسها. تلك كانت الحال أيضًا في لبنان قبل زوال الانتداب الافرنسي. ومع ذلك فإن هنالك جهودًا كثيرة مبذولة اليوم للحيلولة دون تبديل تلك السياسة. إن في لبنان اليوم معركة حامية الوطيس حول تبديل المناهج وتعديلها وحول رقابة الحكومة اللبنانية على ميزانيات تلك المدارس وعلى دخول المفتشين اللبنانيين إليها. ولولا أن في تلك المدارس نفرًا من المدرسين الوطنيين الذين امتلأت صدورهم بالعزة الوطنية (لأن عددًا كبيرًا من المدرسين في تلك المدراس من الرهبان الأجانب أو من الأجانب غير الرهبان) لما أمكن أن ينشأ في لبنان تعاون بين أساتذة المدارس المختلفة في سبيل المعلم اللبناني وفي سبيل خير التعليم في لبنان.
الحُرُوبُ الصَّلِيبِيَّةُ:
من الأمور التي أصبحت معروفة في أسباب الحروب الصليبية أن تلك الأسباب كانت في ظاهرها دينية، غايتها تخليص بيت المقدس من يد المسلمين، بينما كانت في حقيقتها سبيلاً للسيطرة على الشرق الإسلامي بما فيه من خيرات اقتصادية ومراكز حربية.
وأوجز (رشتر) فقال (١): «جَهَدَ الصَّلِيبِيُّونَ طِوَالَ قَرْنَيْنِ لاِسْتِعَادَةِ الأَرْضِ
стр. 115
المُقَدَّسَةِ مِنْ أَيَدِي المُسْلِمِينَ المُتَعَصِّبِينَ، فَكَانَ عَهْدُ الحُروبِ الصَّلِيبِيَّةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْوَعَ العُهُودِ فِي العُصُورِ الوُسْطَى كُلَّهَا ... وَلَكِنَّ ذَلِكَ الجَهْدَ قَدْ خَابَ، وَتَرَاجَعَتْ الحَمْلَةُ الصَّلِيبِيَّةُ أَمَامَ سُدُودٍ عَنِيدَةٍ مِنَ التَّعَصُّبِ الإِسْلاَمِيِّ».
ولكن (غاردنر) و (لطفي ليفونيان) قد كشفا عن حقيقة القضية ستارًا آخر، فقد قال (غاردنر) (١): «لَقَدْ خَابَ الصَّلِيبِيُّونَ فِي انْتِزَاعِ القُدْسِ مِنْ أَيْدِي المُسْلِمِينَ لِيُقِيمُوا دَوْلَةً مَسِيحِيَّةً فِي قَلْبِ العَالَمِ الإِسْلاَمِيِّ .. وَالحُروبُ الصَّلِيبِيَّةُ لَمْ تَكُنْ لإِنْقَاذِ هَذِهِ المَدِينَةِ بِقَدْرِ مَا كَانَتْ لِتَدْمِيرِ الإِسْلاَمِ». أما (ليفونيان) فيرى (٢)، وهو على حق، «أَنَّ الحُرُوبَ الصَّلِيبِيَّةَ كَانَتْ أَعْظَمَ مَأْسَاةٍ نَزَلَتْ بِالصِّلاَتِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى فِي الشَّرْقِ الأَدْنَى. لَقَدْ أَحَبَّ الصَّلِيبِيُّونَ أَنْ يَنْتَزِعُوا القُدْسَ مِنْ أَيْدِي المُسْلِمِينَ بِالسَّيْفِ لِيُقِيمُوا لِلْمَسِيحِ مَمْلَكَةً فِي هَذَا العَالَمِ. إِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يُقِيمُوا تِلْكَ المَمْلَكَةِ، وَلَكِنَّهُمْ تَرَكُوا بَعْدَهُمْ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ».
خابت دول أوروبا في الحروب الصليبية الأولى من طريق السيف فأرادت أن تثير على المسلمين حربًا صليبية جديدة من طريق التبشير، فاستخدمت لذلك الكنائس والمدارس والمستشفيات، وفرقت المبشرين في العالم (٣). وهكذا تبنت الدول حركة التبشير لمآربها السياسية ومطامعها الاقتصادية. ولقد استطاع (رامون لل) في عام ١٢٩٩ وعام ١٣٠٠ للميلاد أن يحصل على إذن (الملك يعقوب) صاحب " أرغونة " ليبشر في مساجد برشلونة مُحْتَمِيًا بالسلطة المسيحية في إسبانيا (٤).
وجهدت الكنيسة زمنًا طويلاً لتنصير المغول. فلما اعتنق المغول الإسلام من تلقاء أنفسهم زال أمل كبير من آمال الدول الغربية للسيطرة على الشرق من طريق الدين (٥).
من أجل ذلك كانت جميع الحروب الأوروبية التي شنت فيما بعد على الدولة العثمانية حروبًا دينية صليبية في أساسها (٦). ثم إن هذه العقلية الدينية استمرت إلى العصور الحديثية على الرغم من جميع أوجه التقدم الإنساني والتطور العقلي في البشر. لم يخجل اليسوعيون من معالجة هذه النقطة بأسلوب زَاهٍ لَمَّاعٍ. إنهم قالوا (٧): «أَلَمْ نَكُنْ نَحْنُ وَرَثَةُ الصَّلِيبِيِّينَ، أَوَ لَمْ نَرْجِعْ تَحْتَ رَايَةِ الصَّلِيبِ لِنَسْتَأْنِفَ التَّسَرُّبَ التَّبْشِيرِيَّ وَالتَّمْدِينَ المَسِيحِيَّ وَلِنُعِيدَ، فِي ظِلِّ
стр. 116
العَلَمِ الفِرَنْسِيِّ وَبِاسْمِ الكَنِيسَةِ، مَمْلَكَةَ المَسِيحِ؟».
لم يكن لنا بد من ذكر هذه الفقرات تمهيدًا للبحث المقبل، ولقد اجتزأنا بهذه فقط تجنبًا لكل إثارة مما تحفل به كتب المبشرين وكتب نفر من المستشرقين والمؤرخين من الغربيين.
التَّبْشِيرُ وَالنُّفُوذُ الأَجْنَبِيُّ:
لقد كانت تركيا على حق حينما بدأت، منذ أمد، ترتاب في حركات التبشير في امبراطوريتها، ولا غرو فالمبشر يسبق الجيش إلى كل مكان. ولذلك أخذت تركيا تراقب المبشرين مراقبة دقيقة حتى تضيق عليهم (١). وكان الأتراك يرتابون خاصة بالمبشرين البروتستانت، لأن هؤلاء كانوا يتوارون وراء العلم البريطاني في الأكثر (٢)، وبالمبشرين اليسوعيين لأنهم يعملون للسياسة الفرنسية أيضًا. وكذلك لما تشعبت مطامع الدول في شبه جزيرة العرب جعلت تركيا تحول بين المبشرين وبين بلاد العرب (٣)، كما أنها كانت تقاوم المبشرين في البلاد التركية نفسها (٤). ثم وقفت من المبشرين كلهم موقفًا حازمًا فألقت في سبيلهم العراقيل وعزمت على ألا يصيبوا نجاحًا. وهكذا أصبح التبشير بين المسلمين في الإمبراطورية العثمانية مستحيلاً، للرقابة الشديدة التي فرضتها الحكومة على المبشرين. وبعد أن فتحت الجمعية التبشيرية بضع مدارس (في لبنان) لأطفال الدروز نحو عام ١٨٧٥ اضطرت إلى التخلي عنها أمام حزم الحكومة العثمانية وسهرها (٥).
على أن الحكومة العثمانية لم تستطع أن تتخذ سياسة علنية تجاه المبشرين، ذلك لأن هؤلاء كانوا يأتون في الظاهر كرعايا إنجليز أو أمريكيين أو دانماركيين أو فرنسيين. فإذا استقروا في البلاد أخذوا يقومون بالتبشير سِرًّا ما أمكنهم. ولذلك كان هؤلاء كلما وجدوا مراقبة وسهرًا من الدولة العثمانية لجأوا إلى قناصلهم، وكان القناصل يدافعون عنهم كرعايا أجانب في الظاهر أيضًا. ففي آب من عام ١٨٤١ حينما أرادت الدول الأجنبية أن تخرج إبراهيم باشا من سورية بالقوة وعزمت على ضرب بيروت من البحر، أرسلت الولايات المتحدة سفينة حربية صغيرة اسمها " سيان " (٦) حملت على ظهرها المبشرين إلى " لاَرْنَقَا " في
стр. 117
جزيرة قبرص، وبعد أن انتهى ضرب بيروت وخرج إبراهيم باشا من سورية أعادت الولايات المتحدة مبشريها إلى أماكنهم السابقة في تشرين الأول من السنة نفسها (١).
ولما أدركت الدول الأوروبية أن المبشرين آلة فعالة لتأييد النفوذ الأجنبي في الإمبراطورية العثمانية أخذت تلك الدول تتبارى في استخدام المبشرين، وكان الدور الأول في ذلك للسياسة الإنجليزية (٢). ويظهر أن إنجلترا لم تكن ترهب نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الإسلامي، كما كانت ترهب النفوذين الفرنسي والإيطالي فيه (٣).
ولما فقدت تركيا إمبراطوريتها لم تفقد سياستها الحكيمة تجاه المبشرين، فقد ظلت تمنع الأطفال من دخول مدارس المبشرين قبل أن ينهوا التعليم الابتدائي في المدارس الرسمية. ثم هي كانت توجب أن يكون التعليم الديني في تلك المدارس قاصرًا على المسيحيين وحدهم. أما الآن فمدارس التبشير قد زالت من تركيا ومن سورية أيضًا ومن مصر والسودان. (٤)
ولما بدأت الإمبراطورية العثمانية تضعف مع الأيام أخذت الدول الأجنبية تزيد في تظاهرها بدعم المبشرين. ولقد كان المبشرون يطلبون من دولهم أن تؤيدهم، ولو كان هذا التأييد مخالفًا للعرف الدولي. إن للولايات المتحدة شرعة تسمى (شرعة مونرو) تنص على أن دول نصف الكرة الشرقي (آسيا وأوروبا وأفريقيا) لا يجوز لها أن تتدخل في شؤون نصف الكرة الغربي (أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية). وكذلك لا يجوز للولايات المتحدة أن تتدخل في شؤون الدول الواقعة في النصف الشرقي من الكرة الأرضية ما لم تتعرض المصالح الأمريكية للضياع (٥). ولكن المبشرين الأمريكيين كانوا يودون من الولايات المتحدة أن تخالف (شرعة مونرو) في سبيل التبشير (٦).
السِّلْكُ السِّيَاسِيُّ الأَجْنَبِيُّ يَحْمِي المُبَشِّرِينَ:
وليس من المستغرب أن تستجيب الدول الغربية لرغبة مبشريها، أليس في ذلك تأييد للنفوذ السياسي؟ من أجل ذلك كانت هذه الدول تضغط على الدولة العثمانية بين الحين
стр. 118
والحين من أجل مبشريها، فتلين الدولة العثمانية أمام هؤلاء المبشرين (١). أراد الأتراك مرة إغلاق بعض مدارس التبشير ولكنهم تراجعوا أمام ضغط سياسي لا علاقة له بالتبشير (٢).
ولا حاجة إلى القول بأن وجود حاكم قوي أو ضعيف يؤثر كثيرًا في موقف حكومته من التبشير والمبشرين ... لما تولى الخديوي سعيد باشا أريكة مصر، وكان حاكمًا مستضعفًا أحبه المبشرون لأنه لم يسمح لأحد أن يمسهم بسوء. ثم إنه وهب المبشرين البروتستانت عام ١٨٦٢ قطعة أرض ثمينة في القاهرة إسوة بالإرسالية الكاثوليكية التي كان قد وهبها مثل هذه الأرض من قبل. ولقد تقدمت أعمال التبشير في أثناء حكم سعيد باشا. ولكن لما جاء إسماعيل باشا عام ١٨٦٣ تبدلت الحال لأن إسماعيل باشا كان قويًا فضيق على المبشرين كثيرًا. من أجل ذلك وصف المبشرون إسماعيل باشا بأنه متكبر مستبد، كل ذلك لأنه أراد أن يضع حَدًّا للنفوذ الأوروبي في مصر (٣) لما اهتدى إلى الأصابع الحقيقية التي كانت «تُهَرِّبُ» ذلك النفوذ إلى مصر فقطعها.
وحرصت بريطانيا على أن تحمي الإرساليات البروتستانتية خاصة، سواءً كانت هذه الإرساليات إنجليزية أم أمريكية، أم ألمانية، وكان نفوذ إنجلترا في ذلك الحين قد أصبح فعالاً في الإمبراطورية العثمانية (٤). فمن ذلك أن الحكومة العثمانية أرادت أن تمنع باعة الأناجيل الدوارين من التجول في المدن والقرى، فما زال القناصل يتدخلون حتى حملوا الحكومة العثمانية على العودة إلى السماح لهم بذلك (٥). ومن الحوادث التي تدل على مبلغ اهتمام الدول الأجنبية بالمبشرين - أو بتثبيت نفوذها من طريق المبشرين ما يلي (٦):
أراد الأتراك أن يحموا المسلمين من المبشرين فكان المبشرون يحتجون. ولقد اتفقت حادثة في هذا الباب نقل المبشر (هنري جسب) تفاصيلها إلى (دانيال بلس) رئيس الكلية السورية الإنجيلية، هو يومذاك في لندن، ثم علق عليها بقوله: «هَلْ يُتَاحُ لَنَا أَنْ نَرَى الزَّمَنَ الذِي يُصْبِحُ فِيهِ لِصَلَوَاتِ إِنْجْلِتْرَا المَسِيحِيَّةَ احْتِرَامٌ فِي الشَّرْقِ مَرَّةً ثَانِيَةً؟». فما كان من (دانيال بلس) إلا أن نقل هذا الكتاب إلى المحترم (جونس)، أمين سر جمعية مساعدة التبشير في تركيا، و (جونس) هذا نقله بدوره إلى الأرل (رسل) وزير الخارجية البريطانية. ثم إن (رسل) أرسل
стр. 119
نسخة منه إلى السير (هنري بلور) وزير بريطانيا المفوض في القسطنطينية. ولكن (بلور) وجد في هذا العمل المتسلسل على هذه الطريقة قلة لياقة فشكا (جسب) إلى قنصل أمريكا طالبًا نفي (جسب). ويتألم (جسب) لأن بريطانيا لا تُعْنَى بأن تمثل إمبراطوريتها تمثيلاً مسيحيًا لدى الباب العالي.
ومع أن طلب (جسب) لم ينفذ فإنه يدل على مبلغ اهتمام الدول الغربية بأمر قد يكون في مظهره تافهًا ولكنه عظيم الأهمية في مدلوله. لقد كانت الدول الغربية تناجز الإمبراطورية العثمانية من وراء الستار، من وراء مبشريها المنتشرين في جميع البلاد.
على أن المبشرين كانوا أحيانًا ينجحون في مسعاهم، فإن الخديوي إسماعيل باشا أراد أن يغلق مدارس المبشرين البروتستانت لأن هؤلاء كانوا يتدخلون في السياسة ويثيرون الاضطراب في البلاد ويزيدون مشاكل الحكومة. ولكن القنصليتين الأمريكية والإنجليزية أيدتا المبشرين وحملتا الحكومة المصرية على أن تتقيد بالخط الهمايوني (بالدستور العثماني) الذي ينص على احترام الحرية الدينية (١). هذا صحيح ولكن الدستور ينص على أن كل صاحب دين أو مذهب حر في أن يتمشى على قواعد دينه أو مذهبه كما يشاء، ولا ينص على أن لبعض الناس أن يحملوا الآخرين على تغيير دينهم بالقوة.
ولقد كان القناصل أنفسهم يعملون أحيانًا للتبشير. حاول المستر (سكين) (٢) قنصل إنجلترا في حلب، أن يسعى (عام ١٨٦٠) إلى تحضير البدو في بادية الشام ليتوصل من هذه السبيل إلى اجتذاب أبنائهم إلى النصرانية. وفي العام التالي تأسست في لندن جمعية للتبشير بين المسلمين ثم اتصلت بالمستر (سكين) في هذا الشأن، ولكن لم يكتب لها النجاح (٣).
وفي عام ١٨٨٨ أغلقت الدولة العثمانية مدارس المبشرين الأمريكيين، لأن هذه المدارس فتحت أبوابها بلا رخصة من الحكومة. ولكن المستر (بسنغر) (٤) قنصل أمريكا في بيروت والمستر (أسكار ستراوس) (٥) تدخلا في الأمر حتى سمح الوالي على رضا باشا بأن تعود تلك المدارس إلى فتح أبوابها، على ألا تقبل إلا التلاميذ المسيحيين. ولكن الوزير والقنصل ما زالا يسعيان حتى حملا الوالي على إلغاء هذا الشرط (٦). وهكذا كانت الدول الأجنبية
стр. 120
تستغل ضعف تركيا السياسي لتحمي المبشرين في أعمال التبشير، مع أن الولايات المتحدة مثلاً لا يمكن أن تسمح لمدرسة أن تستقبل الطلاب الأمريكيين بلا رخصة ثم تلقنهم فوق ذلك ما يخالف المبادئ الأمريكية.
ولما صعب على المبشرين البروتستانت الوصول إلى المسلمين التفتوا إلى الأرثوذكس والأرمن. حينئذٍ لجأ بطريرك الأرمن إلى الباب العالي، فحرص الباب العالي على أن يحمي الأرمن من المبشرين البروتستانت. فتدخل السفير البريطاني (السير سترافورج كاننج) (١) ثم ما زال يسعى حتى استطاع عام ١٨٥٠ أن يحصل على فَرَمَانْ يعترف بوجود طائفة بروتستانتية وطنية منحت من الحقوق ما يتمتع به الأرثوذكس والأرمن في الإمبراطورية العثمانية (٢). ومعنى هذا أن المبشرين البروتستانت أصبحوا يعملون من وراء ستار الطائفة البروتستانتية الوطنية فلا تستطيع الدولة حينئذٍ أَنْ تَعُدَّ البروتستانت أجانب فتحاول أن تكسر نشاطهم، أو أن تمنعهم من العمل جهارًا أيضًا. (٣)
ومن الأدلة القاطعة على أن حماية المبشرين كانت تحمل طابعًا سياسيًا لا دينيًا أن (المستر أوسكار ستراوس)، وزير الولايات المتحدة المفوض في تركيا، كان يهوديًا. ومع ذلك فإنه كان يساعد المبشرين النصارى ويقول: «أَنَا أَمَرِيكِيٌّ فِي الدَّرَجَةِ الأُولَى ثُمَّ أَنَا يَهُودِيٌّ». ولما سحبته الولايات المتحدة من استانبول أسف المبشرون لذلك (٤).
الجِنْسِيَّةُ الأَجْنَبِيَّةُ:
أما إذا اتفق أن اعتنق رجل النصرانية أو انتقل إلى المذهب البروتستانتي فكان القناصل والرجال السياسيون الأجانب يأخذونه تحت جناحهم عَلَنًا ويتدخلون في كل صغيرة وكبيرة من أجله حتى في الأمور الداخلية البحت (٥). ولقد اشتهر ذلك عنهم:
لما انهزم يوسف كرم جاء فلاح من رجاله إلى المبشر الأمريكي (هنري جسب) وأفضى إليه بأنه يريد أن «يُقْلَبَ إِنْجْلِيزِيًّا»، أي أن يصبح بروتستانتيًا. ولما سأله (جسب) عن الدافع الحقيقي لرغبته هذه، قال له: «إِنِّي مِنْ رِجَالِ يُوسُفْ كَرَمْ وَقَدْ فَرَرْتُ بَعْدَ الهَزِيمَةِ، فَإِذَا قَبَضَ الأَتْرَاكُ عَلَيَّ الآنَ أَعْدَمُونِي. فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُصْبِحَ بْرُوتِسْتَانْتِيًّا حَتَّى أَنَالَ حِمَايَةَ
стр. 121
إِنْجْلِتْرَا» (١). وهكذا كان كثيرون يتظاهرون باعتناق البروتستانتية مثلاً لينالوا حماية أو ينالوا مالاً (٢).
على أن ميدان التدخل السياسي من طريق التبشير لم يبق ميدانًا للأمريكيين والإنجليز وحدهم، فإن روسيا القيصرية أيضًا أرادت أن تدلي دلوها. لقد تنبهت روسيا إلى أن في الإمبراطورية العثمانية طائفة أرثوذكسية فأرادت أن تسيطر أولاً على البطاركة والأساقفة الأرثوذكس وتتخذهم وسيلة إلى تحقيق أطماعها السياسية في الإمبراطورية العثمانية. وهكذا أخذ الروس يشترون الأراضي في فلسطين خاصة ويقيمون عليها الأبنية ويتدخلون، ساعة يستطيعون، في الأمور الدينية والسياسية.
على أن نزول روسيا إلى الميدان لم يكن نقمة كبيرة على البلاد، بل كان ينطوي على نغمة، هي أن المساعي الروسية في حقل التبشير وقفت في وجه المساعي الأمريكية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية أيضًا. ولما أرادت الدولة العثمانية أن تخرج المبشرين الأمريكيين من البلاد اعتقد بعضهم أن ذلك كان نتيجة لمسعى روسي (٣).
اليَسُوعِيُّونَ أَيْضًا:
وكذلك كان لليسوعيين صولة في الإمبراطورية العثمانية لأن الدول الغربية عمومًا وفرنسا وإيطاليا والبابوية خصوصًا كانت تحميهم وتؤيدهم (٤)، ولأن المؤسسات الكاثوليكية في الشرق كانت كثيرة. ويستغرب (جسب) كيف أن فرنسا قد طردت اليسوعيين من بلادها (٥) ثم هي تنفق عليهم في الخارج ملايين الفرنكات ذهبًا. ولا غرو فإن فرنسا كانت ترسل اليسوعيين إلى الخارج عمالاً سياسيين لها ودعامة اجتماعية لآرائها وخالقي مشاكل في سبيل مصالحها. ومع أن فرنسا كانت عدوة لليسوعيين في بلادها فإنها كانت لليسوعيين في الخارج الصنم الذي يعبدونه، وكان اليسوعيون يعدون كل من تعرض لفرنسا تعرضًا للبابا نفسه (٦).
стр. 122
وظل اليسوعيون يعملون بصمت في ثيابهم السود حتى جاء الانتداب الفرنسي فكشفوا القناع عن وجوههم (١)، وأخذوا يتشدقون بملء أفواههم، قالوا في كتابهم " المثنوي " (٢): «أَجَلْ، لَقَدْ كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى مُسَاعَدَةِ فِرَنْسَا الظَّافِرَةَ، وَالآنَ هَا هِيَ فِرَنْسَا هُنَا». إن فرنسا المنتدبة كانت تأتي إلى بلادنا بالموظفين الفرنسيين الذين يماشون اليسوعيين في سياستهم، وتخلق من موظفي بلادنا من يفعل مثل ذلك.
اليَسُوعِيُّونَ وَالمُفَوِّضْ السَّامِي الفِرَنْسِيُّ:
كان اليسوعيون لا يقيمون وزنًا للتنصير الفردي، بل كانوا يسعون إلى التنصير الإجماعي، ولذلك وجهوا اهتمامهم إلى بلاد العلويين للجهل الذي كان يخيم على تلك الربوع في ذلك الحين. ففي أول أيلول عام ١٩٢٥ (ذكرى إعلان لبنان الكبير) دعا المفوض السامي الفرنسي عددًا من الراهبات ليذهبن إلى " صافيتا " في بلاد العلويين. ويخون اليسوعيون كتمانهم فيقولون: إن هذه المؤسسة (مدرسة الراهبات في " صافيتا ") ستدعى يومًا إلى أن تلعب دورًا عظيمًا في التبشير الذي بدأ قبل أمد بين العلويين أو النُّصَيْرِيِّينَ (٣).ولم يكن اليسوعيون مازحين، فقد مثلوا هم، لا الراهبات، وبحراب الفرنسيين لا بالدعوة الصالحة، ما بَيَّتُوهُ: لقد جمعوا عام ١٩٣٠ نفرًا من العلويين في " جنينة رسلان " وحملوهم على أن يقروا بالمذهب الكاثوليكي (٤). ويبدو أن تبشيرًا كثيرًا في العالم قام على الحديد والنار، لاَ حُبًّا بالنصرانية التي تكره الحديد والنار، بل بالسياسة التي لا تعرف المثل العليا إلا وسيلة إلى منافعها المادية.
ويهمنا أن نعود الآن إلى المفوض السامي الفرنسي الذي بدأ هذه الحركة عام ١٩٢٥. إنه كان الجنرال (ساراي). والمشهور أن (ساراي) كان علمانيًا لا دينيًا، ومع ذلك فقد كان يحمي اليسوعيين. إن الجنرال (ساراي) كان في الحقيقة ينفذ خطة سياسية ولم يكن يعطف على حركة دينية إلا بمقدار ما تساعده هذه الحركة على إحكام خطته.
стр. 123
[صورة]
«وانشغل ضباطه وخلفاؤه، أول الأمر، باكتشاف جزيرة هايتي (اسبانيولا) واحتلالها، وكانت ما تزال في داخلها أراض شاسعة مجهولة وقد تولى هذه المهمة كل من دييغو فيلاسكيز وبانفيلو دو نارفيز، فأبدينا من ضروب الوحشية ما لم يسبق له مثيل، مفتنين في تعذيب سكان الجزيرة بقطع أناملهم وَفَقْءِ عُيُونِهِمْ، وصب الزيت المقلي، والرصاص المذاب في جراحهم، أو بإحراقهم أحياء على مرأى من الأسرى ... ليعترفوا بمخابئ الذهب، أو ليهتدوا إلى الدين! وقد حاول أحد الرهبان إقناع الزعيم (هاتيهاي) باعتناق الدين، وكان مربوطًا إلى المحرقة، فقال له: إنه إذا تعمد يذهب إلى الجنة ... فسألة الزعيم الهندي: " وهل في الجنة إسبانيون؟ " فأجابه الراهب: " طبعًا، ما داموا يعبدون الإله الحق! " فما كان من الهندي إلا أن قال: " إذن، أنا لا أريد أن أذهب إلى مكان أصادف فيه أبناء هذه الأمة المتوحشة! "».
غدًا اكتشاف الأوقيانوس الهادئ
[جريدة " الحياة " (بيروت)، السنة ٩، العدد ٢٤٩٤، الأربعاء ٢٣ حزيران ١٩٥٤، ٢٣ شوال ١٣٧٣ هـ.]
стр. 124
وهكذا نرى إلى أي حد كان التبشير والسياسة يتعاونان، كانت السياسة تعمل مقنعة من وراء المبشرين [الذين] كانوا بدورهم يعملون مقنعين بقناع التعليم والتطبيب وبذل الإحسان. ثم إن رجال السياسة كانوا إذا دافعوا عن المبشرين لم يدافعوا عنهم كمبشرين بل كأمريكيين أو إنجليز أو فرنسيين أو، على الأقل، كأجانب ليس لهم من دولهم ممثل يحميهم ويسهر على مصالحهم.
حتى رجال السياسة العلمانيون كالجنرال (ساراي)، المفوض السامي الفرنسي في سورية ولبنان يوم نشبت الثورة السورية عام ١٩٢٥، واليهود كـ (أوسكار ستراوس)، كانوا يتفانون في خدمة رجال الدين الأجانب ثقة منهم بأن مساعي البروتستانت والكاثوليك على السواء إنما تعني، في النهاية، تصدير البضائع إلى شعوب الشرق أو الحصول على مراكز حربية في البلاد الشرقية.
سِيَاسَةُ الجِزْوِيتْ:
واليسوعيون يتدخلون في السياسة الداخلية ويحاولون أن يؤثروا على مجاري الساسة الخارجية. ثم هم يرتكبون في سبيل ذلك الفظائع والمجازر ويسلبون وينهبون ويقتلون. وهم يحاولون في كل بلد نزلوا فيه وبلغوا شيئًا من القوة أن يستولوا على الحكم أو أن يملأوا مناصب البلاد بطلابهم ثم يحاولوا القضاء على خصومهم وعلى الجماعات التي لا تخضع لهم.
стр. 125
ثم هم يقاومون كل الحركات التي تنبه الشعوب أو تجعل لها سبيلاً إلى الحياة المستقلة. يجب أن يظل الناس عبيدًا لهم أو كالعبيد، ولذلك نجد كل شعب «وعى نفسه» وأراد أن يحيا حُرًّا في أرضه سيدًا في أعماله بدأ بطرد اليسوعيين من بلاده. وإنك واجد مصداق ذلك كله في كتاب غايته تبيان ذلك، هو كتاب " سياسة اليسوعيين " تأليف (بيير دومينك) (١).
ولقد أتاح الانتداب الفرنسي حرية واسعة المدى للتبشير في سورية ولبنان. وكانت الكنيسة الكاثوليكية تضع لنفسها حدود هذه الحرية بالتعاون من الموظفين الفرنسيين الذين كانوا كاثوليكًا. أما الدولة المنتدبة فلم تكن تناصر حرية التبشير علنًا، ولا هي ذهبت في ذلك إلى حد يقر الكنيسة الكاثوليكية على تنصير المسلمين إلا إذا حدث ذلك التنصير من غير أن يثير ضجة عامة. ومع ذلك فإن المدارس والمستشفيات والهيئات الاجتماعية وأعمال التنصير المباشر التي كانت الكنائس والإرساليات تقوم بها، كانت كلها تمضي في عملها (التبشيري) من غير أن تلقى من الحكومة عرقلة تذكر. أما المدارس فقد ازدهرت أكثر من جميع المؤسسات الأخرى بما تدفق إليها من الموظفين الأجانب والمساعدات المالية الأجنبية (٢).
ولما استحال على المبشرين الفرنسيين أن ينصروا أحدًا من أهل الجزائر بالقوة أو بالدعوة أرادوا أن يصلوا إلى نفوسهم بسلوك الحيلة: أرادوا إنشاء مركز للتبشير يشبه في مظهره مظاهر الحياة الإسلامية. لقد اقترح (لافيجري) أن يجعل من مدينة بسكرة في الجزائر - في منتصف الطريق بين جبال الأوراس و (بحيرات) شط الغرسة المتصلة بشط الجريد في تونس - زاوية مسيحية. والزوايا الإسلامية، في الحقيقة، كانت ولا يزال أكثرها إلى اليوم مراكز لرجال الطرق الصوفية المختلفة. ورجال الطرق هؤلاء كانوا، ولا يزال بعضهم حتى اليوم، مرابطين: عبادًا في النهار فرسانًا في الليل. ورئيس الزاوية يدعى المرابط، ويكون مع المرابط مقدم واحد أو عدد من المقدمين يساعدونه في قيادة الإخوان، أي الأتباع الذين يعيشون معه في الزاوية. واقترح (لافيجري) أن تسمى الزاوية المسيحية بيت الله. ثم اقترح أيضًا أن يكون لباس «رواد الصحراء» المسلحين، أو الإخوة المسيحيين الذين يعيشون في الزاوية المسيحية مشابهًا للباس «الإخوان» المسلمين ما عدا لباس الرأس، فإن المسلمين يعتمون فوق الشاشية (الكوفية، غطاء الرأس) بينما
стр. 126
أراد (لافيجري) أن يلبس الإخوة المسيحيين القبعه فوق الشاشية.
ولقد اعتقد (لافيجري) أن أتباعه من المبشرين أو رواد الصحراء المسلحين كما كان يسميهم أيضًا، يستطيعون أن يتخللوا بين المسلمين تخللاً سلميًا. لقد أراد (لافيجري) أن يكتسب البدو في صحراء الجزائر ثم يقدمهم عطية إلى فرنسا ... ويأسف (لافيجري) كثيرًا لأن أمانيه لم تتحقق ... ثم كان (لافيجري) يعلن خجله من الأمة الفرنسية لأنه بقي (في منصب الأسقفية في الجزائر) نحو أربعين عامًا في العهود المختلفة، وبين ظهراني شعب مسلم، كان يخضع له، من غير أن يحاول تنصيره. ليس هذا فحسب، بل إنه منع كل محاولة كان بإمكان القسس الكاثوليك أن يقوموا بها في هذا السبيل تصلبًا منه وعنادًا (١).
وكان الفرنسيون - رجال الدولة الفرنسية - يعدون التبشير بالمذهب الكاثوليكي، أو الدين الكاثوليكي (٢)، عملاً وطنيًا. يقول (رينه بوتيه) في كتابه " الكاردينال لافيجري" (٣): «إِنَّ العَمَلَ الذِي قَامَ بِهِ (لاَفِيجِرِي) بَدَأَ مَعَ عَمَلِهِ التَّبْشِيرِيِّ، بَدَأَ بِنَشْرِهِ عَلَى السُّورِيِّينَ تِلْكَ العَطَايَا التِي تَمْنَحُهَا الكَنِيسَةُ الكَاثُولِيكِيَّةُ، إِنَّهُ جَعَلَ فِرَنْسَا مَحْبُوبَةً (لَدَى السُّورِيِّينَ) وَأَضَافَ إِلَى الحُقُوقِ القَدِيمَةِ التِي كُنَّا نَمْلِكُهَا (نَحْنُ الفِرَنْسِيِّينَ) عَلَى تِلْكَ المِنْطَقَةِ حُقُوقًا جَدِيدَةً .. وَلَكِنْ فِي الجَزَائِرِ اِسْتَطَاعَ أَنْ يَهَبَ كُلَّ مَا فِي اِسْتِطاعَتِهِ لإِظْهَارِ حُبِّهِ لِفِرَنْسَا. وَهَذَا لاَ يَبْدُو فِي المَنَاصِبِ السَّامِيَةِ التِي اِحْتَلَّهَا فَقَطْ، بَلْ فِي تَرْكِهِ وَطَنَهُ (لِلْسُكْنَى فِي الجَزَائِرِ) إِذْ لَيْسَ ثَمَّتَ وَسِيلَةُ أَحَسَنَ مِنَ الحِرْمَانِ مِنْ نِعْمَةِ الوَطَنِ حَتَّى يَسْتَطِيعَ الإِنْسَانُ أَنْ يُدْرِكَ مَا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ " فِرَنْسَا " فِي نَفْسِهَا مِنَ الجَمَالِ وَالنُّبْلِ وَالعَظَمَةِ. وَعَلَى أَرْضِ الجَزَائِرِ، مَدِينَةَ الجَزَائِرِ، كَانَتْ القُلُوبُ تَخْفَقُ لِرُؤْيَةِ العَلَمَ المُثَلَّثِ الأَلْوَانِ خَفَقَانًا شَدِيدًا كَانَ يُثِيرُهُ ذَلِكَ العَلَمَ المُتَمَوِّجُ فَوْقَ أَحَدِ الأَبْرَاجِ وَالمُشْرِفِ عَلَى أَرَضٍ أَجَنَبِيَّةٍ. تِلْكَ هِيَ فِرَنْسَا، التِي لَمْ يُحِبَّ (لاَفِيجِرِي) أَنْ يَرَاهَا عَظِيمَةً وَجَمِيلَةً فَقَطْ، بَلْ كَانَ يَوَدُّ أَنْ يَرَاهَا أَيْضًا أَشَدَّ قُوَّةً وَأَكْثَرَ سُكَّانًا ... أَرَادَ (لاَفِيجِرِي) " أَنْ يُحَبِّبَ فِرَنْسَا إِلَى النَّاسِ بِاسْمِ المَسِيحِ ". هَذِهِ الجُمْلَةُ يُمْكِنُ أَنْ تَوجِزَ جَمِيعَ سِياسَةَ (لاَفِيجِرِي) الذِي كَانَ رَئِيسَ أَسَاقِفَةٍ، ثَمَّ أَصْبَحَ كَارْدِينَالاً ثَمَّ صَاحِبَ الوِلاَيَةِ عَلَى جَمِيعِ أَسَاقِفَةِ أَفْرِيقْيَا. وَفِي الوَاقِعِ إِنَّهُ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَجْعَلَ مِنَ الوَطَنِيِّينَ مِنْ أَهْلِ أَفْرِيقْيَا رَعَايَا لَهُ وَلاَ مُوَاطِنِينَ. لَقَدْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ مِنْهُمْ أَوْلاَدًا لَهُ. فَبِحُبِّهِ لِلْمَسِيحِ وَبِالحُبِّ الذِي يُكِنُّهُ لِفِرَنْسَا أَرَادَ أَنْ يَتَبَنَّاهُمْ».
стр. 127
هذا التبشير الممزوج بالسياسة، بل هذه السياسة المغلقة بالتبشير، هو الاستعمار. على أن هذا الاستعمار لم يكن خاصًا بالفرنسيين، ولكنه ظهر عند الفرنسيين في أبشع صوره.
ولقد أجمع الأب اليسوعي (ملييز) (١) سياسة فرنسا الدينية في الشرق من جميع جوانبها قال: «إِنَّ الحَرْبَ الصَّلِيبِيَّةَ الهَادِئَةَ التِي بَدَأَهَا مُبَشِّرُونَا فِي القَرْنِ السَّابعِ عَشَرَ لاَ تَزَالُ مُسْتَمِرَّةً إِلَى أَيَامِنَا. إِنَّ الرُّهْبَانَ الفِرَنْسِيِّينَ وَالرَّاهِبَاتِ الفَرَنْسِيَّاتِ لاَ يَزَالُونَ كَثِيرِينِ فِي الشَّرْقِ» (ص ٢٣).
«لَقَدْ اِحْتَفَظَتْ فِرَنْسَا طَوِيلاً بِرُوحِ الحُروبِ الصَّلِيبِيَّةِ وَبِالحَنِينِ إِلَى تِلْكَ الحُروبِ حَيَّةً فِي نَفْسِهَا، وَكَثِيرًا مَا فَكَّرَ مُلُوكُهَا بِحَمْلَةٍ صَلِيبِيَّةٍ جَدِيدَةٍ (عَلَى الشُّرْقِ)، وَلَكِنَّ أُورُوبَا المُنْشَقَّةُ (عَلَى نَفْسِهَا) كَانَتْ دَائِمًا تَجْعَلُ مِنَ المُسْتَحِيلِ (عَلَى فِرَنْسَا) أَنْ تَقُومَ بِحَمْلَةٍ بَعيدَةَ المَدًى ...» (ص ١٤، ١٥).
«وَكَانَ مِنْ غَايَاتِ الاِمْتِيازَاتِ الأَجْنَبِيَّةِ دَائِمًا أَنْ تَحْتَفِظَ (فِرَنْسَا) بِالدُّورِ الذِي يَلْعَبُهُ رُهْبَانُهَا، وَإِنْ تَوَسَّعَ ذَلِكَ الدَّوْرُ. وَقَدْ اِعْتُرِفَ لِقَنَاصِلِنَا وَسُفَرَائِنَا بِالِحِماِيَةِ لِلْنَّصَارَى، تِلْكَ المُهِمَّةُ الصَّعْبَةُ التِي لَمْ تُخْلَعْ عَلَيْهِمْ إلاَّ شَرَفَ حُضُورِ القَدَادِيسِ فِي الكَنَائِسِ. وَلَقَدْ كَانُوا يَبْذُلُونَ جُهْدًا كَبِيرًا لِيُهَدِّئُوا مِنْ اِرْتِجَافِ المُسْلِمِينَ المُتَعَصِّبِينَ وَلِيَحْمُوا أَعْمَالَ المُبَشِّرِينَ فِي الإِمْبْرَاطُورِيَّةِ العُثْمَانِيَّةِ» (ص ١٥، ١٦).
«وَكَانَ مُمَثِّلُو فِرَنْسَا يُسَانِدُونَ أَعْمَالَ مُبَشِّرِينَا» (ص ٢٢).
«وَكَانَ لِفرنسا فِي أَكْثَرِ الأَحْيَانِ قُصَّادٌ رَسُولِيُّونَ فِي أَشْخَاصِ قَنَاصِلِهَا، وَخُصُوصًا فِي القَرْنِ السَّابِعِ عَشَرَ» (ص ٥٠).
وكثيرًا ما اختارت فرنسا قناصلها وسفراءها من رجال الدين.
стр. 128
الفَصْلُ السَّادِسُ: السِّيَاسَةُ طَرِيقُ التَّبْشِيرِ:
٢ - الفِتَنُ وَالحُرُوبُ فِي الشَّرْقِ:
كان التعاون السلمي بين رجال السياسة وبين المبشرين قليل النتائج. وكانت هذه النتائج على قلتها بطيئة الظهور أيضًا. ولقد اعتد رجال السياسة هذا التعاون دَيْنًا لَهُمْ المبشرين، فلما قوي المبشرون بعض القوة فعلاً رجعت عليهم دولهم تقتضيهم هذا الدين.
وهكذا بعد أن عملت الدول الأجنبية زمنًا طويلاً على تأييد إرساليتاتها التبشيرية في الشرق قويت تلك الإرساليات فعادت هي بدورها تعمل على تأييد دولها. ولكن المبشرين لم يستطيعوا ذلك إلا من طريق إثارة الاضطرابات في بلادنا، ولذلك عمدوا إلى إثارة اضطرابات مختلفة وحرصوا على «إِذْكَاءِ العَدَاوَةِ بَيْنَ الذِينَ كَانُوا يُبَشِّرُونَ بَيْنَهُمْ» (١). وعلى أن يفسحوا المجال أمام دولهم للتدخل في بلادنا.
إِثَارَةُ الحُرُوبِ:
كان أول ما خطر للمبشرين أن يخلقوا في الإمبراطورية العثمانية أسبابًا تقود إلى الحرب لأن الحرب تضعف الدولة العثمانية فيضعف سلطانها على رعاياها، فيجد المبشرون حينئذٍ من ضعف العثمانيين منفذًا إلى التبشير بين المسلمين. ولقد كانت أكثر الحروب التي شنتها أوروبا من قبل على الدول الإسلامية دينية في أساسها كالحروب الصليبية والحروب في الأندلس. وكذلك في القرنين التاسع عشر والعشرين كانت حروب الدول الغربية المشنونة على الإمبراطورية العثمانية متميزة بعامل ديني. قال (لورنس براون) (٢):
стр. 129
«وَكَذَلِكَ شَنَّتْ الدُّوَلُ الأُورُوبِيَّةُ فِي القَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ وَالقَرْنِ العِشْرِينْ حُروبًا عُدْوَانِيَّةً عَلَى الحُكُومَاتِ المُسْلِمَةِ، ثَمَّ اِنْتَزَعَتْ مِنْهَا أَرَاضِي ضَمَّتْهَا إِلَى سُلْطَانِهَا هِي. وَلَقَدْ كَانَتْ النَّتَائِجُ فِي أَحْوَالٍ كَثِيرَةٍ غَيْرَ سَارَّةٍ لِبَعْضِ الشُّعُوبِ التِي اِسْتُعْبِدَتْ، وَخُصُوصًا مِنَ المُسْلِمِينَ وَلَكِنَّ هَذِهِ الشُّعُوبُ لَمْ تَصِلْ بَعْدُ إِلَى دَرَجَةٍ تَشْعُرُ فِيهَا أَنَّهَا أَصْبَحَتْ أَقَلِيَّاتًا مُضْطَهِدَةً، أَوْ أَنَّهَا تَعِيشُ فِي حَابُورَاتٍ» (١). أما غاية الدول الأجنبية من محاربة الدولة العثمانية فكانت، كما يراها المبشرون أيضًا، «لَعَلَّ اللهُ الرَّحِيمُ يَضْرِبُ الأَتْرَاكَ بِسَيْفِ قُدْرَتِهِ الجَبَّارَةَ».
في عام ١٩٢٠ أصدرت لجنة التبشير الأمريكي، التي تهتم بالاستفادة من مناسبات الحروب للتبشير، كتابًا ذكرت في مطلع مقدمته ما يلي: «مِنْ أَبْرَزِ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِدُخُولِ الوِلاَيَاتِ المُتَّحِدَةِ فِي الحَرْبِ العَالَمِيَّةِ (الأُولَى) أَنَّ الآرَاءَ وَالمَبَادِئَ التِي كَانَتْ تَهْدِفُ إِلَيْهَا الإِرْسَالِيَاتُ التَّبْشِيرِيَّةُ قَدْ تَبَنَّتْهَا الآنَ الأُمَّةُ (الأَمِرِيكِيَّةُ)، ثَمَّ أَعْلَنَتْ أَنَّهَا هِيَ أَهْدَافَهَا الأَخْلاَقِيَّةَ وَغَايَتَهَا مِنْ خَوْضِ تِلْكَ الحَرْبِ ... إِنَّ هَذِهِ المَبَادِئَ التَّبْشِيرِيَّةَ قَدْ سُمِّيَتْ الآنَ أَسْمَاءَ سِياسِيَّةٍ فَقَطْ» (٢).
ولما ثار الأمير عبد الكريم في ريف مراكش على إسبانيا أقلقت ثورته جميع الدول الغربية، فتراكضت هذه الدول إلى مساعدة إسبانيا على التغلب على عبد الكريم زعيم القوة العربية الثائرة، كما وصفوا حركته يومذاك. ولقد علق المبشر (وليم كاش) في كتابه " العالم الإسلامي في ثورة " على هذه الحرب بالكلمات التالية:
«لَقَدْ اِلْتَقَى الإِسْبَانُ بِالحَمَاسَةِ العَرَبِيَّةِ القَدِيمَةِ وَاِضْطُرُّوا إِلَى أَنْ يُخْلُوا، مِنْ مَنَاطِقِ نُفُوذِهِمْ، مَوْقِعًا بَعْدَ مَوَقِعِ، حَتَّى أَصَبَحُوا يُحَارِبُونَ وَظُهُورُهُمْ إِلَى البَحْرِ مُبَاشَرَةً وَعَلَى وَشَكِ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ شَمَالِي أَفْرِيقْيَا مَرَّةً وَاحِدَةً. وَهَكَذَا نَجِدُ لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ مُنْذُ الحَرْبِ العُظْمَى (١٩١٤ - ١٩١٨) أَنْ دَوْلَةً أُورُوبِيَّةً يَتَغَلَّبُ عَلَيْهَا جَيْشٌ مُسْلِمٌ، فَلَقَدْ اِتَّفَقَ أَيْضًا لِثَلاَثِ سَنَوَاتٍ خَلَتْ أَنَّ مُصْطَفَى كَمَالْ طَرَدَ اليُونَانْ مِنْ آسْيَا الصُّغْرَى وَتَحَدَّى بِذَلِكَ سُلْطَانَ أُورُوبَّا القَوِيَّ» (٣).
بعدئذٍ ينصح (وليم كاش) جماعته فيقول (٤): «قَبْلَ هَذِهِ التَّطَوُّرَاتِ، التِي طَرَأَتْ عَلَى العَالَمِ الإِسْلاَمِيِّ بَعْدَ الحَرْبِ العَالَمِيَّةِ الأُولَى، كَانَ المُبَشِّرُونَ قَدْ اِتَّخَذُوا مَرَاكِزَ اِسْتْرَاتِيجِيَّةَ فِي العَالَمِ الإِسْلاَمِيِّ، وَاِسْتَطَاعُوا فِي أَثَناءِ الثَّوْرَاتِ وَالحُروبِ وَالاِضْطِرابَاتِ أَنْ يُتَابِعُوا عَمَلَهُمْ
стр. 130
بِهُدُوءٍ وثبَاتٍ. وَلَقَدْ كَتَبَ هَذَا الكِتَابَ الصَّغِيرِ لِيَدُلُّ عَلَى هَذِهِ التَّطَوُّرَاتِ التِي حَدَثَتْ وَلِيُبَيِّنَ لِلْكَنَائِسِ تِلْكَ الحَاجَةِ المُلِحَّةِ لِلْتَّقَدُّمِ بِمَشْرُوعِهَا فِي يَوْمِ الفُرْصَةِ السَّانِحَةِ».
إننا نعلم علم اليقين أن حربًا كالحرب العالمية الأولى (١٩١٤ - ١٩١٨) لا يمكن أن تثور في سبيل التبشير وحده، بل يجب أن يرجع نشوبها إلى عوامل اقتصادية وسياسية بحت. ولكن ثمت شيئين يثيران اهتمامنا نحن في كتابنا هذا، أولهما أن الدول المتحاربة لا تتورع في سبيل ظفرها عن أن تستفيد من كل حزب وجماعة، ولذلك استغل المبشرون أحوال الحرب فاستفادوا من الحرب بطريقة غير مباشرة. وثاني ذينك الشيئين أن الدول التي تبغي الاستعمار إنما تبغيه في الشرق، لما في الشرق من الثروات الاقتصادية والمراكز الحربية. ولقد اتفق أن يكون العنصر الإسلامي من أقوى العناصر التي تدافع في الشرق كل مستعمر بكل سبيل. ولذلك اتفقت غايات الحروب الاستعمارية وغايات التبشير وتوحدت في حروب تثار ظاهرًا باسم الاقتصاد والسياسة وباطنًا للاستعمار وللقضاء على العناصر التي تجعل استغلال الشرق مستحيلاً.
ولا تزال أوروبا إلى اليوم تنظر إلى جميع حروبها نظرة دينية. إن إنجلترا المسيحية لا تحارب اليونان المسيحية لأن اليونان ألقت بقيادها إلى إنجلترا، ولا يمكن لملك اليونان الإنجليزي النسب أن يعارض السياسة الإنجليزية في البلقان كله وفي اليونان خاصة (١). وإذا اتفق أن حاربت إنجلترا المسيحية إيطاليا أو ألمانيا فلأن ميدان النزاع يكون حينئذٍ اقتصاديًا استعماريًا.
من أجل ذلك لم يكن «إثارة الحرب» بين الدول الكبرى دائمًا وسيلة عملية للمبشرين لأنها قد تقود إلى إضعاف دولة مسيحية. وهكذا انصرف المبشرون إلى البحث عن أمر آخر يكون أقرب تحقيقًا لأهدافهم فوقعوا على «إثارة الفتن والاضطرابات». وإذا نحن أدركنا أن الصلة كانت بين السياسيين وبين المبشرين وثيقة دائمًا لم نستغرب أن تنتهز الدول المستعمرة مثل هذه الفرصة للتدخل في الشرق.
الحِصَارُ العَسْكَرِيُّ عَلَى المُسْلِمِينَ وَإِبْعَادُهُمْ عَنْ الشَّوَاطِئِ:
ورأى الأوروبيون أن الحرب مع العالم الإسلامي - مفرقًا أو مجتمعًا، تؤدي إلى خسائر
стр. 131
كثيرة جسيمة في بعض الأحيان. من أجل ذلك اقترح المبشرون على دولهم أن يشلوا حياة المسلمين بإبعادهم عن الشواطئ ذات الأمطار الوافية وطرق المواصلات الكافية والمراكز الحربية المهمة ثم حصرهم في الداخل وفي الصحاري على الأكثر. إن اقتراحات مثل هذه قد أبديت فيما يتعلق بإسكان اللاجئين بعد كارثة فلسطين عام ١٩٤٨. إلا أن الفكرة نفسها قديمة، ويدعى رجل مبشر، أو متصل بالتبشير، إنه هو الذي اقترحها:
كتب كاتب اسمه (أشعيا بومان) (١) في مجلة " العالم الإسلامي " مقالاً عنوانه " الجغرافية السياسية للعالم الإسلامي " (٢)، ذكر فيه «أَنَّ شَيْئًا مِنَ الخَوْفِ يَجِبُ أَنْ يُسَيْطِرَ عَلَى العَالَمِ الغَرْبِيِّ. لِهَذَا الخَوْفِ أَسْبَابٌ مِنْهَا أَنَّ الإِسْلاَمَ مُنْذُ ظَهَرَ فِي مَكَّةَ لَمْ يَضْعَفْ عَدَدِيًّا، بَلْ هُوَ دَائِمًا فِي اِزْدِيَادٍ وَاِتِّساعٍ، ثَمَّ إِنَّ الإِسْلاَمَ لَيْسَ دِينًا فَحَسْبَ، بَلْ إِنَّ مِنْ أَرْكَانِهِ الجِهَادُ. وَلَمْ يَتَّفِقْ قَطُّ أَنَّ شَعْبًا دَخَلَ فِي الإِسْلاَمِ ثُمَّ عَادَ نَصْرَانِيًّا».
وكذلك يرى هذ الكاتب «أَنَّ الصَّحْرَاءَ كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ حِصْنًا مَنِيعًا، ذَلِكَ لأَنْ " البَدْوَ " نِسْبَةٌ مِئَوِيَّةٌ كَبِيرَةٌ فِي المُسْلِمِينَ، وَإِنَّه مَا مِنْ دَوْلَةٍ حَاوَلَتْ التَّغَلُّبَ عَلَى المُسْلِمِينَ وَاِتَّفَقَ أَنْ ظَفَرَتْ إلاَّ خَسِرَتْ أَضْعَافَ مَا خَسِرَهُ المُسْلِمُونَ فِي ذَلِكَ الكِفَاحِ ...».
من أجل ذلك يقترح هذا الكاتب «أَنْ تَتَّفِقَ بَرِيطَانْيَا وَفِرَنْسَا، مَا دَامَتَا أَكْثَرُ الدُّوَلِ سَيْطَرَةً عَلَى العَالَمِ الإِسْلاَمِيِّ (٣)، عَلَى سِياسَةِ " السَّيْطَرَةِ عَلَى الشَّواطِئِ " حَيْثُ يُمْكِنُ وَصُولِ الدَّوَارِعِ وَآلاَتِ القِتَالِ الحَدِيثَةِ بِسُهُولَةٍ».
فإذا نحن قرأنا هذا الكلام ثم ذكرنا ما فعلته إيطاليا في طرابلس الغرب من إعطاء الشواطئ إلى الإيطاليين وطرد العرب إلى الداخل، أدركنا أن التبشير والاستعمار متفقان على إبعاد المسلمين عن الشواطئ. وكذلك لما أعطت هيأة الأمم فلسطين لليهود نفذت جُزْءًا من هذه المؤامرة الخطيرة، فأخلت الشواطئ من العرب المسلمين ثم قذفت بهم إلى داخل البلاد وإلى ما وراء نهر الأردن. ولقد هال هيأة الأمم أن ترى عددًا كبيرًا من اللاجئين الفلسطينيين قد أموا لبنان - على الشاطئ - فهي لا تزال تحاول إقناعهم بالذهاب إلى سورية أو العراق أو شرق الأردن لتبعدهم عن الشواطئ. وكذلك تحاول فرنسا أن تفعل في المغرب، وخصوصًا في الجزائر، مثل هذا الفعل.
стр. 132
الاِمْتِيَازَاتُ الأَجْنَبِيَّةُ:
على أن الدول الأجنبية لم تكن ميالة إلى أن تعلن بين كل حين وآخر حربًا نظامية على الإمبراطورية العثمانية حتى تستفيد من الشرق امتيازًا اقتصاديًا أو مركزًا حربيًا، إن ذلك كان يكلفها خسائر جسمية في الأموال والأرواح. ثم إنه يخرج بالدول الأوروبية إلى ما لم يكن في حسبانها من اختلاف فيما بينها هي أحيانًا. من أجل ذلك تسلحت الدول الأوروبية بـ «الامتيازات الأجنبية»، كما يدل الاسم، كانت تقوم على منح رعايا الدول الأجنبية النازلين في الإمبراطورية العثمانية أو السائحين فيها أو المارين بها مرورًا «امتيازات» لَمْ تَكُنْ تُمْنَحُ للعثمانيين أنفسهم. من أشهر هذه الامتيازات إعفاء هؤلاء الأجانب من الضرائب المباشرة ومن جزء كبير من رسوم الجمارك. ثم إن السلطات العثمانية لم تكن تستطيع ولوج بيت رجل أجنبي مهما كان السبب. حتى لو أن جريمة ارتكبت في ذلك البيت لما كان للسلطة العثمانية أن تدخل للتحقيق، بل كان الذي يقوم بالتحقيق والمحاكمة والفصل قنصل الرجل الذي يسكن ذلك البيت. إن البيت الذي كان يسكنه رجل إنجليزي أو فرنسي أو يوناني أو أسوجي أو برازيلي، كان يعتبر جُزْءًا من إنجلترا أو فرنسا أو اليونان أو أسوج أو البرازيل.
وكذلك كان لكل أجنبي أن يتجول في البلاد العثمانية كما يشاء. فإذا اتفق أن ناله سوء - وَلَوْ قَضَاءً وَقَدَرًا - فإن حكومته تطالب بديته أضعافًا مضاعفة، وقد تشدد أحيانًا حتى تنال امتيازات سياسية وتجارية جديدة لم تكن لها من قبل. وكانت القوانين العثمانية لا تطبق على الأجانب النازلين في الإمبراطورية العثمانية.
أما أصل هذه الامتيازات فغامض جِدًّا. زعموا أن هارون الرشيد قد منح للفرنجة من أتباع (شارلمان) تسهيلات تجارية (١)، وليس ذلك بصحيح. وكذلك يزعمون أن هذه الامتيازات قد نقلت، بعد سقوط إمبراطورية (شارلمان)، إلى بعض المدن الإيطالية.
ولكن يظهر أن أمير أنطاكية الصليبي قد منح مدينة جنوة الإيطالية، امتيازات تجارية في إمارته، وذلك عام ١٠٩٨ م، أي في العام الذي سقطت فيه أنطاكية في أيدي الصليبيين. ثم إن ملك القدس قد منح مثل هذه الامتيازات للبندقية في إيطاليا عام ١١٢٣،
стр. 133
ولمرسيلية في فرنسا عام ١١٣٦ م.
وبما أن الإمبراطورية (الرومية أو الرومانية الشرقية) كانت يومذاك مستضعفة فقد اضطرت إلى أن تمنح مثل هذه الامتيازات لدول أوروبا القوية.
ثم لما استولت الدولة العثمانية على الإمبراطورية البيزنطية طمعت الدول الغربية في أن تظل لها امتيازاتها في البلاد التي انتقلت من أيدي الروم إلى أيدي العثمانيين. ولم تصل الدول الغربية إلى تحقيق بغيتها إلا في القرن السادس عشر حينما قبل السلطان [سليمان] القانوني عام ١٥٣٦ م أن يمنح (فْرُنْسْوَا الأَوَّلْ) ملك فرنسا شيئًا من الامتيازات التجارية ومن الاعتراف لرعاياه، إذا سكنوا في الإمبراطورية العثمانية أو مروا فيها، ببعض الامتيازات القانونية والتجارية أيضًا. والذي يلفت نظرنا هنا مما يتعلق ببحثنا ثلاثة أمور:
١ - أن الرجل الذي عهد إليه بالحصول على هذه الامتيازات لفرنسا من الباب العالي كان يدعى (ده لا فورست) (١)، وهو راهب من فرسان (القديس يوحنا) الصليبيين.
٢ - إن هذه الامتيازات كانت للنصارى من الأجانب، جاء في " دائرة المعارف البريطانية " نفسها ما يلي:
«وَكَيْ لاَ يُظَنَّ أَنَّ هَذِهِ الاِمْتِيازَاتِ هِبَةً [اِنْتَزَعَهَا] مَلِكٌ مَسِيحِيٌّ مُنْتَصِرٌ مِنْ تُرْكِيٍّ مُسْتَضْعَفٍ، يَجِبُ أَنْ نُذَكِّرَ أَنَّ الدَّوْلَةَ العُثْمَانِيَّةَ كَانَتْ يَوْمَذَاكَ فِي ذُرْوَةِ قُوَّتِهَا، بَيْنَمَا كَانَ (فْرُنْسْوَا الأَوَّلْ) لاَ يَزَالُ يَشْكُو مِنْ آثَارِ " مَعْرَكَةِ بَافِيَهْ " (٢) بِإِيطَالْيَا التِي اِنْهَزَمَ فِيهَا أَمَامَ (شَارْلُكَانْ)» قبل عشر سنوات.
٣ - من أجل ذلك عين الراهب الصليبي (ده لا فورست) سفيرًا في الآستانة، فكان أول سفير لفرنسا في الإمبراطورية العثمانية.
ومع الأيام أخذت الإمبراطورية العثمانية تضعف، فكان ضعفها المتوالي المتزايد سببًا في ازدياد شَرَهِ الدُّوَلِ الأَجْنَبِيَّةِ، لما في الشرق من خيرات وكنوز، فبعد أن كانت الامتيازات الأجنبية قاصرة - فيما يتعلق بما فعله سليمان القانوني - على الفرنسيين، امتدت نعمتها إلى الإنجليز ثم إلى الهولنديين والإيطاليين والإسبان، ثم إلى الأمريكان ورعايا النمسا وروسيا واليونان. ولقد كان رعايا كل دولة يتوسعون في هذه الامتيازات ليتمتعوا بحقوق وإعفاء لم تكن من قبل لهم. وأخيرًا أصبحت الشعوب والجماعات غير المسلمة تتمتع في الإمبراطورية العثمانية باستقلال طائفي فيما يتعلق بالأحوال الشخصية (من زواج وإرث وغيرهما)،
стр. 134
بإعفاء من الخدمة العسكرية ومن كثير من الضرائب والملاحقات القانونية. حتى إن المجرم كان يرتكب جريمته فإذا لجأ إلى قنصله أو اختبأ في بيت رجل أجنبي لم يجسر القضاء العثماني على أن يصل إليه. ولكن هذه الامتيازات ألغيت عام ١٩١٤ بعد أن نشبت الحرب العالمية الأولى.
زادت هذه الامتيازات في نفوذ الدول الأجنبية فأخذت إنجلترا وفرنسا تتنازعان على «حماية» الأجانب في الإمبراطورية العثمانية من الذين ليس لدولهم تمثيل في استانبول (١). فالأرمن والبلغار وأهل الجبل الأسود وبعض أهالي أمريكا الجنوبية كأهل الأرجنتين والتشيلي والمكسيك لم يكن لدولهم وزراء مفوضون أو قناصل في الإمبراطورية العثمانية، فلم يكونوا يتمتعون بالامتيازات الأجنبية. وكان هؤلاء إذا استطاعوا أن ينالوا حماية فرنسا أو إنجلترا - وكان من السهل جدًا أن ينالوها - استطاعوا أن يتمتعوا بجميع الامتيازات التي كان يتمتع بها الفرنسي أو الإنجليزي في الإمبراطورية العثمانية سواءً بسواءٍ.
وأساء بعض الوزراء والقناصل الإنجليز والفرنسيين هذه السلطة في منح الحماية لرعايا الدول الذين لا تمثيل سياسيًا لهم في الآستانة، وجمعوا من وراء ذلك أموالاً طائلة (٢).
ثم زاد ضعف الدولة العثمانية فزادت جرأة الإنجليز والفرنسيين على منح مثل هذه الحماية، فمنحوها لعدد من «الرعايا العثمانيين» أنفسهم ممن استطاع أن يشتري هذه الحماية بمبلغ كبير ليستغلها في وجوه مختلفة، أو ممن كان يستطيع أن ينفع إنجلترا أو فرنسا في سبيل من السبل. وكان أحد هؤلاء الأجانب أو المحميين يتخطى القوانين ويخالف مبادئ الإنسانية، فإذا تعرض له متعرض شمخ بأنفه وقال: «أَنَا أَجْنَبِيٌّ»، أو «أَنَا فِي حِمَايَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ». روى عبد الله المشنوق شيئًا من هذا، قال (٣): «مِنْ ذَلِكَ حَادِثَةٌ شَهِدْتُهَا بِأُمِّ عَيْنِي - دَهَسَتْ سَيَّارَةٌ يَقُودُهَا رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ طِفْلاً فِي بَيْرُوتْ. فَأَمَرَ الشُّرْطِيُّ السَّائِقَ بِالوُقُوفِ فَرَفْضَ قَائِلاً بِلُغَتِهِ الأَجْنَبِيَّةِ: القُنْصُلِيَّةُ. لاَ شأْنَ لِي مَعَكِ. وَتَابَعَ (السَّائِقُ) طَرِيقَهُ تَارِكًا الطِّفْلَ المِسْكِينَ يُعَانِي سَكَرَاتِ المَوْتِ».
وأدرك المبشرون ما يمكن أن يستفيدوا من الاحتماء بالامتيازات الأجنبية فاستغلوها إلى أبعد الحدود: لقد كانوا - بقطع النظر عن أشكال أثوابهم - يدورون في البلاد كأجانب ويعملون فيها كمبشرين.
стр. 135
إِثَارَةُ الاِضْطِرَابَاتِ ثُمَّ اِسْتِغْلاَلُهَا:
على أن الدول الأجنبية لم يكن باستطاعتها أن تتدخل في شؤون الإمبراطورية العثمانية إذا كانت تلك الشؤون تسير في سبيلها طبيعيًا هادئًا. فلم يكن بد إذن من أن تثير تلك الدول الفتن والاضطرابات فتنال المطلب تلو المطلب. ولو أننا أحببنا أن نؤرخ المذابح التي أثيرت في الإمبراطورية العثمانية بين ١٨٤٠ و ١٨٦٠، أي مدى عشرين عَامًا فقط، لاحتجنا إلى كتاب كامل.
كانت إنجلترا وفرنسا تهتمان بسورية اهتمامًا شديدًا وتتنافسان عَلَنًا في سبيل تثبيت نفوذهما فيها. ونحب أن نستبق الحوادث فنقول: لما تدخلت الدول في شؤون جبل لبنان بعد فتنة عام ١٨٦٠ - على ما سيأتي - أراد (نابليون الثالث) أن يمد أجل بقاء الجيش الفرنسي في سورية، ولكن إنجلترا رفضت ذلك. ولما أصر (نابليون الثالث) على رأيه أعدت إنجلترا عشرة آلاف جندي في قبرص ومالطة وجبل طارق. ولو لم تسحب فرنسا جميع جنودها من سورية في الخامس من حزيران ١٨٦١ لأخرجتها إنجلترا بقوة السلاح (١).
من هنا يتبين لنا مقدار المنافسة في سبيل بلادنا ومدى استغلال الدول الأجنبية للحوادث. ونحن سنضرب صفحًا من ذكر المذابح التي أحدثتها الأصابع الأجنبية في جميع أنحاء الإمبراطورية العثمانية: في بلغاريا واليونان، وفي آسيا الصغرى بين الأرمن، تلك المذابح التي كانت تثيرها الدول الأجنبية بواسطة المبشرين (٢). وسنكتفي بحادثتين فقط نذكرهما في محلهما من هذا الفصل.
لقد كانت تركيا على حق في خوفها من المبشرين الذين لم يكونوا فقط يثيرون الفتن في إمبراطوريتها، بل كانوا يتجسسون لدولهم سياسيًا وعسكريًا (٣) وكذلك كانوا يفرقون السكان معسكرات، فقد كان الدروز مثلاً يعتمدون على حماية إنجلترا ويفضلون المدارس الأمريكية (٤). أما الموارنة فكانوا يَرَوْنَ حَلِيفَهُمْ الطَّبِيعِيَّ في فرنسا ويفضلون المدارس الفرنسية. وكانوا يتلقون السلاح من فرنسا أيضًا، فقد رسا عام ١٨٥٨ مركب حربي قرب طرابلس وأنزل أسلحة اشترى منها أهل طرابلس أنفسهم خمسمائة بندقية. ولما وصل الخبر إلى بيروت أرسلت الحكومة عشرة مدافع لحماية المدينة من هجوم قد يقوم
стр. 136
به أهل زغرتا (١). وكان الدروز أيضًا يتلقون السلاح من إنجلترا. وسنرى فيما بعد أن فتنة عام ١٨٦٠ المشؤومة كانت منسوجة بأصابع الدول الأجنبية.
وقل إن استطاع المبشرون التأثير في البيئة الإسلامية، ولذلك وجهوا اهتمامهم إلى البيئة المسيحية يثيرون الخلاف في طبقاتها وبين أهل مذاهبها. فما أن جاء المبشرون البروتستانت إلى سورية حتى وقف رجال المذهب الماروني والمذهب الأرثوذكسي موقف الدفاع الشديد، فإن البطريرك الماروني هدد كل ماروني يقترب من البروتستانت أو يعاملهم أو يؤجرهم مسكنًا أو يلبي طلبًا أو يساعدهم على البقاء في البلاد بالحرمان (٢). وكذلك كان الإكليروس الأرثوذكسي يضطهد كل من يميل من الأثوذكس إلى المبشرين البروتستانت (٣). ولم يكتف الإكليروس الماروني بِحَثِّ أَتْبَاعِهِ عن الابتعاد عن البروتستانت بل زعم (جسب) أنه كان يحمل أتباعه على اضطهاد أهل المذاهب النصرانية الأخرى (٤)، وخصوصًا بعد أن طمع البطريرك الماروني ببسط سلطة زمنيةعلى جبل لبنان (٥).
وهكذا نجد أن المنافسة بين المبشرين البروتستانت وبين المبشرين اليسوعيين ألقت في البلاد فتنًا وإحنًا ومنازعات مذهبية واجتماعية (٦). على أننا لن نفصل هذه كلها، فهي كثيرة (٧). ولقد تبارى المبشرون البروتستانت واليسوعيون في خلق هذا الاضطراب. فقد اتفق مثلاً أن حدث خلاف في الكنيسة الأرثوذكسية في دمشق فصبأ ثلاثمائة من الأثوذكس إلى البروتستانتية (نكاية بأبناء دينهم). ثم زال الخلاف فعاد هؤلاء كلهم إلى مذهبهم القديم (٨).
ولما مرض (موسى عطا) مرض الموت، وكان قد صبأ من مذهب الروم الكاثوليك إلى المذهب البروتستانتي، جاء القسس الروم الكاثوليك ودخلوا عليه ثم أغلقوا باب بيته ولم يدعوا أحدًا يدخل. ثم ادعوا أنه عاد إلى الكثلكة. ولكن البروتستانت لم يشاءوا أن ينهزموا فحدثت فتنة في زحلة لم تهدأ ثائرتها إلا بعد أن تدخل رجال الشرطة ومات (موسى عطا) بعد بضعة أيام من مرضه (٨ نيسان ١٨٧٢)، ولكن زحلة بقيت في المناقشات الدينية
стр. 137
والاضطرابات والفوضى ثلاث سنوات متوالية بعد ذلك (١).
ولما مد البروتستانت أصابعهم إلى حمص اتفق أن جاء شَابٌ أرثوذكسي إلى أسقف يسأله يتعلق بالفرق بين المذاهب، فخبطه الأسقف بعصاه فأفقده وعيه وثارت الثائرة في حمص. وكذلك جاءت ذات يوم فتاة أرثوذكسية تزور زوجة المبشر (د. م. ويلسن)، فلما علم بها أهلها جاءوا فقبضوا شعرها وجروها في الشوارع (٢).
أما اليسوعيون فكانت لهم السيادة التامة على زحلة حتى جاء البروتستانت فانتزعوا تلك السيادة منهم، ولكن ظل بإمكان اليسوعيين أن يثيروا دائمًا شَغَبًا دِينِيًّا في عروس البردوني كما فعلوا مرارًا (٣).
فِتْنَةُ عَامِ ١٨٦٠:
في عام ١٨٦٠ نشبت بين الموارنة والدروز في جبل لبنان فتنة غسلت البلاد بالدماء وتركت في نفوس الناس أسوأ الأثر إلى اليوم. إلا أن هذه الفتنة لم تنشب فجأة ولا اتفاقًا، ولكنها كانت تهيأ خطوة خطوة. ولقد كان مهندسوها بارعين إلى حد أن الذين ذهبوا وَقُودَهَا لم يعلموا يومذاك أن الدول الأجنبية قد هيأتها على أيدي المبشرين.
غزا إبراهيم باشا سورية ١٨٣١ - ١٨٣٢ وظفر ظفرًا عظيمًا كاد يدخله إلى استانبول عاصمة الإمبراطورية العثمانية نفسها. عندئذٍ خافت الدول الأجنبية عواقب ذلك فأجبرت إبراهيم باشا على التراجع والانسحاب من بلاد الشام كلها. ولكن قبل أن ينسحب إبراهيم باشا ١٨٤٠ كان الأمير بشير الثاني قد استبد بحكم جبل لبنان وجعل يظلم الناس بطلب الأموال والجنود. ولقد اتفق النصارى والمسلمون من سكان الجبل على مقاومة التجنيد خاصة. حينئذٍ لجأ الأمير بشير إلى بذر بذور الشقاق بين النصارى والمسلمين بنزع السلاح من بعضهم وبنفي بعضهم الآخر، فعظمت النقمة على الأمير. وكانت حملة إبراهيم باشا واستبداد الأمير بشير قد تركا البلاد في فوضى شديدة. ثم انسحب إبراهيم باشا من سورية وَنُفِيَ الأَمِيرُ بَشِيرُ من لبنان في عام واحد، ولكن الفوضى ظلت سائدة.
стр. 138
وجاء الأمير بشير الثالث، أو بشير بن ملحم، إلا أنه كان حاكمًا ضعيفًا فزاد الاضطراب وعمت الفوضى في الجبل. ثم إن الدول الأجنبية لم تعجز عن قسمة أهل لبنان قسمين: تعلق الموارنة منهم بفرنسا، واستعمال الإنجليز الدروز (١). ومن قبل فتنة عام ١٨٦٠ كان الفرنسيون فعلاً يساعدون الموارنة، أما الإنجليز فكانوا يساعدون الدروز (٢). ونشبت اضطرابات بدائية بين الدروز والنصارى، ولكنها كانت اضطرابا إقطاعية (٣) في سبيل حكم جبل لبنان، إذ جعلت فروع آل شهاب تتنازع الحكم عليه. وعز على آل نكد أن يخسروا امتيازاتهم فاشتركوا في هذا النزاع.
وحاولت حكومة استانبول أن تقرب وجهات النظر بين الإقطاعيين المتنازعين فلم تستطع، فعزلت الأمير بشير الثالث لسوء سياسته وعينت مكانه عمر باشا النمساوي فاحتج أصحاب الإقطاعات - لأن الأمر خرج من يدهم بالكلية ومن يد خصومهم أيضًا - واحتجت الدول الأوروبية كذلك وطلبت إعادة الإمارة إلى آل شهاب، لاَ حُبًّا بآل شِهَابٍ ولكن انتهازًا للتدخل في شؤون البلاد العربية. ومع أن الدولة العثمانية لم تقبل بإعادة آل شهاب إلى الحكم فإنها نزلت عند رغبة الدول الأوروبية وضغطها فسحبت عمر باشا من جبل لبنان.
تَقْسِيمُ جَبَلِ لُبْنَانْ فِي القَرْنِ المَاضِي وَتَقْسِيمُ فِلِسْطِينَ اليَوْمَ:
وبلغ اهتمام أوروبا بجبل لبنان أن الأمير (مترنخ) مستشار النمسا وأعظم شخصية سياسية في القرن التاسع عشر، أبدى اهتمامًا كبيرًا بشكل الحكم الذي يجب أن يطبق على جبل لبنان. غير أن تدخل (مترنخ) كان لمصلحة الدول الأجنبية ولم يكن لمصلحة الدولة العثمانية ولا لمصلحة جبل لبنان نفسه. لقد اقترح (مترنخ) أن يقسم جبل لبنان قائمقاميتين إحداهما إسلامية والثانية مسيحية. فاضطرت الدولة العثمانية إلى قبول هذا الاقتراح، وقسمت لبنان قسمين جنوبيًا وشماليًا تفصل بينهما الطريق الممتدة من بيروت إلى دمشق.
стр. 139
ولقد جُعِلَتْ القَائِمْقَامِيَّةُ الجَنُوبِيَّةُ الإِسْلاَمِيَّةُ تحت حكم الأمير أحمد أرسلان ومركزه بيت الدين. أما القائمقامية الشمالية المسيحية فوضعت تحت حكم الأمير حيدر إسماعيل أبي اللمع وجعل مركزه في بكفيا. وأما دير القمر، مصدر القلاقل الصحيح، فوضعت تحت إدراة متسلم تركي. ولا ريب في أن قسمة جبل لبنان على هذا الشكل لم يكن يراد بها خير لبنان ولا تسهيل إدارته، بل كان الاستعمار يريد منها غاية ذكرها أنيس صايغ في كتابه " لبنان الطائفي "، قال (١): «وَقُسِّمَ لُبْنَانُ (بَعْدَ إِعْلاَنِ المُتَصَرِّفِيَّةِ) إِلَى مُدِيرِيَّاتٍ وَقَائِمْقَامِيَّاتٍ، تَجْتَمِعُ كُلُّهَا فِي لُبْنَانٍ مُوَحَّدٍ .. إِلاَّ أَنَّ حُدُودَ لُبْنَانَ تَقَلَّصَتْ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلاً. فَقَدْ سُلِخَ عَنْهُ إِقْلِيمُ وَادِي التَّيْمِ وَبَيْرُوتَ وَصَيْدَا وَطَرَابُلْسَ وَالبِقَاعَ وَعَكَّارَ وَمُعْظَمُهَا مَنَاطِقُ إِسْلاَمِيَّةٌ. وَاِنْحَصَرَ لُبْنَانُ الجَديدُ فِي ثَلاَثَةِ أَخْمَاسِ لُبْنَانَ القَدِيمِ. وَقَدْ أَرَادَتْ الدُّوَلُ مِنْ ذَلِكَ المَشْرُوعِ جَعْلَ لُبْنَانَ بَلَدًا مَسِيحِيًّا، غَيْرَ مُهْتَمَّةٍ لِلْخَسَائِرِ الاِقْتِصَادِيَّةِ التِي تَنْجُمُ عَنْ سَلْخِ هَذِهِ المَنَاطِقِ».
والغريب أن الاستعمار عاد بعد نحو قرن كامل من الزمن إلى هذه النغمة الشاذة واستأجر عمالاً وأذنابًا يكتبون في هذه الدعوة تلميحًا ويبثون فيها الكلام سِرًّا ولكن صريحًا. ومع العلم بأن مثل هذه الدعوة لا يمكن أن تنجح اليوم عمليًا ولا نظريًا، فإن الذين يستخدمهم المستعمرون في الترويج لها ليسوا قليلين. ومن المؤسف أن يكون بعض اللبنانيين قد طالب بتأسيس دولة صهيونية في فلسطين ودولة مسيحية في لبنان منذ عام ١٩٣٥، ثم في عام ١٩٤٥ على الأخص (٢)، قبل أن تولد دولة إسرائيل مما يدل على أن هذه الدعوة جاءت من الخارج. ولم يكتف الاستعمار بهذه الدعوة في لبنان نفسه، بل أراد أن يكسوها لباسًا دوليًا فاستكتب فردًا من أولئك [الذين] لا يحترمون رأيًا إلا إذا جاء من أجنبي وجاء معه مبلغ من المال - وهؤلاء قليلون جدًا والحمد لله - كتابًا اسمه " لبنان وطن قومي للنصارى في الشرق الأدنى " (٣). قيل إن هذا الكتاب طبع بلغات متعددة ووزع على رجال السلك السياسي في لبنان وفي خارج لبنان، كما وزع أيضًا في البلاد التي يكثر فيها المهاجرون من
стр. 140
من لبنان -. وكان التوزيع لهذا الكتاب سِرًّا وَمَجَّانًا بِالطَّبْعِ. غير أنني لم أر من هذا الكتاب إلا نسخة عربية ونسخة إنجليزية (١). ويقال إنه طبع باللغات الفرنسية والإسبانية والبرتغالية أيضًا.
هذه النغمة، نغمة التقسيم، لم تمت، ولا يزال المستعمر يحاولها مرة بعد مرة. ما تقسيم فلسطين إلا ذيلاً من ذيول تلك السياسة.
لقد قدرت أوروبا بعد قرن واحد أن تعود إلى السياسة نفسها في شأن فلسطين: لقد قسمتها - ظلمًا وعدوانًا - فأعطت الشرق والشمال للعرب، وأعطت الغرب والجنوب لليهود وأرادت تدويل القدس بوضعها تحت حكم حاكم أجنبي (٢). وقضية القدس لم تنته بعد بل هي ثائرة إلى اليوم. ولا ريب عندنا أبدًا في أن مشكلة فلسطين لم تولد حُبًّا باليهود، ولا بالعرب طبعًا، وإنما هي مصالح الدول الكبرى تفعل فعلها دائمًا في فلسطين وفي الصين، وفي كل مكان تكون القوة فيه حَكَمًا بين المتناظرين.
• • •
لقد عرفنا كيف أوقظ جبل لبنان في القرن التاسع عشر إلى النعرة الطائفية: إن السياسة الاستعمارية هي التي لعبت دورها يومذاك ووضعت في لبنان خَطًّا فَاصِلاً ظَاهِرًا وَرَسْمِيًّا بَيْنَ النَّصَارَى وَالمُسْلِمِينَ، ثم حملت البلاد مشاكل كانت البلاد في غنى عنها. ولقد انتقد جميع الحكام والمؤرخين، فيما بعد، قسمة جبل لبنان قسمين: مسيحيًا ومسلمًا، ولم يكن الأمير (مترنخ) منظم مؤتمر فْيِينَّا والقاضي على خطط نابليون وعلى نتائج الثورة الفرنسية وحافظ الملوك على عروشهم في أوروبا بالغافل عن وجه الصواب والخطأ، ولكن السياسة الاستعمارية هي التي أوحت إليه بما اقترح.
وبعد أن كانت الاضطرابات إقطاعية أصبحت دينية وأصبح حلها غير ممكن. إن حل هذه المشاكل لم يبق معتمدًا على تراضي سكان جبل لبنان وحدهم، بل كان خاضعًا إلى حد كبير لرضى الدول الأوروبية. أما رضى الدول الأجنبية فقد كان عسيرًا، لأنها لم تكن تريد حل المشكلة بل كانت تريد دوام الاضطراب في الإمبراطورية العثمانية ليتسنى لها التدخل كلما شاءت.
ولقد صدق ظن المخلصين، فإن الأحقاد قد غذيت بهذا التقسيم وبعثت به في جبل لبنان الأضغان. ثم ما زالت الفوضى تعم والدسائس تنمو حتى انفجرت الصدور في عام ١٨٤٥ «فِي كِسْرَوَانَ حَيْثُ تَأَلَّبَ الأَهْلُونَ وَاجْتَمَعَتْ الغَوْغَاءُ حَامِلِينَ السِّلاَحَ بِرِئَاسَةِ
стр. 141
زَعِيمِهِمْ (طَانْيُوسْ شَاهِينْ) وَتَهَدَّدُوا المَشَايِخَ (١) بِسُوءِ العَاقِبَةِ. وَكَانَ بَدْءُ الإِسَاءَاتِ فِي " ذَوْقِ مَكَايِلْ " (قُرْبَ " جُونِيَّةَ ") لِكَوْنِهَا مَرْكَزَ الاِئْتِمَارِ وَالشَّغَبِ فِي الشَّعْبِ فَحَدَثَ مَا سَاءَ وَلَمْ يَخْلُ عَنْ إِرَاقَةِ الدِّمَاءَ. ثَمَّ اِنْدَفَعَتْ العَامَّةُ المُتَجَمْهِرَةُ عَلَى أَمْوَالِ المَشَايِخِ وَأَمْلاَكِهِمْ نَهْبًا وَغَصْبًا، فَفَرَّ الخَازِنِيُّونَ (٢) لاَجِئِينِ إِلَى مَدِينَةِ بَيْرُوتَ .. ثُمَّ اِمْتَدَّتْ الثَّوْرَةُ مِنْ " كِسْرَوَانَ " إِلَى " المَتْنِ " (شَمَالِيَّ طَرِيقِ بَيْرُوتَ - دِمَشْقَ مُبَاشَرَةً) وَالمَحَلاَّتِ المُخْتَلِفَةِ. وَلَرُبَّمَا كَانَ لِلإِكْلِيرُوسْ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ ضِلْعٌ مَعَ الأَهَالِي» (٣).
على أن الفتن التي أخذت تطل برأسها أو تنفجر منذ عام ١٨٤٠ لم تكن كافية لتبرر التدخل الأجنبي، لقد كانت فتنًا قطاعية في الأغلب، ودينية بالعرض. ثم إنها كانت قاصرة على أقسام خاصة من الجبل يثور فيها المسيحي على المسيحي أو الدرزي على الدرزي.
وأخيرًا أفلح الظالمون فأثاروا فتنة عام ١٨٦٠ وقسموا السكان قسمين واضحين: مسلمين ونصارى، فبردت بذلك بعض الصدور وأسرعت الدول الغربية ترسل جيوشها وأساطيلها إلى شواطئ بلادنا لحماية ... النصارى. ولو فرضنا أن فرنسا وحدها أرادت حماية النصارى لكان ذلك معقولاً، إذ يقال إن السلاح استقر في أيدي الموارنة من أيد فرنسية. ولكن إنجلترا التي قدمت فيما قيل أيضًا السلاح إلى الدروز وقد ادعت الآن حماية النصارى.
وبعد أن وقعت الواقعة وهدرت الدماء البريئة من الطرفين ولطخ تاريخ وطننا بالسوء ووصمنا كلنا بالتعصب وقف المبشرون يعبرون عن رأيهم في النار التي أججوها وألقونا فيها وقودًا.
يزين (جان بيانكي) الفرنسي، وهو قسيس بروتستانتي ورئيس شرف لجمعية المبشرين البروتستانت في باريس وأستاذ اللغة الفرنسية في الجامعة الأمريكية في بيروت، القول فيعرف هذه الفتنة بأنها «مَذْبَحَةٌ» قام بها الدروز لقتل النصارى الأرثوذكس والموارنة (٤).
ولقد غاب عن بال (جان بيانكي) الفرنسي أن «مذبحة حقيقية» قد هيئت من قبل في وطنه فرنسا، وإنها كانت أيضًا في ظاهرها دينية وفي باطنها سياسية إلى أبعد مرامي
стр. 142
السياسة. تلك هي مذبحة القديس (بارثليميو) التي نفذت ليلة عيد هذا القديس (في ٢٣ آب ١٥٧٢) وذهب في نارها ألفان من الهوغونت (١) البروتستانت في باريس وحدها ونحو عشرة آلاف آخرون في فرنسا خارج باريس (٢).
ويرى المبشر الأمريكي (هنري هاريس جسب) هذه الفتنة إعلانًا ناجحًا، فلقد «اِضْطَرَبَتْ لَهَا أُورُوبَا وَأَمَرِيكَا، وَأَصْبَحَ لُبْنَانُ بِهَا مَعْرُوفًا فِي العَالَمِ الغَرْبِيِّ فَأَمْكَنَ أَنْ تُجْمَعَ الإِعَانَاتُ بِاسْمِهِ وَالتَّبْشِيرِ فِيهِ» (٣).
أما (يوليوس رشتر) الألماني فقد أجرى في أول الأمر الدموع على خديه وقال: «إِنَّ هَذِهِ المَذْبَحَةَ الجَدِيدَةَ قَدْ أَثَارَتْ رَحْمَةً قَوِيَّةً فِي العَالَمِ المَسِيحِيِّ». ولكنه يعود فيمسح هذه الدموع من وجهه وعينيه ليتبدل بها ابتسامة اطمئنان ويقول: «وَعَنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ بَدَأَ فِي عَامِ ١٨٦٠ فَصْلٌ جَدِيدٌ فِي تَارِيخِ الجُهُودِ البْرُوتِسْتَانْتِيَّةِ فِي الشَّرْقِ الأَدْنَى» (٤).
ولم يحدث قبل مذابح الأرمن عام ١٨٩٥ و ١٨٩٦ حادث حفز الإرساليات البروتستانتية المختلفة إلى التكاتف في سبيل تنصير هذا القسم من العالم كحادث سنة ١٨٦٠. لقد كان هذا الحادث فريدًا إلى درجة أن المبشرين والرهبان لم يكتفوا بأن أثاروه ثم وقفوا يتفرجون به، بل إن منهم من اشترك فيه، فإن الراهب اليسوعي (فرديناندو بوناشيتا) قتل عام ١٨٦٠ في اضطرابات مدينة زحلة بعد أن قتل سبعة من الدروز (٥).
ويختلف المبشرون في نسبة التبعة إلى المقاتلين. إن (رشتر) مثلاً يرى أن الذنب كان على الموارنة: «لَقَدْ كَانَ المَوَارِنَةُ مَرَّةً ثَانِيَةً مُخْطِئِينَ فَعَلَى الرَّغْمِ مِنَ الهَزَائِمِ التِي مُنُوا بِهَا فِي عَامِ ١٨٤٢ و ١٨٤٥، فَإِنَّهُمْ ظَلُّوا تَوَّاقِينَ إِلَى إِذْلاَلِ جِيرَانِهِمْ. وَمِنْ غَيْرِ سَبَبٍ سَقَطَ المَوَارِنَةُ عَامَ ١٨٦٠ عَلَى بِضْعِ قُرَى دُرْزِيَّةٍ. وَلَكِنَّ الدُّرُوزَ نَهَضُوا إِلَيْهِمْ نَهْضَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ» (٦).
أما (دانيال بلس) فيرى أن التبعة تقع على أكتاف المسلمين، قال (٧): «وَلَقَدْ بَقِينَا حِينًا (بَعْدَ الفِتْنَةِ) نَخْشَى هُجُومًا عَلَى مَدِينَةِ بَيْرُوتْ، إِذْ قِيلَ إِنَّ اتِّفَاقًا عُقِدَ بَيْنَ دُرُوزِ الجَبَلِ وَبَيْنَ قِسْمٍ مِنَ النَّوْعِ السَّافِلِ فِي المُسْلِمِينَ لمُهَاجَمَةِ المَدِينَةِ فِي لَيْلَةٍ مَا ... ثُمَّ إِنَّ جَمِيعَ السُّكَّانِ
стр. 143
المُسْلِمِينَ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ السَّافِلِ كَانُوا فِي كُلِّ مَكَانٍ يُلَوِّحُونَ بِعِصِيِّهِمْ وَنَبَابِيتِهِمْ ...» (١).
«أَمَّا اليَسُوعِيُّونَ فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُرِيدُونَ هَذِهِ المَذْبَحَةَ لأَنَّهَا هَدَّدَتْ أَعْمَالَ التَّبْشِيرِ» (٢).
مع العلم بأن بعضهم خاضها وأبلى فيها البلاء الحسن كالراهب (بوناشيتا) مثلاً.
هذه نماذج من آراء المبشرين في فتنة سنة الستين ومن نياتهم المبيتة وأعمالهم أيضًا.
أما الإحسان الذي أسدوه إلى المنكوبين فهو في فصل الإحسان من هذا الكتاب.
ولكن ماذا يهمنا الآن من حمل التبعة على الموارنة أو على الدروز؟ إن هذه «الفِتْنَةَ الدِّينِيَّةَ» كانت نقمة على لبنان، ولكنها حققت للدول الأجنبية هدفًا عظيمًا. أجل، قد لا يكون لهذه الفتنة صلة بالدين، ولكن كان لها بلا ريب صلة بالسياسة: لقد «اِنْعَقَدَ فِي بَيْرُوتْ مُؤْتَمَرٌ دَوْلِيٌّ حَضَرَهُ المُفَوِّضُ السُّلْطَانِيُّ مَعَ خَمْسَةٍ مِنْ وُكَلاَءِ الدُّوَلِ وَمُفَوِّضِيهِمْ، أَعْنِي دَوْلَةَ إِنْجْلِتْرَا وَفِرَنْسَا وَرُوسْيَا وَالنِّمْسَا وَبْرُوسِيَةَ ... وَقَرًّرُوا أَنْ تَكُونَ إِدَارَةُ الجَبَلِ بِوَاسِطَةِ مُتَصَرِّفٍ مَسِيحِيٍّ مِنْ طَرَفِ الدَّوْلَةِ العَلِيَّةِ بِرِضَا الدُّوَلِ» (٣). هذا المتصرف (الحاكم) يجب أن يكون نصرانيًا أوروبيًا ومن أتباع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، لا وطنيًا سوريًا مسلمًا أو مسيحيًا (٤).
стр. 144
الفَصْلُ السَّابِعُ: السِّيَاسَةُ طَرِيقُ التَّبْشِيرِ:
٣ - الإِدَرَاةُ الأَجْنَبِيَّةُ فِي خِدْمَةِ التَّبْشِيرِ:
لقد أثمر التعاون بين السياسة والتبشير ثمرته الأولى وأخذت الأقطار الشرقية - التي لم تكن قد استعمرت من قبل - تسقط تحت النير الأجنبي وتخضع لإدارة أجنبية مباشرة.
إن هذه الإدارة الأجنبية لَمْ تُقْصِ الآنَ المُبَشِّرِينَ لأنها نالت حاجتها من جهودهم، بل زادت في تقريبهم (١). إن الحاجة إلى المبشرين لم تنته ولكنها أصبحت الآن أعظم ضرورة من ذي قبل: إن إدارة البلاد المغلوبة على أمرها تنفر من الخضوع بسرعة، ولذلك لم يكن بد من إخضاعها بطريقة مستترة بعيدة عن المظاهر العسكرية أو الرسمية على الأقل. ولم يكن لدى الدول الأجنبية أفضل من المبشرين الذين أصبحوا يفهمون البلاد وأهلها ويعرفون مداخل الأمور فيها وأهواء المتنفذين من رجالها. ولكن المبشرين لم يرضوا أن يفعلوا ذلك فقط، بل أرادوا أن يحققوا هم رغباتهم الظاهرة على الأقل حتى يتيحوا للدول أن تحقق جميع رغباتهم الحقيقية. كل هذا ونظر الدول الأجنبية متجه إلى نقطتين في الإمبراطورية العثمانية أضعفتهما القلاقل: مصر وجبل لبنان.
فِي صَمِيمِ التَّدَخُّلِ السِّيَاسِيِّ:
وقف المبشرون ورجال السياسة الآن وجهًا لوجه: أي الفريقين يجب أن يتقدم الآخر؟.
إن من المعروف في التاريخ أن المبشر كان يدخل البلاد ثم يأتي الجيش على أثره. ولكن المبشرين منذ القرن التاسع عشر أحبوا أن يتقدم الجيش أولاً، لأن ذلك يسهل مهمتهم. ولذلك كان
стр. 145
الحكام الوطنيون في كل بقعة على حق حينما كانوا «يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَجِيءَ المُبَشِّرِينَ يَنْتَهِي دَائِمًا بِتَدَخُّلِ الدُّوَلِ النَّصْرَانِيَّةِ فِي بِلاَدِهِمْ، وَبِخَسَارَتِهِمْ جُزْءًا مِنْ اِسْتِقْلاَلِهِمْ» (١).
لكن هذه الطريق طويلة، ولذلك كان المبشرون يرغبون في أن تتدخل الدولة بقوتها أولاً ثم يأتون هم فيجدون الطريق ممهدة للتنصير: إن المبشر (وطسون) «اِقْتَرَحَ أَنْ تَتَعَاوَنَ الحُكُومَاتُ الغَرْبِيَّةُ فِي سَبِيلِ مَنْعِ اِنْتِشَارِ الإِسْلاَمِ بَيْنَ القَبَائِلِ الوَثَنِيَّةِ فِي أَفْرِيقِيَا» (٢) حتى تكون مهمة المبشر أهون لفقدان المنافسة. إن المبشرين يخشون تلك المنافسة خشية شديدة.
يقول (غاردنر): «إِنَّ نُزُولَ الإِرْسَالِيَّاتِ المَسِيحِيَّةِ عَلَى سَاحِلِ غَانَا، مِنْ نَهْرِ غَامْبِيَا إِلَى نَهْرِ النِّيجِرْ (عَلَى سَاحِلِ أَفْرِيقِيَا الشَّمَالِيِّ الغَرْبِيِّ)، لِلْتَّبْشِيرِ بَيْنَ الوَثَنِيِّينَ مِنْ أَهْلِ أَفْرِيقِيَا ثَمَّ اِحْتِلاَلِ الدُّوَلِ الأُورُوبِيَّةِ لِهَذِهِ المَنَاطِقَ وَلِمَا وَرَاءَهَا هُمَا اللَّذَانِ أَقَامَا الإِسْلاَمَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ وَجْهًا لِوَجْهٍ فِي تِلْكَ الأَصْقَاعِ» (٣)، وكل دين يحاول أن يجتذب إليه أولئك الوثنيين. ولم يكن في الأمر منافسة لو لم تقف الدول الأوروبية بجانب مبشريها.
وأخيرًا أخذ الضعف يدب فعلاً في الإمبراطورية العثمانية فاخترقت الدول الأجنبية ذلك السور الذي كان مضروبًا عليها، ثم تغلغلت من طريق الفتح ومن طريق التسلسل السياسي في شبه جزيرة العرب وفي مصر وسورية وقبرص وغيرها. وهكذا لم يبق من حاجة المبشرين لشق الطريق أمام الجيش الزاحف، ولكن ظلت الحاجة إليهم ماسة ليساعدوا في تثبيت الأقدام حيث نزل الجيش. ولكن المبشرين رأوا أن الجيش وحده كان يقوم بمهمة الفتح ومهمة تثبيت الأقدام فأرادوا أن يستفيدوا هم فقط من هذه السيطرة العسكرية السياسية.
قال (جسب): «إِنَّ القِسْمَ الأَكْبَرَ مِنَ المُسْلِمِينَ قَدْ أَصْبَحَ فِي حُكْمِ الدُّوَلِ النَّصْرَانِيَّةِ فَيَجِبُ الاِسْتِفَادَةَ مِنْ هَذِهِ الحَالَةِ الرَّاهِنَةِ» (٤). وصرح (رشتر) فقال: «إِنَّ مِائَةَ وَسِتِّينَ مَلْيُونًا مِنْ مَجْمُوعِ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ مَلْيُونًا مِنَ المُسْلِمِينَ فِي حُكْمِ الدُّوَلِ النَّصْرَانِيَّةِ، فَوَاجِبُ هَذِهِ الدُّوَلِ إِذَنْ أَنْ تُمَهِّدَ السَّبِيلَ لِتَبْدِيلِ دِينِ هَؤُلاَءِ الرَّعَايَا» (٥).
ولكن رغبة المبشرين لم تكن في حقيقة الأمر منافية لغاية الدول الأوروبية الطامحة إلى الاستعمار. إن الدول الأوروبية بدأت تنزل مستعمرة في الشرق الأدنى خاصة منذ الثلث الثاني من القرن التاسع عشر. ويمن المبشر (صموئيل زويمر) على المسلمين فيقول في المؤتمر