← Общие книги

Общие книги · id 117361

التبشير والاستعمار في البلاد العربية عرض لجهود المبشرين التي ترمي إلى اخضاع الشرق للاستعمار الغربي

مصطفى الخالدي

Полный текст (271 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

زَعِيمِهِمْ (طَانْيُوسْ شَاهِينْ) وَتَهَدَّدُوا المَشَايِخَ (١) بِسُوءِ العَاقِبَةِ. وَكَانَ بَدْءُ الإِسَاءَاتِ فِي " ذَوْقِ مَكَايِلْ " (قُرْبَ " جُونِيَّةَ ") لِكَوْنِهَا مَرْكَزَ الاِئْتِمَارِ وَالشَّغَبِ فِي الشَّعْبِ فَحَدَثَ مَا سَاءَ وَلَمْ يَخْلُ عَنْ إِرَاقَةِ الدِّمَاءَ. ثَمَّ اِنْدَفَعَتْ العَامَّةُ المُتَجَمْهِرَةُ عَلَى أَمْوَالِ المَشَايِخِ وَأَمْلاَكِهِمْ نَهْبًا وَغَصْبًا، فَفَرَّ الخَازِنِيُّونَ (٢) لاَجِئِينِ إِلَى مَدِينَةِ بَيْرُوتَ .. ثُمَّ اِمْتَدَّتْ الثَّوْرَةُ مِنْ " كِسْرَوَانَ " إِلَى " المَتْنِ " (شَمَالِيَّ طَرِيقِ بَيْرُوتَ - دِمَشْقَ مُبَاشَرَةً) وَالمَحَلاَّتِ المُخْتَلِفَةِ. وَلَرُبَّمَا كَانَ لِلإِكْلِيرُوسْ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ ضِلْعٌ مَعَ الأَهَالِي» (٣). على أن الفتن التي أخذت تطل برأسها أو تنفجر منذ عام ١٨٤٠ لم تكن كافية لتبرر التدخل الأجنبي، لقد كانت فتنًا قطاعية في الأغلب، ودينية بالعرض. ثم إنها كانت قاصرة على أقسام خاصة من الجبل يثور فيها المسيحي على المسيحي أو الدرزي على الدرزي. وأخيرًا أفلح الظالمون فأثاروا فتنة عام ١٨٦٠ وقسموا السكان قسمين واضحين: مسلمين ونصارى، فبردت بذلك بعض الصدور وأسرعت الدول الغربية ترسل جيوشها وأساطيلها إلى شواطئ بلادنا لحماية ... النصارى. ولو فرضنا أن فرنسا وحدها أرادت حماية النصارى لكان ذلك معقولاً، إذ يقال إن السلاح استقر في أيدي الموارنة من أيد فرنسية. ولكن إنجلترا التي قدمت فيما قيل أيضًا السلاح إلى الدروز وقد ادعت الآن حماية النصارى. وبعد أن وقعت الواقعة وهدرت الدماء البريئة من الطرفين ولطخ تاريخ وطننا بالسوء ووصمنا كلنا بالتعصب وقف المبشرون يعبرون عن رأيهم في النار التي أججوها وألقونا فيها وقودًا. يزين (جان بيانكي) الفرنسي، وهو قسيس بروتستانتي ورئيس شرف لجمعية المبشرين البروتستانت في باريس وأستاذ اللغة الفرنسية في الجامعة الأمريكية في بيروت، القول فيعرف هذه الفتنة بأنها «مَذْبَحَةٌ» قام بها الدروز لقتل النصارى الأرثوذكس والموارنة (٤). ولقد غاب عن بال (جان بيانكي) الفرنسي أن «مذبحة حقيقية» قد هيئت من قبل في وطنه فرنسا، وإنها كانت أيضًا في ظاهرها دينية وفي باطنها سياسية إلى أبعد مرامي

стр. 142

السياسة. تلك هي مذبحة القديس (بارثليميو) التي نفذت ليلة عيد هذا القديس (في ٢٣ آب ١٥٧٢) وذهب في نارها ألفان من الهوغونت (١) البروتستانت في باريس وحدها ونحو عشرة آلاف آخرون في فرنسا خارج باريس (٢). ويرى المبشر الأمريكي (هنري هاريس جسب) هذه الفتنة إعلانًا ناجحًا، فلقد «اِضْطَرَبَتْ لَهَا أُورُوبَا وَأَمَرِيكَا، وَأَصْبَحَ لُبْنَانُ بِهَا مَعْرُوفًا فِي العَالَمِ الغَرْبِيِّ فَأَمْكَنَ أَنْ تُجْمَعَ الإِعَانَاتُ بِاسْمِهِ وَالتَّبْشِيرِ فِيهِ» (٣). أما (يوليوس رشتر) الألماني فقد أجرى في أول الأمر الدموع على خديه وقال: «إِنَّ هَذِهِ المَذْبَحَةَ الجَدِيدَةَ قَدْ أَثَارَتْ رَحْمَةً قَوِيَّةً فِي العَالَمِ المَسِيحِيِّ». ولكنه يعود فيمسح هذه الدموع من وجهه وعينيه ليتبدل بها ابتسامة اطمئنان ويقول: «وَعَنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ بَدَأَ فِي عَامِ ١٨٦٠ فَصْلٌ جَدِيدٌ فِي تَارِيخِ الجُهُودِ البْرُوتِسْتَانْتِيَّةِ فِي الشَّرْقِ الأَدْنَى» (٤). ولم يحدث قبل مذابح الأرمن عام ١٨٩٥ و ١٨٩٦ حادث حفز الإرساليات البروتستانتية المختلفة إلى التكاتف في سبيل تنصير هذا القسم من العالم كحادث سنة ١٨٦٠. لقد كان هذا الحادث فريدًا إلى درجة أن المبشرين والرهبان لم يكتفوا بأن أثاروه ثم وقفوا يتفرجون به، بل إن منهم من اشترك فيه، فإن الراهب اليسوعي (فرديناندو بوناشيتا) قتل عام ١٨٦٠ في اضطرابات مدينة زحلة بعد أن قتل سبعة من الدروز (٥). ويختلف المبشرون في نسبة التبعة إلى المقاتلين. إن (رشتر) مثلاً يرى أن الذنب كان على الموارنة: «لَقَدْ كَانَ المَوَارِنَةُ مَرَّةً ثَانِيَةً مُخْطِئِينَ فَعَلَى الرَّغْمِ مِنَ الهَزَائِمِ التِي مُنُوا بِهَا فِي عَامِ ١٨٤٢ و ١٨٤٥، فَإِنَّهُمْ ظَلُّوا تَوَّاقِينَ إِلَى إِذْلاَلِ جِيرَانِهِمْ. وَمِنْ غَيْرِ سَبَبٍ سَقَطَ المَوَارِنَةُ عَامَ ١٨٦٠ عَلَى بِضْعِ قُرَى دُرْزِيَّةٍ. وَلَكِنَّ الدُّرُوزَ نَهَضُوا إِلَيْهِمْ نَهْضَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ» (٦). أما (دانيال بلس) فيرى أن التبعة تقع على أكتاف المسلمين، قال (٧): «وَلَقَدْ بَقِينَا حِينًا (بَعْدَ الفِتْنَةِ) نَخْشَى هُجُومًا عَلَى مَدِينَةِ بَيْرُوتْ، إِذْ قِيلَ إِنَّ اتِّفَاقًا عُقِدَ بَيْنَ دُرُوزِ الجَبَلِ وَبَيْنَ قِسْمٍ مِنَ النَّوْعِ السَّافِلِ فِي المُسْلِمِينَ لمُهَاجَمَةِ المَدِينَةِ فِي لَيْلَةٍ مَا ... ثُمَّ إِنَّ جَمِيعَ السُّكَّانِ

стр. 143

المُسْلِمِينَ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ السَّافِلِ كَانُوا فِي كُلِّ مَكَانٍ يُلَوِّحُونَ بِعِصِيِّهِمْ وَنَبَابِيتِهِمْ ...» (١). «أَمَّا اليَسُوعِيُّونَ فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُرِيدُونَ هَذِهِ المَذْبَحَةَ لأَنَّهَا هَدَّدَتْ أَعْمَالَ التَّبْشِيرِ» (٢). مع العلم بأن بعضهم خاضها وأبلى فيها البلاء الحسن كالراهب (بوناشيتا) مثلاً. هذه نماذج من آراء المبشرين في فتنة سنة الستين ومن نياتهم المبيتة وأعمالهم أيضًا. أما الإحسان الذي أسدوه إلى المنكوبين فهو في فصل الإحسان من هذا الكتاب. ولكن ماذا يهمنا الآن من حمل التبعة على الموارنة أو على الدروز؟ إن هذه «الفِتْنَةَ الدِّينِيَّةَ» كانت نقمة على لبنان، ولكنها حققت للدول الأجنبية هدفًا عظيمًا. أجل، قد لا يكون لهذه الفتنة صلة بالدين، ولكن كان لها بلا ريب صلة بالسياسة: لقد «اِنْعَقَدَ فِي بَيْرُوتْ مُؤْتَمَرٌ دَوْلِيٌّ حَضَرَهُ المُفَوِّضُ السُّلْطَانِيُّ مَعَ خَمْسَةٍ مِنْ وُكَلاَءِ الدُّوَلِ وَمُفَوِّضِيهِمْ، أَعْنِي دَوْلَةَ إِنْجْلِتْرَا وَفِرَنْسَا وَرُوسْيَا وَالنِّمْسَا وَبْرُوسِيَةَ ... وَقَرًّرُوا أَنْ تَكُونَ إِدَارَةُ الجَبَلِ بِوَاسِطَةِ مُتَصَرِّفٍ مَسِيحِيٍّ مِنْ طَرَفِ الدَّوْلَةِ العَلِيَّةِ بِرِضَا الدُّوَلِ» (٣). هذا المتصرف (الحاكم) يجب أن يكون نصرانيًا أوروبيًا ومن أتباع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، لا وطنيًا سوريًا مسلمًا أو مسيحيًا (٤).

стр. 144

الفَصْلُ السَّابِعُ: السِّيَاسَةُ طَرِيقُ التَّبْشِيرِ: ٣ - الإِدَرَاةُ الأَجْنَبِيَّةُ فِي خِدْمَةِ التَّبْشِيرِ: لقد أثمر التعاون بين السياسة والتبشير ثمرته الأولى وأخذت الأقطار الشرقية - التي لم تكن قد استعمرت من قبل - تسقط تحت النير الأجنبي وتخضع لإدارة أجنبية مباشرة. إن هذه الإدارة الأجنبية لَمْ تُقْصِ الآنَ المُبَشِّرِينَ لأنها نالت حاجتها من جهودهم، بل زادت في تقريبهم (١). إن الحاجة إلى المبشرين لم تنته ولكنها أصبحت الآن أعظم ضرورة من ذي قبل: إن إدارة البلاد المغلوبة على أمرها تنفر من الخضوع بسرعة، ولذلك لم يكن بد من إخضاعها بطريقة مستترة بعيدة عن المظاهر العسكرية أو الرسمية على الأقل. ولم يكن لدى الدول الأجنبية أفضل من المبشرين الذين أصبحوا يفهمون البلاد وأهلها ويعرفون مداخل الأمور فيها وأهواء المتنفذين من رجالها. ولكن المبشرين لم يرضوا أن يفعلوا ذلك فقط، بل أرادوا أن يحققوا هم رغباتهم الظاهرة على الأقل حتى يتيحوا للدول أن تحقق جميع رغباتهم الحقيقية. كل هذا ونظر الدول الأجنبية متجه إلى نقطتين في الإمبراطورية العثمانية أضعفتهما القلاقل: مصر وجبل لبنان. فِي صَمِيمِ التَّدَخُّلِ السِّيَاسِيِّ: وقف المبشرون ورجال السياسة الآن وجهًا لوجه: أي الفريقين يجب أن يتقدم الآخر؟. إن من المعروف في التاريخ أن المبشر كان يدخل البلاد ثم يأتي الجيش على أثره. ولكن المبشرين منذ القرن التاسع عشر أحبوا أن يتقدم الجيش أولاً، لأن ذلك يسهل مهمتهم. ولذلك كان

стр. 145

الحكام الوطنيون في كل بقعة على حق حينما كانوا «يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَجِيءَ المُبَشِّرِينَ يَنْتَهِي دَائِمًا بِتَدَخُّلِ الدُّوَلِ النَّصْرَانِيَّةِ فِي بِلاَدِهِمْ، وَبِخَسَارَتِهِمْ جُزْءًا مِنْ اِسْتِقْلاَلِهِمْ» (١). لكن هذه الطريق طويلة، ولذلك كان المبشرون يرغبون في أن تتدخل الدولة بقوتها أولاً ثم يأتون هم فيجدون الطريق ممهدة للتنصير: إن المبشر (وطسون) «اِقْتَرَحَ أَنْ تَتَعَاوَنَ الحُكُومَاتُ الغَرْبِيَّةُ فِي سَبِيلِ مَنْعِ اِنْتِشَارِ الإِسْلاَمِ بَيْنَ القَبَائِلِ الوَثَنِيَّةِ فِي أَفْرِيقِيَا» (٢) حتى تكون مهمة المبشر أهون لفقدان المنافسة. إن المبشرين يخشون تلك المنافسة خشية شديدة. يقول (غاردنر): «إِنَّ نُزُولَ الإِرْسَالِيَّاتِ المَسِيحِيَّةِ عَلَى سَاحِلِ غَانَا، مِنْ نَهْرِ غَامْبِيَا إِلَى نَهْرِ النِّيجِرْ (عَلَى سَاحِلِ أَفْرِيقِيَا الشَّمَالِيِّ الغَرْبِيِّ)، لِلْتَّبْشِيرِ بَيْنَ الوَثَنِيِّينَ مِنْ أَهْلِ أَفْرِيقِيَا ثَمَّ اِحْتِلاَلِ الدُّوَلِ الأُورُوبِيَّةِ لِهَذِهِ المَنَاطِقَ وَلِمَا وَرَاءَهَا هُمَا اللَّذَانِ أَقَامَا الإِسْلاَمَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ وَجْهًا لِوَجْهٍ فِي تِلْكَ الأَصْقَاعِ» (٣)، وكل دين يحاول أن يجتذب إليه أولئك الوثنيين. ولم يكن في الأمر منافسة لو لم تقف الدول الأوروبية بجانب مبشريها. وأخيرًا أخذ الضعف يدب فعلاً في الإمبراطورية العثمانية فاخترقت الدول الأجنبية ذلك السور الذي كان مضروبًا عليها، ثم تغلغلت من طريق الفتح ومن طريق التسلسل السياسي في شبه جزيرة العرب وفي مصر وسورية وقبرص وغيرها. وهكذا لم يبق من حاجة المبشرين لشق الطريق أمام الجيش الزاحف، ولكن ظلت الحاجة إليهم ماسة ليساعدوا في تثبيت الأقدام حيث نزل الجيش. ولكن المبشرين رأوا أن الجيش وحده كان يقوم بمهمة الفتح ومهمة تثبيت الأقدام فأرادوا أن يستفيدوا هم فقط من هذه السيطرة العسكرية السياسية. قال (جسب): «إِنَّ القِسْمَ الأَكْبَرَ مِنَ المُسْلِمِينَ قَدْ أَصْبَحَ فِي حُكْمِ الدُّوَلِ النَّصْرَانِيَّةِ فَيَجِبُ الاِسْتِفَادَةَ مِنْ هَذِهِ الحَالَةِ الرَّاهِنَةِ» (٤). وصرح (رشتر) فقال: «إِنَّ مِائَةَ وَسِتِّينَ مَلْيُونًا مِنْ مَجْمُوعِ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ مَلْيُونًا مِنَ المُسْلِمِينَ فِي حُكْمِ الدُّوَلِ النَّصْرَانِيَّةِ، فَوَاجِبُ هَذِهِ الدُّوَلِ إِذَنْ أَنْ تُمَهِّدَ السَّبِيلَ لِتَبْدِيلِ دِينِ هَؤُلاَءِ الرَّعَايَا» (٥). ولكن رغبة المبشرين لم تكن في حقيقة الأمر منافية لغاية الدول الأوروبية الطامحة إلى الاستعمار. إن الدول الأوروبية بدأت تنزل مستعمرة في الشرق الأدنى خاصة منذ الثلث الثاني من القرن التاسع عشر. ويمن المبشر (صموئيل زويمر) على المسلمين فيقول في المؤتمر

стр. 146

في المؤتمر التبشيري الذي عقد عام ١٩١١ في لكناو بالهند: «إِنَّ خَمْسَةً وَتِسْعِينَ مَلْيُونًا عَلَى أَقَلِّ تَقْدِيرٍ مِنْ أَتْبَاعِ بَنِي مَكَّةَ يَتَمَتَّعُونَ اليَوْمَ بِنِعْمَةِ الحُكْمِ البَرِيطَانِيِّ» (١)، وهو يقصد من ذلك أن طريق التبشير إلى هذه الملايين الكثيرة من المسلمين قد أصبحت معبدة. ويكشف المبشرون أخيرًا القناع عن غايتهم الحقيقية فيقول بعضهم: «إِنَّ اِحْتِلاَلَ الإِنْجْلِيزْ لِمِصْرَ وَقُبْرُصَ قَدْ سَاعَدَ عَلَى تَسْهِيلِ التَّعْلِيمِ بِاللُّغَةِ الإِنْجْلِيزِيَّةِ وَبِالتَّالِي عَلَى التَّبْشِيرِ» (٢). ويقول بعضهم الآخر: «إِنَّ رُسُوخَ حُكْمْ الإِنْجْلِيزْ فِي السُّودَانِ قَدْ سَهَّلَ مُهِمَّةَ المُبَشِّرِينَ» (٣). في ذلك الصقع المتسع. ثم يتبنى المبشر (زويمر) رَأْيًا صريحًا للمبشر (جسب) فيقول: «إِنَّ الأَبْوَابَ المَفْتُوحَةَ فِعْلاً إِلَى الإِسْلاَمِ إِنَّمَا هِيَ المُسْتَعْمَرَاتُ التِي يَعِيشُ فِيهَا المُسْلِمُونَ تَحْتَ حُكْمٍ مَسِيحِيٍّ أَوْ حُكْمٍ وَثَنِيٍّ أَيْضًا (فِي أَفْرِيقْيَا وَالهِنْدِ مَثَلاً)» (٤). إلا أن المبشر (واطسن) يلاحظ «أَنَّ اِسْتِبْدَالَ الحُكُومَاتِ الوَثَنِيَّةِ (فِي أَفْرِيقْيَا) بِحُكُومَةٍ غَرْبِيَّةٍ (مَسِيحِيَّةٍ) كَانَ عَلَى العُمُومِ فِي مَصْلَحَةِ المَشَارِيعِ التَّبْشِيرِيَّةِ. وَلَكِنَّ إِزَالَةَ دَوْلَةٍ وَثَنِيَّةٍ كَانَ يُزِيلُ عُنْصُرًا قَوِيًّا مِنْ عَنَاصِرِ مُقَاوَمَةِ المُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الإِسْلاَمَ يَنْتَشِرُ بَيْنَ الوَثَنِيِّينَ فِي ظِلِّ الحُكْمِ الأُورُوبِيِّ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْتَشِرُ فِي ظِلِّ حُكْمٍ وَطَنِيٍّ وَثَنِيٍّ خَالِصٍ» (٥). • • • ويرى المبشرون بوضوح أن السيادة الغربية في قطر إسلامي ما معناها تسهيل انتقال المسلمين إلى النصرانية. أما فقدان هذه السيادة فينتج حركة عكسية تمامًا. نشر المبشر (كنيث لاتورت) (٦) مقالاً في " المجلة الدولية للإرساليات " عنوانه: " الجَمَاعَاتُ النَّصْرَانِيَّةُ القَدِيمَةِ فِي آسْيَا وَمَقَامُهُمْ فِي خُطَطِ مَا بَعْدَ الحَرْبِ " (٧) (العالمية الثانية). يقول الكاتب: «كَيْفَمَا اِتَّفَقَ لَنَا أَنْ نُفَكِّرَ فِي الشَّرْقِ الأَدْنَى وَفِي غَرْبِيِّ آسْيَا، فَإِنَّ الكَثْرَةَ مِنَ الصَّابِئِينَ قَبْلَ الحَرْبِ العَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى يَدَيْ الإِرْسَالِيَاتِ البْرُوتِسْتَانْتِيَّةِ أَوْ الكَاثُولِيكِيَّةِ كَانَتْ مِنْ أَبِنَاءِ الكَنَائِسِ الشَّرْقِيَّةِ. وَمَعْنَى هَذَا - مَا لَمْ تَكُنْ الوِلاَدَاتُ قَدْ زَادَتْ عَلَى الوَفِيَّاتِ - إِنَّ عَدَدَ

стр. 147

النَّصَارَى لَمْ يَزْدَدْ. أَمَّا الاِنْتِقالُ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَى الإِسْلاَمِ فَقَدْ كَانَ كَمَا يَظْهَرُ أَكْثَرَ مِنَ الاِنْتِقالِ مِنَ الإِسْلاَمِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ .. عَلَى أَنَّ ثَمَّتَ تَأْثِيرًا مَسِيحِيًّا كَبِيرًا فِي حَيَاةِ المُسْلِمِينَ وَسُلُوكِهِمْ قَدْ جَاءَ عَلَى يَدَيْ هَذِهِ الإِرْسَالِيَّاتِ نَفْسِهَا ... وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ نَذْكُرَ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ اِنْتِقالٌ وَاسِعٌ مِنَ الإِسْلاَمِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ فِي قُطْرٍ مَا إِلاَّ بَعْدَ أَنْ تَبَدَّلَ ذَلِكَ القُطْرُ بِحُكُومَتِهِ الإِسْلاَمِيَّةِ حُكُومَةً غَرْبِيَّةً مَسِيحِيَّةً، وَذَلِكَ فَقَطْ إذَا كَانَتْ هَذِهِ الحُكُومَاتُ الغَرْبِيَّةُ المَسِيحِيَّةُ تَنْهَجُ سِياسَةً فَعَّالَةً فِي مُسَاعَدَةِ الإِرْسَالِيَّاتِ». ويأسف (كنيث لاتورت) لأن انتصار مبادئ الأمم المتحدة في العالم سيزيد في جاه دول الشرق الأوسط وسيخرج بالتالي بلدان هذه البقعة المهمة من العالم من نطاق النفوذ التبشيري. وهو يُرَوِّعُ بما حدث في تركيا بعد الحرب العالمية الأولى، فإنها قد ضربت حولها نطاقًا دون التبشير. ثم يقول: «وَنَحْنُ وَاثِقُونَ مِنْ أَنْ جُهُودَ المُبَشِّرِينَ سَتَنْقُلُ أَفْرَادًا مَعْدُودِينَ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ، وَلَكِنَّ التَّنْصِيرَ الجَمَاعِيَّ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَظِرَ ...». ولا ريب أن في انسحاب بريطانيا من الهند (١) سيقود - في رأي الكاتب المذكور - «إِلَى تَبَدُّلٍ أَسَاسِيٍّ فِي مَشْرُوعِ التَّبْشِيرِ فِي الهِنْدِ نَفْسِهَا. لَقَدْ كَانَ المُوَظِّفُونَ، فِي أَثَناءِ الحُكْمِ البَرِيطَانِيِّ، يُؤَخَذُونَ مِنَ النَّصَارَى بِنِسَبَةٍ لاَ تَتَّفِقُ مَعَ عَدَدِهِمْ بِالإِضَافَةِ إِلَى المُسْلِمِينَ أَوْ الهُنْدُوسْ. إِنَّ النَّصَارَى سَيَفْقِدُونَ بَعْدَ الآنَ هَذَا الاِمْتِيازَ، وَرُبَّمَا دَفَعَهُمْ فَقْرُهُمْ حِينَئِذٍ وَقِلَةُ عَدَدِهِمْ إِلَى أَنْ يَفْقِدُوا أَثَرَهُمْ فِي المُجْتَمَعِ الهِنْدِيِّ» (٢). • • • ومنذ أيام محمد علي باشا، في مطلع القرن التاسع عشر، طمع المبشرون بمصر لأن محمد علي أراد أن يُدْخِلَ المدنية الأوروبية إلى مصر، فطمح هؤلاء إلى أن يتسللوا مع المدنية الغربية إلى عقائد المسلمين. ويبدو أن المبشرين تمتعوا ببعض الحرية حتى جاء عباس الأول عام ١٨٤٨ وهو الذي نعته المبشرون بالقاسي لأنه قاوم التبشير. أما سعيد باشا (١٨٥٤ - ١٨٦٣) فقد نعته المبشرون بالعبقري لأنه سمح للنفوذ الأوروبي أن يعود سائدًا في وادي النيل (٣)، مع أن عهد سعيد باشا كان عهد نقمة على مصر وعلى المصريين. وجاء بعد سعيد باشا الخديوي إسماعيل فأمدته أوروبا بالأموال حتى أغرقته في

стр. 148

الديون. ثم إنها اقتضته تلك الديون مرة واحدة فاستطاعت من هذه الطريق أن تشتري في سنة ١٨٧٥ أسهم الحكومة المصرية في قناة السويس وأن تدخل في إدارة القناة عمليًا. وأخيرًا انتهزت إنجلترا فرصة الثورة التي قادها عُرَابِي بَاشَا فضربت الإسكندرية وأنزلت جيوشها إلى البر المصري عام ١٨٨٢. ومنذ ذلك الحين أصبحت مصر تحت الحماية الإنجليزية فعلاً، وإن كانت قد ظلت اسمًا تابعة للسلطنة العثمانية (١). وبعد إسماعيل جاء توفيق، وأخذت مصر تنطوي رويدًا رويدًا تحت رقابة دولية، أو تحت حكم أوروبي على الأصح. وتنازعت إنجلترا وفرنسا النفوذ على مصر زمنًا، ثم استطاعت إنجلترا أن تنفرد بالسيطرة وحدها. ومنذ احتلال إنجلترا لمصر أصبحت مصر تحت سلطة إنجلترا المسيحية (٢). ولكن إنجلترا كانت تحسب حسابًا للشعور الإسلامي فلا تود أن تجرحه بالتظاهر بالتبشير حرصًا على مصالحها العسكرية والسياسية. أما المبشرون فكانوا يريدون من إنجلترا أن تعلن سياسة دينية عنيفة في مصر (٣)، بعد أن وجهوا هم جهودهم للتبشير بين المسلمين (٤). ولقد اتهم بعض المبشرين (اللورد كرومر)، المعتمد البريطاني في مصر، بأنه كان حليمًا يحابي المسلمين (٥)، مع أنه كان يشجع التبشير بين المسلمين ويحمي القسس الأجانب والمبشرين. قال شوقي يخاطب (اللورد كرومر) يوم رحيله عن مصر (٦): لَوْ كُنْتُ مِنْ حُمُرِ (٧) الثِّيَابِ عَبَدْتُكُمْ • ... • ... • مِنْ دُونِ عِيسَى مُحْسِنًا وَمُنِيلاَ أَوْ كُنْتُ قِسِّيسًا يَهِيمُ مُبَشِّرًا • ... • ... • رَتَّلْتُ آيَةَ مَدْحِكُمْ تَرْتِيلاَ مَنْ سَبَّ دِينَ مُحَمَّدٍ فَمُحَمَّدٌ • ... • ... • مُتَمَكِّنٌ عِنْدَ الإِلَهِ رَسُولاَ! أراد المبشرون أن يكون (كرومر) صريحًا عنيفًا بطاشًا، وكان هو ذا كيد خفي يتدخل شخصيًا في التنصير. من ذلك أن طالبًا من القدس كان يدرس في الأزهر ثم صبأ من الإسلام إلى النصرانية، فطلبه أبوه ثم حضر بنفسه إلى مصر، فالتجأ الابن إلى (اللورد كرومر). فاستكتبه (اللورد كرومر) وثيقة فيها أنه لا يريد أن يرجع مع أبيه، ففعل (٨). وهكذا

стр. 149

كثر التبشير في مصر بعد سقوط إسماعيل ثم استطال واسبطر في عهد (اللورد كرومر) (١). كَيْفَ دَخَلَ الإِنْجِلِيزُ إِلَى السُّودَانِ ؟: على أن جهود السياسة في السودان كانت أكثر تضافرًا على التبشير. جاء الجنرال (غوردن) حاكمًا على السودان في أواخر أيام الخديوي إسماعيل باشا، الذي خلع عن عرش مصر عام ١٨٧٩. ومنذ ذلك الحين حثت الجمعيات التبشيرية رجالها على البدء بالتبشير الفعلي في السودان المصري (٢). ولكن بعد ثورة السودانيين على الإنجليز وانهزام الإنجليز ومقتل (غوردن) نفسه عام ١٨٨٥ خمدت حركة التبشير. ثم لما خفق العلم الإنجليزي من جديد على السودان، عام ١٨٩٨، عادن حمية المبشرين إلى البروز واستعدت الجمعيات التبشيرية لتجعل من التبشير عملاً منظمًا علنيًا. إلا أن (اللورد كرومر) المعتمد البريطاني في مصر ظل إلى عام ١٩٠٥ يحث المبشرين على التريث في إعلان حميتهم، لأن ظهور المبشرين مسفرين عن وجوههم قد يضر بالسياسة البريطانية ضررًا بالغًا مع العلم بأن (كرومر) نفسه كان يشجع التبشير (٣). وبلغ من تدخل المبشرين في شؤون السودان ومن دالتهم على المعتمدين البريطانيين في مصر أنهم كانوا يبدون آراءهم في تعيين الموظفين في السودان. ولكنهم لم ينجحوا دائمًا. لما نزلت إنجلترا في السودان وأرادت أن تديره أتت بموظفين مسلمين من الهند ومصر لهذه الغاية. ولكن المبشرين احتجوا على ذلك واقترحوا أن يكون هؤلاء الموظفين نصارى قد صبأوا من الإسلام على الأقل. إلا أن إنجلترا كانت تنظر بالفعل إلى مصالحها هي قبل كل شيء فَلَمْ تُصْغِ دائمًا إلى نصائح أولئك المبشرين (٤). على أن الجمعيات التبشيرية كانت قد أعدت عدتها منذ عام ١٩٠٠ وأرسلت مبشريها إلى السودان ليقوموا بالتبشير العلني فعلاً. وكانت إنجلترا تشجع المبشرين البروتستانت والكاثوليك على السواء في السودان (٥)، وما دام المبشر يخدم الاستعمار، وما دامت الدول

стр. 150

المستعمرة لا تهمها الناحية الدينية كعقيدة ولكن كوسيلة إلى غايتها. ولقد كان التبشير في السودان المصري مهمة صعبة، وكانت النتائج مستحيلة. ولذلك وجه المبشرون جهودهم نحو جنوبي السودان حيث يكثر الوثنيون. حتى الوثنيون لم يكونوا يقبلون على المسيحية، فكان عمل المبشرين من أجل ذلك قاصرًا على منع انتشار الإسلام في تلك البقعة الفسيحة من أفريقيا (١). ولما لم تستطع الجمعيات التبشيرية أن تخطو في التبشير خطى منتجة، استعانت بالدول المستعمرة، فأعانتها تلك الدول المستعمرة في أماكن متعددة كالبحرين (٢) واليمن. وبعد أن استولى الإنجليز على عدن اتخذ المبشرون عدن مركزًا يرسلون منه نشراتهم التبشيرية إلى قلب بلاد العرب أو يخالطون القوافل ليبشروا في أهلها (٣). وكذلك فعل المبشرون في جزر الهند الشرقية، في جاوة وسومطرة وسواهما (٤). أما روسيا القيصرية فكانت ذات أسلوب خاص بها مستمد من استبدادها. كانت روسيا في القرن التاسع عشر، وفي إبان استبدادها، تحمل المسلمين من رعاياها على التنصر بقوة السيف. فلما أعلنت الحرية الدينية في روسيا في السابع عشر من نيسان عام ١٩٠٢ عاد خمسون ألفًا إلى الإسلام وحملوا معهم عددًا آخر ممن لم يكونوا مسلمين قط (٥). واستطار المبشرون فرحًا لما أصبح لبنان متصرفية بعد فتنة عام ١٨٦٠ وأصبح حكامه من النصارى الأوروبيين. قال (رشتر): «إِنَّ مُقَاطَعَةَ لُبْنَانَ لَتُغْتَبَطُ مُنْذُ عَامِ ١٨٦٢ بِحَاكِمٍ مَسِيحِيٍّ وَبِحُرِّيَّةٍ نِسْبِيَّةٍ (لِلْمُبَشِّرِينَ)». ثم لا يكتفي (رشتر) بهذا الفرح وهذا الاغتباط، بل يود أن توالي الدول الأجنبية تدخلها بالقوة كلما لزم الأمر توسيعًا لحركة التبشير بين المسلمين خاصة (٦). ولم تكن نظرة (رشتر) خاطئة، فإن المتصرفين (حكام لبنان بعد فتنة عام ١٨٦٠) كانوا يشجعون التبشير. زار وفد من المبشرين، فيهم (دانيال بلس) " رئيس الكلية السورية الإنجيلية في بيروت " (الجامعة الأمريكية اليوم)، والدكتور (أدي)، و (دنيس)، و (جسب) وغيرهم، متصرف جبل لبنان (واصا باشا) في الثامن والعشرين من شهر شباط عام ١٨٨٨،

стр. 151

فقال لهم (واصا باشا): «طَمْئِنُوا أَصْدِقَائَكُمْ وَحُكُومَتَكُمْ (الأَمِرِيكِيَّةِ) بِأَنِّي سَأَعْمَلُ مَا فِي وُسْعِي لِحِمَايَتِكُمْ وَحِمَايَةِ عَمَلِكُمْ». وكذلك كانت سياسة رستم باشا من قبل (١). فِرَنْسَا خَاصَّةً: أما فرنسا خاصة فكانت تعتقد أن النفوذين الديني والسياسي في جبل لبنان احتكار لها دون سائر الدول. من أجل ذلك ساءها أن ترى المبشرين البروتستانت يتمتعون بحماية رسمية. وشاء المتصرف داود باشا - وَكَانَ أَرْمِنِيًّا - أن يرضي فرنسا فمتع القسس الموارنة بالحرية لاستئصال شأفة البروتستانتية (٢). وعلى هذا المنوال سارت الحال في جبل لبنان حتى نشبت الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤، فرأت الدولة العثمانية في نظام المصرفية خطرًا على إمبراطوريتها فألغته. وهكذا سكنت حركة التبشير لتنبعث بعد أربعة أعوام من جديد بقوة واتساع، حينما احتل الإنجليز والفرنسيون سورية وقلصوا ظل الدولة العثمانية عن شرق البحر الأبيض المتوسط كله. على أن هذا الاحتلال الثنائي لم يطل كثيرًا، بل انسحب الإنجليز إلى جنوبي سورية (فلسطين وشرق الأردن) وظل الفرنسيون في الشمال (سورية ولبنان). وهكذا صال المبشرون اليسوعيون في منطقة الانتداب الفرنسي صولة شديدة ثم جعلوا - بعد أن كانوا يلمحون - يصرحون ويلوحون. فمن أقوالهم: لما فتحت الهدنة عام ١٩١٨ للمبشرين طريق سورية من جديد، وطد أولئك المبشرون أقدامهم في حوران، وفوضهم الأساقفة الكاثوليكيون بما كانوا قد أجبروا على تركه عام ١٩١٤ (٣). وأشد تلويحًا قولهم: «أَيُّهَا المُبَشِّرُونَ، هَذِهِ فُرَصٌ لَمْ تُسْنَحْ لَكُمْ مِنْ قَبْلُ» (٤). ولم تكن الدولة الفرنسية المنتدبة وحدها عونًا لليسوعيين على تنصير غير النصارى، بل إن الحكومة المحلية - التي لم تكن إلا وجهًا آخر لدولة الانتداب - كانت تساعد في ذلك. يقول اليسوعيون أنفسهم (٥):

стр. 152

«مِنَ الأُمُورِ المُسْتَجَدَّةِ مُنْذُ الاِنْتِدابِ اِنْتِشارُ الأَمْنِ المُطْلَقِ تَقْريبًا فِي البِلاَدِ اللُّبْنَانِيَّةِ. إِنَّ المُبَشِّرِينَ القُدَمَاءَ كَانُوا يَعْمَلُونَ دَائِمًا إِمَّا فِي وَجْهِ حَادِثَةٍ مُثِيرَةٍ أَوْ عَلَى خَوْفٍ مِنْ كَمِينٍ بَدَوِيٍّ أَوْ طَلْقٍ نَارِيٍّ مِنْ مَصْدَرٍ مَجْهُولٍ، أَوْ مُعَرَّضِينَ لِقُطَّاعِ الطَّرِيقِ. أَمَا اليَوْمَ فَلَمْ يَبْقَ أَثَرٌ لِلْبَنَادِقِ - فَقَدْ صَادَرَهَا الفِرَنْسِيُّونَ - وَلَقَدْ دَفَعَ الذِينَ حَاوَلُوا الاِعْتِداءَ عَلَى المُبَشِّرِينَ ثَمَنًا غالِيًا». • • • كان اليسوعيون يتبجحون بهذه الأقوال عام ١٩٣٠، حينما كان ظلم الفرنسيين المخيم على بلادنا فِي أَوْجِهِ، وحينما كانت فرنسا تظن أن دولتهم لن تدول. وهكذا كشفت فرنسا القناع عن وجهها في السياسة الاستعمارية: لقد أرادات الإدارة الفرنسية أن تقوم بحركة تنصير واسعة في البلاد مستعينة باليسوعيين، فاختارت بلاد العلويين حول اللاذقية. يشهد اليسوعيون (١) أن فرنسا أرادت، بعد عهد من الاستعباد والجهل غطى بلاد العلويين، أن توجد للعلويين دستورًا محررًا (لانتزاع العلويين من الإسلام وإدخالهم في النصرانية)، على شرط أن يساعد هذا الدستور على تحقيق ذلك بلا ضجة. لذلك أصدر (المسيو شوفلر)، جلاد بلاد العلويين، مرسومًا بتاريخ (٢ أيار ١٩٣١ وتحت رقم ٢٩٠٨) يجعل الانتقال من المذهب الكاثوليكي يجري في المحكمة العادية من غير حاجة إلى الإجراءات المعقدة!. ويجمل أنيس صايغ في كتابه " لبنان الطائفي " تدخل فرنسا في لبنان خاصة واستغلال السياسة والتجارة والعلم والطائفية في سبيل مصالحها هي، مع الإشارة إلى المنافسة الشديدة في هذا الشأن بينها وبين إنجلترا خاصة، قال (٢): «إِلاَّ أَنَّ التَّدَخُّلَ الأَجْنَبِيَّ فِي شُؤُونِ لُبْنَانَ، بِالمَفْهُومِ الاِسْتِعْمَارِيِّ الحَدِيثِ، لَمْ يَبْدَأْ إلاَّ فِي القَرْنِ المَاضِي. وَلَيْسَتْ هَذِهِ الحَوادِثُ التِي ذَكَرْنَاهَا إلاَّ مُقَدِّمَاتٍ لِلاِسْتِعْمَارِ الحَقِيقِيِّ الذِي عَرَفَهُ لُبْنَانُ فِي القَرْنَيْنِ الأَخِيرَيْنِ، إِذْ أَصْبَحَتْ سُورِيَّةُ الطَّبِيعِيَّةُ، ضِمْنَ مُمْتَلَكَاتِ الإِمْبْرَاطُورِيَّةِ العُثْمَانِيَّةِ، مَطْمَعَ دُوَلِ أُورُوبَا المُتَنَازِعَةِ فِيمَا بَيْنَهَا، وَالسَّاعِيَةِ إِلَى تَوْسِيعِ مُمْتَلَكَاتِهَا وَمَنَاطِقَ نُفُوذِهَا عَلَى حِسَابِ بَعْضِهَا بَعْضًا ...».

стр. 153

«وجد هؤلاء الاستعماريون أن الخطوة الأولى في سبيل السيطرة على لبنان تستوجب استثمار الطائفية فيه - في إثارة طائفة على أخرى، وفي رعاية طائفة ضد أخرى. لذلك غذى هؤلاء الطائفية ونموها وتعهدوها بأموالهم ودهائهم، بحيث أخذت الطائفية مفهومًا جديدًا، وأصبحت، لدى الكثيرين، مجرد وليدة لهذه التغذية الاستعمارية الآثمة. وأخذ رجال الحكومات الأجنبية، من وزراء وقناصل وعمال مأجورين، الدور الذي كان لرجال الإقطاع في العصور الوسطى ... دور التستر وراء قناع الطائفية، لتحقيق الأطماع الجزئية. بدأت هذه المرحلة في القرن التاسع عشر. وقد بزغ هذا القرن أثناء ولاية الأمير بشير الثاني، الملقب بـ " الكبير ". وقد اعتمد الأمير المذكور على الطائفية، كوسيلة للمحافظة على نفوذه في الشعب، أكثر من أي لبناني آخر. وحفل عصره بالمؤامرات الطائفية، العلنية والخفية، التي كان هو يحيكها، لوحده، أو بتعاونه مع الدول الأجنبية، ليلهي الشعب عن الثورة عليه، ويؤمن لسيادته الامتداد الذي يريده. وكانت فرنسا تعتبر نفسها حامية المسيحيين في الشرق، وخاصة الموارنة في لبنان، بمقدار ما كان المورانة يعتبرونها صديقتهم الكبيرة الأولى. فقد جرت التقاليد في البلدين على اعتبار الصداقة المارونية والفرنسية في غاية العراقة، تدعمها القرون الطويلة، وتجعل فرنسا لا تقبل منافسة دولة أخرى في هذه الصداقة، وتجعل الموارنة لا يقبلون منافسة طائفة أخرى في الولاء لفرنسا. ودعمت فرنسا هذه العلاقة السياسية المتسترة بثوب ديني بتعهد العلاقات التجارية والإرساليات التبشيرية بين لبنان وفرنسا. فقد ضاعفت فرنسا عنايتها بأمور التجارة، وأرسلت القناصل وأسست المكاتب والمراكز الثابتة لتسهيل أمورها. وكانت فرنسا منذ ١٥٢٠ قد حاولت ضم لبنان إليها بالقوة، للحصول على ثروته وكنوزه، حينما أرسلت أسطولاً يتألف من خمس عشرة سفينة إلى سواحل لبنان، إلا أن مسلمي ودروز السواحل هاجموا الجنود الفرنسيين وطردوهم ... أما التبشير فكان الميدان الأوسع لإنماء العلاقات الطائفية ... وبدأت الإرساليات تفد إلى لبنان منذ القرن الثالث عشر ... ورعى ملك فرنسا بنفسه شؤون التبشير، في ذلك القرن، واهتم ببناء الكنائس. وبدأت فرنسا تستقبل رجال الدين اللبنانيين وتعلمهم في

стр. 154

مدارسها الدينية على حسابها. وواصلت فرنسا رعايتها للإرساليات في الشرق بالرغم من اضطهادها لها في فرنسا نفسها. وكان اهتمام فرنسا وتدخلها يزداد كلما لمست ازديادًا في اهتمام بريطانيا بالشرق. فقد كان لبريطانيا، هي الأخرى، مطامعها ومصالحها في هذا الجزء من العالم. ولما لم يكن لبريطانيا (في ذلك الحين) طائفة تشترك مَعًا في المذهب، اضطرت بادئ الأمر، إلى الاعتماد على التجارة والتدخلات الرسمية والخفية في بلاط الخليفة العثماني ... ثم ازداد الاهتمام الإنجليزي بسورية في القرن الثامن عشر، عندما أصبحت الهند وشرقي آسيا محورين رئيسيين للثروة البريطانية الاستعمارية. وأرسلت بريطانيا عشرات الرحالة والمؤلفين والموظفين لدراسة أحوال سورية كطريق رئيسية إلى الهند ... وكانت بريطانيا قد سبقت هذه الدول في إرسال دعاتها إلى لبنان لتحريض الشعب ضد إبراهيم باشا والأمير بشير. فقدم إلى " غزير "، في كسروان، منذ ١٨٣٩، كاهن إيرلندي الأصل، اسمه (وود)، وادعى أنه جاء ليتعلم العربية هناك. لكنه كان، إذ يتعلم العربية، يلقي بذور الشقاق بين الأهالي. ووعد (وود) البطريرك (حبيش) بمساعدة بريطانيا لإعلان لبنان إمارة مارونية مقابل مساعدة الموارنة لها. وفي الوقت نفسه أكد (وود) للدروز صداقة بريطانيا لهم وعطفها عليهم. ومثل (وود) سعى كل من (تشرشل) و (أونفرا) و (اللادي استنهوب) وغيرهم من البريطانيين الذين أقاموا في لبنان، تحت ستار توزيع الهدايا ومصادقة الشعب، إلى إثارة العصبية الطائفية لفتح المجال أمام بريطانيا لكي تتدخل ... و (كذلك) انتشر عمال فرنسا في البلاد وتجولوا بين القرى المارونية، طالبين إلى السكان رفع الأعلام الفرنسية لنيل حظوة الجيوش الحليفة» (التي جاءت لحرب إبراهيم باشا). تَهَكُّمٌ وَاِسْتِهْزَاءٌ: ودعاة الاستعمار الخالص كدعاة الاستعمار المتستر بالتبشير لا يرعون للناس عهدًا ولا يحفظون لهم كرامة، حتى لأولئك الذين يستميلونهم أو يدعون أنهم استمالوهم. إن دعاة الاستعمار هؤلاء إذا كتبوا عن الشرق ملأوا كتاباتهم بالتهكم والاستهزاء وبشيء كثير من الازدراء أحيانًا. صدر مؤخرًا كتاب باللغة الفرنسية اسمه " آسيا المرعبة " (١) يصف رحلة شبه صحفية في بلاد الشرق الآسيوي. ولقد تهكم مؤلفاه (بيار) و (رينيه غوسيه) (٢) على البلاد

стр. 155

الشرقية ما شاء لهما التهكم. ونال لبنان مِنْ هَذَا التَّهَكُّمِ أَمَرَّهُ، مع العلم بأن مؤلفي الكتاب كليهما نَالاَ من الإكرام في لبنان - بشهادتهما نفسهما - ما أدهشهما. قال المؤلفان (١): «وَعَرَفْنَا مَرَّةً، عَلَى مَائِدَةِ الصَّبَاحِ، فَتَاةَ رَائِعَةً مِنَ البِيئَةِ اللُّبْنَانِيَّةِ (مِنْ تِلْكَ الأُسَرِ الغَنِيَّةِ المُثَقِّفَةِ التِي تَرَبَّتْ فِي مَدَارِسِنَا وَالتِي تَتَزَوَّدُ بَأَزْيَائِهَا مِنْ بَارِيسَ وَتَصْطَافُ فِي فِرَنْسَا) ... وَجَهِدَتْ (هَذِهِ الفَتَاةُ) لِتُدْخِلَ السُّرُورَ عَلَى قُلُوبِنَا، اِبْتِغَاءَ سُرُورِنَا وَحْدَهُ، ثَمَّ خَصَّتْنَا يَوْمَيْنِ كَامِلَيْنِ بِسَيَّارَةٍ ظَلَّتْ تَحْتَ تَصَرُّفِنَا حَتَّى بَلَغْنَا الحُدودَ السُّورِيَّةَ. (وَقُلْنَا فِي مَجْمِعٍ: لَعَلَّهَا وَجَدَتْنَا) لَطِيفَيْنِ. فَأَجَابَنَا (رَيْمُونَ دَ) (٢)، وَهُوَ صَحَافَيٌّ لُبْنَانِيٌّ: " بِكُلِّ تَأْكِيدٍ، وَلَكِنَّكُمَا أَيْضًا فِرَنْسِيَّانِ "». ولما تجولا في شوراع بيروت قالا (٣): «إِنَّ لِجَادَّةِ الفِرَنْسِيِّينَ مَعْنَاهَا فِي بَيْرُوتْ. وَلَنْ نَخْشَى أَنْ يُصِيبَهَا مَا أَصَابَ شَوَارِعَنَا فِي سَايْغُونْ (٤). إِنَّ فِرَنْسَا لَمْ تَكُنْ فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ مَحْبُوبَةً فِي لُبْنَانَ كَمَا أَصْبَحَتْ بَعْدَ أَنْ غَادَرْنَاهَا نَحْنُ ... وَبِاِنْتِهَاءِ الاِنْتِدابِ تَسَلُّمَ لُبْنَانُ اِسْتِقْلاَلَهُ وَكَأَنَّهُ هَدِيَّةٌ عَجِيبَةٌ. لَقَدْ نَسِيَ الدَّقائِقَ الحَرِجَةِ كَيْلاَ يَنْسَى التُّرَاثَ الذِي خَلَّفْنَاهُ لَهُ. وَمَا كَانَ ذَلِكَ يَسِيرًا. وَاِجْتَمَعْنَا حَوْلَ مَائِدَةِ (جُورْجْ نَقَّاشْ) مُدِيرُ جَرِيدَةِ " الأُورْيَانْ " (٥) بِأَحَدِ أَصْدِقَائِنَا اللُّبْنَانِيِّينَ القُدَمَاءَ، مِنَ الذِينَ اِلْتَقَيْنَا بِهِمْ فِي أَقْطَارِ العَالَمِ الأَرْبَعَةِ خِلاَلَ الأَعْوَامِ الأَخِيرَةِ، وَهُوَ (جُوزِيفْ حَ) مُدِيرُ الشُّؤُونِ الخَارِجِيَّةِ فِي بِلادِهِ فِي الوَقْتِ الحَاضِرِ (٦). وَفِي هَذَا الجَوِّ الهَادِئِ لَمْ نَسْتَطِعْ إلاَّ أَنْ نَسْتَعِيدَ ذِكْرَى (ثِقَةَ) مُتَبَادَلَةً نَبَتَتْ مُنْذُ سِنِينَ خَلَتْ حِينَمَا كَانَ وَزِيرًا مُفَوَّضًا فِي بْرُوكْسَالْ. لَقَدْ حَدَّثَنَا (فِي لِقَائِنَا هَذَا) عَنْ النِّزَاعِ الوِجْدَانِيِّ الفَاجِعِ الذِي يَنْتَابُ أَهْلَ جِيلِهِ. إِنَّهُ لَمَّا حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ فِرَنْسَا بِعُنْفٍ حِينَمَا كَانُوا يُكَافِحُونَ فِي سَبِيلِ اِسْتِقْلاَلِ بِلاَدِهِمْ، وَجَدُوا أَنَفْسَهُمْ (فَجْأَةً) بَلاَ ثِقَةٍ أُخْرَى، وَلاَ لُغَةٍ أُخْرَى، وَلاَ أُسْلُوبٍ مِنْ أَسَالِيبِ التَّفْكِيرِ سِوَى تِلْكَ التِي كَانُوا تَعَلَّمُوهَا فِي كُلِّيَّاتِنَا وَمَدَارِسِنَا».

стр. 156

وقطع المؤلفان السائحان الحدود بين لبنان وسورية فسجلا التعليق التالي (١): «ثَمَّ هَذَا شَاهِدٌ صَغِيرٌ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ السُّلَّمِ الاِجْتِمَاعِيِ (٢). بَعْدَ بِضْعَةِ أَيَّامٍ وَفَّرَ عَلَيْنَا مَأْمُورُ الجَمَارِكَ اللُّبْنَانِيَّةِ عَلَى الحُدودِ السُّورِيَّةِ، بِإِيمَاءَةٍ مَمْلُوءَةً بِرَحَابَةِ الصَّدْرِ، جَمِيعَ الشَّكْلِيَّاتِ بَعْدَ نَظَرَةٍ يَسِيرَةً أَلَقَاهَا عَلَى جَوَازِ سَفَرِنَا. وَفِي فَرْطِ تَأْثُرِهُ قَالَ لَنَا - وَهُوَ يَبْدُو مُضْحِكًا قَلِيلاً وَمُنْتَفِخًا كَثِيرًا -:" مُرَّا، إِنَّ لُبْنَانَ هُوَ الاِبْنُ البِكْرُ لِفِرَنْسَا ". وَهَكَذَا رَجَعَتْ بِنَا الذِّكْرَى إِلَى مَرَّاكُشَ، مَرَّاكُشَ التِي نَعْرِفُهَا وَالتِي نُحِبُّهَا كَثِيرًا، وَإِلَى كُلِّ مَا نَحْنُ عَلَى وَشَكِ أَنْ نُضَيِّعَهُ فِيهَا بِسَبَبِ قَلْبِنَا الشَّائِخِ الذِي قَسَا كَثِيرًا لِقِلَّةِ سَخَائِنَا وَضَعْفِ خَيَالِنَا». ولم يشأ هذان السائحان أن يغادرا لبنان قبل أن يخصا أرزه والبطريرك الماروني بملاحظة نابية. قالا (٣): «يَجِبُ أَلاَّ يُقَالُ: إِنَّنَا تَرْكَنَا لُبْنَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَرَى أَرُزَّهُ. إِنَّ الأَرُزَّةَ شِعَارُ البِلاَدِ، عَلَى قُبَّعَاتِ الشُّرْطَةِ وَعَلَى العَلَمَ. إِنَّهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ إِلاَّ فِي الإِحْرَاجِ. يا خَيْبَةَ الأَمَلِ، إِنَّ الأَرُزَّاتِ التِي يَفْتَخِرُونَ بِهَا كَثِيرًا تَبْلُغُ أَرَبْعِينَ وَتَتَجَمَّعُ فِي أَعَالِيِ جَبَلٍ مَرْشُوشٍ بِالثَّلْجِ. إِنَّ أَرُزَّنَا المَرَّاكُشِيَّ فِي " أَزُورْ " أَقَلُّ قَدَاسَةً وَلَكِنَّهُ أَكْثَرُ تَأْثِيرًا فِي الرَّائِينَ». في أثناء الانتداب أرادت فرنسا أن تمنع القرويين من أن يسيموا عنزهم في تينك الغيضتين الأخيرتين من شجرات الأرز الباقية على قيد الحياة. ولقد لجأت فرنسا إلى رؤساء الدين المحليين لمساعدتها على ذلك. وبعد ستة أشهر جاء موظف فرنسي إلى البطريرك الماروني يسأله عن مدى التقيد بالقوانين (التي فرضت لحماية الأرز). فأجابه البطريرك قائلاً: «إِنَّهُ تَقَيُّدٌ تَامٌّ، يَا كَابِتِينْ، سِوَى أَنَّ المُعَزَّى الأُرْثُوذُكْسْ لاَ تُرِيدُ أَنْ تَسْمَعَ وَلِذَلِكَ هِي تُصِرُّ عَلَى قَضْمِ الأَغْصَانِ» ﴿انتهى قول (بيار) و (رينيه غوسيه)﴾. اِسْتِفْزَازٌ وَقِلَّةُ ذَوْقٍ: ولقد قام الفرنسيون خاصة في مناطق نفوذهم بأعمال تبشيرية استعمارية كلها استفزاز وقلة ذوق. وكان التعاون بين فرنسا وبين اليسوعيين وَالبَابَا تَعَاوُنًا وَثِيقًا جِدًّا.

стр. 157

من هذه الأعمال حادث جنينة رسلان وقد مرت الإشارة إليه (١) وكيف أن اليسوعيين اِحْتَمَوْا بحراب الفرنسيين وذهبوا إلى بلاد العلويين - وهي بقعة من الجمهورية السورية - وحملوا نفرًا من أهل البلاد على إعلان انتسابهم إلى المذهب الكاثوليكي بالقوة (٢). على أن الضغط الفرنسي زال عن العلويين بعد زوال انتدابهم على سورية ولبنان عام ١٩٤٣، وتنفسنا نحن الصعداء. ولما فقدت فرنسا نفوذها في الجمهورية السورية، بعد أن عادت بلاد العلويين إلى الوطن الأم، ثم جلت جنود الاحتلال عن البلاد كلها، لم تنس فرنسا سياسة خلق المشاكل في البلاد فأثارت سليمان المرشد. سليمان المرشد رجل إقطاعي شجعه الفرنسيون على أن يدعي الألوهية، ولذلك تسمى بـ " الرب " وأخذ يعامل قومه العلويين على هذا الأساس. ثم تطوح فجعل ينهب ويسلب ويقتل حتى ألقت الحكومة السورية القبض عليه وأدانته (بما ارتكبه من حوادث سلب وقتل) وشنقته: لقد أراد اليسوعيون أن يصنعوا إلهًا يوهن قوى الدولة السورية الناشئة ولكنهم جَنَوْا على رجل ثم قادوه إلى المشنقة. وهكذا ماتت بموت سليمان المرشد آمال اليسوعيين والفرنسيين في بلاد العلويين إلى الأبد. ولقد استغل الفرنسيون الدين في جميع أشكاله، وساعدهم اليسوعيون خاصة على ذلك. في عام ١٩٣٠ أراد البابا أن يقيم عيدًا لمناسبة مرور ألف وستمائة سنة على موت (القديس أغسطينوس). ولكنه أراد أن يكون لهذا العيد طابع خاص، فاختار أن يدعو إلى مؤتمر أفخارستي (٣) في مدينة قرطاجنة (قرب تونس)، لأن (القديس أغسطينوس) كان من البربر، ومن تلك الناحية. ومع أن إقامة هذا العيد من حق الكنيسة تقيمه متى شاءت، فإن اقترانه بانعقاد مؤتمر أفخارستي (مسيحي) في بلد كل أهله مسلمون يدل على كثير من قلة اللياقة. على أن تونس المستعبدة يومذاك قد أجبرت على قبول ذلك وعلى أن تدفع أيضًا من خزينتها الحالية مليونين من الفرنكات، يوم كان الفرنك لا يزال يساوي قرشًا من الذهب، وعلى أن تقبل بوضع الأَسِرَّةِ فِي المَسَاجِدِ ليرقد عليها الرهبان الذين جاءوا من أطراف الأرض ليعلنوا حربًا

стр. 158

صليبية جديدة في بلد مسلم. ولما أراد بعض الشباب التونسيون أن يحتجوا على هذه الأعمال المنافية لكل ذوق، فوق ما فيها مِنْ تَحَدًّ للشعور الديني والقومي والإنساني، لم تتورع فرنسا عن أن تقبض على هؤلاء وتزجهم في السجون لتتيح للمؤتمر الأفخارستي أن ينعقد بكل صخب استعماري في جو من الهدوء (١). هذا المقطع الناري ليس لنا نَحْنُ المُؤَلِّفِينَ المُسْلِمِينَ [العُرُوبِيِّينَ] بل هو لرجل فرنس مسيحي كما ترى في الحاشية. وما دمنا نتكلم على تونس في شمال أفريقيا فلنقل كلمة على الظهير البربري (٢). في الوقت الذي كان المؤتمر الأفخارستي ينعقد في تونس، كانت فرنسا تقوم في مراكش بعمل مماثل من حيث النتائج الدينية الاستعمارية: في ١٥ أيار عام ١٩٣٠ أجبرت فرنسا سلطان مراكش الشاب على أن يصدر ظهيرًا (مَرْسُومًا) ينص على أن يكون للقبائل المراكشية التي هي من أصل بربري نظام قضائي خاص، أو على الأصح نظام شرعي خاص، فلا تسري عليهم قوانين الشرع الإسلامي بل قواعد العرف العشائري البربري. وكان من الطبيعي أن يثور المراكشيون كلهم على ذلك، فمشى العرب والبربر وسكان المدن وسكان القرى والبوادي على السواء مشية الرجل الواحد احتجاجًا على هذا الافتراء وعلى هذا التفريق في الشرع بين المسلمين أنفسهم. إن المظالم التي ترتكبها فرنسا في المغرب باسم الحرية (٣) لهي أكثر من أن تذكر. ثم هي تستوحي الفاتيكان (مَقَرُّ بَابَا رُومِيَّةَ) سياستها الدينية لتثبت بها أقدامها في مستعمراتها. وهذا يقضي عليها بأن تعاضد الرهبان والمبشرين في حملتهم على كل بلد مستقل وعلى المسلمين خصوصًا. وهكذا نرى بكل وضوح أن الإرساليات الدينية كانت دائمًا ستارًا لتغلغل الاستعمار في الشرق. يخبرنا (هنري جسب) (٤) «أَنَّ المُبَشِّرِينَ اِسْتَغَلُّوا جُهُودَهُمْ لِخِدْمَةِ دُوَلِهِمْ وَأَذْكَوْا [نَارَ] العَدَاوَةِ فِي الذِينَ كَانُوا يُبَشِّرُونَ بَيْنَهُمْ، فَقَدْ كَانَ القَائِمْقَامْ المَارُّونِيُّ فِي لُبْنَانَ (الأَمِيرُ حَيْدَرْ أَبِي اللُّمَعِ) يَضُمُّ جُهُودَهُ إِلَى جُهُودِ البَطْرِيَرْكِ المَارُّونِيِّ وَالقُنْصُلِ الفِرَنْسِيِّ العَامَّ لِوَضْعِ لُبْنَانَ تَحْتَ نُفُوذِ الإِكْلِيرُوسْ (رِجَالُ الدِّينِ المَسِيحِيِّ) لِلْوُصُولِ إِلَى جَعْلِ جَمِيعِ الكَاثُولِيكْ فِي سُورِيَّةَ تَحْتَ نُفُوذِ فِرَنْسَا. وَكَانَ عَمَلُ (الأَمِيرِ حَيْدَرَ) يَصْدُرُ عَلَى مَا يَظْهَرُ عَنْ

стр. 159

اِقْتِنَاعٍ، حَتَّى أَنَّهُ أَعْلَنَ أَنَّ فِرَنْسَا سَتَحْتَلُّ يَوْمًا مَا لُبْنَانَ بِجَيْشِهَا» (١). ولقد كتب المبشر (هنرى جسب) هذه الجملة في كتابه المطبوع عام ١٩١٠ قبل أن تحتل فرنسا لبنان بثماني سنوات. والفتن التي أثارها الاستعمار باسم الدين في بلاد العرب خاصة كثيرة جِدًّا، منها فوق ما تقدم، ثورة التياريين في العراق، أو ثورة الأشوريين. الأثوريون أو الأشوريون: طائفة مسيحية تعيش شمالي العراق. ولكن المؤرخ المدقق السيد عبد الرزاق الحسني يرى أن هؤلاء على الرغم من أنهم يعرفون باسم «الأَشُورِيِّينَ». فإنهم لا صلة لهم بالأشوريين الذين سكنوا العراق قبل الميلاد، بل هم طائفة غريبة دخيلة حاك لها المستعمر هذه الأسطورة (٢) وخلع عليها هذه التسمية. ولقد تمرد الأشوريون على الدولة العثمانية قبل الحرب العالمية الأولى بإثارة روسيا لهم فأدبتهم الدولة العثمانية وأخرجتهم من بلادها. ولكن ما كادت الحرب العالمية الأولى تنشب حتى تطوع عشرون ألفًا منهم في الجيش الإنجليزي. «وَلَمَّا اِنْدَلَعَ لَهِيبُ الثَّوْرَةِ العِرَاقيَّةِ الكُبْرَى فِي صَيْفِ ١٩٢٠ وَقَامَ العِرَاقِيُّونَ يُنَادُونَ بِاسْتِقْلاَلِ بِلادِهِمْ، كَانَ التَّيَّارِيُّونَ (الأَشُورِيُّونَ) يُقَاتِلُونَ أَبْنَاءَ البِلاَدِ فِي صُفُوفِ الإِنْجْلِيزْ قِتَالاً مُسْتَمِيتًا وَيَنْتَقِمُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ اِنْتِقامًا صَارِمًا لاَ مُبَرِّرَ لَهُ وَلاَ سَبَبَ» (٣)، وكانوا يتجسسون للعدو على وطنهم (٤). والسيد عبد الرزاق الحسني على حق حينما ذكر أن الإنجليز أرادوا من إسكان التياريين (الأشوريين) في العراق وضع أقلية مسيحية يستغلونها في مقاومة تركيا المسلمة ويهددون بها استقلال القطر العراقي الناشئ (٥). ولقد وافقه على ذلك (س. م. موريسون)، فجعل تبعة ثورة الأشوريين على عاتق عصبة الأمم أو على عاتق الحكومة البريطانية (٦). ولقد استطاع العراق أن يقضي على كل أمل لهؤلاء التياريين بإنشاء دولة شمالي العراق أو «وطن قومي». ولم تكن إنجلترا تريد من إسكان الأشوريين في العراق إلا ما أرادت من إسكان اليهود في فلسطين. ولما لم تستطع

стр. 160

إنجلترا أن تخلق بالأشوريين قلاقل ذات أهمية في العراق أعارتهم للفرنسيين الذين نقلوهم إلى سورية ولبنان ليكونوا مصدر قلق لسورية كما كانوا للعراق (١). ما أشد ضرر هذه الأقليات الطائفية التي تعير نفسها للمستعمر ليستعين بها على خلق القلاقل في الوطن الأم، فأين الدعاوي العراض بالوطنية والقومية!؟. التَّوْظِيفُ وَالطَّائِفِيَّةُ: إن المستعمر إذا نزل بَلَدًا اتخذ أعوانه من الأقليات المتوطنة أو الطارئة. ولقد أشار عَلاَّمَتُنَا ابْنُ خَلْدُونْ إلى هذه الناحية فعقد لها فصلين قصيرين في " مقدمته " المشهورة، فذكر أن صاحب الدولة إذا خشي من أهل الدولة الانتقاض عليه مَالَ «إِلَى أَوْلِيَاءَ آخَرِينَ مِنْ غَيْرِ جِلَدَتِهِمْ يَسْتَظْهِرُ بِهِمْ عَلَيْهِمْ ... وَيَخُصَّهُمْ بِمَزِيدِ التَّكْرُمَةِ وَالإِيثَارِ ... وَيُقَلِّدَهُمْ جَلِيلَ الأَعْمَالِ وَالوِلاَيَاتِ مِنَ الوِزَارَةِ وَالقِيَادَةِ وَالجِبَاِيَةِ» (٢). وكذلك فعل المستعمرون عند نزولهم ببلاد المشرق الإسلامي هذا الفعل فاستخلصوا الأرمن والأشوريين والمهاجرين من اليهود والروس واليونان والإفرنج ليقاوموا بهم العرب. وما كنا نحن لنعقد هذا الفصل القصير هنا لولا أن المجلة التبشيرية " العالم الإسلامي " قد ذكرته مع قلب للحقائق فاضح. قال (س. م. موريسون) في مقال نشره في مجلة " العالم الإسلامي " عنوانه " الحُرِّيَّةُ الدِّينِيَّةُ فِي العِرَاقِ " (٣): «فَإذَا تَجَاوَزْنَا الأَشُورِيِّينَ، وَهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحَوَالِهِمْ ذَوُو صِبْغَةٍ خَاصَّةٍ فِي العِرَاقِ، لَمْ نَلْحَظْ إِشَارَةً مَا إِلَى أَنَّ الحُكُومَةَ العِرَاقِيَّةَ تَدْفَعُ الأَقَلِّيَاتِ الدِّينِيَّةِ عَنْ حُقُوقِهِمْ ... هَذَا عَلَى الأَقَلِّ هُوَ المَوْقِفُ الرَّسْمِيُّ لِلْحُكُومَةِ. أَمَّا فِي الوَاقِعِ فَإِنَّهُ إِذَا عُرِضَ لِلْحُكُومَةِ أَنْ تَخْتَارَ بَيْنَ المُتَقَدِّمِينَ إِلَى المَنَافِعِ، فَإِنَّ المُسْلِمَ يَكُونُ حِينَئِذٍ أَعْظَمَ حَظًّا مِنْ غَيْرِ المُسْلِمِ. فَالْمُسْلِمُ مَثَلاً هُوَ المُفَضَّلُ عَلَى النَّصْرَانِيِّ وَاليَهُودِيِّ عِنْدَ إِرْسَالِ البَعْثَاتِ العِلْمِيَّةِ إِلَى الخَارِجِ أَوْ عِنْدَ التَّعْيِينِ فِي مَنَاصِبِ الدَّوْلَةِ. وَبِمَا أَنَّ العِرَاقَ دَوْلَةٌ إِسْلاَمِيَّةٌ فَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الأَمْرُ الطَّبِيعِيُّ». لقد أخطأ (موريسون) من ناحية، ثم فسح لنا مجال القول من ناحية أخرى. أننا في

стр. 161

الدرجة الأولى إذا استعرضنا الموظفين في العراق رأينا أن غير المسلمين يتمتعون بعدد من المناصب لا يتفق مع نسبتهم في الإحصاء. أما مجال القول فهو أن الإنجليز والفرنسيين قد ملأوا مراكز البلاد الإسلامية التي يستعمرونها - عَمَلِيًّا أَوْ نَظَرِيًّا - بغير المسلمين. أما الشركات الأجنبية في البلاد الإسلامية، فَقَلَّ أن تأخذ مسلمًا، وإذا أخذته فللمناصب الثانوية فقط. حتى لبنان - ذلك القطر العربي المستقل - فإن أعظم مفاتيح مناصبه في أيدي غير المسلمين - تساهلاً من المسلمين في سبيل حفظ الوحدة الوطنية، ولأن لبنان كما يرى الكثيرون ذو وضع خاص - وجميع منافعه الاقتصادية موجهة إلى غير المسلمين. وليس هنا مجال التوسع في هذه الناحية لأن كتابنا هذا ليس خاصًا بلبنان. والمستعمر لا يختار موظفي الدولة من المسلمين. إن المسلمين لا يكونوا إلا أقلية في جهاز البلد الخاضع للاستعمار أو لما يشبه الاستعمار، كالانتداب مثلاً. ثم إن المسلمين القليلين في جهاز تلك الدولة لا تلقي إليهم مقاليد المناصب الرئيسية أبدًا. قد لا يصدق أحد إذا قلنا له إن في الدوائر العقارية في حكومة الجزائر ألفين من الموظفين منهم ثمانية فقط من المسلمين (١)، ولعل هؤلاء الثمانية من الحُجَّابِ. ولما استقلت مراكش وانتقلت الإدارة من الفرنسيين إلى الوطنيين كان في وزارة الشؤون الاجتماعية مائتان وخمسون موظفًا منهم أربعة من المسلمين، وكان هؤلاء الأربعة كلهم حُجَّابًا. ولقد رأينا قبل صفحات معدودة أن الموظفين النصارى كانوا في جهاز الإدارة في الهند كثيرين لا تتفق مع عددهم بالنسبة إلى الهنود والمسلمين. وليس هذا شأن الدول المستعمرة وحدها، بل إن الشركات الأجنبية تسير على هذه السياسة نفسها. ويكفي أن يستعرض أحدنا الموظفين في هذه الشركات في لبنان وسورية والعراق ومصر وتونس حتى يدرك كره المستعمرين والشركات الأجنبية للموظفين المسلمين. ومن المؤكد أن المستعمر لا يريد أن يتفق أبناء الأقليات مع الأكثرية المسلمة في الشرق. إن (لويس ماسينيون) المستشرق الفرنسي والموظف المعروف في وزارة الخارجية الفرنسية بقسم الشؤون الشرقية يقول: «وَالقِبْطُ النَّصَارَى (فِي مِصْرَ) وَقَدْ فَهِمُوا وَاجِبَهُمْ الأَوَّلَ كَنَصَارَى قَوْمِيِّينَ عَرَبٍ، وَعَزَمُوا عَلَى أَلاَّ يَلْعَبُوا لُعْبَةً مُزْدَوَجَةً وَعَلَى أَلاَّ يَتَوَسَّلُوا إِلَى حِماِيَةِ الدُّوَلِ الأَجْنَبِيَّةِ (بِمَيْلٍ دِينِيٍّ ظاهِرٍ) أَخَذُوا يُفَاوِضُونَ فِي هَذِهِ الفِتْرَةِ (الاِنْتِخَابِيَّةِ) حَتَّى الإِخْوَانَ المُسْلِمِينَ ...» (٢). ومع أن الظاهر هذه الجملة لا ينكشف صراحة عن نية مستعمرة، فإن التهكم والتألم ملموحان فيها بوضوح. وكذلك يستغرب المسيو (ماسينيون) نفسه اتجاه بلاد الشرق الأدنى نحو التوحيد

стр. 162

برامج التعليم، وخصوصًا في تعليم التاريخ الإسلامي الذي يربط هذه البلاد برباط واحد (١). إن هذا التقارب المعقول بين الأكثرية المسلمة في الشرق وبين الأقليات غير المسلمة لم يخفه المبشرون الكاثوليك فقط، بل خاف منه البروتستانت أيضًا. إن الحواجز المذهبية العملية قد زالت بين المسلمين والأقباط في مصر فأصبحوا جميعًا إخوانًا في الوطنية وقطعوا على المستعمر سبيلاً من أوسع السبل إلى تغلغل الاستعمار. على أن المبشرين البروتستانت، لما يئسوا من استغلال الأقباط سياسيًا ودينيًا، اكتفوا بأن يحاولوا استغلال جهود هؤلاء الأقباط، بعد أن اطمأن المسلمون إلى إخلاصهم القومي، في التبشير بين إخوانهم المسلمين، ولكننا لا نعلم إلى أي حد نجحوا (٢). وإلى زمن قريب كانت كل دولة تكتفي بجهود مبشريها هي فقط في سبيل بلوغ أغراضها السياسية. إلا أن هذه الدول جعلت أخيرًا تتعاون تعاونًا وثيقًا فيما بينها في هذا السبيل، ما دام الشكل الديني ليس إلا واسطة لبسط النفوذ السياسي. وفي الرابع من نسيان عام ١٩٢٤ وقعت الولايات المتحدة وفرنسا اتفاقًا (٣) تأخر إعلانه إلى ١٣ آب من العام نفسه. وقد جاء في هذا الاتفاق ما يلي (٤): «المَادَّةُ العَاشِرَةُ - إِنَّ إِشْرَافَ الدُّوَلَةِ المُنْتَدَبَةِ (فِرَنْسَا) عَلَى الإِرْسَالِيَّاتِ الدِّينِيَّةِ فِي سُورِيَّةَ وَلُبْنَانَ يَجِبُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى حِفْظِ الأَمْنِ وَالإِدَرَاةِ الحَسَنَةِ (٥). إِنَّ أَوْجُهَ نَشَاطِ هَذِهِ الإِرْسَالِيَّاتِ الدِّينِيَّةِ يَجِبُ أَلاَّ تَخْضَعَ لِتَدْبِيرٍ يُضَيِّقُ مَجَالَ عَمَلِهَا، وَلاَ أَنْ يَخْضَعَ أَعْضَاءُ هَذِهِ الإِرْسَالِيَّاتِ لِتَدْبِيرٍ يُضَيِّقُ مَجَالَ عَمَلِهِمْ بِسَبَبِ اِخْتِلاَفِ جِنْسِيَّتِهِمْ، عَلَى شَرْطِ أَنْ تَنْحَصِرَ أَوْجُهُ هَذَا النَّشَاطِ فِي حَقْلِ الدِّينِ». هذه المادة تنص بوضوح على تعاون فرنسا والولايات المتحدة - وغيرها من الدول الأوروبية - على التبشير في سورية ولبنان. فالدول الغربية كلها، إذن، ترى أن التبشير ذو فائدة لها حتى تعقد في سبيله المعاهدات. هذه المعاهدة الغربية في تاريخ الدول المتمدنة ظلت نافذة حتى ١٩٤٣ في الجمهوريتين السورية واللبنانية مَعًا - لخضوع تينك الجمهوريتين يومذاك لانتداب فرنسي واحد -.

стр. 163

ولكن لما استقلت الجمهورية السورية لم تجد من الكرامة أن تبقى هذه المعاهدة ذات واقع قانوني فألغتها. ولما احتجت الدولة التي يعنيها الأمر عناية شديدة وقالت إن «الحرية والديمقراطية» يجب أن تكونا مكفولتين، وإن للإنسان ملء الحق بنشر الدين الذي يريده واعتناق المذهب الذي يرضاه، كان الجواب العاقل يومذاك ما يلي: «إِنَّ الجُمْهُورِيَّةَ السُّورِيَّةَ لاَ تُقَيِّدُ حُرِّيَّةَ أَحَدٍ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى مَذْهَبٍ دِينِيٍّ، وَلَكِنَّهَا تَرَى أَنَّ هَذِهِ الحُرِّيَّةَ يَجِبُ أَنْ تَتَسَاوَى بَيْنَ الدَّاعِي وَالمَدْعُوِّ، فَلِمُبَشِّرٍ بْرُوتِسْتَانْتِيٍّ مَثَلاً أَنْ يُنَاظِرَ فَقِيهًا مُسْلِمًا. وَلِرَجُلٍ كَاثُولِيكِيٍّ أَنْ يُخَاطِبَ رَجُلاً مُسْلِمًا. أَمَّا أَنْ يُتْرَكَ الأَطْفَالُ الأَبْرِيَاءُ فِي صُفُوفِ المَدَارِسِ الاِبْتِدَائِيَّةِ تَحْتَ رَحْمَةِ المُبَشِّرِينَ فَهَذَا يَتَنَافَى مَعَ أَبْسَطِ قَوَاعِدِ الحُرِّيَّةِ. وَهَكَذَا أَغْلَقَتْ الجُمْهُورِيَّةُ السُّورِيَّةُ عُقُولَ الذِينَ لاَ يُزَالُونَ قَاصِرِينَ دُونَ مَكَائِدِ المُبَشِّرِينَ لَمَّا وَضَعَتْ لِلْمَعَارِفِ قَوَانِينَ تَحْفَظُ كَرَامَةَ البَلَدِ المُسْتَقِلِّ. إِنَّ المَدَارِسَ الأَجْنَبِيَّةَ - وَالفِرَنْسِيَّةَ مِنْهَا خَاصَّةَ - كَانَتْ فِي أيام الاِنْتِدابِ تَتَمَشَّى عَلَى نِظَامٍ مُنَافٍ كُلَّ المُنَافَاةِ لِرُوحِ الاِسْتِقْلاَلِ. كُلُّ هَذَا كَانَ وَاضِحًا فِي الجُمْهُورِيَّةِ السُّورِيَّةِ فَسَنَّتْ الحُكُومَةُ قَوَانِينَ سَيْطَرَتْ فِيهَا عَلَى التَّعْلِيمِ الخَاصِّ أَيْضًا وَحَالَتْ بَيْنَ مَقَاعِدِ الدِّرَّاسَةِ وَبَيْنَ النُّفُوذِ السِّيَاسِيَّ» (١). فلما فقدت مدارس المبشرين خاصة نفوذها على الطالب الابتدائي ثارت ثائرتها وراحت تقذف الحكومة السورية بوابل من شتائمها. وبما أننا لا نحذق هذا النوع من الشتائم لا ابتداءً وتفصيلاً ولا تقليدًا وتلخيصًا، فإننا سنترك اليسوعيين أنفسهم يتكلمون بلغتهم. في بيروت مجلة تصدر عن الحاجة إلى التفرقة الدينية، هي مجلة " الشراع "، وهي، كما يقول أصحابها على الصفحة الثانية من غلافها: جريدة يومية سياسية دينية جامعة تصدر مؤقتًا أسبوعيًا. ثم هي لسان حال الكثلكة ورؤسائها في الشرق، صاحبها ومديرها العام الخوري (انطون قرطباوي)، ويشرف على سياستها الرئيس (ألفرد نقاش) أحد رؤساء الجمهورية اللبنانية السابقين، ورئيس التحرير فيها (أنطوان نعيمة). هذه المجلة يصدرها اليسوعيون، وهي تتكلم بلسانهم وتحت إشرافهم على الأقل، وقد قالت لمناسبة حيلولة الحكومة السورية بين اليسوعيين وبين الطلاب الابتدائيين، ثم بينهم وبين عامة الشعب في بلاد العلويين ما يلي (٢): «وَالرَّجَاءُ التَّنَبُّهُ إِلَى النُّقَطِ وَالفَوَاصِلِ».

стр. 164

«أَمَّا فِي بِلاَدِ العَلَوِيِّينَ فَإِنَّنَا، حَتَّى السَّاعَةَ، لَمْ نُدْرِكْ الأَسْبَابَ التِي تُخَوِّلُ أَوْلِيَاءَ الأَمْرِ فِي سُورِيَّةَ، الشَّقِيقَةَ العَزِيزَةَ، عَلَى أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى الرِّسَالَةِ الكَاثُولِيكِيَّةَ نَظَرَهُمْ إِلَى مُؤَسَّسَةٍ غَيْرَ مَرْغُوبٍ فِيهَا، وَعَلَى أَنْ يُعَامِلُوا القَائِمِينَ وَالقَائِمَاتِ بِهَا مُعَامَلَةَ أَعْدَاءِ الوَطَنِ السُّورِيِّ. مَاذَا طَلَبَتْ الحُكُومَةُ السُّورِيَّةُ مِنْ أَرَبَابِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ فِي الحَقْلِ الوَطَنِيِّ يَرْتَاحُ إِلَيْهِ الضَّمِيرُ المَسِيحِيُّ وَلَمْ يَتَمَوَّهْ؟ (لاَحِظْ الشَّرْطَ: يَرْتَاحُ إِلَيْهِ ... الخ) فَلِمَاذَا إِذَنْ هَذِهِ المُعَامَلَةُ الخَشِنَةُ بَلْ الهَمَجِيَّةُ (كَذَا) تَعَامُلَ بِهَا بَنَاتٌ عَذَارَى (أَيْ الرَّاهِبَاتُ) لاَ هَمَّ لَهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَعْمَلْنَ وَيُثَقِّفْنَ وَيَرْقِينَ صِغَارَ العَلَوِيِّينَ؟ مَا الذِي خَوَّلَ الجُنُودَ السُّورِيِّينَ أَنْ يَدْخُلُوا بَيْتَ الرَّاهِبَاتِ وَهُمْ شَاكُّونَ السِّلاَحَ وَيَتَهَدَّدُونَ بِكَلاَمٍ فَظٍّ وَيَجُرُّوهُنَّ إِلَى السُّجُونِ؟ أَيَّةُ جَرِيمَةٍ ضِدِّ الوَطَنِ اِرْتَكَبَتْهَا هَؤُلاَءِ العَذَارَى الحَيِيَّاتِ حَتَّى يُرَوَّعْنَ بِمِثْلِ مَا رُوِّعْنَ فِي المُدَّةِ الأَخِيرَةِ؟ أَهَكَذَا كَانَ الجُدُودُ العَرَبُ يُعَامِلُونَ النِّسَاءَ المُحْصَنَاتِ، أَلاَ نَظْرَةً إِلَى تَارِيخِكُمْ، أَيُّهَا الإِخْوَانُ السُّورِيُّونَ! أَيْنَ الشَّهَامَةُ العَرَبِيَّةُ وَأَيْنَ النِّبَالَةُ التِي تَتَغَنَّوْنَ بِهَا؟ كُنَّا ظَنَّنَا فِي بادِئِ الأَمْرِ أَنْ لَيْسَ لِهَذِهِ المُعَامَلَةِ صِفَةً رَسْمِيَّةً بَلْ هِي مِنْ عِنْدِ أَشْخَاصِ الحُكُومَةِ المَحَلِّيَّةِ مِنْ إِدَرِايَّةٍ وَعَسْكَرِيَّةٍ رَامُوا مِنْ وَرَائِهَا أَنْ يَظْهَرُوا بِمَظْهِرِ الغَيْرَةِ عَلَى وَطَنِهِمْ وَاهِمِينَ أَنَّهُمْ بِذَلِكَ يُرْضُونَ رُؤَسَاءَهُمْ؟ فَخَابَ الآنَ ظَنُّنَا بَعْدَ أَنْ رَشَحَ إِلَينَا مِنْ مَصْدَرِ يُوثَقُ بِصِدْقِهِ أَنَّ هَؤُلاَءِ يَتَلَقَّوْنَ أَوَامِرَ صَرِيحَةً مِنْ عَلِ: مِنْ وِزَارَةِ الدَّاخِلِيَّةِ السُّورِيَّةِ، فَهَالَنَا الأَمْرُ وَجِئْنَا نَسْأَلُ الدَّاخِلِيَّةَ السُّورِيَّةَ بِاسْمِ الدُّسْتُورِ السُّورِيِّ الذِي يَضْمَنُ حَرَّيَّةَ الفِكْرِ وَالقَوْلِ وَالعَقِيدَةِ، لِمَ المُخَالَفَةُ لِلْدُّسْتُورِ؟ لَقَدْ نَادَى رِجَالُ الحُكْمِ فِي سُورِيَّةَ بِأَنْ لَيْسَ فِي سُورِيَّةَ أَكْثَرِيَّةً وَأَقَلِّيَّةً، بَلْ إِنَّ سُورِيَّةَ هِي لِلْسُّورِيِّينَ عَلَى اِخْتِلاَفِ أَدْيَانِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ! فَلِمَ تُكَذَّبُ الأَقْوَالُ بِالأَعْمَالِ وَلِمَ يُسْتَخَفُّ بِنُصُوصِ الدُّسْتُورِ بِدُونِ حَيَاءٍ؟ أَهَذَا هُوَ الوَقْتُ المُوَافِقُ لِمِثْلِ هَذِهِ الأَفْعَالِ الجَائِرَةِ تَنْزِلُ بِقَوْمٍ عُزَّلٍ وَبِعَذَارَى وَدِيعَاتٍ؟ بِمِثْلِ هَذَا التَّصَرُّفِ تُجْمَعُ القُلُوبُ وَيُنْشَدُ الإِخَاءُ؟ إِنَّنَا عَالِمُونَ بِالنِّيَّاتِ المُبَيِّتَةِ. وَالوَقَائِعُ شَاهِدَةٌ. فَهُنَاكَ ضَغْطٌ وَتَهْدِيدٌ وَإِغْرَاءٌ لِحَمْلِ بَعْضِ العَلَوِيِّينَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا مُعْتَقَدَهُمْ ... وَسَنَعْنِي فِي أَجْزَائِنَا الآتِيَةِ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ لِتَّطَلُّعِ القُرَّاءِ عَلَى الطَّرِيقَةِ التِي يَسْتَخْدِمُهَا أَرْبَابُ الحُكْمِ السُّورِيُّونَ فِي تَطْبِيقِ دُسْتُورِهِمْ وَنُنَبِّهَ الرَّأْيَ العَامَّ إِلَى الكَذِبِ السِّيَاسِيِّ الذِي يُمَوِّهُونَ بِهِ عَلَيْهِ. لَقَدْ رُوجِعَتْ الحُكُومَةُ المَحَلِّيَّةُ فِي بِلاَدِ العَلَوِيِّينَ وَرُوجِعَتْ وِزَارَةُ الدَّاخِلِيَّةِ بِأَمْرِ هَذِهِ الاِعْتِدَاءَاتِ فَكَانَ فِي الأَجْوِبَةِ إِبْهَامٌ، وَكَانَ فِيهَا مُرَاوَغَةٌ وَكَانَ فِيهَا تَنَصُّلٌ مِنَ التَّبِعَاتِ فَجِئْنَا

стр. 165

اليَوْمَ نَسْتَصْرِخُ عَدَالَةَ فَخَامَة السُّورِيَّ الأَوَّلَ شُكْرِي بِكْ القُوتَلِي الذِي نُكِنُّ لَهُ كُلَّ اِحْتِرَامٍ وَتَقْدِيرٍ وَإِجْلاَلٍ. فَمِنْ فَخَامَتِهِ نَنْتَظِرُ أَنْ يَضَعَ حَدًّا لِكُلِّ هَذِهِ الأُمُورِ المُسْتَهْجَنَةِ المُنَافِيَةِ لِلْدُّسْتُورِ وَلِرُوحِ فَخَامَتِهِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ وَالمُنَاقِضَةِ لِمَا عُرِفَ بِهِ وَعَنْهُ مِنْ تَعَشُّقٍ لِلْحُرِّيَّةِ وَحُبٍّ لِرَعَايَاهُ، لِجَمِيعِ رَعَايَاهُ. فَفِي كَلِمَةِ فَخَامَتِهِ الفَصْلُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الحُكُومَةِ السُّورِيَّةِ قَبْلَ أَنْ نُقْدِمَ عَلَى مَا عَزَمْنَا عَلَيْهِ مِنْ تِبْيَانٍ وَشَرْحٍ لِكُلِّ مَا لَدَيْنَا مِنْ وَقَائِعَ وَمُسْتَنَدَاتٍ تُثْبِتُ الظُّلْمَ وَالجَوْرَ اللَّذَيْنِ عُومِلَتْ بِهِمَا رِسَالَتُنَا الكَاثُولِيكِيَّةُ فِي بِلاَدِ العَلَوِيِّينَ» (١). • • • على أن المعاهدة التي ألغيت في الجمهورية السورية ونسخت قولاً وعملاً لا تزال مع الأسف نافذة في لبنان. وقد سألنا شخصيًا عن ذلك، فإذا وزارة الخارجية اللبنانية تقول بأن المعاهدة موجودة من زمن وأنها صحيحة. فلما أحببنا أن نعرف إذا كانت هذه المعاهدة التبشيرية قد ألغيت في لبنان كما ألغيت في الجمهورية السورية كان الجواب: «لاَ نَعْلَمُ»، مع أننا كنا، يوم سألنا هذا السؤال، على خطوات من المستندات المحفوظة.

стр. 166

الفَصْلُ السَّابِعُ: السِّيَاسَةُ طَرِيقُ التَّبْشِيرِ: ٤ - الحَيَاةُ القَوْمِيَّةُ وَالاِقْتِصَادِيَّةُ: الدَّعَوَاتُ الإِقْلِيمِيَّةُ وَالصُّهْيُونِيَّةُ: لم يكتف الأجانب بالنزول في الشرق واستغلال خيراته واحتلال مواقعه الحربية وبالتصرف في مناصبه ووظائفه كما تملي عليهم مصالحهم هم وكما يريد هواهم، بل إنهم أرادوا أن يضمنوا مستقبلهم فيه وَأَنْ يَحُولُوا دون كل تنبه ويقظة في المستقبل. ولذلك عزموا على أن يفسدو حياة الشرق القومية والاقتصادية ويفككوا عُرَى وحدته الوطنية ويخمدوا جذوته الروحية حتى يصبح الشرق بين أرجلهم أشلاء لا تستطيع حراكًا. ولقد استعانت الدول الأجنبية على ذلك في الشرق بالرهبان السود (اليسوعيون) وخلق الحركات الشعوبية كالفرعونية والأشورية، ثم باليهود والصهيونية. حَذَارِ اليَسُوعِيِّينَ: إن البلاد الشرقية يجب أن تتبصر وتحذر الآباء اليسوعيين خاصة، فإنهم لا يألون جهدًا في التدخل في السياسة المحلية وحبك المؤامرات (١) حتى أن البابا نفسه قد غضب عليهم مرات كثيرة من جراء ما جروه من الفساد وأحدثوه من القلاقل السياسية (٢). ولقد فطنت الدول الغربية كلها إلى دسائس اليسوعيين ومضارهم فأخرجتهم حكومة البرتغال من بلادها ومن مستعمراتها عام ١٧٥٧ أيضًا. وكان قد بقي في فرنسا نفر من اليسوعيين

стр. 167

باسم رهبان القلب الأقدس، ولكن (نابليون) أخرجهم منها عام ١٨٠٤. ولما تكاثر اليسوعيون في أوروبا عادت فرنسا فطردتهم عام ١٨٨٠ وعام ١٩٠١. وكذلك عادت إسبانيا أيضًا فطردتهم عام ١٨٢٠. ثم أخرجتهم نهائيًا عام ١٨٣٥. وكذلك عادت البرتغال إلى طردهم عام ١٨٣٤. ولقد قضت روسيا سبع سنوات، من عام ١٨١٣ إلى عام ١٨٢٠، حتى استطاعت إخراجهم من جميع أنحاء بلادها. وكذلك فعلت هولندا وسويسرا وألمانيا في الأعوام ١٨١٦ و ١٨٤٨ و ١٨٧٢ على التوالي (١). ولم يكتف اليسوعيون بإفساد السياسة، بل عملوا على إضعاف الحياة الاقتصادية العامة جَرًّا لمنفعتهم هم، فإن تاجرًا يسوعيًا يدعى (لافالت) (٢) كان في المارتنيك، من جزائر الهند الغربية، فأفلس على مليونين ونصف مليون من الفرنكات الذهب. وهكذا جر الخراب على بيوت تجارية شهيرة (٣). فعسى أن يستفيد العرب والمسلمون من هذا الاختبار المر الذي لقيه العالم المسيحي نفسه على أيدي اليسوعيين. الحُرُوبُ وَالتَّبْشِيرُ: والحروب تؤثر في كل شيء تقريبًا، وتؤثر في الأديان أيضًا. ولقد زعم نفر من المبشرين أن الحرب العالمية دلت أنه ما من ديانة تستطيع أن تنقذ العالم إلا النصرانية. إن هذا يوجب على المبشرين النصارى أن يضطلعوا بتبعات عظيمة (٤). لقد قالوا ذلك فتًا في عضد أهل الشرق وإيحاءً لهم بعنصر النقص، وتزيينًا للمدنية الغربية التي أرادوا أن يخضعوا الشرق بها توصلاً إلى استعماره. على أن هؤلاء مخطئون، فإن الحرب العالمية الأولى قد أعلنت فيما أعلنته اندحار ألمانيا والنمسا وهما دولتان مسيحيتان، وأعلنت نصر اليابان وهي دولة غير مسيحية. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية فأعلنت انهزام ألمانيا وهي مسيحية وانتصار روسيا وهي دولة لا دينية. أضف إلى هذا كله أن الدول المسيحية التي اتفق لها أن انتصرت في الحربين لم تنتصر

стр. 168

بالمبادئ المسيحية التي بشر بها المسيح ليصح لها أن تدعي أن المسيحية عامل من عوامل النصر في الحروب. ومع أن هؤلاء المبشرون يرون أن الإسلام قد تجلى منذ مطلع القرن العشرين قويًا في مظاهر مختلفة، منها انتشاره الواسع في أفريقيا وفي حركة الوحدة الإسلامية قبل الحرب العالمية الأولى، ثم قيام المملكة الحجازية، فإنه قد تبدى لهم ضعيفًا في خيبة الجهاد الذي أعلنه ملوك المسلمين في الحرب العالمية الأولى وفي إلغاء الخلافة في تركيا (١). وهكذا نجد أن ثمت اتجاهًا واسعًا في الغرب لتفسير كل شيء على أساس ديني، وَعَلَى أَسَاسٍ دِينِيٍّ مُعَادٍ لِلإِسْلاَمِ، بعيد عن العلم كل البعد، حتى في وضع المبادئ العلمية، أو التي يدعون أنها علمية. التَّعَاوُنُ بَيْنَ التَّبْشِيرِ وَالسِّيَاسَةِ: كانت السياسة الاستعمارية تلجأ إلى كل وسيلة لخدمة مآربها. ولقد استغلت، فيما استغلته، رجال الدين الوطنيين في بلاد الشرق والأجانب الطارئين على الشرق. وقد يكون ثمت دولة علمانية كفرنسا تقاوم الدين والجماعات الدينية في بلادها ثم تشجع هذه الجماعات وتساعدها في الخارج. بعد انتشار الإسلام في الشرق أصبحت الكنائس النصرانية قليلة منثورة كأنها جزر صغار في بحر متسع الأكناف. وكانت هذه الكنائس على قلتها أيضًا متعادية متخاصمة (٢) لا سبيل إلى تعاونها في حقل من الحقول. حتى إنها كانت تستعمل في صلواتها وفي تخاطبها لغات مختلفة كالعربية والسريانية واليونانية. ومع الأيام بدأ هذا السوء يزداد ثم تبعه انحطاط أخلاقي واقتصادي وعلمي في الكنائس والأديرة على السواء، حتى بعد أن تصرم الربع الأول من القرن التاسع عشر. ففي عام ١٨٢١ كان مائة وثمانون قسيسًا أرثوذكسيًا في القدس ليس فيهم سوى عشرة فقط على شيء ما من التثقيف اللاهوتي (الديني) (٣). وكان أول ما فكر فيه المبشرون إصلاح هذه الكنائس المختلفة من الداخل ليستطيعوا

стр. 169

أن يستعينوا بها في آخر الأمر على التبشير بين المسلمين أنفسهم (١). من أجل ذلك شعر البروتستانت مثلاً بأن جهودهم يجب أن تنصرف أولاً إلى التبشير بين أتباع الكنائس الشرقية (الأرثوذكسية) (٢). وعلى هذا نرى أن البروتستانت لما نزلوا سورية ولبنان استمالوا، أول ما استمالوا، نفرًا من الأرثوذكس وخصوصًا من أبناء ضهور الشوير وأبناء الكورة وبعض أبناء فلسطين. إلا أن تعرض البروتستانت للتبشير بين الأرثوذكس خاصة وبين الكاثوليك قليلاً لم يمر بسلام. إن العداوة سرعان ما نشبت بين المبشرين البروتستانت وبين الكنيسة الكاثوليكية التي كانت هي أيضًا تود أن ترد الخراف الضالة إلى حضيرتها (٣). أضف إلى ذلك أن الكنيسة الأرثوذكسية وقفت من البروتستانت موقف الدفاع عن النفس حينما رأت أتباعها يتهالكون على المنافع الدنيوية التي كان البروتستانت الأمريكيون على الأخص يلوحون بها أمام العيون. وهكذا استحكم الخلاف بين البروتستانت وبين الأرثوذكس والكاثوليك أيضًا (٤). ولكن سرعان ما تذكرت الدول الأجنبية أنها لم تأت للتبشير حتى تختلف على نتائجه. إنها جاءت للسيطرة السياسية، وما التبشير سوى وسيلة إلى هذه الغاية. فليس من الحكمة إذن أن تنسى غايتها وتتنازع على الوسيلة. وهكذا قال (جسب): «يَجِبُ أَلاَّ يَكُونَ ثَمَّتَ نُعُوتٌ مِثْلَ هَذِهِ: أَمِرِيكِيٌّ، إِنْجْلِيزِيٌّ، اسْكُوتْلَنْدِيٌّ أَوْ أَلْمَانِيٌّ، تُنْعَتُ أَعْمَالُنَا التِي نَقُومُ بِهَا فِي سَبِيلِ (المَسِيحِ). إِنَّ الخَصْمَ المُشْتَرَكَ مُتَّحِدٌ فِي مُقَاوَمَتِنَا ... فَلْيَكُنْ اسْمُنَا (نَصَارَى)» (٥). وعلى هذا الأساس من التفاهم بدأت الدول الأجنبية تقتسم مناطق النفوذ في الشرق ثم تقذف فيها بمبشريها ليشقوا لها الطرق إلى الاستعمار. لما عقد المبشرون مؤتمر لنكاو (الهند) عام ١٩١١، أخذوا يدرسون الأحوال السياسية في العالم الإسلامي. فلما وجدوا أن هذه الأحوال على شيء من الاضطراب قال أحدهم (زويمر): «إِنَّ الاِنْقِسَامَ السِّياسِيَّ الحَاضِرَ فِي العَالَمِ الإِسْلاَمِيِّ دَليلٌ بالِغٌ عَلَى عَمَلِ يَدِ اللهِ فِي التَّارِيخِ وَاسْتِثَارَةٍ لِلْدِّيَانَةِ المَسِيحِيَّةِ (لِكَيْ تَقُومَ بِعَمَلٍ)، إِذْ أَنَّ ذَلِكَ يُشِيرُ إِلَى كَثْرَةِ الأَبْوَابِ التِي أَصْبَحَتْ مُفَتَّحَةً فِي العَالَمِ الإِسْلاَمِيِّ عَلَى مَصَارِيعِهَا. إِنَّ ثَلاَثَةَ أَرْبَاعِ العَالَمِ الإِسْلاَمِيِّ يَجِبُ أَنْ

стр. 170

تَعْتَبَرَ الآنَ سَهْلَةَ الاِقْتِحَامِ عَلَى الإِرْسَالِيَّاتِ التَّبْشِيرِيَّةِ. إِنَّ فِي الإِمْبْرَاطُورِيَّةِ العُثْمَانِيَّةِ اليَوْمَ وَفِي غَرْبِيِّ شِبْهِ جَزِيرَةِ العَرَبِ وَفِي إِيرَانَ وَالتُّرْكِسْتَانَ وَالأَفْغَانَ وَطَرَابُلْسَ الغَرْبَ وَمَرَّاكُشَ سُدُودًا فِي وَجْهِ التَّبْشِيرِ، وَلَكِنَّ هُنَالِكَ مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ مَلْيُونًا مِنَ المُسْلِمِينَ فِي الهِنْدِ وَجَاوَةَ وَالصِّينَ وَمِصْرَ وَتُونِسَ وَالجَزَائِرَ يُمْكِنُ أَنْ يَصِلَ إِلَيهِمْ التَّبْشِيرُ المَسِيحِيُّ بِشَيْءٍ مِنَ السُّهُولَةِ» (١). ولا يخفي المبشرون نياتهم الحقيقية، فقد قال (جسب) (٢): «مِنَ العِنَايَةِ الإِلَهِيَّةِ العَظِيمَةِ أَنَّ المَطْبَعَةَ الأَمَرِيكِيَّةَ وَالمَدَارِسَ الأَمَرِيكِيَّةَ فِي سُورِيَّةَ كَانَتْ وَسِيلَةً لإِعْدَادِ رِجَالٍ وَنَسَاءَ كِثَارًا لِيَكُونُوا مَوَاطِنِينَ أَمَرِيكِيِّينَ. أَمَّا إِنْجْلِتْرَا التِي كَانَتْ دَائِمًا تُرِيدُ الاِحْتِفَاظَ بِقَنَاةِ السُّوِيسْ لأَنَّهَا طَرِيقَ الإِمْبْرَاطُورِيَّةِ البْرِيطَانِيَّةِ إِلَى الهِنْدِ وَأُسْتْرَالِيَا وَالصِّينِ (٣) فَقَدْ تَوَسَّلَتْ إِلَى تَثْبِيتِ نُفُوذِهَا بِرِجَالِ الدِّينِ مِنْ قَوْمِهَا. مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا عَهِدَتْ إِلَى القِسِّيسِ (رُوبْسُونْ)، وَهُوَ مِنَ الإِرْسَالِيَّةِ المَشْيَخِيَّةِ الإِيرْلَنْدِيَّةِ (٤)، بِأَنْ يُثَقِّفَ اِبْنَيْ سَعِيدْ بِكْ جُنْبْلاَطْ (أَحَدُ رِجَالِ الإِقْطَاعِ الكبارِ مِنَ الدُّرُوزِ فِي لُبْنَانَ) عَلَى نَفَقَتِهَا، وَعَدَّتْ ذَلِكَ ضَمَانًا لَجَعْلِ الدُّرُوزِ فِي المُسْتَقْبَلِ أَكْثَرَ هُدُوءًا نَحْوَهَا» (٥). وكانت إيطاليا ترمي إلى بلوغ أغراض سياسية في الشرق فزرعت البلاد بمدارس دينية مع أنها كانت قد صادرت أموال الأديرة في إيطاليا نفسها (٦). وكذلك فعلت روسيا حتى استطاعت هي أيضًا أن تنفذ إلى الإمبراطورية العثمانية المتداعية الأركان (٧). على أن أكثر الدول الأوروبية نشاطًا تبشيريًا سياسيًا في سورية ولبنان خاصة كانت فرنسا، فرنسا التي كانت تطرد الرهبان من أرضها ثم تحتضنهم في الخارج ليحققوا لها شهواتها الاستعمارية (٨). واعتقدت فرنسا أن اللغة هي التي توجه الثقافة، ولذلك أنفقت على مدارسها وعلى المدارس التي تعلم اللغة الفرنسية بسخاء (٩). ولم يضع اليسوعيون خاصة هذه الفرصة فوضعوا مدارسهم رهن الرعاية لفرنسا. لقد أخذوا على عاتقهم أن يحببوا الانتداب إلى

стр. 171

النفوس وأن يجمعوا السكان المتنابذين على فرنسا بواسطه الدين الكاثوليكي (١). واليسوعيون يفاخرون بهذا، فقد قالوا: إن قسمًا كبيرًا من نشر الآراء الممدنة المستمدة من العالم المسيحي والفرنسي يعود الفضل فيه إلى إرساليتهم. وإن فرنسا مدينة لهم بالمكانة التي تمثلها اليوم (أي عام ١٩٣١) في سورية (٢) (ولبنان). لقد اتصل نفوذ فرنسا في سورية بأسوأ أنواع المكائد اليسوعية (٣). حتى العلم، لقد سخره اليسوعيون في سبيل فرنسا بالباطل وبالحق الذي يراد به الباطل. ويقول اليسوعيون إن مدرسة الهندسة في بيروت الفرنسية قد استمرت في أداء ما أخذته على عاتقها، فإنها استطاعت أن تساهم في رسالة فرنسا الممدنة (٤). وما يقال عن مدرسة الهندسة يقال عن مدرسة الطب. يقول اليسوعيون إن دارس الطب بالفرنسية يحتاج إلى إتقان اللغة الفرنسية، ثم هو يصف الأدوية الفرنسية ويقرأ الكتب والمجلات الفرنسية ثم يذهب للتخصص في فرنسا (٥). وكلية الطب والصيدلية الفرنسية مؤسسة يسوعية، ولكنها ليست مؤسسة حرة بمعنى أنها تعتمد في ميزانيتها على دخلها الخاص، بل إن رئيسها وأساتذتها يتناولون راتبًا من حساب وزارة الخارجية الفرنسية (٦). وبعد هذا كله يستغرب (رشتر) (٧) «لِمَاذَا كَانَ الأَتْرَاكُ يُسِيئُونَ مُعَامَلَةَ النَّصَارَى إِذَا لَجَأُوا إِلَى الاِسْتِعَانَةِ بِدَوْلَةٍ غَرْبِيَّةٍ». إن الأتراك لم يسيئوا معاملة النصارى. ولكن عاقبوا المتصلين بالدول الأجنبية - كما تفعل كل دولة أخرى - سَوَاءً كان هؤلاء من النصارى أو من المسلمين - وليس أدل على ذلك من أن الأتراك قد شنقوا عام ١٩١٦ شبابًا من العرب النصارى والمسلمين على السواء. • • • وفي تموز من عام ١٩٠٨ أعلنت الحرية العثمانية، وكان إعلان الحرية في تاريخ الإمبراطورية العثمانية يوازي الثورة الفرنسية في تاريخ فرنسا. ومع ذلك فإن المبشرين لم يهتموا بهذا الحادث العظيم إلا بمقدار ما سيخدم غاياتهم التبشيرية ويسهل عليهم النفوذ إلى

стр. 172

أرجاء الإمبراطورية. لقد فرحوا على الأخص لأن سورية ولبنان سيفتحان في وجه المبشرين البروتستانت (١). الحَرَكَةُ القَوْمِيَّة فِي الإِمْبْرَاطُورِيَّةِ العُثْمَانِيَّةِ: وبعد إعلان الحرية عام ١٩٠٨ اتسعت الحركة القومية في الإمبراطورية العثمانية. وبما أن الديانة المسيحية كديانة تبشيرية مناقضة للقومية، فإن التبشير لم يرض أن يوقظ الروح القومية ولا أن يخمدها إذا رآها يقظى، ولكنه أراد أن يحولها إلى خدمة أهدافه. كذلك لم يجبن المبشرون أمام الأممية أيضًا، بل أحبوا أن يستغلوها قائلين: «إِنَّ أُبُوَّةَ اللهِ تَشْمَلُ جَمِيعَ الشُّعُوبِ. وَإِنَّ الأُخُوَّةَ تَضُمُّ جَمِيعَ البَشَرِ. وَإِذَا لَمْ تَكُنْ الأُمَمِيَّةُ نَصْرَانِيَّةً فَيَجِبُ أَنْ نَنْصُرَهَا. كُلُّ ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَطِيعَ المُبَشِّرُونَ أن يُنَصِّرُوا جَمِيعَ الشُّعُوبِ عَلَى السَّوَاءِ» (٢). وكذلك لما انتهت الحرب العالمية الأولى وأنشئت عصبة الأمم زعم المبشرون أن التبشير يساعد عصبة الأمم ويحقق أهدافها (٣). ولكن عصبة الأمم ماتت ثم خابت أهدافها. كل هذا يدلنا بوضوح على أن التبشير كان يرمي إلى استعمار الشرق، حتى قال (رشتر): «إِنَّ أَسَاسَ الاِسْتِعْمَارِ مَسِيحِيٌّ». ثم إنه فتح فاه قائلاً: «لَقَدْ مَرَّ زَمَنٌ كَانَ المُلُوكُ المَغُولُ (المُسْلِمُونَ) فِي عَاصِمَتِهِمْ دِلْهِي يَحْكُمُونَ الهِنْدَ مَا بَيْنَ جِبَالِ هِمَلاَيَا إِلَى رَأَّسِ كُورْمُورِينْ .. وَلَكِنْ مُنْذُ زَمَنٍ بَعيدٍ حَتَّى آخِرِ مَهَرَاجَا (سُلْطَانٍ) عُنُقُهُ المُتَكَبِّرَةُ أَمَامَ بَرِيطَانِيَا المَسِيحِيَّةَ» (٤). والمبشرون لم يتخذوا موقفًا صريحًا من القومية، شأنهم في كل أمر. ولكنهم كانوا يودون أن تبقى الأمور غامضة وعلى شيء من الفوضى حتى يتمكنوا من القيام بالتبشير ثم يربطوا الصابئين إلى مذهبهم إلى عجلة الأمة التي يخدمون أهدافها. فالروم الأرثوذكس مثلاً كانوا يعتقدون أن انتشار البروتستانتية بينهم يضعف وحدتهم ويفقدهم كثيرًا من الشعور القومي الذي يربطهم بأبناء الكنائس الشرقية. ولكن (رشتر) يذكر ثلاثة اعتراضات على هذا الخوف، كلها - إذا نظرنا إليها نظرة فاحصة - خاطئة، ولكنها في الحقيقة موافقة لهوى المبشرين. يقول (رشتر) (٥): «إِنَّ القَوْمِيَّةَ خَطَرٌ عَلَى الحَيَاةِ

стр. 173

الكَنَسِيَّةِ». ثم يعود فيقول: «إِنَّ البْرُوتِسْتَانْتِيَّةِ لاَ تُعَارِضُ القَوْمِيَّةَ». ثم يذكر أيضًا أن الدولة العثمانية تخاف انتشار الروح القومي بين رعاياها. أما ما يريده (رشتر) فهو أن يَحُلَّ الرُّومَ الأرثوذكس - في هذا المقام - من تضامنهم مع أبناء الكنائس الشرقية الأخرى حتى يجتذبهم هو إلى البروتستانتية. والمبشرون عند البحث في القومية أبعد الناس عن التصريح بما يعرفون من حقائق القومية وصلتها بالدين. لا شك أبدًا في أن الدين عنصر من العناصر التي تتضافر مجتمعة حتى تخلق القومية. إن البروتستانتية جُزْءٌ لا يتجزأ من القومية الهولندية والإنكليزية، بينما الأرثوذكسية جُزْءٌ أصيل في القومية اليونانية والبلغارية. ومن ذا الذي يستطيع أن ينكر أن الإسلام كان ولا يزال جُزْءًا أساسيًا في القومية التركية والإيرانية والأفغانية والمصرية والعراقية، بل من ذا الذي يستطيع أن ينكر أن النزاع الداخلي في عدد من بلدان الشرق، وإن كان قوميًا في ظاهره، هو في الحقيقة نزاع بين المثل الدينية العليا. هنالك في لبنان مثلاً تياران عظيمان: تيار يرى أهله أن يقيموا حول لبنان سُدًّا يحول بينهم وبين العالم العربي، على شرط أن يظل تحت السور دهليز يصل بين لبنان وبين الدول الكاثوليكية عامة وفرنسا خاصة. ثم هنالك تيار يرى أصحابه أن هذا السور حول لبنان ليس ضروريًا إذ لا حاجة بهم إليه، وإنما هم محتاجون إلى أن يتوسلوا بكل سبيل لمنع عودة الاستعمار الأجنبي بكل أنواعه إلى لبنان. إن لهذين الشعورين جذورًا كثيرة، بعضها بلا ريب مغروس في العاطفة الدينية الموروثة، بقطع عن اختلاف نظر الأديان إلى القومية وحقيقتها. من أجل ذلك نرى أن تركيا على حق في التضييق على المبشرين، ذلك لأن تعدد المذاهب الدينية المتخاصمة في البلد الواحد يضعف ذلك البلد قوميًا (١)، لأنه يشعب فيه المسالك السياسية والقومية. إن النفوذ الفرنسي يسير دائمًا في ركاب التبشير الكاثوليكي، وإن النفوذ الأنكلو - أمريكي يتبع خطى التبشير البروتستانتي. أما النفوذ الروسي فكان يحتمي برجال الدين الأرثوذكس. فعلى الأمم والشعوب التي ترغب في صيانة حقيقتها القومية أو الوطنية أن تحول بين أبنائها وبين المبشرين، سواءً أكان هؤلاء المبشرون رجال دين فحسب أم كانوا في الحقيقة ستارًا يتسلل خلفه الاستعمار. والمبشرون يقاومون القومية لسبب آخر. إن القومية في ظاهرها على الأقل حركة غير دينية (٢)، فالرجل القومي قليل الاحتفال بالمؤثرات الدينية قليل الانجذاب نحو الأحوال

стр. 174

المذهبية. فإيمان الشعوب بالحقيقة القومية إذن يصرفها عن إلقاء السمع إلى المبشرين. التَّبْشِيرُ وَالوَطَنِيَّةُ: ولقد خشي المبشرون النهضة الوطنية في مصر لأن القومية المصرية إسلامية في حقيقتها. ويغمط هؤلاء المبشرون مصر والمصريين حقوقهم ويخالفون الواقع بقولهم: إن الوطنية المصرية قد نشأت لأن الإنجليز كانوا يحابون المسلمين في معاملتهم فأشعل ذلك حب الاستقلال في صدورهم (١). وإن أيسر نظرة في التاريخ تدل على أن الإنجليز لم يعاملوا المسلمين في مصر معاملة تتفق مع كرامة الشعوب، حتى قال حافظ إبراهيم عن ذلك في مصر: إِذَا شِئْتَ أَنْ تَلْقَى السَّعَادَةَ بَيْنَهُمْ • ... • ... • فَلاَ تَكُ مِصْرِيًّا وَلاَ تَكُ مُسْلِمَا فاليوناني والأرمني واليهودي الغرباء كانوا يتمتعون في مصر بأعظم مما يتمتع به المصري المسلم. وأما أن الوطنية المصرية نتاج محاسنة الإنجليز للمصريين فخلاف أيضًا للواقع. ولقد أجفل المبشرون لما سمعوا النداء الوطني «مِصْرُ لِلْمِصْرِيِّينَ»، فقالوا: إن هذا يعني: «مِصْرُ لِلْمُسْلِمِينَ». ولذلك رجا المبشر (صموئيل زويمر) في ذلك الحين من بريطانيا «أَنْ تُبَدِّلَ سِيَاسَتَهَا تَبْدِيلاً أَسَاسِيًّا فِي وَقْتٍ قَرِيبٍ وَأَنْ تُعْلِنَ حِيَادًا تَامًّا يُشْعِرُ مِصْرَ بِقُوَّةِ بَرِيطَانْيَا وَبِنِعَمِهَا» (٢). ومعنى ذلك عند (زويمر) بلا ريب «فَتْحُ مِصْرَ لِلْتَّبْشِيرِ بِالقُوَّةِ». ولما خاب المبشرون في وقف تيار القومية الصحيحة عمدوا في كل بلد إلى أقلية غير مسلمة في الأكثر وحاولوا أن يضموا إليها أحيانًا نفرًا بارزًا من المسلمين، كما اتفق لهم في مصر فقط، ليلفقوا لأهل كل قطر مسلم قومية وهمية جديدة. لقد أرادوا أن يبعثوا «الفِرْعَوْنِيَّةَ» من خلال حجارة الأهرام في مصر، و «الفِينِيقِيَّةَ» من خرائب الساحل الممتد من يافا إلى اللاذقية على الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. ثم إنهم لفقوا في العراق دعوة أشورية لم يكتب لها أن تولد حية (٣). إن كل ما أراده المبشر (جسب) هو أن تولد «فِينِيقِيَّةٌ» جديدة تكون فيها النصرانية أوسع انتشارًا. ولقد أكد (جسب) «أَنَّ المَدَارِسَ التَّبْشِيرِيَّةَ وَالصَّحَافَةَ شِبْهِ التَّبْشِيرِيَّةَ وَالكَنِيسَةَ سَتَتَضَافَرُ

стр. 175

كُلُّهَا عَلَى تَحْقِيقِ هَذَا الهَدَفِ» (١). ولكن الفينيقية لم تستطع أن ترى النور في سورية. وإذا كانت قد غذيت في لبنان طول عهد الانتداب، فإنها ماتت على عتبة الاستقلال اللبناني. هذا مع العلم بأن جماعة من اللبنانيين ما يزالون يتغنون بها. ولا أحب أن أتوسع في تاريخ «الحَرَكَةِ الفِرْعَوْنِيَّةَ» في مصر لأنها تختلف في أساسها عن الحركة الفينيقية في لبنان في عهد الانتداب. أما «الحَرَكَةُ الأَشُورِيَّةُ» في العراق فقد كانت أقل المحاولات القومية المفرقة حَظًّا من النجاح. ولقد قضي عليها وعلى أتباعها في معركة واحدة كما مر معنا من قبل في هذا الفصل من هذا الكتاب. وأما الحركة البربرية في المغرب فلم يستجب لها أحد من أهل البلاد، بل بقيت غُصَّةً فِي حُلُوقِ المُبَشِّرِينَ وَالمُسْتَعْمِرِينَ إذ قاومها أهل تونس وأهل الجزائر وأهل مراكش بلا استثناء. ولما لم تنتصر هذه الدعوات الإقليمية الضيقة وقع الاستعمار على فكرة العروبة وألبسها ثوبًا جديدًا. لقد أريد من «العُرُوبَةِ» أن تكون رابطة قومية مناقضة لِـ «الإِسْلاَمِ»: سياسة العروبة لا صلة لها بالإسلام، والمسلمون من غير العرب لا صلة لهم بالعروبة. ومما يؤسف له أن نفرًا من الشبان العرب قد اعتنقوا فكرة العروبة المجردة من الإسلام، ثم أخذوا وهم يدعون للعروبة يقاومون الحركات الإسلامية.

стр. 176

الفَصْلُ الثَّامِنُ: التَّبْشِيرُ وَالحَرَكَاتُ القَوْمِيَّةُ: التَّبْشِيرُ وَالحَرَكَاتُ القَوْمِيَّةُ: جميع الحركات القومية التي قامت في البلاد العربية اتسمت في أول أمرها بميل بارز إلى التسامح الديني. ثم إن هذا التسامح بدأ يتطور حتى انتهى في أيامنا هذه ميلاً ظاهرًا عن الدين، ثم ظهر بوضوح أن هذه الحركات القومية ترمي إلى إضعاف الشعور الإسلامي خاصة بين البلاد الإسلامية، وإلى قصر الصلات بين بلادنا على العنصر القومي وحده. فالصلة بين سورية ولبنان ومصر والجزائر ومراكش تقوم، في رأي الأحزاب العربية القومية، على «العُرُوبَةِ» أو على اللغة العربية وعلى شيء من التاريخ العربي مُجَرَّدًا من كل صلة له بالإسلام. أما تركيا وإيران وباكستان وأندونيسيا فهي عندهم كالأرجنتين والمكسيك وهنغاريا والدنمارك وفرنسا سواءً بسواءٍ. وبعض الأحزاب القومية أو الوطنية كالحزب القومي السوري وحزب الكتائب اللبنانية تنظر إلى اليمن ومصر وتونس كما تنظر إلى أسوج والنرويج وفنلندا. أما البرازيل والولايات المتحدة وفرنسا نفسها فهي أقرب إلى هذين الحزبين من اليمن وطرابلس الغرب لكثرة المهاجرين واتساع المصالح التي تستعمرها فرنسا، بينما هذه الصلات مع اليمن وطرابلس الغرب قليلة وضعيفة جِدًّا. لقد كان نفر من أركان الأحزاب القومية، ومن أتباع تلك الأحزاب، يعلنون أنهم لا يقفون من الإسلام موقفًا غير ودي حتى كان مهرجان الجزائر في بيروت في مساء السابع من أيار عام ١٩٥٦، في باحة كلية المقاصد الإسلامية في الحرج، فإذا سلوك النظارة من أتباع الأحزاب القومية لم يكن وديًا تجاه الإسلام قط. بدأ المهرجان بكلمة للدكتور (جورج طعمة)، من أساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت، فكانت كلمة طيبة في جهاد «الجَزَائِرِ

стр. 177

العَرَبِيَّةِ» وفي فظائع الفرنسيين في الجزائر. ولقد كان من المعقول، ومن المنتظر أيضًا، أن يؤكد الدكتور (جورج طعمة) جانب العروبة من الجزائر لأن الجزائر قطر عربي ولأنه هو مستشار للنادي العربي في بيروت. ومع ذلك فإن جماعة من المنتمين إلى حزب البعث العربي الاشتراكي قد أفسدوا عليه كلامه بهتافهم المتوصل «الجَزَائِرُ عَرَبِيَّةٌ»، «جِهَادُ الجَزَائِرِ جِهَادُ العَرَبِ»، مما لفت انتباه السامعين إلى هؤلاء الهاتفين - وقد جاءوا إلى المهرجان وهم عارفون بالتيارات المختلفة في هذا البلد ومعدون للأمر عدته - يريدون أن يوجهوا الأنظار إلى الجانب العربي في قضية الجزائر وأن يلفتوا الأفكار عن الجانب الديني الإسلامي. ولقد ظن هؤلاء أن هتافهم هذا يتفق مع الخطاب الذي كان يُلْقَى. وازاداد هتافهم حتى كاد يحدث بلبلة، أو هو أحدث البلبلة فعلاً، حتى أن عددًا من القوميين العرب - وهم غير البعثيين ومن الذين يخالفون البعثيين في بعض آرائهم - قد طلبوا من هؤلاء الهاتفين أن يهدأوا، فقد كان القوميون العرب هم المشرفين على المهرجان عمليًا. وبلغت الحدة في أحد القوميين العرب مبلغًا حمله على أن يصعد إلى المنبر وأن يخاطب الهاتفين بلهجة جافية ويخيرهم بين أن يسكتوا وبين أن يغادروا المكان. وكذلك توقف الدكتور (جورج طعمة) مرات ليرجو الهاتفين، تلميحًا وتصريحًا، ويطلب إليهم أن يسكتوا قليلاً حتى يتمكن من متابعة كلامه فلم يوفق. وتكلم بعد الدكتور (جورج طعمة) الأستاذ (عمر الحكيم)، أحد أساتذة الجغرافية في كلية الآداب من الجامعة السورية بدمشق. والأستاذ (عمر الحكيم) يعرف الجزائر، وقد كان فيها في الثامن من أيار عام ١٩٤٥ وشاهد بأم عينه جانبًا من المذابح البربرية التي قام بها الفرنسيون في ذلك اليوم. ومن أجل تلك المذابح في ذلك اليوم جُعِلَ «الثَّامِنُ مِنْ أَيَّارْ» من كل عام يومًا للجزائر تقام فيه الاجتماعات للكلام على فظائع الفرنسيين في تلك البقعة من وطننا وعلى تطور اليقظة فيها وعلى جهادها وبطولتها. ثم إن الأستاذ (عمر الحكيم) يدرس جغرافية المغرب (شمال أفريقيا) في الجامعة السورية. ولقد كان من المنتظر، ومن المعقول أيضًا، أن يتكلم (عمر الحكيم) عن الجزائر العربية المسلمة، فالجزائر بلاد عربية وإسلامية في وقت واحد. ثم إنه هو شاب مسلم. وتكلم (عمر الحكيم) فملك الموقف بروحه الوثابة وبعلمه الغزير وبإحاطته بالموضوع الذي يعالجه. ولكن الحمية القومية عادت إلى الهاتفين فاستأنفوا هتافهم للجزائر العربية يتتبعون به كلامه عن الجزائر العربية المسلمة. وأدرك (عمر الحكيم)، كما أدركنا نحن، ما يقصد أولئك الهاتفون، فكان، كلما هتفوا هتافهم ذلك عاد هو في كلامه فأكد الجانب الإسلامي من

стр. 178

جهاد الجزائر حتى انتهى مما يريد قوله. هذه الهتافات كشفت لنا في تلك الليلة عن ناحية خطيرة من الحياة الحزبية في بلادنا. إن الذين يذهبون مذهب القومية في الحياة السياسية من العرب يسقطون الدين من حسابهم كثيرًا أو قليلاً. إن بعض القوميين لا يرون في الدين مقومًا من مقومات الحياة السياسية، بينما بعضهم الآخر يخاصمون الدين مخاصمة شديدة. والمقصود بالدين هنا الإسلام. وحجة هؤلاء القوميين أن البلاد العربية تضم مذاهب وأديانًا مختلفة، ففيها مسلمون ونصارى ويهود. من أجل ذلك يقتضي للتعايش السياسي في البلاد العربية ألا يكون العنصر الديني في الحياة العامة بارزًا. على أن هذا شيء ونصب العداء للإسلام شيء آخر. وكذلك الدعوة القومية شيء، بينما الإنكار على غير القوميين أن يكون لهم رأي في الأمور العامة شيء آخر أيضًا. هذا من الناحية النظرية. أما من الناحية العملية فإن العنصر الديني في جهاد الجزائر الحالي بارز جِدًّا. ولقد أعلن (غي موليه)، رئيس الوزارة الفرنسية، بأن الحركة الإسلامية التي تتسع في أفريقيا هي التي تهدد الإمبراطورية الفرنسية في المغرب. وكذلك أعلن (جورج بيدو) - الذي سبق له أن تولى وزارة الخارجية الفرنسية: «أَنَّهُ لَنْ يَتْرُكَ الهِلاَلَ يَتَغَلَّبَ عَلَى الصَّلِيبِ» (١). ويقول الكاتبان (كوليت) و (فرانسيس جانسون): «إِنَّ الحَرْبَ الحَاضِرَةَ فِي الجَزَائِرِ لَيْسَتْ حَرْبًا دِينِيَّةً أَوْ جِنْسِيَّةً أَوْ حَضَارِيَّةً، وَلَكِنَّهَا حَرْبُ مَجْمُوعِ مَظْلُومِ يُرِيدُ أَنْ يَتَحَرَّرَ مِنْ رِبْقَةِ مَجْمُوعٍ ظالِمٍ. إلاَّ أَنَّ الإِسْلاَمَ عُنْصُرٌ فَعَّالٌ فِي دَفْعِ الجَزَائِرِيِّينَ إِلَى طِلَبِ هَذَا التَّحَرُّرِ ... لَقَدْ أَيْقَنَ الجَزَائِرِيُّونَ مُنْذُ الأَيَّامِ الأُولَى لِلاِحْتِلاَلِ أَنَّ هَدَفَ الفِرَنْسِيِّينَ كَانَ القَضَاءُ عَلَى الإِسْلاَمِ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَدْرَكُوا جَمِيعًا أَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْتَصِمُوا بِالإِسْلاَمِ حَتَّى يَقْدِرُوا عَلَى التَّحَرُّرِ. وَالوَاقِعُ أَنَّ الاِحْتِلاَلَ (الفِرَنْسِيَّ لِلْجَزَائِرِ) كَانَ مُنْذُ البَدْءِ يَحْمِلُ هَذَا المَعْنَى مِنَ (الحَرْبِ الصَّلِيبِيَّةَ)» (٢). لا نرى بعد هذا أن نمضي في الاستشهاد او الاستنتاج للدلالة على أن الفرنسيين يحاربون الجزائريين كمسلمين في الدرجة الأولى. ولكن هذا لا يمنع أحدًا من قبول الجهود التي يبذلها القوميون في نصرة الجزائر ومن شكرهم عليها.

стр. 179

التَّبْشِيرُ يَتَعَاوَنُ مَعَ الصُّهْيُونِيَّةِ: واستغل المبشرون الصهيونية لأنهم كانوا يتفقون معها في عدائهم للعرب والمسلمين. ولم يصر المبشرون على إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين إلا لأن إنشاؤه يضعف العرب إضعافًا شديدًا ويفتح أبواب فلسطين العربية أمام التبشير، وإلا لأن فلسطين إحدى نقاط الهجوم على العالم العربي الإسلامي. والقوة اليهودية قوة هدامة عظيمة خافتها الإمبراطوريات القديمة فأرادت القضاء عليها. وليس من ضرورة هنا لبسط موقف تلك الإمبراطوريات القديمة من اليهود. إن كل قارئ عام يعرف ما كان شأن المصريين والأشوريين والكلدانيين واليونان والرومان وشأن اليهود. أما اليوم فإن الاتحاد السوفياتي قد أخذ يحاول القضاء على الحركة اليهودية في مناطق نفوذه لارتكابهم أعمالاً هدامة ولقيامهم بالخيانات والتجسس (١) وإنها بؤرة للفساد (٢). بعد أن تشرد اليهود على أيدي الرومان تفرقوا في الأرض فنزل قسم منهم في بلاد العرب، في اليمن وفي الحجاز حول يثرب. وعند يثرب أنشأوا لهم قرية زراعية اسمها خيبر. فلما جاء الإسلام كان هؤلاء مصدر إقلاق كبير للإسلام والمسلمين: كان منهم المنافقون الذين يدعون أنهم مسلمون ثم يكونون عيونًا وجواسيس للمشركين. وكان منهم المتجسسون الذين كانوا يعقدون الحلف تلو الحلف مع رسول الله ثم يحملون أخباره إلى أعدائه وينتهزون الفرص للوثوب على الإسلام والمسلمين. وكذلك كان منهم المتآمرون الذين يجمعون أعداء الإسلام ويحثونهم على مقاتلة المسلمين. وكذلك كان منهم المتآمرون الذين يجمعون أعداء الإسلام ويحثونهم على مقاتلة المسلمين ثم يمولونهم بالأموال والسلاح. وهكذا ضاق محمد ﷺ باليهود ذَرْعًا ونظم غزوات على الأماكن التي يسكنونها فاستطاع أن يخضعهم ويضعف مقاومتهم. ونظر كثير من المستشرقين بشهواتهم وعصيانها وجهلهم أحيانًا إلى تلك الغزوات، فكانوا يقولون بأن محمدًا عامل اليهود معاملة خشنة قاسية (٣).على أن هذه المعاملة لم تكن ظالمة ولا كانت، مع عدالتها، شديدة كمعاملة المصريين والأشوريين والرومان مثلاً، ولا كمعاملة اليهود أنفسهم لسائر الشعوب إذا وجدوا إليها سبيلاً. وما أمر فلسطين منا ببعيد!

стр. 180

ولا ريب في أن محمدًا ﷺ لم يقاتل اليهود لأنهم يهود. إن هذا بَيِّنٌ من " القرآن الكريم "، فإن " القرآن الكريم " عَدَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أهل كتاب سماوي فلم يحملهم على اعتناق الإسلام (١) ولم ينقصهم حظهم من الإيمان ولا من نعم الله. قال " القرآن الكريم ": ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧ و ١٢٢]. وكذلك ذكر " القرآن الكريم " الأمم التي هي أهل كتاب سماوي بالرحمة والفوز في الآخرة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢). وإنما قاتل محمد ﷺ اليهود لأنهم كانوا يخونونه كلما عاهدوه، وهذا أيضًا من " القرآن الكريم ": - ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٠]. - ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ (*) مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ الأنفال: ٥٦]. - ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ (أي المنافقين واليهود) لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ (**) يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وتوفي الرسول (سنة ١١ هـ = عام ٦٣٢ م) واليهود كلهم لا يزالون في الحجاز مطمئنين إلى أموالهم وأرضهم وعقيدتهم. فلما جاء عمر بن الخطاب (سنة ١٣ هـ = عام ٦٣٤ م) أدرك أن الدولة الإسلامية لا يمكن أن ترسخ في شبه جزيرة العرب ما دام اليهود فيها يثيرون أهلها على الدولة ويفقرونها بالربا الفاحش فأمر بإخراجهم. ولكن عمر لم ينتزع أموال اليهود بل ثمنها ثم دفع لهم نصف أثمانها، فهاجروا إلى سورية (٣). أما في سورية فكان اليهود يَلْقَوْنَ من الدولة البيزنطية اضطهادًا بالغًا. فلما أخذ العرب بفتح الشام (سورية) جعل اليهود يرحبون بهم استبشارًا بالنجاة من نير بيزنطة (٤). إن العرب والمسلمين لم يضطهدوا اليهود لأنهم يهود، بل لم يضطهدوهم في أول الأمر على الإطلاق. ولكن لما كثر اعتداء اليهود على العرب والمسلمين سِرًّا وعلانية لم يبق بُدٌّ من دفع هذا الاعتداء، ولقد دفعه العرب بالحسنى أيضًا وبالحق. أما الذين يعرفون تاريخ
следующие страницы →