← Общие книги

Общие книги · id 117361

التبشير والاستعمار في البلاد العربية عرض لجهود المبشرين التي ترمي إلى اخضاع الشرق للاستعمار الغربي

مصطفى الخالدي

Полный текст (271 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الفَصْلُ الثَّامِنُ: التَّبْشِيرُ وَالحَرَكَاتُ القَوْمِيَّةُ: التَّبْشِيرُ وَالحَرَكَاتُ القَوْمِيَّةُ: جميع الحركات القومية التي قامت في البلاد العربية اتسمت في أول أمرها بميل بارز إلى التسامح الديني. ثم إن هذا التسامح بدأ يتطور حتى انتهى في أيامنا هذه ميلاً ظاهرًا عن الدين، ثم ظهر بوضوح أن هذه الحركات القومية ترمي إلى إضعاف الشعور الإسلامي خاصة بين البلاد الإسلامية، وإلى قصر الصلات بين بلادنا على العنصر القومي وحده. فالصلة بين سورية ولبنان ومصر والجزائر ومراكش تقوم، في رأي الأحزاب العربية القومية، على «العُرُوبَةِ» أو على اللغة العربية وعلى شيء من التاريخ العربي مُجَرَّدًا من كل صلة له بالإسلام. أما تركيا وإيران وباكستان وأندونيسيا فهي عندهم كالأرجنتين والمكسيك وهنغاريا والدنمارك وفرنسا سواءً بسواءٍ. وبعض الأحزاب القومية أو الوطنية كالحزب القومي السوري وحزب الكتائب اللبنانية تنظر إلى اليمن ومصر وتونس كما تنظر إلى أسوج والنرويج وفنلندا. أما البرازيل والولايات المتحدة وفرنسا نفسها فهي أقرب إلى هذين الحزبين من اليمن وطرابلس الغرب لكثرة المهاجرين واتساع المصالح التي تستعمرها فرنسا، بينما هذه الصلات مع اليمن وطرابلس الغرب قليلة وضعيفة جِدًّا. لقد كان نفر من أركان الأحزاب القومية، ومن أتباع تلك الأحزاب، يعلنون أنهم لا يقفون من الإسلام موقفًا غير ودي حتى كان مهرجان الجزائر في بيروت في مساء السابع من أيار عام ١٩٥٦، في باحة كلية المقاصد الإسلامية في الحرج، فإذا سلوك النظارة من أتباع الأحزاب القومية لم يكن وديًا تجاه الإسلام قط. بدأ المهرجان بكلمة للدكتور (جورج طعمة)، من أساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت، فكانت كلمة طيبة في جهاد «الجَزَائِرِ

стр. 177

العَرَبِيَّةِ» وفي فظائع الفرنسيين في الجزائر. ولقد كان من المعقول، ومن المنتظر أيضًا، أن يؤكد الدكتور (جورج طعمة) جانب العروبة من الجزائر لأن الجزائر قطر عربي ولأنه هو مستشار للنادي العربي في بيروت. ومع ذلك فإن جماعة من المنتمين إلى حزب البعث العربي الاشتراكي قد أفسدوا عليه كلامه بهتافهم المتوصل «الجَزَائِرُ عَرَبِيَّةٌ»، «جِهَادُ الجَزَائِرِ جِهَادُ العَرَبِ»، مما لفت انتباه السامعين إلى هؤلاء الهاتفين - وقد جاءوا إلى المهرجان وهم عارفون بالتيارات المختلفة في هذا البلد ومعدون للأمر عدته - يريدون أن يوجهوا الأنظار إلى الجانب العربي في قضية الجزائر وأن يلفتوا الأفكار عن الجانب الديني الإسلامي. ولقد ظن هؤلاء أن هتافهم هذا يتفق مع الخطاب الذي كان يُلْقَى. وازاداد هتافهم حتى كاد يحدث بلبلة، أو هو أحدث البلبلة فعلاً، حتى أن عددًا من القوميين العرب - وهم غير البعثيين ومن الذين يخالفون البعثيين في بعض آرائهم - قد طلبوا من هؤلاء الهاتفين أن يهدأوا، فقد كان القوميون العرب هم المشرفين على المهرجان عمليًا. وبلغت الحدة في أحد القوميين العرب مبلغًا حمله على أن يصعد إلى المنبر وأن يخاطب الهاتفين بلهجة جافية ويخيرهم بين أن يسكتوا وبين أن يغادروا المكان. وكذلك توقف الدكتور (جورج طعمة) مرات ليرجو الهاتفين، تلميحًا وتصريحًا، ويطلب إليهم أن يسكتوا قليلاً حتى يتمكن من متابعة كلامه فلم يوفق. وتكلم بعد الدكتور (جورج طعمة) الأستاذ (عمر الحكيم)، أحد أساتذة الجغرافية في كلية الآداب من الجامعة السورية بدمشق. والأستاذ (عمر الحكيم) يعرف الجزائر، وقد كان فيها في الثامن من أيار عام ١٩٤٥ وشاهد بأم عينه جانبًا من المذابح البربرية التي قام بها الفرنسيون في ذلك اليوم. ومن أجل تلك المذابح في ذلك اليوم جُعِلَ «الثَّامِنُ مِنْ أَيَّارْ» من كل عام يومًا للجزائر تقام فيه الاجتماعات للكلام على فظائع الفرنسيين في تلك البقعة من وطننا وعلى تطور اليقظة فيها وعلى جهادها وبطولتها. ثم إن الأستاذ (عمر الحكيم) يدرس جغرافية المغرب (شمال أفريقيا) في الجامعة السورية. ولقد كان من المنتظر، ومن المعقول أيضًا، أن يتكلم (عمر الحكيم) عن الجزائر العربية المسلمة، فالجزائر بلاد عربية وإسلامية في وقت واحد. ثم إنه هو شاب مسلم. وتكلم (عمر الحكيم) فملك الموقف بروحه الوثابة وبعلمه الغزير وبإحاطته بالموضوع الذي يعالجه. ولكن الحمية القومية عادت إلى الهاتفين فاستأنفوا هتافهم للجزائر العربية يتتبعون به كلامه عن الجزائر العربية المسلمة. وأدرك (عمر الحكيم)، كما أدركنا نحن، ما يقصد أولئك الهاتفون، فكان، كلما هتفوا هتافهم ذلك عاد هو في كلامه فأكد الجانب الإسلامي من

стр. 178

جهاد الجزائر حتى انتهى مما يريد قوله. هذه الهتافات كشفت لنا في تلك الليلة عن ناحية خطيرة من الحياة الحزبية في بلادنا. إن الذين يذهبون مذهب القومية في الحياة السياسية من العرب يسقطون الدين من حسابهم كثيرًا أو قليلاً. إن بعض القوميين لا يرون في الدين مقومًا من مقومات الحياة السياسية، بينما بعضهم الآخر يخاصمون الدين مخاصمة شديدة. والمقصود بالدين هنا الإسلام. وحجة هؤلاء القوميين أن البلاد العربية تضم مذاهب وأديانًا مختلفة، ففيها مسلمون ونصارى ويهود. من أجل ذلك يقتضي للتعايش السياسي في البلاد العربية ألا يكون العنصر الديني في الحياة العامة بارزًا. على أن هذا شيء ونصب العداء للإسلام شيء آخر. وكذلك الدعوة القومية شيء، بينما الإنكار على غير القوميين أن يكون لهم رأي في الأمور العامة شيء آخر أيضًا. هذا من الناحية النظرية. أما من الناحية العملية فإن العنصر الديني في جهاد الجزائر الحالي بارز جِدًّا. ولقد أعلن (غي موليه)، رئيس الوزارة الفرنسية، بأن الحركة الإسلامية التي تتسع في أفريقيا هي التي تهدد الإمبراطورية الفرنسية في المغرب. وكذلك أعلن (جورج بيدو) - الذي سبق له أن تولى وزارة الخارجية الفرنسية: «أَنَّهُ لَنْ يَتْرُكَ الهِلاَلَ يَتَغَلَّبَ عَلَى الصَّلِيبِ» (١). ويقول الكاتبان (كوليت) و (فرانسيس جانسون): «إِنَّ الحَرْبَ الحَاضِرَةَ فِي الجَزَائِرِ لَيْسَتْ حَرْبًا دِينِيَّةً أَوْ جِنْسِيَّةً أَوْ حَضَارِيَّةً، وَلَكِنَّهَا حَرْبُ مَجْمُوعِ مَظْلُومِ يُرِيدُ أَنْ يَتَحَرَّرَ مِنْ رِبْقَةِ مَجْمُوعٍ ظالِمٍ. إلاَّ أَنَّ الإِسْلاَمَ عُنْصُرٌ فَعَّالٌ فِي دَفْعِ الجَزَائِرِيِّينَ إِلَى طِلَبِ هَذَا التَّحَرُّرِ ... لَقَدْ أَيْقَنَ الجَزَائِرِيُّونَ مُنْذُ الأَيَّامِ الأُولَى لِلاِحْتِلاَلِ أَنَّ هَدَفَ الفِرَنْسِيِّينَ كَانَ القَضَاءُ عَلَى الإِسْلاَمِ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَدْرَكُوا جَمِيعًا أَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْتَصِمُوا بِالإِسْلاَمِ حَتَّى يَقْدِرُوا عَلَى التَّحَرُّرِ. وَالوَاقِعُ أَنَّ الاِحْتِلاَلَ (الفِرَنْسِيَّ لِلْجَزَائِرِ) كَانَ مُنْذُ البَدْءِ يَحْمِلُ هَذَا المَعْنَى مِنَ (الحَرْبِ الصَّلِيبِيَّةَ)» (٢). لا نرى بعد هذا أن نمضي في الاستشهاد او الاستنتاج للدلالة على أن الفرنسيين يحاربون الجزائريين كمسلمين في الدرجة الأولى. ولكن هذا لا يمنع أحدًا من قبول الجهود التي يبذلها القوميون في نصرة الجزائر ومن شكرهم عليها.

стр. 179

التَّبْشِيرُ يَتَعَاوَنُ مَعَ الصُّهْيُونِيَّةِ: واستغل المبشرون الصهيونية لأنهم كانوا يتفقون معها في عدائهم للعرب والمسلمين. ولم يصر المبشرون على إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين إلا لأن إنشاؤه يضعف العرب إضعافًا شديدًا ويفتح أبواب فلسطين العربية أمام التبشير، وإلا لأن فلسطين إحدى نقاط الهجوم على العالم العربي الإسلامي. والقوة اليهودية قوة هدامة عظيمة خافتها الإمبراطوريات القديمة فأرادت القضاء عليها. وليس من ضرورة هنا لبسط موقف تلك الإمبراطوريات القديمة من اليهود. إن كل قارئ عام يعرف ما كان شأن المصريين والأشوريين والكلدانيين واليونان والرومان وشأن اليهود. أما اليوم فإن الاتحاد السوفياتي قد أخذ يحاول القضاء على الحركة اليهودية في مناطق نفوذه لارتكابهم أعمالاً هدامة ولقيامهم بالخيانات والتجسس (١) وإنها بؤرة للفساد (٢). بعد أن تشرد اليهود على أيدي الرومان تفرقوا في الأرض فنزل قسم منهم في بلاد العرب، في اليمن وفي الحجاز حول يثرب. وعند يثرب أنشأوا لهم قرية زراعية اسمها خيبر. فلما جاء الإسلام كان هؤلاء مصدر إقلاق كبير للإسلام والمسلمين: كان منهم المنافقون الذين يدعون أنهم مسلمون ثم يكونون عيونًا وجواسيس للمشركين. وكان منهم المتجسسون الذين كانوا يعقدون الحلف تلو الحلف مع رسول الله ثم يحملون أخباره إلى أعدائه وينتهزون الفرص للوثوب على الإسلام والمسلمين. وكذلك كان منهم المتآمرون الذين يجمعون أعداء الإسلام ويحثونهم على مقاتلة المسلمين. وكذلك كان منهم المتآمرون الذين يجمعون أعداء الإسلام ويحثونهم على مقاتلة المسلمين ثم يمولونهم بالأموال والسلاح. وهكذا ضاق محمد ﷺ باليهود ذَرْعًا ونظم غزوات على الأماكن التي يسكنونها فاستطاع أن يخضعهم ويضعف مقاومتهم. ونظر كثير من المستشرقين بشهواتهم وعصيانها وجهلهم أحيانًا إلى تلك الغزوات، فكانوا يقولون بأن محمدًا عامل اليهود معاملة خشنة قاسية (٣).على أن هذه المعاملة لم تكن ظالمة ولا كانت، مع عدالتها، شديدة كمعاملة المصريين والأشوريين والرومان مثلاً، ولا كمعاملة اليهود أنفسهم لسائر الشعوب إذا وجدوا إليها سبيلاً. وما أمر فلسطين منا ببعيد!

стр. 180

ولا ريب في أن محمدًا ﷺ لم يقاتل اليهود لأنهم يهود. إن هذا بَيِّنٌ من " القرآن الكريم "، فإن " القرآن الكريم " عَدَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أهل كتاب سماوي فلم يحملهم على اعتناق الإسلام (١) ولم ينقصهم حظهم من الإيمان ولا من نعم الله. قال " القرآن الكريم ": ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧ و ١٢٢]. وكذلك ذكر " القرآن الكريم " الأمم التي هي أهل كتاب سماوي بالرحمة والفوز في الآخرة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢). وإنما قاتل محمد ﷺ اليهود لأنهم كانوا يخونونه كلما عاهدوه، وهذا أيضًا من " القرآن الكريم ": - ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٠]. - ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ (*) مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ الأنفال: ٥٦]. - ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ (أي المنافقين واليهود) لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ (**) يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وتوفي الرسول (سنة ١١ هـ = عام ٦٣٢ م) واليهود كلهم لا يزالون في الحجاز مطمئنين إلى أموالهم وأرضهم وعقيدتهم. فلما جاء عمر بن الخطاب (سنة ١٣ هـ = عام ٦٣٤ م) أدرك أن الدولة الإسلامية لا يمكن أن ترسخ في شبه جزيرة العرب ما دام اليهود فيها يثيرون أهلها على الدولة ويفقرونها بالربا الفاحش فأمر بإخراجهم. ولكن عمر لم ينتزع أموال اليهود بل ثمنها ثم دفع لهم نصف أثمانها، فهاجروا إلى سورية (٣). أما في سورية فكان اليهود يَلْقَوْنَ من الدولة البيزنطية اضطهادًا بالغًا. فلما أخذ العرب بفتح الشام (سورية) جعل اليهود يرحبون بهم استبشارًا بالنجاة من نير بيزنطة (٤). إن العرب والمسلمين لم يضطهدوا اليهود لأنهم يهود، بل لم يضطهدوهم في أول الأمر على الإطلاق. ولكن لما كثر اعتداء اليهود على العرب والمسلمين سِرًّا وعلانية لم يبق بُدٌّ من دفع هذا الاعتداء، ولقد دفعه العرب بالحسنى أيضًا وبالحق. أما الذين يعرفون تاريخ

стр. 181

اليهود السري في أوروبا وأمريكا، ثم شهدوا اليهود في فلسطين فإنهم يعلمون ما يكن اليهود للعالم من الحقد وما يضمرونه له من إثارة القلاقل والإفقار وإضاعة الأخلاق. • • • ومنذ قرن ونصف قرن فكر المبشرون باستغلال اليهود لنشر النصرانية بينهم ولمقاومة العرب والمسلمين بهم. ففي عام ١٨٠٩ أسس الإنجليز الجمعية اللندنية لنشر النصرانية بين اليهود، ولقد كانت آمالهم عند تأسيسها عظيمة جِدًّا، كانوا يرون أن العمل يجب أن يبدأ بأن يساق اليهود المتفرقون في الأرض إلى فلسطين. وهكذا بدأوا يشجعون اليهود على الهجرة، وعزموا على أن يبدأ التبشير بينهم بعد ذلك مباشرة. وظن المبشرون أن الفرصة سانحة لتحقيق هذا الهدف حينما أرسل الخديوي المصري الثائر (١) محمد علي ابنه إلى الشام (سورية) واستولى على فلسطين، ذلك لأن موقف محمد علي من الإرساليات التبشيرية كان موقف صداقة وتسامح. وهكذا انتهز المبشرون هذه الفرصة السانحة ووضعوا أساس ما دعوه «كَنِيسَةَ صُهْيُونْ» أول كنيسة بروتستانتية في الإمبراطورية العثمانية. ولكن فأل المبشرين قد خاب، فإن محمد علي انسحب عام ١٨٤٠ من الشام، فعاد الأتراك إلى موقفهم الشديد الأول من الإرساليات التبشيرية (٢). على أن المبشرين حاولوا مرة ثانية أن يستغلوا القضية اليهودية في سبيل أهدافهم الدينية: فقد أسس الملك (فريدرك ولهلم) ملك بروسية (١٨٤٠ - ١٨٦١) الأسقفية الإنجليز - البروسية في القدس لتكون مركزًا بروتستانتيًا لإصلاح الكنائس الشرقية عامة ولتنصير اليهود خاصة (٣). إن المبشرين كانوا جِدُّ مُقْتَنِعِينَ بأن جمع اليهود في فلسطين يسهل لهم مهمتهم في الوصول إلى المسلمين. من أجل ذلك أرادوا أن يفتحوا أبواب فلسطين على مصاريعها لهجرة اليهود (٤). فليس من المستغرب إذن أن نجد سبعًا وعشرين جمعية تبشيرية مختلفة الجنسيات كانت تعمل بلا ملل في فلسطين (٥). وهكذا نجد عوامل دينية مختلفة كانت ترمي إلى استعمار فلسطين توصلاً إلى أهداف

стр. 182

خاصة: كانت البابوية والبروتستانتية والصهيونية تتنافس فيما بينها في فلسطين، وكان (روتشيلد) المتمول اليهودي يساعدهم جميعًا (١). ومع أن هذه الحركات كانت دينية في ظاهرها فإنها كانت سياسية في حقيقتها: كانت الدول الأجنبية تريد تحطيم الإمبراطورية العثمانية حتى تستيطيع بسط نفوذها على بلاد الشرق. ولقد لجأت الدول الأوروبية إلى استغلال الأقليات الطائفية في الإمبراطورية العثمانية كالأقلية اليهودية على الأخص. ثم دفعت الأقلية الأرمنية للثورة على العثمانيين مِرَارًا، لإضعاف الإدارة العثمانية في البلاد العربية (٢). من هذه السبيل كان الأوروبيون يأملون أن ينفذوا بمشاريعهم الاستعمارية إلى العرب والمسلمين. ويبدو بوضوح من مراجع مختلفة أن الأوروبيين لم يكونوا يريدون إنشاء دولة يهودية على النحو الذي حدث الآن، ذلك لأنهم لم يكونوا يريدون أَنْ يُهَوِّدُوا فلسطين، بل كانت غايتهم الأولى أن يتخذوا اليهود فَزَّاعَةً (للعرب). وأما موافقة الدول الأوروبية على جمع اليهود في فلسطين فلا يجب أَنْ يُفْهَمَ إلا على أن هذه الدول الأوروبية قد أرادت التخلص من يهود أوروبا (٣). هذا الرأي الذي مر عليه إلى الآن نحو خمسين عامًا أو يزيد (٤). لا يزال وجيهًا عند الدول الأوروبية بوجهيه: للتخلص من اليهود في أوروبا خاصة ثم لتحطيم وحدة الشرق بوضع عدو للعرب والمسلمين في أقدس بقعة لهم على الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. هذا مع العلم بأن اليهود سيثيرون للعرب وللمسلمين من مركزهم القوي الجديد قلاقل سياسية واجتماعية وأخلاقية واقتصادية يتمكن بها الأوروبيون من التدخل في كل حين بين الخصمين للسيطرة عليهما جميعًا. وهكذا رأينا بأم أعيننا أن الدول الغربية كانت ترى من مصلحتها الاستعمارية أن تتساهل مع اليهود في فلسطين إلى الحد الذي وصلت إليه معهم في عام ١٩٤٨. وعلى مثل هذا سار المبشرون أيضًا منذ احتلال الإنجليز لفلسطين. ذكر (ويلسن كاش) (٥) «أَنَّ فِي القُدْسِ مَدْرَسَتَيْنِ عَالِيَتَيْنِ تُدِيرُهُمَا ثَلاَثُ إِرْسَالِيَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، إِدَارَةٌ مُشْتَرَكَةٌ: مَدْرَسَةُ البَنَاتِ العَالِيَةِ ثُمَّ الكُلِّيَّةُ الإِنْجْلِيزِيَّةُ. إِنَّ اليَهُودَ وَالعَرَبَ (٦) وَالنَّصَارَى يَلْعَبُونَ فِي مَلاَعِبِ هَذِهِ المَدَارِسِ لُعْبَةَ كُرَةِ القَدَمِ وَيُبْدُونَ فِي اللَّعِبِ مِنْ ضُرُوبِ التَّعَاوُنِ مَا

стр. 183

يُسَاعِدُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ لَهُمْ نَظْرَةً جَدِيدَةً إِلَى مَشَاكِلِهِمْ القَوْمِيَّةِ الحَاضِرَةِ». إن القارئ ليجد في هذا القول قرينة ظاهرة تدل على أن مدارس التبشير كانت تعمل على أن تهيئ الطلاب العرب من المسلمين والنصارى في فلسطين ليقبلوا بنزول اليهود في الأراضي المقدسة. ولعلهم لم يفعلوا ذلك حُبًّا باليهود، بل إضعافًا لنفوذ المسلمين في هذه البقعة المقدسة من الأرض، وتوصلاً إلى زيادة نفوذهم في الشرق من هذا السبيل. ويظهر أن الألعاب الرياضية كانت تخدم قضية المبشرين وتخدم الصهيونية في فلسطين خدمة عظيمة، حتى اندفعت مدارس التبشير تُؤَلِّهُ الرُّوحَ الرِّيَاضِيَّةَ وتشجع التسامح في ميادينها إلى أبعد الحدود، تسامحًا كان يراد منه قتل الشعور القومي الثمين من طريق التسلية. قال (ولبرت سميث) (١): «إِنَّ الأَلْعَابَ تُبَرْهِنُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ أَحْسَنِ الوَسَائِلِ لِتَقْريبِ وَجْهَاتِ النَّظَرِ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ، بَلْ بَيْنَ المُتَعَادِينَ. لَمَّا أُعْلَنَ العَرَبُ إِضْرَابَهُمْ العَامَّ فِي القُدْسِ عَامَ ١٩٢٩ (احْتِجَاجًا عَلَى مُمَالَئَةِ الإِنْجْلِيزِ لِلْيَهُودِ) قَامَتْ جَمْعِيَّةُ الشُّبَّانِ المَسِيحِيَّةِ بِحَفْلَةٍ تَخْدِمُ بِهَا التَّعَاوُنَ الوَدِّيَّ بَيْنَ العَرَبِ وَاليَهُودِ فَأَقَامَتْ مُبَارَاةً فِي لُعْبَةِ التِّنِّسِ كَانَ اللاَّعِبُونَ فِيهَا مُسْلِمِينَ وَيَهُودًا. وَكَانَ الحُضُورُ لَفِيفًا مِنْ جَمَاعَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فِيهِمْ الفِلَسْطِينِيُّونَ وَالإِنْجْلِيزَ وَالأَمَرِيكِيُّونَ وَالأَلْمَانَ. وَسَادَتْ الرُّوحُ الرِّياضِيَّةُ، فَكَانَ اليَهُودُ يُحَيُّونَ كُلَّ نَجَاحٍ يُصِيبُهُ اللاَّعِبُونَ العَرَبَ، وَكَانَ العَرَبُ يَرُدُّونَ التَّحِيَّةَ لِلاَّعِبِينَ اليَهُودَ إذَا أَصَابُوا نَجَاحًا. وَتَبِعَ المُبَارَاةَ حَفْلَةُ شَايٍ حَضَرَهَا نَحْوُ خَمْسِينَ مِنَ الْفِلَسْطِينِيِّينَ وَالإِنْجْلِيزَ وَالصِّهْيُونِيِّينَ نَعَمُوا سَاعَةً بِكَرَمِ مُضَيِّفِيِهِمْ النَّصَارَى». هكذا نجد دائمًا بوضوح أن المبشرين وأشياعهم ليسوا خطرًا على الاطمئنان الديني في الإسلام، بل هم خطر على الحياة القومية في الشرق العربي أيضًا. • • • ولم تكن الإرساليات التبشيرية وحدها صديقة لليهود في سبيل تحقيق أهدافها الدينية، بل إن بريطانيا، الدولة المنتدبة على فلسطين، كانت صديقة لليهود (٢) في سبيل تحقيق أغراضها الاستعمارية. ومما يدلنا على ذلك، بعد الأدلة التي لمسناها في خمسة وأربعين عامًا منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى، أن إنجلترا أعلنت الوطن القومي لليهود في فلسطين قبل استيلائها على فلسطين، وأن المندوب السامي البريطاني الأول في فلسطين، السير

стр. 184

(هربرت صموئيل)، كان يهوديًا. وكان تأسيس الدولة اليهودية أمرًا مقررًا عند المبشرين، فقد كتب المبشر (جون فان أس) (١) يذكر في عام ١٩٤٣ «إسرائيلية» ويعلن حدودها فيقول بأنها الدولة التي ستؤلف من معظم أراضي اليهودية (الجليل) جنوبًا إلى خليج العقبة، ثم «أردنية» ويجعلها القسم العربي من فلسطين مع شرق الأردن الحالية. هذا يدلنا دلالة واضحة على أن أخبار هذه التقسيمات السياسية كانت في متناول المبشرين، أو أن المبشرين كانوا يحضون عليها في سبيل تسهيل مشاريعهم الدينية. ويتساءل أحدنا: لماذا يفضل المبشرون أن تقوم دولة يهودية في فلسطين، ولماذا هم يخافون العرب ولا يخافون اليهود؟ يرى (لورنس براون) (٢) - وأكثر المبشرين على رأيه - أن القضية الإسلامية تختلف من القضية اليهودية: أن المسلمين يختلفون من اليهود في دينهم [أنه] دين دعوة. إن الإسلام ينتشر بين النصارى أنفسهم وبين غير النصارى. ثم إن المسلمين كان لهم كفاح طويل في أوروبا فأخضعوها في مناسبات كثيرة. على أن الفرق الأساسي بين المسلمين واليهود، كما يراه المبشرون، هو أن المسلمين لم يكونوا يومًا ما أقلية مَوْطُوءَةً بالأقدام. ثم يقولون: إننا إذا نظرنا إلى العالم لم نر مكانًا يمكن أن يصبح المسلمون فيه أقلية مثل هذه إلا فلسطين والهند. من أجل ذلك نرى المبشرين ينصرون اليهود على المسلمين في فلسطين. ثم يعلن (لورنس براون) رأيه الخاص فيقول: «لَقَدْ كُنَّا نُخَوِّفُ بِشُعُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَكِنَّنَا بَعْدَ الاِختبَارِ لَمْ نَجِدْ مُبَرِّرًا لَمِثْلِ هَذَا الخَوْفِ. لَقَدْ كَنَّا نُخَوِّفُ مِنْ قَبْلُ بِالخَطَرِ اليَهُودِيِّ وَالخَطَرِ الأَصْفَرِ (بِاليَابَاْن وَتَزَعُّمِهَا عَلَى الصِّينِ) وَبِالْخَطَرِ البُلْشِفِيِّ. إِلاَّ أَنَّ هَذَا التَّخْوِيفَ كُلَّهُ لَمْ يتَّفِقْ (لَمْ نَجِدْهُ، لَمْ يَتَحَقَّقْ) كَمَا تَخَيَّلْنَاهُ. إِنَّنَا وَجَدْنَا اليَهُودَ أَصْدِقَاءَ لَنَا، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ كُلَّ مُضْطَهِدٍ لَهُمْ عَدُوَّنَا الأَلَدَّ. ثُمَّ رَأَّيْنَا أَنَّ البَلاَشِفَةَ حُلَفَاءَ لَنَا (٣). أَمَّا الشُّعُوبُ الصُّفْرُ فَإِنَّ هُنَالِكَ دُولاً دِيمُقْراطِيَّةً كَبِيرَةً تَتَكَفَّلُ بِمُقَاوَمَتِهَا ... وَلَكِنَّ الخَطَرَ الحَقِيقِيَّ كَامِنٌ فِي نظامِ الإِسْلاَمِ وَفِي قُدْرَتِهِ عَلَى التَّوَسُّعِ وَالإِخْضَاعِ، وَفِي حَيَوِيَّتِهِ: إِنَّهُ الجِدَارُ الوَحِيدُ فِي وَجْهِ الاِسْتِعْمَارِ الأُورُوبِيُّ» (٤).

стр. 185

وما دمنا هنا، فإن فلسطين تستحق صفحتين أو ثلاث صفحات أخر. نشر الدكتور (بيارد ضودج) رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت من عام ١٩٢٢ إلى عام ١٩٤٨ مقالاً بعنوان " أمن الضروري أن تنشب حرب في الشرق الأوسط؟ " (١) يبسط فيه رأيه في حل قضية فلسطين، قال: (٢) «إِنَّ قِيَامَ حُكُومَةٍ اِتِّحَادِيَّةٍ فِي فِلَسْطِينَ تَحْتَ إِشْرَافِ هَيْئَةِ الأُمَمِ يَسْلُبُ العَرَبَ سَيْطَرَتَهُمْ المُطْلَقَةَ عَلَى فِلَسْطِينَ، كَمَا يَضَعُ حَدًّا لاِدِّعَاءِ اليَهُودِ بِهِجْرَةٍ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ، إلاَّ أَنَّ الفَرِيقَيْنِ يَرْبَحَانِ بِذَلِكَ رِبْحًا ثَابِتًا: إِنَّ اليَهُودَ يَحْتَفِظُونَ بِوَطَنٍ قَوْمِيٍّ وَاسِعٍ جِدًّا يَسْتَطِيعُونَ بِهِ، لِتَفَوُّقِهِمْ الفَنِّيِّ الحَديثِ، أَنْ يَتَوَلَّوْا بِالخُطًى الاِقْتِصَادِيَّةِ السِّلْمِيَّةِ زَعَامَةَ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ كُلَّهُ. أَمَا العَرَبُ فَإِنَّهُمْ سَيَجْنُونَ رِبْحًا مِنْ ذَلِكَ التَّقَدُّمِ التِّجَارِيِّ وَالصِّنَاعِيِّ الذِي يَأْتِي مِنْ هَذَا السَّبِيلِ». وما دمنا في حديث فلسطين فلنتوسع قليلاً في مساعي الغربيين لإنشاء إسرائيل توسعًا يفصح عن بعض غاياتهم. منذ عهد بعيد، منذ القرن التاسع عشر، كانت بريطانيا تود استعمار فلسطين وإقامة الحامية فيها لحراسة طريق الهند. ولم يكن بإمكانها أن تفعل ذلك إلا من طريق التبشير. جاء في كتاب " التوراة والسيف " (٣) في صدد نقل فلسطين إلى المذهب الأنكليكاني (مذهب الدولة في إنجلترا) فصل كامل على (اللورد شافتسبري) (٤) الذي كان يمثل فكرة تنصير فلسطين ورد اليهود منصرين إليها، أو تنصيرهم بعد ردهم إليها، وإعلان الحماية (البريطانية) عليها. ولقد روج (اللورد بالمرستون) (٥)، وزير الخارجية البريطانية، لهذه الدعوة برسالة وجهها إلى جريدة " التايمز " اللندنية فنشرتها الجريدة المذكورة في السابع عشر من آب عام ١٨٤٠. ومن الشخصيات الإنجليزية التي عملت بما فكر به (شافتسبري) وسعى إليه (بالمرستون)، وممن اشتهروا ودارت أسماؤهم في السياسة الشرقية والعربية، رئيس الوزارة البريطانية (غلادستون)، والقائد البريطاني (الجنرال غوردن)، والمستكشف البريطاني (لِيفِنْغِسْتُونْ)، والممرضة الشهيرة (فلورانس نايتنغايل). كل هؤلاء، على اختلاف نزعاتهم وعلى اختلاف البراقع التي وضعوها على وجهوههم، كانوا ذوي اتجاه تبشيري استعماري، وكلهم كانوا يريدون اختراع الوسائل للدفاع عن «الإمبراطورية» ولتوسيع رقعتها.

стр. 186

ويرى الإنجليز أن فلسطين لم تكن مهمة لهم في ذاتها فقط، بل كانت عندهم وسيلة ضرورية للدفاع عن الإمبراطورية. «لَقَدْ كَانَتْ أَيْضًا الصِّلَّةُ الجُغْرَافِيَّةُ بَيْنَ الشُّرْقِ وَالغَرْبِ وَرَأَّسُ الجِسْرِ بَيْنَ ثَلاَثِ قَارَّاتٍ، وَعُقْدَةُ الدِّفاعِ العَسْكَرِيِّ عَنْ الإِمْبْرَاطُورِيَّةِ، وَالمِنْطَقَةِ الضَّرُورِيَّةِ لِلْدِّفاعِ عَنْ طَرِيقِ السُّوِيسْ وَعَنْ الطَّرِيقِ إِلَى الهِنْدِ وَعَنْ آبَارِ النَّفْطِ فِي المَوْصِلِ» (١). وتعددت العوامل في السياسة الإنجليزية في شأن فلسطين، ولكن كان بعضها ستارًا، فقد ألفت (برباره توخمان) (٢) - وهي يهودية من الولايات المتحدة - كتابًا سمته " التوراة والسيف " أو " إنجلترا وفلسطين منذ العصر البرونزي إلى بلفور " (٣) ذكرت في مقدمته غايتها من تأليفه فقالت (٤): «هَذَا الكِتَابُ مُحَاوَلَةٌ لِتَتَبُّعِ الأَهْدَافِ المُزْدَوَجَةِ فِي تَطَوُّرِهَا مُنْذُ البِدَايَةِ: الهَدَفُ الثَّقَافِيُّ مَعَ الهَدَفِ الاِسْتِعْمَارِيِّ، وَالهَدَفُ الأَخْلاَقِيُّ مَعَ الهَدَفِ المَادِّيِّ. وَبِكَلِمَةٍ وَاحِدَةً: أُرِيدُ أَنْ أَتَتَبَّعَ فِيهِ خُطُوَاتِ التَّوْرَاةِ وَالسَّيْفِ إِلَى أَنْ تَنْتَهِي بِفِلَسْطِينَ إِلَى الاِنْتِدابِ». ولم يكن في محاولة الاستيلاء على فلسطين تلك العوامل التي ذكرت فحسب، بل كان ثمت العامل الصليبي الديني في أجلى مظاهره، تقول (برباره توخمان) (٥): «وَهَكَذَا دَخَلَ الجِنِرَالْ (اللَّنْبِي) إِلَى القُدْسِ عَامَ ١٩١٨، فَنَجَحَ حَيْثُ كَانَ (رِيتْشَرْدْ) = (رِيكَارْدُوسْ قَلْبُ الأَسَدِ) قَدْ أَخْفَقَ. وَلَوْلاَ ذَلِكَ الاِنْتِصارُ (اِنْتِصارُ اللَّنْبِي) لَمَّا كَانَتْ إِعَادَةُ إِسْرَائِيلَ، إِلَى الآنَ، قَدْ أَصْبَحَتْ حَقِيقَةً وَاقِعَةً. وَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بإِمْكَانِ (اللَّنْبِي) أَنْ يَنْجَحَ لَوْلاَ مُحَاوَلَةَ (رِيتْشَرْدْ): أَيْ لَوْ لَمْ تَكُنْ النَّصْرَانِيَّةُ قَدْ أَقَامَتْ، فِي الأَصْلِ، الأَسَاسَ الذِي يَحْمِلُ النَّصَارَى عَلَى التَّعَلُّقِ بِالأَرْضِ المُقَدَّسَةَ. وَإِنَّ مِنْ غَرِيبِ التَّهَكُّمِ أَنْ يَكُونَ اليَهُودُ قَدْ اِسْتَعَادُوا مَوْطِنَهُمْ، وَإِلَى حَدٍّ مَا، بِفِعْلِ الدِّينِ الذِي أَعْطَوْهُ لِلأُمِّيِّينَ» (٦). ووعد (بلفور) أيضًا لم يكن العامل الأساسي في إنشاء دولة إسرائيل. إن السياسات التي استترت وراء هذا الوعد هي التي أرادت خلق إسرائيل، سواءً أتقدم هذا الوعد في التاريخ أم تأخر وسواءً أكان أم لم يكن. قالت (برباره توخمان) (٧):

стр. 187

«إِنَّ الاِنْتِدَابَ، لاَ وَعْدَ بَلْفُورْ، هُوَ الذِي فَسَحَ فِي القَانُونِ العَامِّ مَجَالاً لإِعَادَةِ إِسْرَائِيلَ فِي فِلَسْطِينَ. إِنَّ وَعْدَ بَلْفُورْ كَانَ إِعْلاَنًا لِسِيَاسَةٍ فَقَطْ، وَكَانَ بِإِمْكَانِ كُلِّ وِزَارَةٍ (بَرِيطَانِيَّةٍ) تَالِيَةٍ أَنْ تَتَجَاهَلَهُ، أَوْ أَنْ تَدَعَ الزَّمَنَ يَمُرُّ عَلَيْهِ، أَوْ أَنْ تَرْفُضَهُ، وَلَكِنَّ الاِنْتِدَابَ (أَيْ إِدْخَالَ وَعْدَ بَلْفُورْ فِي صَكِّ الاِنْتِدَابِ) كَانَ التَّعَهُّدَ الدَّوْلِيَّ الذِي وَقَّعَتْهُ دُوَلُ الحُلَفَاءِ الكُبْرَى التِي كَانَتْ تَعْمَلُ بِاسْمِ عُصْبَةِ الأُمَمِ ثُمَّ أَكَّدَتْهُ فَرَفَعَتْهُ بِذَلِكَ، بَعْدَ أَنْ وَضَعَتْهُ فِي صُلْبِ صَكِّ الاِنْتِدَابِ، إِلَى مُسْتَوَى المُعَاهَدَاتِ». والوطن القومي اليهودي لم يكن يعني ملجأ لليهود المضطهدين في أوروبا، كما كان يزعم الصهيونيون والسائرون في ركب الصهيونية، بل كان يعني إقامة دولة على غرار دول العصر الحديث. «فَلَمَّا اِسْتَفْهَمَ الوَزِيرُ (لاَنْسِنْغْ) (١) مِنْ (وَيْزْمَانْ) أَمَامَ المَجْلِسِ الأَعْلَى لِمُؤْتَمِرِ بَارِيسْ عَمَّا يَعْنِي تَمَامًا بِالوَطَنِ القَوْمِيِّ أَجَابَهُ بِجَوَابِهِ المَشْهُورِ: " أَنْ تُتَاحَ لَنَا الفُرْصَةُ لِنَبْنِي بِالتَّدْرِيجِ قَوْمِيَّةً فِي فِلَسْطِينَ هِي لِلْيَهُودِ بِمَقَامِ الأُمَّةِ الفِرَنْسِيَّةِ لِلْفِرَنْسِيِّينَ وَالأُمَّةَ الإِنْجْلِيزِيَّةَ لِلإِنْجْلِيزْ "» (٢). ومع كل ما يمكن أن يقال في تقصير العرب، في فلسطين وفي خارج فلسطين، فإن سياسة بريطانيا في عهد الانتداب كانت العامل الأول في إضعاف القوى العربية. إن التحسس القومي من ناحية والتحسس الديني من ناحية أخرى كانا قويين بين الشبان العرب في كل مكان، وفي فلسطين أيضًا. غير أن الانتداب - الذي كان شكلاً آخر من أشكال الاستعمار أو اسمًا آخر للاستعمار على الأصح - حاول أن يخدر هذا التحسس، وفي فلسطين خصوصًا. لَقَدْ أَلْهَتْ حكومة الانتداب نفرًا من عرب فلسطين لا يزيدون في العدد على خمسة عشر بالمائة من مجموع السكان بمناصب ذات رقابة اسمية في الحكومة المحلية (٣). ولما تطور النزاع بين العرب واليهود ولم يبق مندوحة عن الاصطدام في الحقل الداخلي وعلى الصعيد الدولي، كانت بريطانيا خاصة تلعب دورها الصهيوني من وراء ستار. تجمع المصادر الأجنبية التي تناولت نزاع العرب واليهود في فلسطين، وخصوصًا في السنتين اللتين سبقتا التقسيم، على أن العرب كانوا ضعافًا ماديًا وعسكريًا، وعلى أن العرب

стр. 188

لم يكونوا حازمين أمرهم على خطة معينة أو هدف معين. وكذلك كان زعماء العرب وحكامهم تتنازعهم الأهواء والمصالح الشخصية والإقليمية. على أن هذه المصادر لا تخفي، أو لا يخفي فيها، تواطؤ الدول الأجنبية كلها - خصوصًا الدول الكبرى: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفياتي - على العرب. نشرت مجلة " كومنتري " التي تصدرها اللجة الأمريكية اليهودية في نيويورك في عددها الصادر في نيسان من عام ١٩٤٧ تقريرًا سَنُوجِزُهُ فِي مَا يَلِي (١): إن فلسطين لم تكن تستغرق اهتمام (ترومان)، رئيس جمهورية الولايات المتحدة، مع كل ما كان فيها من الاضطراب، ذلك لأن فلسطين لم تكن بقعة دفاعية في الجبهة الإنجليزية الأمريكية، كتركيا واليونان مثلاً، ولكنها خَطًّا من خطوط المواصلات الداخلية .. غير أن مشكلة فلسطين كانت أكثر تعقدًا مما يبدو عليها. ويبدو أن بريطانيا كانت تريد أن تغمس الولايات المتحدة في مشكلة فلسطين، فلم تجد - وهي المنتدبة على فلسطين والمسؤولة وحدها عنها - خيرًا من أن تحيل تلك المشكلة إلى هيئة الأمم. ومع أن الوزارة البريطانية كانت قد اتخذت قرارًا بإحالة قضية فلسطين إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإنها لم تتخذ في ذلك خطوة إيجابية سريعة. ففي السادس والعشرين من آذار أعلن (تريغفه لي)، الأمين العام للأمم المتحدة، أنه لم يتلق من أحد بلاغًا عن هذه القضية. ولقد ذكر في ذلك الحين أن (تريغفه لي) كان يفضل تأليف لجنة لدرس الموقف. غير أن الولايات المتحدة لم تكن واثقة من أن القانون يجيز تأليف مثل هذه اللجنة. ولكن تبين في الوقت نفسه أن لجنة فرعية كانت قد تألفت في الأمم المتحدة لجمع المعلومات للجنة المزمع إنشاؤها لدرس الموقف في فلسطين. في تلك الأثناء كان (عبد الرحمن عزام)، الأمين العام لجامعة الدول العربية، قد صرح في القاهرة بأن اللجنة السياسية في الجامعة العربية قد رفضت الاقتراح القائل بتأليف لجنة لدرس الموقف. ويذكر التقرير الذي نوجزه في هذا المكان (وهو يعبر عن رأي اليهود) أن المفتاح لكل حل يمكن أن يكون مرضيًا عنه إنما هو في يد الولايات المتحدة. فالولايات المتحدة وحدها تملك الإمكانيات التي تجعل تساهل الزعماء العرب في (قضية) فلسطين مُجْدِيًا (لَهُمْ). ثم إن لها من الدالة ما يجعلها قادرة على عقد هذه الصفقة.

стр. 189

ولما قامت دولة إسرائيل وتعقدت الأمور في الشرق العربي من أجل ذلك بدأت الاقتراحات للتهدئة ترد من كل مكان، وكلها تستند إلى أسس من السياسة والدين، من الاستعمار والتبشير. من تلك الاقتراحات رغبة فرنسا في العودة إلى الشرق لضبط الأمور وتصريفها بين العرب واليهود. يزعم القائد الفرنسي الجنرال (بورر) [Buhrer] مزاعم غريبة، هو يقول (١): «لَوْ لَمْ تَكُنْ الأَحْقَادُ الجِنْسِيَّةُ وَالدِّينِيَّةُ قُوِّيَّةً جِدًّا لَكَانَ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يَحُلَّ التَّفَاهُمُ بَيْنَ الأُرْدُنِّ وَإِسْرَائِيلَ تِلْكَ المُشْكِلَةِ. وَلَكِنْ يَبْدُو أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ المُمْكِنِ أَنْ يَقُومَ بَيْنَهُمَا تَفَاهُمٌ دَائِمٌ. وَسَيَأْتِي يَوْمٌ تَزُولُ فِيهِ إِحْدَى هَاتَيْنِ الدَّوْلَتَيْنِ. أَمَّا المَمْلَكَةُ الأُرْدُنِيَّةُ الهَاشِمِيَّةُ فَيُمْكِنُ أَنْ تَنْطَوِي فِي الجُمْهُورِيَّةِ السُّورِيَّةِ. وَأَمَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِسْرَائِيلَ وَلُبْنَانَ فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَقْتَرِحَا اتِّحَادًا فِي شَرْقِيِّ البَحْرِ الأَبْيَضِ المُتَوَسِّطِ». هذا الزعم ليس من السياسة ولا من التاريخ في شيء. ولكن الجنرال (بورر) [Buhrer] استعماري، وقد حلل الموقف في هذا الجزء من العالم بالرغبة الاستعمارية التي في صدره. وسنجده يقول بعد خمس وعشرين صفحة من كتبه: «أَنَّ نَظَرِيَّةَ الحُكْمِ الإِلَهِيِّ فِي البِلاَدِ الإِسْلاَمِيَّةِ، وَخُصُوصًا عِنْدَ العَرَبِ، تَتَمَسَّكُ بِالشَّكْلِ الكُلِّيِّ عَلَى الأَخَصِّ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنَ الجُهُودِ التِي بُذِلَتْ لإِقْرَارِ المَبْدَأِ العِلْمَانِيِّ فِي الدَّوْلَةِ، فَإِنَّ هَذِهِ المِلْكِيَّاتِ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَتَخَلَّى بَعْدُ عَنْ المَبَادِئِ الأَسَاسِيَّةِ مِنَ الدِّينِ الإِسْلاَمِيِّ، وَلاَ عَنْ المَبَادِئِ الأَسَاسِيَّةِ مِنَ النَّفْسِيَّةِ الإِسْلاَمِيَّةِ العَرَبِيَّةِ: لاَ خَلاَصَ بِغَيْرِ الإِسْلاَمِ (٢) ... ثُمَّ إِنَّ إِسْرَائِيلَ نَفْسُهَا قَامَتْ عَلَى أَسَاسِ الدِّينِ اليَهُودِيِّ. وَهَكَذَا يَتَّضِحُ فِي الوَقْتِ الحَاضِرِ أَنَّ الشَّرْقَ لَمْ يَفْقِدْ بَعْدُ فِكْرَةَ الأُمَمِ الدِّينِيَّةِ التِي كَانَ يَأْخُذُ بِهَا مِنْ قَبْلُ ... لِذَلِكَ يَبْدُو مِنْ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ ... أَنَّ فِرَنْسَا هِي التِي اِحْتَفَظَتْ، بِمَا لَهَا مِنَ النُّفُوذِ الثَّقَافِيِّ وَالأَدَبِيِّ، بِمُهِمَّةِ الدَّلاَّلَةِ وَالمَشُورَةِ وَالمُسَاعَدَةِ لِهَذِهِ الدُّوَلِ الفَتِيَّةِ مِنْ وَرَثَةِ الأُمَمِ القَدِيمَةِ حَتَّى تَسْتَطِيعَ هَذِهِ الدُّوَلُ أَنْ تَحْتَلَّ مَكَانًا فِي هَذَا العَالَمِ المُتَبَدِّلِ. لَقَدْ كَانَتْ فِرَنْسَا مِنْ قَبْلُ حَامِيَةً لِنَصَارَى الشُّرْقِ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَمُدَّ حِمَايَتَهَا النَّيِّرَةَ البَرِيئَةَ مِنَ الأَغْرَاضِ إِلَى جَمِيعِ الذِينَ يَسْكُنُونَ هَذَا الشَّرْقَ، سَوَاءً أَكَانُوا يَهُودًا أَوْ نَصَارَى أَوْ مُسْلِمِينَ ... وَإِنَّ رِسَالَةَ فِرَنْسَا بِصِفَتِهَا حَامِيَةً لِلْنَّصَارَى قَدْ أَضْفَى عَلَيهَا دَائِمًا، فِي تِلْكَ

стр. 190

البِلاَدِ الإِسْلاَمِيَّةِ - فِي الشَّرْقِ - بَهَاءً لاَ نَظِيرَ لَهُ». ولم يكتف التبشير بالدعوة السافرة إلى الاستعمار، بل كان يسلك سبيل التجسس أيضًا خدمة لإسرائيل وحقدًا على العرب. نشرت مجلة " الشرطة والأمن العام " (١) مقالاً عن داعية أمريكي لإسرائيل يَدَّعِي أنه يدير جمعية التقارب المسيحي، مع أن اسم جمعيته الحقيقي: " جمعية التقارب المسيحي اليهودي ". ولم يكن عمل هذا الداعية، واسمه (رالف باني)، سوى مساعدة اليهود والدس على العرب بتشويه سمعتهم والتجسس عليهم. ومع أن هذا الداعية كان يرتدي ثياب المبشرين فإنه كان يقوم بأعمال تنافي الدين، وبنشاط يُضِرُّ بِالعَرَبِ. وَقَدْ أُخْرِجَ مِنَ الأُرْدُنِّ بهذه التهم كلها. والمبشرون الذين يقومون بمثل نشاط (رالف باني) كثيرون ولكن إقامة البينة عليهم عسيرة أحيانًا لاتقانهم فن العمل الصامت ولدفاع حكوماتهم عنهم إذ أنهم يخدمون الغايات الاستعمارية التي ترمي إليها دولهم.

стр. 191

الفَصْلُ التَّاسِعُ: الأَعْمَالُ الاِجْتِمَاعِيَّةُ طَرِيقُ التَّبْشِيرِ: الأعمال الاجتماعية هي المناسبات التي تربط بعض البشر ببعضهم عَرَضًا، أو تتيح لبعض الناس أن يعرفوا بعضهم الآخر. إن البشر عادة مقسمون حسب أعمالهم، فقلما يتاح للطبيب المنصرف إِلَى عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ أن يجتمع بالتاجر أو بالصانع أو بالفنان. وكذلك يعتذر على رجل من المدينة، أو من حي معين في المدينة، أن يجتمع برجل من مدينة أخرى أو من حي آخر في مدينته هو. من أجل ذلك يلجأ الناس عادة إلى خلق جو اجتماعي يجمع بينهم في مناسبات مختلفة: في الحفلات الرياضية والخطابية، وفي الأندية الأدبية والسياسية، وفي الاتصال فيما بينهم من طريق الصحف والمجلات وأعمال البر والإحسان، وفي الاجتماعات المختلطة بين الجنسين رجالاً ونساءً. والمبشرون يعرفون هذه كلها في بلادهم فأحبوا أن ينقلوها إلى بلادنا، لاَ حُبًّا بِنَا نَحْنُ لكي تكون الصِّلاَتُ بيننا أوثق والحياة عندنا أكثر فائدة وأكثر مرحًا، بل تواصلاً إلى اختراق السور الذي ضربه العُرْفُ الشرقي حول الأسرة المسلمة كي يفتح لهم باب جديد يَلِجُونَهُ للتبشير بيننا. تلك كانت غايتهم الأولى من النشاط الاجتماعي الذي أحبوا أن يثبتوه في بيئتنا بواسطة المدارس الأمريكية خاصة، ومن طريق الخدمة الاجتماعية بين الفلاحين أيضًا. جاء في كتاب اسمه " مؤتمر العاملين المسيحيين بين المسلمين " (١): «نَحْنُ نَعْنِي بِالعَمَلِ الاِجْتِمَاعِيِّ المَسِيحِيِّ تَطْبِيقَ مَبَادِئَ يَسُوعْ المَسِيحَ فِي جَمِيعِ الصِّلاَتِ الإِنْسَانِيَّةِ. إِنَّ المسلمين يَدَّعُونَ أَنَّ فِي الإِسْلاَمِ مَا يُلَبِّي كُلَّ حَاجَةٍ اِجْتِمَاعِيَّةٍ فِي البَشَرِ، فَعَلَيْنَا أَنْ نُقَاوِمَ الإِسْلاَمَ دِينِيًّا بِالأَسْلِحَةِ الرُّوحِيَّةِ. فَالنَّشَاطُ الاِجْتِمَاعِيُّ يَجِبُ أَنْ يُرَافِقَ التَّعْلِيمَ المُبَاشِرَ لِلإِنْجِيلِ وَيُسَاعِدَهُ

стр. 192

وَيُتِمُّهُ ... فَلْنَبْدَأْ بِالصِّلاَتِ اليَوْمِيَّةِ، تِلْكَ التِي تَتَّصِلُ بِالطِّفْلِ وَبِالمَرْأَةِ ثَمَّ نَتَوَسَّعُ فِي تِلْكَ الصِّلاَتِ حَتَّى نَبْلُغَ إِلَى المَبَادِئِ الوَاسِعَةِ التِي أَقَرَّتْهَا عُصْبَةُ الأُمَمِ .. فَأَمَامَ الكَنِيسَةِ اليَوْمَ مُنَاسَبَاتٌ مُمْتَازَةٌ تُتِيحُ (لِلْمُبَشِّرِ المَسِيحِيِّ) أَنْ يَتَّصِلَ بِرِجَالٍ وَنِسَاءٍ فِي البِيئَةِ (الإِسْلاَمِيَّةِ) الرَّاقِيَةِ لَمْ يَكُنْ بِإِمْكَانِهِ مِنْ قَبْلُ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِمْ ... مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ نَحْنُ نَنْصَحُ بِالسَّيْرِ فِي الأَعْمَالِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ عَلَى الأُسُسِ التَّالِيَةِ: إِيجَادُ بُيُوتٍ لِلْرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَخُصُوصًا الطَّلَبَةُ مِنْهُمْ وَمِنْهُنَّ - إِيجَادُ أَنْدِيَةٍ - الاِعْتِنَاءُ بِالتَّعْلِيمِ الرِّيَاضِيِّ وَأَعْمَالِ التَّرْفِيهِ - حَشْدُ المُتَطَوِّعِينَ لأَمْثَالِ هَذِهِ الأَعْمَالِ. وَبِمَا أَنَّ " جَمْعِيَّةَ الشُّبَّانِ المَسِيحِيِّينَ " وَ " جَمْعِيَّةَ الشَّابَّاتِ المَسِيحِيَّاتِ " قَدْ نَصَّبَتَا نَفْسَهُمَا لِلْوُصُولِ إِلَى الشَّبَابِ المُسْلِمِ فِي النَّوَاحِي الآنِفَةِ الذِّكْرِ وَفِي غَيْرِهَا أَيْضًا، فَالوَاجِبُ يَقْضِي أَنْ تُشَجَّعَا لِتَتَّسِعَ دَائِرَةُ عَمَلِهَا فَتَشْمَلَ الجَمَاعَاتِ المَسْؤُولَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ وَمِنَ الذِينَ يُرَحِّبُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الجُهُودِ (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْطُنُوا، طَبْعًا، إِلَى الغَرَضِ التَّبْشِيرِيِّ). وَعَلَى المُبَشِّرِينَ أَنْ يَتَعَرَّفُوا إِلَى أَحْوَالِ المُسْلِمِينَ الاِجْتِمَاعِيَّةِ وَالاِقْتِصَادِيَّةِ حَوْلَهُمْ ثُمَّ يَسْعَوْا إِلَى الإِصْلاَحِ (فِي الظَّاهِرِ)، سَعْيًا إِلَى التَّأْثِيرِ عَلَى الرَّأْيِ العَامِّ (بِأَنَّ غَايَتَهُمْ شَرِيفَةٌ مُجَرَّدَةٌ مِنَ الغَرَضِ التَّبْشِيرِيِّ). وَمِمَّا يَجِبُ أَنْ يَهْتَمَّ المُبَشِّرُونَ بِهِ (فِي الظَّاهِرِ): إِصْلاَحُ الأَحْدَاثِ - الحَيْلُولَةُ دُونَ الزَّوَاجِ البَاكِرِ - الحَيْلُولَةُ دُونَ تَشْغِيلِ الأَطْفَالِ - مُحَاوَلَةُ إِصْلاَحِ الأَحْوَالِ العَامَّةِ لِلْعُمَّالِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِسَاعَاتِ العَمَلِ وَبِالأُجُورِ وَبِالأُمُورِ الصِّحِّيَّةِ فِي المَعَامِلِ - الرِّفْقُ بِالحَيَوَانِ ...» (ص ٣٤ - ٣٦. من أجل ذلك نرى في الدرجة الأولى أن الجدران قد امتلأت في بلادنا بالدعوة إلى «الرِّفْقِ بِالحَيَوَانِ» وبجملة «الطِّفْلُ لِلْمَدْرَسَةِ لاَ لِلْعَمَلِ»، وبالدعوة إلى «إِنْصَافِ العُمَّالِ». ولكننا لا نرى إصلاحًا خفيفًا في هذا السبيل، بل نرى مقابل ذلك «ظُلْمًا لِلإِنْسَانِ» وَ «تَشْرِيدًا لِلأَطْفَالِ» (١) وَ «اِسْتِغْلاَلاً لِلْعُمَّالِ». فالذين يقومون بهذه الدعوات الظاهرة لا يقصدون الإصلاح الحقيقي، بل يقصدون التسلل بالتبشير إلى الجماعات المسلمة. والمسلمون خاصة لم يتقبلوا أعمال التبشير الاجتماعية (فِي ظَاهِرِهَا) بسرور، لأسباب مختلفة، منها أن الإسلام نظام اجتماعي كامل، وكل ما يأتي به هؤلاء المبشرون، باعترافهم

стр. 193

هم، موجود في الإسلام وفي أشكال أتم وأحسن (١). وهذا حق، فالدين الإسلامي ليس عقيدة فقط بل هو عقيدة ونظام اجتماعي أيضًا. أما النصرانية فليست كذلك. وأن ما يأتي به المبشرون على أنه إصلاحات اجتماعية، إنما هي نتاج مشوه لمبادئ اجتماعية نشأت في القرون المتأخرة. وما كان أغنى المسلمين عن أن يتناولوا هذه المبادئ الاجتماعية ملونة بلون التبشير! إن ثمة حاجة إلى تجديد اجتماعي بين المسلمين، لا ريب في ذلك. من أجل ذلك يحسن اللجوء إلى المذاهب الاجتماعية، إذا كانت موافقة، من غير أن تمر بين أيدي المبشرين. وهنالك أمر آخر يمنع المسلمين من تصديق أقوال المبشرين، حتى في الاجتماع. يقول المبشر (و. رايد): «إِنَّ الوُصُولَ إِلَى المُسْلِمِينَ صَعْبٌ ... ذَلِكَ لأَنْ المُسْلِمِينَ يَشُكُّونَ فِي مَنْ يَتَبَرَّعُ لَهُمْ (مِنَ المُبَشِّرِينَ) وَيَعْزُونَ عَمَلَهُ إِلَى مَأْرَبٍ مَا ... إِنَّنِي أَنَا (وَالكَلاَمُ لِلْمُبَشِّرِ رَايْدْ) أُحَاوِلُ أَنْ أَنْقُلَ المُسْلِمَ مِنْ مُحَمَّدٍ إِلَى المَسِيحِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَظُنُّ المُسْلِمُ أَنَّ لِي فِي ذَلِكَ غَايَةٌ خَاصَّةٌ، أَنَا لاَ أَحُبَّ المُسْلِمَ لِذَاتِهِ، وَلاَ لأَنَّهُ أَخٌ لِي فِي الإِنْسَانِيَّةِ. وَلَوْلاَ أَنَّنِي أُرِيدُ رِبْحَهُ إِلَى صُفُوفِ النَّصَارَى لَمَا كُنْتُ تَعَرَّضْتُ لَهُ لأُسَاعِدَهُ» (٢). والمسلمون يعرفون هذا، ولذلك قلما يثقون بالمبشرين وبأعمالهم الاجتماعية، لاَ كُرْهًا بِالأَعْمَالِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ، بل لأن هذه الأعمال تأتي دائمًا ناقصة مشوهة لأنها في الحقيقة وسيلة تبشير ديني، هو بدوره وسيلة أخرى إلى استعمار سياسي واقتصادي. الإِحْسَانُ طَرِيقُ التَّبْشِيرِ: الإحسان في حقيقته عطف من القوي على الضعيف، عطف يتبدى في صور مختلفة أبرزها وأشهرها دفع المال. ولكن الإحسان قد يجري مجاري أخرى كالتعليم المجاني، وهبة الثيات والكتب، والمساعدة على إيجاد عمل وما يجري هذا المجرى. فلنبدأ هنا بالمال: لم يكن المبشرون محسنين بالمعنى النبيل الذي نفهمه من هذه الكلمة، ولكنهم كانوا يستغلون ما بأيديهم من وسائل الإحسان حتى يصلوا إلى أهدافهم التبشيرية فالاستعمارية. ولقد كانوا فوق ذلك مقتصدين جِدًّا لا ينفقون ولا ينفعون إلا بمقدار ما ينتظرون من فوائد

стр. 194

عاجلة. ألف جماعة من المبشرين كتابًا اسمه " أسس جديدة للتبشير " (١) قالوا فيه: «كَانَ التَّطْبِيبُ وَالتَّعْلِيمُ مِنْ وَسَائِلِ التَّبْشِيرِ، وَيَجِبُ أَنْ يَبْقَيَا كَذَلِكَ. أَمَّا أَعْمَالُ الخَيْرِ فَيَجِبُ أَنْ تُسْتَعْمَلَ بِحِكْمَةٍ فَلاَ تُنْفَقُ الأَمْوَالُ إلاَّ فِي سَبِيلِهَا: يَجِبُ أَنْ تُعْطَى الأَمْوَالُ أَوَّلاً لِلْبُعَدَاءِ، ثَمَّ يَقِلُّ دُفْعُهَا تَدْرِيجًا كُلَّمَا زَادَ اِقْتِرَابُ هَؤُلاَءِ إِلَى الكَنِيسَةِ (أَيْ كُلَّمَا زَادَ الأَمَلُ بِاِنْضِمَامِهِمْ إِلَى المَذْهَبِ الجَدِيدِ)، فَإذَا دَخَلُوهَا مُنِعَتْ عَنْهُمْ أَعْمَالُ الخَيْرِ. ثَمَّ يَجِبُ أَلاَّ نُبَالِغَ فِي النَّاحِيَةِ الخَيْرِيَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» (٢). أَيْنَ يَذْهَبُ مُعْظَمُ أَمْوَالُ الإِحْسَانِ ؟: وذكر (دانيال بلس) أن أموالاً أرسلت عقب فتنة ١٨٦٠ إلى خوري قرية في لبنان ليوزعها على أهل قريته فاحتفظ بالأموال لنفسه. هذا فضلاً عن أن الكثيرين من الأهلين كانوا يدعون بأن الدروز قد قتلوا أقاربهم وهدموا بيوتهم ليحصلوا على أموال لا حق لهم بها، أو ليحصلوا على أكثر مما هو حق لهم. وكان ثمة أفراد أقوياء الأجسام ظلوا يعتمدون على أموال الإحسان زمنًا طويلاً بعد فتنة ١٨٦٠ ويعيشون منها (٣). كان المبشرون يعرفون كيف تنفق هذه الأموال وإلى أين تذهب، وكانوا يغمضون أعينهم لأنهم لم يكونوا يودون الإحسان إلى البائس والمحروم، بل كانت كل طائفة منهم تتصيد بتلك الأموال خِرَافًا جديدة لحظيرتها. أما كيف يستغل المبشرون أعمال الخير في سبيل التبشير فتمثله القطعة التالية: كتب (ألمر دوغلاس) مقالاً عنوانه " كيف نضم إلينا أطفال المسلمين في الجزائر " (٤)، ذكر فيه أن ملاجئ قد أنشئت في عدد أقطار الجزائر في شمال أفريقيا لإطعام الأطفال الفقراء وكسائهم وإيوائهم أحيانًا. ثم قال: «إِنَّ هَذِهِ السَّبِيلُ لاَ تَجْعَلُ الأَطْفَالَ نَصَارَى، لَكِنَّهَا لاَ تُبْقِيهِمْ مُسْلِمِينَ كَآبَائِهِمْ. وَمِثْلُ هَذِهِ الجُهُودِ يَبْذُلُهَا المُبَشِّرُونَ فِي شَمَالِ أَفْرِيقْيَا وَمِصْرَ» (٥). ولقد صدر في " نشرة الأخبار للمجلس المسيحي في الشرق الأوسط " (٦) مقال عنوانه

стр. 195

" جمعيات المتطوعين والخدمة الاجتماعية في مصر "، جاء فيه أشياء كثيرة عن استغلال الحاجات الاجتماعية في الشعب المصري للتبسط في العمل المسيحي في القطر المصري كله. وكاتب المقال يريد أن تستأثر الجمعيات التبشيرية بكل نواحي الخدمة الاجتماعية، وهو يضن بأن تقوم على ذلك الحكومة المصرية نفسها. • • • ويظهر أن الإرساليات الكاثوليكية أكثر استخدامًا للإحسان في سبيل التبشير. ولقد اهتم باباوات رومية في الحقبة الأخيرة بنشر النصرانية بين المسلمين، حتى أن البابا (بندكتوس) (١٩١٤ - ١٩٢٢) عرف باسم " بابا الإرساليات ". والإرساليات الكاثوليكية كغيرها تتبع طريقين في التبشير: التبشير المباشر بمخاطبة غير النصارى (أو غير الكاثوليك أيضًا رأسًا بأمور العقيدة وبالتعليم المسيحي. أما الطريقة غير المباشرة فتقوم على الإحسان المادي وعلى العناية بالمرضى والتعليم وما أشبه ذلك. ويندر أن تستعمل الطريقة المباشرة مع المسلمين، فإن المبشر الكاثوليكي قد اتبع في كل مكان نزل فيه بين المسلمين الطريقة غير المباشرة (١). كتب (صموئيل زويمر) صاحب مجلة " العالم الإسلامي " (٢) مقالاً في مجلته (٣) عنوانه " استخدام الصدقات لاكتساب الصابئين ". ومع أن المقال كله بحث في أن الإسلام أجاز إعطاء الزكاة للمؤلفة قلوبهم، أي أولئك الذين دخلوا في الإسلام في عهد الرسول وكانوا ذوي حاجة وذوي اتجاه مادي، فإن المقصود من المقالة استخدام الإحسان في سبيل التبشير المسيحي أيضًا. أما البروتستانت خاصة فإنهم لا يرون أن توزع الإرساليات إعانات من مالها هي، وإن كانت أحيانًا تقوم بتوزيع الإعانات الواردة إليها من أماكن مختلفة (٤). ومما جعل المسلمين ينظرون بحذر إلى الأعمال الاجتماعية التي كان المبشرون يتظاهرون بها رِئَاءَ النَّاسِ أَمْرٌ على غاية الأهمية. كان المبشرون يحسنون أعمالهم الاجتماعية بقولهم إنها أعمال الغرب المتقدم المتحضر في الشرق المتأخر، وإنها نعمة مسيحية بين مسلمين متقهقرين. ولكن المسلمين رأوا فساد الأخلاق يمشي مع هؤلاء الغربيين خطوة فخطوة.

стр. 196

واتخذ الإحسان بعد الحرب العالمية الثانية شكلاً جديدًا وطريقة جديدة. لقد أصبح مساعدات فنية للأمم المتخلفة، ثم لم يبق من حاجة لبذله من طريق التبشير ما دام قد أصبح بذله ممكنًا من طريق الحكومات المستعمرة نفسها، ولا غرو فإن التبشير لم يكن سوى وسيلة إلى الاستعمار، فما الفائدة إذن من الاحتفاظ بوسيلة إذا كان الاستعمار قد وجد خيرًا منها؟ أجمل عبد العزيز فهمي أهداف المساعدت الفنية وأغراضها الحقيقية إجمالاً جَيِّدًا في كتابه " الاستعمار عدو الشعوب " (١) واستشهد بالحقائق التالية (٢): «لَقَدْ أَجَابَ مِسْتَرْ (تْرُومَانْ)، الرَّئِيسُ الأَمَرِيكِيُّ السَّابِقُ، عَلَى أَسْئِلَةٍ طُرِحَتْ عَلَيْهِ فِي مُؤْتَمَرِ الحِزْبِ الدِّيمُقْراطِيِّ الذِي عُقِدَ فِي أَثَناءِ الحَمْلَةِ الاِنْتِخَابِيَّةِ لِرِئَاسَةِ الجُمْهُورِيَّةِ، فِي أَوَاخِرِ عَامِ ١٩٥٢، فَقَالَ:" إِنَّ مَشْرُوعَ النُّقْطَةِ الرَّابِعَةِ يَعْنِي بِالنِّسْبَةِ لِلْوِلاَيَاتِ المُتَّحِدَةِ تَوْسِيعَ نِطَاقِ التِّجَارَةِ وَزِيَادَةِ أَسْوَاقِ التَّصْرِيفِ وَتَمْوِينِ أَمَرِيكَا بِالمَوَادِّ الأَوَّلِيَّةِ ". وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَحَدُ زُعَمَاءِ الحِزْبِ فِي المُؤْتَمَرِ نَفْسَهُ: " أَنَّ مَشْرُوعَاتِ النُّقْطَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَضَعَ البِلاَدَ المُتَخَلِّفَةَ فِي خِدْمَةِ الخِطَطِ العَسْكَرِيَّةِ لِلْوِلاَيَاتِ المُتَّحِدَةِ الأَمَرِيكِيَّةِ لأَنَّهَا سَتَكُونُ مَنَابِعَ لِلْمَوَادِّ الأَوَّلِيَّةِ الإِسْتْرَاتِيجِيَّةِ ". وَقَالُ وَزِيرُ الخَارِجِيَّةِ الأَمَرِيكِيَّةِ السَّابِقُ، المِسْتِرْ (دِينْ أَتْشَنْسُونْ):" إِنَّ الدَّافِعَ عَلَى الرَّغْبَةِ فِي نَجَاحِ المَشْرُوعِ لَيْسَ حُبُّ أَمَرِيكَا لِلْنَوْعِ البَشَرِيِّ، بَلْ هُوَ مَصْلَحَةُ أَمَرِيكَا العَمَلِيَّةِ ". وَيُؤَكِّدُ مِسْتِرْ (سَنْكْلَرْ)، وَزِيرُ التِّجَارَةِ الأَمَرِيكِيَّةِ فِي حُكُومَةِ الرَّئِيسِ (إِيزِنْهَاوَرْ) أَهْدَافَ مَشْرُوعِ النُّقْطَةِ الرَّابِعَةِ فَيَقُولُ:" إِنِّي أَرَجِّحُ (٣) أَنْ أَرَى رُؤُوسَ الأَمْوَالِ الخَاصَّةِ لاَ القُرُوضِ الحُكُومِيَّةِ، هِي التِي سَتَتَدَفَّقُ عَلَى الخَارِجِ. وَإذَا مَا ذَهَبَتْ قُرُوضٌ خَاصَّةٌ إِلَى الخَارِجِ فَمِنْ رَأْيِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الحُكُومَةِ الأَمَرِيكِيَّةِ أَنْ تَسْهَرَ عَلَى تَأْمِينِ نَجَاحِهَا كَمَا يَجِبُ أَنْ تَتَمَتَّعَ (رُؤُوسُ الأَمْوَالِ هَذِهِ) بِقِسْطٍ مِنَ الحِماِيَةِ». وليس مِنَ الخَفِيِّ عَلَى أَحَدٍ أَن هذه المساعدات لا تبذل إلا مع خبراء ينفذون في الدرجة الأولى اتجاه حكوماتهم في البلاد المتخلفة لا حاجات تلك البلاد المتخلفة. وأقرب مثال على التدخل السياسي مع المساعدات الفنية مشروع بناء السد العالي على نهر النيل في مصر. عرضت الولايات المتحدة على مصر تمويل بناء سد على النيل بأموال بعضها

стр. 197

هِبَةً وبعضها قرض طويل الأمد، ولكنها اشترطت شروطًا كثيرة مختلفة رأى الجانب المصري أن يدرسها بإنعام النظر. وطال الأخذ والرد بين الجانبين المصري والأمريكي، واتفق أن السياسة العربية عامة والمصرية خاصة كانت قد اقتنعت في تلك الأثناء - خَطَأً أَوْ صَوَابًا - بالتقرب من المعسكر الشرقي بيع الأسلحة للعرب إلا بشروط قاسية جِدًّا منها ألا يستعمل هذا السلاح في محاربة إسرائيل. ولما رأت الولايات المتحدة أن لا أمل بإعادة مصر إلى قبضة الدول الغربية، الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، أعلنت في الوقت الحاضر لا تستيطع تمويل هذا السد لأسباب مِنْهَا أَنَّ ثَمَّتَ دُوَلاً لها مصالح في مياه النيل فيجب أخذ رأيها في توزيع تلك المياه. ومنها أيضًا أن الولايات المتحدة تشك في أن مصر، في الوقت الحاضر أيضًا، تستطيع أن تقوم بقسطها المالي لإنجاز هذا السد. كأن الولايات المتحدة لم تكن تعرف ذلك قبل اليوم. وفي اليوم نفسه أصدرت بريطانيا بيانًا تذكر فيه الصعوبات التِي تَحُولُ دون مساهمتها في تمويل السد العالي لأسباب لا تختلف عن الأعذار التي انتحلتها الولايات المتحدة (١). وبعد فإن القسم الأوفر من المبالغ التي تدفع في البلاد المتخلفة يذهب إلى الموظفين. وغني عن البيان أن المترتبات الضخمة يتناولها الموظفون الدوليون (أي الأمريكيون في الأكثر) لا الموظفون المحليون الذين تنفذ المشاريع في بلادهم. وفيما يلي مثال واحد على العمل اليسير الذي تقوم به وكالة الإغاثة للاجئين الفلسطينيين والدعاية الضخمة التي ترافق ذلك العمل. جاء في نشرة " الأمم المتحدة " (٢) تقرير جُعِلَ عنوانه " أعمال وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين خلال عام ١٩٥٤ ". غير أننا إذا طالعنا التقرير وجدناه يتناول السنوات الخمس من ١٩٥١ إلى ١٩٥٥. وهكذا يبرز في العنوان العنصر الأول للدعاية الضخمة، وهو أن المبلغ الذي ذكر في التقرير والذي يقرب من مائة وخمسة وأربعين ميلونًا من الدولارات لم ينفق على اللاجئين في عام واحد، كما يوهم العنوان بل في خمسة أعوام. فالوكالة قد أنفقت على اللاجئين إذن تسعة وعشرين مليون دولار في كل عام كانت الحكومات العربية تدفع منها مليون دولار في العام. وإذا رجعنا النظر في التقرير رأينا أن في وكالة الإغاثة نحو تسعة آلاف موظف يتناولون رواتبهم من هذا المبلغ. ولا يعقل أن تقل رواتب هؤلاء ونفقات الإدارة عن عشرة ملايين دولار

стр. 198

بحال من الأحوال. ولكن لنفرض أن رواتب الموظفين ونفقات الإدارة تدفعها الأمم المتحدة، وإن المبلغ المذكور كله، وهو ٢٩،٠٠٠،٠٠٠ دولار، ينفق على إغاثة اللاجئين المسجلين في سجلات وكالة الإغاثة، وعددهم ٩٦٠،٠٢١ لاجئًا، فيكون ما يصيب اللاجئ في العام نحو ثلاثين دولارًا. والواقع أنه لا يصيب اللاجئ في العام إلا نحو خمسة عشر دولارًا أو دولار وربع فقط كل شهر. أما تقرير وكالة الإغاثة فقد تبجح فذكر (١): «أَنَّ جَمِيعَ النَّفَقَاتِ وَالمَصْرُوفَاتِ (لِكُلِّ لاَجِئٍ) تَبْلُغُ ٢٢٥ دُولاَرًا (مِائَتَيْنِ وَخَمْسَةَ وَ [عِشْرِينَ] دُولاَرًا) فِي كُلِّ شَهْرٍ بِالإِضَافَةِ إِلَى المُؤَنِ الخَاصَّةِ التِي وُزِّعَتْ عَيْنًا عَلَى المَرَاضِعِ وَالأَطْفَالِ وَالمَرْضَى وَالمُصَابِينَ بِسُوءِ التَّغْذِيَةِ». إن مائتين وخمسة وعشرين دولارًا تساوي نحو ستة وتسعين جنيهًا أو ألف ريال سعودي أو نحو سبعمائة وخمسين ليرة سورية لبنانية. هذا المبلغ يوازي في الشرق الأوسط راتب موظف كبير في الدولة، ولكن وكالة الإغاثة ذكرته تَبَجُّحًا وَدِعَايَةً. وبما أن نشرة الأمم المتحدة هذه كانت تصلني، فقد لفت هذا التقرير وما فيه من المغالطات نظري. فكتبت إلى رئيس تحرير النشرة رسالة (٢) أستوضحه فيها عما جاء في التقرير المنشور. وَلَقَدْ وَرَدَ عَلَيَّ الجَوَابُ (٣) ينسب «ذُكِرَ الرَّقْمُ ٢٢٥ دُولاَرًا» إلى خطأ آلي. ولكنني لا أذكر أن نشرة الأمم المتحدة قد صححت «هَذَا الخَطَأَ الآلِيَّ» في عدد من أعدادها التالية. ثم انقطعت هذه النشرة عن الوصول إِلَيَّ. غير أن ما هو أَدْهَى مِنْ ذَلِكَ وَأَمَرُّ أن وكالة الإغاثة تسوم اللاجئين سوء العذاب بالإهمال والإذلال والتعذيب والتنكيل حتى سميت في الصحافة المحلية «وِكَالَةَ الإِبَادَةِ». وأخبار سوء معاملتها للاجئين تملأ الصحف العربية. أما ما يقال عن تحيز الوكالة لأعداء اللاجئين ولأساليبها التبشيرية والاستعمارية فكثير مشهور في الصحف المحلية، وليس هذا الكتاب موضعًا له. نَشْرُ الفَسَادِ: بعد فتنة سنة الستين (عام ١٨٦٠ م) أرسلت فرنسا جيشًا لتحتل جبل لبنان دفاعًا عن الموارنة. «وِلَقَدْ كَانَ الاِحْتِلاَلُ الفِرَنْسِيُّ لَعْنَةً فِي سُورِيَّةَ، فَقَدْ فَتَحَ الفِرَنْسِيُّونَ يَوْمَذَاكَ فِي

стр. 199

لُبْنَانَ خَمْسِينَ حَانَةً وَعَدَدًا كَبِيرًا مِنْ بُيُوتِ الدَّعَارَةِ. وَكَذَلِكَ تَفَشِّي السُّكْرِ إِلَى حَدٍّ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلُ مَعْرُوفًا. ثُمَّ زَالَ الاِحْتِلاَلُ الفِرَنْسِيُّ، وَلَكِنَّ سَيِّئَاتَهُ لَمْ تُزَلْ» (١). ولم يكن الفرنسيون في ذلك وحدهم مَثَلَ السُّوءِ بل جاراهم الإنجليز كخيل الرهان. وصلت إلى بيروت سفينة حربية إنجليزية إلى حانة يديرها مسيو (تروية) (٢) وطلبوا خمرًا فلم يعطهم. عندئذٍ اندفعوا إلى الحانة يحطمون ما فيها، فأخذوا وسجنوا. ويقول المبشر (جسب) بصراحة: «أَنَّ هَذَا العَمَلَ قَدْ حَطَّ مِنْ قَدْرِ الإِنْجْلِيزْ فِي عُيُونِ أَهْلِ بَيْرُوتَ، وَكَانَ مِمَّا يُقَلِّلُ الثِّقَةَ بِالمُبَشِّرِينَ» (٣). ومما يستحق الذكر ويساعد على فهم هذه السياسة من الإفساد الجدي الذي كان يرافق الأعمال الاجتماعية التي كان الغربيون يقومون بها في بلادنا رياءً لمآربهم «أَنَّهُ كَانَ فِي بَيْرُوتَ عَامَ ١٨٥٦ حَانَةً وَاحِدَةً يُدِيرُهَا رَجُلٌ يُونَانِيٌّ. غَيْرَ أَنَّ (البَاشَا) - الحَاكِمُ - أَغْلَقَهَا. وَلَكِنَّ القُنْصُلَ اليُونَانِيَّ احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ فَتَحَهَا لأَنَّ صَاحِبَهَا يَتَمَتَّعُ بِحِمَايَةِ دَوْلَةٍ مَسِيحِيَّةٍ ... وَكَذَلِكَ كَانَتْ الخَمْرُ تُشْحَنُ مِنْ إِنْجْلِتْرَا إِلَى الإِمْبْرَاطُورِيَّةِ العُثْمَانِيَّةِ لِتَفْتِكَ بِالشُّعُوبِ العُثْمَانِيَّةِ كَمَا هِيَ الآنَ (٤) تَفْتِكُ بِالقَبَائِلِ الأَفْرِيقِيَّةِ» (٥). والإنجليز قديمو العهد في صناعة الإفساد الخلقي للولوج بالاستعمار إلى مناطق العالم المختلفة. في عام ١٨٣٩ ثارت بين إنجلترا والصين حرب عرفت باسم (حرب الأفيون)، ذلك لأن الشركات البريطانية كانت قد أنشأت في البنغال - شرقي الهند - مزارع ومعامل للأفيون وأخذت ترسله إلى الصين جَهْرًا وَسِرًّا. ولما حاولت الصين أن تمنع دخول الأفيون إلى بلادها حرصًا على صحة أهلها، هبت إنجلترا لمحاربة الصين دفاعًا عن حرية التجارة. وانتهت (حرب الأفيون) بانتصار إنجلترا وعقد معاهدة نانكين (١٨٤٢) واستيلاء الإنجليز على جزيرة هونغ كونغ. واستمر تهريب الأفيون إلى الصين احتكارًا تامًا للإنجليز وللشركات الإنجليزية (٦). وهكذا فرض الإنجليز هذا المخدر بقوة السلاح على أهل الصين تنفيذًا لخطة أملتها مطامع الاستعمار (٧).

стр. 200

ولا ريب في أن تهريب «حَشِيشَةَ الكِيفْ» (الحشيش) إلى مصر لم يكن سببه براعة المهربين المحليين فقط وعجز الإنجليز عن اكتشاف وسائل التهريب. وقد ظهر الآن وراء كل شك أن عمليات التهريب الكبرى تستند إلى مساعدات دولية هامة. أما لماذا يستجيز الأوروبيون إفساد الشعوب في آسيا وأفريقيا فليس ذلك فقط لأنهم يحبون الكسب والسيطرة، بل لأنهم يعتقدون أن الشعوب الملونة أقل منهم قدرًا في سلم الإنسانية. من هذا الاعتقاد نشأت فلسفة أوروبا في الاسترقاق والاستعمار. منذ أوائل القرن السادس عشر للميلاد بدأ البرتغاليون تجارة الرقيق، ثم تبعتهم في ذلك دول أوروبا. وبلغ الاتجار بالزنوج مداه في بريطانيا، حتى أن الملكة (إليزابت الأولى) شاركت الجلابين في تجارتهم هذه وأعارتهم بعض سفن أسطولها. وتطلبت إنجلترا عذرًا للاتجار بالرقيق السود فتبرع لها به رجال الدين. لقد وجدوا في " التوراة " (١) «أَنَّ حَامْ بْنُ نُوحٍ كَانَ قَدْ أَغْضَبَ أَبَاهُ، قِيلَ: إِنَّ نُوحًا سَكَرَ يَوْمًا فَتَعَرَّى وَنَامَ فِي خَبَائِهِ، فَاتَّفَقَ أَنَّ ابْنَهُ حَامًا أَبْصَرَهُ عَلَى هَذِهِ الحَالِ. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نُوحٌ وَعَلِمَ أَنَّ حَامًا قَدْ أَبْصَرَهُ عَارِيًا دَعَا عَلَيْهِ وَلَعَنَ نَسْلَهُ الذِينَ هُمْ كَنْعَانُ وَقَالَ بِلَفْظِ " التَّوْرَاةِ ": " ... مَلْعُونٌ كَنْعَانُ. عَبْدُ العَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ ". وَقَالَ مُبَارِكُ الرَّبِّ: " إِنَّهُ سَامٌ ". وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ (٢). ليفتح الله ليافث فيسكن مساكن سام. وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ». وبما أن الأوروبيين يعتقدون أنهم أبناء (يافث) وأن الزنوج هم أبناء (كنعان بن حام) فقد أفتوا بأن استعباد الزنوج مباح، أو هو واجب بلفظ " التوراة "، و" التوراة " أساس الدين. والغريب في ذلك أن الأوروبيين قد وصلوا إلى القرن العشرين من تاريخ المدنية ولا يزالون يعتقدون، وخصوصًا الإنجليز والأمريكيين، أن الرقيق مباح وأن الاتجار بالبشر كالاتجار بالقطن والدجاج. على أن الأوروبيين يحرمون الرقيق في المؤتمرات والصحف والمجلات، ولكنهم يسترقون الناس ويهدرون الكرامات فعلاً كل يوم. ومعاملة الإنجليز والهولنديين للزنوج والهنود معروف (٣). أما معاملة الأمريكيين البيض للأمريكيين السود في الولايات المتحدة نفسها فقد بلغ من السوء والفظاعة والهمجية ما خرج عن طوق الخيال، وامتلأت به الصحف والمجلات والكتب، إلا الضمير الأمريكي فإنه لا يزال متسعًا هادئًا، لا هو يطفح بتلك الفظائع ولا هو يتحرك عند رؤيتها تمثل كل يوم أمام عينيه.

стр. 201

" جَمْعِيَّةُ الشُّبَّانِ المَسِيحِيِّينَ " وَ " جَمْعِيَّةُ الشَّابَّاتِ المَسِيحِيَّاتِ ": مما لا ريب فيه أننا أصبحنا مقتنعين الآن بأن للتبشير ظاهرًا وباطنًا، وبأن المبشرين يتوسلون بظاهر الأعمال الاجتماعية الرحيمة إلى باطن التبشير الاستعماري. فمن أوجه النشاط الاجتماعي التي تستغل في التبشير: " جَمْعِيَّةُ الشُّبَّانِ المَسِيحِيِّينَ " وَ " جَمْعِيَّةُ الشَّابَّاتِ المَسِيحِيَّاتِ " (١)، المخيمات، مؤتمرات الطلاب، الألعاب الرياضية، بيوت الطلبة، ملاجئ الأطفال ثم نشر الكتب (٢)؛ مظاهر كلها بريئة مفيدة ولكنها تحمل في طياتها التبشير الذي يقود إلى الاستعمار. وبما أن الكلام على هذه كلها معناه إعادة الكلام على التبشير كله فإننا سنشير إلى ما لم تسبق الإشارة إليه من قبل إشارة موجزة. إن فروع " جَمْعِيَّةِ الشُّبَّانِ المَسِيحِيِّينَ " وَ " جَمْعِيَّةِ الشَّابَّاتِ المَسِيحِيَّاتِ " قد نشرت في الشرق لتكون عَوْنًا على تغلغل التبشير المسيحي. يقول (أديسون) (٣): «إِنَّ عَوَامِلَ التَّعْلِيمِ المَسِيحِيِّ فِي مِصْرَ، تَزِيدُ قُوَّةً عَلَى قُوَّتِهَا بِمُؤَسَّسَتَيْ " جَمْعِيَّةِ الشُّبَّانِ المَسِيحِيِّينَ " وَ " جَمْعِيَّةِ الشَّابَّاتِ المَسِيحِيَّاتِ "، وَهُمَا مُؤَسَّسَتَانِ غَيْرِ طَائِفَتَيْنِ (٤) ... إِنَّ لِهَاتَيْنِ الجَمْعِيَّتَيْنِ مَرَاكِزَ نَشِيطَةٍ، وَخُصُوصًا فِي القَاهِرَةِ وَالإِسْكَنْدَرِيَّةِ. هَذِهِ الفُرُوعُ تُقَدِّمُ (لِلْمُسْلِمِينَ) مُنَاسَبَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ لِلأَلْعَابِ الرِّيَاضِيَّةِ .. وَتُهَيِّئُ فِي المُجْتَمَعِ أَلْوَانًا مِنَ النَّشَاطِ تَنْدُرُ فِي الشَّرْقِ ... وَفِي هَذَا اِقْتِرَابٌ مِنَ المُسْلِمِينَ (بِالتَّبْشِيرِ)». ويصرح الكاتب نفسه بمهمة " جَمْعِيَّةِ الشُّبَّانِ المَسِيحِيِّينَ " وَ " جَمْعِيَّةِ الشَّابَّاتِ المَسِيحِيَّاتِ " في آخر كتابه، وحينما يتكلم عن فلسطين خاصة، فيقول: «مُنْذُ الاِحْتِلاَلِ البَرِيطَانِيِّ لِفَلَسْطِينَ اتَّسَعَ التَّبْشِيرُ البْرُوتِسْتَانْتِي وَأَخَذَ المُبَشِّرُونَ يَسْتَخْدِمُونَ

стр. 202

كُلَّ شَكْلٍ مِنْ أَشْكَالِ التَّبْشِيرِ اِسْتِخْدَامًا فَعَّالاً. مِنْ ذَلِكَ التَّبْشِيرُ الإِجْمَاعِيُّ وَالفَرْدِيُّ، وَمِنْ ذَلِكَ تَوْزِيعُ الأَنَاجِيلِ وَالكُتُبِ المَسِيحِيَّةِ الأُخْرَى، وَكَذَلِكَ التَّعْلِيمُ الاِبْتِدَائِيُّ وَالثَّانَوِيُّ (حَتَّى أَصْبَحَ فِي فِلَسْطِينَ وَاحِدَةٌ وَأَرْبَعُونَ مَدْرَسَةٍ فِيهَا أَرَبْعَةُ آلاَفٍ وَثَمَانِمِائَةِ تِلْمِيذَةٍ. ثَمَّ هُنَالِكَ الأَعْمَالُ الطِّبِّيَّةُ وَالمُسْتَشْفيَاتُ وَالمُسْتَوْصَفَاتُ. وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا الأَعْمَالُ الاِجْتِمَاعِيَّةُ التِي تُقَدِّمُهَا مُؤَسَّسَاتٌ مِثْلَ مُؤَسَّسَتَيْ " جَمْعِيَّةِ الشُّبَّانِ المَسِيحِيِّينَ " وَ " جَمْعِيَّةِ الشَّابَّاتِ المَسِيحِيَّاتِ ". وَلَقَدْ كَانَ (وَلْبَرْتْ سْمِيثْ) أَشَدَّ صَرَاحَةَ فِي مَقَالٍ لَهُ عُنْوَانُهُ: " جَمْعِيَّةُ الشُّبَّانِ المَسِيحِيِّينَ فِي الشَّرْقِ الأَدْنَى " (١)، قَالَ: " إِنَّ جَمْعِيَّةَ الشُّبَّانِ المَسِيحِيِّينَ قَدْ جَاءَتْ إِلَى الشَّرْقِ الأَدْنَى لِتُعَاوِنَ المُؤَسَّسَاتِ المَسِيحِيَّةِ. أَمَّا هَدَفُهَا الرَّئِيسِيُّ فَهُوَ تَنْشِئَةُ الشُّبَّانِ عَلَى أُسُسٍ مَسِيحِيَّةٍ. وَلِفُرُوعِ هَذِهِ الجَمْعِيَّةِ مِنْهَاجٌ دَائِمٌ، وَلَهَا اِجْتِمَاعَاتٌ تُعْرَضُ فِيهَا الدَّعْوَةُ بِلاَ اِسْتِحْيَاءٍ وَلاَ تَحْوِيرٍ. وَهُنَالِكَ أَيْضًا سِلْسِلَةٌ مِنَ الاِجْتِمَاعَاتِ التَّبْشِيرِيَّةِ ". وَمَعَ كُلَّ هَذِهِ الأَدِلَّةِ الظَّاهِرَةِ عَلَى أَنَّ " جَمْعِيَّةَ الشُّبَّانِ المَسِيحِيِّةَ " و " جَمْعِيَّةَ الشَّابَّاتِ المَسِيحِيِّةَ " أَلاَتٌ لِلْتَّبْشِيرِ، فَإِنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْدِقَائِنَا قَدْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ وَأَنْكَرُوا عَلَيْنَا حَشْرَ هَاتَيْنِ الجَمْعِيَّتَيْنِ بَيْنَ المُؤَسَّسَاتِ التِي تَعْمَلُ فِي التَّبْشِيرِ، وَكَانُوا يَدْعُونَ دَائِمًا وَيُصِرُّونَ عَلَى دَعْوَاهُمْ بِأَنَّ النَّصَّ الآتِي مِنْ كِتَابِ " عَمَلُ الإِرْسَالِيَّاتِ " تَأْلِيفِ (كُورْنِيلْيُوسْ بَاتُونْ) صَرِيحٌ فِي هَذَا الشَّأْنِ كُلَّ الصِّرَاحَةِ (٢): " إِنَّ تَقْسِيمَ العَمَلِ بَيْنَ العَامِلِينَ المَسِيحِيِّينَ (فِي حَقْلِ التَّبْشِيرِ) قَدْ اِقْتَضَى، بِنَاءً عَلَى التَّرْتِيبِ الحَكِيمِ، أَنْ يَعْهَدَ إِلَى جَمْعِيَّةِ الشُّبَّانِ المَسِيحِيِّينَ بِالعَمَلِ فِي المُدُنِ، وَخُصُوصًا بَيْنَ الطُّلاَّبِ وَالطَّبَقَاتِ المُثَقِّفَةِ فِي المُدُنِ. أَمَّا الصِّينُ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ المَيَادِينِ المُوَافِقَةِ فِي العَالَمِ لَمِثْلِ هَذَا النُّوْعِ مِنَ التَّقْرِيبِ مِنْ شَعْبٍ غَيْرَ مَسِيحِيِّ ... إِنَّ هَذِهِ الجَمْعِيَّةَ، تَسْتَطِيعُ، بِوَاسِطَةِ نَشَاطِهَا الجَانِبِيِّ فِي الحَيَاةِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ وَالرِّيَاضِيَّةِ، أَنْ تَجْتَذِبَ رِجَالاً لَيْسَ بِالإِمْكَانِ أَنْ يَتَقَبَّلُوا النَّصْرَانِيَّةَ بِطْريقَةً شَخْصِيَّةً ... إِنَّ جَمْعِيَّةَ الشُّبَّانِ المَسِيحِيِّينَ قَدْ قَامَتْ بِخِدْمَةٍ قَيِّمَةٍ جِدًّا ... مِنْ طَرِيقِ الاِجْتِمَاعَاتِ الخِطَابِيَّةِ العَامَّةِ. فَقَدْ طَافَ بَعْضُ الخُطَبَاءِ بِشَيْءٍ مِنْ وَسَائِلِ الإِيضَاحِ المُتَعَلِّقَةِ بِالتِّلِغْرَافِ اللاَّسِلْكِيِّ وَبِغَيْرِهِ مِنَ الاِخْتِرَاعَاتِ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُثِيرَ فُضُولَ الصِّينِيِّينَ وَاِهْتِمَامِهِمْ. وَقَدْ سَمِعَ مُحَاضِرَاتِ الأُسْتَاذِ (رُوبَرْتْسُونْ) مَا لاَ يَقِلُّ عَنْ مِائَةِ أَلْفِ شَخْصٍ وَشَاهَدُوا

стр. 203

تَجَارِبَهُ العِلْمِيَّةَ ... " وَكَانَ الأُسْتَاذُ (رُوبَرْتْسُونْ) يُضِيفُ إِلَى كَلاَمِهِ عَلَى العِلْمِ عَرْضًا لِلْنَّصْرَانِيَّةِ عَلَى أَسَاسٍ مِنَ الحَيَاةِ الشَّخْصِيَّةِ وَالقَوْمِيَّةِ فِي الصِّينِ. وَلَقَدْ تَعَوُّدَ عَدَدٌ مِنَ الخُطَباءِ أَيْضًا أَنْ يَهْتَمُّوا بِالجَانِبِ الرُّوحِيِّ. وَكَانَ الذِينَ يُحْضُرُونَ هَذِهِ الاِجْتِمَاعَاتِ الدِّينِيَّةِ الخَالِصَةِ يَزِيدُونَ عَلَى عَدَدِ الذِينَ يَأْتُونَ إِلَى المُحَاضَرَاتِ العَادِيَّةِ. وَفِي أَثْنَاءِ رِحْلَةٍ (خِطَابِيَّةٍ) مِثْلَ هَذِهِ خَطَا نَحْوُ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفَ شَخْصٍ خُطُوَاتِهِمْ الأُولَى نَحْوَ تَقَبُّلِ النَّصْرَانِيَّةِ. وَهَكَذَا يُبْرُزُ النَّشَاطُ الاِجْتِمَاعِيُّ وَالفِكْرِيُّ لِجَمْعِيَّةِ الشُّبَّانِ المَسِيحِيِّينَ بَيْنَ وَسَائِلِ التَّبْشِيرِ فِي الصِّينِ .... أَمَّا " جَمْعِيَّةُ الشَّابَّاتِ المَسِيحِيَّاتِ " فَإِنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تَصْنَعَ لِنِساءِ الصِّينِ مَا تُحَاوِلُ " جَمْعِيَّةُ الشُّبَّانِ المَسِيحِيِّينَ " صُنْعَهُ لِلْرِّجَالِ». ولا ريب في أن عمل هاتين الجمعيتين في سائر بلاد العالم، وفي البلاد العربية بطبيعة الحال، لا يختلف عن عملها في الصين في شيء البتة. المَرْأَةُ فَتَاةً وَأُمًّا: ويهتم المبشرون خاصة بالمرأة. إن المرأة مدار الحياة الاجتماعية، والوصول بالتبشير إليها وصول إلى الأسرة كلها. من أجل ذلك كانت " جمعية الشابات المسحيات " بفروعها، ومن أجل ذلك كانت المنازل والمعاهد التي يعدها المبشرون للفتيات خاصة (١). ويصفق المبشرون باليدين لأن المرأة المسلمة قد تخطت عتبة دارها. لقد خرجت إلى الهواء الطلق، لقد نزعت عنها حجابها. ولكنهم لا يصفقون لأن المرأة المسلمة قد فعلت ذلك، بل لأن فعلها هذا يتيح للمبشرين أن يتغلغلوا عن طريق المرأة في الأسرة المسلمة بتعاليمهم التبشيرية. ولهذا السبب خاصة أخذ المبشرون منذ أمد يأتون بالنساء المبشرات ليتصلن بالنساء المسلمات وهم يصيحون: «لَقَدْ سَنَحَتْ لَنَا فُرْصَةٌ جَدِيدَةٌ» (٢). وللمرأة عند المبشرين أهمية عظيمة، قال نفر منهم (٣): «بِمَا أَنَّ الأَثَرَ الذِي تُحْدِثُهُ الأُمُّ فِي أَطْفَالِهَا - ذُكُورًا أَوْ إناثًا - حَتَّى السَّنَةِ العَاشِرَةِ مِنْ عُمُرِهِمْ، بالِغٌ فِي الأَهَمِّيَّةِ، وَبِمَا أَنَّ النِّسَاءَ هُنَّ العُنْصُرُ المُحَافِظُ فِي الدِّفَاعِ عَنْ العَقِيدَةِ، فَإِنَّنَا نَعْتَقِدُ أَنَّ الهَيْئَاتِ التَّبْشِيرِيَّةِ يَجِبُ أَنْ تُؤَكِّدَ جَانِبَ العَمَلِ بَيْنَ النِّسَاءِ المُسْلِمَاتِ عَلَى أَنَّهُ وَسِيلَةٌ مُهِمَّةٌ فِي التَّعْجِيلِ بِتَنْصِيرِ البِلاَدِ الإِسْلاَمِيَّةِ». من أجل ذلك اهتم المبشرون بالتبشير بين النساء اهتمامًا خاصًا، ووضعوا له البرامج

стр. 204

المفصلة وأكثروا من إرسال المبشرين والمبشرات لهذه الغاية، ثم استعانوا على ذلك بكثير من الجمعيات النسائية في أمريكا (١). وَتَبَدَّى موضوع المرأة في صورته الحقيقية من أن المرأة عنصر فعال في الحياة الدينية، فإذا بالمؤتمر التبشيري الذي عقد في القاهرة عام ١٩٠٦ يتمخص، فيما تمخض عنه، عن هذا النداء الذي وضعته الأعضاء المبشرات في ذلك المؤتمر: «لاَ سَبِيلَ إلاَّ بِجَلْبِ النِّسَاءِ المُسْلِمَاتِ إِلَى المَسِيحِ. إِنَّ عَدَدَ النِّسَاءِ المُسْلِمَاتِ عَظِيمٌ جِدًّا لاَ يَقِلُّ عَنْ مِائَةِ مِلْيُونَ، فَكُلُّ نَشَاطٍ مُجِدٍّ لِلْوُصُولِ إِلَيْهِنَّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَوْسَعَ مِمَّا بُذِلَ إِلَى الآنَ. نَحْنُ لاَ نَقْتَرِحُ إِيجَادَ مُنَظَّمَاتٍ جَدِيدَةٍ، وَلَكِنْ نَطْلُبُ مِنْ كُلِّ هَيْئَةٍ تَبْشِيرِيَّةٍ أَنْ تَحْمِلَ فَرْعَهَا النِّسَائِيَّ عَلَى العَمَلِ وَاضِعَةً نُصُبَ عَيْنَيْهَا هَدَفًا جَدِيدًا هُوَ الوُصُولُ إِلَى نِسَاءِ العَالَمِ المُسْلِمَاتِ كُلُّهُنَّ فِي هَذَا الجِيلِ ..» (٢). ومنذ زمن قديم والمبشرون يرون أن يهاجموا هذا المعقل الحصين في الإسلام، فزعموا أن المرأة المسلمة متأخرة، وأنها لا تتحرر إلا إذا دخلت في النصرانية (٣). ثم إنهم يزعمون أيضًا «أَنَّ الدِّينَ الإِسْلاَمِيَّ نَفْسُهُ مَصْدَرُ أَلَمٍ لِلْمَرْأَةِ المُسْلِمَةِ، إِنَّهَا تَتَأَلَّمُ بِسَبَبِهِ طَبِيعِيًّا وَرُوحِيًّا وَعَقْلِيًّا: إِنَّهَا تَخَافُ مِنْ زَوْجِهَا وَمِنَ المَوْتِ وَمِنَ الطَّلاَقِ» (٤). على أن الذي يفتريه المبشرون على المرأة المسلمة كثير لا سبيل إلى حصره ولا إلى تعداد وجوهه، فلماذا يفعلون ذلك؟ إن لذلك عندهم غايتين (٥): ١ - أن يثيروا عاطفة الأغنياء من النصارى في أوروبا وأمريكا للبذل في سبيل التبشير. ٢ - أن يحطموا من عزيمة المسلمين ويحملوهم على الشعور بالنقص في أنفسهم. ويبالغ بعض المبشرين فيزعم أن المسلمين لا يستطيعون أن يتخيلوا أن بإمكان المرأة أن تتعلم الدين. فمن أجل ذلك يريد هذا المبشر الذكي أن يستغل المبشرون كلهم هذه الناحية فيرسلوا إلى أفغانستان خاصة نساءً مبشرات منهم. من هذا السبيل تستطيع هؤلاء المبشرات أن يدخلن إلى الحريم (٦) فيبشرن بين نسائه من غير أن يتسرب شك إلى الأفغانيين بحقيقة مهمتهن (٧).

стр. 205

وبعد أن تُدَرِّبَ هَؤُلاَءِ المُبَشِّرَاتُ الأَجنبيات نساءً وطنياتٍ يتوجب عليهن أن ينسحبن من ميدان التبشير ويتركن مكانهن لمبشرات وطنيات من أبناء البلاد. على أن المبشرات الأجنبيات يجب أن يبقين للعمل ومبشرات من وراء ستار (١). والمبشرة عندهم على كل حال امرأة ذات شخصية مسيحية مشعة موحية (٢). وحينما ينظر المبشرون من خلال الأعصر والحوادث لا يستطيعون أن يَرَوْا إلا التبشير. يرى المبشرون أن الحرب العالمية الأولى قد أثرت في كل صقع وشعب، وكذلك فعلت بالمرأة المسلمة فنبهت فطرتها إلى طلب الحرية. إن لهذا التبدل الطارئ على المرأة المسلمة عندهم قيمة خاصة: إن نساء العالم الإسلامي قد أصبحن الآن - بعد هذا التبديل الجديد - أكثر تعرضًا لوصول المبشرين إليهن بالتعاليم المسيحية (٣). أما طريق التبشير بين الفتيات والنساء، اللواتي تعضهن الحاجة خاصة، فقد لخصها مؤتمر [قسنطينة] (في الجزائر) بما يلي (٤): «إِنَّ الحَاجَةَ المُلِحَّةِ المُسْتَعْجَلَةَ إِنَّمَا هِيَ إِنْشَاءُ بَيْتٍ أَوْ بُيُوتٍ لِلْفَتَيَاتِ المُطَلَّقَاتِ وَلِلأَرَامِلِ الصِّغَارِ. وَيَجِبُ أَلاَّ تَكُونَ هَذِهِ البُيُوتُ مُؤَسِّسَاتٍ كَبِيرَةٍ، بَلْ أَمَاكِنَ يُخَيِّمُ عَلَيْهَا الجَوُّ العَائِلِيُّ، ثَمَّ تُفَرَّقُ النِّسَاءُ فِيهَا حَسْبَ أَحْوَالِهِنَّ وَحَاجَاتِهِنَّ. وَكَذَلِكَ مُكْثُ هَؤُلاَءِ النِّسْوَةِ فِي تِلْكَ البُيُوتِ يَجِبُ أَنْ يَطُولَ أَوْ يَقْصُرَ حَسْبَ المُقْتَضَيَاتِ الشَّخْصِيَّةِ لَكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ. ثَمَّ إِنَّ كُلَّ فَتَاةٍ يَجِبُ أَنْ تُعَلَّمَ مِنَ الصِّنَّاعَاتِ المَحَلِّيَّةِ مَا يُمَكِّنُهَا العَيْشَ بِهِ بَعْدَ أَنْ تُغَادِرَ تِلْكَ البُيُوتِ. وَأَخِيرًا نَرَى أَنَّ أَمْثَالَ هَؤُلاَءِ النِّسْوَةِ يَكُنَّ فِي أَثَناءِ مُكْثِهِنَّ فِي هَذِهِ البُيُوتِ تَحْتَ تَأْثِيرِ " الإِنْجِيلِ ". ثَمَّ إِنِّنَا نَخْتَارُ مِنْهُنَّ أُولَئِكَ اللَّوَاتِي يُرْجَى أَنْ يُمَرَّنَّ أَكْثَرَ مِنْ سِوَاهُنَّ لِيَكُنَّ بِدَوْرِهِنَّ مُبَشِّرَاتٍ بَيْنَ قَوْمِهِنَّ. وَلَقَدْ اِعْتَنَقَ الفِرَنْسِيُّونَ أَيْضًا هَذَا الرَّأْيَ فِي التَّبْشِيرِ بَيْنَ النِّسَاءِ». ويبدو أن تشجيع الشبان غير المسيحيين على الزواج بالفتيات الأجنبيات المسيحيات من وسائل التبشير أيضًا. هذا الموضوع شَائِكٌ يحتاج إلى شيء من البسط حتى تُفْهَمَ مقاصدنا من طرقه. إن للزواج بالأجنبيات، في جميع الشعوب، عوامل مختلفة. من هذه العوامل استظراف الجمال الغريب، وإن كان في بعض الأحيان أقل قدرًا من الجمال المألوف. إن الآسيوي الأسمر يميل إلى الأوروبية المهقاء (٥) أو التي أوتيت بسطة في الجسم وإن كانت بنت جلدته

стр. 206

أحسن منها من الناحية الروحية والألفة في الحياة البيتية وتوفير السعادة. ولكن لما انتشرت الحضارة الغربية في الشرق وانتشر معها شيء يسير أو كثير من الثقافة الأجنبية والذوق الأجنبي وأساليب الحياة الاجتماعية المألوفة في الغرب، ثم ظل جانب كبير من الحياة في الشرق مُوصَدًا دُونَ هذه الأساليب التي اتفق أنها أوثق صلة بالغريزة البشرية وأكثر تساهلاً في سلوك الأفراد الشخصي والاجتماعي، مال المثقفون بالثقافة الغربية من الشرقيين إلى الانفلات من البيئة الشرقية المغلقة للانطلاق في البيئة الغربية المشرعة إلى كل جهة. ثم لما كثر أيضًا التردد بين الشرق والغرب للتجارة والأسفار وطلب العلم والبعثات المختلفة نشأت دواع من الألفة والحب والمصلحة واتفاق الأذواق بين الشرقيين والغربيات في الأكثر. ولقد أجاز الإسلام الزواج بالكتابيات من اليهوديات والنصرانيات بعد أن سكنت عواصف العداوة بين الإسلام وبين اليهود والروم النصارى. ثم جئنا نحن اليوم نقيس الفرنسيات والبريطانيات والأمريكيات على الروميات في صدر الإسلام بجامع النصرانية بينهن، فنتزوج بهن من غير حرج، مع أن الأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين هم ألد أعدائنا اليوم. فإذا نحن عرفنا أن زواج المسلم بالنصرانية واليهودية كان محرمًا في بدء الدعوة الإسلامية لاشتداد أوار الحرب والعداوة بين المسلمين وبين اليهود والنصارى ثم جاز الزواج بالنساء منهم لما زالت دواعي العداوة والحرب أدركنا أن الزواج بالفرنسيات والبريطانيات والأمريكيات يجب أن يكون اليوم ممنوعًا حُكْمًا، للعداوة التي يحملها الغربيون للإسلام والحروب الدائرة فعلاً بين المسلمين والغربيين في كل مكان. ولا ريب أبدًا في أن الزواج بالإسرائيليات، وباليهوديات اللواتي لا يسكن إسرائيل أيضًا، يجب أن يكون محرمًا قطعًا (١). ونأتي الآن إلى الصعيد الشخصي، إن الموضوع المقصود قد تختلف أجنبية من أجنبية وقد تكون مثلاً أو العلم أو السلوك الاجتماعي. ولكن حينما تضع الجماعات أسسًا لحياتها بل تقصد إلى القواعد العامة وتهتم بمصلحة العديد الأكثر. من أجل ذلك قد نرى مسلمين تزوجوا بأجنبيات وهم يعيشون عيشة هنيئة صحيحة، بل قد نرى أيضًا أولادًا ولدوا من أمهات غير مسلمات ثم هم مع ذلك ذَوُو محافظة على الشعائر وغيرة على الإيمان. ولكن القاعدة العامة هي أن الزواج بالأجنبيات غير المسلمات يسلب البيت الإسلامي جَوَّهُ

стр. 207

الروحي الإسلامي ويبدل كثيرًا من المثل العليا فيه. والغالب أن مثل هذا البيت لا ينشأ على اللغة العربية، أو قد ينشأ على لغة أجنبية إلى جانب اللغة العربية. وإذا علمنا أن اللغة الأجنبية تكون في هذه الحال لغة الأم أدركنا تأثير تلك اللغة على الأولاد وخصوصًا حينما يكون الأب جاهلاً لتلك اللغة أو قليل المعرفة بها. ثم يجب أن ندرك وراء كل ريب أن الزواج بالأجنبيات ينشأ دائمًا من دواع عارضة: من استلطاف في أمر من الأمور، أو فورة عاطفية، أو ألفة في رحلة، أو هربًا من نفقات الزواج في الشرق، أو من جُبْنٍ اِجْتِمَاعِيٍّ في البيئة التي نشأ فيها الشاب المسلم وانفتاح البيئة الجديدة التي وجد فيها نفسه، أو ما يشبه ذلك من الأمور الوقتية الزائلة. وكذلك يجب أن نعلم أن أشخاصًا كثارًا لهم قيمة اجتماعية أو سياسية أو قيمة ذاتية على الأقل وضع في طريقهم فتيات تزوجوهن ثم وجدوا أنفسهم مضطرين إلى الإنسلاخ من بيئتهم فخسرتهم بيئتهم وفقدت بفقدهم عاملاً قويًا في إنهاضها أو إصلاحها. ويتمثل الخطر في الزواج بالأجنبيات في صورة بارزة جِدًّا حينما تكثر الزوجات غير المسلمات في البيئات الإسلامية فتتخلخل حينئذٍ تلك البيئات وتضعف الحياة الإسلامية فيها. ويحسن أن نذكر أيضًا أن الزواج بالأجنبيات يترك آثارًا سيئة في الأسرة والمجتمع. إن الصدمة النفسية،التي تصيب فتاتنا إذا رأت قريبها أو مواطنها من بني أمتها قد آثر عليها أخرى أجنبية، تعظم أحيانًا حتى تحمل تلك الفتاة على نقمة مرة تنتهي بكبت أو ثورة عنيفة أو استهتار هادئ، وكل ذلك شر كبير. وكذلك يسلب الزواج بالأجنبيات مجتمعنا عددًا من الرجال فيزيد فيه عدد النساء، فيخلق ذلك لنا مشكلة اجتماعية أو يعقد المشكلة الناشئة في مجتمعنا الشرقي، وفي المجتمع العربي إلى حد أبعد، من زيادة عدد النساء على الرجال. إن زواج الشرقيين بالغربيات يحل، في هذه الناحية، من مشاكل المجتمع الغربي ليزيد في مشاكل المجتمع الشرقي. وهكذا يكون الغربيون، قصدوا هم أو لم يقصدوا وأردنا نحن أو لم نرد قد وصلوا إلى أهداف لهم سياسية ودينية. وأشد من ذلك إيلامًا أن نفرًا من قادة العرب ونفرًا من القائمين على رأس الحركات القومية العربية متزوجون بأجنبيات. فكيف يستطيع هؤلاء أن يكونوا ذوي بأس وصلابة في كفاحهم القومي وفي بيئتهم بينما أولادهم يرثون من الحمية الفرنسية من أمهم مثلاً مقدارًا كالمقدار الذي يرثونه من الحمية العربية من أبيهم. • • • ويتوسل المبشرون إلى التأثير في أذهان الشرقيين بالأبنية الفخمة العظيمة. إن كنائس

стр. 208

الإرساليات ومدارسها وأنديتها يجب أن تكون في رأي هؤلاء المبشرين شاهقة غريبة المظهر حتى تؤثر في عقول الزائرين وفي عواطفهم وخيالاتهم (١). إن ذلك في اعتقاد المبشرين يُقَرِّبُ غير النصارى إلى النصرانية. لا ريب في أن للمظاهر العاقلة تأثيرًا في النفوس. ولكن ما علاقة البناء الجميل بصحة الدين؟ ولو فرضنا أن ثمت مثل هذه العلاقة لوجب علينا أن نعتقد أن الأهرام في مصر وقلعة بعلبك في الجمهورية اللبنانية وهياكل بورما والهند تدل على أن عبادة الثور المصري وأن الوثنية الرومانية أفضل من النصرانية. هذا من الناحية النظرية، أما من الناحية العلمية فإن المبشرين قد أقاموا في القدس بناءً فخمًا يضم " جمعية الشبان المسيحيين "، بناءً يُعَدُّ من أجمل الأبنية وأفخمها في الشرق. ومع ذلك فإن المبشرين أنفسهم قد ساعدوا على تسليم فلسطين لليهود. إن المبشرين لا يبشرون بالدين المسيحي بقدر ما يبشرون بالسيارات الأمريكية والمنسوجات البريطانية. هم يدعون أنهم يريدون أن ينشروا دين المسيح في أقاصي الأرض ثم هم يسلمون مهد المسيح نفسه إلى أعداء المسيح. مَاذَا تَضُمُّ هَذِهِ الأَنْدِيَةُ ؟: تضم هذه الأندية نشاطًا اجتماعيًا مختلف الأنواع والألوان. هنالك حفلات تقام، ومحاضرات تلقى، وليالي أنس وسمر، ومطاعم، ومنامات يأوي إليها محبو الاقتصاد، وأسباب تسلية يغشاها الشباب. على أن الذي تضمه هذه الأندية ليس أمرًا مقصودًا لذاته، أي إن عمدة هذا النادي لا يهمها أن يأتي الناس ليتمتعوا بما في النادي من أسباب التثقيف والترويج، بل يهمها أن تجتذب بهذه الأسباب أناسًا يستمعون إلى صوت المبشر الإنجليزي أو الأمريكي أو الفرنسي أو الهولندي، أو ليجد حب الغرب طريقه إلى قلوب الشرقيين على الأقل. أما التقوى المسيحية أو الإنسانية الغربية فيجب أن نبحث عنهما في الولايات المتحدة وميادين أوروبا!. مَا الهَدَفُ الصَّحِيحُ لِهَذِهِ الأَبْنِيَةِ ؟: هذه الأبنية الضخمة، وما تضم من أندية ومنامات ومطاعم وما إلى ذلك، إنما هي للتأثير في أولئك الذين سيصبح لهم في بلادهم أهمية ما، أو لمساعدتهم - على الأصح - لأن تصبح

стр. 209

لهم تلك الأهمية (١) فيتيسر للغربيين حينئذٍ من طريق هؤلاء أن ينفذوا إلى حياة الشرقيين. ومن أبرز أنواع الأندية «بيوت الشباب». وهذه في الحقيقة نزل ينزلها من تضيق في وجوههم سبل العيش من الشبان أو ممن لا بيوت لهم أبدًا. وقد أصبحت هذه النزل جُزْءًا من البرنامج التبشيري منذ عهد قريب - بعد عهد قريب - بعد الحرب العالمية الأولى - فقد أخذ المبشرون يُؤْوُونَ إلى هذه النزل الصبيان والبنات والذين لا بيوت لهم، وقد كان هؤلاء يعلمون فيها أو يدربون على الأساليب المسيحية (٢). ويعتمد البروتستانت الفرنسيون على مثل هذه الأندية في شمال أفريقيا، وفي جنوبي الجزائر على الأخص، للتبشير وبسط النفوذ (٣). أما في لبنان خاصة فيعد اليسوعيون امثال هذه الأندية «حَرْبًا صَلِيبِيَّةً مَسِيحِيَّةً» (٤) فهم يقولون: «إِنَّ الصَّلِيبِيَّةُ الأَفْخَارِسْتِيَّةِ تَزْدَهِرُ بَيْنَ الأَيْفَاعِ (٥) وَالصِّغَارِ. مِنْ هَؤُلاَءِ تُحْشَدُ هَذِهِ الصَّلِيبِيَّةُ خَيْرَ الجُنُودِ لِلأَخَوِيَّةِ (٦)، وَهَؤُلاَءِ هُمْ نَوَاةُ النَّادِي الكَاثُولِيكِي الذِي أُنْشِئَ فِي جَامِعَةِ يُوسُفَ اليَسُوعِيَّةَ فِي بَيْرُوتَ». هذا النادي، الذي لا يزال يعمل، هو للنصارى الكاثوليك وحدهم وعلى غرار " الجمعية الكاثوليكية للشبان الفرنسيين " (٧)، ولكن يمكن أن يُقْبَلَ فيه نفر من النصارى الأرثوذكس على أن يكونوا أعضاء مشتركين، لا أعضاء عاملين. إن بحوث هذا النادي (٨) بحوث مذهبية كاثوليكية. وأما منهاجه فهو في الدرجة الأولى «الحَيَاةُ الرُّوحِيَّةُ» الكاثوليكية. وأبرز ما فيه هذا المنهاج القداديس والبحوث المذهبية (٩). التَّعْلِيمُ المَجَّانِيُّ: وأما التعليم المجاني يظهر عليه طابع الإحسان فإن المبشرين يهتمون به أيضًا. يعتقد اليسوعيون أنه يجب أن يقوم إلى جانب كل مدرسة يدفع طلابها النفقات المدرسية مدرسة

стр. 210

صغيرة للفقراء مجانية، لا لتعليمهم في الدرجة الأولى بل لحفظ المظهر التبشيري باديًا للعيان (١). إن الفقراء أكثر انقيادًا لقبول هذا المظهر من أندادهم من أبناء الأغنياء. هذه النزعة في التعليم المجاني لا ينفرد بها اليسوعيون الفرنسيون وحدهم، بل يتنازعها جميع المبشرين. ولقد استطاع المبشرون المشيخيون (٢) الأمريكيون أن يغلبوا المبشرين الآخرين في هذا الضرب من الإحسان (٣). ومن الأمثلة التي تدل على اهتمام المبشرين بالتعليم المجاني أن المدارس الفرنسية والروسية (كانت) تُعَلِّمُ مَجَّانًا ثم تقدم الكتب والطعام واللباس أحيانًا بلا مقابل (٤). المَكْتَبَاتُ وَالتَّصْوِيرُ وَالاِسْتِكْشَافُ وَالنَّشْرُ: واستغل المبشرون جميع أوجه النشاط الاجتماعي للتبشير، حتى تلك التي لا يسبق الوهم إلى أنها بؤرات تبشيرية. من هذه الأوجه كلها إنشاء المكتبات لبيع الكتب في الظاهر ولتكون سِتَارًا لإدارة أعمال التبشير. ولقد اتفق ذلك في أول الأمر حينما كانت الدولة العثمانية تنظر إلى المبشرين نظرتها إلى الجواسيس، كما مر معنا في فصل «السياسة». من هذه المكاتب مكتبة (شارليه بازييه) (٥)، وكانت لا تزال إلى عهد قريب قائمة في السوق الطويلة في بيروت باسمها وبنائها. ثم هنالك المصور القديم المعروف باسم (بونفيس) (٦)، ولقد كان محله في بيروت مشهورًا، وهو الذي خص نفسه بأخذ مشاهد سورية ولبنان على بطاقات بريدية. على أن محل (بونفيس) قد زال الآن. وهنالك نفر كثيرون جاءوا إلى هذه البلاد تجارًا وأساتذة وأطباء ولكنهم كانوا طلائع للتبشير على ما عرفنا من قبل. ويهمنا أن نعلم الآن أن أصحاب مكتبة شارليه بازييه والمصور (بونفيس) كانوا من البروتستانت الفرنسيين، وإنهم ظلوا يعيشون في بلادنا حتى عام ١٩٢٦ (٧). وهنالك نفر من المبشرين جاءوا إلى بلادنا تحت ستار البحوث العلمية كالاستكشافات الجغرافية والجيولوجية. من هؤلاء (وليم غودل) و (إِلِي سْمِيثْ Ellie Smith) و (وليم طومسون) الذي ظل

стр. 211

يعمل مبشرًا تحت ستار العلم خمسين عَامًا (١). ومما لا ريب فيه أن للكتب تأثيرًا كبيرًا في الناس. وتلك ظاهرة لم يغفلها المبشرون، إذ هم يرون أن أشد الوسائل أثرًا كان إنتاج النشرات المسيحية إلى المسلمين (٢). وبقطع النظر عن قيمة هذا الأثر الذي يزعمونه، فإن سياستهم في إنتاج تلك النشرات تتبع التوجيه التالي: يحرص المبشرون في الدرجة الأولى على نشر الكتب الدينية كالأناجيل الأربعة، وعلى نشر أشياء من " التوراة ". ثم إنهم يطرقون في نشراتهم موضوعات مختلفة ولكن يفرغونها في قالب مسيحي ديني. والمبشرون حريصون جد الحرص على أن يتولى كتابة هذه الموضوعات أشخاص وطنيون لا مبشرون أجانب، أو أشخاص صبأوا إلى النصرانية حديثًا، لأن هؤلاء يكونون أقدر على فهم عقلية جماهيرهم وعلى عرض تلك الموضوعات على شكل يقرب من فهم تلك الجماهير (٣). وفي بعض الأحيان يختار المبشرون موضوعات إسلامية لها مقابل في الديانة النصرانية (٤) ثم يموهون الحقائق ويقفزون فوق الفروق. إن " القرآن الكريم " يسمي المسيح «كَلِمَةَ اللهِ»، ومعنى ذلك أن الله تعالى ألقى كلمته، أي أمره، بأن يولد المسيح على ذلك الوجه المعجز في التاريخ. ولكن المبشرين يأخذون «كَلِمَةَ اللهِ» ليفسروها التفسير النصراني. ووجه الخلاف أن كل شيء في هذا العالم كما يرى المسلمون كان بأمر الله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٥). وفي " القرآن الكريم " آيات كريمات تجعل عيسى كآدم مثلاً، وتجعل آدم يتلقى من ربه «كَلِمَاتٍ» لا كلمة واحدة: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، الْحَقُّ

стр. 212

مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١). - ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢). ومع أننا لسنا هنا في مجال حِجَاجٍ فِقْهِيٍّ لا فائدة منه، فإننا لا نريد أن يقول المبشرون والمستعمرون بعلمهم أو بأهوائهم ما يضر بالدين والقومية والوطن ثم نظل ساكتين لا نقول كلمة حق في وجه جاهل أو ظالم. ولقد تبنى المبشرون الفرنسيون خاصة هذه الطريقة، ثم أكثر من الكلام فيها المستشرق الفرنسي (لويس ماسينيون)، الذي يقف علمه واستشراقه على التبشير الديني للوصول إلى أهداف استعمارية، شأن العدد الأكبر من المبشرين المتزيين بكل زي والمتلبسين بكل لباس. ويرى المبشرون أن يتوجهوا بالكتب إلى طبقتين من المسلمين على الأخص: إلى طلبة الأزهر في مصر، على اعتبار أن الأزهر معقل الإسلام، وأن الصابئ الأزهري - إذا اتفق ذلك - يَكُونُ عَوْنًا لِلْمُبَشِّرِينَ عَلَى زِيَادَةِ التَّغَلْغُلِ فِي العَالَمِ الإِسْلاَمِيِّ. وعلى كل فالتبشير بين الأزهريين لا يزال تجربة فقط، وإن كان المبشرون ينتظرون أن يتسع وأن يقوم في الدرجة الأولى على الجدال والوعظ (٣). وأما الطبقة الثانية التي يحب المبشرون أن يصلوا إليها بكتبهم الدينية فهي طبقة النساء. إنهم يزعمون أن المرأة المسلمة محجوبة (عن المجتمع والعلم ...) فيجب أن توضع لها كتب تتفق مع حالها وعقليتها ودرجة تفكيرها (٤). الصَّحَافَةُ خَاصَّةٌ: منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى والمبشرون يسعون إلى استغلال الصحافة استغلالاً واسعًا في سبيل التبشير. إنهم يرون أن المسلمين يكثرون من قراءة الصحف، ولكنهم يرون أيضًا أن «المَادَّةَ المَسِيحِيَّةَ» قَلَّ أَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهَا القُرَّاءُ، وَقَلَّ أَنْ يَفْسَحَ لها الصحفيون مكانًا في صدر صحفهم إلا إذا عُدت في باب الاعلانات ودفع المبشرون عنها أجرًا بعدد

стр. 213

سطورها (١). إن الصحافة لا توجه الرأي العام فقط أو تهيئه لقبول ما تنشر عليه، بل هي تخلق الرأي العام. ويعلن المبشرون أنهم استغلوا الصحافة المصرية على الأخص للتعبير عن الآراء المسيحية، أكثر مما استطاعوا في أي بلد إسلامي آخر. لقد ظهرت مقالات كثيرة في عدد من الصحف المصرية، إما مأجورة في أكثر الأحيان، أو بلا أجرة في أحوال نادرة (٢). على أن المبشرين أنشأوا في العالم صحفًا يومية وأسبوعية خاصة بهم، فهنالك " بَشَائِرُ السَّلاَمِ " و" الشَّرْقُ وَالغَرْبُ " في مصر. ثم هنالك النشرة الأسبوعية التي أنشأها البروتستانت في بيروت وظلت تصدر حتى إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، ثم وقفوها عن الصدور لأنه أصبح من المتعذر عليهم أداء رسالتهم التي نذروا أنفسهم لها، كما قالوا هم. • • • ونحن سنتناول هنا الكلام موجزًا على جريدة " البَشِيرِ ". وللقارئ أن يجعل هذه الجريدة نموذجًا لجميع الصحف التبشيرية: كانت المنافسة شديدة بين البروتستانت والكاثوليك، فلما انتقل مركز التبشير البروتستانتي من بلدة " عبيه " (في الشوف، بلبنان) إلى بيروت نقل اليسوعيون مركز نشاطهم عن " غزير " (في شمالي لبنان) إلى بيروت أيضًا. ولقد كانت الصحافة هي المظهر الأول للمنافسة بين الخصمين المتفقين على الإسلام. ويظهر أن ثلاث صحف من الصحف التبشيرية الأربع التي كانت تصدر في بيروت عام ١٨٧٠ كانت بروتستانتية، وهنالك صحيفة واحدة فقط كانت كاثوليكية (٣). كانت جريدة " البَشِيرِ " جريدة دينية في المقام الأول تقدم من مقام الشرف من صدرها أخبار رومية والبابوية. أما العمل الرئيسي لجريدة " البَشِيرِ " فظاهر إلى حد كبير في ردودها غير المتراخية على أعداء البابوية وأعداء توحيد الإيمان الكاثوليكي (٤). ولقد كانت رومية دائمًا نَصْبَ عَيْنَيْ " البَشِيرِ " وهو يتابع عمله الديني والتمديني (كَذَا). أما الآن، بعد أن كثر أعداؤه، فإن نار ردوده قد بردت قليلاً ولكنها لم تنطفئ (٥).

стр. 214

وكان محررو " البَشِيرِ " يتمتعون بحماية فرنسا، ولذلك أخذوا أنفسهم برد هَذَا الدَّيْنِ مِنَ المَعْرُوفِ إلى الأمة الفرنسية التي تستحق أن تعد بنت الكنيسة البكر (١). لقد اعتمد المبشرون مدينتين لنشر كتبهم وصحفهم: القاهرة وبيروت. أما القاهرة فاتخذها البروتستانت مركزًا لتوزيع المنشورات المسيحية في القطر المصري وفي جميع العالم الإسلامي (٢)، كما أنهم أقاموا المطبعة الأمريكية في بيروت، تلك المطبعة التي أصبحت أهم وسائل التبشير في الشرق كله (٣). أما اليسوعيون فقد ركزوا جميع جهودهم في المطبعة الكاثوليكية في بيروت منذ عام ١٨٧١، وقاموا من طريقها بعمل تبشيري في الدرجة الأولى (٤). الكَشْفِيَّةُ وَالمُخَيَّمَاتُ: حتى الكشفية من وسائل التبشير عندهم، جاء في مقررات مؤتمر المبشرين الذي انعقد في القدس ما يلي (٥): «نُحِبُّ أَنْ نُؤَكِّدَ الأَهَمِّيَّةَ البَالِغَةَ لِلْعَمَلِ بَيْنَ الصِّغَارِ وَلِلْصِّغَارِ قَبْلَ أَنْ تَتَشَكَّلَ عَقْلِيَّتُهُمْ وَأَخْلاَقُهُمْ تَشْكِيلاً إِسْلاَمِيًّا. إِنَّ جَمِيعَ الوَسَائِطِ التِي اِسْتُخْدِمَتْ وَظَهَرَ نَجَاحُهَا يُمْكِنُ أَنْ تُسْتَخْدَمَ مِنْ جَدِيدٍ لِتُوقِظَ عُقُولَ الصِّغَارِ وَتَجْلُوَ أَخْلاَقَهُمْ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا تَعَلَّقَ بِالمَدْرَسَةِ أَوْ مَا كَانَ خَارِجًا عَنْ نِطَاقِ المَدْرَسَةِ. فَمِنْ ذَلِكَ مَثَلاً: الكَشْفِيَّةُ لِلْفِتْيَانِ وَلِلْفَتَيَاتِ - مَدَارِسُ الأَحَدِ (الدُّرُوسُ الدِّينِيَّةُ التِي تُعْطَى أَيَّامَ الآحَادِ بِصُورَةٍ مُبَاشِرَةٍ أَوْ غَيْرِ مُبَاشِرَةٍ) - " جَمْعِيَّةُ الشُّبَّانِ المَسِيحِيِّينَ " وَ " جَمْعِيَّةُ الشَّابَّاتِ المَسِيحِيَّاتِ " وَسِوَاهُمَا مِنْ مُنَظَّمَاتِ الشَّبَابِ - المُخَيَّمَاتُ وَالمُؤْتَمَرَاتُ لِلْطُّلاَّبِ وَالأَنْدِيَةِ وَالرِّيَاضَةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ - بُيُوتُ الطَّلَبَةِ التِي زَادَتْ الحَاجَةُ إِلَيْهَا لِزِيَادَةِ عَدَدِ الطُّلاَّبِ (إِنَّ هَذِهِ البُيُوتُ يَجِبُ أَنْ تَكْثُرَ حَتَّى يُمْكِنَ أَنْ تَجْتَذِبَ هَؤُلاَءِ الطّلاَّبِ إِلَى مَمْلَكَةِ المَسِيحِ) - بُيُوتُ لِلأَطْفَالِ يُشْرِفُ عَلَيْهَا مُبَشِّرُونَ فَقَطْ». ومثل هذا يفعل الفرنسيون في المغرب العربي أيضًا، حتى إنهم يرسلون قسيسين يشرفون على مخيمات الكشافين ويوجهونها توجيهًا ظاهرًا لا استحياء فيه. ولقد عقد مؤتمران

стр. 215

قبل عام ١٩٣٨ لمنظمات الشباب المختلفة ومنها: الكشافة والمرشدات (للفتيان والفتيات). كان البرنامج فيهما يدور خاصة حول هذه الموضوعات: «" التَّوْرَاةُ "»، «كَلِمَةُ اللهِ»، «الكَنِيسَةُ»، «جَسَدُ المَسِيحِ». وفي عام ١٩٣٥ نظمت مؤسسة " الحزمة المغربية " (١) بالتعاون مع " اللجنة التبشيرية لشبان فرنسا " مخيمًا تبشيريًا نُقِلَ بعد مدة إلى جنوبي الجزائر. وقد اشترك في هذا المؤتمر التبشيري ستون من زعماء (حزمة التبشير) في فرنسا وسويسرا (٢). اِنْتِعَاشُ القُرَى وَالصِّنَاعَةِ وَالزِّرَاعَةِ: إن الذين يعيشون في سورية ولبنان يعرفون شيئًا عن مشروع إنعاش القرى الذي تقوم به الجامعة الأمريكية في بيروت؛ هذا المشروع الذي تجمع له الأموال عن طريق الحفلات والتبرعات، وربما جند له الشبان ذكورًا وإناثًا على الأخص من المسلمين أحيانًا. ويختلف مشروع إنعاش القرى من غيره من وجوه التبشير في أن التبشير فيه يجب أن يكون مستترًا لا ظاهرًا (٣). من أجل ذلك خاطبنا بعض الشبان المسلمين الذين اشتركوا عن حسن نية في هذا المشروع فأدركنا أنهم هم أنفسهم لم يفطنوا إلى عنصر التبشير فيه إلا بعد أن دللناهم على مواطن ذلك. وهكذا يرى المبشرون أن تُصْرَفَ العِنَايَةُ الأُولَى للتبشير بين النساء في القرى والدساكر، بعد أن كاد التبشير أن يكون قاصرًا على سكان المدن (٤). ويجب أن يجري التبشير في المزارع على شكل خاص، يعيش المبشرون مع الفلاحين عيشة فلاحة وزراعة من غير أن يتظاهر بأنه مبشرون، ولكنهم يجربون أن يحيوا حياة شخصية مسيحية. وهكذا يعتقد هؤلاء أن التأثير المسيحي ينتقل من هذه الطريق إلى الفلاحين غير النصارى انتقالاً هادئًا غير ملحوظ. على أن هذه الحياة يجب أن تكون عندهم جُزْءًا من حركة التبشير العامة (٥).
следующие страницы →