يعمل مبشرًا تحت ستار العلم خمسين عَامًا (١).
ومما لا ريب فيه أن للكتب تأثيرًا كبيرًا في الناس. وتلك ظاهرة لم يغفلها المبشرون، إذ هم يرون أن أشد الوسائل أثرًا كان إنتاج النشرات المسيحية إلى المسلمين (٢). وبقطع النظر عن قيمة هذا الأثر الذي يزعمونه، فإن سياستهم في إنتاج تلك النشرات تتبع التوجيه التالي:
يحرص المبشرون في الدرجة الأولى على نشر الكتب الدينية كالأناجيل الأربعة، وعلى نشر أشياء من " التوراة ". ثم إنهم يطرقون في نشراتهم موضوعات مختلفة ولكن يفرغونها في قالب مسيحي ديني. والمبشرون حريصون جد الحرص على أن يتولى كتابة هذه الموضوعات أشخاص وطنيون لا مبشرون أجانب، أو أشخاص صبأوا إلى النصرانية حديثًا، لأن هؤلاء يكونون أقدر على فهم عقلية جماهيرهم وعلى عرض تلك الموضوعات على شكل يقرب من فهم تلك الجماهير (٣).
وفي بعض الأحيان يختار المبشرون موضوعات إسلامية لها مقابل في الديانة النصرانية (٤) ثم يموهون الحقائق ويقفزون فوق الفروق. إن " القرآن الكريم " يسمي المسيح «كَلِمَةَ اللهِ»، ومعنى ذلك أن الله تعالى ألقى كلمته، أي أمره، بأن يولد المسيح على ذلك الوجه المعجز في التاريخ. ولكن المبشرين يأخذون «كَلِمَةَ اللهِ» ليفسروها التفسير النصراني. ووجه الخلاف أن كل شيء في هذا العالم كما يرى المسلمون كان بأمر الله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٥). وفي " القرآن الكريم " آيات كريمات تجعل عيسى كآدم مثلاً، وتجعل آدم يتلقى من ربه «كَلِمَاتٍ» لا كلمة واحدة: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، الْحَقُّ
стр. 212
مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١).
- ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢).
ومع أننا لسنا هنا في مجال حِجَاجٍ فِقْهِيٍّ لا فائدة منه، فإننا لا نريد أن يقول المبشرون والمستعمرون بعلمهم أو بأهوائهم ما يضر بالدين والقومية والوطن ثم نظل ساكتين لا نقول كلمة حق في وجه جاهل أو ظالم.
ولقد تبنى المبشرون الفرنسيون خاصة هذه الطريقة، ثم أكثر من الكلام فيها المستشرق الفرنسي (لويس ماسينيون)، الذي يقف علمه واستشراقه على التبشير الديني للوصول إلى أهداف استعمارية، شأن العدد الأكبر من المبشرين المتزيين بكل زي والمتلبسين بكل لباس.
ويرى المبشرون أن يتوجهوا بالكتب إلى طبقتين من المسلمين على الأخص: إلى طلبة الأزهر في مصر، على اعتبار أن الأزهر معقل الإسلام، وأن الصابئ الأزهري - إذا اتفق ذلك - يَكُونُ عَوْنًا لِلْمُبَشِّرِينَ عَلَى زِيَادَةِ التَّغَلْغُلِ فِي العَالَمِ الإِسْلاَمِيِّ. وعلى كل فالتبشير بين الأزهريين لا يزال تجربة فقط، وإن كان المبشرون ينتظرون أن يتسع وأن يقوم في الدرجة الأولى على الجدال والوعظ (٣).
وأما الطبقة الثانية التي يحب المبشرون أن يصلوا إليها بكتبهم الدينية فهي طبقة النساء. إنهم يزعمون أن المرأة المسلمة محجوبة (عن المجتمع والعلم ...) فيجب أن توضع لها كتب تتفق مع حالها وعقليتها ودرجة تفكيرها (٤).
الصَّحَافَةُ خَاصَّةٌ:
منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى والمبشرون يسعون إلى استغلال الصحافة استغلالاً واسعًا في سبيل التبشير. إنهم يرون أن المسلمين يكثرون من قراءة الصحف، ولكنهم يرون أيضًا أن «المَادَّةَ المَسِيحِيَّةَ» قَلَّ أَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهَا القُرَّاءُ، وَقَلَّ أَنْ يَفْسَحَ لها الصحفيون مكانًا في صدر صحفهم إلا إذا عُدت في باب الاعلانات ودفع المبشرون عنها أجرًا بعدد
стр. 213
سطورها (١).
إن الصحافة لا توجه الرأي العام فقط أو تهيئه لقبول ما تنشر عليه، بل هي تخلق الرأي العام. ويعلن المبشرون أنهم استغلوا الصحافة المصرية على الأخص للتعبير عن الآراء المسيحية، أكثر مما استطاعوا في أي بلد إسلامي آخر. لقد ظهرت مقالات كثيرة في عدد من الصحف المصرية، إما مأجورة في أكثر الأحيان، أو بلا أجرة في أحوال نادرة (٢).
على أن المبشرين أنشأوا في العالم صحفًا يومية وأسبوعية خاصة بهم، فهنالك " بَشَائِرُ السَّلاَمِ " و" الشَّرْقُ وَالغَرْبُ " في مصر. ثم هنالك النشرة الأسبوعية التي أنشأها البروتستانت في بيروت وظلت تصدر حتى إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، ثم وقفوها عن الصدور لأنه أصبح من المتعذر عليهم أداء رسالتهم التي نذروا أنفسهم لها، كما قالوا هم.
• • •
ونحن سنتناول هنا الكلام موجزًا على جريدة " البَشِيرِ ". وللقارئ أن يجعل هذه الجريدة نموذجًا لجميع الصحف التبشيرية:
كانت المنافسة شديدة بين البروتستانت والكاثوليك، فلما انتقل مركز التبشير البروتستانتي من بلدة " عبيه " (في الشوف، بلبنان) إلى بيروت نقل اليسوعيون مركز نشاطهم عن " غزير " (في شمالي لبنان) إلى بيروت أيضًا. ولقد كانت الصحافة هي المظهر الأول للمنافسة بين الخصمين المتفقين على الإسلام. ويظهر أن ثلاث صحف من الصحف التبشيرية الأربع التي كانت تصدر في بيروت عام ١٨٧٠ كانت بروتستانتية، وهنالك صحيفة واحدة فقط كانت كاثوليكية (٣).
كانت جريدة " البَشِيرِ " جريدة دينية في المقام الأول تقدم من مقام الشرف من صدرها أخبار رومية والبابوية. أما العمل الرئيسي لجريدة " البَشِيرِ " فظاهر إلى حد كبير في ردودها غير المتراخية على أعداء البابوية وأعداء توحيد الإيمان الكاثوليكي (٤). ولقد كانت رومية دائمًا نَصْبَ عَيْنَيْ " البَشِيرِ " وهو يتابع عمله الديني والتمديني (كَذَا). أما الآن، بعد أن كثر أعداؤه، فإن نار ردوده قد بردت قليلاً ولكنها لم تنطفئ (٥).
стр. 214
وكان محررو " البَشِيرِ " يتمتعون بحماية فرنسا، ولذلك أخذوا أنفسهم برد هَذَا الدَّيْنِ مِنَ المَعْرُوفِ إلى الأمة الفرنسية التي تستحق أن تعد بنت الكنيسة البكر (١).
لقد اعتمد المبشرون مدينتين لنشر كتبهم وصحفهم: القاهرة وبيروت. أما القاهرة فاتخذها البروتستانت مركزًا لتوزيع المنشورات المسيحية في القطر المصري وفي جميع العالم الإسلامي (٢)، كما أنهم أقاموا المطبعة الأمريكية في بيروت، تلك المطبعة التي أصبحت أهم وسائل التبشير في الشرق كله (٣). أما اليسوعيون فقد ركزوا جميع جهودهم في المطبعة الكاثوليكية في بيروت منذ عام ١٨٧١، وقاموا من طريقها بعمل تبشيري في الدرجة الأولى (٤).
الكَشْفِيَّةُ وَالمُخَيَّمَاتُ:
حتى الكشفية من وسائل التبشير عندهم، جاء في مقررات مؤتمر المبشرين الذي انعقد في القدس ما يلي (٥):
«نُحِبُّ أَنْ نُؤَكِّدَ الأَهَمِّيَّةَ البَالِغَةَ لِلْعَمَلِ بَيْنَ الصِّغَارِ وَلِلْصِّغَارِ قَبْلَ أَنْ تَتَشَكَّلَ عَقْلِيَّتُهُمْ وَأَخْلاَقُهُمْ تَشْكِيلاً إِسْلاَمِيًّا. إِنَّ جَمِيعَ الوَسَائِطِ التِي اِسْتُخْدِمَتْ وَظَهَرَ نَجَاحُهَا يُمْكِنُ أَنْ تُسْتَخْدَمَ مِنْ جَدِيدٍ لِتُوقِظَ عُقُولَ الصِّغَارِ وَتَجْلُوَ أَخْلاَقَهُمْ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا تَعَلَّقَ بِالمَدْرَسَةِ أَوْ مَا كَانَ خَارِجًا عَنْ نِطَاقِ المَدْرَسَةِ. فَمِنْ ذَلِكَ مَثَلاً: الكَشْفِيَّةُ لِلْفِتْيَانِ وَلِلْفَتَيَاتِ - مَدَارِسُ الأَحَدِ (الدُّرُوسُ الدِّينِيَّةُ التِي تُعْطَى أَيَّامَ الآحَادِ بِصُورَةٍ مُبَاشِرَةٍ أَوْ غَيْرِ مُبَاشِرَةٍ) - " جَمْعِيَّةُ الشُّبَّانِ المَسِيحِيِّينَ " وَ " جَمْعِيَّةُ الشَّابَّاتِ المَسِيحِيَّاتِ " وَسِوَاهُمَا مِنْ مُنَظَّمَاتِ الشَّبَابِ - المُخَيَّمَاتُ وَالمُؤْتَمَرَاتُ لِلْطُّلاَّبِ وَالأَنْدِيَةِ وَالرِّيَاضَةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ - بُيُوتُ الطَّلَبَةِ التِي زَادَتْ الحَاجَةُ إِلَيْهَا لِزِيَادَةِ عَدَدِ الطُّلاَّبِ (إِنَّ هَذِهِ البُيُوتُ يَجِبُ أَنْ تَكْثُرَ حَتَّى يُمْكِنَ أَنْ تَجْتَذِبَ هَؤُلاَءِ الطّلاَّبِ إِلَى مَمْلَكَةِ المَسِيحِ) - بُيُوتُ لِلأَطْفَالِ يُشْرِفُ عَلَيْهَا مُبَشِّرُونَ فَقَطْ».
ومثل هذا يفعل الفرنسيون في المغرب العربي أيضًا، حتى إنهم يرسلون قسيسين يشرفون على مخيمات الكشافين ويوجهونها توجيهًا ظاهرًا لا استحياء فيه. ولقد عقد مؤتمران
стр. 215
قبل عام ١٩٣٨ لمنظمات الشباب المختلفة ومنها: الكشافة والمرشدات (للفتيان والفتيات). كان البرنامج فيهما يدور خاصة حول هذه الموضوعات: «" التَّوْرَاةُ "»، «كَلِمَةُ اللهِ»، «الكَنِيسَةُ»، «جَسَدُ المَسِيحِ».
وفي عام ١٩٣٥ نظمت مؤسسة " الحزمة المغربية " (١) بالتعاون مع " اللجنة التبشيرية لشبان فرنسا " مخيمًا تبشيريًا نُقِلَ بعد مدة إلى جنوبي الجزائر. وقد اشترك في هذا المؤتمر التبشيري ستون من زعماء (حزمة التبشير) في فرنسا وسويسرا (٢).
اِنْتِعَاشُ القُرَى وَالصِّنَاعَةِ وَالزِّرَاعَةِ:
إن الذين يعيشون في سورية ولبنان يعرفون شيئًا عن مشروع إنعاش القرى الذي تقوم به الجامعة الأمريكية في بيروت؛ هذا المشروع الذي تجمع له الأموال عن طريق الحفلات والتبرعات، وربما جند له الشبان ذكورًا وإناثًا على الأخص من المسلمين أحيانًا.
ويختلف مشروع إنعاش القرى من غيره من وجوه التبشير في أن التبشير فيه يجب أن يكون مستترًا لا ظاهرًا (٣). من أجل ذلك خاطبنا بعض الشبان المسلمين الذين اشتركوا عن حسن نية في هذا المشروع فأدركنا أنهم هم أنفسهم لم يفطنوا إلى عنصر التبشير فيه إلا بعد أن دللناهم على مواطن ذلك. وهكذا يرى المبشرون أن تُصْرَفَ العِنَايَةُ الأُولَى للتبشير بين النساء في القرى والدساكر، بعد أن كاد التبشير أن يكون قاصرًا على سكان المدن (٤).
ويجب أن يجري التبشير في المزارع على شكل خاص، يعيش المبشرون مع الفلاحين عيشة فلاحة وزراعة من غير أن يتظاهر بأنه مبشرون، ولكنهم يجربون أن يحيوا حياة شخصية مسيحية. وهكذا يعتقد هؤلاء أن التأثير المسيحي ينتقل من هذه الطريق إلى الفلاحين غير النصارى انتقالاً هادئًا غير ملحوظ. على أن هذه الحياة يجب أن تكون عندهم جُزْءًا من حركة التبشير العامة (٥).
стр. 216
ويجب أن نعتبر أن التبشير الحقيقي يقوم في هذه المؤسسات الاجتماعية كالمدارس والكليات والمستشفيات والمستوصفات النقالة على الأخص والمحطات الزراعية ودور النشر. وكل تبشير خارج هذه المؤسسات إنما هو شذوذ عن القاعدة الصحيحة (١).
وكذلك الصناعة تستحق من عناية المبشرين ما تستحقه الزراعة تمامًا. لذلك فرض المبشرون على المبشرين النصارى منهم وعلى النصارى ممن ليسوا مبشرين، أن يخالطوا العمال ويعايشوهم حتى يسيطروا على الأوساط الصناعية بروح نصراني. وعلى المبشرين أن يؤثروا في العمال غير النصارى بسلوكهم الشخصي فيمثلوا لهم بأقوالهم وأعمالهم أن التقدم مسيحي، وأن الاختراعات والاكتشافات مسيحية، وأن الطرق الحديثة في الصناعة مسيحية أيضًا (٢).
• • •
وهكذا يبدو لنا بجلاء، قبل أن ننفض القلم من مداده، أن جميع أعمال البر والإحسان التي يقوم بها المبشرون، إنما هي وسائل للوصول بالنصرانية إلى الشعوب غير النصرانية، ثم التسرب بالاستعمار الغربي إلى الشعوب الشرقية. إن جميع ما يتظاهر به المبشرون من النبل إنما هو خداع ونفاق، حتى في تلك الأعمال التي لا يسبق إلى وهمنا أنها كذلك، كمشروع إنعاش القرى مثلاً.
стр. 217
الفَصْلُ العَاشِرُ: تَشْوِيهُ الثَّقَافَةِ العَرَبِيَّةِ الإِسْلاَمِيَّةِ:
- وسيلة إلى الحط من شأن العرب والمسلمين في نفوسهم.
- المبشرون وأنصارهم يشجعون اللغة العامية رميًا إلى تفكيك وحدة العالم الإسلامي.
• • •
رأينا في الفصول التسعة السابقة أن المبشرين قد درسوا العالم الإسلامي من جميع نواحيه ثم وضعوا الخطط للقضاء على كل مقاومة أو مناعة فيه، في كل ناحية من تلك النواحي. لقد استغلوا في سبيل مآربهم كل وسيلة، من العلم والطب والسياسة والحياة الاجتماعية ومن الثقافة والأدب واللغة. لقد حرصوا على أن يسلبوا الإسلام كل مناحي الشخصية وكل أسباب الحياة. ولكن العامل الإسلامي لم يمت. لقد ظل العالم الإسلامي يستمد الحياة من ثقافته التي ما زالت حية تنير العالم منذ ألف وأربعمائة سنة. إن الشرقيين والعرب والمسلمين قد اقتنعوا أنهم أخذوا يتأخرون منذ مطلع العصور الحديثة في ميادين الاختراعات المادية والعلوم النظرية والعملية وفي عالم السياسة الدولية وفي أسباب الحرب وآلاتها، ولكن الشرقيين والعرب والمسلمين موقنون حق الإيقان أنهم في العصور الوسطى قد أدوا للعالم كله رسالة من أعظم الرسالات التي أدتها أمة من الأمم، بشهادة الفرنجة أنفسهم قبل عصر التبشير وبعد عصر التبشير أيضًا (١).
стр. 218
رأى المبشرون والمستعمرون عظمة الثقافة العربية الإسلامية وأنها مصدر عزة للشرق وللعرب والمسلمين. ثم إنهم أيقنوا أن أمة لها هذه الثقافة لا يمكن أن تخنع أو تذل أو تبيد. وهكذا انصرفت أذهان هؤلاء المبشرين والمستعمرين إلى تشويه وجه هذه الثقافة وإلى الحط من شأنها في نفوس أصحابها. وكان العمل عليهم سهلاً، أو هكذا ظنوه، فقسموا ذلك العمل قسمين: قسمًا يتناول حقيقة الرسالة التي أديناها نحن للشرقيين العرب المسلمين وما فيها من أوجه العظمة والحقائق التي كانت أساس الرقي الإنساني أو ما فيها من الآراء الصحيحة الخالدة على الدهر، ثم قسمًا من الحقائق الحديثة التي لَم تُعْرَفْ قبل العصر الحاضر.
- أما القسم الأول فساروا فيه ينحلون حقائقه الصحيحة وآراءه الصائبة غير العرب وغير المسلمين، يجمع هذا كله قول (أرنست رينان) الفرنسي: «الفَلْسَفَةُ العَرَبِيَّةُ هِيَ الفَلْسَفَةُ اليُونَانِيَّةُ مَكْتُوبَةٌ بِحُرُوفٍ عَرَبِيَّةٍ». فكل مظهر عزيز في الفلسفة الإسلامية عند (رينان) وأتباع (رينان) إنما هو للفرس أو لليونان أو للنساطرة ولليعاقبة، أو إنه مشكوك فيه، وَكُتُبُ المبشرين والمستعمرين مملوءة بمثل هذا التجني على العبقرية العربية.
ولا نعلم نحن ما الذي دفع وزارة المعارف اللبنانية إلى تبني هذا الرأي - غير أصابع اليسوعيين المبشرين المستعمرين - وترديده في صور مختلفة في امتحانات الباكالوريا. فقد سئل هذا السؤال في أشكاله المختلفة في دورات كثيرة (قبل الاستقلال والخروج من الانتداب الفرنسي وبعد ذلك):
- تشرين الأول ١٩٣٤: هل من فلسفة عربية؟
- تشرين الأول ١٩٤١: هل أضاف فلاسفة العرب شيئًا جديدًا إلى فلسفة الأقدمين حتى يمكن القول أن للعرب فلسفتهم كما لليونان فلسفتهم؟
- تشرين الأول ١٩٤٤: قال (أرنست رينان): «لَيْسَتْ الفَلْسَفَةُ العَرَبِيَّةُ سِوَى الفَلْسَفَةَ اليُونَانِيَّةَ مَكْتُوبَةً بِأَحْرُفٍ عَرَبِيَّةٍ».
- حزيران ١٩٤٦: قيل: لم تستقم للعرب فلسفة لأنهم لم يوحدوا بين العناصر الأجنبية التي نقلوها، إنما اكتفوا بعرضها متجاورة لا متفاعلة.
- تشرين الأول ١٩٤٨: (أرنست رينان): «لَيْسَتْ الفَلْسَفَةُ العَرَبِيَّةُ سِوَى الفَلْسَفَةَ اليُونَانِيَّةَ مَكْتُوبَةً بِأَحْرُفٍ عَرَبِيَّةٍ».
هذا عدد من الدورات التي سئل فيها مثل هذا السؤال. والويل للتلميذ الذي ينتصر للفلسفة «العَرَبِيَّةِ» انتصارًا ظاهرًا. أما كلمة «إِسْلاَمِيَّةٍ» وحدها، فقد تفسح للطالب المجال
стр. 219
ليجرب حظه مرة أخرى في دورة تالية، إذا ظفر بها «مُصَحِّحٌ» من ذوي الاتجاه المعلوم.
• • •
ونحن لا ننكر أن يكون العرب قد بنوا فلسفتهم على أساس ما قدمه اليونان للعالم، ولكن من غير الإنصاف أن نقول إن العرب لم يكونوا سوى نقلة، سوى حمالين حملوا الفلسفة كما هي من اليونان إلى العالم. إن العرب قد زادوا في الفلسفة وناقشوا ونقحوا وصححوا وشرحوا وأدوا رسالة قَلَّ أَنْ أَدَّتْ أُمَّةٌ مِثْلَهَا فِي التَّارِيخِ (١).
وأي قول أوضح وأصوب، في العلم، من قول (جورج سارطون)، أحد ثِقَاتِ «تَأْرِيخِ العِلْمِ فِي العَالَمِ» حينما قال في هذا الشأن نفسه:
«غَيْرَ أَنَّ أُولَئِكَ الذِينَ يُنْكِرُونَ مَحَاسِنَ العَرَبِ وَيَبْخَسُونَهَا قِيمَتَهَا لَيَحْتَجُّونَ مَرَّةً ثَانِيَةً بِقَوْلِهِمْ:" إِنَّ الأَخْذَ مِنْ مَصَادِرَ مُتَعَدِّدَةٍ لَيْسَ، عَلَى كُلِّ حَالٍ، خَيْرًا مِنَ الأَخْذِ مِنْ مَصْدَرٍ وَاحِدٍ ". تِلْكَ هِي طَرِيقَةٌ فِي المُجَادَلَةِ مُضَلِّلَةٌ وَخُصُوصًا إذَا كَانَ الكَلاَمُ يَتَنَاوَلُ الرِّياضِيَاتِ. ثَمَّ إِنَّ الرِّياضِيِّينَ العَرَبَ فِي تَيْنِكَ الحَالَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ آنِفًا لَمْ يَنْسَخُوا مِنَ المَصَادِرِ اليُونَانِيَّةِ السَّنْسِكْرِيتِيَّةِ نَسْخًا، وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَمَا جَاءُوا بِفَائِدَةٍ، وَلَكِنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ المَصْدَرَيْنَ ثُمَّ أَلْحَقُوا الآرَاءَ اليُونَانِيَّةَ بِالآرَاءِ الهِنْدِيَّةِ. وَإذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا الذِي فَعَلَهُ العَرَبُ اِبْتِكَارًا فَلَيْسَ فِي العِلْمِ إِذَنْ اِبْتِكَارٌ عَلَى الإِطْلاَقِ. فَالاِبْتِكَارُ العِلْمِيُّ فِي الحَقِيقَةِ إِنَّمَا هُوَ حِيَاكَةُ الخُيُوطِ المُتَفَرِّقَةِ فِي نَسِيجٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ ثَمَّتَ اِبْتِكَارَاتٌ مَخْلُوقَةٌ مِنَ العَدَمِ» (٢).
• • •
هذا ما يقوله الأجانب الغربيون عن قيمة الثقافة العربية وعن الرسالة العلمية التي أداها العرب والمسلمون إلى العالم. ولكن الاستعمار يريد أن يسدل دائمًا دون جهود الإسلام ستارًا كثيفًا. ونحن لا نستغرب أن يحاول الاستعمار تحطيم نفوس رعاياه - وقد كان المنتدبون الفرنسيون يفعلون ذلك قبل عهد الاستقلال عام ١٩٤٣ - ولكن ما عذر الحكومة اللبنانية
стр. 220
في الاستمرار على سياسة الانتداب والإصرار على تنفيذها في هذه الناحية، في عهد الاستقلال؟
وإذا كان للعرب حق واضح في السير على رأس الموكب الفلسفي، فإن حقهم في «أدبهم العربي» أوضح. إن العرب مشهورون بالأدب، ويكفيهم فخرًا أن الأدب العربي أقدم الآداب الحية إلى اليوم. فلا الأدب الهندي ولا الأدب اليوناني أو اللاتيني قد عاش بعد أن طلع العرب بأدبهم على العالم. وحسبنا أن نعلم أن أكثر الأدب الأوروبي الحديث قد قام على أسس معروفة في الأدب العربي نفسه. إن الأدب البروفنسالي - أدب جنوب فرنسا في العصور الوسطى - قد بني فعلاً على ما عرفه الفرنسيون الأولون من ألوان الأدب العربي في الشرق في أثناء الحروب الصليبية أو في الأندلس (١). أما نشوء الأدب الإيطالي خاصة فالمعروف أن (دانتي الليغييري) هو صاحب المقام الأول فيه، و (دانتي) نفسه قد استمد كتابه الخالد " الكوميديا الإلهية " من مصادر إسلامية، من " الفتوحات المكية " لمحيي الدين بن عربي على القطع، ومن " رسالة الغفران " لأبي العلاء المعري في الأغلب (٢).
وهنالك مجال متسع للبحث عن قيمة الأدب العربي بالنقص والجمود وبالتخلخل وبأنه بعيد عن النزعة الإنسانية. ونحن لا نريد أن نستشهد بأسماء تحط من قيمة كتابنا ولكننا سنعرض القضية عرضًا موجزًا يستطيع القارئ أن يقيس عليه.
نشرت (٣) " مجلة لاروس " الباريسية فصلاً عن العالم العربي فيه التمويهات التالية:
- العالم العربي هو مصر والشام والعراق والحجاز واليمن ونجد، مساحته ثلاثة ملايين كيلومتر مربع وسكانه أربعون مليونًا.
- إن نصارى لبنان هم الذين بعثوا النهضة العربية.
- البربر وحدهم أصحاب المدنية في شمال أفريقيا والأندلس.
ولقد تولى الأستاذ محمد كرد علي - رئيس " المجمع العلمي العربي " -بدمشق ﵀ الرد على هذا المقال وَبَيَّنَ وجه الحق في ما ذكرت " مجلة لاروس ":
١ - العالم العربي أوسع رقعة وأكثر سكانًا مما زعم الكاتب الفرنسي المستعمر (وذلك
стр. 221
راجع إلى حقائق جغرافية وإحصاءات لا سبيل إلى دفعها: كحذف المغرب كله من العالم العربي). ثم إن مساحة شبه جزيرة العرب وحدها ثلاثة ملايين كيلومتر مربع.
٢ - أن النهضة العربية الحديثة بدأت في مصر لا في لبنان، وهذا أيضًا من النظر في تاريخ النهضة الحديثة. ولكن المستعمرين يريدون سلب المسلمين كل شيء حتى النهضة اللغوية التي هي عنوان لغتهم وأدبهم.
٣ - أن البربر لم يقيموا وحدهم مدنية المغرب والأندلس، بل شاركهم العرب أيضًا (وعلى كل فإن البربر كالعرب مسلمون، والمدنية التي خلقوها مدنية عربية).
ويختم الأستاذ محمد كرد علي مقاله بهذا الحكم الصائب:
«وَلِذَلِكَ نَرَى مِنْ وَاجِبِنَا أَنْ يَشُكَّ كُلُّ عَرَبِيٍّ وَكُلُّ مُسْلِمٍ فِي أَكْثَرِ مَا يَصْدُرُ مِنَ الأَحْكَامِ مِنَ الفِرَنْسِيِّينَ عَلَى الإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ، ذَلِكَ لأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ مِنَ الفِرَنْسِيِّينَ مَنْ لاَ يَنْظُرُونَ إِلَى كُلِّ أَمْرٍ إلاَّ بِمِنْظَارِ الاِسْتِعْمَارِ».
ويظهر أن الأب (يوحنا الفاخوري) البوليسي لم يرقه رد الأستاذ محمد كرد علي فنشر في مجلة " المسرة " (١) رَدًّا ملأه بتعابير جارفة بعيدة عن روح العلم. والأب (يوحنا الفاخوري) من الذين وقفوا أنفسهم على إنكار فضل العرب في الأدب والفلسفة أيضًا (٢)، ومن الذين يصرون على التعابير الجارفة التي استعملها هو أيضًا في رده على الأستاذ محمد كرد علي.
ولقد تناول الدكتور عدنان الخطيب (٣) الرد على الأستاذ كرد علي مؤيدًا رده بذكر إحصاءات وتواريخ تقطع بأن النهضة الحديثة في العالم العربي قد بدأت في مصر.
• • •
وظل هذا الموضوع يجري في لبنان وخارج لبنان على أقلام نفر من المتأدبين الذين لا يملكون زمام أنفسهم، ومن الذين لا يمكن أن يكون لرأيهم الشخصي وزن يميل بالأمور ذات اليمين أو ذات الشمال حتى غمس فيه قلمه مؤرخ كبير وثقة في تاريخ العرب، هو أستاذنا الدكتور (فيليب حتي)، فقال (٤):
стр. 222
«وَلَمْ تَبْدَأْ أَمَارَاتُ (١)، الحَيَاةِ الأَدَبِيَّةِ الجَدِيدَةِ بِالظُّهُورِ إِلاَّ فِي القِسْمِ الأَخِير مِنَ القَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ. وَكَانَتْ الكَثْرَةُ مِنْ قَادَةِ هَذِهِ الحَرَكَةِ الجَديدَةِ نَصَارَى مِنْ لُبْنَانَ تَعَلَّمُوا أَوْ اِسْتَوْحَوْا مِنْ جُهُودِ المُبَشِّرِينَ الأَمِرِيكِيِّينَ».
وحبذا أن يعذرنا أستاذنا الدكتور (فيليب حتي) إذا قلنا إن النهضة بدأت في النصف الأول لا الأخير من القرن التاسع عشر. ثم إن حصر شرف الحركة الجديدة بنصارى لبنان فيه ظلم للتاريخ وللأدب مَعًا. وقد كنا نربأ بالدكتور (فيليب حتي) أن يساير قومًا ليسوا من نَجْرِهِ ولا من أهل موكبه.
ولقد رد على الدكتور (حتي) ناقد في مجلة " الثقافة " (٢) فجرحه. وكان الأخلق بالدكتور (حتي) أن لو ظل بعيدًا عن هذا المجرى الضحل الذي يخوض فيه بعض من لا شأن لهم بعد في عالم الأدب والتاريخ. إنه أكثر علمًا من أن يضيع النصف الثاني مكان النصف الأول من القرن التاسع عشر، حتى يهيئ مكانًا قلقًا لأشخاص جاءوا في الحقيقة في أعقاب اليقظة الأدبية لا على رأسها. إن القضية قضية تاريخ وأرقام وكتب مطبوعة لا قضية عواطف.
• • •
بمثل هذا يحارب المبشرون والمستعمرون العَرَبَ وَالإِسْلاَمَ. أما أشد ما نلقاه نحن فهو أن هؤلاء يستخدمون في هذا السبيل أفرادًا منا أحيانًا، أفرادًا لا يتورعون أحيانًا عن أَنْ يُسَخِّرُوا العلم والضمير ويقلبوا الحقائق والأرقام رأسًا على عقب حُبًّا بالزلفى أو الاتجار.
على أن هذا أيضًا لن يفت في عضد الشرق، وستظل الثقافة العربية على الرغم من بضعة أسئلة في الامتحانات الرسمية وعلى الرغم من أفراد باعوا أنفسهم في غير سبيل الله - تمثل الرسالة التي أداها العرب في تاريخهم المجيد وفي تاريخ العالم.
• • •
ونحن نحب أن نأتي في هذا الفصل القصير برأي الدكتور (فيليب حتي) في الفيلسوف المسلم ابن رشد لنرى، رأي العين، أن الشخص الذي يحاول أن يغمط الثقافة العربية ويبخس
اللُّغَةُ العَامِّيَّةُ:
ويرى أكثر المهاجمين على استعمار الشرق أن تقطيع أوصال العرب والمسلمين لا يمكن أن يتم ما دام هنالك «لُغَةٌ وَاحِدَةٌ» يتكلمها العرب ويعبرون بها العرب والمسلمون عن آرائهم وما دام هناك «حَرْفٌ عَرَبِيٌّ» يربط حاضر المسلمين إلى تراثهم الماضي. فإذا حمل المبشر والمستعمرون العرب، على الكتابة باللغة العامية أصبح كل قطر عربي لغة خاصة به أو لغات متعددة. ثم إذا هم استطاعوا أن يحملوا المسلمين على التخلي عن الحرف العربي وإحلال الحرف اللاتيني مكانه انقطعت صلة العرب تمامًا بأدبهم القديم وبالمؤلفات الدينية واللغوية والأدبية والتاريخية والفكرية. حينئذٍ يصبح العرب «وِحْدَاتٍ» لغوية فكرية غير متعارفة، ثم تتنافر هذه الوحدات مع الزمن فيسهل إخضاعها بجهد أيسر من الجهد الذي تحتاج إليه هذه الغاية الآن.
وكان زعيم الحركة الرامية إلى الكتابة في العامية وبالحرف اللاتيني الاستعماريون الفرنسيون وعلى رأسهم المستشرق الفرنسي والموظف في قسم الشؤون الشرقية في وزارة الخارجية الفرنسية (لويس ماسينيون). ولقد حاول (ماسينيون) أن يبث دعوته هذه في المغرب وفي مصر وفي سورية ولبنان خاصة. وكذلك سعى لهذه الغاية مبشرون واستعماريون من أمم أخرى.
أما فيما يتعلق بلبنان خاصة فهناك محاولات عملية كثيرة لم تنجح - وإن تنجح إن شاء اللهُ. من هذه:
- " قواعد اللهجة اللبنانية السورية "، تأليف الأب (رافائيل نخلة) .. ويحاول الأب (رافائيل نخلة) في مؤلفه هذا وضع قواعد ثابتة لهذه اللهجة ... والكتاب موضوع بالفرنسية والنصوص العربية منسوخة بالحرف اللاتيني. والكتاب طبع في المطبعة اليسوعية ورقمه في قائمة المطبوعات اليسوعية ٢٩٦ (ص ٣٣ قائمة ١٩٥٠).
- " التحفة العامية في قصة فنيانوس "، تأليف شكري الخوري، نشرها الأب (لاي) اليسوعي ... مؤلفة بلغة لبنان العامية وتمثل ناحية هامة من حياة اللبنانيين، طبع المطبعة اليسوعية (قائمة المطبوعات اليسوعية رقم ٤٨٢، ص ٦٠، قائمة ١٩٥٠).
- " في متلو هلكتاب! "، تأليف الخوري (مارون غصن)، أحد المدرسين في مدرسة عنطورا (لبنان).
стр. 225
وهنالك محاولات كثيرة مثل هذه. ومع أن جميع المحاولات الأولى قد خرجت من المدارس الفرنسية فيجب أن نستثني مِنْ حَمَلَةِ هذه الحركة نفرًا من الأساتذة ليس هذا رأيهم. من هؤلاء الأستاذ (جورج الكفوري) مدير الدروس العربية في الكلية العلمانية الفرنسية في بيروت سابقًا والذي تولى وزارة التربية الوطنية والفنون الجميلة في لبنان في أوائل عهد الاستقلال. للأستاذ (جورج الكفوري) كِتَابٌ قَيِّمٌ اسمه " اللغة العربية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها " (١). ثم إن للأستاذ (جورج الكفوري) نظرات صائبة في صلة اللغة العربية الفصحى بالعامية، وهو يدعو إلى تسهيل الفصحى ويرى من هذا التسهيل فوائد كثيرة، ثم يقول: «وَمَتَى سَهُلَتْ اللُّغَةُ وَأَصْبَحَتْ فِي مُتَنَاوَلِ السَّوَادِ الأَكْبَرِ مِنَ الشَّعْبِ أَصْبَحَ مِنَ اليَسِيرِ إِحْلاَلَهَا (أَيْ إِحْلاَلُ اللَّغَةِ الفُصْحَى) مَكَانَ العَامِّيَّةِ».
• • •
وبعد أن نامت فكرة «الكِتَابَةِ العَامِّيَّةِ بِالحَرْفِ اللاَّتِينِي» رجعت من جديد وتحت ستار «تَسْهِيلِ اللَّغَةِ» إلى الاستيقاظ. وآخر ما ظهر في هذا الباب " تبسيط قواعد العربية وتبويبها على أساس منطقي جديد " (٢)، تأليف الدكتور (أنيس فريحة) (أحد أساتذة التاريخ واللغات السامية في الجامعة الأمريكية في بيروت).
أما الأساس الجديد الذي يقترحه (أنيس فريحة) فهو موضع جدال كبير، وأنا أعتقد أنه في بعض الأماكن يعقد ما كان إلى الآن سهلاً في الصرف والنحو. فنحن المتشددين نقتصر في أدوات الجواب على كلمتين: «نَعَمْ، بَلَى» لما بينها من الاختلاف في المعنى ولأن لهما فائدة عملية في قراءتنا وكتاباتنا. أما الدكتور (أنيس فريحة) فيدخل هاتين الأداتين في باب: «حُرُوفٍ تَشْتَرِكُ بَيْنَ الاسْمِ وَالفِعْلِ»، ثم يعدد منها سِتًّا هي: نَعَمْ، بَلَى، إِيْ، أَجَلْ، جِيرْ (مُمَاتَةٌ)، جَلَلْ (مُمَاتَةٌ) (٣) - ويقصد بكلمة (مُمَاتَةٍ) أنها لا تستعمل اليوم -.
ولكن يبدو أن الدكتور (أنيس فريحة) يريد أمرًا آخر: إنه يريد أن يجعل من اللغة العربية الفصحى والحرف العربي مشكلتين يستحيل حلهما، ولذلك هو يرى أن ينتقل العرب إلى الكتابة في العامية وبالحرف اللاتيني. إن يبسط رأيه هذا على منحى كبير وبشيء من التهكم كان يجب أن يترفع عنه من يدعو إلى «أَسَاسٍ مَنْطِقِيٍّ جَدِيدٍ». إنه يقول:
стр. 226
«يُطَالِبُ مَثَلاً، بَعْضُ النَّاسِ بِتَبَنِّيِ الحَرْفَ اللاَّتِينِيَّ تَسْهِيلاً لِلْقِرَاءَةِ وَتَخْفِيضًا لِنَفَقَاتِ الطِّبَاعَةِ ... وَنَحْنُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ النَّظِرِيَّةِ، وَلاَ نَرَى حَلاًّ لِلْكِتَابَةِ إلاَّ بِتَبَنِّيِ الحَرْفَ اللاَّتِينِيَّ وَضَبْطِ الكَلِمَاتِ فِيه مَرَّةً واحدَةً ... وَأَمَا الذِينَ لاَ يَرَوْنَ مُشْكِلَةً فِي الأَمْرِ، وَهُمْ مَنْ لَمْ يُمَارِسُوا التَّعْلِيمَ، فَيَقُولُونَ: " هَؤُلاَءِ جَمَاعَةٌ خَارِجُونَ عَلَى العُرُوبَةِ وَالإِسْلاَمِ! ". وَيُطَالِبُ بَعْضُ النَّاسِ بِتَيْسيرِ قَوَاعِدِ العَرَبِيَّةِ لِتَقْرَبَ مِنَ العَامِّيَّةِ، أَوْ لِرَفْعِ العَامِّيَّةِ لِتَقْرَبَ مِنَ الفُصْحَى، فَيَتَسَاءَلُ البَعْضُ الآخَر: " وَهَلْ العَرَبِيَّةُ مُعَقَّدَةٌ لِنُبَسِّطَهَا أَوْ عَسِيرَةٌ لِنُيَسِّرَهَا؟ إِنَّمَا أَنْتُمْ جَمَاعَةٌ خَارِجُونَ عَلَى العُرُوبَةِ وَالإِسْلاَمِ! " لماذا يَثُورُ النَّاسُ كُلَّمَا طَالَبْنَا بِالتَّيْسِيرِ؟ وَلِمَاذَا لاَ يُدْرِكُونَ؟: الأَمْرُ بَسِيطٌ: الجَهْلُ، الجَهْلُ عَدُوُّ العَرَبِ الأَكْبَرِ!».
وهنالك إخوان لنا في الجامعة الأمريكية يرون رأي الدكتور (فريحة)، ولكننا لن نثبت رأيهم هذا لأنهم لم يكتبوه بَعْدُ. فالدعوة إلى العامية وإلى الحرف اللاتيني قد انتقلت الآن من اليسوعيين إلى الجامعة الأمريكية. أما تعليقنا المفصل على هذه الحركة الجديدة القديمة فهو قسمان: قسم هو صلة ذلك بالتبشير، وقد مر الكلام عليه في أماكن مختلفة. ثم هنالك قسم يتعلق بالاقتراح من حيث هو اقتراح وما فيه من مآخذ فليس موضعه هنا. على أن ملاحظة واحدة ضرورية في هذا المقام: أن الدعوة إلى العامية وإلى الحرف اللاتيني معناها:
١ - خلق مشكلة لا حل مشكلة.
٢ - قطع حاضر العرب ومستقبلهم بماضيهم.
٣ - تنفيذٌ لمآرب تبشيرية استعمارية، لأن الأمر بدأ كذلك. ولا يمكن أن يكون سبب هذه الدعوة الآن غير سببها بالأمس.
٤ - أن كثيرًا من كتاب الدكتور (فريحة) لا صلة له بتبسيط العربية على الإطلاق، كجداول ضمائر الإشارة مثلاً. الدكتور (فريحة) يقترح لأسماء الإشارة: (ص ٣٣ - ٣٤) عددًا أكبر من العدد الذي تثبته كتب النحو المدرسية. إن الدكتور (فريحة) يريد أن يبرز أشكالاً كثيرة لضمائر الإشارة، كما يسميها هو، لكي يجسم مشاكل اللغة العربية الفصحى ومشاكل الكتابة بالحرف العربي توصلاً إلى الدفاع عن رأيه في اتخاذ العامية لغة كتابة وإحلال الحرف اللاتيني محل الحرف العربي في الكتابة العربية.
وفي خلال ثلاث سنوات، أي منذ صدور الطبعة الأولى من هذا الكتاب، زاد نشاط الدكتور (أنيس فريحة) في حقل الدعوة إلى اللغة العامية. ولسنا الآن في سبيل استخراج صورة
стр. 227
لنشاطه من كتبه ومقالاته وأحاديثه. ولكن الرجل كشف الآن عن اعتقاده وأصبح يقول صراحة وَعَلَنًا باللغة العامية المكتوبة بالحرف اللاتيني. وسنكتفي هنا بكلمة في كتابيه الأخيرين في الموضوع: في كتابه " محاضرات في اللهجات وأسلوب دراستها " (١) وفي كتابه " نحو عربية ميسرة " (٢)، وأحسب أنه استوفى معظم آرائه في هذين الكتابين. ومع أن خلاصة الكتاب الأول موجودة في الكتاب الثاني، أو أن الكتاب الأول كله ملخص من الكتاب الثاني (٣)، فإن الدكتور (أنيس فريحة) ينضح في كتابه الثاني بالحقد على اللغة العربية الفصحى وبالبغض لأهلها وبالتهكم على تراثها والهزؤ برجالها.
وفي ما يلي جمل مختارة من كتابه " نحو عربية ميسرة ":
- «وَلَكِنْ لاَ يَصِحُّ اِعْتِمَادَ اللُّغَةِ، كَمَا تَحَدَّرَتْ إِلَيْنَا مُدَوَّنَةً، مَصْدَرًا لِدِرَاسَةِ اللُّغَةِ فِي عُهُودِهَا السَّابِقَةِ. ذَلِكَ لأَنَّ الذِينَ اِسْتَنْبَطُوا قَوَاعِدَهَا وَضَبَطُوا أَحْكَامَهَا اِعْتَمَدُوا الشِّعْرَ الجَاهِلِيَّ أَوَّلاً ثَمَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ مَادَّةَ لُغَوِيَّةً. وَمَتَى كَانَتْ لُغَةُ الشِّعْرِ وَلُغَةُ الأَدَبِ وَالدِّينِ مِرْآةً تَعْكِسُ لُغَةَ النَّاسِ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَكَاسِبِهِمْ» (ص ١١).
- «وَلَكِنْ تَجْدُرُ بِنَا الإِشَارَةُ أَوَّلاً إِلَى أَنَّ الجَمْعَ (جَمْعَ الكَلِمَاتِ فِي القَوَامِيسِ) تَنَاوَلَ لُغَاتٍ عَرَبِيَّةٍ كَثِيرَةٍ، وَكَانَ الحَمَاسُ لِلْجَمْعَ بَالِغًا مَبْلَغَهُ فَأَقْحَمُوا هَذِهِ الكَثْرَةَ دُونَ رَوِيَّةٍ فِي التَّحْقِيقِ. وَلَيْسَ فِي قَوْلِنَا هَذَا مَا يُقَلِّلُ مِنْ اِحْتِرَامِنَا لأُولَئِكَ العلماءَ الأَفْذَاذِ. وَلَكِنَّ عَمَلَ المَعَاجِمِ لاَ يَتِمُّ بِالطَّرِيقَةِ الفَرْدِيَّةِ. غَيْرَ أَنَّ مَنْ يَعْرِفُ " لِسَانَ العَرَبِ " أَوْ " التَّاجَ " أَوْ " القَامُوسَ " (٤) لاَ يَسْتَطِيعُ إلاَّ أَنْ يَرْفَعَ قُبَّعَتَهُ إِجْلاَلاً لِجَامِعِيهَا» (ص ١٣).
- «فَإِنَّ عَلَينَا فِي مَوَاقِفِنَا الرَّسْمِيَّةِ أَنْ نَتَكَلَّمَ بِلُغَةِ الأَجْيَالِ الغَابِرَةِ، عَلَيْنَا أَنْ نُعَبِّرَ عَنْ أَحَاسِيسِنَا وَدَوَاخِلِنَا بِلُغَةٍ وَقَفَتْ فِي مَجْرَاهَا عِنْدَ نُقْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي الزَّمَانِ وَالمَكَانِ (يقصد الدكتور فريحة: ظُهورَ الإِسْلاَمِ) عِنْدَمَا أُحِيطَتْ بِهَالَةٍ مِنَ التَّقْدِيسِ، وَعِنْدَمَا سِيجَ حَوْلَهَا بِسِيَاجٍ مِنَ الأَحْكَامِ، فَوَقَفَتْ فِي تَطَوُّرِهَا عِنْدَ هَذِهِ النُّقْطَةِ مِنَ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ» (ص ١٨، ١٩).
- «نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الفُصْحَى بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَتْ لُغَةَ الدِّينِ وَاللُّغَةَ الرّسمِيَّةَ أُخْضِعَتْ لِلْقُيُودِ التِي يَفْرِضُهَا الصَّرْفِيُّونَ وَالنَّحْوِيُّونَ» (ص ٢٢).
لدعوته أن يهجر العرب لغتهم الأدبية (الفصحى) والمكتوبة بالحروف العربية إلى لهجة من لهجاتهم العامية مكتوبة بالحرف اللاتيني ليس تيسير العربية، ولكن قطع العرب صلتهم بالقرآن الكريم، إلا أن يبقى ليقرأ في المساجد كما تقرأ اللاتينية في الكنائس الكاثوليكية. وكذلك يريد الدكتور (فريحة) أن يقطع العرب صلتهم بالأدب القديم لأنه هو لا يستطيع أن يفهم الأدب الجاهلي أو " رسالة الغفران " لأبي العلاء المعري ولا أن يجد قيمة لشعر المتنبي.
كلنا نريد، في حياتنا العصرية، أن نيسر القراءة والكتابة في اللغة العربية، كما يسرنا حياتنا المنزلية بالاختراعات الأمريكية، وكما يسرنا انتقالنا بالطائرة والسيارة بدلاً من امتطاء الإبل والخيل والبغال والحمير. على أن الأمم لا تمزج عادة تراثها الروحي بالحياة الواقعية، ذلك لأن الأمم تستمد بقاءها من التراث الروحي. نحن نعلم كالدكتور (فريحة) أن الإملاء في اللغة الألمانية واللغة الإسبانية أهون من الإملاء باللغة العربية، ولكن الإملاء العربي أهون من الإملاء الإنجليزي والفرنسي. ونحن لا نذكر شيئًا عن اللغة اليابانية أو الصينية. ولكن اللغة العربية بالإضافة إلينا وإلى قومنا ليست واسطة للتفاهم فقط، بل هي رابطة قومية أيضًا وجامعة دينية وخزانة للثقافة الأدبية والروحية. فنحن العرب والمسلمين جميعًا نحتمل قواعد النحو العربي والكتابة بالحرف العربي، إن صح أن في النحو العربي والحرف العربي كل هذه الصعوبات والمشاكل التي يدعي الدكتور (فريحة) وجودها، في سبيل الحفاظ على هذه الصلة بعالمنا الذي بلغ ذروة تطوره عند نقطة في الزمان والمكان. وبعد، فنحن شاكرون لأسلافنا أنهم أقاموا سياجًا حول اللغة العربية، ذلك لأنهم أقاموا هذا السياج حولنا نحن. ثم إن مشاكل اللغة العربية، في النحو والخط، ليست أكثر من مشاكل اللغة الإنجليزية كثرة تقتضي هذه الحملة العنيفة على اللغة العربية والإسلام.
يحمل الدكتور (فريحة) على الرسم العربي (١) لأنه لا يثبت الحروف المصوتة (الدالة على الحركات) في صلب الكلمات. غير أنه اتفق في التاريخ أن الساميين اختاروا أن تتألف الكلمات من الحروف الساكنة وأن تعين حركات تلك الحروف بعلامات تسمى «شَكْلاً». فكتابة الحرف العربي مشكولاً يسقط حجج الدكتور (فريحة) كلها، إلا إذا ظل متمسكًا بأن طبع الكتب والمجلات بالحرف العربي ليس مشروعًا اقتصاديًا، وأن الطبع بالحرف اللاتيني أكثر توفيرًا للوقت والمال.
ولكن غاب عن الدكتور (فريحة) أن اللغات، كل اللغات، تصل إلينا بالرواية أكثر مما
стр. 230
تصل إلينا بالكتابة. إن الطفل الفرنسي يلفظ العدد «ألفين وسبعمائة وثمانية وتسعين» (٢٧٩٨) كما يتلقاه بالرواية: de mil sèt sa' katr ve' diz uit
لا كما يراه مكتوبًا في كتب القراءة والنحو في القواميس: deux mille sept cent quatre-vingt dix-huit
ثم ما فائدة إثبات الأحرف المصوتة في الكلمات الإنجليزية مثلاً؟ إن الحرف u يلفظ في كل كلمة من الكلمات الإنجليزية التالية لفظًا خاصًا. إن هذا الحرف u يقع ثلاثة عشر مرة في الكلمات الإحدى عشرة التالية، ويلفظ على ثلاثة عشر وجهًا: but, full, build, noun, muse, fur, furniture, furlough, funk , fruit
أنا لا أستطيع أن أصدق أن الدكتور (فريحة) أستاذ اللغات السامية لا يعرف هذه الأشياء، وهل يعقل أنه كتب ما كتب «من عقله» ومن غير أن يرجع إلى القاموس. ولكن الدكتور (فريحة) يُرَوِّجُ غاية للمبشرين أرادوا بها أن يكون لكل بقعة عربية لغتها المستقلة. ونحن نرجو اللهَ أن يهدي صديقنا الدكتور (فريحة) وألا يحقق له ولا للمبشرين أملاً.
ولقد فضح الدكتور (فريحة) نفسه لما ألقى السؤال الذي يقبع وراء دراساته وتعليلاته واقتراحاته، ذلك السؤال الذي يفسر نقمته على اللغة الفصحى ويعلل حقده على الحرف العربي وعلى الأدب القديم. وبعد أن دعا الدكتور (أنيس فريحة) للهجات العامية وللحرف اللاتيني ما شاءت له الدعوة وما شاءت له الدعوى قال (" نحو عربية ميسرة ": ص ١٩٨، ١٩٩):
«وَلَكِنَّ لِلْنَّاسِ (يقصد المسلمين) أَنْ يَسْأَلُوا: مَاذَا سَيَحُلُّ بِالقُرْآنِ الكَرِيمِ؟ ....».
وجوابنا هو أن القرآن الكريم سيخلد على ما هو عليه كما بقيت كتب دينية عديدة رغم انحراف لغة الناس عن لغة هذه الكتب. فإن (لغة هذه الكتب) حافظت على روعتها وجلالها ومقامها الديني. هاك لغة " التوراة " الإنجليزية المعروفة بترجمة الملك (جايمس) (١). فإنها على قدمها تعتبر في الإنجليزية، إلى جانب مقامها الديني، قطعة أدبية رائعة ... ولكنها تخالف لغة الناس. وَقُلْ مِثْلَ هذا في لغة (شكسبير) فإنها حافظت على كيانها ومقامها. وفي لندن اليوم مسرح مشهور يعرف
стр. 231
بـ Old Vic يمثل فيه إلى روايات (شكسبير) بلغتها القديمة وبشعرها القديم وبتعابيرها القديمة، وإنك إذا قست هذه اللغة بلغة جرائد لندن، أو إذا قستها بلغة الشارع في أوكسفورد أو كمبريدج وجدت فروقًا شاسعة. وها هي الكنيسة الكاثوليكية فإنها تعتبر الترجمة اللاتينية للتوراة لغة الكنيسة الرسمية، ولا يكون القداس إلا باللغة اللاتينية. وقل مثل هذا في الكنيسة الأرثوذكسية التي حافظت على اللغة اليونانية التقليدية، والكنيسة المارونية التي احتفظت باللغة السريانية، والكنيسة المسيحية الحبشية التي احتفظت باللغة السامية القديمة المعروفة بـ «لغة الجعز». (على) أن الفارق بين هذه الكنائس التي احتفظت بلغاتها القديمة وبين الإسلام عظيم جدًا، ذلك لأن العامية المهذبة المحكية لا تختلف عن لغة " القرآن الكريم " اختلاف السريانية عن العربية أو الإغريقية عن العربية، أو اللاتينية عن الفرنسية (١). فلن تكون لغة " القرآن الكريم " غريبة عن أفهام الناس. وسيظل الناس يتعلمونه ويحفظونه غيبًا ويدرسون صرفه ونحوه وسحر بيانه كما يفعلون اليوم. وسيظلون يقرأونه ويستظهرونه تبركًا ... هذا ما يتعلق بالمستقبل القريب. ولكن ما سيحدث في المستقبل البعيد، بعد مئات السنين؟ هنا ندخل في نطاق الحدس والتخمين. ولكن يتراءى لي أن في ذلك الزمن لن تكون الحياة الروحية وقفًا على الكلمة ولفظ الكلمة وشكل كتابة الكلمة ... عندها يكون للناس الحرية أن ينظروا إلى الدين من خلال نظاراتهم لا من خلال نظاراتنا نحن ... نحن زائلون والحياة للأجيال القادمة ... لا تحرص أن تفرض على أبنائك عقائدك وعاداتك ومقاييسك وذوقك ونظرك إلى الحياة ... قد يسايرك (ابنك) بعض الطريق، ولكنه في قرارة نفسه يضحك من حرصك هذا ويسير في طريقه الخاص ...».
وهكذا نجد بوضوح أن الحملة على العربية الفصحى إنما هي في حقيقتها حملة على اللغة التي تجمع بين العرب والمسلمين، وحملة على العروبة والإسلام، وأمنية في أن يصبح القرآن كتاب دين لا صلة له بالحياة: يستطيع نفر من المسلمين أن يقرأه من غير أن يفهموا منه شيئًا ومن غير أن يشعروا بما فيه إلا كما يشعر الوثني إذا نظر إلى صورة معلقة في الجدار أو إلى وثن قائم على قاعدة من الحجارة.
غير أن الله الذي جعل في القرآن من عناصر الخلود ما حفظه إلى اليوم، بينما جميع اللغات التي كانت في عصره أو بعد عصره أيضًا قد بادت وانقرض المتكلمون بعدد كبير منها، سيجعله خالدًا أبدًا.
стр. 232
إننا عرفنا في الفصول السابقة عددًا كبيرًا من الوسائل التي يتوسل بها المبشرون إلى الوصول إلى الإسلام والمسلمين، كما أدركنا أن التبشير إنما هو في الحقيقة تمهيد إلى السيطرة السياسية على بلاد المشرق لاستغلالها اقتصاديًا.
فالتبشير إذن خطر ديني بالغ فوق ما هو خطر سياسي واقتصادي: إنه خطر على كيان الأمم الشرقية، إن القضية بالنسبة إلينا قضية بقاء أو فناء.
بيروت ٩ جمادى الأولى ١٣٧٢ هـ - ٢٥ كانون الثاني ١٩٥٣ م.
شتورا ٢٢ ذي الحجة ١٣٧٥ هـ - ٣٠ تموز ١٩٥٦ م.
стр. 233
الفَصْلُ الحَادِي عَشَرَ: حَقَائِقُ عَنْ أَفْرِيقْيَا (*):
لما استقلت البلدان الأفريقية التي كانت خاضعة للاستعمار وضح لنا أن إلى أي حد كان الاستعمار يطوي عنا من أخبار تلك البلاد: في عدد السكان، وفي نسبة المسلمين إلى سائر سكان تلك البلاد، وفي الأحوال الروحية والاجتماعية السائدة في تلك البلاد.
ثم وضحت لنا أيضًا حقيقة مهمة جِدًّا: هي أن المستعمرين كانوا يعتقدون أن الصابئين إلى النصرانية سيكونون أكثر ميلاً إلى الدول الغربية الأجنبية منهم إلى أقوامهم الباقين على الوثنية أو على الإسلام (١).
وسنرى في الصفحات التالية القليلة من هذا الفصل دلائل من الصلة الوثيقة بين التبشير وبين الاستعمار أكثر صراحة، في بعض وجوهها، من بعض ما كنا قد رأينا من قبل. كنا من قبل نستشهد بكتب ألفها أصحابها في النصف الثاني من القرن الماضي أو في الربع الأول من القرن الحاضر، يوم كان العقل الباطن في الأوروبيين يتمنى الأماني أو يشير إلى
стр. 234
موقفه المقبل من طرف خفي وهو على مثل اليقين في نفسه أن استعماره قد أصبح جُزْءًا من البلاد التي قضى فيها أجيالاً. أما الآن فأمامنا عدد من الكتب التِي أُلِّفَتْ وَالكَارِثَةُ عَلَى وَشْكٍ أَنْ تَحِلَّ بِالمُسْتَعْمِرِينَ، أو بعد أن حلت فيهم فعلاً، فإذا في تلك الكتب غضبة شديدة ونقمة ضارية على الشعوب التي خرجت من مُلْكِ يَدِهَا وقد كانت من قبل في يدها كالأنعام.
فِي المَغْرِبِ:
الفرنسيون يسمون المغرب: شمال أفريقيا ثم يجعلون سكان المغرب قسمين: مسلمين وأوروبيين. أما المسلمون فهم العرب والبربر والسكان الذين هم من أصل تركي أو زنجي ممن يدين بالإسلام. وأما الأوروبيون فهم الفرنسيون والإنجليز والأمريكيون وسائر الذين هم من أصل أوروبي أو أمريكي ومن أهل المشرق من الذين يدينون بالنصرانية أو باليهودية.
ولقد كان للأوروبيين في المغرب في أيام الاستعمار الفرنسي مركز ممتاز في السياسة والإدراة والمجتمع. وأما المسلمون فكانوا يعاملون معاملة المُسْتَعْبَدِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ (١).
والواقع أن فرنسا ترى، كسائر الدول المستعمرة، أن الوعي الإسلامي خطر على النفوذ الأجنبي في البلاد الإسلامية. وهؤلاء الذين كانوا يستعمرون البلاد العربية خاصة كانوا يرون أن العروبة تَتَحَوَّلُ عَمَلِيًّا «حَرَكَةً إِسْلاَمِيَّةً» ثم تعم البلاد العربية والبلاد الإسلامية غير العربية على السواء.
في عام ١٩٥٧ صدر في باريس كتاب اسمه " الملف السري لشمال أفريقيا " ألفه (بيار فونتان) وملأه بالحقد والمغالطات، ولكنه كشف عن عقدة الخوف من العروبة والإسلام وعن عقدة الخوف من الدور الذي يقوم به الرئيس جمال عبد الناصر .. قال (بيار فونتان) (٢):
«إِنَّ جُنُونَ العَظَمَةِ (ولنثبت للكاتب الفرنسي التعبير الذي اختاره) فِي نَاصِرٍ (عَامِلٌ) مُسَاعِدٌ تَنْقَلِبُ بِهِ حَرَكَةُ العُرُوبَةِ حَرَكَةَ جَامِعَةً إِسْلاَمِيَّةً. وَفِي رَأْيِ المِصْرِيِّ (٣) أَنَّهُ مِنَ الوَاجِبِ عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ فِي اتِّحَادٍ وَاسِعٍ جَمِيعَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ المُسْتَقِلَّةِ مَا بَيْنَ الدَّارِ البَيْضاءَ وَبَيْنَ طَهْرَانَ وَأَنْ يُصْبِحَ هُوَ لِذَلِكَ الاتِحَادِ رَئِيسًا رُوحِيًّا عَلَى الأَقَلِّ. عَلَى أَنَّ هَذَا لاَ يَعْنِي
شِعَارًا دَائِمًا لِلْتَّحْرِيضِ عَلَى الأُرُوبِيِّينَ. إِنَّ قَضِيَّةَ السَّيْطَرَةِ أَكْثَرَ ثِقَلاً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالمُسْلِمِينَ فِي القَارَّةِ السَّوْدَاءِ، أُولَئِكَ المُسْلِمِينَ الذِينَ يَقُومُونَ بِعِبَادَاتٍ مُحَبَّبَةٍ جِدًّا إِلَى (أَصْحَابِ) عَدَدٍ مِنَ المَذَاهِبِ الفِطْرِيَّةِ وَالوَثَنِيَّةِ. إِنَّ الدُّوَلَ العَرَبِيَّةَ مُجَنَّدَةٌ فِي صُفُوفِ الجَامِعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ التِي يَقُودُهَا الرَّئِيسُ الكُولُونِيلْ نَاصِرْ الذِي أَعَدَّ مِنْهَاجَهُ لِلاِسْتِعْمَارِ إِعْدَادًا وَاضِحًا. إِنَّ الدُّوَلَ الإِسْلاَمِيَّةَ غَيْرِ العَرَبِيَّةِ تَرَى فِي مِصْرَ قَاهِرًا لِلْبِيضِ (الأُورُوبِيِّينَ)».
ليس من عادتنا في هذا الكتاب أن نعلق على ما تورده من أقوال رجال التبشير والاستعمار. ولكن التعليق هنا واجب لأنه يكشف عن وجه جديد من السياسة الاستعمارية: إن الخوف الحقيقي في نفوس المستعمرين ليس من الوحدة العربية، بل من الوحدة العربية التي ستنقلب في رأيهم إلى وحدة إسلامية. إنهم يرون أن القوة الكامنة في الإسلام هي التهديد الصحيح للاستعمار.
ولقد سبق لنا القول بأن في المقاطع الآنفة كثيرًا من الحقد والمغالطات والميل إلى إسرائيل، ولكن الذي يهمنا في هذا النص الذي جئنا به هنا أن الاستعمار زائل عن البلاد العربية وعن البلاد الإسلامية غير العربية، وأن التبشير الذي كان القوم يقومون به منذ مطلع القرن الماضي لم يكن لنشر النصرانية بل لبسط النفوذ الأجنبي على المناطق الواسعة في العالم العربي والعالم الإسلامي من وراء التبشير بالنصرانية.
فِي السُّودَانِ:
السودان: هو المنطقة التي تمتد في أواسط أفريقيا من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي والتي يغلب على جلد أهلها السواد. ويحسن في معالجة موضوع التبشير هنا أن تقسم تلك المنطقة قسمين: شرقيًا وغربيًا.
أما القسم الشرقي فتتناوله هنا ملاحظتان:
١ - إن قسمًا من أهل هذه المنطقة مسلمون، بينما أهل القسم الآخر غير مسلمين، بل وثنيون عامة أو نصارى في الحبشة خاصة.
٢ - إن قسمًا من أهل الشواطئ من هؤلاء كانوا قد امتزجوا منذ أقدم الأزمنة بالعرب، وخصوصًا بعرب اليمن، ثم زاد ذلك الاختلاط كثيرًا بعد الإسلام.
وأما القسم الغربي من السودان فإن أهله لم يختلطوا بالعرب إلا بعد الفتح الإسلامي في
стр. 237
المغرب، وبعد قيام حركة المرابطين في القرن الخامس للهجرة والحادي عشر للميلاد خاصة وفي الجانب الشمالي منه على الأخص.
فِي السُّودَانِ الشَّرْقِيِّ:
حينما نقول السودان اليوم فإننا نعني بقعة من الأرض، جنوب مصر، تبلغ نحو مليونين كيلومترًا مربعًا في مساحتها، وهي التي أصبحت جمهورية مستقلة عام ١٩٥٦.
منذ جاء (لِيفِنْغِسْتُونْ) (١) إلى أفريقيا، في منتصف القرن التاسع عشر، تمتزج في نفسه عوامل التبشير بعوامل الاستكشاف، جعلت دول الاستعمار تتسابق إلى أواسط أفريقيا بالتبشير ظاهرًا وبالاستيلاء على الأراضي الغنية في القارة التي كانت يومذاك لا تزال سوداء مظلمة مجهولة في الحقيقة.
وسبق الرهبان الكاثوليك من النمسا إلى السودان، في شباط (فبراير) من عام ١٨٤٨. «وَمَعَ أَنَّ الهَدَفَ الرَّئِيسِيَّ لِتِلْكَ الإِرْسَالِيَّةِ كَانَ التَّبْشِيرُ بَيْنَ الوَثَنِيِّينَ، فَإِنَّ أُولَئِكَ الرُّهْبَانَ قَدْ اِحْتَجُّوا عَلَى قَرَارِ الحُكُومَةِ المِصْرِيَّةِ بِتَحْرِيمِ التَّبْشِيرِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ» (١). «وَمَعَ أَنَّ مَرَاكِزَ أُخْرَى لِلْتَّبْشِيرِ قَدْ أُنْشِئَتْ فِي السُّودَانِ فِي السَّنَوَاتِ التَّالِيَةِ، فَإِنَّ جَمِيعَ تِلْكَ المَرَاكِزِ قَدْ أُغْلِقَتْ فِي عَامِ ١٨٦٠ لأَنَّ الرُّهْبَانَ كَانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِلاِغْتِيَالِ» (٢).
وظل الأمر على ذلك حتى احتل الإنجليز مصر، سنة ١٢٩٩ هـ (١٨٨٢ م)، ثم كانت الحملة الإنجليزية المصرية على السودان لإخماد حركة المهدي، سنة ١٣١٧ هـ (١٨٩٩ م). (٣)
وفي عام ١٨٩٩ جمع المبشرون البريطانيون والمبشرون الأمريكيون جهودهم في السودان واتخذوا مراكز لهم في الخرطوم وأم درمان (٤). غير أن التبشير بين المسلمين ظَلَّ ممنوعًا، فإن اللورد (كتشنر)، وكان يومذاك الحاكم العام في مصر والسودان باسم بريطانيا، رفض أن يقوم المبشرون بأعمالهم في بلاد أهلها مسلمون، بينما الحكومة البريطانية لا
стр. 238
ترغب في عرقلة أعمالها السياسية في المناطق التي كانت قد بسطت عليها نفوذها أو لم تستطع بعد أن تثبت هذا النفوذ.
عند ذلك التفت المبشرون إلى التعليم وأعانهم على ذلك (اللورد كرومر) الذي خلف (كتشنر). فقد أسس المبشرون الإنجليز مدرسة للبنات في الخرطوم، عام ١٩٠٣، وأسس المبشرون الأمريكيون في الخرطوم نفسها مدرسة للصبيان بعد عامين. ثم وسع كل فريق منهم جهوده التبشيرية من خلال التعليم. على أن هذه المدارس كانت قاصرة في أول الأمر، وفي فترة غير قصيرة بعد ذلك، على أولاد الجاليات المصرية والسورية وعلى المولدين (الذين كان آباؤهم من الأجانب)، وكان معظم هؤلاء غير مسلمين (١).
ثم إن الحكومة الإنجليزية قسمت السودان قسمين: قسمًا شمال خط العرض ١٢ عَدَّتْهُ قِسْمًا إِسْلاَمِيًّا لا يجوز السماح فيه للمبشرين بالقيام بأعمالهم عَلَنًا. وكذلك أوجبت الحكومة الإنجليزية على المدارس التبشيرية ألا تعلم الدين المسيحي لتلميذ اختار ولي أمره أن يدخله فيها إلا إذا حصلت من الولي على إذن خطي بذلك. على أن هذا كله لم يمنع شيئًا من التبشير بوسائل مختلفة من طريق التعليم والتطبيب والسياسة ووظائف الحكومة مما عرفنا أشباهه في هذا الكتاب.
أما جنوب خط العرض ١٢ فَعَدَّتْهُ الحُكُومَةُ الإِنْجْلِيزِيَّةُ قِسْمًا وَثَنِيًّا خَالِصًا ومنعت المسلمين من السفر إليه حتى تتيح للمبشرين المسيحيين أن يعملوا فيه بِحُرِّيَّةٍ، ثم كانت هي تقدم لهم جميع المساعدات في سبيل ذلك. غير أن جنوب السودان ظل ميدان صراع بين الحركة الإسلامية وبين الإرساليات التبشيرية المسيحية مما لا يدخل بحثه في نطاق هذا الكتاب. ولا ريب في أن استقلال السودان قد خفف كثيرًا من أثر المبشرين الكاثوليك والبروتستانت حتى في جنوبي السودان.
الاِضْطِرَابُ فِي السُّودَانِ:
كان محمد علي باشا قد فتح السودان، في سنة ١٢٣٧ هـ (١٨٢١ م)، باسم العثمانيين. وكان للسودان، من قبل ومن بعد، مشاكل كثيرة منها جلب العبيد منه للبيع في مصر وفي غيرها.
стр. 239
وجاء إسماعيل باشا إلى عرش مصر في رجب من سنة ١٢٨٠ هـ (١٨٦٣ م). واحتاج إسماعيل باشا إلى أن يسد نفقات كثيرة منها ما كان في سبيل الإصلاح كبناء السكك الحديدية وإنشاء الطرق والمرافئ وشق قناة السويس، ومنها ما ذهب في الإسراف على بناء القصور أو في السرقات. ثم كانت القلاقل في السودان واحتاج إلى تمويل الحملات بمبالغ ضخمة. ففي سنة ١٢٩٢ هـ (١٨٧٥ م) باع إسماعيل باشا أسهمه في قناة السويس للحكومة البريطانية. وهكذا أصبحت معظم أسهم قناة السويس في يد الفرنسيين ويد الحكومة البريطانية. ثم غرق إسماعيل في الديون الأجنبية، فتأسس في مصر صندوق الديون العمومية. عندئذٍ فرضت فرنسا وإنجلترا على إسماعيل لجنة منهما للإشراف على جمع الضرائب وعلى نفقات الدولة محافظة على حقها في الديون وفي نصيبهما من دخل القناة. بذلك دخلت مصر في نطاق النفوذ البريطاني الفرنسي فعليًا. غير أن النفوذ البريطاني كان أغلب.
ومع دخول النفوذ الأجنبي إلى الميدان الاقتصادي المصري دخل هذا النفوذ في الوقت نفسه إلى الميدانين السياسي والعسكري. لقد استعان إسماعيل باشا في التغلب على تجارة الرقيق بنفر من الأجانب منهم السير (صموئيل بايكر) والكولونيل (تشارلس غوردن) و (رودولف سلاتين) = (سلاطين باشا). لقد عهد إلى هؤلاء بالولاية على عدد من المناطق السودانية وفوض إليهم العمل بجميع الوسائل التي يرونها ضرورية للقضاء على نشاط الجلابين. وهكذا دخل النفوذ البريطاني إلى السودان أيضًا. ويحسن أن نذكر هنا أن الكولونيل (تشارلس غوردن) - أو (غوردن باشا) كما أصبح يُدْعَى فِيمَا بَعْدُ - كان من المتصلين بحركة التبشير ومن الذين كانوا يشجعون على القيام بالتبشير في السودان خاصة. وكانت قضية التبشير في السودان خاصة تشغله إلى درجة أنه كتب بها رسالة أو رسائل إلى أخته (١).
وفي ذلك الحين كان (غوردن باشا) قد أصبح الحاكم العام في السودان فتقلصت تجارة الرقيق قليلاً واتسعت حركة التبشير كثيرًا. ولكن في عام ١٨٧٩ اُسْتُدْعِيَ (غوردن) إلى إنجلترا فنشطت تجارة الرقيق من غير أن تركد حركة التبشير التي كان (غوردن) قد دفعها في القسم الجنوبي من السودان خاصة.
يبدو أن التدخل البريطاني في حياة السودان الدينية على الأخص وفي حياته السياسية أيضًا (مضافًا إلى هذا التدخل الأجنبي شيء من الفوضى التي آل إليها الحكم المصري في السودان والتي كانت امتدادًا للفوضى في مصر نفسها يومذاك) قد كان السبب الأول في
стр. 240
الثورة الدينية التي أثارها محمد بن أحمد المعروف بـ " المهدي "، في رمضان من سنة ١٢٩٨ هـ (صيف ١٨٨١ م).
في ذلك الحين كان خديوي مصر إسماعيل باشا قد خُلِعَ (١٢٩٦ هـ - ١٨٧٩ م) وخلفه ابنه توفيق الذي كان أضعف من أبيه من الناحية الاقتصادية والناحية الإدراية مَعًا، وكان الإنجليز خاصة يسندون حكمه الضعيف لأن ضعفه كان يمكنهم من تنفيذ رغباتهم في مصر والسودان. وعمت مصر النقمة التي كانت قد عمت السودان من قبل، فقد كثر نفوذ الإنجليز وزاد عدد الأجانب في مصر زيادة كبيرة جِدًّا، فنشبت ثورة أَحْمَدْ عُرَابِي بعد ثورة " المهدي " في السودان بأسابيع.
وتمادت الثورتان، ورأت بريطانيا فيهما تهديدًا لنفوذها ومصالحها في القارة الأفريقية كلها فاحتلت مصر في شهر شعبان من سنة ١٢٩٩ هـ (تموز - يوليو ١٨٨٢ م).
وحرصت بريطانيا على قمع حركة " المهدي " في السودان من وارء الجيش المصري فأبيدت النجدات المصرية التي أرسلت إلى السودان. وفي ربيع الثاني من سنة ١٣٠١ هـ (شباط - فبراير ١٨٨٤ م) أرسلت بريطانيا حملة على السودان بقيادة (غوردن)، ولكن حملة (غوردن) أيضًا خابت وقتل (غوردن) نفسه، لما سقطت الخرطوم في يد أتباع " المهدي " في ربيع الثاني من سنة ١٣٠٢ هـ (كانون الثاني - يناير ١٨٨٥ م).
وبعد ستة أشهر من مقتل (غوردن) توفي المهدي، في ٨ رمضان ١٣٠٢ هـ (حزيران - يونيو ١٨٨٥ م) فتولى الجهاد بعده عبد الله بن محمد الفقيه المعروف بـ " خليفة المهدي " أو بـ " الخليفة ".
وفي ١٣١٤ هـ (١٨٩٦ م) أعد الإنجليز حملة مشتركة (بريطانية - مصرية) بقيادة (كتشنر) استطاعت أن تقضي على حركة المهدي في معركة أم درمان، في جمادى الثانية من سنة ١٣١٦ هـ (١٨٩٨ م).
وقسم السودان من الناحية الاجتماعية قسيمن: قسمًا شماليًا وقسمًا جنوبيًا. أما القسم الشمالي فكان مسلمًا، وقد اقتصر إنشاء المدارس الرسمية في السودان على هذا القسم. أما القسم الجنوبي (وقد كان معظم أهله من الوثنيين البدائيين) فقد ترك للمبشرين الكاثوليك والبروتستانت يقومون فيه بالتعليم (١)، أو بالتبشير تحت ستار التعليم. ومنذ عام ١٩٢٦ جعلت الحكومة الإنجليزية المنتدبة على السودان تعطي المبشرين إعانة من ميزانة السودان مساعدة لهم على التعليم (٢).
стр. 241
التَّكَاتُفُ فِي سَبِيلِ التَّبْشِيرِ:
ولقد انكشف العنصر السياسي في التبشير انكشافًا ظاهرًا لما وقعت الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة (١٩٢٩ - ١٩٣٠) ثم في بريطانيا (عام ١٩٣١)، فقلت المبالغ التي كانت تتدفق على الإرساليات التبشيرية من تينك الدولتين وبردت حركة التبشير حينًا (١).
على أن أغرب ما في هذه الصورة السياسية التبشيرية أن (هيلاسلاسي) إمبراطور الحبشة الأرثوذكسي كان يساعد الإرساليات الأجنبية التي هي بروتستانتية أو كاثوليكية على التبشير في السودان (٢).
ودخل على هذه الصورة الغربية عنصر أشد غرابة هو التمييز العنصري (٣). والواقع أن السود الصابئين إلى النصرانية لم يتمتعوا بشيء من المساواة مع إخوانهم البيض الأوروبيين، لا في الدولة ولا في الكنيسة. ومع أن عددًا من الإرساليات احتجت (فقط) على سياسة التمييز العنصري، فإن نفرًا من رؤساء الإرساليات الهولندية خاصة وقفوا (نَظَرِيًّا) من هذه القضية على الحياد (٤). ولكنهم أغلقوا أبواب الكنائس الكبرى في أفريقيا في وجه النصارى السود.
وقد كان من الطبيعي أن يؤدي هذا المسلك إلى ردة فعل بين النصارى السود ضد النصارى البيض، وخصوصًا في المدن التي تنهض فيها كنائس عظيمة البنيان (٥). ولكن بما أن هذا النزاع كان نزاعًا داخليًا في النصرانية نفسها فإننا نكتفي هنا بالإشارة إليه فقط. أما النزاع السياسي فنخصه بكلمة موجزة.
ظن المبشرون أن التبشير سيجعل من الأفريقيين غربيين في كل شيء حتى في الشعور السياسي. ولكن ذلك لم يتفق دائمًا. إن الأفريقيين الذين تلقوا العلم الغربي على يد المبشرين أصبحوا هم أنفسهم كارهين للتبشير وللصلة التي يريد المبشرون أن ينشؤوها بين الدين وبين السياسة. ففي كل مكان وصل إليه الوعي الوطني ظهر الكره للتبشير حتى قال (غروف): «إِنَّنَا لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نُخْفِي عَنْ أَنْفُسِنَا وَلاَ عَنْ غَيْرِنَا أَنَّ نَفَرًا كَثِيرِينَ يُمَثِّلُونَ
стр. 242
الجَمَاعَاتِ الأَفْرِيقِيَّةِ أَظْهَرُوا اِمْتِعَاضًا شَدِيدًا مِنَ التَّبْشِيرِ وَأَخْبَرُونَا أَنَّ الصِّلَةَ بَيْنَ الكَنَائِسِ وَالتَّبْشِيرِ وَبَيْنَ التَّعْلِيمِ يَجِبُ، فِي رَأْيِهِمْ، أَنْ تَنْتَهِيَ بِسُرْعَةٍ. وَكَانَ هَؤُلاَءِ إذَا تَكَلَّمُوا فِي التَّعْلِيمِ يَقُولُونَ:" مَدَارِسُكُمْ وَمَدَارِسُنَا "، يُحَدِّدُونَ بِذَلِكَ الفَرْقَ بَيْنَ مَدَارِسِ الإِرْسَالِيَّاتِ وَبَيْنَ المَدَارِسِ التِي تُدِيرُهَا السُّلُطَاتُ الأَفْرِيقِيَّةُ المَحَلِّيَّةُ» (١). ومنهم من جعل يقتل المبشرين في الكونغو (٢) وفي غير الكونغو.
والواضح أن هذا الخلاف في الرأي يرجع إلى عامل وراء التبشير ووراء التعليم؛ إن هذا العامل كان «الاستعمار». يرى (غروف) أن السنوات العشر التي تلت الحرب العالمية الأولى قد خلقت نُضْجًا وَوَعْيًا بَيْنَ الشُّعُوبِ الأَفْرِيقِيَّةِ. ومع أن الإرساليات التبشيرية كانت منذ أيامها الأولى ترى أن تبلغ الشعوب الأفريقية رشدها بين شعوب العالم المتطورة وأن يصبح الجميع أبناء متساويين للهِ الواحد، فإن تلك الإرساليات كانت ترى أن يتم هذا في مدى طويل. إلا أن هذه التطورات قد جلبت معها مضايقات للإرساليات المسيحية ينبع معظمها من إلحاح الأفريقيين على العمل السياسي السريع بالإضافة إلى عمل مواز لذلك في سائر الميادين (٣).
إن التعبير في المقطع السابق غامض في شكله الراهن، مع أن المؤلف (غروف) يدور حوله في صفحتين. إن المقصود من هذا المقطع أن الأفريقيين لما تعلموا في مدارس التبشير ووصلوا إلى شيء من النضج بدأوا يطالبون باستقلال صحيح في السياسة والاقتصاد والاجتماع، بينما كان المبشرون يعتقدون أن التعليم تحت إشراف المبشرين سيجعل الأفريقيين يطمئنون إلى الحكم الأجنبي وقتًا طويلاً على الأقل.
وهذا الذي كان يجري في أواسط أفريقيا وفي شرقها، في أراضي النفوذ البريطاني، كان يجري مثله في غربي أفريقيا. إن نيجيريا بلاد واسعة كثيرة السكان. غير أن السكان في نيجيريا يتفاوتون في الحياة الدينية: فالغالب على القسم الشمالي من نيجيريا الإسلام، بينما الأكثرون في الجنوب من الوثنيين. فلما ملكت بريطانيا هذا الجزء من القارة الأفريقية منعت السكان المسلمين أن يدخلوا إلى القسم الجنوبي الوثني ثم أطلقت للمبشرين حرية العمل فيه. إن الحكومة البريطانية لم تسمح بحرية مماثلة للمبشرين في القسم الشمالي لأن الإسلام فيه قوة عظيمة، ولم تكن إنجلترا راغبة في إغضاب المسلمين حرصًا على مصالحها الاقتصادية والسياسية أولاً. ولكن منذ عام ١٩٢٧ أخذت الحكومة البريطانية
стр. 243
تحض المبشرين على العمل في شمالي نيجيريا ثم تساعدهم على ذلك. ومع أن نيجيريا بقيت بعد بلوغها إلى الحكم الذاتي في عام ١٩٥٩، وبعد استقلالها عام ١٩٦٠، جُزْءًا من الإمبراطورية البريطانية التي سميت " جامعة الشعوب البريطانية "، فإن أثر التبشير والمبشرين يجب أن يكون قد خف كثيرًا في الجزء الشمالي من نيجيريا وفي القسم الجنوبي أيضًا.
التَّعْلِيمُ فِي أَفْرِيقْيَا:
كان المبشرون أول من بدأ التعليم في أفريقيا السوداء. وفي أوغندة ظل التعليم في يد المبشرين زهاء نصف قرن (١٨٧٧ - ١٩٢٥). ولما تأسس المجلس الاستشاري للتعليم الأفريقي تمثلت فيه دوائر الحكومة (البريطانية) والإرساليات التبشيرية والجماعات الأفريقية والأجنبية (١). وكان المبشرون الإنجليز يحملون أعباء أساسية في إدراة المدارس في جميع أنحاء أفريقيا البريطانية (٢). ثم اتسع التبشير اتساعًا عظيمًا بزيادة عدد المبشرين البروتستانت والكاثوليك إذ بلغ عددهم في عام ١٩٢٥ نحو ٦٣٠٠ في جميع أنحاء أفريقيا (٣).
أما في المستعمرات البلجيكية (الكونغو) والبرتغالية (أنغولا) فإن المعاملة الممتازة كانت للإرساليات الكاثوليكية (٤).
العَامِلُ السِّيَاسِيُّ:
ويبدو العامل السياسي في التنافس في أفريقيا - كل دولة تحمي مبشريها، وكل إرسالية تبشيرية تناصر دولتها - واضحًا جِدًّا في ميدانين: في ميدان الحرب وفي ميدان التبشير نفسه.
لما نشبت الحرب العالمية الأولى، عام ١٩١٤، عاملت كل دولة في مستعمراتها مبشري أعدائها معاملة المحاربين: بالأسر والاعتقال والترحيل. وكانت إنجلترا وفرنسا حريصتين على استئصال المبشرين الألمان في البلاد التي كانتا تسيطران عليها (٥).
ولما انتهت الحرب العالمية الأولى لم تسمح الحكومة الإنجليزية لمبشر غير إنجليزي أن
стр. 244
يدخل مناطق نفوذها إلا إذا حصل على إذن بذلك (١). أما البلجيكيون فقسموا الإرساليات التي تريد دخول الكونغو قسمين: إرساليات وطنية وإرساليات غير وطنية. أما الإرساليات الوطنية فكانت في عُرْفِهِمْ تلك الإرساليات التي يكون ثلثا أعضاء المجلس الإداري فيها من البلجيكيين (٢). ولما احتلت إيطاليا الحبشة، في عام ١٩٣٦، اضطرت الإرساليات البروتستانتية إلى مغادرة الحبشة كلها (٣).
وفي الحرب العالمية الأولى ترك المبشرون عملهم التبشيري وجعلوا يطوفون في المناطق ويجمعون المتطوعين لجيوش دولهم (٤).
حَالُ السُّودِ فِي الإِسْلاَمِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ:
إن المبشرين بالنصرانية لا يريدون نصارى من السود يساوونهم في المنزلة، ولكنهم يريدون أشخاصًا يستتبعون في استغلال البلاد التي يبشرون فيها. وهذا أمر ظاهر من مقارنة حال الذين يسلمون بحال الذين يتنصرون. قال الأستاذ (وسترمان) (٥):
«حِينَمَا يَعْتَنِقُ الزِّنْجِيُّ الإِسْلاَمَ فَإِنَّهُ يُصْبِحُ حَالاًّ عُضْوًا فِي هَيْئَةٍ اِجْتِمَاعِيَّةٍ أَعْلَى (مِنْ تِلْكَ التِي كَانَ فِيهَا مِنْ قَبْلُ). ثُمَّ هُوَ يَبْلُغُ بِسُرْعَةٍ إِلَى الشُّعُورِ بِالثِّقَةِ بِنَفْسِهِ وَإِلَى الشُّعُورِ بِمَقَامِهِ، كَمَا يَشْعُرُ أَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ عُضْوًا فِي مُنَظَّمَةٍ مُنْتَشِرَةٍ حَوْلَ العَالَمِ كُلِّهِ. وَكَذَلِكَ تَنْشَأُ لَهُ صِلاَتٌ وَاضِحَةُ المَعَالِمِ بِالأُورُوبِّيِّينَ أَنْفُسَهُمْ. إِنَّ الزِّنْجِيَّ الذِي كَانَ يَعِيشُ فِي الأَدْغَالِ مُحْتَقَرًا يُصْبِحُ بِالإِسْلاَمِ ذَا مَقَامٍ وَيَجِدُ أَنَّ الأُورُوبِّيِّينَ أَنْفُسَهُمْ قَدْ جَعَلُوا - عَلَى الرُّغْمِ مِنْهُمْ - يُعَامِلُونَهُ بِاحْتِرَامٍ. أَمَّا إِذَا اِنْتَقَلَ الوَثَنِيُّ (وَالزِّنْجِيُّ) إِلَى الجَمَاعَةِ المَسِيحِيَّةِ (أَيْ إِذَا صَبَأَ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ)، فَإِنَّ الذِي يَحْدُثُ هُوَ خِلاَفُ ذَلِكَ تَمَامًا. إِنَّنَا نَحْنُ الأُورُوبِّيِّينَ نَبْقَى دَائِمًا غُرَبَاءَ عَنْ الأَفْرِيقِيِّ، وَحِينَمَا هُوَ يَتَبَنَّى حَضَارَتَنَا فِي ظاهِرِهَا فَإِنَّهُ فِي الحَقِيقَةِ لاَ يَفْهَمُهَا. إِنَّنَا لَمْ نَتَعَلَّمْ بَعْدُ، وَلاَ المُبَشِّرُونَ مِنَّا أَيْضًا، أَنْ نَتَفَهَّمَ الزِّنْجِيِّ فِي خَصَائِصِهِ المُمَيِّزَةِ لَهُ. إِنَّنَا لَمْ نُكَلِّفْ أَنْفُسَنَا عَنَاءَ الاِهْتِمَامِ بِفَهْمِ حَضَاَرتِهِ وَبِتَرْقِيَةِ حَضَارَتِهِ بِعَوَامِلَ مِنْ حَضَارَتِنَا وَبِالنَّصْرَانِيَّةِ. وَبَدَلاً مِنْ أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ رُحْنَا نَهْدِمُ حَضَارَتَهُ ثَمَّ نُحَاوِلُ أَنْ نُبْدِلَهَا بِحَضَارَتِنَا وَهَكَذَا نَجِدَنَا مُعَرَّضِينَ إِلَى أَنْ نَجْعَلَ مِنَ الزِّنْجِيِّ صُورَةَ شَوْهَاءَ لِلأُورُوبِيِّ، بَيْنَمَا الإِسْلاَمُ يَجْعَلُ
стр. 245
مِنْهُ أَفْرِيقِيًّا يَحْتَرِمُ نَفْسَهُ. وَفَوْقَ ذَلِكَ لاَ نَجِدُ الزِّنْجِيِّ المُتَمَدْيِنَ بِالمَدَنِيَّةِ الأُورُوبِّيَّةِ يُبْلُغُ تِلْكَ المُسَاوَاةِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ التِي يُبْلِغُهُ إِيَّاهَا الإِسْلاَمُ بِطَبِيعَةِ الحَالِ. ثَمَّ إِنَّ هُنَالِكَ نَفَرًا مِنَ الأُورُوبِّيِّينَ قَلَّمَا كَلَّفُوا أَنْفُسَهُمْ عَنَاءً فِي إِخْفَاءِ حَقِيقَةٍ (عِنْدَهُمْ) هِيَ أَنَّ «الأَسْيُودَ» (١) المَسِيحِيَّ لاَ يَزَالُ مُحْتَقَرًا فِي أَعْيُنِهِمْ كَالزِّنْجِيِّ الذِي يَسْكُنُ الأَدْغَالَ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّادِرِ أَنْ تَرَى هَؤُلاَءِ يَنْتَهِزُونَ كُلَّ فُرْصَةٍ يَظْهَرُونَ فِيهَا تَفْضِيلَهُمْ لِلْسُّودِ المُسْلِمِينَ (عَلَى السُّودِ المُتَنَصِّرِينَ). تِلْكَ الحَقِيقَةُ وَحْدَهَا تُفَسِّرُ لَنَا بِكُلِّ وُضُوحٍ وَاقِعًا هُوَ أَنَّ الأَفْرِيقِيِّينَ الذِينَ تَلَقَّوْا فِي المُدَّةِ الأَخِيرَةِ تَعْلِيمًا مَسِيحِيًّا قَدْ انْقَلَبُوا دُعَاةً لِلإِسْلاَمِ. وَبِمَا أَنَّ الأَفْرِيقِيِّينَ لاَ يَأْمَلُونَ أَبَدًا أَنْ يَنَالُوا (بِالنَّصْرَانِيَّةِ) مَقَامًا اِجْتِمَاعِيًّا مُسَاوِيًا لِمَقَامِ إِخْوَانِهِمْ فِي العَقِيدَةِ مِنَ النَّصَارَى الأُورُوبِّيِّينَ، فَقَدْ نَشَأَ فِيهِمْ اِسْتِعْدَادٌ لأَنْ يَرَوْا فِي الإِسْلاَمِ الدِّينَ (الوَحِيدَ) لِلأَفْرِيقِيِّ الحَدِيثِ».
المُسْلِمُونَ فِي الحَبَشَةِ:
إن البحث في شأن المسلمين في الدول غير الإسلامية لا يدخل، من حيث المبدأ، في نطاق هذا الكتاب. غير أن شأن المسلمين في الحبشة جزء متمم في هذا النطاق. إن ملوك الحبشة النصارى أرادوا في القرن التاسع عشر أن يحملوا المسلمين الأحباش بالقوة على اعتناق النصرانية أو على مغادرة الحبشة. ثم إن (ثِيُودُورْ) ملك الحبشة أراد أن يحالف بريطانيا ضد الدول الإسلامية المجاورة له وخصوصًا مصر، ثم كتب بذلك رسالة إلى الملكة (فيكتوريا) في عام ١٨٦٣. ولكن رسالته بقيت بلا رَدٍّ فَعَدَّ (ثِيُودُورْ) ذلك إهانة وسجن القنصل الإنجليزي والمبشرين البروتستانت الذين كانت الحكومة الحبشية قد سمحت لهم بالتبشير بين رعاياها المسلمين (٢). ومنذ عامين سمحت الحكومة الحبشية للولايات المتحدة الأمريكية بإنشاء محطة إذاعية تبشيرية في أديس أبابا اسمها «صوت الإنجيل».
وجاء الملك (يُوحَنَّا) فأمر بتعبئة عامة ثم أعلن حربًا صليبية على المسلمين. ووصف الجنرال (غوردن) المَلِكَ (يُوحَنَّا) هذا فقال (٣): «إِنَّهُ مِثْلِي مُتَعَصِّبٌ فِي الدِّينِ. إِنَّهُ يَشْعُرُ أَنَّهُ يَحْمِلُ رِسَالَةً وَأَنَّهُ سَوْفَ يُحَقِّقَهَا: تِلْكَ الرِّسَالَةُ هِيَ أَنْ يُنَصِّرَ جَمِيعَ المُسْلِمِينَ».
стр. 246
وقد اتفق أن الحكومة الحبشية استطاعت من طريق القهر أَنْ تُنَصِّرَ بعض المسلمين ولكن جماعات كثيرة من أولئك المقهورين على تبديل دينهم خرجوا من الكنيسة التي عمدوا فيها إلى المساجد ليعودوا إلى إيمانهم. ولم يكن لذلك نتيجة إلا ازدياد العداوة بين المسلمين والنصارى من الأحباش (١).
والنصارى في الأصل أقلية في الحبشة، ولكن الاستعمار البريطاني خاصة هو الذي يدعم الأسرة المسيحية الحاكمة على كثرة من المسلمين يتكلم العديد منهم اللغة العربية ويعرفون جمعهم اللغة العربية لأنها لغة الإسلام.
وبعد الحرب العالمية الثانية أضاف الاستعمار البريطاني الأمريكي ظلمًا جديدًا إلى الظلم القديم فأضاف " إيرتريا " إلى الحبشة وأخضعها للأسرة المسيحية الحاكمة. إن الكثرة المطلقة من أهل " إيرتريا " مسلمون. من أجل ذلك لما أجبر الاستعمار على مغادرة " إيرتريا " المسلمة فضل أن تكون تلك المقاطعة تحت حكم ملك مسالم للسياسة العربية ومستند في حكمه وسياسته إليها على أن تكون دولة مسلمة مستقلة.
ونحن إذا كَرَّرْنَا النظر في المقاطعات الأفريقية التي استقلت، بعد الحرب العالمية الثانية، وجدنا أن الاستعمار قد أقام قبل مغادرته تلك البلاد حكومات أكثرها من الصابئين إلى النصرانية، مع أن الكثرة المطلقة من أهل تلك الدول الجديدة مسلمون. غير أن الاستعمار لم ينل من ذلك مآرب كثارًا. إن معظم هؤلاء أصبحوا يشعرون أنهم مسؤولون أمام قومهم قبل أن يكونوا مسؤولين أمام الدول الأجنبية التي مهدت لهم سبيل الحكم لأنهم صابئون. ولما خاب ظن الاستعمار في (باتريس لومومبا) في الكونغو، وجدنا (باتريس لومومبا) يسقط صريعًا في أحوال غامضة، إذا لم تكن من تدبير الاستعمار فإنها كانت على الأقل تتمتع بحماية الاستعمار. وبعد مقتل (لومومبا) وجدت أسرته ملجأ أمينًا ورعاية عطوفًا في الجمهورية العربية المتحدة لا في بلجيكا التي تمتعت بخيرات الكونغو اِسْتِيلاَءً وَنَهْبًا قَرْنًا كَامِلاً مِنَ الزَّمَنِ.
стр. 247
ثَلاَثَةُ مَلاَحِقَ:
في الآراء الجانبية أحيانًا دلالات فوق ما في الآراء المقصودة بالتعبير. قد نجد في كتاب يبحث في الأدب أوالموسيقى أو العلم حقائق تاريخية اجتماعية قد لا نجدها في الكتب التي ألفت في التاريخ وفي علم الاجتماع.
في هذا الفصل القصير ثلاث حقائق من هذا الباب:
المُلْحَقُ الأَوَّلُ: حِزْبُ البَعْثِ (١): المَارْكْسِيَّةُ وَالقَوْمِيَّةُ العَرَبِيَّةُ:
يرى (ميشال عفلق) (٢) في الأحزاب الشيوعية العربية أحلافًا طبيعية للمستعمرين والرجعيين وخصومًا ألداء للحركات التقدمية العربية. ومع ذلك فإن (ميشال عفلق) يقول: «إِنَّ حِزْبَ البَعْثِ مَدِينٌ فِي جَانِبٍ وَاسِعٍ مِنْ بَرْنَامَجِهِ الاِشْتِرَاكِيِّ لِلْمَارْكْسِيَّةِ». وسئل (ميشال عفلق) عن أصحاب الفلسفات من الغربيين الذين يمكن أن يكونوا قد أثروا في توجيه تفكيره، فقال: «وَلاَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ. لَقَدْ قَرَأْتُ كَثِيرًا فِي شَبَابِي، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا قَرَأْتُ لِيُغَذِّي العَاطِفَةَ التِي أَرَدْتُهَا أَنْ تَكُونَ عَرَبِيَّةً بِكُلِّ مَا فِي الكَلِمَةِ مِنْ مَعْنَى. ثُمَّ إِنَّ صِلَتِي بِالتَّيَّارَاتِ الفِكْرِيَّةِ الغَرْبِيَّةِ قَدْ اِنْقَطَعَتْ مُنْذُ بِدَايَةِ الحَرْبِ العَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ».
ليس لنا في هذا المقام إلا الإشارة إلى الجانب الماركسي (الشيوعي) الذي كان البرنامج القومي العربي في رأي (ميشال عفلق) مَدِينًا لَهُ؛ من غير جدال في الموضوع.
стр. 248
المُلْحَقُ الثَّانِي: زِيَارَةُ البَابَا لِفَلَسْطِينَ:
زار (البابا بولص السادس) فلسطين زيارة بدأت في صباح اليوم الرابع من شهر كانون الثاني (يناير - جانفي) من عام ١٩٦٤ ثم انتهت بعد ظهر اليوم السادس من الشهر نفسه (١).
لقد كانت هذه الزيارة مفاجئة للعالم لأن البابا في العادة منذ الزمن الأقدم لا يغادر مقره في الفاتيكان، ولأن الزيارة نفسها إلى فلسطين بالذات تحتمل تأويلات كثيرة شتى.
ونحن هنا لا نتعرض لتكهنات الصحافة العالمية ولا لتعليقات المعلقين في الدوائر الدولية، لأن الإنسان لا يمكن أن يخرج من تأويلات المتأولين وتعليقات المعلقين إلا بلغز أشد استغلاقًا من لغز الزيارة نفسها.
قبل ظهر الأربعاء في الثامن من شهر كانون الثاني استقبل (البابا بولص السادس) نحو ثلاثة آلاف من الزوار إلى روما وخطب فيهم خطبة كانت الخطبة الأولى له بعد رجوعه من فلسطين. في هذه الخطبة نوه البابا بمكانة روما في الرسالة الروحية للكنيسة.
وصفت جريدة " إل تمبو " (٢) هذه الخطبة بأنها أهم الخطب التي ألقاها (البابا بولص السادس) إلى الآن. وقد أكد البابا في هذه الخطبة رسالة الكنيسة لنشر البشارة الطيبة (النصرانية) في العالم كله. ثم تتكلم الجريدة المذكورة، وهي تعلق على خطاب البابا، على عظمة رومية فتقول:
«إِنَّ الطُّرُقَ التِي كَانَ بِإِمْكَانِ العِنَايَةِ الإِلَهِيَّةِ أَنْ تَخُطَّهَا لِتَنْصِيرِ العَالَمِ لاَ تُحْصَى. وَلَكِنَّ الحَقِيقَةَ الوَاقِعَةَ أَنَّ اللهَ قَدْ اِخْتَارَ رُومَا لِهَذِهِ المُهِمَّةِ، لاَ فِي المَاضِي فَحَسْبَ حِينَمَا اِنْقَرَضَتْ الإِمْبْرَاطُورِيَّةُ وَتَرَكَتْ تِلْكَ المُؤَسَّسَةَ الوَاسِعَةُ الخَطِيرَةَ إرثًا لِرُومَا بَلْ اليَوْمَ أَيْضًا ...».
وفي الشواهد التي اختارتها الجريدة من خطبة البابا فقرات لا تبعد عن ذلك كثيرًا. وقد أحببت (*) أن أحصل على نص الخطاب كاملاً فكتبت إلى الملحق الصحافي في سفارة الفاتيكان في بيروت في هذا الشأن. وقد تلطف الملحق الصحافي فاتصل بي بالهاتف ثم أرسل إِلَيَّ بضعة أعداد من العدد الأسبوعي لجريدة " الرقيب الروماني " (٣) فيها أشياء كثيرة عن رحلة البابا ومن خطبه، ولكن لم يكن في تلك الأعداد ذلك الخطاب الذي
стр. 249
أحببت أن أراه كاملاً. من أجل ذلك اكتفيت مكرهًا بالإشارة إلى ما نشرته جريدة " أل تمبو ".
المُلْحَقُ الثَّالِثُ: مِنَ الحَمَلاَتِ عَلَى الثَّقَافَةِ العَرَبِيَّةِ: (١)
في مطلع عام ١٩٦٢ نشرت المطبعة التابعة لجامعة كاليفورنيا (الولايات المتحدة) كتابًا عنوانه: " الإسلام الحديث " (المعاصر) يبحث عن شخصية ثقافية (٢) للدكتور (غوستاف فون غرونيباوم).
إن عنوان الكتاب يدل على المقصد من وضعه: معنى العنوان أن الإسلام في العصر الحاضر حائر يبحث عن ثقافة يرى فيها صورة نفسه. والكتاب في معظمه تشكيك في قيمة الأدب العربي وفي قيمة الإسلام. على أن وضع هذا الملحق الثالث راجع إلى أمور منها أن الدكتور (غرونيباوم) يحمل على أحدنا (٣) حملة ظاهرها غير باطنها. هذه الحملة يمكن تفنيدها وإظهار التحامل واضحًا فيها إذا اعتبرنا الأمور التالية:
أ - الدكتور (غرونيباوم) يهودي تخرج، فيما أذكر، في فْيِينَّا قبل أن أتخرج أنا في ألمانيا بعام أو عامين. ولما نشرتُ أطروحتي: " صورة الإسلام كما تبدو في الشعر العربي من الهجرة إلى وفاة عمر بن الخطاب " (٤) أذكر أنه نشر عنها كلمة طيبة. ونحن لم نلتق إلى الآن قط، وإن كنت أنا أعرف كتبه، وهو فيما يبدو يعرف عددًا من كتبي. وليس من الغريب أن يكون اتجاهي في عدد من كتبي مخالف لاتجاهه في عدد من كتبه.
ب - ينتقد الدكتور (غرونيباوم) عددًا من الأقوال التي وردت في كتابي " عبقرية العرب " انتقادًا يظهر فيه التحامل وصرف الجمل عن معانيها وتشويه تلك الجمل. ولا ريب في أن الدكتور (غرونيباوم) لا يرمي إلى انتقادي شخصيًا بقدر ما يريد أن يحط من شأن النتاج العربي الإسلامي في الثقافة، كما هو ظاهر في موقفه من الجمل التي ينتزعها من كتابي ومن الجمل التي ينتزعها من أقوال غيري. ثم إن اتجاهه في كتابه دَالٌّ على ذلك.
стр. 250
ج - يورد الدكتور (غرونيباوم) (ص ١٥٠) جملة يجمع محتواها من كتاب لمالك بنبي (بن نبي) وكتاب لطه حسين وكتاب لي، فِيمَا يَدَّعِي. الجملة غامضة جِدًّا. على أن المكان الذي يشير إليه (غرونيباوم) من كتابي " عبقرية العرب " فيه أن العرب كانوا متسامحين ومتواضعين في بذل العلم لجميع الناس على السواء؛ أما (غرونيباوم) فيذكر أن المؤلف قال ذلك بنفخة من الغرور والاستكبار، ولا أعلم أي المؤلفين الثلاثة عَنِيَ. أما أنا فإن كتابي " عبقرية العرب " قد بنيته على فكرة أثبتها في المقدمة من الطبعة العربية الثانية (ص ٦ - ٧)، وهي أن العرب يجب أن ينظروا من غير أن يلهيهم التحدث بمجد أسلافهم عن الانتاج المنتظر منهم. ثم إنني استشهدت في هذه المناسبة نفسها ببيت الشاعر:
أَلْهَى بَنِي تَغْلِبٍ عَنْ كُلِّ مَكْرُمَةٍ • ... • ... • قَصِيدَةٌ قَالَهَا عَمْرُو بْنُ كُلْثُومِ!
كأني أقرع الذين يفعلون ذلك من العرب.
د - على أن الذي كان يجب على الدكتور (غرونيباوم) أن يخجل منه ولا يغرر فيه بقرائه الشاهد التالي:
في كتابي " عبقرية العرب " مقطع عن الدور الذي قام به العرب بنقل الفلسفة من العالم اليوناني القديم إلى العالم الأوروبي في العصور الوسطى. في هذا الشاهد: «وَلَوْلاَ ذَلِكَ ... لَمَا أَمْكَنَ الغَرْبَ اللاَّتِينِيَّ الكَاثُولِيكِيَّ أَنْ يَتَّصِلَ بِالغَرْبِ اليُونَانِيِّ الأُرْثُوذُكْسِيِّ».
تناول (غرونيباوم) هذه الجملة على الصفحة ١٦٣ ثم على الصفحة ١٦٤ وفي حاشية طويلة على الصفحة ١٦٤ نفسها وَكَذَبَ عَلَيَّ كَذِبًا وَافْتَرَى عَلَيَّ اِفْتِرَاءً أَنَا بَرِيءٌ مِنْهُمَا. إن حملته عَلَيَّ شخصيًا في هذا الشأن، صح أو لم يصح، لا مبرر لها.
قال: «إِنَّ الإِعْجَابَ بِالنَّفْسِ لاَ يَعْرِفُ حَدًّا. إِنَّ السُّنِّيَّ اللُّبْنَانِيَّ عُمَرُ فَرُّوخْ (المَوْلُودُ عَامَ ١٩٠٦) يُؤَكِّدُ لِقُرَّائِهِ الذِينَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بَعْضُ أَفَكَارِهِ قَدْ وَصَلَتْ إِلَيهِمْ، وَبِمِثْلِ هَذَا الشَّكْلِ المُدَوِّي، ... أَنَّ العَرَبَ بَعْدَ أَنْ رَفَعُوا عَنْ أَعَنَاقِ البَشَرِ نِيرَ المَذَاهِبِ القَدِيمَةِ ... أَخْرَجُوا النَّاسَ مِنْ ظُلَمَاتِ الجَهْلَ. وَهُوَ لاَ يَدَّعِي فَقَطْ أَنَّهُ لَوْلاَ النُّقُولِ العَرَبِيَّةِ لِكُتُبِ المُفَكِّرِينَ اليُونَانِيِّينَ لَمَا اِسْتَطَاعَ الغَرْبُ أَنْ يَعْرِفَ النِّتَاجَ الهِلِينِيَّ (الثَّقَافَةَ اليُونَانِيَّةَ)، وَلَكِنْ (يَزِيدُ أَنَّهُ) لَوْلاَ العَرَبُ لَكَانَ مِنَ المُسْتَحِيلِ تَمَامًا عَلَى الغَرْبِ اللاَّتِينِيَّ الكَاثُولِيكِيَّ أَنْ يَتَّصِلَ بِالشَّرْقِ اليُونَانِيِّ الأُرْثُوذُكْسِيِّ».