← История

История · id 117366

أخبار فخ وخبر يحيي بن عبد الله وأخيه إدريس بن عبد الله

أحمد بن سهل الرازي

Полный текст (380 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقال الحسن بن عبد الواحد، قال الجعفري: صار يحيى بن عبد الله إلى مكة مستترا، فوقف على الصّفا فجعل ينادي: رحم الله من يعرف الجمل الأحمر، قال: فكان يمرّ به من بايعه فيعرفه يحيى فيعرض عنه وقد رآه وسمع صوته. قال الجعفري: وحدّثني إدريس ويحيى بذلك فأظنّ، والله أعلم، أنّ القوم لم يكونوا يطمعون (١) في الوصول إلى عسكر الحسين، وما أظنّ ذلك يعذر لهم، والله وليّ العفو عن كلّ (٢) مقصّر. قال: وكان (٣) المتولّي لتدبير الحرب يقطين بن موسى. فجعل محمدا وجعفرا إبني سليمان، مع من حضر من آل سليمان بن علي، ومفضّل الوصيف وصاعد (٤) في الميمنة؛ وجعل موسى بن عيسى [وحسن الحاجب] (٥) ومنارة في الميسرة؛ ويقطين وأولاده في القلب [١]. وذلك يوم التروية [٢]، والتقوا (٦) واقتتلوا بفخّ يومهم ذلك.

стр. 142

قال الحسن بن عبد الواحد (١) حدّثني أحمد بن كثير قال، حدثني إسحاق بن إبراهيم قال (٢): سمعت الحسين ليلة الجمعة حين لقينا أصحاب يقطين، فابتدأ الحسين في كلامه هذا حين لقيناهم، وهو على حمار إدريس والنّاس منصتون له، فقال: يا أهل القرآن، والله إنّ خصلتين أدناهما الجنّة/لشريفتان، وإن يبقكم (٣) الله ويظفركم ليعملنّ (٤) بكتاب الله وسنّة نبيّه، /ولتشبعنّ الأرملة واليتيم (٥)، وليعزّن من أعزّه الله (٦) وأولياؤه، وليذلّن من أذلّه الحقّ وليحكم (٧) من أعدائه (٨). وإن تكن الخصلة الأخرى، فأنتم تبع لسلفكم الصّالح تقدمون عليهم وأنتم داعون إليهم، رسول الله وحمزة وعليّ وجعفر والحسن والحسين وزيد بن عليّ ويحيى بن زيد وعبد الله بن الحسن ومحمد وإبراهيم إبنا (٩) عبد الله؛ فمن أيّ الخصلتين تجزعون! فو الله إن لو لم (١٠) أجد غيري لحاكمتهم إلى الله حتى ألحق بسلفي [١].

стр. 143

وقد حدّثني أيضا أحمد بن حمزة/الرازيّ قال، حدّثنا أحمد بن رشيد عن سعيد بن خثيم الهلالي قال: (١) كنت مع الحسين بن علي (٢)، ﵀، فاجتمعنا إليه قبل اللقاء فقام [فينا خطيبا] (٣)، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا إخوتي وإخواني (٤) وشيعة أبي (٥) ومحبّي جدّي رسول الله، صلى الله عليه، قد (٦) تبيّن لكم ظلم هؤلاء القوم وفسقهم وفجورهم وعداوتهم لله ولرسوله، وسيرتهم في أمّة محمد وارتكابهم المحارم وتعطيلهم الحدود، وشربهم الخمور [وارتكابهم الشرور] (٧) وهتكهم السّتور، واستئثارهم بالفيء، وأمرهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف؛ دعاهم الشيطان فأجابوه واستصرخهم فاتّبعوه، يسيرون فيكم بسيرة القياصرة والأكاسرة، / يقتلون خياركم ويستذلّون فقهاءكم (٨)، يقضون بالهوى ويحكمون بالرّشا، ويولّون السّفهاء ويظاهرون أهل الرّيب والرّدى، يقلّدون إمرة (٩) المسلمين

стр. 144

اليهود والنّصارى، جبابرة عتاة، يلبسون الحرير، وينكحون الذّكور، فكيف لا يغضب أولو النّهى، أم كيف يسوغ (١) الطعام لأهل البرّ والتّقوى، قد درس الكتاب فأوّل على غير تأويله، وغنّي به على المعازف فحرّف عن تنزيله، فلم يبق من الإسلام إلاّ اسمه، ولا من القرآن إلاّ رسمه، فلو أنّ مؤمنا تقطّعت نفسه قطعا، ما كان ذلك (٢) لله رضا بل كان بذلك جديرا عندي (٣). فروحوا بنا إلى الله، واصطبروا لله، فو الله إنّ الراحة منهم ومن المقام معهم في دارهم لراحة، والجهاد عليكم فريضة فقاتلوهم (٤) فإنّ الله تعالى قد فرض قتالهم (٥)، واصبروا أنفسكم ف إِنَّ اَللهَ يُحِبُّ اَلَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (الصف ٦١/ ٤) وكونوا ممّن أحبّ الله والدار الآخرة، وباين اعداءه وآثر لقاءه، عصمنا الله وإيّاكم. قال: وحدثني هارون الوشاء ، قال حدثني عبد العزيز بن يحيى الكنانيّ، ويقال إنّه كان من الدّعاة إلى يحيى بن عبد الله، قال: لمّا صار الحسين إلى فخّ (٦)، خرج يحيى على فرسه يحرّض النّاس؛ قال بعد (٧) حمد الله (٨):

стр. 145

أبشروا معشر (١) من حضر من المسلمين فإنّكم أنصار/الله وأنصار كتابه وأنصار/رسوله ﷺ وأعوان الحقّ، وخيار أهل الأرض، وعلى ملّة الإسلام ومنهاجه الذي اختاره (٢) لأنبيائه المرسلين وأوليائه الصّابرين؛ أو ما سمعتم الله يقول إِنَّ اَللهَ اِشْتَرى مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ [بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي اَلتَّوْراةِ وَاَلْإِنْجِيلِ وَاَلْقُرْآنِ/وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اَللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ اَلَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ، اَلتّائِبُونَ اَلْعابِدُونَ اَلْحامِدُونَ اَلسّائِحُونَ اَلرّاكِعُونَ اَلسّاجِدُونَ اَلْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَاَلنّاهُونَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَاَلْحافِظُونَ لِحُدُودِ اَللهِ] (٣) وَبَشِّرِ اَلْمُؤْمِنِينَ (التوبة ٩/ ١١١ - ١١٢). ثم قال: والله ما أعرف على وجه الأرض (٤) سواكم، إلاّ من كان على مثل رأيكم، حالت بينكم وبينهم (٥) المعاذير، إمّا فقير لا يقدر على ما يتحمّل به إلينا فهو يدعو الله في آناء ليله ونهاره، أو غني بعدت داره منّا فلم تدركه دعوتنا، و (٦) محبوس عند الفسقة وقلبه عندنا [ممن أرجو أن يكون ممّن وفى لله بما اشترى منه] (٧)، فما تنتظرون عباد الله بجهاد من قد أقبل إلى ذرّية نبيّكم (٨) ليسبوا ذراريهم ويجتاحوا بقيّتهم (٩).

стр. 146

ثم قال: اللهم احكم بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الحاكمين. قال: فبرز للقتال (١)، ووجّه إليه موسى بن عيسى وإلى جميع أصحابه يعرض عليهم الأمان [١]، فقال (٢) الحسين: وأيّ أمان لكم يا فجرة؟ المغرور من غرّرتموه بأمانكم، وكيف لا (٣) وأنتم تغرّونه عن دينه بحيلة (٤) يسيرة تطمعونه فيها، /فإذا ركن إليها قتلتموه؛ أليس من وصيّة آبائكم، زعمتم، قتل كلّ متّهم ومن سأل الأمان عند الظّفر به؟ فخرج إليه جميع (٥) من حضر من بني العباس ومواليهم والجند ونقضوا إحرامهم ولبسوا (٦) الأقبية، وبعثوا إليه ثانية (٧) وبذلوا له مالا فأبى إلاّ قتالهم أو (٨) الرجوع عمّا هم عليه من الإثم والعدوان ومعونة (٩) الظالمين. قال: فشدّوا عليه عندما أيسوا (١٠) من خديعته بأمانهم، وحملوا عليه وعلى أصحابه حملة شديدة فثبتوا لهم وقتل منهم جماعة.

стр. 147

فحدثني محمد بن القاسم بن إبراهيم ، وكان إبراهيم بن إسماعيل طباطبا ممن خرج مع الحسين بن علي (١)، قال: كان محمد بن سليمان ابن علي ممّن بعث مع موسى بن عيسى، وكانت أمّه حسنيّة، وهي زينب ابنة جعفر بن الحسن بن الحسن، قال: فلمّا تصافّوا بفخ (٢) خرج محمد من عسكر المسوّدة ولقي (٣) الحسين وسلّم عليه (٤) وقال: والله يا خال ما أشخصني إلى هذه البلد (٥) إلاّ الشفقة عليك والظّنّ بك، ورجاء أن يحقن الله دمك. فقال له الحسين: ما/أعرفني بما (٦) تحاول من خديعتي عن ديني ودنياي، إليك عنّي! فقال له: يا خال لا تفعل، إقبل نصحي (٧) ولا تعرّض نفسك للهلكة فإنّ معي كتابا قد أخذته لك من ابن عمّك الخليفة موسى الهادي بن محمد المهدي بأمانك، وجعل إليّ أن أعرض عليك (٨) كلما أحببت، فصر إلى أيّ بلد من البلدان/شئت (٩) وسمّ ما شئت من الأموال والقطائع والضياع. قال: وأقبل (١٠) عليه الحسين فقال: يا عبد خيزران وخالصة (١١)، أتظنّ أنّي إنّما خرجت في طلب

стр. 148

الدّنيا/التي تعظّمونها أو للرغبة فيما تعرضون عليّ من أموال المسلمين؟ ليس ذلك كما تظنّ، إنّما خرجت غضبا لله ونصرة لدينه وطلبا للشهادة وأن يجعل مقامي هذا حجّة على الأمّة، واقتديت في ذلك بأسلافي الماضين المجاهدين، لا حاجة لي في شيء ممّا عرضت عليّ، وأنا نافذ فيما خرجت له وماض على بصيرتي حتى ألحق بربّي. قال: فلما رأت المسوّدة ثبات أصحاب الحسين وصبرهم، جعلوا لهم (١) كمينا من ورائهم ثمّ استطردوا لهم حتى خرجوا من (٢) الموضع الذي كانوا فيه، وقد الجئوا ظهورهم (٣) إلى الجبل الذي شيّده الحسين بنفسه وأصحابه وقطع مجاز الجّبل فيه بالصخر، وهو على تلك الحال إلى اليوم. فلما خرج عليهم الكمين قاتل الحسين وأصحابه قتالا شديدا حتى كثر فيهم القتل (٤) في الفريقين جميعا، ثم حملت العساكر بأجمعها فصبروا لهم حتى أبيدوا بأجمعهم وقتل الحسين، ﵀، وسط المعركة (٥) وصرع أهله حوله بعد منازلة ومدافعة وصبر عظيم على وقع الحديد. ولقد أخبرني حمدان بن منصور (٦) قال، حدّثني القاسم بن إبراهيم الإمام (٧)، رحمة الله عليه، عمّن ذكره من أصحابه، قال: رأيت (٨) الحسين

стр. 149

والناس في القتال يدفن شيئا (١)، فأتبع ذلك الدّفين فإذا هو (٢) بعض وجهه، ضربة (٣) برت عامّته [١]، فاعتزل حتّى دفنه ثم تلثّم على وجهه وعاود الحرب، رحمة الله عليه. وحدثني أيضا عن محمد بن منصور عن القاسم عن أبيه [٢]: قال قيل للحسين بعدما أثخن الإثخان: فقد أعذرت؛ /فقال: قال رسول الله، ﷺ : «إن الله ليبغض العبد يستأسر (٤) إلاّ من جراحة مثخنة (٥)».

стр. 150

قال: وقال لهم الحسين: يا بني عمّي انحازوا وامضوا إلى بعض النواحي فعسى أن تدركوا بثأرنا يوما من الدهر فإني غير مفارقهم حَتّى يَحْكُمَ اَللهُ بَيْنَناوَهُوَ خَيْرُ اَلْحاكِمِينَ (الأعراف ٧/ ٨٧) فأبوا وصبروا حتى قتلوا قدّامه واحدا واحدا. [هروب من فرّ من الطالبيين إلى الحبشة] وأصابت يحيى بن عبد الله سبعون نشّابة بين/درعه وكبره (١) حتى صار كالقنفذ. وجرح أخوه إدريس بن عبد الله (٢) حتى صبغ (٣) قميصه، وجرح الحسن بن محمد بن عبد الله وفقئت عينه بنشّابة. وكان ممّن ارتثّ (٤) يحيى وإدريس إبنا عبد الله، وإبراهيم بن إسماعيل جدّ (٥) الإمام القاسم (٦) يعرف بطباطبا، وعبد الله بن الحسن الأفطس، جرحى ما فيهم حراك (٧)، فاستدركهم رجل من خزاعة من أهل اليسار، كان سيّد قومه، ويقال: لم يتحرّكوا (٨)، وتعارفوا بالليل، فجزعوا في الجبل حتى صاروا إلى هذا الخزاعيّ، فآواهم عنده/زمانا حتى صلحوا من جراحاتهم وبرئوا من كلمهم وسكن عنهم ألم ذلك، وكفّ الطلب/وعميت

стр. 151

أخبارهم على من (١) وكّل باتّباعهم. ثم أجمع رأيهم على الخروج (٢) إلى الحبشة إلى أن يجعل الله لهم من أمرهم مخرجا. فركبوا البحر جائزين إلى بلاد الحبشة في مركب للخزاعي، ووجّه معهم غلمانه حتى عبروا بهم من معتك إلى عيذاب. واستفظع علي بن إبراهيم ركوب البحر واشمأزّ منه، فسألهم ردّه، فراوده القوم إشفاقا عليه وراجعوه ضنّا (٣) به، فامتنع من ركوبه واستعظم هوله، فألقوه في بعض مناهل (٤) الحجاز فأسرّ نفسه وصار إلى الحجاز (٥)، فتباشر به أهلها، لأنّه كان وأصحابه (٦) في عداد من قتل، فلم يخف مكانه فوشي به إلى خليفة للعمري كان بالحجاز (٧) فأنهى ذلك إلى العمريّ، فهجم عليه وأخذه (٨) وحمل إلى العراق وطرح (٩) في المطبق وأقام (١٠) سنتين، ولخروجه قصّة سنذكر/خبرها في موضعه (١١) إن شاء الله [١].

стр. 152

فلما صار يحيى وأصحابه إلى ملك الحبشة، أعظمهم وأكبر أمرهم وأجزل جوائزهم، فأقاموا عنده خير إقامة في أكرم منزلة، وكان (١) أوّل من رجع منهم: إبراهيم بن إسماعيل طباطبا، وقد ولد له أكابر ولده بها، فصار إلى المدينة فأقام في المدينة متخفّيا بها حينا (٢)، وولد له بقيّة ولده في اختفائه بها، ثم نزع إلى الكوفة يريد البصرة/ومعه زوجته المحمّدية، من ولد محمّد بن الحنفيّة؛ وكان رجل من أهل الكوفة (٣) يخفّ لهم في حوائجهم فلا تأتي فيها موافقة (٤) ويظهر فيها خيانة، فاستراحوا منه إلى غيره (٥)، واستعفوه من نفسه فوشى بهم إلى عامل الكوفة، فأخذ إبراهيم فطرح (٦) في المطبق، وفرّ الرّجل الذي وشى به (٧) من الكوفة، فتبعه فتيان من أهلها حتى قتلاه ناحية (٨) الجبل. ولإبراهيم قصّة سأذكرها إن شاء الله. [عودة يحيى وإدريس من الحبشة] ثم (٩) خرج يحيى وإدريس من الحبشة، فقدما فرع المسور ليلا، فأقاما به زمنا يتشاوران إلى أين يخرجان (١٠) وأي بلد يحملهم ويخفيهم

стр. 153

وشملهم من الخوف، مثل ما كان عرف وتناهى (١) إليهم خبر (٢) علي بن/ إبراهيم، وإبراهيم بن إسماعيل، والقاسم بن محمد بن عبد الله بن حسن (٣)، وموسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (٤). [مقتل القاسم بن محمد بن عبد الله] وكان أمرهم، كما أخبرني (٥) محمد بن يوسف بن إبراهيم بن موسى عن أبيه، قال [١]: لما كان من أمر الحسين، ﵀، بفخ ما كان (٦)، أحضر موسى الهادي موسى بن عبد الله بن الحسن (٧)، والقاسم بن محمد بن عبد الله؛ وقال (٨) للقاسم: والله لأقتلنّك يا ابن الفاعلة قتلة ما قتلها أحد قبلي أحدا قبلك! قال له القاسم: الفاعلة هي الصنّاجة التي اشتريت بأموال المسلمين، أإيّاي (٩) تهدّدني بالقتل (١٠) الذي لم يسبقك إليه ظالم؟ فلأصبرنّ لك صبرا ما صبره أحد قبلي طلبا لمرضات الله وجميل

стр. 154

ثوابه، قال (١): فأمر موسى، لعنه الله [لعنا وبيلا] (٢)، بالمناشير فأحضرت ثم أقيم (٣) على كلّ عضو/منه منشار (٤)، فنشر (٥) وجهه صفحة (٦) واحدة ثم نشروه (٧) عضوا عضوا حتى أتوا على جميع بدنه (٨)، قالوا جميعا (٩): فما تأوّه (١٠)، ﵀ ولا تحرّك (١١) حتى جرّدوا عظامه عن لحمه، وفرّقوا بين جميع أعضائه. فقال له اللعين موسى (١٢): كيف رأيت يا ابن الفاعلة؟ فقال (١٣) له القاسم: يا مسكين لو رأيت/ما أرى من الذي أكرمني الله به في دار المقامة وما أعدّ لك من العذاب [في دار الهوان] (١٤) لرأيت حسرة دائمة وتثبتّ النقمة العاجلة؛ وخرجت نفس القاسم مع آخر كلامه (١٥). [مقتل الحسن بن علي بن الحسن المثلّث] ثم قال موسى للحسن بن علي بن الحسن بن الحسن بن

стр. 155

الحسن بن علي بن أبي طالب: /لأقتلنّك قتلة ما سبقني إليها أحد! قال: إختر شرّهما (١) لك، فأمر ببيت له بابان فملىء تبنا، وأدخله ذلك البيت ودخّن عليه (٢) ثم سدّ (٣) الأبواب وتركه ثلاثة أيام، ثم طلب يوم الثالث فوجد حيّا لم يرزأه ذلك كبير (٤) رزء فأنكر موسى ذلك؛ وقال: والله (٥) لأقتلنّك قتلة يبطل معها سحرك. فشغلته الآكلة وعاجله الله، ، بالنقمة. وحبس (٦) الحسن مع خاله موسى (٧) ثم أطلق وعاش [بعد ذلك] (٨) أربعين سنة إلاّ أنّه ذهب بصره، فكان يقال له: حسن المكفوف، كان ينزل ينبع وكان أعلم أهل زمانه؛ ولم يبق للحسن بن الحسن (٩) نسل إلاّ من ولده [١]. [العفو عن إبراهيم بن اسماعيل طباطبا] قالوا: (١٠) ولما جيء بإبراهيم بن إسماعيل جعل موسى يقرعه بخروجه مع الحسين حتى كاد أن يأمر به، فقال له إبراهيم: يا أمير المؤمنين إن كنت ترحم (١١) في العقوبة/رحمة الله فلا تزهدنّ عند المعافاة

стр. 156

في الآخرة، فأمر (١) به إلى السجن بعدما كان همّ به [١]. قال: وكان محمد بن إبراهيم الإمام (٢) قد تزوّج فاطمة ابنة عبد الله ابن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن (٣) فسألته أن يتكلم في عمها، وكانت عنده أثيرة (٤)، فتكلّم فيه فأطلق وصار إلى الحجاز ومات به بعد حين. قال المدائني: فلما قتل من قتل منهم وعذّب من عذّب، نودي فيهم بالأمان، فقال يحيى: وأيّ أمان لكم يا فسقة؟ وكاتب يحيى الناس ولقيه (٥) العلماء من أهل الأمصار، فأجابه خلق كثير.

стр. 157

(١) أخبار يحيى وإدريس ابني عبد الله بن الحسن ﵈ (١) وقد (٢) أخبرني هارون بن موسى ، قال: حدثني عبد العزيز بن يحيى الكناني، قال: لما انصرف يحيى وإدريس من أرض الحبشة، كاتب النّاس وواعدهم الموسم بمنى في شعب الحضارمة. قال: فوافاه سبعون رجلا من خيار أهل الأرض في ذلك الزمان؛ قال: وكان فيهم جماعة من أهل مكّة. قال هارون، وكأنّه أومى إلى أن يكون كان (٣) فيهم ولم يصرّح بذلك ، قال: /وشاورهم (٤) فأشاروا عليه واتّفق رأيهم على أن يوجّه في أمصار المسلمين ويستنصرهم على جهادهم فإنّه ما من أعمال/البرّ شيء (٥) يعدل عند الله جهادهم (٦) ولا أفضل من نصرتهم عليهم. قال: (٧)

стр. 158

فاستخار الله/وكاتب أهل الآفاق ووجّه إليهم الرّسل؛ فوجّه إلى أهل العراق ثلاثة، وإلى أهل المغرب ثلاثة ومعهم أخوه إدريس، وقال له: يا أخي إنّ لنا راية في المغرب تقبل في آخر الزّمان فيظهر الله الحقّ على أيدي أهلها فعسى أن تكون أنت أو رجل من ولدك. فتوجّه إدريس إلى المغرب مع أصحابه فصار إلى القيروان ثم إلى الزّاب ثم إلى مليانة، ثم صار إلى طنجة فأعظمه أهلها وأكرموه؛ وقاتل عبد الوهاب بن رستم فأزاله عن بعض تلك المخاليف واتّسع (١) سلطانه وتزايد أمره وأقام زمانا، حتى دسّ إليه هارون الرشيد من قتله بالسّمّ؛ وله قصّة ولمن وجّه إليه سأذكرها في موضعها إن شاء الله [١]. [بث الدّعاة والرسائل] قال (٢): ووجّه إلى مصر وما يليها ثلاثة؛ وكتب معهم إبراهيم بن محمد ابن أبي يحيى الفقيه (٣)، الذي يقال له (٤) أستاذ محمد بن إدريس الشافعي وكان من دعاة يحيى ومن أجلّة أصحابه وأهل زمانه (٥)، إلى أبي محمد الحضرمي كتاب (٦) فيه (٧): [٢]

стр. 159

بسم [الله الرّحمن الرّحيم] (١). سلام (٢) عليك، فإنّي أحمد الله إليك (٣) الذي لا إله إلاّ هو، وأسأله/أن يصلّي على محمد عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى المستوجبين الصّلاة من أهله. أمّا بعد، فقد بلغني حبّك أهل بيت نبيّك عامة ويحيى بن عبد الله خاصة، لمكان النبيّ، ﷺ منهم، ولموضعهم الذي فضّلهم الله به من بيننا (٤)، فلقد وفّقت لرشدك بمودّتك لهم لأنّهم أحقّ الناس بذلك منك ومن الأمّة، وأقمنهم أن يقرّبك حبّهم إلى ربّك لأنّهم أهل بيت الرّحمة وموضع العصمة وقرار الرّسالة، وإليهم كان مختلف الملائكة، وأهل رسول الله وعترته؛ فهم معدن العلم وغاية الحكم [١]؛ فتمسّك بصاحبك واستّظلّ بظلّه وأعنه على أمره وارض (٥) به محلا ولا تبغ به بدلا، فإنّه من شجرة باسقة الفرع (٦)، طيّبة النّبع، ثابتة الأصل، دائمة/الأكل، قد ساخت عروقها فهي طيّبة الثّرى، واهتزّت غصونها فهي تنطف النّدى، وأورقت منضرة، ونوّرت مزهرة، وأثمرت مورقة (٧)، لا ينقص ثمارها

стр. 160

الجناة، /ولا شرعها (١) السّقاة، فمن نزل بها وآوى إليها ورد حياضا تفيض، ورعى رياضا لا تغيض، وشرب شربا (٢) روّيا هنيّا مريّا متلئلئا غريضا فضيضا، فروّى وارتوى وأروى من رواء (٣) بدلاء ملاء مبذولة غير ممنوعة، معروضة غير مقطوعة. فاستمسك بالعروة الوثقى من معرفة حقّ الله عليك في نصرة يحيى وتحريم حرمته، واستغنم الظّفر بما يلزمك من حفظه بمكان النبيّ، ﵇، ومكان الوصيّ بعده الإمام، ومكان أهله منه، وحفظ دين الله خاصة (٤)، وفي أهل البيت عامّة، وأحببهم (٥) جميعا حبّا نافعا، واجعل حبّك إيّاهم حبا دائما بغير (٦) تقصير ولا إفراط ولا احتراق ولا اختلاق، تجمعهم إذا تفرّقوا ولا تفرّق بينهم إذا اجتمعوا، ولا تصدّق/عليهم أهل الفرية من الرّافضة (٧) الغلاة، فإنّهم العداة (٨) للقائمين بالحقّ من عترة الرسول، وسوء (٩) النّيّة فيهم، والجرأة على الله بالإفك والشنآن، وهم أهل الخلابة (١٠) وقلّة المهابة للعواقب. واعلم أنّ من اعتقد/ترك ما نهي عنه في السّرّ الباطن وأظهر الحقّ في المواطن، ولزم التّقوى، وحفظ حقّ ذي القربى، وتجنّب في

стр. 161

حبّهم الجور والحزونة وسلك الطريقة الوسطى وسار فيهم بالقسط والسّهولة، وأقرّ بالفضل لأهله، وفضّل ذا الفضل بفضله (١)، ودعا إلى الله تعالى وإلى كتابه وسنّة نبيّه ولم ير الإغماض في دينه ولم ينقض مبرما، ولم يستحلّ محرما، فمن كانت هذه صفته لحق بالصّالحين من سلفه وبخير آبائه الطّاهرين (٢). فتدبّر ما وصفت لك وميّزه (٣) بقلبك فإن كنت كذلك لحقت بأهل الولاية الباطنة، والمودّة الواثنة (٤) التي لم تغيّرها فتنة ولم تصبها أبنة (٥)، فتسكن خير دار عند أكرم/جبّار (٦)، بأهنأ راحة وأفضل قرار، في مكان لا تشوبه المكاره والغلّ، ولا يعاب أهله بسوء الأخوّة والبخل، يتلاقون بأحسن تحيّة، بصدور بريّة (٧) وأخلاق سنيّة، لا تمازجها الرّيبة ولا تشاع فيها (٨) الغيبة، قد وصلهم الله بحبله فاتّصلوا به (٩)، وجمعهم في جواره فاستبشروا به، فعلى ذلك/يتواخون وبه يتواصلون؛ يتحابّون بالولاية، ويتوادّون بحسن الرّعاية فهم كما قال الله

стр. 162

كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ (١) الآية (الفتح ٤٨/ ٢٩). فهم مثل (٢) من خلا من قبلهم مسّتهم البأساء والضّراء، ونالهم المكروه واللأواء والشدّة والأذى، امتحنوا بعظيم المحن والبلوى فصبروا الله على ما امتحنهم به، وأخلصوا لله ما أرادوا منه، فحاباهم (٣) على ما أسلفوا، وكافأهم بجميل ما اكتسبوا، وأحبّهم لعظم (٤) ما صبروا له (٥) وَاَللهُ يُحِبُّ اَلصّابِرِينَ (آل عمران ٣/ ١٤٦). رزقنا الله وإيّاك (٦) تراحم الأبرار، وتواصل الأخيار الذين لهم عقبى الدّار، وفتح لنا ولك أبواب الحكمة، وعصمنا وإيّاك بحبل العصمة، وشملنا (٧) بجميل النّعمة، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته (٨).

стр. 163

[خبر إدريس بن عبد الله] فوجّه في جميع الأمصار ثلاثة ثلاثة، واتّصل خبره (١) بهارون فبثّ في طلبه (٢) العيون والجواسيس ووضع المراصد، ووجّه بصفته إلى جميع العمّال في جميع الآفاق، فكان لا يشار إلى أحد أنّه ذكره أو عرفه إلاّ عذّبه ليأخذ خبره. [قال أبو زيد] (٣)، قال المدائني: فلما اتّفق رأي يحيى على أن (٤) يبعث دعاته في الآفاق وجّه أخاه/إدريس [مع رجلين نحو المغرب، يقال لأحدهما إسحاق بن راشد [١] وذكر الآخر. قال: وأقام يحيى بفرع المسور جمعه يوصي أخاه إدريس] (٥) بن عبد الله، ووجّه معه فليت (٦) بن سليمان إلى مصر برسالة إلى رجل من

стр. 164

الشيعة يعرف بأبي محمد من الحضارمة؛ وكتب إليه إبراهيم ابن أبي يحيى بالرسالة (١) التي قد ذكرتها. وكتب يحيى بن عبد الله إلى واضح مولى منصور، وكان على بريد مصر وكان يتشيّع ويميل إلى الطالبييّن ميلا شديدا، فكتب إليه أن يتلطّف بحمل/إدريس إلى المغرب. [إدريس في مصر] فلما وصل إلى (٢) مصر كان من خبره (٣) كما حدّثني محمد بن عمرو ابن خالد أبو علاثة (٤) قال، حدّثنا أخي (٥) أبو خيثمة علي بن عمرو بن خالد قال، حدّثنا إبراهيم بن أبي أيّوب، قال: لمّا قدم إدريس إلى (٦) مصر يريد المغرب بلغ هارون الرشيد خبره، فجمع القوّاد وشاورهم، قال (٧): حدث من أمر إدريس كذا وكذا فأشيروا عليّ في أمره؟ فقالوا: نرى (٨) أن تبعث في طلبه العساكر، فقال: ليس هذا برأي (٩)، ولكن اطلبوا لي رجلا ثقة ناصحا لهذه الدولة أوليّة بريد مصر؛ فأشاروا عليه بشماخ (١٠) /اليمامي. فقدم شماخ مصر (١١) وعلى بريدها واضح.

стр. 165

قال أبو علاثة في خبره: قال فقال له الرشيد: انطلق إلى مصر فاسأل (١) عن خبر إدريس وابحث عنه، فإن قدرت عليه فذاك وإن خبرت (٢) أنّه قد نفذ إلى المغرب فاطلب رجلا تعطيه ثلاثين ألف دينار على أن تجعل (٣) له منها خمسة عشر ألفا وتواضعه الباقي على (٤) أن يشتري بها جهازا ويخرج إلى المغرب على أنّه إذا جاوز رأس [الجسر] (٥) ربط في وسطه كشتبر (٦) ويقول إنّه يهودي. قال: فقدم الشماخ إلى مصر، وموسى ابن عيسى عليها، قال: فجاء رجل إلى موسى بن عيسى [١]، فقال (٧): هذا

стр. 166

إدريس؛ وكان هوى موسى لا يأخذ على يديه، فقال للسّاعي: هل علمت شريطتنا في إدريس؟ قال: ما هي أصلح الله الأمير؟ قال: إن دللتنا عليه وصدقتنا عنه أمرنا لك بألف دينار، وإن طلبناه فلم (١) نجده ضربناك في الموضع الذي زعمت أنّه فيه، كذا وكذا سوطا (٢)، قال: قد رضيت؛ قال: ادعوا بفلان (٣) وابعثوا إلى الشماخ، وجعل يبعث إلى القواد قائدا قائدا حتى شاع (٤) الخبر وبلغ إدريس، فخرج (٥) من الموضع الذي كان فيه. قال أبو عبد الله (٦): قال الذي كان إدريس نازلا في داره رافعا صوته إِنَّ اَلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ (٧) /لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ اَلنّاصِحِينَ (القصص ٢٨/ ٢٠). فلما وقع القول في مسامع إدريس علم أنّه قد رهق فطرح ثيابه/واتّخد (٨) شملة وخرج في هيئة رثّة تشبه

стр. 167

هيئة السّؤّال، فجاز بالقوم فعرفه (١) واضح فصار به إلى منزله وحمله من ساعته على (٢) البريد إلى أرض المغرب. [إدريس في أرض أفريقية/القيروان] قال أبو علاثة: جاء بهم الرجل إلى الدار التي كان يسكنها آل بيان الدورقي اليوم بحضرة مسجد عبد الله (٣)؛ فوجد آثاره (٤) ولم يوجد إدريس، فضرب الساعي [على بابها وفاتهم إدريس] (٥) وصاحباه. فوقعوا بأرض افريقية (٦)، وكان الغالب على أهلها الخوارج والمعتزلة. وكان أحد الرّجلين اللذين مع إدريس من أهل البصرة، من شيعة أخيه (٧) إبراهيم ابن عبد الله، معتزليّا بليغا خطيبا. فكاتبهم إدريس، وكلّمهم البصريّ وكان حسن البيان، فسارع الناس إلى إدريس واتّبعوه، واتّصل خبره بروح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب [١]، فوجّه في طلبهم (٨) الخيل فأحاطت بالموضع/الذي هو فيه (٩)، [خروجه إلى جبال نفوسة] فركب إدريس وسبق إلى جبال

стр. 168

نفوسة وهي قبيلة من قبائل البربر خوارج، فمنعوه من أن يصل (١) إليه أصحاب روح ووقعت بينهم حرب شديدة/قتل فيها عالم من النّاس. فكتب الموجّه في طلبه إلى روح يعلمه ذلك فكتب روح إلى عبد الوهّاب بن رستم أن هذا إدريس بن عبد الله، وأنت عارف بعداوته لك ولمن مضى من سلفك ولو ظفر بك لتقرّب بدمك إلى الله، ونحو ذلك. فلما ورد كتابه على عبد الوهاب كتب إلى أهل نفوسة يأمرهم أن يشدّوه وثاقا ويحملوه (٢) إليه فإنّه لا تؤمن (٣) الفتنة به. وكان إدريس قد دعا [أهل نفوسة] (٤) إلى حقه وبيّن لهم خطأ ما هم عليه من البراءة من علي بن أبي طالب، فاستجاب له منهم خلق وأبى ذلك أكثرهم، فلما ورد عليهم (٥) كتاب عبد الوهّاب اختلفوا، فقال المجيبون لإدريس (٦): كيف نحمل ابن رسول الله، ﵌، إلى شيطان مارد (٧) وقد استجار بنا، لاها الله (٨) ما إلى خذلانه

стр. 169

سبيل، قال: فلما رأى أهل الرأي منهم الاختلاف خافوا أن يتفانوا فمشى بعضهم إلى بعض/في أمره فاتفقوا على (١) أن يحملوه إلى حيث يأمن، ورضي إدريس منهم بذلك. وكان إدريس قد كاتب قبائل البربر أهل شلف (٢) وتاهرت وزناته وزواغة وصنما (٣) وصنهاجة ولواته/فاستجابوا له ووعدوه النصر (٤) والقيام معه حتى يبلغ ما يريد أو يموتوا عن آخرهم. وهذه رسالته إليهم كما قال الحسن بن علي بن محمد بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب [١]: بسم الله الرحمن الرحيم (٥). الحمد لله الذي جعل النّصر لمن

стр. 170

أطاعه، وعاقبة السّوء لمن عند عنه، ولا إله إلاّ الله المتفرّد بالوحدانية، الدّالّ على ذلك بما أظهر من عجيب حكمته ولطيف تدبيره، الذي لا يدرك إلا بأعلامه [وبيّناته، سبحانه منزّها عن ظلم العباد وعن السّوء والفحشاء (١) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ (الشورى ٤٢/ ١٠)] (٢). وصلّى الله على محمّد عبده ورسوله وخيرته من جميع خلقه، انتخبه واصطفاه، واختاره وارتضاه، صلوات الله عليه وعلى آله أجمعين. أما بعد، فإنّي أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه صلّى الله عليه، وإلى العدل في الرعيّة والقسم بالسّويّة، ودفع المظالم (٣) والأخذ بيد المظلوم، وإحياء السّنّة وإماتة البدعة، وإنفاذ حكم الكتاب على القريب والبعيد، فاذكروا الله في ملوك تجبّروا وفي الأمانات خفروا (٤)، وعهود الله وميثاقه نقضوا، /وولد نبيّه قتلوا، وأذكّركم الله في أرامل افتقرت، ويتامى ضيّعت، وحدود عطّلت وفي دماء بغير حقّ سفكت؛ فقد (٥) نبذوا الكتاب والإسلام [وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون] (٦)، فلم يبق من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه، واعلموا عباد الله أنّ ممّا أوجب الله على/أهل طاعته المجاهدة لأهل عداوته ومعصيته باليدّ واللّسان، فباللسان الدعاء إلى الله بالموعظة

стр. 171

الحسنة والنّصيحة والتّذكرة، والحضّ على طاعة الله والتّوبة عن (١) الذّنوب والإنابة (٢) والإقلاع والنّزوع عمّا يكره الله، والتّواصي بالحقّ والصدق والصّبر والرّحمة والرّفق، والتّناهي عن معاصي الله كلّها، والتّعليم والتّقويم لمن استجاب/لله ولرسوله، حتى تنفذ بصائرهم، وتكمل نحلتهم وتجتمع كلمتهم، وتنتظم إلفتهم؛ فإذا اجتمع منهم من يكون للفساد دافعا، وللظّالمين مقاوما، وعلى البّغي والعدوان قاهرا، أظهروا دعوتهم وندبوا العباد إلى طاعة ربّهم، ودافعوا (٣) أهل الجور عن ارتكاب ما حرّم الله عليهم، وحالوا بين أهل المعاصي وبين العمل بها فإنّ في معصية الله تلفا لمن ركبها (٤)، وهلاكا لمن عمل/بها؛ ولا يؤيسنّكم (٥) من علوّ الحقّ وإظهاره قلّة أنصاره، فإنّ فيما بدىء به من وحده: النّبيّ، صلى الله عليه، والأنبياء الدّاعين إلى الله قبله، وتكثيره إيّاهم بعد القلّة، وإعزازهم بعد الذّلّة، دليل بيّن وبرهان واضح، قال الله وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ (آل عمران ٣/ ١٢٣) وقال وَلَيَنْصُرَنَّ اَللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اَللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٦) (الحج ٢٢/ ٤٠) فنصر الله نبيّه وكثّر جنده وأظهر حزبه، وأنجز وعده، جزاء من الله سبحانه (٧) وثوابا لفعله وصبره وإيثاره طاعة ربّه ورأفته بعباده ورحمته وحسن قيامه

стр. 172

بالعدل والقسط في بريّته، ومجاهدة أعدائه وزهده فيما زهّده فيه، ورغبته فيما ندبه الله (١) إليه، ومواساته أصحابه، وسعة أخلاقه (٢)، كما أدّبه الله وأمره وأمر العباد باتّباعه وسلوك سبيله، والاقتداء بهدايته (٣) واقتفاء أثره، فإذا فعلوا ذلك أنجز لهم ما وعدهم كما قال إِنْ تَنْصُرُوا اَللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (محمد ٤٧/ ٧) وقال تَعاوَنُوا عَلَى اَلْبِرِّ وَاَلتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَاَلْعُدْوانِ (المائدة ٥/ ٢)، وقال إِنَّ اَللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي اَلْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ اَلْفَحْشاءِ وَاَلْمُنْكَرِ (٤) (النحل ١٦/ ١٠). وكما مدحهم وأثنى عليهم إذ يقول كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ/لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ [وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ (آل عمران ٣/ ١١٠) وقال اَلْمُؤْمِنُونَ وَاَلْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ] (٥) (التوبة ٩/ ٧١). وفرض (٦) الله ﷻ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وأضافه إلى الإيمان به (٧) والإقرار بمعرفته، وأمر بالجهاد عليه والدّعاء إليه فقال (٨) قاتِلُوا اَلَّذِينَ لا/يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ماحَرَّمَ اَللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ (التوبة ٩/ ٢٩)، وفرض قتال المعاندين

стр. 173

عن الحقّ والباغين عليه، ممّن آمن به وصدّق بكتابه حتى يعودوا إليه ويؤمنوا (١)، كما فرض قتال من كفر به وصدّ عنه (٢) حتى يؤمن به (٣) ويعترف بدينه وشرائعه فقال وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمافَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُماعَلَى اَلْأُخْرى فَقاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اَللهِ (الحجرات ٤٩/ ٩)، فهذا عهد الله إليكم، وميثاقه عليكم بالتّعاون على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان (٤)، فرضا من الله واجبا وحكما (٥) لازما، فأين عن الله تذهبون، وأنّى تؤفكون (٦)، وقد جابت الجبابرة في الآفاق شرقا وغربا، وأظهروا الفساد وامتلأت الأرض ظلما وجورا، فليس للّناس ملجأ ولا لهم عند أعدائهم حسن رجاء. فعسى أن تكونوا معاشر إخواننا من البربر اليد الحاصدة للجور /والظلم، وأنصار الكتاب والسنّة، القائمين بحقّ المظلومين من ذرّية النبيين (٧). فكونوا رحمكم الله (٨) عند الله بمنزلة من جاهد مع المرسلين ونصر الله مع النّبيّين (٩)، واعلموا معاشر البربر، أوتيتم (١٠) وأنا المظلوم الملهوف، الطّريد الشريد الخائف الموتور الذي كثر واتروه، وقلّ

стр. 174

ناصروه، وقتل أخوته وأبوه، وجدّه وأهلوه، فأجيبوا داعي الله فقد دعاكم إلى الله، قال الله وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اَللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي اَلْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (الصف ٤٦/ ٣٢)، أعاذنا الله وإيّاكم [من الضّلال، وهدانا وإياكم] (١) إلى سبيل الرّشاد. وأنا إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، رسول الله صلى الله عليه، وعلي بن أبي طالب ﵁، جدّاي، وحمزة سيّد الشهداء وجعفر الطيّار في الجنّة عمّاي، وخديجة (٢) الصدّيقة وفاطمة ابنة أسد الشّقيقة برسول الله جدّتاي، وفاطمة ابنة (٣) رسول الله سيّدة نساء العالمين وفاطمة ابنة (٣) الحسين سيّدة بنات ذراري النّبيّين/أمّاي، والحسن والحسين ابنا رسول الله أبواي، ومحمد وإبراهيم ابنا عبد الله، المهدي والزّاكي أخواي. فهذه دعوتي العادلة (٤) غير الجائرة، فمن أجابني فله ما لي وعليه ما عليّ، ومن أبى فحظّه أخطأ، وسيرى ذلك عالم الغيب والشهادة أنّي لم أسفك له دما ولا استحللت له (٥) محرما ولا مالا. واستشهدك يا أكبر الشاهدين شهادة، وأستشهد جبريل وميكائيل أنّي/أوّل من أجاب وأناب، لبّيك اللهم لبيك (٦)، مزجي السّحاب (٧) وهازم الأحزاب، مصيّر الجبال سرابا (٨)

стр. 175

بعد أن كانت صمّا صلابا، أسألك النصر لولد نبيّك إنّك على ذلك قادر (١). قال: فخرج معه أهل نفّوسة في ألف حتى بلغوا (٢) إلى شلف مدينة يقال لها مليانة، فلما دخلها أجابوه وقال له (٣) أهل الرأي منهم: الرأي أن تحصّن هذه المدينة فإنّك إذا ظفرت بطلبتك لم يضرك تحصينها، وإن هزمت لجأت إليها. فعزم على ذلك (٤) فعاجله عبد الوهاب بن رستم فقاتله مدّة (٥) طويلة وتفانى بينهم ألوف من النّاس [١] /فكانت الهزيمة متى وقعت بعبد الوهّاب ثاب إليه المدد لأنّ البلد بلده وأهل ديانته، ومتى نزلت بإدريس لم يجد غير أصحابه المنهزمين يعاود بهم الحرب. [نزوله في طنجة ومبايعته] فلما رأى إدريس ذلك لحق بطنجة فنزل مدينة يقال لها وليلة. وكان أهل طنجة والسوس الأقصى صفرية ومعتزلة فأجابوه وبايعوه، وكان بعضهم رآه يقاتل بفخ (٦) مع الحسين حتى خضب قميصه بالدّم، فلما رأوه عرفوه فلم ينثنوا عنه وشهدوا له أنّه إدريس الذي قاتل المسوّدة

стр. 176

هو وإخوته وبنو أبيه حتى قتلوا واجتمعوا عليه وقلدوه أمرهم فسار فيهم سيرة أهل الحق وأظهر العدل وقدّم أهل/الفضل ولم يستبد برأيه دونهم. وكان رجلا متواضعا خاشعا كثير الصلاة حسن التلاوة للقرآن في آناء الليل والنهار، فآنسهم ما رأوا منه وألقوا إليه مقاليد أمورهم وفرحوا به وأجمعوا عليه. وأخبرني عيسى بن إدريس عن أبيه/عن إسحاق عن (١) راشد مولاهم قال: لما رأى إدريس رغبة من معه (٢) في الجهاد ندبهم إلى قتال الخوارج، عبد الوهاب بن رستم فإن رزقه الله الظفر سار إلى المسوّدة فأجابوه إلى ذلك، وهذا بعدما أقام بطنجة سبع سنين. فاتّصل الخبر بالفضل بن روح بن حاتم فضاق به ذرعا وعلم أنّه لا طاقة له به إن ظفر بابن رستم، فكتب إلى هارون الرشيد بذلك وأنّه إن ظفر بابن رستم (٣) فلا طاقة له به، وإن ظفر بالقيروان (٤) فلا رادّ له عن مصر. فلما قرأ هارون كتابه وجّه إليه بالأموال والرّجال. [ثورة عبد الله بن الجارود في القيروان] وثار على الفضل بن روح عبد الله بن الجارود الرّبعي [١]، فبلغ

стр. 177

المغيرة بن بشر بن روح المهلبي، عامل الفضل على تونس ذلك وأنّه كاتب إدريس، فبعث بخيل ليأتوه (١) به فلمّا أتوه تنحّى عنهم وأخذ ابنه فأتى به المغيرة، فلما رأى عبد الله ذلك نادى في أصحابه (٢) ثم أتى تونس، فلما رآه المغيرة تحصّن في داره وسأله أمانه على نفسه وأهله حتى يلحق (٣) بالقيروان ويخلي له تونس، فأجابه إلى ذلك؛ فخرج إلى /القيروان [فاجتمع أهل البلد وأهل خراسان والأبناء على عبد الله بن الجارود وأزمعوا] (٤) جميعا على إخراج الفضل من القيروان وجميع آل المهلب، فإن رضي هارون بذلك وإلاّ دعوا إلى إدريس وبايعوا له، فلما اتّصل عزمهم بالفضل وجّه إليهم عبد الله بن سليمان المهلّبي، والجنيد بن سنان (٥)، والنّضر بن العنبر، وجماعة من أصحابه فدعوا عبد الله إلى الصلح فأعطوه (٦) كل ما يريد، فأبى إلا إخراج الفضل ووجّه بخيل فأخذ الجنيد بن سنان (٥) وأبا المغيرة وأبا النضر، فلما رأى عبد الله أنّ أصحابه قد أخذوا أراد أن يخلّصهم من أيديهم، فحمل عليهم فقتلوه /وقتلوا من أصحابه وأفلت بقيّتهم ولحق بالقيروان. فأمر الفضل ببيت

стр. 178

المال ففتح وأعطى أصحابه، وكانت الأموال عنده كثيرة (١) ممّا يبعث إليه هارون (٢) ويمدّه، فجعل أصحابه يأخذون من الأرزاق ويتسلّلون (٣) إلى عبد الله بن الجارود حتى لحق عامّتهم به. فلما كثر عند عبد الله الجموع كتب إلى الفضل يأمره بالخروج عن القيروان فإنّه/لا حاجة للأبناء بولايته فإن فعل وإلاّ حاربه، فأبى الفضل إلاّ محاربته، وأخرج إليهم عبد الله بن يزيد (٤)، ابن عمّه، وابن وقدان الأنصاري وضمّ إليهما/من معه من القواد وأبناء خراسان، والتقوا هم وعبد الله بن الجارود بموضع يقال له طينابس (٥) واقتتلوا قتالا شديدا يوم الأحد والإثنين، وكثرت القتلى بين (٦) الفريقين فانهزم عبد الله بن يزيد بن حاتم وقتل هارون بن وقدان الأنصاري فلحقوا (٧) بالقيروان، واتبعهم عبد الله بن الجارود فدخل القيروان وأمّن الناس وكتب إلى هارون الرّشيد يسأله أن يولّيه على (٨) القيروان وأنّ الأبناء لا ترضى إلاّ به، وحبس الفضل بن روح وهنّاد بن وبره (٩) كاتبه. وكتب إلى الخليفة هارون جماعة الجند إنّا قد رضينا بعبد الله بن الجارود. وثار (١٠) مالك بن منذر الكلبي على عبد الله بن

стр. 179

الجارود فقتلوا محمد بن عبد الله بن الجارود ودعوا إلى إدريس بن عبد الله؛ وكان محمد بن عبد الله بن الجارود على تونس فلحق أصحابه بالقيروان وجلوا (١) عن تونس، فلما صاروا إلى عبد الله بن الجارود أخرج الفضل بن روح فضرب عنقه سنة ثمان وسبعين ومائة. ثم زحف إلى مالك بن منذر الكلبي فالتقوا، فقتل بينهم عالم كثير (٢) وقتل مالك بن المنذر وإنهزم أصحابه. فلما اتّصل الخبر (٣) بهارون الرشيد وجّه يقطين بن موسى صاحب الدّولة، والمهلب بن رافع ليجيبوا عبد الله/بن الجارود إلى كل ما سأل ويضمنوا له جميع ما أحبّ، ووجّه إليه بأموال كثيرة وجوائز وخلع. فلما بلغ عبد الله خبرهم وما جاءوا به (٤) كتب إلى عامله بإطرابلس بحبسهم (٥) قبله لا يخلّيهم حتى يرى رأيه، فحبسوا بها مدّة، ثم إستعمل عبد الله على إطرابلس طالب بن عضين التّميمي وأمره أن ينفذ إليه رسل هارون، فلمّا قدموا عليه أكرمهم وقبض ما معهم من الأموال وردّهم إلى هارون فأعلموه أنّه في الطاعة، وسألهم أن يستوهبوا له من هارون ما كان [من جبايته] (٦)، ففعل/ذلك (٧) له هارون ووجّه إليه برزق الأبناء والجند ثلاث سنين، وأعطى هارون يقطين كلّ ما سأله، وأخبر يقطين

стр. 180

أنّه لا [يضبط الأبناء] (١) على بابه [إلا أرجل رجل] (٢) وأخبره بخبر /إدريس، قال: لا آمن أن يميل عبد الله بن الجارود إلى إدريس فلا يردّه عن مصر رادّ (٣)، فراع هارون ذلك فاستعمل على المغرب هرثمة بن أعين، وكان أشدّ رجل في عصره وأحسنهم تدبيرا في الحرب، وأكّد عليه في الحيلة في إدريس في السّمّ (٤)، ووجّه معه الأموال والجيوش وأمره ألاّ يرجع ما دام (٥) إدريس بالمغرب، فأقام هرثمة بالمغرب (٦) حتى سمّ إدريس وقتل [١]. قال: وأقبل (٧) /هرثمة حتى صار إلى برقة، فقدّم يحيى بن موسى الكندي في جيش عظيم إلى اطرابلس وأراد أن يعلم خبر (٨) عبد الله بن
следующие страницы →