← История

История · id 117366

أخبار فخ وخبر يحيي بن عبد الله وأخيه إدريس بن عبد الله

أحمد بن سهل الرازي

Полный текст (380 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

هو وإخوته وبنو أبيه حتى قتلوا واجتمعوا عليه وقلدوه أمرهم فسار فيهم سيرة أهل الحق وأظهر العدل وقدّم أهل/الفضل ولم يستبد برأيه دونهم. وكان رجلا متواضعا خاشعا كثير الصلاة حسن التلاوة للقرآن في آناء الليل والنهار، فآنسهم ما رأوا منه وألقوا إليه مقاليد أمورهم وفرحوا به وأجمعوا عليه. وأخبرني عيسى بن إدريس عن أبيه/عن إسحاق عن (١) راشد مولاهم قال: لما رأى إدريس رغبة من معه (٢) في الجهاد ندبهم إلى قتال الخوارج، عبد الوهاب بن رستم فإن رزقه الله الظفر سار إلى المسوّدة فأجابوه إلى ذلك، وهذا بعدما أقام بطنجة سبع سنين. فاتّصل الخبر بالفضل بن روح بن حاتم فضاق به ذرعا وعلم أنّه لا طاقة له به إن ظفر بابن رستم، فكتب إلى هارون الرشيد بذلك وأنّه إن ظفر بابن رستم (٣) فلا طاقة له به، وإن ظفر بالقيروان (٤) فلا رادّ له عن مصر. فلما قرأ هارون كتابه وجّه إليه بالأموال والرّجال. [ثورة عبد الله بن الجارود في القيروان] وثار على الفضل بن روح عبد الله بن الجارود الرّبعي [١]، فبلغ

стр. 177

المغيرة بن بشر بن روح المهلبي، عامل الفضل على تونس ذلك وأنّه كاتب إدريس، فبعث بخيل ليأتوه (١) به فلمّا أتوه تنحّى عنهم وأخذ ابنه فأتى به المغيرة، فلما رأى عبد الله ذلك نادى في أصحابه (٢) ثم أتى تونس، فلما رآه المغيرة تحصّن في داره وسأله أمانه على نفسه وأهله حتى يلحق (٣) بالقيروان ويخلي له تونس، فأجابه إلى ذلك؛ فخرج إلى /القيروان [فاجتمع أهل البلد وأهل خراسان والأبناء على عبد الله بن الجارود وأزمعوا] (٤) جميعا على إخراج الفضل من القيروان وجميع آل المهلب، فإن رضي هارون بذلك وإلاّ دعوا إلى إدريس وبايعوا له، فلما اتّصل عزمهم بالفضل وجّه إليهم عبد الله بن سليمان المهلّبي، والجنيد بن سنان (٥)، والنّضر بن العنبر، وجماعة من أصحابه فدعوا عبد الله إلى الصلح فأعطوه (٦) كل ما يريد، فأبى إلا إخراج الفضل ووجّه بخيل فأخذ الجنيد بن سنان (٥) وأبا المغيرة وأبا النضر، فلما رأى عبد الله أنّ أصحابه قد أخذوا أراد أن يخلّصهم من أيديهم، فحمل عليهم فقتلوه /وقتلوا من أصحابه وأفلت بقيّتهم ولحق بالقيروان. فأمر الفضل ببيت

стр. 178

المال ففتح وأعطى أصحابه، وكانت الأموال عنده كثيرة (١) ممّا يبعث إليه هارون (٢) ويمدّه، فجعل أصحابه يأخذون من الأرزاق ويتسلّلون (٣) إلى عبد الله بن الجارود حتى لحق عامّتهم به. فلما كثر عند عبد الله الجموع كتب إلى الفضل يأمره بالخروج عن القيروان فإنّه/لا حاجة للأبناء بولايته فإن فعل وإلاّ حاربه، فأبى الفضل إلاّ محاربته، وأخرج إليهم عبد الله بن يزيد (٤)، ابن عمّه، وابن وقدان الأنصاري وضمّ إليهما/من معه من القواد وأبناء خراسان، والتقوا هم وعبد الله بن الجارود بموضع يقال له طينابس (٥) واقتتلوا قتالا شديدا يوم الأحد والإثنين، وكثرت القتلى بين (٦) الفريقين فانهزم عبد الله بن يزيد بن حاتم وقتل هارون بن وقدان الأنصاري فلحقوا (٧) بالقيروان، واتبعهم عبد الله بن الجارود فدخل القيروان وأمّن الناس وكتب إلى هارون الرّشيد يسأله أن يولّيه على (٨) القيروان وأنّ الأبناء لا ترضى إلاّ به، وحبس الفضل بن روح وهنّاد بن وبره (٩) كاتبه. وكتب إلى الخليفة هارون جماعة الجند إنّا قد رضينا بعبد الله بن الجارود. وثار (١٠) مالك بن منذر الكلبي على عبد الله بن

стр. 179

الجارود فقتلوا محمد بن عبد الله بن الجارود ودعوا إلى إدريس بن عبد الله؛ وكان محمد بن عبد الله بن الجارود على تونس فلحق أصحابه بالقيروان وجلوا (١) عن تونس، فلما صاروا إلى عبد الله بن الجارود أخرج الفضل بن روح فضرب عنقه سنة ثمان وسبعين ومائة. ثم زحف إلى مالك بن منذر الكلبي فالتقوا، فقتل بينهم عالم كثير (٢) وقتل مالك بن المنذر وإنهزم أصحابه. فلما اتّصل الخبر (٣) بهارون الرشيد وجّه يقطين بن موسى صاحب الدّولة، والمهلب بن رافع ليجيبوا عبد الله/بن الجارود إلى كل ما سأل ويضمنوا له جميع ما أحبّ، ووجّه إليه بأموال كثيرة وجوائز وخلع. فلما بلغ عبد الله خبرهم وما جاءوا به (٤) كتب إلى عامله بإطرابلس بحبسهم (٥) قبله لا يخلّيهم حتى يرى رأيه، فحبسوا بها مدّة، ثم إستعمل عبد الله على إطرابلس طالب بن عضين التّميمي وأمره أن ينفذ إليه رسل هارون، فلمّا قدموا عليه أكرمهم وقبض ما معهم من الأموال وردّهم إلى هارون فأعلموه أنّه في الطاعة، وسألهم أن يستوهبوا له من هارون ما كان [من جبايته] (٦)، ففعل/ذلك (٧) له هارون ووجّه إليه برزق الأبناء والجند ثلاث سنين، وأعطى هارون يقطين كلّ ما سأله، وأخبر يقطين

стр. 180

أنّه لا [يضبط الأبناء] (١) على بابه [إلا أرجل رجل] (٢) وأخبره بخبر /إدريس، قال: لا آمن أن يميل عبد الله بن الجارود إلى إدريس فلا يردّه عن مصر رادّ (٣)، فراع هارون ذلك فاستعمل على المغرب هرثمة بن أعين، وكان أشدّ رجل في عصره وأحسنهم تدبيرا في الحرب، وأكّد عليه في الحيلة في إدريس في السّمّ (٤)، ووجّه معه الأموال والجيوش وأمره ألاّ يرجع ما دام (٥) إدريس بالمغرب، فأقام هرثمة بالمغرب (٦) حتى سمّ إدريس وقتل [١]. قال: وأقبل (٧) /هرثمة حتى صار إلى برقة، فقدّم يحيى بن موسى الكندي في جيش عظيم إلى اطرابلس وأراد أن يعلم خبر (٨) عبد الله بن

стр. 181

الجارود وهل (١) هو في الطاعة لهم أم لا، فكتب (٢) إلى محمد بن يزيد الفارسي كتابا لطيفا يعده ويمنيّه ويأمره أن يغتال عبد الله بن الجارود إن لم يقبل ما بذل له من الأمان ويسّلم القيروان، وكتب إليه إن هو فعل ولاّه القيروان ورفعه وأجازه. فعرض محمد بن يزيد على عبد الله بن الجارود أن يسلّم إليه البلد فأبى، فكلّم الأبناء ودسّ إليهم واستمالهم فقال (٣): أنتم أصحاب هذه الدولة، القائمون بها (٤) وعبد الله قد خلع الطّاعة وشاقّ الخليفة ومالأ عدوّ أمير المؤمنين إدريس [بن عبد الله] (٥)، فأجابوه فواعدهم موضعا يقال له باب ابن أبي الربيع [١] في يوم بيعتهم (٦) ثم ثار بهم، فلما بلغ عبد الله بن الجارود زحف إليهم (٧) فانهزم محمد بن يزيد الفارسي وتبعه عبد الله حتى قتله وأمّن من تخلّف من أصحابه ولحق قوم منهم بنفّوسة وزناتة. ثم قدم يحيى بن موسى، خليفة هرثمة، إطرابلس فدخلها يوم السبت لعشر خلون من المحرّم بغير حرب سنة تسع وسبعين ومائة، فبعث إلى من بها من القوّاد والأبناء فأعطاهم رزق سنتين، /فلمّا بلغ

стр. 182

من بالقيروان ذلك خذلوا عبد الله بن الجارود العبدي (١) وتسلّلوا إلى يحيى بن موسى الكندي. وقدم هرثمة طرابلس فخاف أن يفوته عبد الله بن الجارود ويصير إلى الزّاب (٢) /فيلحق بإدريس فلا يقوم له، فأشاروا عليه أن يكتب إلى العلاء بن سعيد ويأمره بحربه والأخذ عليه ويمدّه بالأموال، وكان العلاء [مقتل إدريس] بالزّاب ففعل، فجمع العلاء كلّ من قبله من (٣) أبناء الجند وأهل الشام وسائر عرب المغرب ومن قدر عليه، وكتب إليه هرثمة أن يزحف إلى القيروان وأن يعرض جميع من أتاه ويستعين على عبد الله بن الجارود (٤) بكلّ من قدر عليه. فلما بلغ عبد الله ذلك وخذله أصحابه، علم أنّه لا طاقة له بالقوم ولا سبيل له (٥) إلى اللحوق بإدريس بطنجة (٦)، فكتب (٧) إلى هرثمة بن أعين أن وجّه إليّ من أحببت حتى أسلّم إليه وأعترف بالطاعة (٨). فوجّه هرثمة يحيى بن موسى بجميع الجند الذين كانوا باطرابلس، وضمّ إليه خلقا من أصحابه. فلما قارب إفريقية/تلقّاه النضر بن حفص وابن معاوية

стр. 183

القائدان (١) في جميع جند افريقية، فصوّب نحو القيروان/وخالفه عبد الله بن الجارود فخرج عنها (٢) إلى ناحية سرت (٣)، وأقام بها ووجّه رسولا يأخذ له الأمان من الرشيد، وعزم إن تعذّر عليه الأمان منه أن يأخذ الفلاة والرّمال (٤) إلى إدريس. فأجابه الرشيد إلى جميع ما سأل، وبعث إليه بالخلع والأموال ووجّه إليه رسولا (٥) يؤمّنه ويضمن له بكلّ (٦) ما طلب ويأمره (٧) بالقدوم بغداد. فخرج يريدها فلمّا فصل عن مصر سقي شربة فمات منها، وانتشر كلّ (٨) من كان معه فقتل عامّتهم. وصار (٩) هرثمة إلى القيروان في جمادى سنة تسع وسبعين ومائة، فلم يزل يدسّ إلى إدريس ويحتال ليوجّه (١٠) إلى النّفر الذين كان هارون وجّههم إلى إدريس إلى طنجة ليسقوه السّمّ حتى فعلوا. ثم (١١) أمر بالشّيعة في جميع الأمصار أن يقتلوا ويعذّبوا ويحرّقوا حتى ما يومأ إلى بريء (١٢) ولا سقيم إلا أخذ وعذّب بأنواع العذاب.

стр. 184

[خبر يحيى بن عبد الله] (١) ففرّ يحيى إلى اليمن فطلب باليمن (٢) ففرّ إلى بلاد الجزيرة، ثم إلى أرمينية [١]، والطّلب يتبعه من بلد إلى بلد حتى ألجأه إلى أن دخل بغداد. [دخوله إلى بغداد] [قال الحسن عن إبراهيم (٣) بن يونس عن أبيه عن فليت بن (٤) سليمان، قال: لما إشتدّ الطلب بيحيى، ألجأه الطّلب إلى أن دخل بغداد] (٥)، فاتّصل خبره بهارون فوضع له المراصد على بغداد، وتعثّر (٦) الدّخول

стр. 185

إليها والخروج منها، وأمر أصحاب الأرباع والمسالح (١) /والحرّاس أن يأتوه بكلّ غريب في (٢) كلّ درب وكلّ خان/وكلّ سوق (٣). فرجع صاحب الدّار التي فيها يحيى فأخبره الخبر، واغتمّ لذلك وخاف أن يهجم عليه، فقال له يحيى: إمض فاشتر بغلين فارهين (٤)، فدخل السوق فاشترى بغلين فارهين، فلما أتاه بهما حذّ فهما على هيئة بغال البريد، فلما مضى من الليل ثلثاه خرج فركب وركب صاحبه، ودفع خريطة قد هيّأها من النّهار إلى صاحبه، وأمره أن ينعر ويصيح كأنه فرانق [١] بين يديه (٥)، ففعل صاحبه ذلك، فجعل لا يمرّ بدرب ولا سريحة إلاّ فتحت بين يديه حتى خرجا عن بغداد؛ فلما فاتوا (٦) موضع سكّة البريد نزل وأدخلوا البغلين (٧) بعض الأنهار وقيّدوهما وتركوهما، ومضيا. قال: ومرّ (٨) يحيى وقد لبس خلقانا وتعمّم بعمامة خلقة كأنه

стр. 186

أعرابي، فمنعه صاحب المسلحة أن (١) يجوز، فقال له يحيى: ويحك ليس مثلي يمنع، إنما يمنع رجل عليه (٢) شارة الدّنيا (٣)، فما زال يدفع عن نفسه (٤) بالمعاريض حتى قال له المسلحيّ (٥): فأنشدني أبيات شعر (٦)، فأنشأ (٧) يقول [١]: [من السريع].

стр. 187

منخرق الخفّين يشكو الوجا (١) ... تنكبه (٢) أطراف مرو حداد (٣) / شرّده الخوف من أوطانه (٤) ... كذاك من يكره حرّ الجّلاد قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد (٥) / قال: فلما وجد البغلان مسيّبين (٦)، استريب بهما، فسئل عنهما أصحاب المسالح (٧) وهدّدوا. فقالوا: والله ما مرّ بنا إلاّ أعرابي أنشدنا أبياتا (٨) من شعره، وذكروا الشعر (٩). فقالوا: هو والله ذاك (١٠)، فطلبوه فلم يلحقوه وفاتهم.

стр. 188

[يحيى في اليمن] وقد حدّثني. سعيد بن بهلول من أبناء فارس بصنعاء (١) قال: قدم يحيى بن عبد الله صنعاء (٢) فاختفى عند رجل منّا-يعني (٣) من الأبناء-يقال له زكرياء بن يحيى بن عمر بن سابور؛ فمكث عندهم بصنعاء ثمانية (٤) أشهر مكتوما فكتبوا عنه علما كثيرا. وكان الشافعي، محمد بن إدريس من أصحابه، وابن عون اللهبي (٥). فخرج من اليمن (٦) بعدما طلب إلى خراسان. قال (٧): وفي يحيى بن عبد الله يقول منصور النمري، في قصيدة مدح بها هارون، وهي (٨): [من الوافر] [١] مننت على ابن عبد الله يحيى ... وكان من الحتوف على شفير

стр. 189

وقد سخطت لسخطتك المنايا ... عليه فهي حائمة النّسور (١) /ولو كافئت ما اجترحت يداه ... دلفت له بقاصمة الظّهور وما زالت جبالك تطّئية (٢) ... وترهقه الوعور إلى الوعور وتأخذه عن الجنبات (٣) حتى ... أجابك واستحال عن النّفور بودّك، لو أناب بنو عليّ ... فنزّلهم بمنزلة الأسير (٤) قال: ولما نزل يحيى بعض مناهل طريق مكة، وافقه فيه هارون /حاجا، كتب في قبّة من قباب ذلك المتغشى: منخرق الخفّين يشكو الوجا ... تنكبه أطراف مرو حداد الأبيات الثلاثة. قال: فقرأها هارون، أو أخبر بها، فكتب تحتها: لك الأمان، لك الأمان، لك الأمان (٥). أظنّه بخطه إن شاء الله (٦)، على ما ذكروا وهو حديث صحيح مسند.

стр. 190

قال: فلما رجع يحيى رآه (١) فكتب تحته: لا أثق بك، لا أثق بك. [في طبرستان] ولما خاف يحيى أن يقع في أيديهم، أحبّ أن يكون في موضع منيع حتى ترجع إليه دعاته ويحكم أمره، فكتب (٢) إلى ملك طبرستان شرتون (٣) بن فلان [١] يسأله الإفاق به (٤) ثلاث سنين. فقال: أنا آويه الدّهر كلّه، ولكني (٥) أدلّكم (٦) على موضع هو أمنع من موضعي: جستان ملك الدّيلم، له أجبل (٧) بين سهول طبرستان ومن وراء ذلك جبال دنباوند (٨)، فمتى نزلت العساكر بها وحاصروني لم آمن أن يظفروا ببغيتهم /ويجدوا من أهل بيتي من يدلّهم على عورتي فلا آمن الفضيحة،

стр. 191

ولكني أسير معكم إلى جستان ملك الديلم وأسأله أن يؤويه (١) وأرجوا ألاّ (٢) يمتنع علينا، وجبالي متّصلة بجباله فنكون جميعا يدا على منعه. فصاروا إلى جستان [ملك الديلم] (٣) /فأنعم لهم وأظهر سرورا واستبشارا. فهذا سبب دخول يحيى ﵇ بلد الدّيلم (٤). [في الديلم] وحدّثني (٥) أبو زيد عن المدائني قال: لما ظهر يحيى بن عبد الله صلى الله عليه أيّام الرشيد بالديلم، [علا صوته في الآفاق] (٦) وكثر الدعاة إليه وأجابه النّاس، وسارع (٧) إليه كلّ من له رغبة في الدين وأهل النيّات من المسلمين. وكان له سبعون رجلا (٨) من علماء زماننا، دعاة إليه وإلى نصرته، يتفرقون القرى (٩) يدعون إلى حكم الكتاب ونصرة الدين ودفع الجور ومنع الظالمين، وإظهار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، منهم [١]: محمد بن إدريس الشافعي، ومحمد بن عامر، ومخول بن إبراهيم فقيه أيضا، وحسن بن الحسين (١٠)، وإبراهيم بن إسحاق،

стр. 192

وسليمان بن جرير (١)، وعبد العزيز بن يحيى الكناني (٢)، وبشر بن المعتمر، وفليت بن إسماعيل، ومنصور البخاري، ومحمد/ابن أبي نعيم، ويونس بن إبراهيم الرازي، ويونس ابن البجلي (٣)، وابن عون (٤) اللهبي، وحبيب بن أرطاة، وسعيد بن خثيم الهلالي، وغيرهم من فقهاء المدائن وعلماء الأمصار [وأهل البصائر] (٥). فلما [١] انتهى ذلك إلى هارون هاله (٦) وعظم عليه (٧) وبلغ به الهم (٨) أن ترك شرب الخمر ولبس الصّوف أيام يحيى كلّها حتى انقضى أمره. قال أبو زيد: / فوجّه الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك في سبعين ألف رجل من صناديد رجاله ووجوه قوّاده وولاّه الجبل (٩) كلّه والريّ وكورها وجرجان وقومس ودنباوند (١٠) والرويان، وجمع له أجنادا

стр. 193

لم تجمع إلاّ له، وأمدّه (١) بخمسين ألف ألف، فعسكر (٢) بالنهروان، وجاء الرشيد فعرض الجيش بنفسه فرأى كراعا ورجالا ما رأى مثلهم (٣)، وسلاحا وآلة أعجبته (٤) وردّت بعض رجائه، وأمره بالرّحيل من ساعته، وأمدّه بالأموال يتبع بعضها بعضا، ولم يخله من خلعه وتقليده وإمداده في كلّ يوم منذ (٥) توجّه من عنده؛ وكان أكثر ما يقوم إليه فيه استمالة جستان ومراسلته وملاطفته ومواصلة سائر قوّاده ووزرائه، ويوجّه إليهم (٦) بالهدايا والألطاف ويبسط آمالهم (٧) ويعدهم بكل جميل. فلما [١] نزل الفضل الطالقان (٨) وجّه إلى جستان بالبرّ العظيم من الخزّ والديباج والحرير والأموال وإلى (٩) جميع أصحابه، وضمن له أن يحمل إليه في كل سنة ألف ألف درهم قفلة، وألف (١٠) ثوب خزّ، وألف ثوب حرير وديباج، وغير ذلك وكثر عليه في الأطماع (١١) له (١٢)، وواتر في

стр. 194

برّه وملاطفته وجميع أسبابه، وسأله (١) أن يحمل إليه يحيى/. فقال له (٢) (٣) جستان: لو أعطيتني جميع ما تملكه ملوك الدّنيا لم أسلّمه إليكم، فاعمل ما بدا لك/أن تعمله. فلم ييئس (٤) ذلك الفضل وواتر برّه له ولحاشيته، وكتب إلى يحيى بن عبد الله كتابا يعرض عليه فيه الأمان (٥) ويبذل ليحيى من المال ألف ألف وألف ألف وألف ألف ومن القطائع كذا وكذا، وأن ينزله (٦) من البلاد [حيث أحبّ، ويوليه من الولايات (٧) والبلاد] (٨) ما أراد، ويقضي (٩) له من الحوائج كلّما طلب. فكتب يحيى إلى هارون جواب كتابه (١٠) وهو معتصم بما وكّد له الديمليّ (١١) من ذمّته، راج منه الوفاء وحسن المدافعة، ولما (١٢) أظهر من منعه وعقد من ذمّته. [وهذا كتابه] (١٣): [١]

стр. 195

بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد (١)، فقد فهمت ما عرضت (٢) عليّ من (٣) الأمان على أن تبذل لي أموال المسلمين وتقطعني (٤) ضياعهم التي جعلها الله لهم دوني ودونك ولم يجعل لنا فيها نقيرا ولا فتيلا، / فاستعظمت الاستماع له فضلا عن الرّكون إليه، واستوحشت منه تنزّها عن (٥) قبوله. فاحبس أيّها الإنسان عنّي (٦) مالك وإقطاعك وقضاءك حوائجي، فقد أدّبتني إذن خالف (٧) ناقصا، وولدتني عاقا قاطعا؛ فو الله لو أنّ من قتلته (٨) من أهلي تركا وديالم على بعد أنسابهم منّي وانقطاع رحمهم عنّي لوجبت عليّ نصرتهم والطلب بدمائهم إذ كان منكم قتلهم ظلما/وعدوانا، والله لكم بالمرصاد لما ارتكبتم من ذلك، وعلى الميعاد لما سبق فيه من قوله ووعده ووعيده (٩)، وكفى بالله جازيا ومعاقبا وناصرا لأوليائه ومنتقما من أعدائه. وكيف لا أطلب بدمائهم وأنام عن ثأرهم، والمقتول بالجوع والعطش والنّكال وضيق (١٠) المحابس وثقل الأغلال وعدو العذاب وترادف الأثقال (١١) أبي: عبد الله بن الحسن النفس

стр. 196

الزكيّة (١) والهمّة السنيّة والدّيانة المرضيّة والخشية والتّقيّة، شيخ الفواطم [١] وسيّد أبناء الرّسل (٢) طرّا، وأرفع أهل عصره قدرا، وأكرم أهل بلاد الله فعلا؛ ثم يتلوه أخوته وبنو أبيه ثم اخوتي وبنو عمومتي، نجوم السّماء وأوتاد الدّنيا، وزينة الأرض، وأمان الخلق، ومعدن الحكمة وينبوع العلم، وكهف المظلوم، ومأوى الملهوف، ما منهم أحد إلاّ لو (٣) أقسم على الله لبرّ قسمه؛ فما أنسى من شيء (٤) فلا أنسى مصارعهم وما حلّ بهم من سوء مقدرتكم ولؤم ظفركم، وعظيم إقدامكم (٥) وقسوة قلوبكم، إذ جاوزتم قتلة من كفر بالله إفراطا، وعذاب من عاند الله إسرافا، ومثلة من جحد الله عتوّا. وكيف أنساه وما أذكره ليلا إلاّ أقضّ عليّ مضجعي وأقلقني عن/موضعي، ولا نهارا إلاّ أمرّ عليّ عيشي وقصّر إلى نفسي، حتى لوددت أنّي أجد السبيل إلى الاستعانة بالسّباع عليكم فضلا عن

стр. 197

الناس (١)، /وآخذ (٢) منكم حقّ الله الذي وجب (٣) عليكم، وانتصر (٤) من ظالمكم فأشفي (٥) غليل صدر قد كثرت بلابله، وأسكن قلبا جمّا وساوسه من المؤمنين، وأذهب غيظ قلوبهم (٦) ولو يوما واحدا ثم يقضي الله فيّ ما أحب، وإن (٧) أعش فمدرك ثأري (٨) داعيا إلى الله على سبيل رشاد (٩) أنا ومن اتّبعني، فسالك (١٠) قصد من سلف من آبائي وإخوتي وإخواني (١١) القائمين بالقسط، الدّعاة إلى الحقّ، وإن أمت فعلى سنن ما (١٢) ماتوا غير راهب لمصرعهم ولا راغب عن مذهبهم (١٣) فلي بهم/أسوة حسنة وقدوة هادية، فأوّل قدوتي منهم أمير المؤمنين، رضوان الله عليه، إذ كان ما زال قائما وقت القيام مع الأمكان (١٤) حتما والنهوض لمجاهدة الجبّارين (١٥)

стр. 198

فرضا، فاعترض عليه من كان كالظّلف مع الخفّ ونازعه من كان كالظّلمة مع الشمس، فوجدوا لعمر الله من حزب الشّيطان مثل من (١) وجدت، وظاهرهم من أعداء الله مثل من ظاهرك (٢)، وهم لمكان الحقّ عارفون وبمواضع الرّشد عالمون، فباعوا عظيم جزاء الآخرة بوالج (٣) عاجل الدنيا، ولذيذ الصّدق (٤) بغليظ مرارة الإفك، ولو شاء أمير المؤمنين لهدأت له/وركنت إليه بمحاباة الناكثين وإنجاد المضلّين (٥) وموالاة المارقين، ولكن أبي الله ورسوله (٦) أن يكون للخائنين متّخذا (٧) ولا للظالمين مواليا ولم يكن أمره عندهم مشكلا (٨)، فبدّلوا نعمة الله كفرا (٩) واتّخذوا آيات الله هزوا، وأنكروا كرامة الله وجحدوا فضيلة الله (١٠)، فقال رابعهم: «أنّى تكون لهم الخلافة والنبوة» حسدا وبغيا، فقديما ما حسد

стр. 199

النبيون وآل (١) النبيّين الذين اختصهم الله بمثل ما اختصنا وأخبر عنهم (٢) ﵎ فقال أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنّاسَ عَلى ماآتاهُمُ اَللهُ مِنْ فَضْلِهِ (٣) فَقَدْ آتَيْناآلَ إِبْراهِيمَ اَلْكِتابَ وَاَلْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (النساء ٤/ ٥٤)، فجمع لهم المكارم والفضائل والكتاب والحكمة والنبوّة والملك العظيم، فلما أبوا إلاّ تماديا في الغيّ وإصرارا على الضلال، جاهدهم أمير المؤمنين حتى لقي الله شهيدا، رضوان الله عليه، ثم تلاه الحسن (٤) سليل رسول الله ﵌ وشبيهه (٥) وسيّد شباب أهل الجنّة إذ كلّ أهلها سادة، فكيف بسيّد السّادة (٦)، فجاهد من كان أمير المؤمنين جاهده، وسكن إليه من المسلمين من كان شايعه من ذوي السّابقة وأهل المأثرة، فكان أوّل من نقض ما عقد له (٧)، ونكث عمّا عاهده، عمّك (٨) عبيد الله بن العباس/حين اطمأن إليه وظنّ أنّ سريرته لله مثل علانيته وجّهه على مقدّمته في نحو من عشرين ألف من المسلمين (٩)، فلما نزل مسكنا (١٠) من سواد العراق باع دينه وأمانته من ابن

стр. 200

آكلة الأكباد بمائة ألف درهم، وفرّق (١) عسكره ليلا ولحق بمعاوية [١]، فدلّه على عورات/عسكر ابن رسول الله ﵌/ وأطمعه في مبارزته بعد أن كانت نفسه قد أحيط بها وضاق عليه مورده ومصدره وظنّ أن لا مطمع له حين استدرج وأمهل له (٢)، فارتحل الحسن بنفسه باذلا لها في ذات الله، ومحتسبا ثواب الله حتى إذا كان بالمدائن وثب عليه أخو أسد فوجأه في فخذه [٢]، فسقط لما به وأيس الناس من إفاقته فتبدّدوا شيعا، وتفرّقوا قطعا، فلما قصرت طاقته وعجزت قوّته وخذله أعوانه، سالم (٣) هو وأخوه معذورين (٤) مظلومين موتورين (٥)، فاستثقل (٦) اللعين ابن اللعين حياتهما واستطال مدّتهما فاحتال بالاغتيال لابن رسول الله ﵌ حتى نال مراده وظفر بقتله، فمضى مسموما شهيدا (٧) مغموما فقيدا، وغير شقيقه (٨) وأخوه وابن

стр. 201

أمه وأبيه، شريكه في فضله ونظيره في سؤدده (١)، على مثل ما انقرض عليه أبوه وأخوه، حتّى إذا ظنّ أن قد أمكنته محبّة (٢) الله من بوارهم ونصرة الله من/افترائهم (٣)، دافعه عنها أبناء الدنيا، واستدرج بها أبناء الطلقاء، فبعدا للقوم الظالمين، وسحقا لمن آثر على سليل النبيّين وبقية المهتدين الخبيث ابن الخبيثين (٤) والخائن ابن الخائنين، فقتلوه ومنعوه ماء الفرات وهو مبذول لسائر السباع، وأعطشوه وأعطشوا أهله وقتلوهم ظمأ (٥)، يناشدونهم فلا يجابون، ويستعطفونهم فلا يرحمون، ثم تهادوا رأسه إلى يزيد الخمور والفجور تقرّبا إليه، فبعدا للقوم الظالمين. ثم توجّهت جماعة من أهل العلم والفضل إلى سجستان في جيش (٦)، فتذاكروا ما حلّ بهم من ابن مروان فخلعوه وبايعوا الحسن بن الحسن ورأسوا عليهم ابن الأشعث [١] إلى أن يأتيهم أمره، فكان رئيسهم (٧) غير طائل ولا رشيد، نصب العداوة للحسن قبل موافاته،

стр. 202

فتفرّقت عند ذلك كلمتهم وفلّ حدّهم فمزّقوا (١) كلّ ممزّق؛ فلما هزم جيش الطواويس احتالوا لجدي الحسن بن الحسن فمضى مسموما، يتحسّى الحسرة ويتجرّع الغيظ، رضوان الله عليه، حتى إذا ظهر الفساد في البرّ والبحر وشرى زيد بن علي، صلوات الله عليهما، لله (٢) نفسه فما لبث أن قتل ثم صلب ثم أحرق، /فأكرم بمصرعه مصرعا. ثم ما كان إلاّ (٣) طلوع ابنه يحيى ثائرا بخراسان (٤)، فقضى نحبه وقد أعذرا (٥)، رضوان الله عليهما. وقد كان أخي محمد بن عبد الله/دعا بعد (٦) زيد وابنه يحيى، فكان أوّل من أجابه وسارع إليه جدّك محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وأخوته وأولاده، فخرج-زعم (٧) -يقوم بدعوته حتى خدع بالدّعاء إليه طوائفا. ومعلوم عند الأمّة أنّكم كنتم لنا تدعون، وإلينا ترجعون، وقد أخذ الله عليكم (٨) ميثاقا لنا، وأخذنا عليكم ميثاقا لمهديّنا محمد بن عبد الله النفس/الزكية الخائفة التقية المرضيّة، فنكثتم ذلك وادّعيتم من إرث الخلافة ما لم تكونوا تدّعونه قديما ولا حديثا ولا ادّعاه أحد لكم (٩) من الأمّة إلا تقوّلا كاذبا، فها أنتم الآن تبغون دين الله

стр. 203

عوجا وذريّة رسول الله قتلا واجتياحا، والآمرين بالمعروف صلبا (١) واستباحا، فمتى ترجعون وأنّى تؤفكون، أولم يكن لكم خاصة وللأمة عامّة في محمد بن عبد الله فضلا (٢)، إذ لا فضل يعدل فضله في الناس (٣)، ولا زهد يشبه زهده، حتى ما يتراجع فيه اثنان، ولا تردّد (٤) فيه مؤمنان، ولقد أجمع عليه أهل الأمصار من أهل الفقه والعلم في كل البلاد، لا يتخالجهم فيه الشّكّ، ولا تقفهم عنه الظّنون، فما ذكر عند خاصّة ولا عامّة إلا اعتقدوا محبّته، وأوجبوا طاعته، وأقرّوا بفضله، وسارعوا إلى دعوته، إلاّ ما كان من عناد أهل الإلحاد (٥) الذين غلبت عليهم الشّقوة وغمطوا (٦) النّعمة، وتوقّعوا النّقمة من شيع أعداء الدّين، وأفئدة المسلمين (٧)، وجنود الضّالين، وقادة الفاسقين، وأعوان الظّالمين، وحزب الخائنين؛ وقد كان الدّعاء إليه منكم ظاهرا والطلب له قاهرا بإعلان اسمه وكتاب إمامته على أعلامكم «محمد يا منصور» [١]، يعرف

стр. 204

ذلك ولا ينكر (١)، ويسمع ولا يجهل، حتّى/صرفتموها إليكم وهي تخطب عليه، وكفحتموها عنه وهي مقبلة إليه، حين (٢) حضرتم وغاب، وشهدتم إبرامها ورأى (٣) قلّة رغبة ممن حضر، وعظم (٤) جرأة ممّن اعترض؛ حتى إذا حصلت لكم (٥) بدعوتنا، وهدأت عليكم بخطبتنا (٦)، وقرّت لكم بنسبتنا، قالت (٧) لكم اجرامكم إلينا وجنايتكم علينا، إنّها لا تتوطأ لكم إلا بإبادة غضرائنا (٨)، ولا تطمأن لكم دون استئصالنا، فأغرا بنا جدّك المتفرعن في قتلنا لا حقا بإثرة فينا عند المسلمين (٩)، لؤم مقدرة ورضاعة (١٠) مملكة، حتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر قبل بلوغ شفاء قلبه من فنائنا. وهيهات أن (١١) يدرك الناس ذلك ولله فينا خبيئة لا بدّ من

стр. 205

ظهورها (١)، وإرادة لا بدّ من بلوغها/فالويل له. فكم من عين طال ما غمضت (٢) عن محارم الله، [وسهرت متهجّدة لله، وبكت في ظلم الليل خوفا من الله] (٣)، قد أسحّها بالعبرات باكية، وسملها بالمسامير المحمّاة فألصقها بالجدرات (٤) المرصوفة قائمة، وكم من وجه طال ما ناجى الله مجتهدا، وعنا لله متخشّعا (٥)، مشوّها بالعمد، مغلولا مقتولا ممثولا به معنوقا؛ وبالله (٦) إن لو لم يلق الله إلا بقتل النفس الزكيّة، أخي محمد بن عبد الله، ﵀، للقيه بإثم عظيم وخطب كبير، فكيف وقد قتل قبله النفس النقية (٧) أبي عبد الله بن الحسن وأخوته وبني أخيه، ومنعهم روح الحياة في مطابقه (٨)، وحال بينهم وبين خروج النفس في مطاميره، لا يعرفون الليل من النهار، ولا مواقيت الصلاة إلا بقراءة أجزاء القرآن تجزئة [١]، لما عانوا (٩) في آناء الليل والنهار، حين الشّتاء والصّيف، حال أوقات الصلاة/قرما منه إلى قتلهم، وقطعا لأرحامهم، وترة لرسول

стр. 206

الله فيهم، فولغ في دمائهم ولغان الكلاب (١) وضري (٢) بقتل صغيرهم وكبيرهم ضراوة الأسود (٣) ونهم بهم نهم الخنزير، والله له ولمن عمل بعمله بالمرصاد. فلمّا أهلكه الله قابلتنا أنت وأخوك الجبّار الفظّ الغليظ العنيد (٤) بأضعاف فتنته، واحتذاء بسيرته، قتلا وعذابا (٥) /وتشريدا وتطريدا، فأكلتمانا أكل الرباء (٦) حتى لفظتنا الأرض خوفا منكما، وتأبّدنا في الفلوات هربا منكما، فأنست بنا الوحوش وأنسنا بها، وألفتنا البهائم وألفناها، فلو لم يجترم أخوك إلاّ قتل الحسين بن علي وأسرته بفخّ، لكفى بذلك عند الله وزرا (٧) عظيما، وسيعلم، وقد علم ما اقترف، والله مجازيه وهو المنتقم لأوليائه من أعدائه. ثم امتحننا الله بك من بعده (٨)، فحرصت على قتلنا، وطلبت من فرّ عنك منّا، لا يؤمّنك منهم (٩) بعد دار، ولا نأي جار، تتبعهم حيلك وكيدك حيث سيّروا من بلاد الترك والدّيلم، لا تسكن نفسك ولا يطمئنّ قلبك دون أن تأتي على آخرنا،

стр. 207

ولا تدع صغيرنا ولا ترثي لكبيرنا لئلا (١) يبقى داع إلى حق ولا قائل بصدق (٢) ولا أحد من أهله، حتّى أخرجك الطّغيان وحملك (٣) الشنئان أن أظهرت بغضة أمير المؤمنين، وأعلنت بنقصه وقرّبت مبغضيه وأدنيت (٤) شانئيه حتى أربيت على بني أميّة في عداوته وأشفيت غلّتهم في تناوله، فأمرت (٥) بكرب قبر الحسين صلّى الله عليه وتعمية موضعه وقتل زوّاره واستئصال محبّيه وتوعّدت فيه وأرعدت وأبرقت على ذكره؛ فو الله لقد كانت بنو أمية الذين وضعنا (٦) آثارهم/مثلا لكم وعددنا مساويهم احتجاجا عليكم على بعد أرحامهم أراف بنا منكم، وأعطف علينا قلوبا من جميعكم، وأحسن استبقاء لنا ورعاية من قرابتكم؛ فو الله ما بأمركم خفاء ولا بشأنكم (٧) امتراء. ولم لا نجاهد، وأنت معتكف على معاصي الله صباحا ومساء، مغترا بالمهلة، آمنا من النّقمة، واثقا بالسّلامة، تارة تغري بين البهائم بمناطحة كبش، ومناقرة ديك، ومخارشة (٨) كلب،

стр. 208

وتارة تفترش الخصيان وتأتي الذّكران، وتترك الصلوات صاحيا وسكران، ثم لا يشغلك ذلك/عن قتل أولياء الله وانتهاك (١) محارم الله، فسبحان الله ما أعظم حلمه وأكثر أناته عنك وعن أمثالك، ولكنّه ﵎ لا يعجّل بالعقوبة، وكيف يعجّل من لا يخاف الفوت وهو شديد العقاب. فأمّا (٢) ما دعوتني إليه من الأمان، وبذلت لي من الأموال، فمثلي لا تثني الرّغائب عزمه (٣)، ولا تنحلّ لخطير همّته، ولا يبطل سعيا باقيا على الأيّام أثره، ولا يترك (٤) جزيلا عند الله أجره بمال فان وعار باق، هذه صفقة خاسرة، وتجارة بائرة أستعصم الله منها وأسأله أن يجيرني (٥) من مثلها/بمنّه وطوله. أفأبيع المسلمين وقد سمت إليّ أبصارهم، وانبسطت نحوي آمالهم بدعوتي، واشرأبّت أعناقهم نحوي، إنّي إذن لدنيّ الهمّة، لئيم الرّغبة، ضيّق العطن؛ هذا والأحكام مهملة، والحدود معطّلة، والمعاصي مستعملة، والمحارم منتهكة، ودين الله محقور (٦)، وبصيرتي (٧) مشحوذة، وحجّة الله (٨) قائمة في إنكار المنكر؛ أفأبيع خطيري (٩)

стр. 209

بمالكم، وشرف موقفي بدراهمكم، وألبس العار والشّنار بمقامكم ل قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً (١) وَماأَنَا مِنَ اَلْمُهْتَدِينَ (الأنعام ٦/ ٥٦). ووالله ما أكلي إلا الجشب، ولا (٢) لباسي إلا الخشن، ولا شعاري إلاّ الدّرع، ولا صاحبي إلا السّيف، ولا فراشي إلاّ الأرض، ولا شهوتي من الدّنيا إلاّ لقاؤكم والرّغبة (٣) في مجاهدتكم ولو موقفا واحدا، إنتظار إحدى الحسنيين في ذلك كلّه، من (٤) ظفر أو شهادة. وبعد، فإنّ لنا على الله وعدا لا يخلفه، وضمانا سوف ينجزه، حيث يقول وَعَدَ اَللهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا اَلصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا (٥) يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً (النور ٢٤/ ٥٥)، وهو الذي يقول (٦): وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ اَلْوارِثِينَ (القصص ٢٨/ ٥) (٧).

стр. 210

قال [١] المدائني (١): فلما ورد جواب (٢) يحيى ضاق ذرع هارون وعظم عليه أمره وساء ظنّه وخاف أن تكون قد انقضت مدّتهم، فشاور أهل الرأي من الوزراء والعمّال والقوّاد والقضاة وغيرهم، فقال أبو البختري (٣): لا يغمّك الله يا أمير المؤمنين، عليّ أن أحتال لجستان حتّى يسلّمه إليك. قال له هارون: ويلك، كيف تعمل؟ قال: أسير إلى جستان بجمع من وجوه أهل دستبا (٤) وقزوين وزنجان وأبهر والريّ وهمذان وجميع علمائها، ويشهدون (٥) عنده بأنّي قاضي القضاة، فأشهد له أنّ (٦) يحيى عبد لك. وقال (٧) سليمان بن فليح، وكان على ديوان الخراج: وأنا أسير معه يا أمير المؤمنين فيشهدون عنده أنّي صاحب ديوان خراج الأرض، ثمّ أشهد معه أنّه عبد لك. قال أبو البختري: ويأمر أمير المؤمنين بمن لم يشهد لنا ومعنا فنضرب عنقه ونستصفي (٨) ماله، فإنّ أمير المؤمنين إذا فعل ذلك بهم شهدوا جميعا، وعليّ (٩)

стр. 211

استمالة جستان وردّه إلى ما يحبّ أمير المؤمنين. فوقع الكلام من هارون موقعا عجيبا وأمر لأبي البختري، لعنه الله (١)، بجائزة ثلثمائة ألف درهم، وأمر لسليمان بن فليح بمائة ألف درهم، ووجّههما على البريد إلى الفضل بن يحيى وأمره أنّ من امتنع أن يشهد (٢) معهما عند جستان، أن تضرب عنقه كائنا من كان ويستصفى ماله، ومن يشهد أكرم وأجيز وأسقط عنه الخراج، قال: ففعل الفضل بن يحيى ما (٣) أمره هارون، وقدم أبو البختري إلى دستبا ووجّه إلى وجوه البلدان فأحضرهم وقال (٤) لهم (٥): إنّ هذا يحيى بن عبد الله قد دخل/الديلم ويريد أن يقاتل بأهل الشّرك أهل الإسلام ويخرج يده (٦) من طاعة أمير المؤمنين، وقد جاءت الرّخصة بالكذب (٧) والخديعة/في الحرب، وقد رأينا (٨) أنّه عبد لأمير المؤمنين، نطلب بذلك الثواب عند الله لترجع ألفة المسلمين (٩) وتسكن النائرة (١٠)، ولا غنى بكم عن حسن جزاء أمير المؤمنين وهذا كتابه، فقرأ

стр. 212

عليهم ما فيه من الإيعاد لمن امتنع/والاطماع لمن أجاب، فأجابوه بأجمعهم على (١) أن يشهدوا معه. فخبرني حريث بن ميسرة الكنانيّ ، من وجوه أهل مدينة أبهر، عن مشايخ أهله (٢): أنّ أبا البختري وسليمان بن فليح (٣)، لمّا قدما من عند هارون وجّهوا إلى (٤) كور الجبل إلى أهل الفقه والعلم والمعدّلين ممّن يعرفهم جستان من أهل قزوين وزنجان وأبهر وشهربرد وهمذان والريّ ودنباوند والرويان، فأتاهم فجمع (٥) له منهم تسعمائة رجل، ومن أهل طبرستان أيضا أربعمائة رجل، فشهدوا بأجمعهم عند جستان أنّه عبد لهارون؛ وكلّ هؤلاء من أهل الشّرف والقدر والعرب المتمكّنين في بلاد الجبل، ليس فيهم وضيع إلاّ يسير. قال: وقالوا لجستان ليس هو ابن بنت نبيّنا، هو مدّع فيما يقول، إنّما هو عبد للرشيد. وسمعت السميدع بن عبد الرحمن المراديّ من أهل قزوين، وغيره يقول ذلك ويرويه عن مشايخه، قال (٦): فلمّا شهدوا عند جستان

стр. 213

ملك الديلم قال جستان ليحيى (١): يا يحيى ما وجدت أحدا تخدعه بدعوتك غيري؟ فقال له يحيى: أيها الرجل إنّ لك عقلا، فإن لم يكن دين (٢)، فتدبّر ما يقول القوم وما تقدّم منهم (٣) إليك فردّده (٤) على قلبك وعقلك واجعل عقلك حكما دون هواك، إني لو كنت كما قالوا ما وجّهوا/لك (٥) هذه الأموال [وما أردفوها بهذه العساكر ولا بذلوا في دفعك إيّاي إليهم هذه الأموال] (٦) ولا جمعوا لك من ترى من وجوه الجبل وفقهائهم ومعدليهم ليشهدوا عندك بالزور، وما كان عليهم من رجل جاء إلى عدوّهم أو وليّهم ينتمي إلى نسب ليس منه؟ فمال الدّيلمي إلى الدنيا فقال: دعني من هذا، ما كان هؤلاء ليشهدوا (٧) عندي بالزور! فقال يحيى ﵇: هنا خصلة، تبعث رجلين ممن تثق بهما (٨) من رجالك مع رسولي إلى مكة والمدينة فيسألون عنّي، قال: هذا يطول! قال: فدع هذا وابعث رسولا إلى الري ورسولا إلى بغداد ورسولا إلى قزوين وسائر المدن فيسأل (٩) عن هؤلاء الشهود فتعرف حالهم وأنّهم [شهود زور وأنهم] (١٠) أكرهوا على شهادتهم وأنهم إن أبوا قتلوا واستصفيت

стр. 214

أموالهم/وسبيت ذراريهم، قال: ما نصنع بهذا الكلام؟ لم يشهد هؤلاء كلهم على زور. فأيس يحيى من منعه وعلم أنّه مسلّمه، وظهر ميله إلى ما بذل له؛ قال: فاجمع بيني وبينهم/حتّى أكلّمهم بحضرتك، قال: ذلك لك. وطمع يحيى إن يذكّرهم (١) الله أن يرجعوا أو تختلف كلمتهم. قال جستان لأبي البختري: اجمع [أصحابك واحضروا حتى يشهدوا] (٢) على يحيى في وجهه، فاجتمعوا ونصب ليحيى كرسيّ فجلس عليه، فلما أخذوا مجالسهم ابتدأ يحيى فقال: الحمد لله على ما أولانا من نعمه، وأبلانا من محنه، وأكرمنا بولادة نبيّه. نحمده على جزيل ما أولى، وجميل ما ابتلى (٣)، وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له [شهادة مقرّ بوحدانيته، خاضع متواضع لربوبيته] (٤)، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، انتخبه واصطفاه، واختاره واجتباه، /صلوات الله عليه وعلى آله أجمعين. أمّا بعد معاشر العرب، فإنّكم كنتم من الدّنيا (٥) بشرّ دار، وضنك (٦) قرار، ماؤكم أجاج، وأكلكم لماج (٧) من العلهز والهبيد (٨). الأعاجم لكم

стр. 215

قاهرة، وجنودهم عليكم ظاهرة، لم يمنعهم من تحويلكم (١) إلاّ قلّة خير بلدكم، أنتم مع الدّنيا بمنزلة السّقب (٢) مع النّاب الصّعبة (٣) الضّروس متى دنا إليها لينال من درّها منعته، إن أتاها (٤) من أمامها خبطته، أو من (٥) ورائها رمحته، أو من عرضها عضّته، فما عسى أنّ يصيب منها؛ هذا على تفرّق شملكم واختلاف كلمتكم، لا تحلّون حلالا ولا تحرّمون حراما، ولا تخافون آثاما، قد ران الباطل على قلوبكم فلا تعقلون، وغطّت (٦) الحيرة على أبصاركم فما تبصرون، وأسكّت (٧) الغفلة على (٨) أسماعكم فما تسمعون؛ على أنّ عودكم نضار، وأنتم (٩) ذوو الأخطار، ثم منّ الله عليكم (١٠) وخصّكم دون غيركم، فبعث (١١) فيكم محمدا صلى
следующие страницы →