← История

История · id 117366

أخبار فخ وخبر يحيي بن عبد الله وأخيه إدريس بن عبد الله

أحمد بن سهل الرازي

Полный текст (380 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المؤمنين أن يفي لي ولهم (١) عرّفني رأيه في الوفاء، فمتى أخذ رجل من أصحابي الذين أخذ لهم الأمان [أخبرته حتى استوفى عدد السبعين الذين أعطاهم/الأمان] (٢)، إن أراد الوفاء لهم (٣)، وإن لم يرد الوفاء لهم فكيف أخبره/بأسمائهم وأدلّه على مواضعهم إذن أكون شريكه في دمائهم. فراجعناه في ذلك، فقال (٤): لو كانوا تحت قدمي ما رفعتها عنهم (٥)، فليعمل ما (٦) بدا له أن يعمل. قال: وردّ يحيى إلى الحبس وخرجنا، فلما كان من الغد دعينا وأحضر يحيى، فقال لنا الرشيد: كلموه (٧) لعلّه يخبرنا بأصحابه فكلمناه فأومىء إلى لسانه، قال (٨): فأخرج لسانه أصفر قد سمّ، فحلف الرشيد أنّه ما أمر في أمره بشيء وهو يوهمكم أني سقيته السمّ (٩) فعليه وعليه إن كان من ذلك شيء، فلمّا أخرج لسانه قال هارون: ويلك يا مسرور ما هذا؟ قال: أنا سقيته لمّا رادّك (١٠) يا أمير المؤمنين وخرجنا، ولم يعلم له خبر (١١) بعد ذلك.

стр. 247

[مقتل يحيى] ٢٥٣ - ٢٧٣] وقد أخبرني موسى بن عبد الله عن بعض أهله قال: رجلان (١) من أفضل أهل زمانهما، أو أفضل أهل عصرهما، أحدهما من ولد الحسن والآخر من ولد الحسين، لا يوقف على موتهما ولا على قتلهما كيف كان: موسى بن جعفر، ويحيى بن عبد الله. قال المدائني عمّن أخبره: دفع هارون يحيى إلى جلاد (٢) /يقال له أسلم أبو المهاصر، فحبسه عنده؛ قال [١]: وكان الرشيد يركب حمارا ويدور في القصر فيسأل أسلم عن خبره فيخبره، فقال (٣) له يوما: إنه يطبخ قدرا في كل يوم بيده، ووصف له صفتها، فقال الرشيد: هذه (٤) قدرنا مدينيّة، فاذهب إليه (٥) فقل له: يقول لك أمير المؤمنين أطعمنا من قدرك، قال: فأتاه فقال له، فأخذ قصعة له من خشب (٦)، فغسل داخلها ثم غرف أكثر القدر وبعث به إليه، فلمّا جاءه به أمر (٧) أن يؤتى بخبز، وأكل به حتى بقيت قطعة بصل في جنب القصعة فأتبعها بلقمة حتى أخذها، ثمّ دعا مسرورا الكبير فقال: احمل إلى يحيى ألف خلعة من

стр. 248

كلّ فنّ سريّ من الثياب الفاخرة مع ألف خادم فاره، كلّ خلعة ثلاثة أثواب، وانشرها كلّها عليه وعرّفه أثمانها ومن أهداها لنا، وقل له (١) يقول لك أمير المؤمنين جعلناها مكافأة لك (٢) على ما أطعمتنا، حتى تأتي على آخرها. قال: فأتاه مسرور بالخلع والخدم وأبلغه الرسالة وهو مطرق/ ما ينطق ولا ينظر، قال: وأحسّ يحيى بالشّر منه لما أتاه بذلك (٣)، وأيقن أنّه معذّب مقتول. قال، فرفع رأسه فقال: قل لأمير المؤمنين إنّما ينتفع بهذا من له في الحياة طمع ونصيب ومن كان آمنا على نفسه راجيا لبقائه، فأمّا المحبوس المقهور الخائف المأسور المرتهن بسعايا البغاة بغير ما جنت يداه، فاتّق الله يا أمير المؤمنين (٤) ولا تسفك دمي واحفظ رحمي وقرابتي فإنّي في شغل عمّا وجهت به (٥) إليّ. قال مسرور: فرققت له ثمّ رجعت إليّ نفسي، فقلت (٦): لا ولا كرامة، لا أقول لأمير المؤمنين من هذا شيئا. فقال يحيى: هذا من ذاك الذي أتخوّفه وأشفق منه. وعاد مسرور إلى الرشيد فأخبره بكل ما قال. قال، (٧) فقال له: فما قلت له؟ فأخبره بما قال، قال: أصبت، وأمره أن يرجع إليه ويقول/له: يقول لك أمير المؤمنين إن أحببت أن أطلق عنك، فأخبرني بأسماء السّبعين الذين أخذت لهم الأمان لأعلم (٨) أنّك بريء مما سعي إليّ فيك،

стр. 249

فإنّك إن فعلت أخرجتك من حبسي وأجزتك بألف ألف دينار، وأقطعتك من القطائع وأعطيت أصحابك من الأموال كذا وكذا، وأنزلتهم من البلاد حيث شاؤوا (١). قال مسرور: فلما قلت له ذلك قال: قل له يا أمير المؤمنين (٢) إله عن ذكر أولئك فإنّك لو قطعتني إربا إربا لم يرني الله أشاركك (٣) في دمائهم، ولو أعطيتني جميع ما في الأرض ما أنبأتك باسم واحد منهم، /فاصنع ما بدا لك فإن الله بالمرصاد. قال المدائني: وقال هارون يوما لأسلم: كيف ضيفك؟ قال: صالح! قال: لا أصلح الله حالك، حتى قال ذلك له مرارا في أوقات مختلفة (٤) فبقي أسلم لا يدري ما (٥) معنى كلامه، فأتى مسرورا الكبير فقال: إنّ أمير المؤمنين كلّما سألني عن ضيفي فقلت: صالح، قال: لا أصلح الله حالك، فقال له مسرور: إنّه (٦) إنّما دفع إليك أمير المؤمنين عدوّه لتغذوه له (٧) ويكون عندك صالحا؟؟ قال أسلم: فجئت إلى محبسي فأخرجت يحيى منه وجعلته في بيت دونه (٨) ثلاثة أبواب وأغلقت (٩) الباب الأول والثاني والثالث فخاف يحيى ممّا أردته به فجعل معه بستوقة من

стр. 250

سمن أخفاها/في كمّه وأنا لا أعلم، فلما كان بعد سبعة أيام أتيته والموكلون بالباب، فدخلت عليه وأغلقت الباب من داخل، فإذا هو يصلي، فاشتدّ تعجّبي وقعدت بحذاه وقلت (١): بهذه الخلقة أردت الخلافة، وبهذا الوجه أردت الخروج على أمير المؤمنين؟ وكان يحيى خفيف اللحية، وهو مقبل على صلاته ما يلتفت إليّ، فما زلت أعرّض (٢) به وهو مقبل على صلاته ما يلتفت إليّ حتى شتمته بالزاني (٣)، فأسرع في صلاته وأوجز فيها ثمّ وثب إليّ وثوب أسد (٤) فقعد على صدري وقبض على حلقي وعصره حتى ظننت أنّه قد قتلني، ثم أرسلني حتى استرحت ثم قبض على حلقي حتى فعل ذلك فيّ ثلاث مرّات ثم قال: لولا انه ليس في قتلك درك لقتلتك، ثم قال: ويلك من شتمت أفاطمة بنت محمد أم فاطمة بنت أسد أم فاطمة بنت الحسين أم زينب بنت أبي سلمة؟ ثم خلاّني فخرجت هاربا وفتحت الأبواب وقلت للبوّابين: ادخلوا فليس هذه قوّة من لم يأكل سبعة أيام شيئا. ففتّشوا البيت فأخرجوا بستوقة السّمن فأخذتها وأغلقت الأبواب، وتركته ثلاثة أيام ثم جئت ففتحت الباب الأول ولم أغلقه وقلت للموكلين: إذا (٥) سمعتم صياحي فادخلوا، ثمّ فتحت الباب الثاني والثالث فتسمعت (٦) فلم أسمع

стр. 251

له حركة، فتركت الأبواب مفتوحة ودخلت، فإذا هو ساجد انقلب على الجنب وهو ميت، فخرجت إلى الموكلين فوجهت بهم إلى منزلي فأتوني بفرش ووسائد (١) /ومخادّ ومقرمة وإزار ثم بسطته، ولم (٢) أدخل أحدا منهم معي (٣) ثم قمت على ركبتيه حتى مددتهما ثمّ سجيّته بثوب ثم خرجت وأغلقت الباب الخارج وأتيت هارون فقلت: /أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين، قال: فيمن؟ قلت في ابن عمّك يحيى بن عبد الله، قال: قد (٤) مات؟ قلت نعم، قال: به أثر (٥)؟ قلت لا. قال: فاذهب فأدخل عليه شهودا يشهدون على موته وادفنه، ففعل. قال المدائني، حدّثني عبد الله بن مروان قال: رأيت والله أبا المهاصر أسلم هذا الخادم بعد الرشيد ومحمد يتصدق عليه (٦) بسوء حال بعد نعمة عظيمة. وحدثني (٧) علي بن مسعود المصري / عن رجل، وسمّاه (٨)، واسمه عندي مثبت في كتبي، قال (٩): ركبنا في مركب من الموصل نريد بغداد، قال فجرى حديث يحيى بن عبد الله فقال قوم: قتلوه بالسيف، وقال

стр. 252

قوم: قتلوه جوعا بالمطبق (١)، قال: وكان معنا خادم له هيئة وشارة فقال: إيّاي فاسألوا فإني أخبركم أمر يحيى كيف كان موته وقتله: دفعه إليّ هارون فكان يسألني عنه كل يوم وأقول هو بخير فقال لي يوما: ويلك (٢) لولا أنّه قد خدعك، كيف يكون عدوي معك بخير؟ فعلمت ما يريد، فقلت: هذا عدوّ أمير المؤمنين، وكل من كان عدوا لأمير (٣) المؤمنين فهو كافر، فقال لي اذهب فادخله بيتا ليس فيه طعام ولا شراب ثم أغلق عليه الباب ثلاثة أيام، ففعلت. ثم قال: إفتح عليه (٤) الباب فانظر ما حاله؟ ففتحت الباب، فإذا هو قائم يصلي فتعجبت، ثم رجعت فأخبرت هارون، قال: فاذهب ففتش البيت لا يكون معه (٥) شيء لا نعرفه ثم أغلق الباب عليه، ففعلت ثم أتيته بعد ثلاث فقال: إفتح عليه ثم انظر (٦) ما حاله. ففتحت عليه (٧)، فإذا هو قاعد يصلي إلاّ أنّه قد ضعف، فرجعت إلى هارون فأخبرته، فقال: أخاف أن تكون قد غششت ولم تتصح، إذهب ويلك ففتّشه وانظر كيف يعيش إنسان لا يأكل ولا يشرب أياما كثيرة، والله لئن أثّرت فيه (٨) أثرا لأضربنّ عنقك، قال: فرجعت وفتحت الباب وقلعت ثيابه وعرّيته فلما هممت يقلع السراويل قال: ويلك إحفظ

стр. 253

قرابتي من رسول الله، فإنّه ما رأى أحد عورتي (١) قطّ، فاستعنت عليه بأصحابي وحللنا (٢) سراويله، فإذا بين فخذيه أنبوبة قصبّ فيها سمن، كلما (٣) أجهده العطش مصّ منه شيئا فيمسك رمقه. قال: فأخذناها وخرجنا وأغلقت الباب ورجعت إلى الرشيد فأخبرته (٤)، فقال (٥): اتركه ثلاثا ثم انظر ما حاله؟ فجئته بعد ثلاث فإذا هو ساجد ميت، فرجعت إلى هارون فأخبرته، قال: إذهب فاشهد عليه بعد أن تمدده وتسجّيه. قال: وكان معنا شاب له سمت فخفّ لذلك الخادم حتى إذا انفرد الخادم على جانب المركب يريد الخلوة للحاجة، قصد به الفتى موضع جرية الماء وجذبه ثم دفعه ورمى بنفسه خلفه فما زال (٦) يغطه حتى غرق، فقلنا له/وقد خرج إلى الأرض: /يا عدوّ الله (٧) قتلت الرجل! فقال: يا أعداء الله، ألم (٨) تسمعوه يقول: أنا قتلت ابن رسول الله بالجوع والجهد فلم تنكروا عمله (٩)، ويلي عليكم/لو قدرت على قتلكم لقتلتكم. وأخبرني أبو هاشم إسماعيل (١٠) بن عليّ [بن إبراهيم بن علي بن حسن] (١١) بن عبد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، عن حمزة بن

стр. 254

القاسم، عن أبيه، عن إبراهيم (١) قال (٢): تذاكرنا يوما عند عمر بن فرج الرّخّجي أمر يحيى بن عبد الله، فقال عمر بن فرج، حدّثني مسرور (٣) الخادم قال: أتي بيحيى وهارون بالرّافقة وعنده عبد الله بن مصعب الزبيري، فقال الزبيريّ: يا أمير المؤمنين (٤) إنّ هذا وأخويه قد أفسدوا علينا مدينتنا، فقال له يحيى (٥): ومن أنت عافاك (٦) الله؟ فجرى بينهما من الحديث ما قد كتبناه (٧)، حتى أنشد يحيى هارون الشّعرين الذين قالهما الزبيري في محمد ﵀، فاسودّ وجه الزّبيريّ وتغيّر (٨) وانتفى أن يكون قال من هذا شيئا؛ فقال يحيى: يا أمير المؤمنين إن كان صادقا فليحلف بما أحلّفه؛ فأمر هارون أن يحلف (٩) فقال له [١]: قل براني الله من حوله وقوّته ووكلني إلى حولي وقوّتي إن كنت قلت هاتين (١٠) القصيدتين، قال: ليس (١١) هذه من الأيمان، أنا أحلف بالله الذي لا إله إلا هو، وهو

стр. 255

يحلفني بشيء ما أدري ما هو؛ فأمره الرشيد أن يحلف (١). فما أتى عليه إلاّ (٢) ثلاث حتى مات، فأمر الرشيد أن يدفن، فدفن (٣) فانخسف القبر، ثم بنوا ثانية فانخسف القبر ثم بنوا (٤) ثالثة فانخسف القبر، فأمرهم (٥) هارون أن تضرب عليه خيمة، فما زالت مضروبة على قبره. ثمّ دفع يحيى إلى مسرور، فكان يسأل عن خبره فقال له يوما: انظر ما يصنع؟ فنظر، فإذا هو يطبخ قدرا له عربيّة مدينيّة (٦)، فوصفت (٧) له صفتها فقال: نعم هذه قدرنا فخذ غضارة واذهب إليه فقل له: يقول (٨) لك أمير المؤمنين أطعمنا من قدرتك (٩). فأخذ القدر فأفرغها في الغضارة فجاء (١٠) بها، فدعى هارون بالمائدة والخبز/فأكلها حتى جعل يلعق أصابعه (١١)، ثم قال: إرجع إليه فقل له زدنا، فقال مسرور: والله يا أمير المؤمنين ما خلّف في القدر شيئا. قال: فاذهب إليه فقل له ليفرخ همّك وروعك فإنّه لا بأس عليك، فرجعت إليه فأخبرته بما قال، فقال يحيى: كيف (١٢) يفرخ روعي وأنا أعلم أنّه قاتلي؟ فرجعت إلى هارون،

стр. 256

فقال: ما قال لك؟ فأخبرته، قال: فاذهب وضيّق عليه، فذهبت فجعلته في بيت ليس فيه طعام ولا شراب، ثم جئته بعد أيّام فإذا هو في محرابه يصلّي، فأخبرت هارون فقال: فعل الله بك غششتني، فحلفت/أنّي ما فعلت، قال: فاذهب ففتّشه، فجئته فامتنع فاستعنت عليه فإذا تحت باطن قدميه شكوة (١) فيها سمن فنزعناها، وخرجت وسددت عليه، ثمّ أخبرت هارون وتركته أيّاما، ثم جئته أنظر ما حاله/فإذا هو ميّت في محرابه، فأخبرت هارون. وذكر نحو القصّة التي ذكرناها آنفا. وأما هارون الوشّاء فقال: حدّثني عبد العزيز بن يحيى الكنانيّ، قال (٢): جمع هارون الفقهاء فكان فيمن أحضر محمد بن الحسن، والحسن بن زياد، قال وكنت فيمن حضر، وأحضر من القرشيين جماعة من ولد أبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزّبير، وأبو البختري، وأحضر أمان يحيى فدفع هارون الأمان إلى محمد بن الحسن (٣)، ويحيى في الحديد (٤)، فقال: يا محمد انظر في هذا الأمان هل هو صحيح أم (٥) هل في نقضه حيلة؟ فقرأه ثم قام قائما وقال: يا أمير المؤمنين أمان صحيح، ما رأيت أمانا قطّ أصحّ منه، ولا ظننت أنه ما بقي في الدنيا رجل (٦)

стр. 257

يحسن أن يكتب مثل هذا، ولو كلّفت أن أكتب مثله ما أحسنت؛ قال: فغضب الرّشيد (١) حتى انتفخت أوداجه وانقطعت أزراره، وأخذ دواة بين يديه فضرب بها رأس محمد فشجّه، فذكر القصّة ثم قال (٢) آخر ذلك: دفعه إلى الفضل بن يحيى، ولم يقل أنّ أبا البختري قال: فيه حيلة، ولكن: لما رأى أبو (٣) البختري هارون قد غضب قال: ردّوا عليّ الأمان، بعدما كان قد نظر فيه وصحّحه، فردّوه عليه فوضع يده على حرف فقال: هذا آخره ينقض/أوّله، اقتله ودمه في عنقي. فقال له يحيى: يا ملقوط، والله (٤) لقد علمت قريش أنّه ما لك أب يعرف، فلو استحييت من شيء لاستحييت من ادعائك إلى من ليس بينك وبينه رحم مع أنّ من تدّعي إليه عبد لبني (٥) زمعة، ثم قال: يا هارون اتّق الله فإنه لا ينفعك هذا ولا ضرباؤه (٦) يَوْمَ لا يَنْفَعُ اَلظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اَللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ اَلدّارِ (غافر ٤٠/ ٥٢). فقال هارون: انظروا [لا يستحلّ أن يقول يا أمير المؤمنين] (٧)، هذا ينتقض ما أعطيته من الأمان. قال (٨) يحيى: ما جزعك من اسم سمّاكه أبواك؟ قد (٩) كان يقال لرسول الله يا محمد فما ينكره وهو رسول ربّ العالمين. قال: فدفعه إلى يحيى بن خالد بن

стр. 258

برمك (١) وخرجنا من عنده. فبكى محمد بن الحسن (٢)، فقلنا له: ما يبكيك؟ فقال: أخاف العقوبة من الله، قلنا (٣): أليس قد أعذرت حتى خفنا عليك (٤) أن يأمر بقتلك؟ [قال: كان يجب عليّ أن أردّ على أبي البختري ما ادّعى من أنّ ذلك الحرف ينقضه وقد كذب في ذلك، قالوا: لو تكلّمت لأمر بقتلك] (٥)؛ فلم يزل محمد في قلبه شيء من ذلك (٦) حتى مات. قال المكي، فأخبرني الثقة: انّ جعفر بن يحيى حبس يحيى بن عبد الله مدّة عنده (٧) /حتى سأله هارون عنه فأخبره بسلامته، فقال هارون: ما أطول حياته! فعلم جعفر أنّه يريد (٨) أن يقتله، فأخرجه ليقتله، فجعل جعفر يقول واأسفاه كيف أسلمت قتل (٩) يحيى من بين الخلق (١٠)، فقال له يحيى بن عبد الله (١١): اسمع مني أصلحك/الله شيئا يكون لك فيه السلامة في الدّنيا والآخرة، أعطيك من العهود والمواثيق ما تسكن

стр. 259

إليه نفسك أنّك إن تركتني خرجت حتى أدخل بلاد العجم-أو قال: الروم-ولا أخبر أحدا باسمي (١) ولا نسبي، إلاّ أن (٢) أذكر لهم أني رجل من المسلمين جنيت جناية فخفت على نفسي فلحقت ببلادك. فإن قتلني كان يكون قتلي على يد مشرك (٣)، وإن أمّنني ولم يقتلني لم أخرج من بلادهم أبدا ما دام صاحبك في الحياة؛ وإن أمت قبله رجوت أن يقبل الله عذري ويعلم أني (٤) لم أختر دار الشرك على دار الإسلام إلاّ أنّه حيل بيني وبين ذلك في أنّي فررت من العذاب أو (٥) القتل، فإن رأيت وفقّك الله أن لا تعجل وتنظر فيما سألتك وتعرضه على قلبك، فإنك إن كنت محتاجا/إلى رضى هارون فإنّك محتاج إلى رضى الرحمن، فانظر لنفسك قبل يوم الحسرة (٦) والندامة فإن نعيم الدنيا وشيكا سيزول عنك وعن صاحبك فاشتر من الله نفسك بإحياء نفس من ذرّية رسول الله تستوجب بذلك (٧) عند الله الزّلفى وحسن المآب، واحذر أن تلقى الله بدمي مع معرفتك بأنّي محرج مظلوم لا ناصر لي إلاّ الله، وكفى بالله من الظالمين منتقما. قال: فأمر جعفر بردّ يحيى إلى الحبس ووقع كلامه

стр. 260

في قلبه فلما كان بالليل أرسل إلى يحيى فقال: إنّ كلامك قد وقع في قلبي وإنّ قبلي للناس (١) مظالم كثيرة وإنّ لي من المظالم الكبار والذنوب العظام الموبقات (٢) ما لا أطمع في النّجاة معها (٣) والمغفرة. فقال له يحيى: لا تفعل فإنّه لا (٤) ذنب أعظم من الشرك، وقد قال الله في محكم التنزيل للمشركين (٥) الذين أسرفوا في الشرك وفي معاداة النبي وقتل أصحابه ياعِبادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللهِ إِنَّ اَللهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ (الزمر ٣٩/ ٥٣ - ٥٤) فأمرهم بالإنابة والتوبة، والله ﵎ يغفر لمن تاب وإن عظم جرمه، قال: فتضمن لي المغفرة إن أنا/ خلّيتك؟ قال له يحيى (٦): نعم أضمن على شريطة، قال له (٧) جعفر: وما هي؟ قال: تتوب من كلّ ذنب أذنبته بينك وبين الله ثم لا تعود في ذنب أبدا، وأمّا الذنوب التي بينك وبين النّاس، فكلّ مظلوم ظلمته تردّ ظلامته عليه، فإنّك إذا فعلت ذلك وأدّيت الفرائض التي لله عليك غفر الله لك، وأنا الضامن لك ذلك. قال: فعزم جعفر على تخليته وأخذ على يحيى العهود والمواثيق بأن يمضي من فوره ذلك حتى يدخل إلى

стр. 261

بلاد الروم وأن لا يخبر أحدا باسمه ونسبه (١)، ولا يستصحب أحدا، ويقيم في بلاد الروم ما دام هارون حيّا، إلاّ أن لا يجد سبيلا إلى بلاد الروم بوصول (٢)؛ فحلّف يحيى على ذلك، فحلف، وكتب له جعفر بن يحيى منشورا أن لا (٣) يعرّض له وأن يحتال هو بالدخول (٤) إلى بلاد (٥) الروم سرّا وحده لأمر مهمّ وينفذ من يومه إذا وصل إن شاء الله وأخرجه ليلا. قال: وكان عمّ جعفر، محمد بن خالد بن برمك، عاملا على ثغور الروم؛ فمرّ يحيى من فوره (٦) حتى أتى ثغر المصيصة فأخذ بها وأتي به إلى محمد بن خالد بن (٧) برمك. فلما نظر إليه وتأمّله قال: أنت يحيى بن عبد الله [؛ فأنكر ذلك فتهدّده وضربه] (٨)، فأنكر وأخفى خبره؛ وقال: هذا يحيى دفعه هارون إلى جعفر ليقتله فأطلقه وإن بلغ هارون إطلاقه كان فيه هلاك آل برمك؛ فخرج به إلى (٩) هارون يطوي المنازل حتى وافاه بمكّة، فدخلها ليلا ومعه سبعة أبعرة. فمضى حتى صار إلى (١٠) دار الفضل بن الربيع، فاستأذن عليه من ليله (١١)، فقال له الفضل: تركت

стр. 262

عملك وجئت؟ فقال: إنّ الأمر الذي جئت له أعظم من أن يذكر معه عملا، قال: ما هو؟ قال: هذا يحيى بن عبد الله معي. فقال [له الفضل: قد مات يحيى، فقال] (١): هذا يحيى معي-وكان الفضل عدوّا للبرامكة (٢) -فقال محمد بن خالد بن (٣) برمك: أعلم أمير المؤمنين بمكاني وانظر لا يعلم به (٤) أحد فإنه إن علم بي جعفر خفت أن يغتالني. قال: فأخبر الفضل هارون بأمر يحيى، قال: فأقلقه ذلك، فوجّه إلى هرثمة فأحضر وإلى محمد بن خالد وغيرهما، فشاورهم، فقال له هرثمة: يا أمير المؤمنين إنّك في موسم مثل هذا ولا آمن إن أحسّ جعفر بأمر يحيى وخيانته فيه استقبل وعمل في صرف الخلافة، قال: فما الرأي؟ قال (٥): أن تضرب عنق هذا القادم عليك وكل من معه من الغلمان والحشم حتى لا (٦) يخرج خبره (٧) وتأمر بيحيى تطوي به المنازل طيّا إلى بغداد (٨) /وتظهر لجعفر من اللين والكرامة أضعاف ما كان عندك (٩)، فإذا دخلت بغداد قتلت جعفرا وجميع البرامكة واستبدلت بهم. قال: ففعل هارون كل ما أشار به (١٠) عليه هرثمة إلاّ قتل محمد بن

стр. 263

خالد فإنّه استبقاه؛ وقدم بغداد فقتل/جعفرا والفضل وحبس يحيى بن خالد، واستصفيت أموالهم وقتلت رجالهم، وأحضر يحيى بن عبد الله، فقال: يا يحيى لم يكفك ما عملت بي (١) حتى أفسدت عليّ وزرائي، والله (٢) لأقتلنّك قتلة تحول بينك وبين إفساد أحد عليّ (٣). فقال له يحيى: اتّق الله يا هارون وراقبه فإنّك عن قليل لاقيه وهو سائلك عن نقض ما أعطيتني من العهود والمواثيق المأخوذة لي (٤) عليك، فلا تك ساهيا عن عقاب الله، غافلا عن وعده ووعيده كأنّك لا ترجو من الله ثوابا ولا تخشى عقابا، تعمل أعمال الفراعنة، وتبطش بطش الجبابرة، خليلك ووزيرك من اتّبع هواك في معصية الله، وعدوّك من دعاك إلى طاعة الله، حسبك يا مغرور ما احتملت الأوزار وارجع إلى الله فإنّه يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السّيئات ويعلم ما في الصدور. قال: فدفعه الرشيد إلى مسرور، فقال (٥): يكون عندك/حتى أسألك عنه. فلمّا خرج إلى خراسان الخرجة الأولى نزل بقرية (٦) من قرى الرّيّ يقال لها أرنبوية، أمر أن يحفر قبر (٧) من ناحية المقابر ويترك. فسمعت جماعة من أهل ناحية أرنبوية، منهم: أحمد بن حمزة،

стр. 264

والحسين بن علي بن بسطام، وغيرهم من أهل مدينة الريّ، والحسن (١) بن إبراهيم بن يونس، كلهم يقول ويخبر (٢) عن الحفّارين الذين حفروا القبر، قالوا: أمرنا أن نحفر قبرا طوله كذا وعرضه كذا، ولا نجعل له لحدا، وظنّنا (٣) أنهم يدفنون (٤) فيه مالا، فصعدنا على شجر كان في المقبرة لننظر ما يدفن، فلما مضى من الليل نصفه إذ بنفر عليهم ثياب بيض، وفارس يركض وهو يصيح: خذوه خذوه! يوهم من كان هناك أنّه قد رآه؛ فسكنّا (٥) حتى وقفوا على القبر، فإذا رجل مكبّل بالحديد على بغل، ومعهم تابوت على بغل آخر، فوضع صاحب التّابوت التّابوت في القبر وانصرف، وجاء القوم فأنزلوا الرّجل من البغل وأدخلوه التّابوت/وهو (٦) يقول: يا هارون اتّق الله، ما شفيك (٧) قتلي دون عذابي، أيّ درك لك (٨) في عذابي؟ فيقول (٩): الملك عظيم هيبته (١٠)، اطرحوه الآن في التابوت! فما زال (١١) يناشده الله والرّحم حتى واروه التابوت (١٢)، ثم انصرفوا، فقلنا:

стр. 265

والله لو لم نحضر ما كان علينا من دمه، وإن أغفلناه كنّا شركاء في دمه؛ فنزلنا من الشجرة/وأخذنا المساحي، ثم عالجنا (١) حتى أخرجنا التابوت، فاستخرجناه منه وبه أدنى رمق؛ فذهبنا به إلى النهر فغسلناه في الماء حتى عادت إليه نفسه، ثم عدنا إلى القبر فسوّيناه كما كان، وصرنا بيحيى إلى منزلنا (٢). فكتب لنا رقعة إلى يحيى بن مالك الخزاعي، فوقفنا له حتى ركب ثم دفعنا إليه الرقعة، فقال: قفوا حتى أعود؛ ثم مضى ساعة يتصيّد، ثم عاد (٣) فقال: أخبروني كيف كانت قصّته؟ فأخبرناه، فبكى ثم دعى (٤) ببدرة دنانير، فقال: ادفعوها إليه وقولوا له: قال (٥) يحيى يا مولاي اطو (٦) الأرض ولا تعترف إلى أحد من النّاس والحق ببلاد الشّرك. قال: فأتيناه بالبدرة، فأخذ منها دينارين ودفع باقي ذلك المال إلينا ومضى. قال: بعضهم (٧) يقول مضى إلى بلاد الشرك (٨)، وبعضهم يقول: إنّه أعقب في بلاد الإسلام بعد هذا. وكان رجل يعرف بعبد الله بن منصور، وكان حبرا (٩) فاضلا كثير العلم [كتب عن الناس من أهل البيت وغيرهم] (١٠)، قال إنّه من ولد

стр. 266

يحيى بن عبد الله، وذاك أنّ جدّه منصور البخاري أبا أمّه، كان من أصحاب يحيى، فلما طلبوا وأخذ صاحب (١) يحيى فرّ من بخارى ونزل قومس، فلمّا خرج يحيى من القبر لقيه منصور وهو خارج من (٢) الجبال بقومس، قال: أين تريد؟ قال: أريد أن أدخل بلاد/الشرك: تبت أو الترك، قال له منصور: لا تفعل، ولكن أقم عندي ولا نعلم أحدا (٣) من خلق الله من أنت فإنّك إن كتمت (٤) خبرك لم تخف إن شاء الله؛ فأقام عنده وزوّجه منصور ابنته، فولدت له (٥) عبد الله هذا، مات بطبرستان عند الحسن بن زيد سنة تسع (٦) وستين وله جماعة أولاد. وأخبرني أبو الجارود سنح بن (٧) محمد التمّار عن أبيه عن مشايخ آل الحسن قال (٨): كان ليحيى بن عبد الله ثلاثة بنين: محمد وصالح وعبد الله، فحبسهم بكّار بن مصعب الزبيري وسمّ منهم اثنين فماتا، وذكر قصّة لمحمّد/طويلة ذهبت عنّي. وقال: ودسّ الزبيريّ جماعة من أهل المدينة وغيرها، فادّعوا على يحيى وهو في حبس هارون مالا فقضى لهم بما ادّعوا وباع ضياعه وأمواله بالمدينة وأعرا منها أهله وولده، منها سهمه/بعين سويقة والسانه (٩) والسائرة والمضيق والعيص (١٠) وينبع، وباع عليه عمير (١١) وتسمى

стр. 267

وس (١) وهي اليوم في يد آل جعفر بن إبي طالب. وقد أخبرني أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن عبد الله قريبا من هذا، إلا أنّي أوعى لخبر أبي الجارود من خبر محمد (٢). تمّ خبر (٣) الحسين بن علي صاحب فخ وأخبار يحيى بن عبد الله رحمة الله عليهم (٤) جميعا، والحمد (٥) وحده وصلواته على سيدنا محمد النّبي وآله وسلامه (٦).

стр. 268

أخبار الحسين بن علي الفخّي ويحيى وإدريس ابني عبد الله من كتاب المصابيح لأبي العبّاس أحمد بن إبراهيم الحسني (*) (المتوفى ٣٥٢/ ٩٦٤)

стр. 269

الرموز (*) د: مخطوطة المكتبة المتوكلية بالجامع الكبير بصنعاء، تمّ نسخها عام ٦١٤/ ١٢١٧؛ وهي مصورة في دار الكتب المصرية بالقاهرة برقم ٨١. ص: مخطوطة المكتبة المتوكلية بالجامع الكبير بصنعاء، تمّ نسخها عام ١٣٣٧/ ١٩١٨.

стр. 270

ذكر خروج أبي عبد الله الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الفخّي عليهم السلام وقتله حدثنا أبو العباس الحسني، ﵁، بإسناد الرواة (١) عن عبد الله بن نمير، رفع الحديث إلى النبيّ ﵌ [١]: انتهى إلى موضع فخّ، فنزل عن راحلته، فأمر أصحابه فصفّوا خلفه فصلّى بهم صلاة الجنازة، فسألوه عن ذلك فقال: يقتل ها هنا رجل من أهل بيتي في عصبة من المؤمنين لم يسبقهم أهل بدر. حدثنا أبو العباس عن يحيى بن الحسن العلوي صاحب الأنساب عن النضر بن أوس [٢] قال (٢): أكريت (٣) جعفر بن محمد ﵇ من المدينة إلى مكة فلما ارتحلنا من بطن مرّ قال لي: يا نضر إذا انتهينا إلى

стр. 271

فخ فأعلمني، فقال (١)، قلت: أو ليس تعرفه؟ قال: بلى ولكني أخشى أن تغلبني عيني، قال: فلما انتهينا إلى فخّ دنوت من المحمل فإذا هو نائم فتنحنحت فلم ينتبه، فحرّكت المحمل فانتبه فجلس، فقلت: قد بلغت، فقال: حلّ محملي، فحللته ثم قال: خلّ القطار، قال: فتنحيّت به عن الجادة وأنخت بعيره، فقال: ناولني الإداوة والركوة، قال: فتوضأ للصلاة وأقبل ثم دعا، فقلت جعلت فداك رأيتك فعلت شيئا، أهو من المناسك؟ قال: لا ولكن يقتل ها هنا رجل من أهل بيتي في عصابة تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنّة، وذكر من فضلهم. وحدّثنا أبو العباس الحسني قال، حدثنا سليم بن الحسن البغدادي قال، حدثنا أبو العباس (٢) أحمد بن عبيد بن سليمان الموصلي / قال حدثني أبي قال [١]: كان علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن أبو الحسين (٣) صاحب فخ مجتهدا فحبس مع عمّه/عبد الله بن الحسن بن الحسن، فكانوا في محبس لا يرون (٤) ضوءا ولا يسمعون نداء، ولم (٥) تكن معرفتهم أوقات الصلاة إلا بتسبيح (٦) علي وقراءته فيما بين كلّ صلاتين، فإنه كان (٧) فراغه منها عند وجوب كلّ صلاة.

стр. 272

فنشأ ابنه الحسين أحسن نشوء، له فضل في نفسه وصلاح وسخاء وشجاعة، فقدم على المهدي فرعى حرمته وحفظ قرابته، ووهب له عشرين (١) ألف دينار، ففرّقها ببغداد والكوفة على قرابته ومواليه ومحبّيه، فما (٢) خرج من الكوفة إلاّ بقرض، وما كسوته إلاّ جبّة عليه وإزار كان لفراشه، ثم قدم المدينة. وأقام بها حتى ولي موسى الهادي، فأقرّ على المدينة رجلا من أولاد (٣) عمر بن الخطاب، فأساء إلى الطالبيين وسامهم خسفا، فاستأذنه فتى منهم في الخروج إلى موضع لبعض أمره، فأجله أجلا (٤) وأخذ به كفالة الحسين بن علي، فلما مضى الأجل طالبه به، فسأله النطرة (٥)، فأبى وغلّظ عليه وأمر بحبسه وأسمعه؛ فلما أمسى قال أؤجلك هذه الليلة وأخلّي سبيلك وآخذ عليك يمينا مؤكدة لتأتيني غدا، فحلف له على ذلك ليأتينّه حتى يلقاه، وأضمر الخروج، فلما أعتم خرج إلى البقيع، وجمع أهله وأعلمهم بما عزم عليه فبايعوه. قال أبو الحسن المدائني: كان مخرج الحسين بن علي صاحب فخ ليوم السبت لبضع عشرة ذي القعدة سنة تسع وستين ومائة. وكان رجلا سخيا متوسّعا، لا يكبر شيئا تسأله إيّاه، وكان يأتيه (٦) ناس كثير، فكان يحمل على نفسه المؤن حتى أجحف ذلك به، فصار إلى أن باع مواريثه

стр. 273

في كلّ وجه كان له فيه شيء. وكانت له عين ذي النخيل، وكان ذو النخيل منزلا ينزله من خرج من المدينة إلى العراق، ومن قدم من العراق إلى المدينة من الحاج وغيرهم. وكانوا يشربون من عين حسين فتناشفها الناس وحرصوا عليها (١)، فكان حسين يدّان عليها فلم ينزع عن الدين فيها حتى صار عليه/سبعون ألف دينار-وفي رواية أخرى تسعون ألف دينار-وأمسك [دينه] (٢) عنده فلم يكن يبايع-فبعث المعلّى مولى المهدي فاشتراها منه بسبعين ألف دينار، وكان غرماؤه قد وعدوه الصلح والوضيعة، فكتب البريد بمكة والمدينة، فدعا المهدي بالمعلّى فسأله عن العين وشرائه إياها (٣)، فأقرّ له به؛ فقال/الربيع: يا أمير المؤمنين هذه قوّة الحسين بن علي على الافساد، وهو من لا يؤمن على حدث يحدثه، فقال المهدي للمعلّى: لا تحدث فيها حدثا، ودعا ببشار (٤) البرقي فأتاه، فأنفذه إلى الحسين فقدم عليه به، فلما وصل إلى المهدي سأله عن أمر العين وشراء المعلّى إيّاها، فأقرّ له به، ولم يختلف قوله وقول المعلّى في أمرها؛ وقال الحسين: يا أمير المؤمنين والله ما بقيت لي خضراء ولا عذق غيرها إلاّ صدقات عليّ والحسن بن الحسن، وانّ عليّ الثمن الذي بعتها به، ولولا الحاح الغرماء ما بعتها؛ فقال له المهدي: أتدّان سبعين (٥) ألف دينار أما تتقي الله، قد أهلكت نفسك، فقال الحسين، وكان بليغا منطيقا (٦): وما سبعون (٧) ألف دينار يا

стр. 274

أمير المؤمنين وسبعون ألف دينار، وأنا ابن رسول الله وابن عم أمير المؤمنين وشريكه في نسبه وشرفه (١)؟ فقال له المهدي: ردّ الله عليك عينك وقضى عنك دينك، ثم أقبل على (٢) عمر بن بزيع، فقال: يا عمر ادفع إليه سبعين ألف دينار، وأمره بالانصراف إلى منزله. فلما خرج من عنده أقبل الربيع على المهدي فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تثير على المسلمين من قبل هذا شرا، أما تسمع كلامه، فمتى يملأ جوفه شيء، والله لئن وصل إليه هذا المال ليثورنّ عليك به، فرجع عن ذلك وأمر له بمعونة (٣) عشرين ألف درهم. وبلغ الخبر حسينا فكتب به إلى صديق له بالكوفة [من جعف] (٤)، وإلى (٥) أخيه الحسن وأهل بيته وعدّة من غرمائه ووكلائه لما يتم له (٦) ذلك المييع (٧)، وأعطاهم خمسة آلاف درهم صلة لهم يتحملون بها وعوضا من سفرهم، فانصرفوا إلى المدينة. قال: وأقام الحسين، وكان ابن عمه علي بن العباس بن الحسن محبوسا عند المهدي، وكان/وجده ببغداد قد واعد (٨) وبايع بها بشرا كثيرا، (٩) فوعد المهدي حسينا أن يدفع ابن عمه إليه، فأقام على وعده؛

стр. 275

وتوفي المهدي وحسين بن علي مقيم ببغداد [نازل في دار] (١) محمد بن إبراهيم، فلمّا جاء نعي المهدي وضع الربيع على الحسن الحرس والرصد، فلم يزل على ذلك حتى قدم أمير المؤمنين موسى من جرجان، فذكر له الربيع حسينا ومكانه، فدعا به فلما دخل إليه أذن له في الانصراف فكلّمه في علي بن العباس، فأمر بتخليته، فشخص حسين ولم يؤمر له بدرهم فما فوقه، فقدم الكوفة فجاءه عدّة من الشيعة في جماعة كثيرة فبايعوه ووعدوه الموسم للوثوب بأهل مكة، وكتبوا بذلك إلى ثقاتهم بخراسان والجبل وسائر النواحي. وقدم/حسين المدينة، ومعه ابن عمّه علي بن العباس، وأمير المدينة عمر بن عبد العزيز العمري من ولد عمر بن الخطاب، وكان إسحاق بن عيسى بن علي استخلفه على المدينة حين شخص إلى موسى ليعزيه عن المهدي. حدّثنا أبو العباس العلوي بإسناده عن أحمد بن سهل الرازي (٢)، قال [١]: حدّثنا الحسين بن القاسم بن إبراهيم، ﵇، عن أبيه قال، قال لي أبي: عوتب الحسين بن علي-يعني الفخّي (٣) -فيما يعطي، وكان من أسخى الناس، العرب والعجم (٤)، فقال: والله ما أظنّ أنّ لي

стр. 276

فيما أعطي أجرا وذلك أن الله تعالى (١) يقول لَنْ تَنالُوا اَلْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّاتُحِبُّونَ (آل عمران ٣/ ٩٢)، والله (٢) ما هي عندي وهذا الحصى إلا بمنزلة، يعني الأموال [٢]. قال المدائني: وأخذ العمري الطالبيين بالعرض وضمّن بعضهم بعضا، فضمن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي (٣)، وحسين بن علي بن (٤) الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ﵈، وكانوا يعرضون عرضا دائما، واشتدّ عليهم العمري، فلمّا أفطر الناس من رمضان ألحّ عليهم إلحاحا شديدا (٥) بالعرض، فكانوا على ذلك حتى أهلّوا بهلال ذي القعدة، وقدم أوائل/الحاج من المشاة وأصحاب الحمير، فنزلوا بالبقيع، وقدم عدّة من الشيعة الكوفيين نحو من سبعين (٦) رجلا فنزلوا دار (٧) ابن أفلح بالبقيع، فأقاموا بها أياما، فأنكرهم بعض الناس، ولقوا (٨) حسينا وغيره، فبلغ ذلك العمري فأنكره وأمر بعرضهم غدوة وعشية؛ وإنّ الحسين بن محمد غاب عن العرض يومين، فلما انصرفوا من

стр. 277

الجمعة دعاهم للعرض (١)، فلما دخلوا المقصورة أمر بها فأغلقت عليهم، فلم يخرج منها أحد حتى صلّوا العصر ثم عرضهم، فلمّا دعا باسم حسن بن محمد فلم يحضر، قال ليحيى بن عبد الله والحسين بن علي لتأتياني به أو لأحبسنّكما، فإنّ له ثلاثة أيام لم يحضر العرض ولقد خرج أو تغيّب، فرادّاه بعض المرّادة، وكان الحسين أتقاهما في الردّ عليه، وأمّا يحيى فإنّه شتمه، فخرج حتى دخل على العمري فأعطاه الخبر، فدعاهما العمري فوبّخهما وتهدّدهما، فتضاحك الحسين في وجهه، وقال: أنت مغضب يا أبا حفص، فقال له العمري: وتهزأ بي أيضا وتخاطبني بكنيتي؟ فقال له (٢): قد تكنّى من هو خير منك أبو بكر وعمر وكانا يكرهان أن يدعيا بالولاية، وأنت تكره كنيتك وهي الكنية التي اختارها لك أبوك. قال يحيى بن عبد الله: لمّا بايعناه خرجت على دابتي راكضا مسرعا (٣) حتى أتيت حدبا (٤)، وبها موسى بن جعفر، وهو على ميلين/من المدينة. وكان موسى بن جعفر شديد الغيرة فكان يأمر بإغلاق أبوابه والاستيثاق (٥) منها، فدققت (٦) بابه فأطلت حتى أجبت وخبّرت باسمي، فأخبر الغلمان بعضهم بعضا من وراء الأبواب وهي مقفلة، حتى فتحت

стр. 278

وأذن لي فدخلت، فقال: أي أخي في هذه الساعة؟ قلت: نعم، حتى متى لا يقام لله بحق وحتى متى نضطهد ونستذلّ؟ فقال: ما هذا الكلام؟ قلت: خرج الحسين وبايعناه، فاسترجع، قلت: جعلت فداك، في أمرنا هذا شيء؟ وانصرفت إلى حسين، فلمّا أصبح جاء إلى مسجد رسول الله، ﵌، فصلّى بالناس الصبح، وبلغ العمري خبره، فزعم بعض أهل المدينة عنه أنّه قال: وقد نخب قلبه (١): / «أطعموني ماء واردفوا البغلة بالباب»، وهرب. وروي أنّه حج من أهل واسط شيخ تلك السّنة قال: فلما قدمت المدينة رأيت للناس حركة أنكرتها، وأتيت مسجد رسول الله، ﵌، وهو غاصّ بالناس والحسين على المنبر يخطب وهو يقول: أيها الناس أنا ابن رسول الله على منبر رسول الله، صلّى الله عليه وآله، أدعوكم إلى سنّة رسول الله، فقلت قولا أسرّه: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ما يصنع هذا الرجل بنفسه؟ وبالقرب منّي عجوز من عجائز أهل المدينة، فنهرتني وقالت: تقول هذا لابن رسول الله؟ فقلت: يرحمك الله والله ما قلت هذا إلاّ للاشفاق عليه. وروى النوفلي قال، حدثني محمد بن عبّاد البشري وكان رجلا من خزاعة، قال [١]: صليت صلاة الصبح في مسجد رسول الله، صلى الله

стр. 279

عليه وآله وسلّم، خلف الحسين، فلما فرغ من الصلاة صعد المنبر وقعد على مقعد رسول الله، ﵌، منه، وعليه قميص أبيض وعمامة بيضاء قد شدّ بها بين يديه ومن خلفه، وسيفه مسلول قد وضعه بين رجليه، وكان أهل الزيارة قد كثروا في ذلك العام وقد ملئوا (١) المسجد، فتكلم وقال في كلامه: أيها الناس أنا ابن رسول الله وعلى منبره، أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه. وفي غير هذه الرواية أنّه قال في خطبته: أيها الناس أتطلبون آثار رسول الله، ﵌، في الحجر والمدر والعود وتمسحون بذلك وتضيّعون بضعة من رسول الله؟ أخبرنا أبو العباس الحسني قال، أخبرنا ابن عافية قال، حدّثنا يحيى بن الحسن العلوي عن أحمد بن عثمان بن حكيم قال، حدثنا عمي دينار بن حكيم (٢) قال: رأيت الحسين بن علي صاحب فخّ، ﵇، على منبر رسول الله، ﵌، يقول بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلّى على محمد النبيّ ﵌: يا أيّها النّاس/أنا ابن رسول الله في مسجد رسول الله على منبر رسول الله، ﵌، أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة رسوله والاستنقاذ مما تعلمون، ومدّ بها صوته. قال ابن عبّاد: وأقبل/خالد البربري، وكان مسلحة للسلطان بالمدينة، في السلاح معه أصحابه حتى وافوا باب المسجد الذي يقال له

стр. 280

باب جبريل، فنظرت إلى يحيى بن عبد الله قد قصده في يده السيف، فأراد خالد أن ينزل وبدره يحيى بالسيف، فضربه على جبينه وعليه البيضة والمغفر والقلنسوة، فقطع ذلك كلّه حتى أطار قحف رأسه وسقط عن دابّته، وشدّ على أصحابه فتفرّقوا وانهزموا. قال أبو الحسن النوفلي ، قال أبي: وكان محمد بن سليمان بن علي خرج في ذلك العام حاجّا، وكان الطريق مخوفا فاستعدّ بالرجال والسلاح؛ قال: وحج في ذلك العام العباس بن محمد وسليمان بن أبي جعفر وموسى بن عيسى وهو على الموسم وولاية مكّة إليه، وحجّ فيمن حجّ مبارك التركي وقصد المدينة ليبدأ بالزيارة ومعه جمع كبير، فلما قرب من المدينة دسّ إلى (١) الحسين: إني والله ما أحبّ أن أبلى بك، فابعث إليّ من أصحابك ولو عشرة أناس يبيّتون عسكري فأني أنهزم، وسيّر إليه الرسالة بذاك وأعطاه على قوله عهودا، فأرسل إليه نفيرا (٢) فطرقوا عسكره وجعجعوا به وبأصحابه وصيّحوا به، فخرج هاربا وابتغى دليلا يعدل به عن المدينة حتى يصير بين مكة والمدينة، فورد على موسى بن عيسى فاعتذر إليه من انهزامه في البيات (٣)، ثم اجتمعوا في عسكر واحد. وتهيأ الحسين فيمن بايعه ودفع مالا إلى مولى لآل الحسين يقال له يوسف، وكانت جدّته مولاة فاطمة بنت الحسين، وأمره أن يكتري له ولأصحابه، وهو يريد في تقديره أن يسبق الجيوش إلى مكّة، فأقام أياما

стр. 281

ويوسف يخبره أن قد اكترى له، ثم توارى عنه وذهب بالمال. قال أبو الحسن النوفلي: فلما وقف حسين على ما صنع يوسف طلب الكراء فلم يجده لضيق الوقت، فلم يزل يحتال للمال وللإبل حتى وجد في ذلك ما وجد وقد فاته الوقت. وقدمت (١) الجيوش مكّة ممن خرج من البصرة والكوفة وبغداد، وخرج معه ممن تبعه ومن أهل بيته زهاء ثلاثمائة رجل، فلما قربوا من مكة، وصاروا//إلى فخ ويلدح (٢) تلقّته الجيوش. رجعنا إلى رواية غيره: فأتاهم إدريس بن عبد الله بن الحسن، وأخوه سليمان بن عبد الله بن الحسن الأفطس، وعلي بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن فباتوا ليلتهم، فلمّا كان السحر (٣) خرجوا إلى المسجد وقد أذّن من المؤذنين مؤذّن واحد، فحين أذّن الثاني فبلغ التشهّد أحسّ بهم (٤)، فقطع الأذان لما سمع الأصوات، وتوافوا في المسجد وهم خمسة وسبعون رجلا، الفاطميّون منهم سبعة والباقون ثمانية وستون؛ فلمّا طلع الفجر دخل الناس المسجد من كلّ ناحية، فأقام يحيى بن عبد الله الصلاة، وتقدّم الحسين فصلّى بالناس، ثم انصرف إلى المنبر فخطب الناس ودعاهم إلى البيعة فتفرّقوا عنه ولم يعرّج عليه أحد من أهل المدينة، ودخل ناس من أهل خراسان وغيرهم فسمعوا مقالته، فمنهم من تقدّم فبايعه ومنهم من لم يفعل.

стр. 282

قال: وتصايح الناس واعتزل أحبّاء آل العباس واجتمعوا إلى خالد البربري وهو يومئذ قائد الجند بالمدينة (١) وكانوا مائتي (٢) رجل، وصار إليه وزير بن إسحاق الأزرق وكان (٣) على صوافي الخاصة، ومحمد بن واقد مولى أمير المؤمنين وكان شريكا للعمري في الأعمال وإليه ديوان العطايا، فأقبل خالد البربري فيمن معه وخرج معه حسن بن جعفر بن حسن بن حسن على حمار له حتى دخل المسجد وأتى من ناحية موضع (٤) الجنائز، فحمل عليه (٥) أولئك المبيّضة فأمرهم الحسين بالكفّ عنه وإخراجه من المسجد-يعني حسن بن جعفر-وأقبل خالد البربري ومن معه من ناحية بلاط الفاكهة، فخرج الحسين وأصحابه إلى رحبة دار القضاء، فجلس فيها وجلس معه أصحابه إلاّ من تقدّم منهم للقتال، وهم زهاء ثلاثين رجلا فإنهم تقدّموا في نحور أصحاب خالد فرموهم بالنشّاب، وأقبل خالد راجلا سالا سيفه يصيح بالحسين ويشتمه ويقول: «قتلني الله إن لم أقتلك»، فلمّا دخل الرّحبة وثب إليه يحيى وإدريس إبنا عبد الله، وبدره يحيى وكان شديد الكف والذراع مجتمع القلب، فضربه على أنف البيضة فقطعه وخلص السيف إلى أنفه فشرقت عيناه بالدم، وقد ضرب خالد يحيى بسيفه فأسرع في (٦) الترس حتى وصل إلى إصبعه الوسطى والتي تليها من يده اليسرى؛ قال: ولما ثار الدم في عين

стр. 283

خالد/برك وعلواه بأسيافهما حتى برد، وأخذ إدريس درعين كانتا عليه وسيفه وعمود حديد كان في منطقته، ثم جرّا برجله فطرحاه بالبلاط على باب مروان. قال مصعب: وكان/خالد متعلقا بستر من شعر يعتصم به فإذا حمل عليه يحيى تراجع، ثم يحمل هو على يحيى فيتراجع، وقد نال كلّ واحد من صاحبه جرحا؛ ثم إنّ إنسانا من أهل الجزيرة كان مع الطالبيين خرج مصلتا سيفه متوجها نحو القتال، وخالد يراه، ولم يرياه يقصده، فحمل خالد على يحيى وهو لا يعلم ما يريد الجزيري، فعطف عليه الجزيري من ورائه وهو لا يشعر فضرب ساقيه وعرقبه ونزع البيضة عن رأسه، فضربه يحيى حتى قتله. قال مصعب: وكان هذا الجزيري أشجع من كان معهم، وقطعت يده ليلة المسابرة ثم قتل بفخّ في المعركة. ثم حمل (١) يحيى وإدريس ومعهما أولئك المبيّضة وعبد الله ابن الحسن الأفطس فقتلوا من الجند الذين كانوا مع خالد في رحبة دار يزيد ثلاثة عشر رجلا، وانهزم الناس وتفرّقوا في كل وجه، والحسين جالس محتب ما حلّ حبوته. قال: ولم يقم يومئذ سوق بالمدينة. قال: فركب إدريس في نحو من ثلاثين من أولئك المبيّضة، وقد كانت الجراح فشت فيهم للرمي الذي نالهم بالحجارة والنّشّاب، فداروا ساعة في المدينة، فأشرف لهم رجل من بني مخزوم أو غيره من قريش، فسألوه الكفّ عنهم وعن غشيان دورهم ومنازلهم ففعل، ورجع إلى الحسين فأخبره.

стр. 284

قال: فأقاموا ذلك اليوم، فلمّا كان من الغدّ جاءهم عمر بن حسن ابن علي بن علي بن الحسين، وإبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن حسن، وإسماعيل وهو طباطبا، وحسن بن محمد بن عبد الله بن حسن. قال: ولزم أهل المدينة منازلهم فلم يأتوا المسجد ولم يصلّوا فيه، وغدا إليهم ذلك اليوم جماعة من موالي آل العباس وأحبابهم، وخرج معهم عبد الله بن عثمان المخرمي، /وعمرو بن الزبير وغيرهما، فقاتلوا المبيّضة مراماة. قال: وقد كان سليمان بن أبي جعفر مع موسى بن عيسى، فتلقّاهم الخبر فأقاموا وتقدّم موسى بن عيسى في جماعة من مواليه حتى نزل بطن نخل، وأمر مبارك التركي أن يمضي إلى المدينة، فنزل ببئر المطّلب على خمسة أميال من المدينة، ثم أرسل إلى أهل المدينة رسولا يقول: من كان يرى لأمير المؤمنين طاعة فليخرج إلى مبارك، فغدا إلى مبارك: زيد بن حسن بن علي بن حسين، وغدا إليه علي بن عبد الله بن جعفر وغيرهما من الناس، وجاءه العمري وابن واقد ووزير بن إسحاق والمخرمي، فاجتمعوا إليه، فقال مبارك لزيد بن حسن: إن كنت جئت سامعا مطيعا تريد قتال القوم فقد رأستك على/هؤلاء فتقدّم فقاتل، فقال له زيد: والله ما انصفتني، تأمرني أن أقاتل بني (١) عمّي وإخوتي بين يديك، وأنت متخلّف لا تقاتل عن سلطانك وعن مولاك، ولكن يدك في يدي، ويدي في يدك حتى تعلم أجئت سامعا مطيعا أم لا، فقال

стр. 285

العمري وابن واقد (١): صدقك الرجل وأنصفك، فتقدّم أنت فإنه أحرى أن يقاتل الناس معك إذ رأوك وأن يخرج إليك من لا يجترأ على الخروج إذا لم يرك؛ قال: فأقبل مبارك معهم واجتمع (٢) إليه خلق كثير حتى كانوا زهاء ثلاثة آلاف رجل مع من ضوى (٣) إليهم؛ والمبيضة نحو من أربعمائة رجل فيهم الخراساني والكوفي والجبلي، وأقبل الآخرون كالمقتدرين عليهم فارتموا ساعة. قال: وأتوهم من نحو دار يزيد، وخرج عليهم المبيّضة قد أصلتوا سيوفهم، فحملوا عليهم حملة محقّقة فقاتلوهم على باب الزوراء، وذلك يوم الإثنين لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، حتى انتصف النهار، ثم قال لهم مبارك: لا بدّ من الراحة والقائلة، فلما تفرّق الناس عنه جلس على رواحله فلحق بموسى بن عيسى ببطن نخل، فأعطاه الخبر وذكر له من أتاه ومن تخلّف عنه، ومضى العمري وابن واقد ووزير بن إسحاق الأزرق فصاروا إلى معدن بني سليم حتى لقوا العبّاس /ابن محمد وكان القوم بالرّبذة إلى أن قدم عليهم مبارك، فمضوا جميعا يريدون مكة، فأقاموا بالمعدن ثلاثا وهمّوا بالرجوع إلى العراق حين ورد عليهم كتاب محمد بن سليمان يأمرهم بالمضي، فلمّا ورد موسى غمرة ونزلها كتب إليهم منها أن العجل العجل، فتوافوا بغمرة وأمروا العمري بالانصراف نحو المدينة وأن يكون مقيما على ليلة منها، فإذا خرج منها الحسين دخلها بعد خروجه.
следующие страницы →